تفسير الآية ١٨ من سورة الليل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 92 الليل > الآية ١٨ من سورة الليل

ٱلَّذِى يُؤْتِى مَالَهُۥ يَتَزَكَّىٰ ١٨

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 40 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٨ من سورة الليل من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٨ من سورة الليل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قوله "الذي يؤتى ماله يتزكى" أي يصرف ماله في طاعة ربه ليزكي نفسه وماله وما وهبه الله من دين ودنيا.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى ) يقول: الذي يعطي ماله في الدنيا في حقوق الله التي ألزمه إياها، ( يَتَزَكَّى ) : يعني: يتطهر بإعطائه ذلك من ذنوبه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ثم وصف الأتقى فقال : " الذي يؤتي ماله يتزكى " أي يطلب أن يكون عند الله زاكيا , ولا يطلب بذلك رياء ولا سمعة , بل يتصدق به مبتغيا به وجه الله تعالى .وقال بعض أهل المعاني : أراد بقوله " الأتقى " و " الأشقى " أي التقي والشقي كقول طرفة : تمنى رجال أن أموت وإن أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحد أي واحد ووحيد وتوضع ( أفعل ) موضع فعيل , نحو قولهم : الله أكبر بمعنى كبير , " وهو أهون عليه " [ الروم : 27 ] بمعنى هين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى } بأن يكون قصده به تزكية نفسه، وتطهيرها من الذنوب والعيوب ، قاصدًا به وجه الله تعالى، فدل هذا على أنه إذا تضمن الإنفاق المستحب ترك واجب، كدين ونفقة ونحوهما، فإنه غير مشروع، بل تكون عطيته مردودة عند كثير من العلماء، لأنه لا يتزكى بفعل مستحب يفوت عليه الواجب.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( الذي يؤتي ماله ) يعطي ماله ( يتزكى ) يطلب أن يكون عند الله زاكيا لا رياء ولا سمعة ، يعني أبا بكر الصديق ، في قول الجميع .

قال ابن الزبير : كان أبو بكر يبتاع الضعفة فيعتقهم ، فقال أبوه : أي بني لو كنت تبتاع من يمنع ظهرك ؟

قال : منع ظهري أريد ، فنزل : " وسيجنبها الأتقى " ، إلى آخر السورة .

وذكر محمد بن إسحاق قال : كان بلال لبعض بني جمح وهو بلال بن رباح واسم أمه حمامة ، وكان صادق الإسلام طاهر القلب ، وكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره ببطحاء مكة ، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ، ثم يقول له : لا تزال هكذا حتى تموت ، أو تكفر بمحمد ، فيقول وهو في ذلك البلاء : أحد أحد .

وقال محمد بن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه قال : مر به أبو بكر يوما وهم يصنعون به ذلك ، وكانت دار أبي بكر في بني جمح ، فقال لأمية ألا تتقي الله تعالى في هذا المسكين ؟

قال : أنت أفسدته فأنقذه مما ترى ، قال أبو بكر : أفعل!

عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى ، على دينك ، أعطيك ؟

قال : قد فعلت فأعطاه أبو بكر غلامه وأخذه فأعتقه ، ثم أعتق معه على الإسلام قبل أن يهاجر ست [ رقاب ] ، بلال سابعهم ، عامر بن فهيرة شهد بدرا وأحدا ، وقتل يوم بئر معونة شهيدا ، وأم عميس ، وزنيرة فأصيب بصرها حين أعتقها ، فقالت قريش : ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى [ فقالت : كذبوا وبيت الله ما تضر اللات والعزى ] ، وما تنفعان فرد الله إليها بصرها ، وأعتق النهدية وابنتها ، وكانتا لامرأة من بني عبد الدار فمر بهما وقد بعثتهما سيدتهما تحطبان لها وهي تقول والله لا أعتقكما أبدا .

فقال أبو بكر : خلا يا أم فلان ، فقالت : خلا أنت أفسدتهما فأعتقهما ، قال [ أبو بكر - رضي الله عنه - ] فبكم ؟

قالت : بكذا وكذا ، قال : قد أخذتهما وهما حرتان ، ومر بجارية بني المؤمل وهي تعذب فابتاعها فأعتقها .

وقال سعيد بن المسيب : بلغني أن أمية بن خلف قال لأبي بكر في بلال حين قال : أتبيعه ؟

قال : نعم أبيعه بنسطاس عبد لأبي بكر ، صاحب عشرة آلاف دينار ، وغلمان وجوار ومواش ، وكان مشركا حمله أبو بكر على الإسلام على أن يكون ماله له ، فأبى فأبغضه أبو بكر ، فلما قال له أمية أبيعه بغلامك نسطاس اغتنمه وباعه منه ، فقال المشركون : ما فعل ذلك أبو بكر ببلال إلا ليد كانت لبلال عنده فأنزل الله :

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الذي يؤتي ماله يتزكى» متزكيا به عند الله تعالى بأن يخرجه لله تعالى لا رياء ولا سمعة، فيكون زاكيا عند الله، وهذا نزل في الصدّيق رضي الله عنه لما اشترى بلالا المعذب على إيمانه وأعتقه، فقال الكفار: إنما فعل ذلك ليد كانت له عنده فنزلت.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وسيُزحزَح عنها شديد التقوى، الذي يبذل ماله ابتغاء المزيد من الخير.

وليس إنفاقه ذاك مكافأة لمن أسدى إليه معروفا، لكنه يبتغي بذلك وجه ربه الأعلى ورضاه، ولسوف يعطيه الله في الجنة ما يرضى به.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم وصف - سبحانه - هذا الإِنسان المبالغ فى تقواه وطاعته لربه فقال : ( الذي يؤتى ماله يتزكى ) أى : هذا الإِنسان الشديد التقوى من صفاته أنه يقد ماله لغيره ، وينفقه فى وجوه البر والطاعة ، رجاء أن يكون عند ربه زاكيا ناميا ، خاليا من شبهة الرياء والتفاخر ، وأملا فى أن يتطهر به من الذنوب .فقوله ( يتزكى ) فى محل نصب على الحال من فاعل ( يؤتى ) أى : يؤتى ماله حال كونه لا يطلب من وراء ذلك إلا تزكية ماله ، وتطهير نفسه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

تلظى أي تتوقد وتتلهب وتتوهج، يقال: تلظت النار تلظياً، ومنه سميت جهنم لظى، ثم بين أنها لمن هي بقوله: ﴿ لاَ يصلاها إِلاَّ الأشقى ﴾ قال ابن عباس: نزلت في أمية بن خلف وأمثاله الذين كذبوا محمداً والأنبياء قبله، وقيل: إن الأشقى بمعنى الشقي كما يقال: لست فيها بأوحد أي بواحد، فالمعنى لا يدخلها إلا الكافر الذي هو شقي لأنه كذب بآيات الله، وتولى أي أعرض عن طاعة الله.

واعلم أن المرجئة يتمسكون بهذه الآية في أنه لا وعيد إلا على الكفار، قال القاضي: ولا يمكن إجراء هذه الآية على ظاهرها، ويدل على ذلك ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يقتضي أن لا يدخل النار إلا الأَشقى الذي كذب وتولى فوجب في الكافر الذي لم يكذب ولم يتول أن لا يدخل النار.

وثانيها: أن هذا إغراء بالمعاصي، لأنه بمنزلة أن يقول الله تعالى: لمن صدق بالله ورسوله ولم يكذب ولم يتول: أي معصية أقدمت عليها، فلن تضرك، وهذا يتجاوز حد الإغراء إلى أن تصير كالإباحة، وتعالى الله عن ذلك.

وثالثها: أن قوله تعالى: من بعد ﴿ وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى  ﴾ يدل على ترك هذا الظاهر لأنه معلوم من حال الفاسق، أنه ليس بأتقى، لأن ذلك مبالغة في التقوى، ومن يرتكب عظائم الكبائر لا يوصف بأنه أتقى، فإن كان الأول يدل على أن الفاسق لا يدخل النار، فهذا الثاني يدل على أن الفاسق لا يجنب النار، وكل مكلف لا يجنب النار، فلابد وأن يكون من أهلها، ولما ثبت أنه لابد من التأويل، فنقول: فيه وجهان الأول: أن يكون المراد بقوله: ﴿ نَاراً تلظى ﴾ ناراً مخصوصة من النيران، لأنها دركات لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل مِنَ النار  ﴾ فالآية تدل على أن تلك النار المخصوصة لا يصلاها سوى هذا الأشقى، ولا تدل على أن الفاسق وغير من هذا صفته من الكفار لا يدخل سائر النيران الثاني: أن المراد بقوله: ﴿ نَاراً تلظى ﴾ النيران أجمع، ويكون المراد بقوله: ﴿ لاَ يصلاها إِلاَّ الأشقى ﴾ أي هذا الأشقى به أحق، وثبوت هذه الزيادة في الاستحقاق غير حاصل إلا لهذا الأشقى.

واعلم أن وجوه القاضي ضعيفة.

أما قوله أولاً: يلزم في غير هذا الكافر أن لا يدخل النار فجوابه: أن كل كافر لابد وأن يكون مكذباً للنبي في دعواه، ويكون متولياً عن النظر في دلالة صدق ذلك النبي، فيصدق عليه أنه أشقى من سائر العصاة، وأنه كذب وتولى وإذا كان كل كافر داخلاً في الآية سقط ما قاله القاضي.

وأما قوله ثانياً: إن هذا إغراء بالمعصية فضعيف أيضاً، لأنه يكفي في الزجر عن المعصية حصول الذم في العاجل وحصول غضب الله بمعنى أنه لا يكرمه ولا يعظمه ولا يعطيه الثواب، ولعله يعذبه بطريق آخر، فلم يدل دليل على انحصار طريق التعذيب في إدخال النار.

وأما قوله ثالثاً: ﴿ وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى ﴾ فهذا لا يدل على حال غير الأتقى إلا على سبيل المفهوم، والتمسك بدليل الخطاب وهو ينكر ذلك فكيف تمسك به؟

والذي يؤكد هذا أن هذا يقتضي فيمن ليس بأتقى دخول النار، فيلزم في الصبيان والمجانين أن يدخلوا النار وذلك باطل.

وأما قوله رابعاً: المراد منه نار مخصوصة، وهي النار التي تتلظى فضعيف أيضاً، لأن قوله: ﴿ نَاراً تلظى ﴾ يحتمل أن يكون ذلك صفة لكل النيران، وأن يكون صفة لنار مخصوصة، لكنه تعالى وصف كل نار جهنم بهذا الوصف في آية أخرى، فقال: ﴿ كَلاَّ إِنَّهَا لظى نَزَّاعَةً للشوى  ﴾ .

وأما قوله: المراد إن هذا الأشقى أحق به فضعيف لأنه ترك للظاهر من غير دليل، فثبت ضعف الوجوه التي ذكرها القاضي، فإن قيل: فما الجواب عنه على قولكم، فإنكم لا تقطعون بعدم وعيد الفساق؟

الجواب: من وجهين: الأول: ما ذكره الواحدي وهو أن معنى: ﴿ لاَ يصلاها ﴾ لا يلزمها في حقيقة اللغة، يقال: صلى الكافر النار إذا لزمها مقاسياً شدتها وحرها، وعندنا أن هذه الملازمة لا تثبت إلا للكافر، أما الفاسق فإما أن لا يدخلها أو إن دخلها تخلص منها الثاني: أن يخص عموم هذا الظاهر بالآيات الدالة على وعيد الفساق، والله أعلم.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِنَّ عَلَيْنَا للهدى ﴾ إن الإرشاد إلى الحق واجب علينا بنصب الدلائل وبيان الشرائع ﴿ وَإِنَّ لَنَا لَلاَّخِرَةَ والأولى ﴾ أي: ثواب الدّارين للمهتدي، كقوله: ﴿ وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين ﴾ [العنكبوت: 27] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى ﴾ تَتَلَهَّبُ.

﴿ لا يَصْلاها ﴾ لا يَلْزَمُها مُقاسِيًا شِدَّتَها.

﴿ إلا الأشْقى ﴾ إلّا الكافِرُ فَإنَّ الفاسِقَ وإنْ دَخَلَها لا يَلْزَمُها ولِذَلِكَ سَمّاهُ أشْقى ووَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى ﴾ أيْ كَذَّبَ الحَقَّ وأعْرَضَ عَنِ الطّاعَةِ.

﴿ وَسَيُجَنَّبُها الأتْقى ﴾ الَّذِي اتَّقى الشِّرْكَ والمَعاصِيَ فَإنَّهُ لا يَدْخُلُها فَضْلًا عَنْ أنْ يَدْخُلَها ويَصْلاها، ومَفْهُومُ ذَلِكَ أنَّ مَنِ اتَّقى الشِّرْكَ دُونَ المَعْصِيَةِ لا يُجَنَّبُها ولا يَلْزَمُ ذَلِكَ صِلِيَّها فَلا يُخالِفُ الحَصْرَ السّابِقَ.

﴿ الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ ﴾ يَصْرِفُهُ في مَصارِفِ الخَيْرِ لِقَوْلِهِ: ﴿ يَتَزَكّى ﴾ فَإنَّهُ بَدَلٌ مِن يُؤْتِي أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{الذي يؤتي ماله} للفقراء {يتزكى} من الزكاة أي يطلب أن يكون عند الله زاكياً لا يريد به رياء ولا سمعة أو يتفعل من الزكاة ويتزكى إن جعلته بدلاً من يؤتى فلا محل له لأنه داخل فى حكم الصلة والصلات لا محل لها وإن جعلته حالاً من الضمير في يؤتى فمحله النصب قال أبو عبيدة الأشقى بمعنى الشقي وهو الكافر والأتقى بمعنى التقى وهو المؤمن لأنه لا يختص بالمصلى أشقى الأشقياء ولا بالنجاة أتقى الأتقياء وإن زعمت أنه نكر النار فأراد ناراً مخصوصة بالأشقى فما تصنع بقوله وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى لأن الاتقى يجنب تلك النار المخصوصة لا الأتقى منهم

خاصة وقيل الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين وعظيم من المؤمنين فأريد أن يبالغ فى صفتيهما فقيل الأشقى وجعل مختصا بالمصلى كأن النار لم تخلق إلا له وقيل الاتقى وجعل مختصا بالنجاة كأن الحنة لم تخلق إلا له وقيل هما أبو جهل وأبو بكر وفيه بطلان زعم المرجئة لأنهم يقولون لا يدخل النار إلا كافر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ ﴾ أيْ: يُعْطِيهِ ويَصْرِفُهُ ﴿ يَتَزَكّى ﴾ طالِبًا أنْ يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى زاكِيًا نامِيًا لا يُرِيدُ بِهِ رِياءً ولا سُمْعَةً أوْ مُتَطَهِّرًا مِنَ الذُّنُوبِ، فالجُمْلَةُ نَصْبٌ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ يُؤْتِي، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِنَ الصِّلَةِ فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ الفِعْلُ وحْدَهُ بَدَلًا مِنَ الفِعْلِ السّابِقِ وحْدَهُ، واعْتُرِضَ كِلا الوَجْهَيْنِ بِأنَّ البَدَلَ مِن قِسْمِ التّابِعِ المُعَرَّفِ بِكُلِّ ثانٍ أُعْرِبَ بِإعْرابِ سابِقِهِ ولا إعْرابَ لِلصِّلَةِ حَتّى يَثْبُتَ لَها تابِعٌ فِيهِ، وسَبَبُ الإعْرابِ وهو الرَّفْعُ في الفِعْلِ مُتَوَفِّرٌ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ التَّبَعِيَّةِ وهو عَلى المَشْهُورِ تَجَرُّدُهُ عَنِ النّاصِبِ والجازِمِ فَلَيْسَ مُعْرَبًا بِإعْرابِ سابِقِهِ لِظُهُورِ ذَلِكَ في كَوْنِ إعْرابِهِ لِلتَّبَعِيَّةِ وهو هُنا لَيْسَ لَها بَلْ لِلتَّجَرُّدِ.

وأُجِيبَ مَعَ الإغْماضِ عَمّا في ذَلِكَ التَّعْرِيفِ مِمّا نَبَّهَ عَلى بَعْضِهِ الرَّضِيُّ، أمّا عَنِ الأوَّلِ فَبِأنَّ المُرادَ أُعْرِبَ بِإعْرابِ سابِقِهِ إنْ كانَ لَهُ إعْرابٌ أوْ بِأنَّ المُرادَ أُعْرِبَ بِإعْرابِ سابِقِهِ وُجُودًا وعَدَمًا، وقِيلَ: إطْلاقُ التّابِعِ عَلى ذَلِكَ ونَحْوِهِ مِنَ الحَرْفِ والفِعْلِ الغَيْرِ المُعْرَبِ مَجازٌ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُشابِهٌ لِلتّابِعِ لِمُوافَقَتِهِ لِسابِقِهِ فِيما لَهُ، وأمّا عَنِ الثّانِي فَبِأنَّ الشَّيْءَ قَدْ يُقْصَدُ لِشَيْءٍ وإنْ كانَ مُتَحَقِّقًا قَبْلَ ذَلِكَ الشَّيْءِ لِأمْرٍ آخَرَ كَألِفِ التَّثْنِيَةِ وواوِ الجَمْعِ؛ فَإنَّهُ يُؤْتى بِهِما لِلدَّلالَةِ عَلى التَّثْنِيَةِ والجَمْعِ فَيَتَحَقَّقانِ، ويَأْتِي عامِلُ الرَّفْعِ عَلى المُثَنّى والمَجْمُوعِ وهُما فِيهِما قَبْلَهُ فَيُقْصَدانِ لَهُ، وقالَ السَّيِّدُ عِيسى: المُرادُ بِقَوْلِهِمْ: كُلُّ ثانٍ أُعْرِبَ...

إلَخْ كُلُّ ثانٍ أُعْرِبَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُعْرَبًا فَتَدَبَّرْ ولا تَغْفُلْ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿ يَتَزَكّى ﴾ بِتَقْدِيرِ لِأنْ يَتَزَكّى مُتَعَلِّقًا بِ «يُؤْتِي» عِلَّةً لَهُ، ثُمَّ حُذِفَتِ اللّامُ، وحَذْفُها مِن أنْ وأنَّ شائِعٌ، ثُمَّ حُذِفَتْ أنْ فارْتَفَعَ الفِعْلُ أوْ بَقِيَ مَنصُوبًا كَما في قَوْلِ طَرَفَةَ: ألا أيُّهَذا الزّاجِرِي أحْضُرَ الوَغى فَقَدْ رُوِيَ بِرَفْعِ أحْضُرَ وبِنَصْبِهِ.

وقِيلَ: إنَّهُ بِتَقْدِيرِ لِأنْ، أوْ عَنْ أنْ أحْضُرَ فَصُنِعَ فِيهِ نَحْوُ ما سَمِعْتَ.

وأيًّا ما كانَ يَدُلُّ الكَلامُ عَلى أنَّ المُرادَ بِإيتائِهِ صَرْفُهُ في وُجُوهِ البِرِّ والخَيْرِ.

وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ: «يَزَّكّى» بِإدْغامِ التّاءِ في الزّايِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي إحدى وعشرون آية مكية قوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى أقسم الله تعالى بالليل، إذا غشيت ظلمته ضوء النهار.

ويقال: أقسم بخالق الليل إذا يغشى، يعني: يغشى الليل ضوء النهار وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى يعني: أقسم بالنهار إذا استنار، وتجلى عن الظلمة وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى يعني: والذي خلق الذكر والأنثى، يعني: آدم وحواء.

وقال القتبي: ما ومن أصلهما واحد، وجعل من للناس، وما لغير الناس.

ويقال: من مَرّ بك من الناس، وما مَرّ بك من الإبل.

وقال أبو عبيد: وما خلق، أي: وما خلق، وكذلك قوله: وَالسَّماءِ وَما بَناها (5) [الشمس: 5] وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (7) [الشمس: 7] «وما» في هذه المواضع بمعنى «من» وقال أبو عبيد: وما بمعنى من وبمعنى الذي.

وروي عن ابن مسعود، أنه كان يقرأ والنهار إذا تجلى، والذكر والأنثى وروى الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة قال: قدمنا الشام، فأتانا أبو الدرداء، فقال: أفيكم أحد يقرأ على قراءة عبد الله بن مسعود؟

فأشاروا إلي، فقلت: نعم أنا.

فقال: كيف سمعت عبد الله يقرأ هذه الآية؟

قلت: سمعته يقرأ، والذكر والأنثى.

قال: أنا هكذا والله سمعت رسول الله  ، يقرأها، وهؤلاء يريدونني على أن أقرأها كلا أنا معهم.

ثم قال عز وجل: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى فهذا موضع جواب القسم، أقسم الله تعالى بخالق هذه الأشياء، إن سعيكم لشتى، يعني: أديانكم ومذاهبكم مختلفة، يعني: عملكم مختلف.

عامل للجنة، وعامل للنار.

وقال أبو الليث رحمه الله: حدثنا أبو جعفر، حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن سهل القاضي قال: أخبرنا حدّثنا أحمد بن جرير، قال حدثنا أبو عبد الرحمن راشد بن إسماعيل، عن منصور بن مزاحم، عن يونس بن إسحاق، عن عبد الله بن مسعود  ، إن أبا بكر  ، اشترى بلالاً من أمية بن خلف، وأبي بن خلف ببروة وعشرة أواق من فضة، فأعتقه لله تعالى، فأنزل الله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى يعني: سعي أبي بكر، وأمية بن خلف.

فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى يعني: بلا إله إلا الله، يعني: أبا بكر فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى يعني: الجنة وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى يعني: بلا إله إلا الله فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى يعني: أمية، وأبي ابني خلف إذا ماتا.

ويقال: لنزول هذه الآية سبب آخر، كان رجل من الكفار له نخلة في دار، وشعبها في دار رجل آخر من المسلمين، وكان إذا سقطت ثمرة في دار المسلم، نادى الكافر: حرام حرام، وكان المسلم يأخذ الثمرة، فيرمي بها في دار الكافر، لئلا يأكل ذلك صبيانه فسقطت يوماً ثمرة، فأخذها ابن صغير للمسلم، فجعلها في فيه، فدخل الكافر، فأخرج الثمرة من فيه، وأبكى الصبي.

فشكى المسلم إلى النبي  ، فدعا المشرك فقال: أتبيع نخلتك ليعطيك الله أفضل منها في الجنة، فقال: لا أبيع العاجل بالآجل، فسمع رجل من أصحاب النبيّ  ، فاشترى النخلة من الكافر، وتصدق بها على المسلم.

فنزلت فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى يعني: أعطى من ماله حق الله تعالى، واتقى الشرك، وسخط الله تعالى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى يعني: بثواب الله في الجنة فَسَنُيَسِّرُهُ يعني: سنعينه ونوفقه لِلْيُسْرى يعني: لعمل أهل الجنة وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ بالصدقة وَاسْتَغْنى يعني: رأى نفسه مستغنياً عن ثواب الله، وعن جنته وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى يعني: بالثواب وهو الجنة فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى يعني: نخذله ولا نوفقه للطاعة، فسنيسر عليه طريق المعصية وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى يعني: ما ينفعه ماله، إذا مات وتركه في الدنيا، وهو يرد إلى النار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تفسير سورة «اللّيل»

وهي مكّيّة في قول الجمهور

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (١) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى (٢)

أقسَمَ تعالى بالليل إذا غَشِيَ الأرضَ وجميعَ ما فيها، وبالنهارِ إذا تَجَلَّى، أي: ظهَرَ وضَوَّى الآفاقَ، وقال- ص-: يَغْشى: مفعولهُ محذوفٌ فيحتملُ أنْ يكونَ النهارَ كقوله: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ [الأعراف: ٥٤] أو الشمس كقوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها [الشمس: ٤] وقيل الأرض وما فيها، انتهى.

وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧)

وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠) وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى (١١) إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (١٢)

وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى (١٤)

وقوله تعالى: وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى يحتملُ أنْ تكونَ «ما» بمعنى: «الذي» ويحتملُ أَنْ تكونَ مصدريةً، والذكرُ والأنثى هنا عامٌّ، وقال الحسن: المرادُ آدمُ وحواء «١» ، والسَّعْيُ العَمَلُ، فأخبرَ تعالى مُقْسِماً أَنَّ أعمالَ العبادِ شَتَّى، أي: متفرقة جدًّا بعضُها في رِضَى اللَّهِ، وبعضها في سَخَطِه، ثم قَسَّم تعالى الساعينَ فقال: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى الآية، ويُروى أن هذهِ الآيَة نزلتْ في أبي بكرٍ الصديقِ- رضي اللَّه عنه-.

وقوله تعالى: وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى قيل هي: لا إله إلا اللَّه، وقيل: هي الخَلَفُ الذي وَعَدَ اللَّه بهِ، وقيل: هي الجنةُ، وقال كثيرٌ من المتأولينَ: الحسنى: الأجرُ والثوابُ مُجْمَلاً، والعُسْرَى: الحال السيئة في الدنيا والآخرة، ومن جَعل بَخِلَ في المالِ خَاصَّةً جَعَلَ اسْتَغْنى في المالِ أيضاً، لتَعْظُمَ المَذَمَّةُ، ومَنْ جَعَلَ بَخِلَ عَامًّا في جَمِيعِ مَا يَنْبَغِي أن يبْذَلَ، مِنْ قَولٍ أو فعلٍ قال: اسْتَغْنى عن اللَّهِ ورحمتهِ بِزَعْمِه، وظاهرُ قوله:

وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ أَنَّ الإعطاءَ والبخلَ المذكورين إنما هما في المال.

وقوله تعالى: إِذا تَرَدَّى، قال قتادة وغيره: معناه تردَّى في جهنم «١» .

وقال مجاهد: تَرَدَّى معناه: هَلَكَ من الردَّى «٢» ، وخَرَّج البخاريُّ وغيرُه عن علي- رضي اللَّه عنه- قال: «كُنَّا مع النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في بَقِيعِ الغَرْقَدِ في جِنَازَةٍ، فقالَ: مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، أوْ مَا/ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إلاَّ وَقَدْ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإلاَّ قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه، أفَلاَ نتَّكِلُ على كِتَابِنَا، وَنَدَعُ الْعَمَلَ، فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إلى أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَسَيَصِيرُ إلى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاءِ؟

قال: أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ، فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ، فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، ثُمَّ قَرَأَ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى إلى قوله:

لِلْعُسْرى» وفي روايةٍ، لَمَا قيلَ له: أفَلاَ نتَّكِلُ على كِتَابِنَا، قال: لاَ بَلِ اعملوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» الحديثَ، وخرَّجه الترمذيُّ أيضاً، انتهى، قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» :

«وسأل شابّان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فَقَالاَ: العَملُ فِيما جَفَّتْ بهِ الأَقْلاَمُ وجَرَتْ بهِ المَقَادِيرُ أَمْ في شَيْءٍ مُسْتَأْنَفٍ؟

فقال: بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الأَقْلاَمُ، وجَرَتْ بِهِ المَقَادِيرُ، قَالاَ: فَفِيمَ العَمَلُ إذَنْ: قَالَ: اعملوا فَكُلُّ مُيسَّر لِعَمَلِهِ الَّذِي خُلِقَ له» قالا: فالآنَ نَجِدُّ ونَعْمَلُ» «٣» انتهى، وقال قوم: معنى تردى، أي: بأكْفَانِهِ مِنَ الرِّدَاءِ ومنه قول الشاعر: [الطويل]

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ اللَّيْلِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّيْلِ إذا يَغْشى ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَغْشى بِظُلْمَتِهِ النَّهارَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: يَغْشى الأُفُقَ، ويَغْشى جَمِيعَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، ﴿ والنَّهارِ إذا تَجَلّى ﴾ أيْ: بانَ وظَهَرَ مِن بَيْنِ الظُّلْمَةِ، ﴿ وَما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى ﴾ في " ما " قَوْلانِ.

وقَدْ ذَكَرْناهُما عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما بَناها  ﴾ .

وفي ﴿ الذَّكَرَ والأُنْثى ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: آدَمُ وحَوّاءُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ أعْمالَكم لَمُخْتَلِفَةٌ، عَمَلٌ لِلْجَنَّةِ، وعَمَلٌ لِلنّارِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: سَعْيُ المُؤْمِنِ والكافِرِ مُخْتَلِفٌ، بَيْنَهُما بُعْدٌ.

وَفِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اشْتَرى بِلالًا مِن أُمَيَّةَ وأُبَيٍّ ابْنَيْ خَلَفٍ بِبُرْدَةٍ وعَشْرَةِ أواقٍ، فَأعْتَقَهُ، فَأنْزَلُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ " واللَّيْلِ " إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى ﴾ يَعْنِي: سَعْيَ أبِي بَكْرٍ، وأُمَيَّةَ وأُبَيٍّ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا كانَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فَرْعُها في دارِ رَجُلٍ فَقِيرٍ ذِي عِيالٍ، وكانَ الرَّجُلُ إذا صَعَدَ النَّخْلَةَ لِيَأْخُذَ مِنها الثَّمَرَ، فَرُبَّما سَقَطَتِ الثَّمَرَةُ، فَيَأْخُذُها صِبْيانُ الفَقِيرِ، فَيَنْزِلُ الرَّجُلُ مِن نَخْلَتِهِ حَتّى يَأْخُذَ الثَّمَرَةَ مِن أيْدِيهِمْ، فَإنْ وجَدَها في فَمِ أحَدِهِمْ أدْخَلَ أُصْبُعَهُ حَتّى يُخْرِجَها، فَشَكا ذَلِكَ الرَّجُلُ إلى النَّبِيِّ  ، فَلَقِيَ النَّبِيُّ  صاحِبَ النَّخْلَةِ، فَقالَ: " تُعْطِينِي نَخْلَتَكَ الَّتِي فَرْعَها في دارِ فُلانٍ ولَكَ بِها نَخْلَةٌ في الجَنَّةِ؟

" فَقالَ الرَّجُلُ: إنَّ لِي نَخْلًا وما فِيهِ نَخْلَةٌ أعْجَبُ إلَيَّ مِنها، ثُمَّ ذَهَبَ الرَّجُلُ، فَقالَ رَجُلٌ مِمَّنْ سَمِعَ ذَلِكَ الكَلامَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أتُعْطِينِي نَخْلَةً في الجَنَّةِ إنْ أنا أخَذْتُها؟

قالَ: نَعَمْ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ، فَلَقِيَ صاحِبَ النَّخْلَةِ، فَساوَمَها مِنهُ، فَقالَ لَهُ: أما شَعَرْتَ أنَّ مُحَمَّدًا أعْطانِي بِها نَخْلَةً في الجَنَّةِ؟

فَقُلْتُ: ما لِي نَخْلَةٌ أعْجَبُ إلَيَّ مِنها، فَقالَ لَهُ: أتُرِيدُ بَيْعَها؟

قالَ: لا، إلّا أنْ أُعْطى بِها مالًا أظُنُّنِي أُعْطى، قالَ: ما مُناكَ؟

قالَ: أرْبَعُونَ نَخْلَةً.

فَقالَ: أنا أُعْطِيكَ أرْبَعِينَ نَخْلَةً، فَأشْهَدَ لَهُ ناسًا، ثُمَّ ذَهَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَقالَ: إنَّ النَّخْلَةَ قَدْ صارَتْ في مُلْكِي، وهي لَكَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ  إلى صاحِبِ الدّارِ، فَقالَ: النَّخْلَةُ لَكَ ولِعِيالِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ واللَّيْلِ إذا يَغْشى ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى ﴾ » رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ عَطاءٌ: الَّذِي اشْتَراها مِنَ الرَّجُلِ أبُو الدَّحْداحِ، أخَذَها بِحائِطٍ لَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآياتِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى ﴾ أبُو الدَّحْداحِ، وصاحِبُ النَّخْلَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَعْنِي: أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.

وقالَ عَطاءٌ: هو أبُو الدَّحْداحِ.

وَفِي المُرادِ بِهَذا العَطاءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أعْطى مِن فَضْلِ مالِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أعْطى اللَّهَ الصِّدْقَ مِن قَلْبِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: أعْطى حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واتَّقى ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: اتَّقى اللَّهَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: اتَّقى البُخْلَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: اتَّقى مَحارِمَ اللَّهِ الَّتِي نَهى عَنْها، قالَهُ قَتادَةُ.

وَفِي " الحُسْنى " سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ " لا إلَهَ إلّا اللَّهُ "، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: الخَلَفُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: الجَنَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، قالَهُ عَطاءٌ.

والخامِسُ: بِوَعْدِ اللَّهِ أنْ يُثِيبَهُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.

والسّادِسُ: الصَّلاةُ، والزَّكاةُ، والصَّوْمُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى ﴾ ضَمَّ أبُو جَعْفَرٍ سِينَ " اليُسْرى " وسِينَ " العُسْرى " وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لِلْخَيْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والمَعْنى: نُيَسِّرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ.

والثّانِي: لِلْجَنَّةِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

﴿ وَأمّا مَن بَخِلَ ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَعْنِي ذَلِكَ أُمَيَّةَ وأُبَيَّ ابْنَيْ خَلَفٍ.

وقالَ عَطاءٌ: هو صاحِبُ النَّخْلَةِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ﴿ وَأمّا مَن بَخِلَ ﴾ بِالنَّفَقَةِ في الخَيْرِ والصَّدَقَةِ.

وقالَ قَتادَةُ: بِحَقِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ﴿ واسْتَغْنى ﴾ عَنْ ثَوابِ اللَّهِ فَلَمْ يَرْغَبْ فِيهِ ﴿ وَكَذَّبَ بِالحُسْنى ﴾ وقَدْ سَبَقَتِ الأقْوالُ فِيها.

وَفِي " العُسْرى " قَوْلانِ.

أحَدُهُما: النّارُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: الشَّرُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والمَعْنى: سَنُهَيِّؤُهُ لِلشَّرِّ فَيُؤَدِّيهِ إلى الأمْرِ العَسِيرِ، وهو عَذابُ النّارِ.

ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ ما أمْسَكَهُ مِن مالِهِ لا يَنْفَعُهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿ وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ ﴾ الَّذِي بَخِلَ بِهِ عَنِ الخَيْرِ ﴿ إذا تَرَدّى ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: إذا تَرَدّى في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ.

والمَعْنى: إذا سَقَطَ فِيها.

والثّانِي: إذا ماتَ فَتَرَدّى في قَبْرِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف مقرّر لمضمون الكلام السابق من قوله: ﴿ فأما من أعطى ﴾ إلى قوله: ﴿ للعسرى ﴾ [الليل: 5 10]، وذلك لإِلقاء التبعة على من صار إلى العسرى بأن الله أعذر إليه إذ هداه بدعوة الإسلام إلى الخير فأعرض عن الاهتداء باختياره اكتسابَ السيئات، فإن التيسير لليسرى يحصل عند ميل العبد إلى عمل الحسنات، والتيْسير للعسرى يحصل عند ميله إلى عمل السيئات.

وذلك الميل هو المعبَّرُ عنه بالكسب عند الأشعري، وسماه المعتزلة: قدرة العبد، وهو أيضاً الذي اشتبه على الجبرية فسمَّوْه الجبر.

وتأكيد الخبر ب ﴿ إنَّ ﴾ ولام الابتداء يومئ إلى أن هذا كالجواب عما يجيش في نفوس أهل الضلال عند سماع الإِنذار السابق من تكذيبه بأن الله لو شاء منهم مَا دعاهم إليه لألجأهم إلى الإِيمان.

فقد حكي عنهم في الآية الأخرى: ﴿ وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ﴾ [الزخرف: 20].

وحرف (على) إذا وقع بين اسم وما يدل على فِعل يُفيد معنى اللزوم، أي لازم لنا هُدَى الناس، وهذا التزام من الله اقتضاه فضله وحكمته فتولى إرشاد الناس إلى الخير قبل أن يؤاخذهم بسوء أعمالهم التي هي فساد فيما صنع الله من الأعيان والأنظمة التي أقام عليها فطرة نظام العالم، فهدى الله الإنسان بأن خلقه قابلاً للتمييز بين الصلاح والفساد ثم عزز ذلك بأن أرسل إليه رُسلاً مبينين لما قد يخفى أمرُه من الأفعال أو يشتبه على الناس فساده بصلاحه ومنبهين الناس لما قد يغفلون عنه من سابق ما علموه.

وعطف ﴿ وإن لنا للآخرة والأولى ﴾ على جملة: ﴿ إن علينا للهدى ﴾ تتميم وتنبيه على أن تعهّد الله لعباده بالهُدى فضلٌ منه وإلا فإن الدار الآخرة ملكه والدار الأولى ملكه بما فيهما قال تعالى: ﴿ وللَّه ملك السماوات والأرض وما بينهما ﴾ [المائدة: 17] فله التصرف فيهما كيف يشاء فلا يحسبوا أن عليهم حقاً على الله تعالى إلا ما تفضل به.

وفي الآية إشارة عظيمة إلى أن أمور الجزاء في الأخرى تجري على ما رتبه الله وأعلم به عباده.

وأن نظام أمور الدنيا وترتب مسبباته على أسبابه أمر قد وضعه الله تعالى وأمر بالحفاظ عليه وأرشد وهدى، فمن فرط في شيء من ذلك فقد استحق ما تسبب فيه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ اللَّيْلِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ واللَّيْلِ إذا يَغْشى ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: إذا أظْلَمَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: غَطّى وسَتَرَ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّالِثُ: إذا غَشّى الخَلائِقَ فَعَمَّهم ومَلَأهم، قالَهُ قَتادَةُ، وهَذا قَسَمٌ.

﴿ والنَّهارِ إذا تَجَلّى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إذا أضاءَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: إذا ظَهَرَ، وهو مُقْتَضى قَوْلِ ابْنِ جُبَيْرٍ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: إذا أظْهَرَ ما فِيهِ مِنَ الخَلْقِ، وهَذا قَسَمٌ ثانٍ.

﴿ وَما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى ﴾ قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ واَلَّذِي خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى فَيَكُونُ هَذا قَسَمًا بِنَفْسِهِ تَعالى.

وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: وهو أشْبَهُ مِن قَوْلِ الحَسَنِ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ وما خَلَقَ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى، فَتَكُونُ (مَن) مُضْمَرَةَ المَعْنى مَحْذُوفَةَ اللَّفْظِ، ومَيَّزَهم بِخَلْقِهِمْ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى عَنِ المَلائِكَةِ الَّذِينَ لَمْ يُخْلَقُوا مَن ذَكَرٍ وأُنْثى، ويَكُونُ القَسَمُ بِأهْلِ طاعَتِهِ مِن أوْلِيائِهِ وأنْبِيائِهِ، ويَكُونُ قَسَمُهُ بِهِمْ تَكْرِمَةً لَهم وتَشْرِيفًا.

وَفي المُرادِ بِالذَّكَرِ والأُنْثى قَوْلانِ: أحَدُهُما: آدَمُ وحَوّاءُ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: مِن كُلِّ ذِكْرٍ وأُنْثى.

فَإنْ حُمِلَ عَلى قَوْلِ الحَسَنِ فَكُلُّ ذَكَرٍ وأُنْثى مِن آدَمِيٍّ وبَهِيمَةٍ، لِأنَّ اللَّهَ خَلَقَ جَمِيعَهم.

وَإنْ حُمِلَ عَلى التَّخْرِيجِ الَّذِي ذَكَرْتُ أنَّهُ أظْهَرُ، فَكُلُّ ذَكَرٍ وأُنْثى مِنَ الآدَمِيِّينَ دُونَ البَهائِمِ لِاخْتِصاصِهِمْ بِوِلايَةِ اللَّهِ وطاعَتِهِ، وهَذا قَسَمٌ ثالِثٌ: ﴿ إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى ﴾ أيْ مُخْتَلِفٌ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَمُخْتَلِفُ الجَزاءِ، فَمِنكم مُثابٌ بِالجَنَّةِ، ومِنكم مُعاقَبٌ بِالنّارِ.

الثّانِي: لَمُخْتَلِفُ الأفْعالِ، مِنكم مُؤْمِنٌ وكافِرٌ، وبَرٌّ وفاجِرٌ، ومُطِيعٌ وعاصٍ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: لَمُخْتَلِفُ الأخْلاقِ، فَمِنكم راحِمٌ وقاسٍ، وحَلِيمٌ وطائِشٌ، وجَوّادٌ وبَخِيلٌ، وعَلى هَذا وقَعَ القَسَمُ.

وَرَوى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وفي أُمَيَّةٍ وأُبَيٍّ ابْنَيْ خَلَفٍ حِينَ عَذَّبا بِلالًا عَلى إسْلامِهِ، فاشْتَراهُ أبُو بَكْرٍ، ووَفّى ثَمَنَهُ بُرْدَةً وعَشْرَ أوْراقٍ، وأعْتَقَهُ لِلَّهِ تَعالى، فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِ.

﴿ فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَعْنِي أبا بَكْرٍ.

وَفي قَوْلِهِ ﴿ أعْطى ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِن بَذْلِ مالِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: اتَّقى مَحارِمَ اللَّهِ الَّتِي نَهى عَنْها، قالَ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: اتَّقى البُخْلَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ وَصَدَّقَ بِالحُسْنى ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، وهو قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: بِمَوْعُودِ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: بِالجَنَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: بِالثَّوابِ، قالَهُ خَصِيفٌ.

الخامِسُ: بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصَّوْمِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

السّادِسُ: بِما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، قالَهُ عَطاءٌ.

السّابِعُ: بِالخَلَفِ مِن عَطائِهِ، قالَهُ الحَسَنُ، ومَعانِي أكْثَرِها مُتَقارِبَةٌ.

﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: لِلْخَيْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: لِلْجَنَّةِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: فَسَنُيَسِّرُ لَهُ أسْبابَ الخَيْرِ والصَّلاحِ حَتّى يَسْهُلَ عَلَيْهِ فِعْلُها.

﴿ وَأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَعْنِي بِذَلِكَ أُمَيَّةَ وأُبَيًّا ابْنَيْ خَلَفٍ.

وَفي قَوْلِهِ ﴿ بَخِلَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: بَخِلَ بِمالِهِ الَّذِي لا يَبْقى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ.

الثّانِي: بَخِلَ بِحَقِّ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ واسْتَغْنى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِمالِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: عَنْ رَبِّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ وَكَذَّبَ بِالحُسْنى ﴾ فِيهِ التَّأْوِيلاتُ السَّبْعَةُ.

﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِلشَّرِّ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: لِلنّارِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: فَسَنُعْسِّرُ عَلَيْهِ أسْبابَ الخَيْرِ والصَّلاحِ حَتّى يَصْعُبَ عَلَيْهِ فِعْلُها فَعِنْدَ نُزُولِ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ يَرْوِي قَتادَةُ عَنْ خُلَيْدٍ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: « (ما مِن يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ شَمْسُهُ إلّا ومَلَكانِ يُنادِيانِ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا وأعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا، ثُمَّ قَرَأ ﴿ فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى ﴾ الآيَةَ واَلَّتِي بَعْدَها)» .

﴿ وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إذا تَرَدّى في النّارِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

الثّانِي: إذا ماتَ فَتَرَدّى في قَبْرِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: إذا تَرَدّى في ضَلالِهِ وهَوى في مَعاصِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

(قوله): ﴿ الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى ﴾ قال أبو إسحاق: يطلب أن يكون عند الله زاكيًا لا يطلب بذلك رياء ولا سمعه (١) (١) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 336 بنصه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تلظى ﴾ خطاب من الله أو من النبي صلى الله عليه وسلم على تقدير: قل ﴿ لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ الأشقى ﴾ استدل المرجئة بهذه الآية على أن النار لا يدخلها إلا الكفار لقوله: الذي كذب وتولى.

وتأولها الناس بثلاثة أوجه أحدها: أن المعنى لا يصلاها صلي خلود إلا الأشقى، والآخر: أنه أراد ناراً مخصوصة.

الثالث: أنه أراد بالأشقى كافراً معيناً وهو أبو جهل وأمية بن خلف، وقابل به الأتقى وهو أبو بكر الصديق؛ فخرج الكلام مخرج المدح والذم على الخصوص، لا مخرج الإخبار على العموم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ ﴾ جعل الله -  - الليل والنهار آيتين عظيمتين ظاهرتين مكررتين على الخلائق ما يعرف [كل] كافر ومؤمن، وجميع أهل التنازع الذين ينازعون أهل الإيمان والتوحيد من الجبابرة والفراعنة.

والقسم بالليل والنهار، القسم بقوله: ﴿ وَٱلضُّحَىٰ  وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ  ﴾ واحد.

وقد ذكرنا أن القسم إنما ذكر في تأكيد ما يقع به القسم، ما لولا القسم كان ذلك يوجب دون القسم؛ وذلك لعظم ما فيهما؛ تى قهرا جميع الفراعنة والجبابرة، وغلبا عليهم في إتيانهما وذهابهما، حتى أن من أراد منهم دفع هذا ومجيء هذا، ما قدروا عليه.

وفيهما دلالة وحدانية الله -  - وألوهيته، وقدرته، وسلطانه، وعلمه، وتدبيره، وحكمته: أما دلالة وحدانيته وألوهيته: اتساقهما وجريانهما على حد واحد وسنن واحد مذ كانا وأنشئا من الظلمة والنور، والزيادة والنقصان؛ فدل جريانهما على ما ذكرنا أن منشئهما واحد؛ إذ لو كان فعل عدد، لكان إذا جاء هذا، وغلب الآخر، دامت غلبته عليه، وكذلك الآخر يكون مغلوبا أبدا، والآخر غالبا؛ فإذا لم يكن ذلك، دل أنه فعل واحد.

ويدل - أيضا - على أن ليس ذلك عمل النور والظلمة، على ما تقوله الثنوية.

ودل اتصال منافع أحدهما بمنافع الآخر على [أن] ذلك علم واحد لا عدد.

ودل اتساق ما ذكرنا، ودوامهما على حد واحد على الاستواء أن منشئهما مدبر عليهم، عن تدبير وعلم خرج ذلك لا على الجزاف بلا تدبير.

ودل مجيء كل واحد منهما بطرفة عين على أن منشئهما قادر لا يعجزه شيء من بعث ولا غيره.

ودل ما ذكرنا أن فاعل ذلك حكيم، على حكمة خرج فعله، لا يحتمل أن تركهم سدى لا يأمرهم، ولا ينهاهم، ولا يمتحنهم بأمور.

وكذلك جعل فيما ذكر من الذكر والأنثى من الدلالات والآيات من الازدواج والتوالد والتناسل وغير ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ ﴾ : قال بعضهم: إن حرف (ما) متى قرن بالفعل الماضي، صار بمعنى المصدر؛ كأنه قال: وخلق الذكر والأنثى؛ فيكون قسما بجميع الخلائق، إذ لا يخلو شيء من أن يكون ذكرا وأنثى.

وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود -  -: (والذكرِ والأنثى)، وكذلك روي عن رسول الله  أنه قرأ كذلك.

وقال بعضهم: (ما) هاهنا بمعنى "الذي"؛ كأنه قال: والذي خلق الذكر والأنثى؛ فيكون على هذا الوجه القسم بالله  ، وعلى التأويل الأول بالذكر والأنثى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ ﴾ : قالوا: على هذا وقع القسم، فإن قيل: إن كلا يعلم من كافر ومؤمن أن سعيهم لمختلف؛ فما الحكمة والفائدة من ذكر القسم على ما يعلم كل ذلك؟

فالوجه فيه - والله أعلم -: [أن] ما يقع لهم بالسعي، وما يستوجبون به لمختلف في الآخرة، وهو جزاء السعي؛ كأنه قال: إن جزاء سعيكم وثوابه لمختلف، وذلكأ نهم كانوا يقولون: إن كانت دار أخرى على ما يقوله محمد - عليه الصلاة والسلام - فنحن أحق بها من أتباع محمد  كقوله: ﴿ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً  ﴾ .

أو يكون قوله: ﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ ﴾ ؛ لأن المعطي في الشاهد ينفع غيره، ويضر نفسه في الظاهر، والممسك ينفع نفسه، ثم المعطي محمود عند الناس؛ فلو لم يكن عاقبة ينتفع المعطي بما أعطى، ويضر البخيل المنع، لكان الناس بما حمدوا هذا وذموا الآخر سفهاء؛ فدل أن العاقبة هي التي تصير هذا محمودا.

ولأن الخلق جميعا من مسلم وكافر، ومحسن ومسيء، قد استووا في نعم هذه الدنيا ولذاتها مما ذكرنا من ممر الليل والنهار [و] مما يخلق فيها من النبات والثممار والعيون والأشجار، فإذا وقع الاستواء في هذه الدار، وبه وردت الأخبار عن النبي المختار أن الناس شركاء في الماء والكلأ والنار - لا بد من دار أخرى للأشيقيا والأبرار؛ ليقع بها التفاوت [بين الأبرار] والأشرار، والنافع منهم نفسه والضار، وإذا ثبت أنهما استويا في منافع الليل والنهار، وجميع ما في الدنيا من الأنزال وغيرها، فإذا وقع الاستواء بينهم في الدنيا لا بد من دار أخرى [فيها] يقع التفاوت والتفاضل بينهم، وفيها يميز بين ما ذكرنا.

ثم بين أن السعي الذي يقع الجزاء له مختلف، ما ذكر بقوله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ ﴾ ، وهو يخرج على وجوه: يحتمل ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ ﴾ ، أي: أعطى ما أمره به، واتقى عصيانه وكفرانه نعمه، أو اتقى المنع، أو من أعطى التوحيد لله -  - من نفسه، واتقى الشرك والكفران لنعمه، وصدق بموعود الله -  -: ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ ﴾ : للأعمال والشرائع؛ إذ نشرح صدره للتوحيد والإسلام ونيسره عليه.

﴿ وَأَمَّا مَن بَخِلَ ﴾ ، ولم يأت بالتوحيد، ﴿ وَٱسْتَغْنَىٰ ﴾ عن الله -  - بما عنده، ﴿ وَكَذَّبَ ﴾ بموعود الله ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ ﴾ ؛ لما بعده من الأعمال، والله أعلم.

والثاني: في حق القبول والعزم على وفاء ذلك بقوله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ ﴾ ، أي: قبل الإعطاء، وعز على وفاء ذلك، ﴿ وَٱتَّقَىٰ ﴾ ، أي: عزم [على] اتقاء معاصي الله -  - ومحارمه.

﴿ وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ ﴾ ، أي: بموعوده؛ ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ ﴾ ، أي: سنيسره لوفاء ما عزم [عليه]، ﴿ وَأَمَّا مَن بَخِلَ ﴾ ، اي: عزم على البخل والمنع بذلك، ﴿ وَٱسْتَغْنَىٰ ﴾ بالذي له وعنده، ﴿ وَكَذَّبَ ﴾ بموعود الله  ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ ﴾ لوفاء ما عزم [عليه] من الخلاف لله  والمعصية له.

وعلى ذلك يخرج ما روي عن رسول الله  أنه سئل عن ذلك؛ فقال: "كل ميسر لما خلق له" ، أو قال: "كل ميسر لما عمل" والثالث: يخرج على حقيقة إعطاء ما وجب من الحق في المال وحقيقة المنع؛ يقول: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ ﴾ ما وجب من حق الله -  - في ماله، ﴿ وَٱتَّقَىٰ ﴾ نقمة الله ومقته وعذابه، ﴿ وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ ﴾ ، أي: بموعود الله  ، ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ ﴾ في الخيرات والطاعات.

﴿ وَأَمَّا مَن بَخِلَ ﴾ ، أي: منع حق الله -  - الذي في ماله، ﴿ وَكَذَّبَ ﴾ بالذي وعد على ذلك، ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ ﴾ ي الإفضاء إلى ما وعد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ ﴾ : قيل: إذا هلك ومات، أو تردى في النار.

وفي ظاهر قوله -  -: ﴿ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ ﴾ دلالة على أن الآية في حقيقة الإعطاء من المال والمنع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ ﴾ ، قال بعضهم: بالجنة.

وقيل: بشهادة: أن لا إله إلا الله.

وقيل: بالخلف على ما أنفق.

وجائز أن تكون "اليسرى" اسم للجنة وكذلك "الحسنى".

و"العسرى" و"السوءى": النار.

ويحتمل أن تكون "اليسرى" اسما لكل ما طاب وحسن من العمل، و"العسرى": ما خبث، وقبح من العمل.

ومنهم من قال: إن الآية نزلت في أبي بكر الصديق -  - لأنه اشترى بلالا من أمية بن خلف وأبي بن خلف ببردة وعشرة أواقٍ، فأعتقه لله -  - فأنزل الله  : ﴿ وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ ...

﴾ إلى قوله: ﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ ﴾ ، يعني: سعي أبي بكر وأمية وأبي.

وذكر إلى آخر السورة: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ ﴾ : أبو بكر،  ، ﴿ وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ * وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ ﴾ : أمية بن خلف، وأبي بن خلف؛ يرويه عبد الله بن مسعود،  .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

الَّذي ينفق ماله في وجوه البر ليتطهر من الذنوب.

<div class="verse-tafsir" id="91.LE4Ak"

مزيد من التفاسير لسورة الليل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده