الآية ١٠٧ من سورة الصافات

الإسلام > القرآن > سور > سورة 37 الصافات > الآية ١٠٧ من سورة الصافات

وَفَدَيْنَـٰهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍۢ ١٠٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 195 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠٧ من سورة الصافات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ١٠٧ من سورة الصافات عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وفديناه بذبح عظيم ) قال سفيان الثوري ، عن جابر الجعفي ، عن أبي الطفيل ، عن علي ، رضي الله عنه : ( وفديناه بذبح عظيم ) قال : بكبش أبيض أعين أقرن ، قد ربط بسمرة - قال أبو الطفيل وجدوه مربوطا بسمرة في ثبير وقال الثوري أيضا ، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفا .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا يوسف بن يعقوب الصفار ، حدثنا داود العطار ، عن ابن خثيم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : الصخرة التي بمنى بأصل ثبير هي الصخرة التي ذبح عليها إبراهيم فداء ابنه ، هبط عليه من ثبير كبش أعين أقرن له ثغاء ، فذبحه ، وهو الكبش الذي قربه ابن آدم فتقبل منه ، فكان مخزونا حتى فدي به إسحاق .

وروي أيضا عن سعيد بن جبير أنه قال : كان الكبش يرتع في الجنة حتى تشقق عنه ثبير ، وكان عليه عهن أحمر .

وعن الحسن البصري : أنه كان اسم كبش إبراهيم : جرير .

وقال ابن جريج : قال عبيد بن عمير : ذبحه بالمقام .

وقال مجاهد : ذبحه بمنى عند المنحر .

وقال هشيم ، عن سيار ، عن عكرمة ; أن ابن عباس كان أفتى الذي جعل عليه نذرا أن ينحر نفسه ، فأمره بمائة من الإبل .

ثم قال بعد ذلك : لو كنت أفتيته بكبش لأجزأه أن يذبح كبشا ، فإن الله تعالى قال في كتابه : ( وفديناه بذبح عظيم ) والصحيح الذي عليه الأكثرون أنه فدي بكبش .

وقال الثوري ، عن رجل ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس في قوله : ( وفديناه بذبح عظيم ) قال : وعل .

وقال محمد بن إسحاق ، عن عمرو بن عبيد ، عن الحسن أنه كان يقول : ما فدي إسماعيل إلا بتيس من الأروى ، أهبط عليه من ثبير .

وقد قال الإمام أحمد : حدثنا سفيان ، حدثنا منصور ، عن خاله مسافع ، عن صفية بنت شيبة قالت : أخبرتني امرأة من بني سليم - ولدت عامة أهل دارنا - أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عثمان بن طلحة - وقال مرة : إنها سألت عثمان : لم دعاك النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟

قال : قال : " إني كنت رأيت قرني الكبش ، حين دخلت البيت ، فنسيت أن آمرك أن تخمرهما ، فخمرهما ، فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي " .

قال سفيان : لم يزل قرنا الكبش معلقين في البيت حتى احترق البيت ، فاحترقا .

وهذا دليل مستقل على أنه إسماعيل - عليه السلام - فإن قريشا توارثوا قرني الكبش الذي فدى به إبراهيم خلفا عن سلف وجيلا بعد جيل ، إلى أن بعث الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - .

فصل في ذكر الآثار الواردة عن السلف في أن الذبيح من هو ؟

: ذكر من قال : هو إسحاق [ عليه السلام ] : قال حمزة الزيات ، عن أبي ميسرة ، رحمه الله ، قال : قال يوسف - عليه السلام - للملك في وجهه : ترغب أن تأكل معي ، وأنا - والله - يوسف بن يعقوب نبي الله ، ابن إسحاق ذبيح الله ، ابن إبراهيم خليل الله .

وقال الثوري ، عن أبي سنان ، عن ابن أبي الهذيل : إن يوسف - عليه السلام - قال للملك كذلك أيضا .

وقال سفيان الثوري ، عن زيد بن أسلم ، عن عبد الله بن عبيد بن عمير ، عن أبيه قال : " قال موسى : يا رب ، يقولون : يا إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، فبم قالوا ذلك ؟

قال : إن إبراهيم لم يعدل بي شيء قط إلا اختارني عليه .

وإن إسحاق جاد لي بالذبح ، وهو بغير ذلك أجود .

وإن يعقوب كلما زدته بلاء زادني حسن ظن " .

وقال شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص قال : افتخر رجل عند ابن مسعود فقال : أنا فلان بن فلان ، ابن الأشياخ الكرام .

فقال عبد الله : ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله ، ابن إبراهيم خليل الله [ صلوات الله وسلامه عليهم ] .

وهذا صحيح إلى ابن مسعود ، وكذا روى عكرمة ، عن ابن عباس أنه إسحاق .

وعن أبيه العباس ، وعلي بن أبي طالب مثل ذلك .

وكذا قال عكرمة ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، والشعبي ، وعبيد بن عمير ، وأبو ميسرة ، وزيد بن أسلم ، وعبد الله بن شقيق ، والزهري ، والقاسم بن أبي بزة ، ومكحول ، وعثمان بن حاضر ، والسدي ، والحسن ، وقتادة ، وأبو الهذيل ، وابن سابط .

وهو اختيار ابن جرير .

وتقدم روايته عن كعب الأحبار أنه إسحاق .

وهكذا روى ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر ، عن الزهري ، عن أبي سفيان بن العلاء ، بن جارية ، عن أبي هريرة ، عن كعب الأحبار ، أنه قال : هو إسحاق .

وهذه الأقوال - والله أعلم - كلها مأخوذة عن كعب الأحبار ، فإنه لما أسلم في الدولة العمرية جعل يحدث عمر ، رضي الله عنه عن كتبه ، فربما استمع له عمر - رضي الله عنه - فترخص الناس في استماع ما عنده ، ونقلوا عنه غثها وسمينها ، وليس لهذه الأمة - والله أعلم - حاجة إلى حرف واحد مما عنده .

وقد حكى البغوي هذا القول بأنه إسحاق عن عمر ، وعلي ، وابن مسعود ، والعباس ، ومن التابعين عن كعب الأحبار ، وسعيد بن جبير ، وقتادة ، ومسروق ، وعكرمة ، ومقاتل ، وعطاء ، والزهري ، والسدي - قال : وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس .

وقد ورد في ذلك حديث - لو ثبت لقلنا به على الرأس والعين ، ولكن لم يصح سنده - قال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا زيد بن حباب ، عن الحسن بن دينار ، عن علي بن زيد بن جدعان ، عن الحسن ، عن الأحنف بن قيس ، عن العباس بن عبد المطلب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث ذكره قال : هو إسحاق .

ففي إسناده ضعيفان ، وهما الحسن بن دينار البصري ، متروك .

وعلي بن زيد بن جدعان منكر الحديث .

وقد رواه ابن أبي حاتم ، عن أبيه ، عن مسلم بن إبراهيم ، عن حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد بن جدعان ، به مرفوعا .

.

ثم قال : قد رواه مبارك بن فضالة ، عن الحسن ، عن الأحنف ، عن العباس قوله ، وهذا أشبه وأصح .

[ ذكر الآثار الواردة بأنه إسماعيل - عليه السلام - وهو الصحيح المقطوع به ] .

قد تقدمت الرواية عن ابن عباس أنه إسحاق .

قال سعيد بن جبير ، وعامر الشعبي ، ويوسف بن مهران ، ومجاهد ، وعطاء ، وغير واحد ، عن ابن عباس ، هو إسماعيل - عليه السلام - .

وقال ابن جرير : حدثني يونس ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن قيس ، عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أنه قال : المفدى إسماعيل - عليه السلام - وزعمت اليهود أنه إسحاق ، وكذبت اليهود .

وقال إسرائيل ، عن ثور ، عن مجاهد ، عن ابن عمر قال : الذبيح إسماعيل .

وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد : هو إسماعيل .

وكذا قال يوسف بن مهران .

وقال الشعبي : هو إسماعيل - عليه السلام - وقد رأيت قرني الكبش في الكعبة .

وقال محمد بن إسحاق ، عن الحسن بن دينار ، وعمرو بن عبيد ، عن الحسن البصري : أنه كان لا يشك في ذلك : أن الذي أمر بذبحه من ابني إبراهيم إسماعيل .

قال ابن إسحاق : وسمعت محمد بن كعب القرظي وهو يقول : إن الذي أمر الله إبراهيم بذبحه من ابنيه إسماعيل .

وإنا لنجد ذلك في كتاب الله ، وذلك أن الله حين فرغ من قصة المذبوح من ابني إبراهيم قال : ( وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين ) .

يقول الله تعالى : ( فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ) ، يقول بابن وابن ابن ، فلم يكن ليأمره بذبح إسحاق وله فيه من [ الله ] الموعد بما وعده ، وما الذي أمر بذبحه إلا إسماعيل .

وقال ابن إسحاق ، عن بريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي ، عن محمد بن كعب القرظي أنه حدثهم ; أنه ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز وهو خليفة إذ كان معه بالشام ، فقال له عمر : إن هذا لشيء ما كنت أنظر فيه ، وإني لأراه كما قلت .

ثم أرسل إلى رجل كان عنده بالشام ، كان يهوديا فأسلم وحسن إسلامه ، وكان يرى أنه من علمائهم ، فسأله عمر بن عبد العزيز عن ذلك - قال محمد بن كعب : وأنا عند عمر بن عبد العزيز - فقال له عمر : أي ابني إبراهيم أمر بذبحه ؟

فقال : إسماعيل والله يا أمير المؤمنين ، وإن يهود لتعلم بذلك ، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب ، على أن يكون أباكم الذي كان من أمر الله فيه ، والفضل الذي ذكره الله منه لصبره لما أمر به ، فهم يجحدون ذلك ، ويزعمون أنه إسحاق ، بكون إسحاق أبوهم ، والله أعلم أيهما كان ، وكل قد كان طاهرا طيبا مطيعا لله - عز وجل - .

وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل ، رحمه الله : سألت أبي عن الذبيح ، من هو ؟

إسماعيل أو إسحاق ؟

فقال : إسماعيل .

ذكره في كتاب الزهد .

وقال ابن أبي حاتم : وسمعت أبي يقول : الصحيح أن الذبيح إسماعيل - عليه السلام - .

قال : وروي عن علي ، وابن عمر ، وأبي هريرة ، وأبي الطفيل ، وسعيد بن المسيب ، وسعيد بن جبير ، والحسن ، ومجاهد ، والشعبي ، ومحمد بن كعب القرظي ، وأبي جعفر محمد بن علي ، وأبي صالح أنهم قالوا : الذبيح إسماعيل .

وقال البغوي في تفسيره : وإليه ذهب عبد الله بن عمر ، وسعيد بن المسيب ، والسدي ، والحسن البصري ، ومجاهد ، والربيع بن أنس ، ومحمد بن كعب القرظي ، والكلبي ، وهو رواية عن ابن عباس ، وحكاه أيضا عن أبي عمرو بن العلاء .

وقد روى ابن جرير في ذلك حديثا غريبا فقال : حدثني محمد بن عمار الرازي ، حدثنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة ، حدثنا عمر بن عبد الرحيم الخطابي ، عن عبيد الله بن محمد العتبي - من ولد عتبة بن أبي سفيان - عن أبيه : حدثني عبد الله بن سعيد ، عن الصنابحي قال : كنا عند معاوية بن أبي سفيان ، فذكروا الذبيح : إسماعيل أو إسحاق ؟

فقال على الخبير سقطتم ، كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاءه رجل فقال : يا رسول الله ، عد علي مما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين .

فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقيل له : يا أمير المؤمنين ، وما الذبيحان ؟

فقال : إن عبد المطلب لما أمر بحفر زمزم نذر لله إن سهل الله أمرها عليه ، ليذبحن أحد ولده ، قال : فخرج السهم على عبد الله فمنعه أخواله وقالوا : افد ابنك بمائة من الإبل .

ففداه بمائة من الإبل ، وإسماعيل الثاني .

وهذا حديث غريب جدا .

وقد رواه الأموي في مغازيه : حدثنا بعض أصحابنا ، أخبرنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة ، حدثنا عمر بن عبد الرحمن القرشي ، حدثنا عبيد الله بن محمد العتبي - من ولد عتبة بن أبي سفيان - حدثنا عبد الله بن سعيد ، حدثنا الصنابحي قال : حضرنا مجلس معاوية ، فتذاكر القوم إسماعيل وإسحاق ، وذكره .

كذا كتبته من نسخة مغلوطة .

وإنما عول ابن جرير في اختياره أن الذبيح إسحاق على قوله تعالى : ( فبشرناه بغلام حليم ) ، فجعل هذه البشارة هي البشارة بإسحاق في قوله : ( وبشروه بغلام عليم ) [ الذاريات : 28 ] .

وأجاب عن البشارة بيعقوب بأنه قد كان بلغ معه السعي ، أي العمل .

ومن الممكن أنه قد كان ولد له أولاد مع يعقوب أيضا .

قال : وأما القرنان اللذان كانا معلقين بالكعبة فمن الجائز أنهما نقلا من بلاد الشام .

قال : وقد تقدم أن من الناس من ذهب إلى أنه ذبح إسحاق هناك .

هذا ما اعتمد عليه في تفسيره ، وليس ما ذهب إليه بمذهب ولا لازم ، بل هو بعيد جدا ، والذي استدل به محمد بن كعب القرظي على أنه إسماعيل أثبت وأصح وأقوى ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وقوله ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) يقول: وفدينا إسحاق بذبح عظيم، والفدية: الجزاء، يقول: جزيناه بأن جعلنا مكان ذبحه ذبح كبش عظيم، وأنقذناه من الذبح.

واختلف أهل التأويل، في المفديّ من الذبح من ابني إبراهيم، فقال بعضهم: هو إسحاق.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كُرَيب، قال: حدثنا ابن يمان، عن مبارك، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) قال: هو إسحاق.

حدثني الحسين بن يزيد بن إسحاق، قال: ثنا ابن إدريس، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: الذي أُمِر بذبحه إبراهيم هو إسحاق.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) قال: هو إسحاق.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن داود، عن عكرمة، قال: &; 21-80 &; قال ابن عباس: الذبيح إسحاق.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا زيد بن حباب، عن الحسن بن دينار، عن عليّ بن زيد بن جُدْعان، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب، عن النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث ذكره، قال: " هو إسحاق " .

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، قال: افتخر رجل عند ابن مسعود، فقال: أنا فلان بن فلان ابن الأشياخ الكرام، فقال عبد الله: ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا إبراهيم بن المختار، قال: ثنا محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن أبي بكر، عن الزهري، عن العلاء بن حارثة الثقفي، عن أبي هريرة، عن كعب في قوله ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) قال: من ابنه إسحاق.

حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا زكريا وشعبة، عن ابن إسحاق، عن مسروق، في قوله ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) قال: هو إسحاق.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن زيد بن أسلم، عن عبيد بن عمير، قال: هو إسحاق.

حدثنا عمرو بن عليّ، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن عمير قال: ( قال موسى: يا ربّ يقولون يا إله &; 21-81 &; إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فبم قالوا ذلك؟

قال: إن إبراهيم لم يعدل بي شيئا قطّ إلا اختارني عليه، وإن إسحاق جاد لي بالذبح، وهو بغير ذلك أجود، وإن يعقوب كلما زدته بلاء زادني حسن ظنّ ).

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه، قال: قال موسى: أي ربّ بم أعطيت إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما أعطيتهم؟

فذكر معنى حديث عمرو بن عليّ.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن أبي سنان الشيباني، عن ابن أبي الهذيل، قال: الذبيح هو إسحاق.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا يونس، عن ابن شهاب أن عمرو بن أبي سفيان بن أسيد بن حارثة الثقفي، أخبره أن كعبا قال لأبي هريرة: ألا أخبرك عن إسحاق بن إبراهيم النبيّ؟

قال أبو هريرة: بلى، قال كعب: لما رأى إبراهيم ذبح إسحاق ، قال الشيطان: والله لئن لم أفتن عند هذا آل إبراهيم لا أفتن أحدا منهم أبدا، فتمثل الشيطان لهم رجلا يعرفونه، فأقبل حتى إذا خرج إبراهيم بإسحاق ليذبحه دخل على سارَة امرأة إبراهيم، فقال لها: أين أصبح إبراهيم غاديا بإسحاق ؟

قالت سارَة: غدا لبعض حاجته، قال الشيطان: لا والله ما لذلك غدا به، قالت سارَة: فَلِمَ غدا به؟

قال: غدا به ليذبحه!

قالت سارَة: ليس من ذلك شيء، لم يكن ليذبح ابنه!

قال الشيطان: بلى والله!

قالت سارَة: فلم يذبحه؟

قال: زعم أن ربه أمره بذلك; قالت سارَة: فهذا أحسن بأن يطيع ربه إن كان أمره بذلك.

فخرج الشيطان من عند سارَة حتى أدرك إسحاق وهو يمشي على إثر أبيه، فقال: أين أصبح أبوك غاديا بك ؟

قال: غدا بي لبعض حاجته، قال الشيطان: لا والله ما غدا بك لبعض حاجته، ولكن غدا بك ليذبحك، قال إسحاق: ما كان أبي ليذبحني!

قال: بلى; قال: لِمَ ؟

قال: زعم أن ربه أمره بذلك; قال إسحاق: فوالله لئن أمره بذلك ليطيعنَّه، قال: فتركه الشيطان وأسرع إلى إبراهيم، فقال: أين أصبحت غاديا بابنك؟

قال: غدوت به لبعض حاجتي، قال: أما والله ما غدوت به إلا لتذبحه، قال: لِمَ أذبحه؟

قال: زعمت أن ربك أمرك بذلك; قال: الله فوالله لئن كان أمرني بذلك ربي لأفعلنّ; قال: فلما أخذ إبراهيم إسحاق ليذبحه وسَلَّم إسحاق، أعفاه الله وفداه بذبح عظيم، قال إبراهيم لإسحاق: قم أي بنيّ، فإن الله قد أعفاك; وأوحى الله إلى إسحاق: إني قد أعطيتك دعوة أستجيب &; 21-82 &; لك فيها; قال، قال إسحاق: اللهمّ إني أدعوك أن تستجيب لي، أيما عبد لقيك من الأوّلين والآخرين لا يُشرك بك شيئا، فأدخله الجنة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن محمد بن مسلم الزهري، عن أبي سفيان بن العلاء بن حارثة الثقفي، حليف بني زُهرة، عن أبي هريرة، عن كعب الأحبار أن الذي أُمِر إبراهيم بذبحه من ابنيه إسحاق، وأن الله لما فرج له ولابنه من البلاء العظيم الذي كان فيه، قال الله لإسحاق: إني قد أعطيتك بصبرك لأمري دعوة أعطيك فيها ما سألت، فسلني، قال: ربّ أسألك أن لا تعذّب عبدا من عبادك لقيك وهو يؤمن بك، فكانت تلك مسألته التي سأل.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، قال: ثنا إسرائيل، عن جابر، عن ابن سابط، قال: هو إسحاق.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا سفيان بن عُقْبة، عن حمزة الزيات، عن أبي ميسرة، قال: قال يوسف للملِك في وجهه: ترغب أن تأكل معي، وأنا والله يوسف بن يعقوب نبيّ الله، ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله.

قال: ثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبى سنان، عن ابن أبي الهُذَيل، قال: قال يوسف للملِك، فذكر نحوه.

وقال آخرون: الذي فُدِي بالذبح العظيم من بني إبراهيم: إسماعيل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كُرَيب وإسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، قالا ثنا يحيى بن يمان، عن إسرائيل، عن ثور، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: الذبيح: إسماعيل.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا سفيان، قال: ثني بيان، عن الشعبيّ، عن ابن عباس ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) قال: إسماعيل.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا أبو حمزة، عن محمد بن ميمون السكريّ، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، قال: إن الذي أمر بذبحه إبراهيم إسماعيلُ.

حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن عليّ بن زيد، عن عمار، مولى بني هاشم، أو عن يوسف بن مِهْران، عن ابن عباس، قال: هو إسماعيل، يعني ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ).

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، قال: ثنا داود، عن الشعبيّ، قال: قال ابن عباس: هو إسماعيل.

وحدثني به يعقوب مرّة أخرى، قال: ثنا ابن عُلَية، قال: سئل داود بن أبي هند: أيّ ابني إبراهيم الذي أُمِر بذبحه؟

فزعم أن الشعبي قال: قال ابن عباس: هو إسماعيل.

حدثنا ابن المثني، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن بيان، عن الشعبيّ، عن ابن عباس أنه قال في الذي فداه الله بذبح عظيم قال: هو إسماعيل.

حدثنا يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس، قوله ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) قال: هو إسماعيل.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عمر بن قيس، عن عطاء بن أبي رَباح، عن عبد الله بن عباس أنه قال: المَفْدِيّ إسماعيل، وزعمت اليهود أنه إسحاق وكذبت اليهود.

حدثنا محمد بن سنان القزاز، قال: ثنا أبو عاصم، عن مبارك، عن عليّ بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس: الذي فداه الله هو إسماعيل.

حدثنا ابن سنان القزّاز، قال: ثنا حجاج بن حماد، عن أبي عاصم &; 21-84 &; الغنوي، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس، مثله.

حدثني إسحاق بن شاهين، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن داود، عن عامر، قال: الذي أراد إبراهيم ذبحه: إسماعيل.

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عامر أنه قال في هذه الآية ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) قال: هو إسماعيل، قال: وكان قَرْنا الكبش مَنُوطَيْن بالكعبة.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن إسرائيل، عن جابر، عن الشعبي، قال: الذبيح إسماعيل.

قال: ثنا ابن يمان، عن إسرائيل، عن جابر، عن الشعبي، قال: رأيت قرني الكبش في الكعبة.

قال: ثنا ابن يمان، عن مبارك بن فضالة، عن عليّ بن زيد بن جُدْعان، عن يوسف بن مهران، قال: هو إسماعيل.

قال: ثنا ابن يمان، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: هو إسماعيل.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا عوف، عن الحسن ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) قال: هو إسماعيل.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: سمعت محمد بن كعب القُرَظِيّ وهو يقول: إن الذي أمر الله إبراهيم بذبحه من بنيه إسماعيل، وإنا لنجد ذلك في كتاب الله في قصة الخبر عن إبراهيم وما أُمر به من ذبح ابنه إسماعيل، وذلك أن الله يقول، حين فرغ من قصة المذبوح من إبراهيم، قال: وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ يقول: بشرناه بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، يقول: بابن وابن ابن، فلم يكن ليأمره بذبح إسحاق وله فيه من الله الموعود ما وعده الله، وما الذي أمر بذبحه إلا إسماعيل.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الحسن بن دينار وعمرو بن عبيد، عن الحسن البصري أنه كان لا يشك في ذلك أن الذي أمر بذبحه من ابني إبراهيم: إسماعيل.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق: سمعت محمد بن كعب القُرَظِيّ يقول ذلك كثيرا.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن بريدة بن سفيان بن فَرْوة الأسلمي عن محمد بن كعب القُرَظِيّ، أنه حدثهم أنه ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز وهو خليفة، إذ كان معه بالشام فقال له عمر: إن هذا لشيء ما كنت أنظر فيه، وإني لأراه كما هو; ثم أرسل إلى رجل كان عنده بالشام كان يهوديا، فأسلم فحسُن إسلامه، وكان يرى أنه من علماء يهود، فسأله عمر بن عبد العزيز عن ذلك، فقال محمد بن كعب: وأنا عند عمر بن عبد العزيز، فقال له عمر: أيّ ابني إبراهيم أُمِر بذبحه؟

فقال: إسماعيل والله يا أمير المؤمنين، وإن يهود لتعلم بذلك، ولكنهم يحسُدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم الذي كان من أمر الله فيه، والفضل الذي ذكره الله منه لصبره لما أمر به، فهم يجحدون ذلك ويزعمون أنه إسحاق، لأن إسحاق أبوهم، فالله أعلم أيهما كان، كل قد كان طاهرا طيبا مطيعا لربه.

حدثني محمد بن عمار الرازي، قال: ثنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة، قال: ثنا عمر بن عبد الرحيم الخطابيّ، عن عبيد بن محمد العُتبي من ولد عتبة بن أبي سفيان، عن أبيه، قال: ثني عبد الله بن سعيد، عن الصّنَابحي، قال: كنا عند معاوية بن أبي سفيان، فذكروا الذبيح إسماعيل أو إسحاق، فقال: على الخبير سقطتم: ( كنا عند رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فجاءه رجل، فقال: يا رسول الله عُدّ عليّ مما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين; فضحك عليه الصلاة &; 21-86 &; والسلام ; فقلنا له: يا أمير المؤمنين، وما الذبيحان؟

فقال: إن عبد المطلب لما أُمِر بحفْر زمزم، نذر لله لئن سَهُل عليه أمرها ليذبحنّ أحد ولده، قال: فخرج السهم على عبد الله، فمنعه أخواله، وقالوا: افْدِ ابنك بمئة من الإبل، ففداه بمئة من الإبل، وإسماعيل الثاني ) .

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: ثنا ابن جريج، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) قال: الذي فُدِيَ به إسماعيل، ويعني تعالى ذكره الكبش الذي فُدِيَ به إسحاق، والعرب تقول لكلّ ما أُعِدّ للذبح ذِبْح، وأما الذَّبح بفتح الذال فهو الفعل.

قال أبو جعفر: وأولى القولين بالصواب في المَفْديّ من ابني إبراهيم خليل الرحمن على ظاهر التنـزيل قول من قال: هو إسحاق، لأن الله قال: ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) فذكر أنه فدَى الغلامَ الحليمَ الذي بُشِّر به إبراهيم حين سأله أن يهب له ولدًا صالحًا من الصالحين، فقال: رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ فإذ كان المفدِيّ بالذبح من ابنيه هو المبشَّر به، وكان الله تبارك اسمه قد بين في كتابه أن الذي بُشِّر به هو إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، فقال جل ثناؤه: فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ وكان في كل موضع من القرآن ذكر تبشيره إياه بولد، فإنما هو معنيّ به إسحاق، كان بيَّنا أن تبشيره إياه بقوله فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ في هذا الموضع نحو سائر أخباره في غيره من آيات القرآن.

وبعد: فإن الله أخبر جل ثناؤه في هذه الآية عن خليله أنه بشَّره بالغلام الحليم عن مسألته إياه أن يهب له من الصالحين، ومعلوم أنه لم يسأله ذلك إلا في حال لم يكن له فيه ولد من الصالحين، لأنه لم يكن له من ابنيه إلا إمام الصالحين، وغير موهم منه أن يكون سأل ربه في هبة ما قد كان أعطاه ووهبه له.

فإذ كان ذلك كذلك فمعلوم أن الذي ذكر تعالى ذكره في هذا الموضع هو الذي ذكر في سائر القرآن أنه بشَّره به وذلك لا شك أنه إسحاق، إذ كان المفديّ هو المبشَّر به.

وأما الذي اعتلّ به من اعتلّ في أنه إسماعيل، أن الله قد كان وعد إبراهيم أن يكون له من إسحاق ابن ابن، فلم يكن جائزا أن يأمره بذبحه مع الوعد الذي قد تقدم; فإن الله إنما أمره بذبحه بعد أن بلغ معه السعي، وتلك حال غير ممكن أن يكون قد وُلد لإسحاق فيها أولاد، فكيف الواحد؟

وأما اعتلال من اعتل بأن الله أتبع قصة المفديّ من ولد إبراهيم بقوله وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا ولو كان المفديّ هو إسحاق لم يبشَّر به بعد، وقد ولد، وبلغ معه السعي، فإن البشارة بنبوة إسحاق من الله فيما جاءت به الأخبار جاءت إبراهيم وإسحاق بعد أن فُدِي تكرمة من الله له على صبره لأمر ربه فيما امتحنه به من الذبح، وقد تقدمت الرواية قبلُ عمن قال ذلك.

وأما اعتلال من اعتلّ بأن قرن الكبش كان معلقا في الكعبة فغير مستحيل أن يكون حُمل من الشام إلى الكعبة.

وقد رُوي عن جماعة من أهل العلم أن إبراهيم إنما أمر بذبح ابنه إسحاق بالشام، وبها أراد ذبحه.

اختلف أهل العلم في الذِّبح الذي فُدِي به إسحاق، فقال بعضهم: كان كبشا.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن جابر، عن أبي الطفيل، عن عليّ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) قال: كبش أبيض أقرن أعين مربوط بسَمُرَة في ثَبِير.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) قال: كبش قال عبيد بن عمير: ذُبِح بالمَقام، وقال مجاهد: ذبح بمنًى في المَنْحَر.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن خثيم، عن سعيد، عن ابن عباس قال: الكبش الذي ذبحه إبراهيم هو الكبش الذي قربه ابن آدم فتقبل منه.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا سيار، عن عكرمة، أن ابن عباس كان أفتى الذي جعل عليه أن ينحر نفسه، فأمره بمئة من الإبل، قال: فقال ابن عباس بعد ذلك: لو كنت أفتيته بكبش لأجزأه أن يذبح كبشا، فإن الله قال في كتابه: ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) .

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) قال: ذبح كبش.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) قال: قال ابن عباس: التفتَ فإذا كبش، فأخذه فذبحه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جُبَير ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) قال: كان الكبش الذي ذبحه إبراهيم رعى في الجنة أربعين سنة، وكان كبشا أملح، صوفه مثل العِهْنِ الأحمر.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) قال: بكبش.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، قال: أخبرنا ليث، قال مجاهد: الذبح العظيم: شاة.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: وثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله ( بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) قال: بكبش.

* وحدثنا الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا شريك، عن ليث، عن مجاهد ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) قال: الذِّبح: الكبش.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: التفت، يعني ابراهيم، فإذا بكبش، فأخذه وخلَّى عن ابنه.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: الذبح العظيم: الكبش الذي فدى الله به إسحاق.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الحسن بن دينار، عن قتادة بن دِعامة، عن جعفر بن إياس، عن عبد الله بن العباس، في قوله ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) قال: خرج عليه كبش من الجنة قد رعاها قبل ذلك أربعين خريفا، فأرسل إبراهيم ابنه واتبع الكبش، فأخرجه إلى الجمرة الأولى فرمي بسبع حصيات، فأفلته عنده، فجاء الجمرة الوسطى، فأخرجه عندها، فرماه بسبع حصيات، ثم أفلته فأدركه عند الجمرة الكبرى، فرماه بسبع حصيات، فأخرجه عندها، ثم أخذه فأتى به المنحر من مِنَى، فذبحه; فوالذي نفس ابن عباس بيده، لقد كان أوّل الإسلام، وإن رأس الكبش لمعلق بقرنيه عند ميزاب الكعبة قد حُشّ، يعني يبس.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال ابن إسحاق: ويزعم أهل الكتاب الأول وكثير من العلماء أن ذبيحة إبراهيم التي فدى بها ابنه كبش أملح اقرن أعين.

حدثنا عمرو بن عبد الحميد، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن جويبر، عن الضحاك في قوله ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) قال: بكبش.

وقال آخرون: كان الذبح وعلا.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن رجل، عن أبي صالح، عن ابن عباس ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) قال: كان وَعِلا.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن أنه كان يقول: ما فدي إسماعيل إلا بتيس من الأرويّ أهبط عليه من ثبير.

واختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله قيل للذِّبح الذي فدي &; 21-90 &; به إسحاق عظيم، فقال بعضهم: قيل ذلك كذلك، لأنه كان رَعَى في الجنة.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن عبد الله بن عيسى، عن سعيد بن جُبَير عن ابن عباس ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) قال: رعى في الجنة أربعين خريفا.

وقال آخرون: قيل له عظيم، لأنه كان ذِبْحًا متقبَّلا.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن جريج، عن مجاهد، ( عَظِيمٌ ) قال: متقبَّل.

حدثنا الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا شريك، عن ليث، عن مجاهد في ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) قال: العظيم: المتقبل.

وقال آخرون: قيل له عظيم، لأنه ذِبْح ذُبِحَ بالحقّ، وذلك ذبحه بدين إبراهيم.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن أنه كان يقول: ما يقول الله ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) لذبيحته التي ذبح فقط، ولكنه الذَّبح على دينه، فتلك السُّنَّة إلى يوم القيامة، فاعلموا أن الذبيحة تدفع مِيتة السُّوء، فضحُّوا عباد الله.

قال أبو جعفر: ولا قول في ذلك أصح مما قال الله جلّ ثناؤه، وهو أن يقال: فداه الله بذِبح عظيم، وذلك أن الله عم وصفه إياه بالعظم دون تخصيصه، فهو كما عمه به.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وفديناه بذبح عظيم الذبح اسم المذبوح وجمعه ذبوح ، كالطحن اسم المطحون .

والذبح بالفتح المصدر .

" عظيم " أي : عظيم القدر ، ولم يرد عظيم الجثة .

وإنما عظم قدره لأنه فدي به الذبيح ، أو لأنه متقبل .

قال النحاس : عظيم في اللغة يكون للكبير وللشريف .

وأهل التفسير على أنه هاهنا للشريف ، أو المتقبل .

وقال ابن عباس : هو الكبش الذي تقرب به هابيل ، وكان في الجنة يرعى حتى فدى الله به إسماعيل .

وعنه أيضا : أنه كبش أرسله الله من الجنة كان قد رعى في الجنة أربعين خريفا .

وقال الحسن : ما فدي إسماعيل إلا بتيس من الأروى هبط عليه من ثبير ، فذبحه إبراهيم فداء عن ابنه ، وهذا قول علي - رضي الله عنه - .

فلما رآه إبراهيم أخذه فذبحه وأعتق ابنه .

وقال : يا بني اليوم وهبت لي .

وقال أبو إسحاق الزجاج : قد قيل إنه فدي بوعل ، والوعل : التيس الجبلي .

وأهل التفسير على أنه فدي بكبش .في هذه الآية دليل على أن الأضحية بالغنم أفضل من الإبل والبقر .

وهذا مذهب مالك وأصحابه .

قالوا : أفضل الضحايا الفحول من الضأن ، وإناث الضأن أفضل من فحل المعز ، وفحول المعز خير من إناثها ، وإناث المعز خير من الإبل والبقر .

وحجتهم قوله سبحانه وتعالى : وفديناه بذبح عظيم أي : ضخم الجثة سمين ، وذلك كبش لا جمل ولا بقرة .

وروى مجاهد وغيره عن ابن عباس أنه سأله رجل : إني نذرت أن أنحر ابني ؟

فقال : يجزيك كبش سمين ، ثم قرأ : وفديناه بذبح عظيم .

وقال بعضهم : لو علم الله حيوانا أفضل من الكبش لفدى به إسحاق .

وضحى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكبشين أملحين .

وأكثر ما ضحى به الكباش .

وذكر ابن أبي شيبة عن ابن علية عن الليث عن مجاهد قال : الذبح العظيم : الشاة .واختلفوا أيهما أفضل : الأضحية أو الصدقة بثمنها .

فقال مالك وأصحابه : الضحية أفضل إلا بمنى ; لأنه ليس موضع الأضحية ، حكاه أبو عمر .

وقال ابن المنذر : روينا عن بلال أنه قال : ما أبالي ألا أضحي إلا بديك ، ولأن أضعه في يتيم قد ترب فيه - هكذا قال المحدث - أحب إلي من أن أضحي به .

وهذا قول الشعبي : إن الصدقة أفضل .

وبه قال مالك وأبو ثور .

وفيه قول ثان : إن الضحية أفضل ، هذا قول ربيعة وأبي الزناد .

وبه قال أصحاب الرأي .

زاد أبو عمر : وأحمد بن حنبل .

قالوا : الضحية أفضل من الصدقة ; لأن الضحية سنة مؤكدة كصلاة العيد .

ومعلوم أن صلاة العيد أفضل من سائر النوافل .

وكذلك صلوات السنن أفضل من التطوع كله .

قال أبو عمر : وقد روي في فضل الضحايا آثار حسان ، فمنها ما رواه سعيد بن داود بن أبي زنبر عن مالك عن ثور بن زيد عن عكرمة عن [ ص: 98 ] ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما من نفقة بعد صلة الرحم أفضل عند الله من إهراق الدم قال أبو عمر : وهو حديث غريب من حديث مالك .

وعن عائشة قالت : يا أيها الناس ضحوا وطيبوا أنفسا ، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ما من عبد توجه بأضحيته إلى القبلة إلا كان دمها وقرنها وصوفها حسنات محضرات في ميزانه يوم القيامة ، فإن الدم إن وقع في التراب فإنما يقع في حرز الله حتى يوفيه صاحبه يوم القيامة ذكره أبو عمر في كتاب التمهيد .

وخرج الترمذي أيضا عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ما عمل آدمي من عمل يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم ، إنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها ، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع إلى الأرض ، فطيبوا بها نفسا قال : وفي الباب عن عمران بن حصين وزيد بن أرقم .

وهذا حديث حسن .الضحية ليست بواجبة ولكنها سنة ومعروف .

وقال عكرمة : كان ابن عباس يبعثني يوم الأضحى بدرهمين أشتري له لحما ، ويقول : من لقيت فقل : هذه أضحية ابن عباس .

قال أبو عمر : ومجمل هذا وما روي عن أبي بكر وعمر أنهما لا يضحيان عند أهل العلم ، لئلا يعتقد في المواظبة عليها أنها واجبة فرض ، وكانوا أئمة يقتدي بهم من بعدهم ممن ينظر في دينه إليهم ; لأنهم الواسطة بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين أمته ، فساغ لهم من الاجتهاد في ذلك ما لا يسوغ اليوم لغيرهم .

وقد حكى الطحاوي في مختصره : وقال أبو حنيفة : الأضحية واجبة على المقيمين الواجدين من أهل الأمصار ، ولا تجب على المسافر .

قال : ويجب على الرجل من الأضحية على ولده الصغير مثل الذي يجب عليه من نفسه .

وخالفه أبو يوسف ومحمد فقالا : ليست بواجبة ولكنها سنة غير مرخص لمن وجد السبيل إليها في تركها .

قال : وبه نأخذ .

قال أبو عمر : وهذا قول مالك ، قال : لا ينبغي لأحد تركها مسافرا كان أو مقيما ، فإن تركها فبئس ما صنع إلا أن يكون له عذر إلا الحاج بمنى .

وقال الإمام الشافعي : هي سنة على جميع الناس وعلى الحاج بمنى وليست بواجبة .

وقد احتج من [ ص: 99 ] أوجبها بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أبا بردة بن نيار أن يعيد ضحية أخرى ; لأن ما لم يكن فرضا لا يؤمر فيه بالإعادة .

احتج آخرون بحديث أم سلمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي قالوا : فلو كان ذلك واجبا لم يجعل ذلك إلى إرادة المضحي .

وهو قول أبي بكر وعمر وأبي مسعود البدري وبلال .والذي يضحى به بإجماع المسلمين الأزواج الثمانية : وهي الضأن والمعز والإبل والبقر .

قال ابن المنذر : وقد حكي عن الحسن بن صالح أنه قال : يضحى ببقرة الوحش عن سبعة ، وبالظبي عن رجل .

وقال الإمام الشافعي : لو نزا ثور وحشي على بقرة إنسية ، أو ثور إنسي على بقرة وحشية لا يجوز شيء من هذا أضحية .

وقال أصحاب الرأي : جائز ; لأن ولدها بمنزلة أمه .

وقال أبو ثور : يجوز إذا كان منسوبا إلى الأنعام .قد مضى في سورة [ الحج ] الكلام في وقت الذبح والأكل من الأضحية مستوفى .

وفي صحيح مسلم عن أنس قال : ضحى النبي - صلى الله عليه وسلم - بكبشين أملحين أقرنين ، ذبحهما بيده ، وسمى وكبر ، ووضع رجله على صفاحهما في رواية قال : ويقول : بسم الله والله أكبر وقد مضى في آخر [ الأنعام ] حديث عمران بن حصين ، ومضى في [ المائدة ] القول في التذكية وبيانها وما يذكى به ، وأن ذكاة الجنين ذكاة أمه مستوفى .

وفي صحيح مسلم عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بكبش أقرن يطأ في سواد ويبرك في سواد وينظر في سواد فأتي به ليضحي به فقال لها : يا عائشة ، هلمي المدية ، ثم قال : اشحذيها بحجر ، ففعلت ، ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه ثم ذبحه ، ثم قال : بسم الله ، اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد ، ثم ضحى به .

وقد اختلف العلماء في هذا فكان الحسن البصري يقول في الأضحية : بسم الله والله أكبر ، هذا منك ولك ، تقبل من فلان .

وقال مالك : إن فعل ذلك فحسن ، وإن لم يفعل وسمى الله أجزأه .

وقال الشافعي : والتسمية على [ ص: 100 ] الذبيحة بسم الله ، فإن زاد بعد ذلك شيئا من ذكر الله ، أو صلى على محمد - عليه السلام - لم أكرهه ، أو قال : اللهم تقبل مني ، أو قال : تقبل من فلان ، فلا بأس .

وقال النعمان : يكره أن يذكر مع اسم الله غيره ، يكره أن يقول : اللهم تقبل من فلان عند الذبح .

وقال : لا بأس إذا كان قبل التسمية وقبل أن يضجع للذبح .

وحديث عائشة يرد هذا القول .

وقد تقدم أن إبراهيم - عليه السلام - قال لما أراد ذبح ابنه : الله أكبر والحمد لله .

فبقي سنة .روى البراء بن عازب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل : ماذا يتقى من الضحايا ؟

فأشار بيده وقال : أربعا - وكان البراء يشير بيده ويقول : يدي أقصر من يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - العرجاء البين ظلعها ، والعوراء البين عورها ، والمريضة البين مرضها والعجفاء التي لا تنقى لفظ مالك ولا خلاف فيه .

واختلف في اليسير من ذلك .

وفي الترمذي عن علي - رضي الله عنه - قال : أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نستشرف العين والأذن ، وألا نضحي بمقابلة ، ولا مدابرة ، ولا شرقاء ، ولا خرقاء .

قال : والمقابلة ما قطع طرف أذنها ، والمدابرة ما قطع من جانب الأذن ، والشرقاء المشقوقة ، والخرقاء المثقوبة ، قال : هذا حديث حسن صحيح .

وفي الموطأ عن نافع : أن عبد الله بن عمر كان يتقي من الضحايا والبدن التي لم تسنن ، والتي نقص من خلقها .

قال مالك : وهذا أحب ما سمعت إلي .

قال القتبي : لم تسنن أي : لم تنبت أسنانها كأنها لم تعط أسنانا .

وهذا كما يقال : فلان لم يلبن أي : لم يعط لبنا ، ولم يسمن أي : لم يعط سمنا ، ولم يعسل أي : لم يعط عسلا .

وهذا مثل النهي في الأضاحي عن الهتماء .

قال أبو عمر : ولا بأس أن يضحى عند مالك بالشاة الهتماء إذا كان سقوط أسنانها من الكبر والهرم وكانت سمينة ، فإن كانت ساقطة الأسنان وهي فتية لم يجز أن يضحى بها ; لأنه عيب غير خفيف .

والنقصان كله مكروه ، وشرحه وتفصيله في كتب الفقه .

وفي الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : استشرقوا ضحاياكم ؛ فإنها على الصراط مطاياكم ذكره الزمخشري .ودلت الآية على أن من نذر نحر ابنه أو ذبحه أنه يفديه بكبش كما فدى [ ص: 101 ] به إبراهيم ابنه ، قاله ابن عباس .

وعنه رواية أخرى : ينحر مائة من الإبل كما فدى بها عبد المطلب ابنه ، روى الروايتين عنه الشعبي .

وروى عنه القاسم بن محمد : يجزيه كفارة يمين .

وقال مسروق : لا شيء عليه .

وقال الشافعي : هو معصية يستغفر الله منها .

وقال أبو حنيفة : هي كلمة يلزمه بها في ولده ذبح شاة ، ولا يلزمه في غير ولده شيء .

قال محمد : عليه في الحلف بنحر عبده مثل الذي عليه في الحلف بنحر ولده إذا حنث .

وذكر ابن عبد الحكم عن مالك فيمن قال : أنا أنحر ولدي عند مقام إبراهيم في يمين ثم حنث فعليه هدي .

قال : ومن نذر أن ينحر ابنه ولم يقل عند مقام إبراهيم ولا أراد فلا شيء عليه .

قال : ومن جعل ابنه هديا أهدى عنه ، قال القاضي ابن العربي : يلزمه شاة كما قال أبو حنيفة ; لأن الله تعالى جعل ذبح الولد عبارة عن ذبح الشاة شرعا ، فألزم الله إبراهيم ذبح الولد ، وأخرجه عنه بذبح شاة .

وكذلك إذا نذر العبد ذبح ولده يلزمه أن يذبح شاة ; لأن الله تعالى قال : ملة أبيكم إبراهيم والإيمان التزام أصلي ، والنذر التزام فرعي ، فيجب أن يكون محمولا عليه .

فإن قيل : كيف يؤمر إبراهيم بذبح الولد وهو معصية ، والأمر بالمعصية لا يجوز ؟

.

قلنا : هذا اعتراض على كتاب الله ، ولا يكون ذلك ممن يعتقد الإسلام ، فكيف بمن يفتي في الحلال والحرام ، وقد قال الله تعالى : افعل ما تؤمر والذي يجلو الإلباس عن قلوب الناس في ذلك : أن المعاصي والطاعات ليست بأوصاف ذاتية للأعيان ، وإنما الطاعات عبارة عما تعلق به الأمر من الأفعال ، والمعصية عبارة عما تعلق به النهي من الأفعال ، فلما تعلق الأمر بذبح الولد إسماعيل من إبراهيم صار طاعة وابتلاء ، ولهذا قال الله تعالى : إن هذا لهو البلاء المبين في الصبر على ذبح الولد والنفس ، ولما تعلق النهي بنا في ذبح أبنائنا صار معصية .

فإن قيل : كيف يصير نذرا وهو معصية .

قلنا : إنما يكون معصية لو كان يقصد ذبح الولد بنذره ولا ينوي الفداء ؟

فإن قيل : فلو وقع ذلك وقصد المعصية ولم ينو الفداء ؟

قلنا : لو قصد ذلك لم يضره في قصده ولا أثر في نذره ; لأن نذر الولد صار عبارة عن ذبح الشاة شرعا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

[ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ } أي: صار بدله ذبح من الغنم عظيم، ذبحه إبراهيم، فكان عظيما من جهة أنه كان فداء لإسماعيل، ومن جهة أنه من جملة العبادات الجليلة، ومن جهة أنه كان قربانا وسنة إلى يوم القيامة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وفديناه بذبح عظيم ) فنظر إبراهيم فإذا هو بجبريل ومعه كبش أملح أقرن ، فقال : هذا فداء لابنك فاذبحه دونه ، فكبر جبريل ، وكبر الكبش ، وكبر ابنه ، فأخذ إبراهيم الكبش فأتى به المنحر من منى فذبحه .

قال أكثر المفسرين : كان ذلك الكبش رعى في الجنة أربعين خريفا .

وروي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : الكبش الذي ذبحه إبراهيم هو الذي قربه ابن آدم هابيل .

قال سعيد بن جبير : حق له أن يكون عظيما .

قال مجاهد : سماه عظيما ؛ لأنه متقبل .

وقال الحسين بن الفضل : لأنه كان من عند الله .

وقيل : عظيم في الشخص .

وقيل : في الثواب .

وقال الحسن : ما فدي إسماعيل إلا بتيس من الأروى أهبط عليه من ثبير .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وفديناه» أي المأمور بذبحه، وهو إسماعيل أو إسحاق قولان «بذبح» بكبش «عظيم» من الجنة وهو الذي قربه هابيل جاء به جبريل عليه السلام فذبحه السيد إبراهيم مكبرا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واستنقذنا إسماعيل، فجعلنا بديلا عنه كبشًا عظيمًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - مظاهر فضله على هذين النبيين الكريمين فقال : ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) والذبح بمعنى المذبوح فهو مصدر بمعنى اسم المفعول كالطحن بمعنى المطحون .أى : وفدينا إسماعيل - عليه السلام - بمذبوح عظيم فى هيئته ، وفى قدره ، لأنه من عندنا ، وليس من عند غيرنا .قيل : افتداه الله - تعالى - بكبش أبيض ، أقرن ، عظيم القدر .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أن سبحانه وتعالى لما قال: ﴿ فبشرناه بغلام حَلِيمٍ  ﴾ أتبعه بما يدل على حصول ما بشر به وبلغه، فقال: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السعى ﴾ ومعناه فلما أدرك وبلغ الحد الذي يقدر فيه على السعي، وقوله: ﴿ مَعَهُ ﴾ في موضع الحال والتقدير كائناً معه، والفائدة في اعتبار هذا المعنى أن الأب أرفق الناس بالولد، وغيره ربما عنف به في الاستسعاء فلا يحتمله لأنه لم تستحكم قوته، قال بعضهم: كان في ذلك الوقت ابن ثلاث عشرة سنة، والمقصود من هذا الكلام أن الله تعالى لما وعده في الآية الأولى بكون ذلك الغلام حليماً، بين في هذه الآية ما يدل على كمال حلمه، وذلك لأنه كان به من كمال الحلم وفسحة الصدر ما قواه على احتمال تلك البلية العظيمة، والإتيان بذلك الجواب الحسن.

أما قوله: ﴿ إِنّى أرى فِي المنام أَنّى أَذْبَحُكَ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: في تفسير هذه اللفظة وجهان الأول: قال السدي: كان إبراهيم حين بشر بإسحاق قبل أن يولد له قال: هو إذن لله ذبيح فقيل لإبراهيم قد نذرت نذراً فف بنرك فلما أصبح ﴿ قَالَ يَا بُنَىَّ إِنّى أرى فِي المنام أَنّى أَذْبَحُكَ ﴾ .

وروي من طريق آخر أنه رأى ليلة التروية في منامه، كأن قائلاً يقول له إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا، فلما أصبح تروى في ذلك من الصباح إلى الرواح، أمن الله هذا الحلم أم من الشيطان؟

فمن ثم سمي يوم التروية، فلما أمسى رأى مثل ذلك، فعرف أنه من الله فسمي يوم عرفة، ثم رأى مثله في الليلة الثالثة فهم بنحره فسمي يوم النحر وهذا هو قول أهل التفسير وهو يدل على أنه رأى في المنام ما يوجب أن يذبح ابنه في اليقظة، وعلى هذا فتقدير اللفظ: إني أرى في المنام ما يوجب أن أذبحك والقول الثاني: أنه رأى في المنام أنه يذبحه ورؤيا الأنبياء عليهم السلام من باب الوحي، وعلى هذا القول فالمرئي في المنام ليس إلا أنه يذبح، فإن قيل إما أن يقال إنه ثبت بالدليل عند الأنبياء عليهم السلام أن كل ما رآه في المنام فهو حق حجة أو لم يثبت ذلك بالدليل عندهم، فإن كان الأول فلم راجع الولد في هذه الواقعة، بل كان من الواجب عليه أن يشتغل بتحصيل ذلك المأمور، وأن لا يراجع الولد فيه، وأن لا يقول له؛ ﴿ فانظر مَاذَا ترى ﴾ وأن لا يوقف العمل على أن يقول له الولد ﴿ افعل مَا تُؤمَرُ ﴾ ؟، وأيضاً فقد قلتم إنه بقي في اليوم الأول متفكراً، ولو ثبت عنده بالدليل أن كل ما رآه في النوم فهو حق لم يكن إلى هذا التروي والتفكر حاجة، وإن كان الثاني، وهو أنه لم يثبت بالدليل عندهم أن ما يرونه في المنام حق، فكيف يجوز له أن يقدم على ذبح ذلك الطفل بمجرد رؤيا لم يدل الدليل على كونها حجة؟

والجواب: لا يبعد أن يقال إنه كان عند الرؤيا متردداً فيه ثم تأكدت الرؤيا بالوحي الصريح، والله أعلم.

المسألة الثانية: اختلفوا في أن هذا الذبيح من هو؟

فقيل إنه إسحاق وهذ قول عمر وعلي والعباس بن عبد المطلب وابن مسعود وكعب الأحبار وقتادة وسعيد بن جبير ومسروق وعكرمة والزهري والسدي ومقاتل رضي الله عنهم، وقيل إنه إسماعيل وهو قول ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب والحسن والشعبي ومجاهد والكلبي، واحتج القائلون بأنه إسماعيل بوجوه: الأول: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنا ابن الذبيحين».

وقال له أعرابي: يا ابن الذبيحين فتبسم فسئل عن ذلك فقال: «إن عبد المطلب لما حفر بئر زمزم نذر لله لئن سهل الله له أمرها ليذبحن أحد ولده، فخرج السهم على عبد الله فمنعه أخواله وقالوا له افد ابنك بمائة من الإبل، ففداه بمائة من الإبل، والذبيح الثاني إسماعيل».

الحجة الثانية: نقل عن الأصمعي أنه قال سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح، فقال: يا أصمعي أين عقلك، ومتى كان إسحاق بمكة وإنما كان إسماعيل بمكة وهو الذي بنى البيت مع أبيه والمنحر بمكة؟.

الحجة الثالثة: أن الله تعالى وصف إسماعيل بالصبر دون إسحاق في قوله: ﴿ وإسماعيل وَإِدْرِيسَ وَذَا الكفل كُلٌّ مّنَ الصابرين  ﴾ وهو صبره على الذبح، ووصفه أيضاً بصدق الوعد في قوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ صادق الوعد  ﴾ لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح فوفى به.

الحجة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ فبشرناها بإسحاق وَمِن وَرَاء إسحاق يَعْقُوبَ  ﴾ فنقول لو كان الذبيح إسحاق لكان الأمر بذبحه إما أن يقع قبل ظهور يعقوب، منه أو بعد ذلك فالأول: باطل لأنه تعالى لما بشرها بإسحاق، وبشرها معه بأنه يحصل منه يعقوب فقبل ظهور يعقوب منه لم يجز الأمر بذبحه، وإلا حصل الخلف في قوله: ﴿ وَمِن وَرَاء إسحاق يعقوب ﴾ والثاني: باطل لأن قوله: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السعى قَالَ يابنى إِنّى أرى فِي المنام أَنّى أَذْبَحُكَ ﴾ يدل على أن ذلك الابن لما قدر على السعي ووصل إلى حد القدرة على الفعل أمر الله تعالى إبراهيم بذبحه، وذلك ينافي وقوع هذه القصة في زمان آخر، فثبت أنه لا يجوز أن يكون الذبيح هو إسحاق.

الحجة الخامسة: حكى الله تعالى عنه أنه قال: ﴿ إِنّى ذَاهِبٌ إلى رَبّى سَيَهْدِينِ  ﴾ ثم طلب من الله تعالى ولداً يستأنس به في غربته فقال: ﴿ رَبّ هَبْ لِى مِنَ الصالحين  ﴾ وهذا السؤال إنما يحسن قبل أن يحصل له الولد، لأنه لو حصل له ولد واحد لما طلب الولد الواحد، لأن طلب الحاصل محال وقوله: ﴿ هَبْ لِى مِنَ الصالحين ﴾ لا يفيد إلا طلب الولد الواحد، وكلمة من للتبعيض وأقل درجات البعضية الواحد فكأن قوله: ﴿ مّنَ الصالحين ﴾ لا يفيد إلا طلب الولد الواحد فثبت أن هذا السؤال لا يحسن إلا عند عدم كل الأولاد فثبت أن هذا السؤال وقع حال طلب الولد الأول، وأجمع الناس على أن إسماعيل متقدم في الوجود على إسحاق، فثبت أن المطلوب بهذا الدعاء وهو إسماعيل، ثم إن الله تعالى ذكر عقيبه قصة الذبيح فوجب أن يكون الذبيح هو إسماعيل.

الحجة السادسة: الأخبار الكثيرة في تعليق قرن الكبش بالكعبة، فكأن الذبيح بمكة.

ولو كان الذبيح إسحاق كان الذبح بالشام، واحتج من قال إن ذلك الذبيح هو إسحاق بوجهين: الوجه الأول: أن أول الآية وآخرها يدل على ذلك، أما أولها فإنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام قبل هذه الآية أنه قال: ﴿ إِنّى ذَاهِبٌ إلى رَبّى سَيَهْدِينِ ﴾ وأجمعوا على أن المراد منه مهاجرته إلى الشام ثم قال: ﴿ فبشرناه بغلام حليم  ﴾ فوجب أن يكون هذا الغلام ليس إلا إسحاق، ثم قال بعده: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السعى ﴾ وذلك يقتضي أن يكون المراد من هذا الغلام الذي بلغ معه السعي هو ذلك الغلام الذي حصل في الشام، فثبت أن مقدمة هذه الآية تدل على أن الذبيح هو إسحاق، وأما آخر الآية فهو أيضاً يدل على ذلك لأنه تعالى لما تمم قصة الذبيح قال بعده: ﴿ وبشرناه بإسحاق نَبِيّاً مّنَ الصالحين ﴾ ومعناه أنه بشره بكونه نبياً من الصالحين، وذكر هذه البشارة عقيب حكاية تلك القصة يدل على أنه تعالى إنما بشره بهذه النبوة لأجل أنه تحمل هذه الشدائد في قصة الذبيح، فثبت بما ذكرنا أن أول الآية وآخرها يدل على أن الذبيح هو إسحاق عليه السلام.

الحجة الثانية: على صحة ذلك ما اشتهر من كتاب يعقوب إلى يوسف عليه السلام من يعقوب إسرائيل نبي الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله فهذا جملة الكلام في هذا الباب، وكان الزجاج يقول: الله أعلم أيهما الذبيح، والله أعلم.

واعلم أنه يتفرع على ما ذكرنا اختلافهم في موضع الذبح فالذين قالوا الذبيح هو إسماعيل قالوا: كان الذبح بمنى، والذين قالوا: إنه إسحاق قالوا هو بالشام وقيل ببيت المقدس، والله أعلم.

المسألة الثالثة: اختلف الناس في أن إبراهيم عليه السلام كان مأموراً بهذا بما رأى، وهذا الاختلاف مفرع على مسألة من مسائل أصول الفقه، وهي أنه هل يجوز نسخ الحكم قبل حضور مدة الامتثال فقال أكثر أصحابنا إنه يجوز، وقالت المعتزلة وكثير من فقهاء الشافعية والحنفية إنه لا يجوز، فعلى القول الأول أنه سبحانه وتعالى أمره بالذبح، ثم إنه تعالى نسخ هذا التكليف قبل حضور وقته، وعلى القول الثاني أنه تعالى ما أمره بالذبح، وإنما أمره بمقدمات الذبح وهذه مسألة شريفة من مسائل باب النسخ، واحتج أصحابنا على أنه يجوز نسخ الأمر قبل مجيء مدة الامتثال بأن الله تعالى أمر إبراهيم عليه السلام بذبح ولده، ثم إنه تعالى نسخه عنه قبل إقدامه عليه وذلك يفيد المطلوب إنما قلنا إنه تعالى أمره بذبح الولد لوجهين: الأول: أنه عليه السلام قال لولده إني أرى في المنام أني أذبحك فقال الولد افعل ما تؤمر وهذا يدل على أنه عليه السلام كان مأموراً بمقدمات الذبح لا بنفس الذبح، ثم إنه أتى بمقدمات الذبح وأدخلها في الوجود، فحينئذٍ يكون قد أمر بشيء وقد أتى به، وفي هذا الموضع لا يحتاج إلى الفداء، لكنه احتاج إلى الفداء بدليل قوله تعالى: ﴿ وفديناه بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾ فدل هذا على أنه أتى بالمأمور به، وقد ثبت أنه أتى بكل مقدمات الذبح، وهذا يدل على أنه تعالى كان قد أمره بنفس الذبح، وإذا ثبت هذا فنقول إنه تعالى نسخ ذلك الحكم قبل إثباته وذلك يدل على المقصود، وقالت المعتزلة: لا نسلم أن الله أمره بذبح الولد بل نقول إنه تعالى أمره بمقدمات الذبح، ويدل عليه وجوه: الأول: أنه ما أتى بالذبح وإنما أتى بمقدمات الذبح، ثم إن الله تعالى أخبر عنه بأنه أتى بما أمر به بدليل قوله تعالى: ﴿ وناديناه أَن ياإبراهيم قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيا ﴾ وذلك يدل على أنه تعالى إنما أمره في المنام بمقدمات الذبح لا بنفس الذبح وتلك المقدمات عبارة عن إضجاعه ووضع السكين على حلقه، والعزم الصحيح على الإتيان بذلك الفعل إن ورد الأمر الثاني: الذبح عبارة عن قطع الحلقوم فلعل إبراهيم عليه السلام قطع الحلقوم إلا أنه كلما قطع جزءاً أعاد الله التأليف إليه، فلهذا السبب لم يحصل الموت والوجه الثالث: وهو الذي عليه تعويل القوم أنه تعالى لو أمر شخصاً معيناً بإيقاع فعل معين في وقت معين، فهذا يدل على أن إيقاع ذلك الفعل في ذلك الوقت حسن، فإذا أنهاه عنه فذلك النهي يدل على أن إيقاع ذلك الفعل في ذلك الوقت قبيح، فلو حصل هذا النهي عقيب ذلك الأمر لزم أحد أمرين، لأنه تعالى إن كان عالماً بحال ذلك الفعل لزم أن يقال إنه أمر بالقبيح أو نهى عن الحسن، وإن لم يكن عالماً به لزم جهل الله تعالى الحسن، وإن لم يكن عالماً به لزم جهل الله تعالى وإنه محال، فهذا تمام الكلام في هذا الباب والجواب: عن الأول أنا قد دللنا على أنه تعالى إنما أمره بالذبح.

أما قوله تعالى: ﴿ قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيا ﴾ فهذا يدل على أنه اعترف بكون تلك الرؤيا واجب العمل بها ولا يدل على أنه أتى بكل ما رآه في ذلك المنام.

وأما قوله ثانياً كلما قطع إبراهيم عليه السلام جزءاً أعاد الله تعالى التأليف إليه، فنقول هذا باطل لأن إبراهيم عليه السلام لو أتى بكل ما أمر به لما احتاج إلى الفداء وحيث احتاج إليه علمنا أنه لم يأت بما أمر به.

وأما قوله ثالثاً إنه يلزم، إما الأمر بالقبيح وإما الجهل، فنقول هذا بناءً على أن الله تعالى لا يأمر إلا بما يكون حسناً في ذاته ولا ينهي إلا عما يكون قبيحاً في ذاته، وذلك بناءً على تحسين العقل وتقبيحه وهو باطل، وأيضاً فهب أنا نسلم ذلك إلا أنا نقول لم لا يجوز أن يقال إن الأمر بالشيء تارة يحسن لكون المأمور به حسناً وتارة لأجل أن ذلك الأمر يفيد صحة مصلحة من المصالح وإن لم يكن المأمور به حسناً ألا ترى أن السيد إذا أراد أن يروض عبده، فإنه يقول له إذا جاء يوم الجمعة فافعل الفعل الفلاني، ويكون ذلك الفعل من الأفعال الشاقة، ويكون مقصود السيد من ذلك الأمر ليس أن يأتي ذلك العبد بذلك الفعل، بل أن يوطن العبد نفسه على الانقياد والطاعة، ثم إن السيد إذا علم منه أنه وطن نفسه على الطاعة فقد يزيل الألم عنه ذلك التكليف، فكذا هاهنا، فما لم تقيموا الدلالة على فساد هذا الاحتمال لم يتم كلامكم.

المسألة الرابعة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الله تعالى قد يأمر بما لا يريد وقوعه، والدليل عليه أنه أمر بالذبح وما أراد وقوعه، أما أنه أمر بالذبح فلما تقدم في المسألة الأولى.

وأما أنه ما أراد وقوعه فلأن عندنا أن كل ما أراد الله وقوعه فإنه يقع، وحيث لم يقع هذا الذبح علمنا أنه تعالى ما أراد وقوعه، وأما عند المعتزلة فلأن الله تعالى نهى عن ذلك الذبح، والنهي عن الشيء يدل على أن الناهي لا يريد وقوعه فثبت أنه تعالى أمر بالذبح، وثبت أنه تعالى ما أراده، وذلك يدل على أن الأمر قد يوجد بدون الإرادة، وتمام الكلام في أن الله تعالى أمر بالذبح ما تقدم في المسألة المتقدمة، والله أعلم.

المسألة الخامسة: في بيان الحكمة في ورود هذا التكليف في النوم لا في اليقظة وبيانه من وجوه: الأول: أن هذا التكليف كان في نهاية المشقة على الذابح والمذبوح، فورد أولاً في النوم حتى يصير ذلك كالمنبه لورود هذا التكليف الشاق، ثم يتأكد حال النوم بأحوال اليقظة، فحينئذٍ لا يهجم هذا التكليف دفعة واحدة بل شيئاً فشيئاً الثاني: أن الله تعالى جعل رؤيا الأنبياء عليهم السلام حقاً، قال الله تعالى في حق محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ لَّقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرؤيا بالحق لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام  ﴾ وقال عن يوسف عليه السلام: ﴿ إِنّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشمس والقمر رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ  ﴾ وقال في حق إبراهيم عليه السلام: ﴿ إِنّى أرى فِي المنام أَنّى أَذْبَحُكَ ﴾ والمقصود من ذلك تقوية الدلالة على كونهم صادقين، لأن الحال إما حال يقظة وإما حال منام، فإذا تظاهرت الحالتان على الصدق، كان ذلك هو النهاية في بيان كونهم محقين صادقين في كل الأحوال، والله أعلم.

ثم نقول مقامات الأنبياء عليهم السلام على ثلاثة أقسام منها ما يقع على وفق الرؤية كما في قوله تعالى في حق رسولنا صلى الله عليه وسلم: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام ﴾ ثم وقع ذلك الشيء بعينه، ومنها ما يقع على الضد كما في حق إبراهيم عليه السلام فإنه رأى الذبح وكان الحاصل هو الفداء والنجاة، ومنها ما يقع على ضرب من التأويل والمناسبة كما في رؤيا يوسف عليه السلام، فلهذا السبب أطبق أهل التعبير على أن المنامات واقعة على هذه الوجوه الثلاثة.

المسألة السادسة: قرأ حمزة والكسائي: ﴿ تَرَى ﴾ بضم التاء وكسر الراء، أن ما ترى من نفسك من الصبر والتسليم؟

وقيل ما تشير، والباقون بفتح التاء، ثم منهم من يميل ومنهم من لا يميل.

المسألة السابعة: الحكمة في مشاورة الإبن في هذا الباب أن يطلع ابنه على هذه الواقعة ليظهر له صبره في طاعة الله فتكون فيه قرة عين لإبراهيم حيث يراه قد بلغ في الحلم إلى هذا الحد العظيم، وفي الصبر على أشد المكاره إلى هذه الدرجة العالية ويحصل للابن الثواب العظيم في الآخرة والثناء الحسن في الدنيا، ثم إنه تعالى حكى عن ولد إبراهيم عليه السلام أنه قال: ﴿ افعل مَا تُؤمَرُ ﴾ ومعناه افعل ما تؤمر به، فحذف الجار كما حذف من قوله: أمرتك الخبر فافعل ما أمرت به *** ثم قال: ﴿ سَتَجِدُنِى إِن شَاء الله مِنَ الصابرين ﴾ وإنما علق ذلك بمشيئة الله تعالى على سبيل التبرك والتيمن، وأنه لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله.

ثم قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا أَسْلَمَا ﴾ يقال سلم لأمر الله وأسلم واستسلم بمعنى واحد، وقد قرئ بهن جميعاً إذ انقاد له وخضع، وأصلها من قولك سلم هذا لفلان إذا خلص له، ومعناه سلم من أن ينازع فيه، وقولهم سلم لأمر الله وأسلم له منقولان عنه بالهمزة، وحقيقة معناها أخلص نفسه لله وجعلها سالمة له خالصة، وكذلك معنى استسلم استخلص نفسه لله وعن قتادة في أسلما أسلم هذا ابنه وهذا نفسه، ثم قال تعالى: ﴿ وتله للجبين ﴾ أي صرعه على شقه فوقع أحد جبينيه على الأرض وللوجه جبينان، والجبهة بينهما، قال ابن الأعرابي التليل والمتلول المصروع والمتل الذي يتل به أي يصرع، فالمعنى أنه صرعه على جبينه، وقال مقاتل كبه على جبهته، وهذا خطأ لأن الجبين غير الجبهة.

ثم قال تعالى: ﴿ وناديناه أَن ياإبراهيم قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيا ﴾ وفيه قولان الأول: أن هذا جواب فلما عند الكوفيين والفراء والواو زائدة والقول الثاني: أن عند البصريين لا يجوز ذلك والجواب مقدر والتقدير: فلما فعل ذلك وناداه الله أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا، سعد سعادة عظيمة وآتاه الله نبوة ولده وأجزل له الثواب، قالوا: وحذف الجواب ليس بغريب في القرآن والفائدة فيه أنه إذا كان محذوفاً كان أعظم وأفخم، قال المفسرون لما أضجعه للذبح نودي من الجبل: ﴿ ياإبراهيم قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيا ﴾ قال المحققون: السبب في هذا التكليف كمال طاعة إبراهيم لتكاليف الله تعالى فلما كلفه الله تعالى بهذا التكليف الشاق الشديد وظهر منه كمال الطاعة وظهر من ولده كمال الطاعة والانقياد، لا جرم قال قد صدقت الرؤيا، يعني حصل المقصود من تلك الرؤيا.

وقوله: ﴿ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين ﴾ ابتداء إخبار من الله تعالى، وليس يتصل بما تقدم من الكلام، والمعنى أن إبراهيم وولده كانا محسنين في هذه الطاعة، فكما جزينا هذين المحسنين فكذلك نجزي كل المحسنين.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ هذا لَهُوَ البلاء المبين ﴾ أي الاختبار البين الذي يتميز فيه المخلصون من غيرهم أو المحنة البينة الصعوبة التي لا محنة أصعب منها ﴿ وفديناه بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾ الذبح مصدر ذبحت والذبح أيضاً ما يذبح وهو المراد في هذه الآية، وهاهنا مباحث تتعلق بالحكايات فالأول: حكي في قصة الذبيح أن إبراهيم عليه السلام لما أراد ذبحه قال: يا بني خذ الحبل والمدية وانطلق بنا إلى الشعب نحتطب، فلما توسطا شعب ثبير أخبره بما أمر به، فقال: يا أبت اشدد رباطي فيَّ كيلا أضطرب، واكفف عني ثيابك لا ينتضح عليها شيء من دمي فتراه أمي فتحزن، واستحد شفرتك وأسرع إمرارها على حلقي ليكون أهون فإن الموت شديد، واقرأ على أمي سلامي وإن رأيت أن ترد قميصي على أمي فافعل فإنه عسى أن يكون أسهل لها، فقال إبراهيم عليه السلام: نعم العون أنت يا بني على أمر الله، ثم أقبل عليه يقبله وقد ربطه وهما يبكيان ثم وضع السكين على حلقه فقال: كبني على وجهي فإنك إذا نظرت وجهي رحمتني وأدركتك رقة وقد تحول بينك وبين أمر الله سبحانه وتعالى ففعل ثم وضع السكين على قفاه فانقلبت السكين ونودي يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا.

البحث الثاني: اختلفوا في ذلك الكبش فقيل إنه الكبش الذي تقرب به هابيل بن آدم إلى الله تعالى فقبله، وكان في الجنة يرعى حتى فدى الله تعالى به إسماعيل، وقال آخرون أرسل الله كبشاً من الجنة قد رعى أربعين خريفاً، وقال السدي: نودي إبراهيم فالتفت فإذا هو بكبش أملح انحط من الجبل، فقام عنه إبراهيم فأخذه فذبحه، وخلى عن ابنه، ثم اعتنق ابنه وقال: يا بني اليوم وهبت لي، وأما قوله: ﴿ عظِيمٌ ﴾ فقيل سمي عظيماً لعظمه وسمنه، وقال سعيد بن جبير حق له أن يكون عظيماً وقد رعى في الجنة أربعين خريفاً، وقيل سمي عظيماً لعظم قدره حيث قبله الله تعالى فداء عن ولد إبراهيم، ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المؤمنين ﴾ الضمير في قوله: ﴿ إِنَّهُ ﴾ عائد إلى إبراهيم، ثم قال تعالى: ﴿ وبشرناه بإسحاق نَبِيّاً مّنَ الصالحين ﴾ فقوله: ﴿ نَبِيّاً ﴾ حال مقدرة أي بشرناه بوجود إسحاق مقدرة نبوته، ولمن يقول إن الذبيح هو إسماعيل أن يحتج بهذه الآية، وذلك لأن قوله: ﴿ نَبِيّاً ﴾ حال ولا يجوز أن يكون المعنى فبشرناه بإسحاق حال كون إسحاق نبياً لأن البشارة به متقدمة على صيرورته نبياً، فوجب أن يكون المعنى وبشرناه بإسحاق حال ما قدرناه نبياً، وحال ما حكمنا عليه فصبر، وإذا كان الأمر كذلك فحينئذٍ كانت هذه البشارة بشارة بوجود إسحاق حاصلة بعد قصة الذبيح، فوجب أن يكون الذبيح غير إسحاق، أقصى ما في الباب أن يقال لا يبعد أن يقال هذه الآية وإن كانت متأخرة في التلاوة عن قصة الذبيح إلا أنها كانت متقدمة عليها في الوقوع والوجود، إلا أنا نقول الأصل رعاية الترتيب وعدم التغيير في النظم، والله أعلم بالصواب.

ثم قال تعالى: ﴿ وباركنا عَلَيْهِ وعلى إسحاق ﴾ وفي تفسير هذه البركة وجهان الأول: أنه تعالى أخرج جميع أنبياء بني إسرائيل من صلب إسحاق والثاني: أنه أبقى الثناء الحسن على إبراهيم وإسحاق إلى يوم القيامة، لأن البركة عبارة عن الدوام والثبات، ثم قال تعالى: ﴿ وَمِن ذُرّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وظالم لّنَفْسِهِ مُبِينٌ ﴾ وفي ذلك تنبيه على أنه لا يلزم من كثرة فضائل الأب فضيلة الابن، لئلا تصير هذه الشبهة سبباً لمفاخرة اليهود، ودخل تحت قوله: ﴿ مُحْسِنٌ ﴾ الأنبياء والمؤمنين وتحت قوله: ﴿ ظَالِمٌ ﴾ الكافر والفاسق، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

يقال: سلم لأمر الله وأسلم، واستسلم بمعنى واحد.

وقد قرئ بهنّ جميعاً إذا انقاد له، وخضع، وأصلها من قولك: سلم هذا لفلان إذا خلص له.

ومعناه: سلم من أن ينازع فيه، وقولهم: سلم لأمر الله، وأسلم له منقولان منه، وحقيقة معناهما: أخلص نفسه لله وجعلها سالمة له خالصة، وكذلك معنى: استسلم: استخلص نفسه لله.

وعن قتادة في ﴿ أَسْلَمَا ﴾ أسلم هذا ابنه وهذا نفسه ﴿ وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾ صرعه على شقه، فوقع أحد جنبيه على الأرض تواضعاً على مباشرة الأمر بصبر وجلد، ليرضيا الرحمن ويخزيا الشيطان.

وروى أن ذلك كان عند الصخرة التي بمنى، وعن الحسن: في الموضع المشرف على مسجد منى.

وعن الضحاك: في المنحر الذي ينحر فيه اليوم.

فإن قلت: أين جواب لما؟

قلت: هو محذوف تقديره: فلما أسلما وتله للجبين ﴿ وناديناه أَن ياإبراهيم قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيا ﴾ كان ما كان مما تنطق به الحال ولا يحيط به الوصف من استبشارهما واغتباطهما، وحمدهما لله وشكرهما على ما أنعم به عليهما، من دفع البلاء العظيم بعد حلوله، وما اكتسبا في تضاعيفه بتوطين الأنفس عليه من الثواب والأعواض ورضوان الله الذي ليس وراءه مطلوب، وقوله: ﴿ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين ﴾ تعليل لتخويل ما خوّلهما من الفرج بعد الشدّة، والظفر بالبغية بعد اليأس ﴿ البلاء المبين ﴾ الاختبار البين الذي يتميز فيه المخلصون من غيرهم.

أو المحنة البينة الصعوبة التي لا محنة أصعب منها.

الذبح: اسم ما يذبح.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هو الكبش الذي قرّبه هابيل فقبل منه، وكان يرعى في الجنة حتى فدى به إسماعيل.

وعن الحسن: فدى بوعل أهبط عليه من ثبير.

وعن ابن عباس: لو تمت تلك الذبيحة لكانت سنة وذبح الناس أبناءهم ﴿ عظِيمٌ ﴾ ضخم الجثة سمين، وهي السنة في الأضاحي.

وقوله عليه السلام: «استشرفوا ضحاياكم فإنها على الصراط مطاياكم» وقيل: لأنه وقع فداء عن ولد إبراهيم.

وروى أنه هرب من إبراهيم عليه السلام عند الجمرة فرماه بسبع حصيات حتى أخذه، فبقيت سنة في الرمي، وروى أنه رمى الشيطان حين تعرض له بالوسوسة عند ذبح ولده.

وروى أنه لما ذبحه قال جبريل: الله أكبر الله أكبر، فقال الذبيح: لا إله إلاّ الله والله أكبر، فقال إبراهيم عليه السلام: الله أكبر ولله الحمد، فبقي سنة: وحكي في قصة الذبيح أنه حين أراد ذبحه قال: يا بني خذ الحبل والمدية وانطلق بنا إلى الشعب نحتطب، فلما توسط شعب ثبير أخبره بما أمر.

فقال له اشدد رباطي لا أضطرب، واكفف عني ثيابك لا ينتضح عليها شيء من دمي فينقص أجري وتراه أمي فتحزن، واشحذ شفرتك وأسرع إمرارها على حلقي حتى تجهز عليّ، ليكون أهون فإنّ الموت شديد، واقرأ على أمي سلامي، وإن رأيت أن تردّ قميصي على أمي، فافعل، فإنه عسى أن يكون أسهل لها، فقال إبراهيم عليه السلام: نعم العون أنت يا بنيّ على أمر الله، ثم أقبل عليه يقلبه وقد ربطه، وهما يبكيان، ثم وضع السكين على حلقه فلم تعمل.

لأنّ الله ضرب صفيحة من نحاس على حلقه، فقال له: كبني على وجهي فإنك إذا نظرت وجهي رحمتني وأدركتك رقة تحول بينك وبين أمر الله، ففعل، ثم وضع السكين على قفاه فانقلب السكين، ونودي: يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا، فنظر فإذا جبريل عليه السلام معه كبش أقرن أملح، فكبر جبريل والكبش، وإبراهيم وابنه، وأتى المنحر من منى فذبحه.

وقيل: لما وصل موضع السجود منه إلى الأرض جاء الفرج.

وقد استشهد أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية فيمن نذر ذبح ولده: أنه يلزمه ذبح شاة، فإن قلت: من كان الذبيح من ولديه؟

قلت: قد اختلف فيه؛ فعن ابن عباس وابن عمر ومحمد بن كعب القرظي وجماعة من التابعين: أنه إسماعيل.

والحجة فيه: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنا ابن الذبيحين» وقال له أعرابي: يا ابن الذبيحين، فتبسم، فسئل عن ذلك فقال: إنّ عبد المطلب لما حفر بئر زمزم نذر لله: لئن سهل الله له أمرها ليذبحنّ أحد ولده، فخرج السهم على عبد الله فمنعه أخواله وقالوا له افد ابنك بمائة من الإبل ففداه بمائة من الإبل والثاني إسماعيل، وعن محمد بن كعب القرظي قال: كان مجتهد بني إسرائيل يقول إذا دعا: اللهم إله إبراهيم وإسماعيل وإسرائيل، فقال موسى عليه السلام: يا رب، ما لمجتهد بني إسرائيل إذا دعا قال: اللهم إله إبراهيم وإسماعيل وإسرائيل، وأنا بين أظهرهم فقد أسمعتني كلامك واصطفيتني برسالتك؟

قال: يا موسى، لم يحبني أحد حبّ إبراهيم قط، ولا خير بيني وبين شيء قط إلا اختارني.

وأمّا إسماعيل فإنه جاد بدم نفسه.

وأمّا إسرائيل، فإنه لم ييأس من روحي في شدّة نزلت به قط، ويدل عليه أنّ الله تعالى لما أتمّ قصة الذبيح قال: ﴿ وبشرناه بإسحاق نَبِيّاً ﴾ [الصافات: 112] وعن محمد بن كعب أنه قال لعمر بن عبد العزيز: هو إسماعيل، فقال عمر: إنّ هذا شيء ما كنت أنظر فيه، وإني لأراه كما قلت، ثم أرسل إلى يهودي قد أسلم فسأله، فقال: إن اليهود لتعلم أنه إسماعيل، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب، ويدل عليه أن قرني الكبش كانا منوطين في الكعبة في أيدي بني إسماعيل إلى أن احترق البيت.

وعن الأصمعي قال: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح فقال: يا أصمعي أين عزب عنك عقلك، ومتى كان إسحاق بمكة، وأنما كان إسماعيل بمكة، وهو الذي بنى البيت مع أبيه، والمنحر بمكة، ومما يدلّ عليه أنّ الله تعالى وصفه بالصبر دون أخيه إسحاق في قوله: ﴿ وإسماعيل واليسع وَذَا الكفل كُلٌّ مّنَ الصابرين ﴾ [الأنبياء: 85] وهو صبره على الذبح، ووصفه بصدق الوعد في قوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ صادق الوعد ﴾ [مريم: 54] لأنه وعد أباه الصبر من نفسه على الذبح فوفى به، ولأنّ الله بشّره بإسحاق وولده يعقوب في قوله: ﴿ فَضَحِكَتْ فبشرناها بإسحاق وَمِن وَرَاء إسحاق يَعْقُوبَ ﴾ [هود: 71] فلو كان الذبيح إسحاق لكان خلفاً للموعد في يعقوب، وعن علي بن أبي طالب وابن مسعود والعباس وعطاء وعكرمة وجماعة من التابعين: أنه إسحاق.

والحجة فيه أن الله تعالى أخبر عن خليله إبراهيم حين هاجر إلى الشام بأنه استوهبه ولداً، ثم أتبع ذلك البشارة بغلام حليم، ثم ذكر رؤياه بذبح ذلك الغلام المبشر به.

ويدلّ عليه كتاب يعقوب إلى يوسف: من يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله.

فإن قلت: قد أوحى إلى إبراهيم صلوات الله عليه في المنام بأن يذبح ولده ولم يذبح، وقيل له: ﴿ قد صدقت الرؤيا ﴾ ، وإنما كان يصدقها لو صحّ منه الذبح، ولم يصحّ قلت: قد بذل وسعه وفعل ما يفعل الذابح: من بطحه على شقه وإمرار الشفرة على حلقه، ولكن الله سبحانه جاء بما منع الشفرة أن تمضي فيه، وهذا لا يقدح في فعل إبراهيم عليه السلام، ألا ترى أنه لا يسمى عاصياً ولا مفرطاً، بل يسمى مطيعاً ومجتهداً، كما لو مضت فيه الشفرة وفرت الأوداج وأنهرت الدم، وليس هذا من ورود النسخ على المأمور به قبل الفعل، ولا قبل أوان الفعل في شيء، كما يسبق إلى بعض الأوهام حتى يشتغل بالكلام فيه.

فإن قلت: الله تعالى هو المفتدى منه: لأنه الآمر بالذبح، فكيف يكون فادياً حتى قال: ﴿ وفديناه ﴾ ؟

قلت: الفادي هو إبراهيم عليه الصلاة والسلام، والله عزّ وجلّ وهب له الكبش ليفدى به وإنما قال: ﴿ وفديناه ﴾ إسناداً للفداء إلى السبب الذي هو الممكن من الفداء بهبته.

فإن قلت: فإذا كان ما أتى به إبراهيم من البطح وإمرار الشفرة في حكم الذبح.

فما معنى الفداء، والفداء إنما هو التخليص من الذبح ببدل؟

قلت: قد علم بمنع الله أن حقيقة الذبح لم تحصل من فرى الأوداج وإنهار الدم، فوهب الله له الكبش ليقيم ذبحه مقام تلك الحقيقة حتى لا تحصل تلك الحقيقة في نفس إسماعيل، ولكن في نفس الكبش بدلاً منه.

فإن قلت: فأي فائدة في تحصيل تلك الحقيقة، وقد استغنى عنها بقيام ما وجد من إبراهيم مقام الذبح من غير نقصان؟

قلت: الفائدة في ذلك أن يوجد ما منع منه في بدله حتى يكمل منه الوفاء بالمنذور وإيجاد المأمور به من كل وجه.

فإن قلت: لم قيل هاهنا ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين ﴾ وفي غيرها من القصص: إنا كذلك؟

قلت: قد سبقه في هذه القصة: ﴿ إنا كذلك ﴾ ، فكأنما استخف بطرحه اكتفاء بذكره مرة عن ذكره ثانية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ ﴾ بِما يُذْبَحُ بَدَلَهُ فَيَتِمُّ بِهِ الفِعْلُ.

﴿ عَظِيمٍ ﴾ عَظِيمِ الجُثَّةِ سَمِينٍ، أوْ عَظِيمِ القَدْرِ لِأنَّهُ يَفْدِي بِهِ اللَّهُ نَبِيًّا ابْنَ نَبِيٍّ وأيُّ نَبِيٍّ مِن نَسْلِهِ سَيِّدُ المُرْسَلِينَ.

قِيلَ: كانَ كَبْشًا مِنَ الجَنَّةِ.

وقِيلَ: وعْلًا أُهْبِطَ عَلَيْهِ مِن ثَبِيرٍ.

وَرُوِيَ أنَّهُ هَرَبَ مِنهُ عِنْدَ الجَمْرَةِ فَرَماهُ بِسَبْعِ حَصَياتٍ حَتّى أخَذَهُ فَصارَتْ سُنَّةً، والفادِي عَلى الحَقِيقَةِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنَّما قالَ وفَدَيْناهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ المُعْطِي لَهُ والآمِرُ بِهِ عَلى التَّجَوُّزِ في الفِداءِ أوِ الإسْنادِ، واسْتَدَلَّ بِهِ الحَنَفِيَّةُ عَلى أنَّ مَن نَذَرَ ذَبْحَ ولَدِهِ لَزِمَهُ ذَبْحُ شاةٍ ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ.

﴿ وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ ﴾ ﴿ سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ ﴾ سَبَقَ بَيانُهُ في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ لَعَلَّهُ طَرَحَ عَنْهُ إنّا اكْتِفاءً بِذِكْرِهِ مَرَّةً في هَذِهِ القِصَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وفديناه بذبح} هو ما بذبح وعن ابن عباس هو الكبش الذي قربه هابيل فقبل منه وكان يرعى في الجنة حتى فدي به إسماعيل وعنه لو تمت تلك الذبيحة لسارت سنة وذبح الناس أبناءهم {عظِيمٍ} ضخم الجثة سمين وهي السنة في الأضاحي ورُوي أنه هرب من إبراهيم عند الجمرة فرماه بسبع حصيات حتى أخذه فبقيت سنة في الرمي وروي أنه لما ذبحه قال جبريل الله أكبر الله أكبر فقال الذبيح لا إله إلا الله والله أكبر فقال إبراهيم الله أكبر ولله الحمد فبقي سنة وقد استشهد ابو حنيفة رضى الله عنه بهذه الآية فيمن نذر ذبح ولده أنه يلزمه ذبح شاة والأظهر أن الذبيح إسماعيل وهو قول أبي بكر وابن عباس وابن عمر وجماعة من التابعين رضى الله عنهم لقوله عليه السلام أنا ابن الذبيحين فأحدهما جده إسماعيل والآخر أبوه عبد الله وذلك أن عبد المطلب نذر إن بلغ بنوه عشرة أن يذبح آخر ولده تقرباً وكان عبد الله آخراً ففداه بمائة من الإبل

الصافات (١١٣ - ١٠٨)

ولأن قرني الكبش كانا منوطين في الكعبة في أيدي بني إسماعيل إلى أن احترق البيت في زمن الحجاج وابن الزبير وعن الأصمعي أنه قال سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح فقال يا أصمعي أين عزب عنك عقلك ومتى كان اسحق بمكة وإنما كان إسماعيل بمكة وهو الذي بنى البيت مع أبيه والمنحر بمكة وعن علي وابن مسعود والعباس وجماعة من التابعين رضى الله عنهم أنه إسحق ويدل عليه كتاب يعقوب إلى يوسف

عليهما السلام من يعقوب إسرائيل الله بن إسحق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله وإنما قيل وفديناه وإن كان الفادي إبراهيم عليه السلام والله تعالى هو المفتدى منه لأنه الآمر بالذبح لأنه تعالى وهب له الكبش ليفتدي به وههنا إشكال وهو أنه لا يخلوا إما أن يكون ما أتى به إبراهيم عليه السلام من بطحه على شقه وإمرار الشفرة على حلقه في حكم الذبح أم لا فإن كان في حكم الذبح فما معنى الفداء والفداء هوالتخليص من الذبح ببدل وإن لم يكن فما معنى قوله قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيا وإنما كان يصدقها لو صح منه الذبح أصلاً أو بدلاً ولم يصح والجواب أنه عليه السلام قد بذل وسعه وفعل ما يفعل الذابح ولكن الله تعالى جاء بما منع الشفرة أن تمضي فيه وهذا لا يقدح في فعل إبراهيم ووهب الله له الكبش ليقيم ذبحه مقام تلك الحقيقة في نفس إسماعيل بدلاً منه وليس هذا بنسخ منه للحكم كما قال البعض بل ذلك الحكم كان ثابتاً إلا أن المحل الذي أضيف إليه لم يحله الحكم على طريق الفداء دون النسخ وكان ذلك ابتلاء ليستقر حكم الأمر عند المخاطب في آخر الحال على أن المبتغي منه في حق الولد أن يصير قرباناً بنسبة الحكم إليه مكرماً بالفداء الحاصل لمعرة الذبح مبتلى بالصبر والمجاهدة إلى حال المكاشفة وإنما النسخ بعد استقرار المراد بالأمر لا قبله وقد سمي فداء في الكتاب لا نسخا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ ﴾ بِحَيَوانٍ يُذْبَحُ بَدَلَهُ ﴿ عَظِيمٍ ﴾ قِيلَ: أيْ عَظِيمُ الجُثَّةِ سَمِينٌ، وهو كَبْشٌ أبْيَضُ أقْرَنُ أعْيَنُ وفي رِوايَةٍ: أمْلَحُ بَدَلَ أبْيَضَ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ وعْلٌ أُهْبِطَ عَنْ ثَبِيرٍ، والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ ووافَقَهُمُ الحَسَنُ في رِوايَةٍ رَواها عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وفِيها أنَّ اسْمَهُ حَرِيرٌ، واليَهُودُ عَلى أنَّهُ كَبْشٌ أيْضًا.

وفَسَّرَ المُعَظِّمُ العَظِيمَ بِعَظِيمِ القَدْرِ وذَلِكَ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لِأنَّهُ الكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَهُ هابِيلُ فَتُقُبِّلَ مِنهُ وبَقِيَ يَرْعى في الجَنَّةِ إلى يَوْمِ هَذا الفِداءِ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُما قالا: عِظَمُهُ كَوْنُهُ مِن كِباشِ الجَنَّةِ رَعى فِيها أرْبَعِينَ خَرِيفًا.

وقالَ مُجاهِدٌ وُصِفَ بِالعِظَمِ لِأنَّهُ مُتَقَبَّلٌ يَقِينًا، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: لِأنَّهُ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ نَسْلٍ بَلْ عَنِ التَّكْوِينِ، وقالَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: لِأنَّهُ جَرَتِ السُّنَّةُ بِهِ وصارَ دِينًا باقِيًا آخَرَ الدَّهْرِ، وقِيلَ لِأنَّهُ فُدِيَ بِهِ نَبِيٌّ وابْنُ نَبِيٍّ، وهُبُوطُهُ مِن ثَبِيرٍ، كَما قالَ الحَسَنُ في الوَعْلِ، وجاءَ ذَلِكَ في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وفِي رِوايَةٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ وجَدَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدْ رُبِطَ بِسَمُرَةٍ في أصْلِ ثَبِيرٍ.

«وعَنْ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ قاعِدًا بِالمَنحَرِ فَحَدَّثَنِي قُرَشِيٌّ عَنْ أبِيهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ لَهُ: إنَّ الكَبْشَ نَزَلَ عَلى إبْراهِيمَ في هَذا المَكانِ».

وفِي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ خَرَجَ عَلَيْهِ كَبْشٌ مِنَ الجَنَّةِ قَدْ رَعى فِيها أرْبَعِينَ خَرِيفًا فَأرْسَلَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ابْنَهُ واتَّبَعَهُ فَرَماهُ بِسَبْعِ حَصَياتٍ وأحْرَجَهُ عِنْدَ الجَمْرَةِ الأوْلى فَأفْلَتَ، ورَماهُ بِسَبْعِ حَصَياتٍ وأحْرَجَهُ عِنْدَ الجَمْرَةِ الوُسْطى فَأفْلَتَ، ورَماهُ بِسَبْعِ حَصَياتٍ وأحْرَجَهُ عِنْدَ الجَمْرَةِ الكُبْرى فَأتى بِهِ المَنحَرَ مِن مِنًى فَذَبَحَ، قِيلَ: وهَذا أصْلُ سُنِّيَّةِ رَمْيِ الجِمارِ، والمَشْهُورُ أنَّ أصْلَ السُّنِّيَّةِ رَمْيُ الشَّيْطانِ هُناكَ، فَفي خَبَرٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّ الشَّيْطانَ أرادَ أنْ يُصِيبَ حاجَتَهُ مِن إبْراهِيمَ وابْنِهِ يَوْمَ أُمِرَ بِذَبْحِهِ فَتَمَثَّلَ بِصَدِيقٍ لَهُ، فَأرادَ أنْ يَصُدَّهُ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ، فَتَعَرَّضَ لِابْنِهِ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ، فَأتى الجَمْرَةَ فانْتَفَخَ حَتّى سَدَّ الوادِيَ ومَعَ إبْراهِيمَ مَلَكٌ فَقالَ لَهُ: ارْمِ يا إبْراهِيمُ!

فَرَمى بِسَبْعِ حَصَياتٍ يُكَبِّرُ في أثَرِ كُلِّ حَصاةٍ، فَأفْرَجَ لَهُ عَنِ الطَّرِيقِ ثُمَّ انْطَلَقَ حَتّى أتى الجَمْرَةَ الثّانِيَةَ فَسَدَّ الوادِيَ أيْضًا، فَقالَ المَلَكُ: ارْمِ يا إبْراهِيمُ!

فَرَمى كَما في الأُولى، وهَكَذا في الثّالِثَةِ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ الفِداءَ كانَ بِحَيَوانٍ واحِدٍ وهو المَعْرُوفُ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ فُدِيَ بِكَبْشَيْنِ أمْلَحَيْنِ أقْرَنَيْنِ أعْيَنَيْنِ، ولا أعْرِفُ لَهُ صِحَّةً، ويُرادُ بِالذِّبْحِ - عَلَيْهِ، لَوْ صَحَّ - الجِنْسُ، والفادِي عَلى الحَقِيقَةِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ سُبْحانَهُ: (فَدَيْناهُ) عَلى التَّجَوُّزِ في الفِداءِ، أيْ أمَرْنا أوْ أعْطَيْنا، أوْ في إسْنادِهِ إلَيْهِ تَعالى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ أيْضًا، وفائِدَةُ العُدُولِ عَنِ الأصْلِ التَّعْظِيمُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

.

وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي يعني: إني مهاجر إلى طاعة ربي.

ويقال: من أرض ربي.

إلى أرض ربي.

وقال مقاتل: يعني: من بابل إلى بيت المقدس.

ويقال: من أرض حران إلى بيت المقدس، سَيَهْدِينِ يعني: يحفظني ويقال: إني مهاجر إلى ربي يعني: مقبل إلى طاعة ربي سَيَهْدِينِ أي سيرشدني ربي.

ويقال: سيعينني.

قوله عز وجل: رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ يعني: يا رب أعطني ولداً صالحاً من المسلمين فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ يعني: حليم في صغره، عليم في كبره.

قوله عز وجل: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ إلى الحج، ويقال: إلى الجبل قالَ إبراهيم-  - لابنه يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ قال مقاتل: هو إسحاق.

وقال الكلبي: هو إسماعيل.

وروى معمر عن الزهري قال في قوله: فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قال ابن عباس: هو إسماعيل.

وكان ذلك بمنًى.

وقال كعب: هو إسحاق.

وكان ذلك ببيت المقدس.

وقال مجاهد، وابن عمر، ومحمد بن كعب القرظي هو إسماعيل.

وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: هو إسحاق.

وهكذا روي عن ابن عباس، وهكذا قال وعكرمة، وقتادة، وأبو طالب أنه قال: هو إسحاق.

وهكذا روي عن ابن عباس، وهكذا قال وعكرمة، وقتادة، وأبو هريرة، وعبد الله بن سلام-  م- وهكذا قال أهل الكتابين كلهم، والذي قال: هو إسماعيل احتج بالكتاب والخبر، أما الكتاب فهو أنه لما ذكر قصة الذبح قال على أثر ذلك: وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا وأما الخبر فما روي عن رسول الله  أنه قال «أنَا ابْنُ الذَّبِيحَيْن» يعني: أباه عبد الله بن عبد المطلب، وإسماعيل بن إبراهيم.

وأما الذي يقول: هو إسحاق يحتج بما روي في الخبر، أنه ذكر نسبة يوسف، فقال: كان يوسف أشرف نسباً.

يوسف صديق الله بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله قد اختلفوا فيه هذا الاختلاف، والله أعلم بالصواب، والظاهر عند العامة هو إسحاق.

فذلك قوله: يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فظاهر اللفظ أنه رأى في المنام أنه يذبحه، ولكن معناه: إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أني قد أمرت بذبحك بدليل ما قال في سياق الآية: يا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ وروي في الخبر: «أنَّهُ رَأَى فِي المَنَامِ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّ الله يَأْمُرُكَ أَنْ تَذْبَحَ وَلَدَكَ فَاسْتَيْقَظَ خَائِفاً، وَقَالَ: أَعُوذُ بِالله من الشيطان الرجيم.

ثم رَأَى فِي المَنَامِ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ مِثْلَ ذلك، فَاسْتَيْقَظَ وَضَمَّ ابْنَهُ إلى نَفْسِهِ، وَجَعَلَ يَبْكِي حَتَّى أَصْبَحَ، فَانقادَ لأمْرِ الله تَعَالَى، وَقَالَ لامْرَأتِهِ سَارَّة إنِّي أرِيدُ أنْ أَخْرُجَ إلى طَاعَةِ رَبِّي، فَابْعَثِي ابْنِي مَعِي، فَجَهَّزَتْهُ، وَبَعَثَتْهُ مَعَهُ» قال كعب الأحبار: قال الشيطان: إن لم أفتن هؤلاء عند هذه لم أفتنهم أبداً.

فلما خرج إبراهيم بابنه ليذبحه، فذهب الشيطان، ودخل على سارة.

فقال: أين ذهب إبراهيم بابنك؟

فقالت: غدا به لبعض حاجته.

قال: إنه لم يغد به لحاجته، ولكنه إنما ذهب به ليذبحه، فقالت: ولم يذبحه؟

قال: يزعم أن ربه أمره بذلك.

فقالت: قد أحسن أن يطيع ربه، فخرج في أثرهما، فقال للغلام: أين يذهب بك أبوك؟

قال لبعض حاجته.

قال: فإنه لا يذهب بك لحاجته، ولكنه إنما يذهب بك ليذبحك.

فقال: ولم يذبحني؟

قال: يزعم أن ربه أمره بذلك.

قال: فو الله لئن كان الله أمره بذلك، ليفعلن.

فتركه ولحق بإبراهيم، فقال: أين غدوت بابنك؟

قال: لحاجة.

قال: فإنك لم تغد به لحاجة، وإنما غدوت به لتذبحه.

قال ولم أذبحه؟

قال: تزعم أن الله تعالى أمرك بذلك.

قال: فو الله لئن كان الله أمرني بذلك لأفعلن.

فتركه، وأيس من أن يطاع.

قوله عز وجل: فَانْظُرْ مَاذَا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ فأوحى الله تعالى إلى إسحاق أن ادعو، فإن لك دعوة مستجابة.

فقال إسحاق: اللَّهم إني أدعوك أن تستجيب لي في أيما عبد من الأولين والآخرين لقيك لا يشرك بك شيئاً أن تدخله الجنة.

وقال مجاهد: إن إبراهيم-  - لما أراد أن يذبح ابنه بالسكين، قال ابنه: يا أبت خذ بناصيتي، واجلس بين كتفي، حتى لا أوذيك إذا أصابني حدّ السكين، ولا تذبحني وأنت تنظر في وجهي، عسى أن ترحمني، واجعل وجهي إلى الأرض، ففعل إبراهيم.

فلما أمرّ السكينة على حلقه، انقلبت.

فقال: يا أبت ما لك؟

قال: قد انقلبت السكين.

قال: فاطعن بها طعناً.

قال: فطعن، فانثنت.

قال: فعرف الله عز وجل الصدق منه، ففداه بذبح عظيم، وقال: هو إسحاق.

وروى أسباط عن السدي قال: كان من شأن إسحاق حين أراد أبوه أن يذبحه.

أنه ركب مع أبيه في حاجة، فأعجبه شبابه، وحسن هيئته، وكان إبراهيم حين بشر بإسحاق قبل أن يولد له، قال: هو إذاً لله ذبيح.

فقيل لإبراهيم في منامه: قد نذرت لله نذراً فاوفيه، فلما أصبح قال: يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ يقول: قد أمرت بذبحك قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ قال: فانطلق معي، وأخبر أمك أنك تنطلق إلى أخوالك، وأخذ إبراهيم معه حبلاً، ومدية، يعني: السكين.

فقال له: يا أبتاه حدها فإنه أهون للموت.

فانطلق به، حتى أتى به جبلاً من جبال الشام.

فأضجعه في أصرة، وربط يديه ورجليه، فقال له إسحاق: يا أبتاه شدّ رباطي، لكي لا أضطرب، فيصيب الدم ثيابك، فتراه سارة، فتحزن، فبكى إبراهيم بكاء شديداً.

وأخذ الشفرة، فوضعها على حلقه، وضرب الله تعالى على حلقه صفيحة نحاس، فجعل يحز، فلا تصنع شيئاً.

فلما رأى إبراهيم ذلك، قلّبه على وجهه، فضرب الله تعالى على قفاه صفيحة نحاس، وبكيا حتى ابتلت الأرض من دموعهما.

فجعل يحز، فلا تقطع شيئاً فنودي: أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا ودونك هذا الكبش فهو فداه.

فالتفت فإذا هو بكبش أبيض، أملح، ينحط من الجبل، وقد كان رعي في الجنة أربعين خريفاً، فخلّى عن ابنه، وأخذ الكبش فذبحه.

وقال وهب بن منبه: لما قال لإسحاق: يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ثم قال: يا أبت إني أوصيك بثلاثة أشياء.

قال: وكان إسحاق في ذلك اليوم ابن سبع سنين.

أحدهما: أن تربط يدي لكيلا أضطرب فأؤذيك، والثاني أن تجعل وجهي إلى الأرض لكيلا تنظر إلى وجهي فترحمني، والثالث أن تذهب بقميصي إلى أمي ليكون القميص عندها تذكرة مني.

فذلك قوله: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرى قرأ حمزة والكسائي مَاذَا تَرى بضم التاء.

يعني: ماذا ترى من صبرك.

ويقال: معناه ماذا تشير.

وقرأ الباقون: بالنصب، وهو من الرأي.

يعني: ماذا ترى من صبرك.

ويقال: معناه ماذا تشير فيما أمر الله به.

ويقال: هو من المشورة والرأي قال أبو عبيد: بالنصب تقرأ لأن هذا في موضع المشورة والرأي، والآخر يستعمل في رؤية العين قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ على الذبح.

قوله عز وجل: فَلَمَّا أَسْلَما يعني: اتفقا على أمر الله تعالى.

قال قتادة: أسلم هذا نفسه لله تعالى.

وأسلم هذا ابنه لله تعالى.

وروي عن ابن مسعود-  - أنه قرأ: فلما سلما يعني: رضيا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ يعني: صرعه على جبينه.

أي: على وجهه.

وقال القتبي وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ يعني: جعل إحدى جبينيه على الأرض، وهما جبينان، والجبهة بينهما وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا وقال القتبي: الواو زيادة.

ومعناه: فلما أسلما وتله للجبين ناديناه وهذا كما قال امرئ القيس: فلما أجزنا ساحة الحَيِّ وانْتَحَى ...

بِنَا بَطْنُ خَبْت ذي حِقافٍ عَقَنْقَلِ يعني: انتحى، والواو زيادة.

وقال بعضهم: في الآية مضمر.

ومعناه فَلَمَّا أَسْلَما سلما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وذكر عن الخليل بن أحمد أنه سئل عن هذه الآية: فقال: ليس لنا في كِتَابِ الله عَزَّ وَجَلَّ متكلم.

فقيل له: فما مثله في العربية.

فقال: قول امرئ القيس: فلما أجزنا، ساحة الحي أجزنا وانتحى بنا.

كذلك قوله: أَسْلَما سلما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ.

وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا يعني: أوفيت الوعد، وائتمرت ما أمرت لقول الله تعالى: إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ كما فعلت يا إبراهيم.

قوله: إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ يعني: الاختبار البيّن.

ثم قال: وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ يعني: بكبش عظيم.

والذبح بكسر الذال اسم لما يذبح، وبالنصب مصدر.

وروي عن ابن عباس أنه قال: حدثني من رأى قرني الكبش، معلقين في الكعبة، وهو الكبش الذي ذبحه إبراهيم عن إسماعيل- عليهما السلام-.

ثم قال: وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ قال: الثناء الحسن سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ يعني: سلام الله على إبراهيم.

ويقال: هذا موصول بالأول.

يعني: وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ يعني: أثنينا  في الآخرين.

قوله: كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ يعني: المصدقين، المخلصين.

ثم قال عز وجل: وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ يعني: بشرناه بنبوة إسحاق بعد ما أمر بذبح إسحاق.

وقال ابن عباس: بشر بإسحاق بعد ما أمر بذبح إسماعيل.

وكان إسماعيل أكبر من إسحاق بثلاث عشرة سنة.

ثم قال عز وجل: وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ أي: على إبراهيم وعلى إسحاق، وبركته النماء، والزيادة في الأموال، والأولاد، فكان من صلبه ذرية لا تحصى وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ مثل موسى، وهارون، وداود، وسليمان، وعيسى- عليهم السلام- ومؤمنو أهل الكتاب وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ يعني: الذين كَفَرُواْ بآيات الله عزَّ وجلَّ.

وروي عن ابن عباس أنه قال: قد رعي الكبش في الجنة أربعين خريفاً.

وقال بعضهم: هي الشاة التي تقرب بها هابيل ابن آدم- عليهما السلام- فتقبل منه قربانه، ورفع إلى السماء حياً، ثم جعل بدلاً عن ذبح إسماعيل أو إسحاق.

ويقال: هي الشاة التي خلقها الله تعالى لأجله.

وقال بعضهم: إنها وعلة من البر، يعني: بقرة وحش من البر جبلية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: فَلَمَّا أَسْلَما أي: أسلما أنفسهمَا، واستسلما لله- عز وجل-، وقَرَأ ابن عبَّاس وجماعة: «سَلَّمَا» «١» ، والمعنى فَوَّضَا إليه في قضائه وقَدَرِهِ- سبحانه-، فأسْلَم إبراهيمُ ابْنَهُ، وأسْلَمَ الابْنُ نَفْسَهُ، قال بعْضُ البَصْرِيين «٢» : جوابُ «لما» محذوفٌ تقديره:

فلما أسْلَمَا وَتَلَّهُ للجبينِ، أُجْزِلَ أجْرُهُما، ونحوُ هذا مِمَّا يَقْتَضِيهِ المعنى، وَتَلَّهُ معناه:

وَضَعَه بقوَّةٍ ومنْه الحديثُ في القدح: فتلّه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في يده «٣» ، أي: وضعه بقوّة، ولِلْجَبِينِ معناه: لتلك الجهةِ وعليها، كما يقولون في المثل: [الطويل]

...............

..

...

وخرّ صريعا لليدين وللفم

وكما تقول: سَقَطَ لِشِقِّهِ الأيْسَرِ، والجَبِينانِ: ما اكتنف الجبهة من هاهنا، ومن هاهنا، و «أن» من قوله: أَنْ يا إِبْراهِيمُ مفسّرة لا موضع لها من الإعراب، وصَدَّقْتَ الرُّؤْيا يحتملُ أنْ يريدَ بقَلْبِكَ أو بِعَمَلِكَ، و «الرؤيا» اسمٌ لِمَا يرى مِن قِبَلِ اللَّهِ- تعالى-، والمَنَامُ والحُلْمُ: اسمٌ لما يرى منْ قِبَلِ الشَّيْطَانِ ومنه الحديث الصحيح: «الرُّؤْيَا من الله، والحلم من الشيطان» ، والْبَلاءُ: الاخْتِبَارُ، والذَّبْحُ العظيمُ» في قول الجمهور: كَبْشٌ أبْيَضُ أعْيَنُ، وَجَدَهُ وَرَاءَهُ مَرْبُوطاً بسَمُرَةٍ، وأَهْلُ السُّنَّةِ على أَنَّ هذه الْقِصَّةَ نُسِخَ فيها العَزْمُ على الْفِعْلِ خلافاً للمعتزلة، قال أحمد بن نصر الداوديّ: وإنْ نَسَخَ اللَّهُ آيةً قَبْلَ العَمَلِ بِهَا فإنَّما يَنْسَخُها بَعْدَ اعْتِقَادِ قَبُولِها وهُوَ عَمَلٌ انتهى من تفسيره عند قوله تعالى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ [البقرة: ١٠٦] ، قال ع «١» : ولا خلافَ أَنَّ إبْرَاهِيمَ أَمَرَّ الشَّفْرَةَ على حَلْقِ ابنه فَلَمْ تَقْطَعْ، والجمهورُ أَنَّ أمْرَ الذَّبْحِ كانَ بِمِنًى، وقال الشَّعْبِيُّ: رَأَيْتُ قَرْنَيْ كَبْشِ إبْرَاهِيمَ مُعَلَّقَتَيْنِ في الكَعْبَةِ «٢» ، وروى عِمْرَانُ بنُ حُصَيْنٍ: أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «يَا فَاطِمَةُ، قُومِي لاٌّضْحِيَتِكِ، فاشهديها فَإِنَّهُ يُغْفَرُ لَكِ عِنْدَ أَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهَا كُلُّ ذَنْبٍ عَمِلْتِيهِ، وَقُولِي: إنَّ صَلاَتِي ونُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَه وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ المُسْلِمِينَ» قال عِمْرَانُ: قلت: يا رسُولَ اللَّهِ، هَذَا لَكَ وَلأَهْلِ بَيْتِكَ خَاصَّةً، أَمْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً؟

قَال:

«لاَ، بَلْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً» رواه الحاكم في «المستدرك» «٣» انتهى من «السِّلاَح» .

وقوله تعالى: وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ توعُّد لمنْ كَفَرَ من اليهودِ بمحمَّد ع، والْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ: هو التوراةُ، قال قتادة وابن مَسْعُود: إلياس: هو إدريس- عليه

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالسَّعْيِ هاهُنا: العَمَلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ المَشْيُ، والمَعْنى: مَشى مَعَ أبِيهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: بَلَغَ أنْ يَنْصَرِفَ مَعَهُ ويُعَيِّنَهُ.

قالَ ابْنُ السّائِبِ: كانَ ابْنُ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةٍ.

والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالسَّعْيِ: العِبادَةُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ؛ فَعَلى هَذا، يَكُونُ قَدْ بَلَغَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ ﴾ أكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ لَمْ يَرَ أنَّهُ ذَبَحَهُ في المَنامِ، وإنَّما المَعْنى أنَّهُ أُمِرَ في المَنامِ بِذَبْحِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ ﴾ .

وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ رَأى أنَّهُ يُعالِجُ ذَبْحَهُ، ولَمْ يَرَ إراقَةَ الدَّمِ قالَ قَتادَةُ: ورُؤْيا الأنْبِياءِ حَقٌّ، إذا رَأوْا شَيْئًا، فَعَلُوهُ.

وذَكَرَ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ أنَّهُ لَمّا بَشَّرَ جِبْرِيلُ سارَّةَ بِالوَلَدِ، قالَ إبْراهِيمَ: هو إذًا لِلَّهِ ذَبِيحٌ، فَلَمّا فَرَغَ مِن بُنْيانِ البَيْتِ، أُتِيَ في المَنامِ، فَقِيلَ لَهُ: أوْفِ بِنَذْرِكَ.

واخْتَلَفُوا في الذَّبِيحِ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: [أنَّهُ] إسْحاقُ، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والعَبّاسُ ابْنُ عَبْدِ المَطَّلِبِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وأنَسٌ، وكَعْبُ الأحْبارِ، ووَهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، [وَمَسْرُوقٌ]، وعَبِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ، والقاسِمُ ابْنُ أبِي بَزَّةَ، ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وهَؤُلاءِ يَقُولُونَ: كانَتْ هَذِهِ القِصَّةُ بِالشّامِ.

وقِيلَ: طُوِيَتْ لَهُ الأرْضُ حَتّى حَمَلَهُ إلى المَنحَرِ بِمِنًى في ساعَةٍ.

والثّانِي: أنَّهُ إسْماعِيلُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، والشَّعْبِيُّ، ومُجاهِدٌ، ويُوسُفُ بْنُ مَهْرانَ، وأبُو صالِحٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سِابِطٍ.

واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَرَوى عَنْهُ عِكْرِمَةُ أنَّهُ إسْحاقُ، ورَوى عَنْهُ عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو الجَوْزاءِ، ويُوسُفُ بْنُ مَهْرانِ أنَّهُ إسْماعِيلُ، ورَوى عَنْهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ كالقَوْلَيْنِ.

وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةَ، والزُّهْرِيِّ، وقَتادَةِ، والسُّدِّيِّ رِوايَتانِ.

وكَذَلِكَ عَنْ أحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رِوايَتانِ.

ولِكُلِّ قَوْمٍ حُجَّةٌ لَيْسَ هَذا مَوْضِعُها، وأصْحابُنا يَنْصُرُونَ القَوْلَ الأوَّلَ.

الإشارَةُ إلى قِصَّةِ الذَّبْحِ ذَكَرَ أهْلُ العِلْمِ بِالسَّيْرِ والتَّفْسِيرِ أنَّ إبْراهِيمَ لَمّا أرادَ ذَبْحَ ولَدِهِ، قالَ لَهُ: انْطَلِقْ فَنُقَرِّبَ قُرْبانًا إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَأخَذَ سِكِّينًا وحَبْلًا، ثُمَّ انْطَلَقَ، حَتّى إذا ذَهَبا بَيْنَ الجِبالِ، قالَ لَهُ الغُلامُ: يا أبَتِ أيْنَ قُرْبانُكَ؟

قالَ: يا بُنَيَّ إنِّي رَأيْتُ في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ، فَقالَ لَهُ: اشْدُدْ رِباطِي حَتّى لا أضْطَرِبَ، واكْفُفْ عَنِّي ثِيابَكَ حَتّى لا يَنْتَضِحَ عَلَيْكَ مِن دَمِي فَتَراهُ أُمِّي فَتَحْزَنَ، وأسْرِعْ مَرَّ السِّكِّينِ عَلى حَلْقِي لِيَكُونَ أهْوَنَ لِلْمَوْتِ عَلَيَّ، فَإذا أتَيْتَ أُمِّي فاقْرَأْ عَلَيْها السَّلامَ مِنِّي؛ فَأقْبَلَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ يُقَبِّلُهُ ويَبْكِي ويَقُولُ: نِعْمَ العَوْنُ أنْتَ يا بُنَيَّ عَلى أمْرِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ إنَّهُ أمْرَّ السِّكِّينَ عَلى حَلْقِهِ فَلَمْ يَحْكِ شَيْئًا.

وقالَ مُجاهِدٌ: لَمّا أمَرَّها عَلى حَلْقِهِ انْقَلَبَتْ، فَقالَ: مالِكٌ؟

انْقَلَبَتْ، قالَ: اطْعَنْ بِها طَعْنًا.

وقالَ السُّدِّيُّ: ضَرَبَ اللَّهُ عَلى حَلْقِهِ صَفِيحَةً مِن نُحاسٍ؛ وهَذا لا يُحْتاجُ إلَيْهِ، بَلْ مَنعُها بِالقُدْرَةِ أبْلَغُ.

قالُوا: فَلَمّا طَعَنَ بِها، نَبَتَ، وعِلْمَ اللَّهُ مِنهُما الصِّدْقَ في التَّسْلِيمِ، فَنُودِيَ: يا إبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا، هَذا فِداءُ ابْنِكَ؛ فَنَظَرَ إبْراهِيمُ، فَإذا جِبْرِيلُ مَعَهُ كَبْشٌ أمْلَحُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فانْظُرْ ماذا تَرى ﴾ لَمْ يُقُلْ لَهُ ذَلِكَ عَلى وجْهِ المُؤامَرَةِ في أمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَكِنْ أرادَ أنْ يَنْظُرَ ما عِنْدَهُ مِنَ الرَّأْيِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلْفٌ: "ماذا تُرِي" بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الرّاءِ؛ وفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: ماذا تُرِينِي مَن صَبْرِكَ أوْ جَزَعِكَ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والثّانِي: ماذا تَبَيَّنَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وقالَ غَيْرُهُ: ماذا تُشِيرُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: افْعَلْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن ذَبْحِي ﴿ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ ﴾ عَلى البَلاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا أسْلَما ﴾ أيِ: اسْتَسْلَما لِأمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَأطاعا ورَضِيا.

وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فَلَمّا سَلَّما" بِتَشْدِيدِ اللّامِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ قَبْلَ السِّينِ؛ والمَعْنى: سَلَّما لِأمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

وَفِي جَوابِ قَوْلِهِ: "فَلَمّا أسْلَما" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ جَوابَهُ: "وَنادَيْناهُ"، والواوُ زائِدَةٌ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والثّانِي: أنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ؛ والمَعْنى: فَلَمّا فَعَلَ ذَلِكَ، سَعِدَ وأجْزَلَ ثَوابَهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: صَرَعَهُ عَلى جَبِينِهِ فَصارَ أحَدُ جَبِينَيْهِ عَلى الأرْضِ، وهُما جَبِينانِ والجَبْهَةُ بَيْنَهُما، وهي ما أصابَ الأرْضَ في السُّجُودِ، والنّاسُ لا يَكادُونَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الجَبِينِ والجَبْهَةِ، فالجَبْهَةُ مَسْجِدُ الرَّجُلِ الَّذِي يُصِيبُهُ نَدَبُ السُّجُودِ، والجَبِينانِ يَكْتَنِفانِها، مِن كُلِّ جانِبٍ جَبِينٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنادَيْناهُ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: نُودِيَ مِنَ الجَبَلِ: ﴿ يا إبْراهِيمُ ﴾ ﴿ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: قَدْ عَمِلَتَ ما أُمِرْتَ، وذَلِكَ أنَّهُ قَصَدَ الذَّبْحَ بِما أمْكَنَهُ، وطاوَعَهُ الِابْنُ بِالتَّمْكِينِ مِنَ الذَّبْحِ، إلّا أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ صَرَفَ ذَلِكَ كَما شاءَ، فَصارَ كَأنَّهُ قَدْ ذَبَحَ وإنْ لَمْ يَتَحَقَّقِ الذَّبْحُ.

والثّانِي: أنَّهُ رَأى في المَنامِ مُعالَجَةَ الذَّبْحِ، ولَمْ يَرَ إراقَةَ الدَّمِ، فَلَمّا فَعَلَ في اليَقَظَةِ ما رَأى في المَنامِ، قِيلَ لَهُ: "قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا" .

وَقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ، والجَحْدَرِيُّ: "قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا" بِتَخْفِيفِ الدّالِ، وهاهُنا تَمَّ الكَلامُ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ إنّا كَذَلِكَ ﴾ أيْ: كَما ذَكَرْنا مِنَ العَفْوِ مِن ذَبْحِ ولَدِهِ ﴿ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ .

﴿ إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ ﴾ في ذَلِكَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: النِّعَمُ البَيِّنَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: الِاخْتِبارُ العَظِيمُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

فَعَلى الأوَّلِ، يَكُونُ قَوْلُهُ هَذا إشارَةً إلى العَفْوِ عَنِ الذَّبْحِ.

وعَلى الثّانِي، يَكُونُ إشارَةً إلى امْتِحانِهِ بِذَبْحِ ولَدِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفَدَيْناهُ ﴾ يَعْنِي: الذَّبِيحَ ﴿ بِذِبْحٍ ﴾ وهو بِكَسْرِ الذّالِ: اسْمُ ما ذُبِحَ، وبِفَتْحِ الذّالِ: مَصْدَرُ ذَبَحْتُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

ومَعْنى الآَيَةِ: خَلَّصْناهُ مِنَ الذَّبْحِ بِأنْ جَعْلَنا الذَّبْحَ فِداءً لَهُ.

وفي هَذا الذَّبْحِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ كانَ كَبْشًا أقْرَنَ قَدْ رَعى في الجَنَّةِ قَبْلَ ذَلِكَ أرْبَعِينَ عامًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ مُجاهِدٍ، وقالَ في رِوايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: هو الكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَهُ ابْنُ آَدَمَ فَتُقُبِّلَ مِنهُ، كانَ في الجَنَّةِ حَتّى فُدِيَ بِهِ.

والثّانِي: أنَّ إبْراهِيمَ فَدى ابْنَهُ بِكَبْشَيْنِ أبْيَضَيْنِ أعْيَنَيْنِ أقْرَنَيْنِ، رَواهُ أبُو الطُّفَيْلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: [أنَّهُ] ما فُدِيَ إلّا بِتَيْسٍ مِنَ الأوْرى، أُهْبِطَ عَلَيْهِ مِن ثَبِيرٍ، قالَهُ الحَسَنُ.

وَفِي مَعْنى ﴿ عَظِيمٍ ﴾ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: لِأنَّهُ كانَ قَدْ رَعى في الجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: لِأنَّهُ ذُبِحَ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ وسُنَّتِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: لِأنَّهُ مُتَقَبَّلٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: لَمّا قَرَّبَهُ ابْنُ آَدَمَ، رُفِعَ حَيًّا، فَرَعى في الجَنَّةِ، ثُمَّ جُعِلَ فِداءَ الذَّبِيحِ، فَتُقُبِّلَ مَرَّتَيْنِ.

والرّابِعُ: لِأنَّهُ عَظِيمُ الشَّخْصِ والبَرَكَةِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَرَكْنا عَلَيْهِ ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في هَذِهِ السُّورَةِ [الصّافّاتِ: ٧٨] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ ﴾ مِن قالَ: إنَّ إسْحاقَ الذَّبِيحُ، قالَ: بَشَّرَ إبْراهِيمَ بِنُبُوَّةِ إسْحاقَ، وأُثِيبَ إسْحاقُ بِصَبْرِهِ النُّبُوَّةَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عِكْرِمَةَ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

ومَن قالَ: الذَّبِيحُ إسْماعِيلُ، قالَ: بَشَّرَ اللَّهُ إبْراهِيمَ بِوَلَدٍ يَكُونُ نَبِيًّا بَعْدَ هَذِهِ القِصَّةِ، جَزاءً لِطاعَتِهِ وصَبْرِهِ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ ابْنِ المُسَيِّبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ﴾ يَعْنِي بِكَثْرَةِ ذُرِّيَّتِهِما، وهُمُ الأسْباطُ كُلُّهم ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ ﴾ أيْ: مُطِيعٌ لِلَّهِ ﴿ وَظالِمٌ ﴾ وهو العاصِي لَهُ وقِيلَ: المُحْسِنُ: المُؤْمِنُ، والظّالِمُ: الكافِرُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾ ﴿ وَنادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ ﴾ ﴿ قَدْ صَدَّقْتَ الرُؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ ﴾ ﴿ وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾ ﴿ وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ ﴾ ﴿ سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ ﴾ ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "أسْلَما" ﴾ أيْ: أنْفُسَهُما، واسْتَسْلَما لِلَّهِ.

وقَرَأ عَلِيٌّ، وعَبْدُ اللهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والثَوْرِيُّ: "سَلَّما"، والمَعْنى: فَوَّضا إلَيْهِ في قَضائِهِ وقَدَرِهِ، وانْحَمَلا عَلى أمْرِهِ، فَأسْلَمَ إبْراهِيمُ ابْنَهُ، وأسْلَمَ الِابْنُ نَفْسَهُ.

واخْتَلَفَ النُحاةُ في جَوابِ (لَمّا)، فَقالَ الكُوفِيُّونَ: الجَوابُ "نادَيْناهُ"، والواوُ زائِدَةٌ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الجَوابُ: "تَلَّهُ" والواوُ زائِدَةٌ.

كَزِيادَتِها فِي: ﴿ وَفُتِحَتِ السَماءُ  ﴾ ، وقالَ البَصْرِيُّونَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا أسْلَما سَلَّما وتَلَّهُ، وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ، وهو عِنْدَهم كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى ∗∗∗ بِنا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي حِقافٍ عَقَنْقَلِ والتَقْدِيرُ: فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ أجَزْنا وانْتَحى.

وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ أُجْزِلَ أجْرُهُما، أو نَحْوُ هَذا مِمّا يَقْتَضِيهِ المَعْنى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَتَلَّهُ" ﴾ مَعْناهُ: وضَعَهُ بِقُوَّةٍ، ومِنهُ الحَدِيثُ: « " فَتَلَّهُ رَسُولُ اللهِ  في يَدِهِ"،» أيْ: وضَعَهُ بِقُوَّةٍ، والتَلُّ مِنَ الأرْضِ مَأْخُوذٌ مِن هَذا، كَأنَّهُ تُلَّ في ذَلِكَ المَوْضِعِ، و"لِلْجَبِينِ" مَعْناهُ: لِتِلْكَ الجِهَةِ وعَلَيْها، كَما يَقُولُونَ في المَثَلِ: لِلْيَدَيْنِ والفَمِ، وكَما تَقُولُ: سَقَطَ لِشِقِّهِ الأيْسَرِ، وقالَ ساعِدَةُ بْنُ جُؤَيَّةَ: فَظَلَّ تَلِيلًا لِلْجَبِينَيْنِ وهُما ما اكْتَنَفَ الجَبْهَةَ مِن هُنا وهُنا.

ورُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الذَبِيحَ قالَ لِأبِيهِ: اشْدُدْ رِباطِي بِالحَبْلِ لِئَلّا أضْطَرِبَ، واصْرِفْ بَصَرَكَ عَنِّي، لِئَلّا تَرْحَمَنِي، ورُدَّ وجْهِي نَحْوَ الأرْضِ، قالَ قَتادَةُ: كَبَّهُ لَفِيهِ وأخَذَ الشَفْرَةَ، والتَلُّ لِلْجَبِينِ لَيْسَ يَقْتَضِي أنَّ الوَجْهَ نَحْوُ الأرْضِ، بَلْ هي هَيْئَةُ مَن ذُبِحَ لِلْقِبْلَةِ عَلى جَنْبِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أنْ يا إبْراهِيمُ ﴾ مُفَسِّرَةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ صَدَّقْتَ الرُؤْيا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِقَلْبِكَ، عَلى مَعْنى: كانَتْ عِنْدَكَ رُؤْياكَ صادِقَةً وحَقًّا مِنَ اللهِ، فَعَمِلَتْ بِحَسْبِها حِينَ آمَنتَ بِها واعْتَقَدَتْ صِدْقَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: صَدَّقْتَ بِعَمَلِكَ ما حَصَلَ عَنِ الرُؤْيا في نَفْسِكَ، كَأنَّهُ قالَ: قَدْ وفَّيْتَها حَقَّها مِنَ العَمَلِ.

والرُؤْيا اسْمٌ لِما يُرى مِن قِبَلِ اللهِ في المَنامِ، والحُلْمُ اسْمٌ لِما يُرى مِن قِبَلِ الشَيْطانِ، ومِنهُ الحَدِيثُ الصَحِيحُ « "الرُؤْيا مِنَ اللهِ والحُلْمُ مِنَ الشَيْطانِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا كَذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما عَمِلَ إبْراهِيمُ، كَأنَّهُ يَقُولُ: إنّا بِهَذا النَوْعِ مِنَ الإخْلاصِ والطاعَةِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ هَذا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى ما في القِصَّةِ مِنَ امْتِحانٍ واخْتِبارٍ بِالشِدَّةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى ما في القِصَّةِ مِن سُرُورٍ بِالفِدْيَةِ وإنْقاذٍ مِن تِلْكَ الشِدَّةِ في إنْفاذِ الذَبْحِ، فَيَكُونُ البَلاءُ بِمَعْنى النِعْمَةِ، وإلى كُلِّ احْتِمالٍ قَدْ أشارَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وفي الحَدِيثِ «أنَّ اللهَ تَعالى أوحى إلى إسْحَقَ أنِّي قَدْ أعْطَيْتُكَ بِصَبْرِكَ لِأمْرِي دَعْوَةً أُعْطِيكَ فِيها ما سَألْتَ، فَسَلْنِي، فَقالَ: يا رَبِّ أيُّما عَبْدٍ لَقِيَكَ مِنَ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ لا يُشْرِكُ بِكَ شَيْئًا فَأدْخِلْهُ الجَنَّةَ.» والضَمِيرُ في "فَدَيْناهُ" عائِدٌ عَلى الذَبْحِ، و"الذَبْحُ" اسْمٌ لِما يُذْبَحُ، ووَصَفَهُ بِالعِظَمِ لِأنَّهُ مُتَقَبَّلٌ يَقِينًا، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ: الذِبْحُ الكَبْشُ، والعَظِيمُ لِجَرْيِ السُنَةِ بِهِ وكَوْنِهِ دِينًا باقِيًا آخِرَ الدَهْرِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: عَظُمَ لِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ كانَ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عن نَسْلٍ بَلْ عَنِ التَكْوِينِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ كَوْنَهُ عَظِيمًا هو أنَّهُ مِن كِباشِ الجَنَّةِ رَعى فِيها أرْبَعِينَ خَرِيفًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَ ولَدُ آدَمَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ: كانَ وعْلًا أُهْبِطَ عَلَيْهِ مِن ثَبِيرٍ، وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّهُ كَبْشٌ أبْيَضُ أقْرَنُ أعْيَنُ، وجَدَهُ وراءَهُ مَرْبُوطًا بِسَمُرَةٍ، ورُوِيَ أنَّهُ انْفَلَتَ فاتَّبَعَهُ ورَماهُ بِحَصَياتٍ في مَواضِعِ الجَمَراتِ، فَبِذَلِكَ مَضَتِ السُنَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: رَجَمَ الشَيْطانَ عِنْدَ جَمْرَةِ العَقَبَةِ وغَيْرِها، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا، وأهْلُ السُنَّةِ عَلى أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ نُسِخَ فِيها العَزْمُ عَلى الفِعْلِ، والمُعْتَزِلَةُ تَقُولُ: إنَّهُ لا يَصِحُّ نَسْخٌ إلّا بَعْدَ وُقُوعِ الفِعْلِ، افْتَرَقَتْ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى فِرْقَتَيْنِ: فَقالَتْ فِرْقَةٌ: وقَعَ الذَبْحُ والتَأمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وهَذا كَذِبٌ صُراحٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهُمْ: بَلْ كانَ إبْراهِيمُ لَمْ يَرَ في مَنامِهِ إلّا إمْرارَ الشَفْرَةِ فَقَطْ، فَظَنَّ أنَّهُ ذَبْحٌ فَجَهَّزَ، فَنَفَّذَ لِذَلِكَ، فَلِما وقَعَ الَّذِي رَآهُ وقَعَ النَسْخُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإذًا لا اخْتِلافَ أنَّ إبْراهِيمَ أمَرَّ الشَفْرَةَ عَلى حَلْقِ ابْنِهِ فَلَمْ تَقْطَعْ.

ورُوِيَ أنَّ صَفِيحَةَ نُحاسٍ اعْتَرَضَتْهُ بِحَرْفِها، واللهُ أعْلَمُ كَيْفَ كانَ، فَقَدْ كَثَّرَ الناسُ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ بِما صِحَّتُهُ مَعْدُومَةٌ فاخْتَصَرْتُهُ.

وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿ وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ ﴾ ﴿ سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ مَعْناهُ: بِمِثْلِ هَذا الفِعْلِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

ومِمّا يُسْتَغْرَبُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ قالَ: ذُبِحَ في المَقامِ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن جَماعَةٍ لَمْ يُسَمِّها أنَّها قالَتْ: كانَ الأمْرُ وإراعَةُ الذَبْحِ والقِصَّةُ كُلُّها بِالشامِ، وقالَ الجُمْهُورُ: ذُبِحَ بِمِنى، وقالَ الشَعْبِيُّ: رَأيْتُ قَرْنَيْ كَبْشِ إبْراهِيمَ مُعَلَّقَةً في الكَعْبَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ أسْلَمَا ﴾ استسلما.

يقال: سلَّم واستسلم وأسلم بمعنى: انقاد وخضع، وحذف المتعلِّق لظهوره من السياق، أي أسلما لأمر الله فاستسلام إبراهيم بالتهيُّؤ لذبح ابنه، واستسلام الغلام بطاعة أبيه فيما بلغه عن ربه.

و ﴿ تلّه ﴾ : صرعه على الأرض، وهو فعل مشتق من اسم التلّ وهو الصبرة من التراب كالكُدْية، وأما قوله في حديث الشُّرْب «فتلّه في يده» أي القَدح، فذلك على تشبيه شدة التمكين كأنه ألقاه في يده.

واللام في ﴿ لِلجَبِينِ ﴾ بمعنى (على) كقوله: ﴿ يخرون للأذقان سجداً ﴾ [الإسراء: 107]، وقوله تعالى: ﴿ دعانا لجنبه ﴾ [يونس: 12]، ومعناها أن مدخولها هو أسفل جزء من صاحبه.

والجبين: أحد جانبي الجبهة، وللجبهة جبينان، وليس الجبين هو الجبهة ولهذا خَطَّأوُا المتنبي في قوله: وَخَلِّ زِيّاً لمن يُحقِّقه *** ما كُل دَاممٍ جبينُه عَابِدْ وتبع المتنبيَ إطلاقُ العامة وهو خطأ، وقد نبه على ذلك ابن قتيبة في «أدب الكتاب» ولم يتعقبه ابن السيِّد البطليوسي في «الاقتضاب» ولكن الحريري لم يعدّه في «أوهام الخواصّ» فلعله أن يكون غفل عنه، وذكر مرتضَى في «تاج العروس» عن شيخه تصحيح إطلاق الجبين على الجبهة مجازاً بعلاقة المجاورة، وأنشد قول زهير: يَقيني بالجبين ومنكبيه *** وأدْفعه بمُطَّرد الكعوب وزعم أن شارح ديوان زهير ذكر ذلك.

وهذا لا يصح استعماله إلا عند قيام القرينة لأن المجاز إذا لم يكثر لا يستحق أن يعد في معاني الكلمة على أنا لا نسلم أن زهيراً أراد من الجبين الجبهة.

ولم يذكر هذا في الأساس.

والمعنى: أنه ألقاه على الأرض على جانب بحيث يباشر جبينه الأرض من شدة الاتصال.

ومناداة الله إبراهيم بطريق الوحي بإرسال الملك، أسندت المناداة إلى الله تعالى لأنه الآمر بها.

وتصديق الرؤيا: تحقيقها في الخارج بأن يعمل صورة العمل الذي رآه يقال: رؤيا صادقة، إذا حصل بَعدها في الواقع ما يماثل صورةَ ما رآه الرائي قال الله تعالى: ﴿ لقد صدق اللَّه رسوله الرؤيا بالحق ﴾ [الفتح: 27].

وفي حديث عائشة: «أول ما بُدِئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤياً إلا جاءت مثل فَلَق الصبح».

وبضد ذلك يقال: كذبتْ الرؤيا، إذا حصل خلاف ما رأى.

وفي الحديث: " إذا اقترب الزمان لم تكد تَكذب رؤيا المؤمن "، فمعنى ﴿ قد صدَّقْتَ الرؤيا ﴾ قد فعلتَ مثل صورة ما رأيت في النوم أنك تفعله.

وهذا ثناء من الله تعالى على إبراهيم بمبادرته لامتثال الأمر ولم يتأخر ولا سأل من الله نسخ ذلك.

والمراد: أنه صدق ما رآه إلى حدِّ إمرار السكين على رقبة ابنه، فلما ناداه جبريل بأن لا يذبحه كان ذلك الخطابُ نسخاً لما في الرؤيا من إيقاع الذبح، وذلك جاء من قِبل الله لا من تقصير إبراهيم، فإبراهيم صدَّق الرؤيا إلى أن نهاه الله عن إكمال مِثالها، فأُطلق على تصديقه أكثرَها أنه صدَّقها، وجُعِل ذبح الكبش تأويلاً لذبح الولد الواقع في الرؤيا.

وجملة ﴿ إنَّا كذلك نَجزي المحسنين ﴾ تعليل لجملة ﴿ وناديناهُ ﴾ لأن نداء الله إياه ترفيع لشأنه فكان ذلك النداء جزاء على إحسانه.

وهذه الجملة يجوز أن تكون من خطاب الله تعالى إبراهيمَ، ويجوز أن تكون معترضة بين جُمل خطاب إبراهيم، والإِشارة في قوله: ﴿ كذلك ﴾ إلى المصدر المأخوذ من فعل ﴿ صَدَّقتَ ﴾ من المصدر وهو التصديق مثل عَود الضمير على المصدر المأخوذ من ﴿ اعدلوا هو أقرب للتقوى ﴾ [المائدة: 8]، أي إنا نجزي المحسنين كذلك التصديق، أي مثل عظمة ذلك التصديق نجزي جزاءً عظيماً للمحسنين، أي الكاملين في الإِحسان، أي وأنت منهم.

ولِما يتضمنه لفظ الجزاء من معنى المكافأة ومماثلة المجزي عليه عُظم شأن الجزاء بتشبيهه بمشبه مشار إليه بإشارة البعيد المفيد بُعداً اعتبارياً وهو الرفعة وعُظم القدر في الشرف، فالتقدير: إنا نجزي المحسنين جزاء كذلك الإِحسان الذي أحسنتَ به بتصديقك الرؤيا، مكافأة على مقدار الإِحسان فإنه بذل أعَزّ الأشياء عليه في طاعة ربّه فبذل الله إليه من أحسن الخيرات التي بيده تعالى، فالمشبه والمشبه به معقولان إذ ليس واحد منهما بمشاهد ولكنهما متخيَّلان بما يتسع له التخيّل المعهود عند المحسنين مما يقتضيه اعتقادهم في وعْد الصادق من جزاءِ القادر العظيم، قال تعالى: ﴿ هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ﴾ [الرحمن: 60].

ولِمَا أفاد اسم الإِشارة من عظمة الجزاء أُكّد الخبر ب {إنَّ لدفع توهم المبالغة، أي هو فوق ما تعْهده في العظمة وما تُقدره العقول.

وفهم من ذكر المحسنين أن الجزاء إحسان بمثل الإِحسان فصار المعنى: إنا كذلك الإِحسان العظيم الذي أحسنته نجزي المحسنين، فهذا وعد بمراتب عظيمة من الفضل الرباني، وتضمن وعد ابنه بإحسان مثله من جهة نوط الجزاء بالإِحسان، وقد كان إحسان الابن عظيماً ببذل نفسه.

وقد أكد ذلك بمضمون جملة إن هذا لهو البلاء المبين} أي هذا التكليف الذي كلّفناك هو الاختبار البيّن، أي الظاهر دلالة على مرتبة عظيمة من امتثال أمر الله.

واستعمل لفظ البلاء مجازاً في لازمه وهو الشهادة بمرتبةِ مَن لو اختُبر بمثل ذلك التكليف لعُلمت مرتبته في الطاعة والصبر وقوة اليقين.

وجملة ﴿ إن هذا لهو البلاء المبين ﴾ في محل العلة لجملة ﴿ إنَّا كذلك نجزي المحسنين ﴾ على نحو ما تقدم في موقع جملة ﴿ إنه من عبادنا المؤمنين ﴾ [الصافات: 81] في قصة نوح.

وجواب ﴿ فلمَّا أسلما ﴾ محذوف دل عليه قوله: ﴿ وناديناهُ، ﴾ وإنما جيء به في صورة العطف إيثاراً لما في ذلك من معنى القصة على أن يكون جواباً لأن الدلالة على الجواب تحصل بعطف بعض القصة دون العكس، وحذفُ الجواب في مثل هذا كثير في القرآن وهو من أساليبه ومثله قوله تعالى: ﴿ فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابات الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون، وجاءوا أباهم عشاء يبكون ﴾ [يوسف: 15- 16].

وجملة ﴿ وفديناهُ ﴾ يظهر أنها من الكلام الذي خاطب الله به إبراهيم.

والمعنى: وقد فدينا ابنَك بذبح عظيم ولولا هذا التقدير تكون حكاية نداء الله إبراهيم غير مشتملة على المقصود من النداء وهو إبطال الأمر بذبح الغلام.

والفِدَى والفداء: إعطاء شيء بدلاً عن حق للمعطَى، ويطلق على الشيء المفدَى به من إطلاق المصدر على المفعول.

وأسند الفداء إلى الله لأنه الآذِن به، فهو مجاز عقلي، فإن الله أوحى إلى إبراهيم أن يذبح الكبش فداء عن ذبح ابنه وإبراهيم هو الفادي بإذن الله، وابن إبراهيم مُفْدىً.

والذِبح بكسر الذال: المذبوح ووزن فِعل بكسر الفاء وسكون عين الكلمة يكثر أن يكون بمعنى المفعول مما اشتق منه مثل: الحِب والطِحن والعِدل.

ووصفه ب ﴿ عَظِيمٍ ﴾ بمعنى شرف قدر هذا الذِبح، وهو أن الله فدَى به ابن رسوللٍ وأبقى به من سيكون رسولاً فعِظمه بعظم أثره، ولأنه سخره الله لإِبراهيم في ذلك الوقت وذلك المكان.

وقد أشارت هذه الآيات إلى قصة الذبيح ولم يسمه القرآن لعله لئلا يثير خلافاً بين المسلمين وأهل الكتاب في تعيين الذبيح مِن ولدَيْ إبراهيم، وكان المقصد تألف أهل الكتاب لإِقامة الحجة عليهم في الاعتراف برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وتصديققِ القرآن، ولم يكن ثَمة مقصد مهمّ يتعلق بتعيين الذبيح ولا في تخطئة أهل الكتاب في تعيينه، وأمارة ذلك أن القرآن سمّى إسماعيل في مواضع غيرِ قصة الذبح وسمَّى إسحاق في مواضع، ومنها بشارة أمه على لسان الملائكة الذين أرسلوا إلى قوم لُوط، وذكر اسمَيْ إسماعيل وإسحاق أنهما وُهبا له على الكِبر ولم يسمّ أحداً في قصة الذبح قصداً للإِبهام مع عدم فوات المقصود من الفضل لأن المقصود من القصة التنويه بشأن إبراهيم فأي ولديه كان الذبيح كان في ابتلائه بذبحه وعزمه عليه وما ظهر في ذلك من المعجزة تنويهٌ عظيم بشأن إبراهيم وقال الله تعالى: ﴿ ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ﴾ [العنكبوت: 46] وقال النبي صلى الله عليه وسلم " لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم " روى الحاكم في «المستدرك» عن معاوية بن أبي سفيان أن أحد الأعراب قال للنبيء صلى الله عليه وسلم يا ابن الذبيحين فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعني أنه من ولد إسماعيل وهو الذبيح وأن أباه عبدَ الله بن عَبد المطلب كان أبوه عبد المطلب نذر: لئن رزقه الله بعشرة بنين أن يذبح العاشر للكعبة، فلما وُلد عبد الله وهو العاشر عزَم عبد المطلب على الوفاء بنذره، فكلّمه كبراء أهل البطاح أن يعْدِلَه بعشرة من الإِبل وأن يستقسم بالأزلام عليه وعلى الإِبل فإن خرج سَهم الإِبل نحرها، ففعل فخرج سهم عبد الله، فقالوا: أرضضِ الآلهة، أي الآلهة التي في الكعبة يومئذٍ، فزاد عشرة من الإِبل واستقسم فخرج سهم عبد الله، فلم يزالوا يقولون: أرْضضِ الآلهة ويزيد عبد المطلب عشرة من الإِبل ويعيد الاستقسام ويخرج سهم عبد الله إلى أن بلغ مائة من الإِبل واستقسم عليهما فخرج سَهم الإِبل فقالوا رَضِيتْ الآلهة فذبحها فداءً عنه.

وكانت منقبة لعبد المطلب ولابنه أبي النبي صلى الله عليه وسلم تشبه منقبة جدّه إبراهيم وإن كانت جرت على أحوال الجاهلية فإنها يستخلص منها غيرُ ما حفّ بها من الأعراض الباطلة، وكان الزمان زمان فترة لا شريعةَ فيه ولم يَرد في السنة الصحيحة ما يخالف هذا.

إلا أنه شاع من أخبار أهل الكتاب أن الذبيح هو إسحاق بن إبراهيم بناء على ما جاء في «سفر التكوين» في «الإِصحاح» الثاني والعشرين وعلى ما كان يقصّه اليهود عليهم، ولم يكن فيما علموه من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم ما يخالفه ولا كانوا يسألونه.

والتأمُّل في هذه الآية يقوّي الظن بأن الذبيح إسماعيل، فإنه ظاهر قوي في أن المأمور بذبحه هو الغلام الحليم في قوله: ﴿ فبشَّرناهُ بغلاممٍ حَليمٍ ﴾ [الصافات: 101] وأنه هو الذي سأل إبراهيمُ ربه أن يهب له فساقت الآية قصة الابتلاء بذبح هذا الغلام الحليم الموهوب لإِبراهيم، ثم أعقبت قصته بقوله تعالى: ﴿ وبشرناهُ بإسحاق نبيئاً من الصالِحِين ﴾ [الصافات: 112]، وهذا قريب من دلالة النص على أن إسحاق هو غير الغلام الحليم الذي مضى الكلام على قصته لأن الظاهر أن قوله: ﴿ وبشرناه ﴾ [الصافات: 112] بشارة ثانية وأن ذكر اسم إسحاق يدل على أنه غير الغلام الحليم الذي أجريت عليه الضمائر المتقدمة.

فهذا دليل أول.

الدليل الثاني: أن الله لما ابتلى إبراهيم بذبح ولده كان الظاهر أن الابتلاء وقع حين لم يكن لإِبراهيم ابنٌ غيره لأن ذلك أكمل في الابتلاء كما تقدم.

الدليل الثالث: أن الله تعالى ذكر: ﴿ فبشرناه بغلام حليم ﴾ [الصافات: 101] عَقِبَ ما ذكر من قول إبراهيم: ﴿ رب هب لي من الصالحين ﴾ [الصافات: 100]، فدل على أن هذا الغلام الحليم الذي أمر بذبحه هو المبشَّر به استجابةً لدعوته، وقد ظهر أن المقصود من الدعوة أن لا يكون عقيماً يرثه عبيدُ بيته كما جاء في «سفر التكوين» وتقدم آنفاً.

الدليل الرابع: أن إبراهيم بنَى بيتاً لله بمكة قبل أن يبني بيتاً آخر بنحو أربعين سنة كما في حديث أبي ذرّ عن النبي صلى الله عليه وسلم ومن شأن بيوت العبادة في ذلك الزمان أن تقرّب فيها القرابين فقربان أعز شيء على إبراهيم هو المناسب لكونه قرباناً لأشرف هيكل.

وقد بقيت في العرب سنة الهدايا في الحج كل عام وما تلك إلا تذكرة لأول عام أُمر فيه إبراهيم بذبح ولده وأنه الولد الذي بمكة.

الدليل الخامس: أن أعرابياً قال للنبيء صلى الله عليه وسلم يابن الذبيحين، فعلم مراده وتبسَّم، وليس في آباء النبي صلى الله عليه وسلم ذبيح غير عبد الله وإسماعيل.

الدليل السادس: ما وقع في «سفر التكوين» في الإِصحاح الثاني والعشرين أن الله امتحن إبراهيم فقال له: «خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق واذهب إلى أرض المريا وأصعده هنالك محرقة على أحد الجبال الذي أقول لك» إلى آخر القصة.

ولم يكن إسحاق ابناً وحيداً لإِبراهيم فإن إسماعيل وُلد قبله بثلاث عشرة سنة.

ولم يزل إبراهيم وإسماعيل متواصلين وقد ذكر في الإِصحاح الخامس والعشرين من سفر التكوين عند ذكر موت إبراهيم عليه السلام «ودفَنه إسحاق وإسماعيلُ ابناه»، فإقحام اسم إسحاق بعد قوله: ابنَك وحيدَك، من زيادة كاتب التوراة.

الدليل السابع: قال صاحب «الكشاف»: ويدل عليه أن قرني الكبش كانا منوطين في الكعبة في أيدي بنِي إسماعيل إلى أن احترق البيت في حصار ابن الزبير ا.

ه.

وقال القرطبي عن ابن عباس: والذي نفسي بيده لقد كان أول الإِسلام وأن رأس الكبش لمعلق بقرنيه من ميزاب الكعبة وقد يبس.

قلت: وفي صحة كون ذلك الرأس رأسَ كبش الفداء من زمن إبراهيم نظر.

الدليل الثامن: أنه وردت روايات في حكمة تشريع الرمي في الجمرات من عهد الحنيفية أن الشيطان تعرض لإِبراهيم ليصدّه عن المضيّ في ذبح ولده وذلك من مناسك الحجّ لأهل مكة ولم تكن لليهود سُنَّة ذبح معين.

وذكر القرطبي عن ابن عباس: أن الشيطان عرض لإِبراهيم عند الجمرات ثلاث مرات فرجمه في كل مرة بحصيات حتى ذهب من عند الجمرة الأخرى.

وعنه: أن موضع معالجة الذبح كان عند الجمار وقيل عند الصخرة التي في أصل جبل ثبير بمنى.

الدليل التاسع: أن القرآن صريح في أن الله لمّا بشر إبراهيم بإسحاق قرن تلك البشارة بأنه يولد لإِسحاق يعقوب، قال تعالى: ﴿ فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ﴾ [هود: 71] وكان ذلك بمحضر إبراهيم فلو ابتلاه الله بذبح إسحاق لكان الابتلاء صورياً لأنه واثق بأن إسحاق يعيش حتى يولد له يعقوب لأن الله لا يخلف الميعاد.

ولمّا بشره بإسماعيل لم يَعِدْه بأنه سيُولد له وما ذلك إلا توطئة لابتلائه بذبحه فقد كان إبراهيم يدعو لحياة ابنه إسماعيل.

فقد جاء في «سفر التكوين» الإِصحاح السابع عشر «وقال إبراهيم لله: ليت إسماعيل يعيش أمامك فقال الله: بل سارة تلد لك ابناً وتدعو اسمه إسحاق وأقيم عهدي معه عهداً أبدياً لنسله من بعده».

ويظهر أن هذا وقع بعد الابتلاء بذبحه.

الدليل العاشر: أنه لو كان المراد بالغلام الحليم إسحاق لكان قوله تعالى بعد هذا: ﴿ وبشرناه بإسحاق نبيئاً من الصالِحينَ ﴾ [الصافات: 112] تكريراً لأن فعل: بشرناه بفلان، غالب في معنى التبشير بالوجود.

واختلف علماء السلف في تعيين الذبيح فقال جماعة من الصحابة والتابعين: هو إسماعيل وممن قاله أبو هريرة وأبو الطفيل عامر بن واثلة وعبد الله بن عُمر وابن عباس ومعاوية بن أبي سفيان.

وقاله من التابعين سعيد بن المسيب والشعبي ومجاهد وعلقمة والكلبي والربيع بن أنس ومحمد بن كعب القُرظي وأحمد بن حنبل.

وقال جماعة: هو إسحاق ونقل عن ابن مسعود والعباس بن عبد المطلب وجابر بن عبد الله وعمر وعلي من الصحابة، وقاله جمع من التابعين منهم: عطاء وعكرمة والزهري والسّدِّي.

وفي «جامع العتبية» أنه قول مالك بن أنس.

فإن قلت: فعلامَ جنحتَ إليه واستَدللت عليه من اختيارك أن يكون لابتلاء بذبح إسماعيل دون إسحاق، فكيف تتأول ما وقع في «سفر التكوين»؟

قلت: أرى أن ما في «سفر التكوين» نُقِل مشتّتاً غير مرتبة فيه أزمان الحوادث بضبط يعين الزمن بين الذبح وبين أخبار إبراهيم، فلما نقَل النقلةُ التوراة بعد ذهاب أصلها عقب أسر بني إسرائيل في بلاد أشور زمن بختنصر، سجلت قضية الذبيح في جملة أحوال إبراهيم عليه السلام وأدمج فيها ما اعتقده بنو إسرائيل في غربتهم من ظنهم الذبيح إسحاق.

ويدل لذلك قول الإِصحاح الثاني والعشرين «وحدث بعد هذه الأمور أن الله امتحن إبراهيم فقال خذ ابنك وحيدك» الخ؛ فهل المراد من قولها: بعد هذه الأمور، بعد جميع الأمور المتقدمة أو بعد بعض ما تقدم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ عِنْدَ إلْقائِهِ في النّارِ، وفِيهِ عَلى هَذا القَوْلِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: إنِّي ذاهِبٌ إلى ما قَضىَ بِهِ عَلَيَّ رَبِّي.

الثّانِي: إنِّي مَيِّتٌ كَما يُقالُ لِمَن ماتَ قَدْ ذَهَبَ إلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَصَوَّرَ أنَّهُ يَمُوتُ بِإلْقائِهِ في النّارِ عَلى المَعْهُودِ مِن حالِها في تَلَفِ ما يُلْقى فِيها إلى أنْ قِيلَ لَها كُونِي بَرْدًا وسَلامًا، فَحِينَئِذٍ سَلِمَ إبْراهِيمُ مِنها.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ سَيَهْدِينِ ﴾ عَلى هَذا القَوْلِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: سَيَهْدِينِ إلى الخَلاصِ مِنَ النّارِ.

الثّانِي: إلى الجَنَّةِ.

فاحْتَمَلَ ما قالَهُ إبْراهِيمُ مِن هَذا وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ بِقَوْلِهِ لِمَن يُلْقِيهِ في النّارِ فَيَكُونُ ذَلِكَ تَخْوِيفًا لَهم.

الثّانِي: أنَّ بِقَوْلِهِ لِمَن شاهَدَهُ مِنَ النّاسِ الحُضُورِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنهُ إنْذارًا لَهم، فَهَذا تَأْوِيلُ ذَلِكَ عَلى قَوْلِ مَن ذَكَرَ أنَّهُ قالَ قَبْلَ إلْقائِهِ في النّارِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ قالَهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ النّارِ.

﴿ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي ﴾ وفي هَذا القَوْلِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: إنِّي مُنْقَطِعٌ إلى اللَّهِ بِعِبادَتِي، حَكاهُ النَّقّاشُ.

الثّانِي: ذاهِبٌ إلَيْهِ بِقَلْبِي ودِينِي وعَمَلِي، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: مُهاجِرٌ إلَيْهِ بِنَفْسِي فَهاجَرَ مِن أرْضِ العِراقِ.

قالَ مُقاتِلٌ: هو أوَّلُ مَن هاجَرَ مِنَ الخَلْقِ مَعَ لُوطٍ وسارَةَ.

وَفِي البَلَدِ الَّذِي هاجَرَ إلَيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إلى أرْضِ الشّامِ.

الثّانِي: إلى أرْضِ حَرّانَ، حَكاهُ النَّسائِيُّ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ سَيَهْدِينِ ﴾ عَلى هَذا القَوْلِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: سَيَهْدِينِ إلى قَوْلِ: حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ، قالَهُ سُلَيْمانُ.

الثّانِي: إلى طَرِيقِ الهِجْرَةِ، قالَهُ يَحْيى.

واحْتَمَلَ هَذا القَوْلُ مِنهُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ بِقَوْلِهِ لِمَن فارَقَهُ مِن قَوْمِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ تَوْبِيخًا لَهم.

الثّانِي: أنَّ بِقَوْلِهِ لِمَن هاجَرَ مَعَهُ مِن أهْلِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنهُ تَرْغِيبًا.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ ﴾ أيْ: وقُورٍ.

قالَ الحَسَنُ: ما سَمِعْتُ اللَّهَ يُحِلُّ عِبادَهُ شَيْئًا أجَلَّ مِنَ الحِلْمِ.

وَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إسْحاقُ، ولَمْ يُثْنِ اللَّهُ تَعالى عَلى أحَدٍ بِالحِلْمِ إلّا عَلى إسْحاقَ وإبْراهِيمَ قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: إسْماعِيلُ وبُشِّرَ بِنُبُوَّةِ إسْحاقَ بَعْدَ ذَلِكَ، قالَهُ عامِرٌ الشَّعْبِيُّ.

قالَ الكَلْبِيُّ وكانَ إسْماعِيلُ أكْبَرَ مِن إسْحاقَ بِثَلاثِ عَشْرَةَ سَنَةً.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَمْشِي مَعَ أبِيهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أدْرَكَ مَعَهُ العَمَلَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ سَعَيُ العَمَلِ الَّذِي تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ السَّعْيُ في العِبادَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: صامَ وصَلّى، ألَمْ تَسْمَعِ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ وَسَعى لَها سَعْيَها  ﴾ قالَ الفَرّاءُ والكَلْبِيُّ، وكانَ يَوْمَئِذٍ ابْنَ ثَلاثِ عَشْرَةَ سَنَةً.

﴿ قالَ يا بُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ ﴾ فَرَوى سِماكٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  « (رُؤْيا الأنْبِياءِ في المَنامِ وحْيٌ)» .

﴿ فانْظُرْ ماذا تَرى ﴾ لَمْ يَقُلْ لَهُ ذَلِكَ عَلى وجْهِ المُؤامَرَةِ في أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٌ أحَدُها: أنَّهُ قالَهُ إخْبارًا بِما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ لِيَكُونَ أطْوَعَ لَهُ.

الثّانِي: أنَّهُ قالَهُ امْتِحانًا لِصَبْرِهِ عَلى أمْرِ اللَّهِ تَعالى.

الثّالِثُ: أيْ ماذا تُرِينِي مِن صَبْرِكَ أوْ جَزَعِكَ، قالَهُ الفَرّاءُ.

﴿ قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ ﴾ الآيَةَ.

فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَلى الذَّبْحِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: عَلى القَضاءِ، حَكاهُ الكَلْبِيُّ، فَوَجَدَهُ في الِامْتِحانِ صادِقَ الطّاعَةِ سَرِيعَ الإجابَةِ قَوِيَّ الدِّينِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَمّا أسْلَما ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: اتَّفَقا عَلى أمْرٍ واحِدٍ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

الثّانِي: سَلَّما لِلَّهِ تَعالى الأمْرَ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

قالَ قَتادَةُ: سَلَّمَ إسْماعِيلُ نَفْسَهَ لِلَّهِ، وسَلَّمَ إبْراهِيمُ ابْنَهُ لِلَّهِ تَعالى.

﴿ وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ صَرَعَهُ عَلى جَبِينِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجَبِينُ ما عَنْ يَمِينِ الجَبْهَةِ وشِمالِها، قالَ الشّاعِرُ: وتَلَّهُ أبُو حَكَمٍ لِلْجَبِينِ فَصارَ إلى أُمِّهِ الهاوِيَةِ الثّانِي: أنَّهُ أكَبَّهُ لِوَجْهِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ وضَعَ جَبِينَهُ عَلى تَلٍّ، قالَهُ قُطْرُبٌ.

وَحَكى مُجاهِدٌ عَنْ إسْحاقَ أنَّهُ قالَ: يا أبَتِ اذْبَحْنِي وأنا ساجِدٌ، ولا تَنْظُرْ إلى وجْهِي فَعَسى أنْ تَرْحَمَنِي فَلا تَذْبَحَنِي.

﴿ وَنادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ ﴾ ﴿ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا ﴾ أيْ عَمِلْتَ ما رَأيْتَهُ في المَنامِ، وفي الَّذِي رَآهُ ثَلاثَةُ أقْاَويِلَ: أحَدُها: أنَّ الَّذِي رَآهُ أنَّهُ قَعَدَ مِنهُ مَقْعَدَ الذّابِحِ يَنْتَظِرُ الأمْرَ بِإمْضاءِ الذَّبْحِ.

الثّانِي: أنَّ الَّذِي رَآهُ أنَّهُ أمَرَ بِذَبْحِهِ بِشَرْطِ التَّمْكِينِ ولَمْ يُمَكَّنْ مِنهُ لِما رُوِيَ أنَّهُ كانَ كُلَّما اعْتَمَدَ بِالشَّفْرَةِ انْقَلَبَتْ وجَعَلَ عَلى حَلْقِهِ صَفِيحَةً مِن نُحاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّ الَّذِي رَآهُ أنَّهُ ذَبَحَهُ وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ وإنَّما وصَلَ اللَّهُ تَعالى الأوْداجَ بِلا فَصْلٍ.

﴿ إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ بِالعَفْوِ عَنْ ذَبْحِ ابْنِهِ.

وَفِي الذَّبِيحِ قَوْلانِ مِثْلَ اخْتِلافِهِمْ في الحَلِيمِ الَّذِي بُشِّرَ بِهِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ إسْحاقُ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وكَعْبُ الأحْبارِ وقَتادَةُ والحَسَنُ.

قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ذَبَحَ إبْراهِيمُ ابْنَهُ إسْحاقَ وهو ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ ووَلَدَتْهُ سارَّةُ وهي بِنْتُ تِسْعِينَ سَنَةً.

وَفِي المَوْضِعِ الَّذِي أرادَ ذَبْحَهُ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: بِمَكَّةَ في المَقامِ.

الثّانِي: في المَنحَرِ بِمِنًى.

الثّالِثُ: بِالشّامِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وهو مِن بَيْتِ المَقْدِسِ عَلى مِيلَيْنِ.

وَلَمّا عَلِمَتْ سارَّةُ ما أرادَ بِإسْحاقَ بَقِيَتْ يَوْمَيْنِ وماتَتْ في اليَوْمِ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ إسْماعِيلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وأنَّهُ ذَبَحَهُ بِمِنًى عِنْدَ الجِمارِ الَّتِي رَمى إبْلِيسَ في كُلِّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَياتٍ حِينَ عارَضَهُ في ذَبْحِهِ حَتّى جَمَرَ بَيْنَ يَدَيْهِ أيْ أسْرَعَ فَسُمِّيَتْ جِمارًا.

وَحَكى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أنَّهُ ذَبَحَهُ عَلى الصَّخْرَةِ الَّتِي بِأصْلِ ثَبِيرٍ بِمِنًى.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الِاخْتِبارُ العَظِيمُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

الثّانِي: النِّعْمَةُ البَيِّنَةُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ وقُطْرُبٌ وأنْشَدَ قَوْلَ الحُطَيْئَةَ: وإنَّ بَلاءَهم ما قَدْ عَلِمْتُمْ ∗∗∗ عَلى الأيّامِ إنْ نَفَعَ البَلاءُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ فُدِيَ بِوَعْلٍ أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِن ثَبِيرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وحَكى عَنْهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أنَّهُ كَبْشٌ رُعِيَ في الجَنَّةِ أرْبَعِينَ خَرِيفًا.

الثّانِي: أنَّهُ فُدِيَ بِكَبْشٍ مِن غَنَمِ الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ فُدِيَ بِكَبْشٍ أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ الجَنَّةِ وهو الكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَهُ هابِيلُ بْنُ آدَمَ فَقُبِلَ مِنهُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ حَدَّثَنِي مَن رَأى قَرْنَيِ الكَبْشِ الَّذِي ذَبَحَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُعَلَّقَيْنِ بِالكَعْبَةِ.

والذِّبْحُ بِالكَسْرِ هو المَذْبُوحُ، والذَّبْحُ بِالفَتْحِ هو فِعْلُ الذَّبْحِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ عَظِيمٍ ﴾ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لِأنَّهُ قَدْ رَعى في الجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: لِأنَّهُ ذُبِحَ بِحَقٍّ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: لِأنَّهُ عَظِيمُ الشَّخْصِ.

الرّابِعُ: لِأنَّهُ عَظِيمُ البَرَكَةِ.

الخامِسُ: لِأنَّهُ مُتَقَبَّلٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الثَّناءُ الحَسَنُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: هو السَّلامُ عَلى إبْراهِيمَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ بلغ معه السعي ﴾ قال: العمل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلما بلغ معه السعي ﴾ قال: أدرك معه العمل.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلما بلغ معه السعي ﴾ قال: لما مشى مع أبيه.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ فلما بلغ معه السعي ﴾ قال: لما مشى، فأسر في نفسه حزناً في قراءة عبد الله ﴿ قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ فلما بلغ معه السعي ﴾ قال: لما شب حتى أدرك سعيه، سعى إبراهيم في العمل ﴿ فلما أسلما ﴾ قال: سلما ما أمرا به ﴿ وتله للجبين ﴾ قال: وضع وجهي للأرض.

ففعل، فلما أدخل يده ليذبحه ﴿ نودي أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا ﴾ فأمسك يده ورفع رأسه، فرأى الكبش ينحط إليه حتى وقع عليه، فذبحه.

وأخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أراد إبراهيم عليه السلام أن يذبح إسحاق قال لأبيه: إذا ذبحتني فاعتزل لا أضطرب، فينتضح عليك دمي فشده، فلما أخذ الشفرة وأراد أن يذبحه، نودي من خلفه ﴿ أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا ﴾ .

وأخرج أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن جبريل ذهب بإبراهيم إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات فساخ، ثم أتى به الجمرة القصوى، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع فساخ، فلما أراد إبراهيم أن يذبح إسحاق عليهما السلام قال لأبيه: يا أبت أوثقني لا أضطرب، فينتضح عليك دمي إذا ذبحتني فشده، فلما أخذ الشفرة فأراد أن يذبحه، نودي من خلفه ﴿ أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا ﴾ » .

وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه من طريق مجاهد رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وإن من شيعته لإِبراهيم ﴾ قال: من شيعة نوح على منهاجه وسننه ﴿ بلغ معه السعي ﴾ شب حتى بلغ سعيه سعي إبراهيم في العمل ﴿ فلما أسلما ﴾ سلما ما أمرا به ﴿ وتله ﴾ وضع وجهه للأرض فقال: لا تذبحني وأنت تنظر، عسى أن ترحمني فلا تجهز علي، وإن أجزع فانكص فامتنع منك، ولكن أربط يدي إلى رقبتي، ثم ضع وجهي إلى الأرض، فلما أدخل يده ليذبحه فلم تصل المدية حتى نودي ﴿ أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا ﴾ فأمسك يده فذلك قوله: ﴿ وفديناه بذبح عظيم ﴾ بكبش ﴿ عظيم ﴾ متقبل.

وزعم ابن عباس رضي الله عنهما أن الذبيح إسماعيل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا الأنبياء وحي» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي في الأسماء والصفات عن عبيد بن عمير رضي الله عنه قال: رؤيا الأنبياء وحي.

ثم تلا هذه الآية ﴿ إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال: رؤيا الأنبياء عليهم السلام حق.

إذا رأوا شيئاً فعلوه.

وأخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أمر إبراهيم عليه السلام بالمناسك عرض له الشيطان عند المسعى، فسابقه، فسبقه إبراهيم عليه السلام، ثم ذهب به جبريل عليه السلام إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى، فرماه بسبع حصيات ﴿ وتله للجبين ﴾ وعلى إسماعيل عليه السلام قميص أبيض فقال: يا أبت ليس لي ثوب تكفني فيه غيره، فاخلعه حتى تكفني فيه، فعالجه ليخلعه، فنودي من خلفه ﴿ أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا ﴾ فالتفت فإذا كبش أبيض، أعين، أقرن، فذبحه.

وأخرج ابن جرير والحاكم من طريق عطاء بن أبي رباح رضي الله عنه قال: المفدى إسماعيل، وزعمت اليهود أنه إسحاق.

وكذبت اليهود.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه من طريق الشعبي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الذبيح إسماعيل عليه السلام.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق مجاهد ويوسف بن ماهك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الذبيح إسماعيل عليه السلام.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير من طريق يوسف بن مهران وأبي الطفيل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الذبيح إسماعيل عليه السلام.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير قالا: الذي أراد إبراهيم عليه السلام، ذبحه إسماعيل عليه السلام.

وأخرج ابن جرير عن الشعبي ومجاهد والحسن ويوسف بن مهران ومحمد بن كعب القرظي، مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن عمر رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وفديناه بذبح عظيم ﴾ قال: إسماعيل ذبح عنه إبراهيم الكبش.

وأخرج ابن جرير والآمدي في مغازيه والخلعي في فوائده والحاكم وابن مردويه بسند ضعيف عن عبد الله بن سعيد الصنابحي قال: حضرنا مجلس معاوية بن أبي سفيان، فتذاكر القوم إسماعيل وإسحاق أيهما الذبيح؟

فقال معاوية: سقطتم على الخبير كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه أعرابي فقال: يا رسول الله خلفت الكلأ يابساً، والماء عابساً، هلك العيال، وضاع المال، فعد علي مما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين.

فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه فقال القوم: من الذبيحان يا أمير المؤمنين؟

قال: إن عبد المطلب لما حفر زمزم، نذر لله إن سهل حفرها أن ينحر بعض ولده، فلما فرغ أسهم بينهم وكانوا عشرة، فخرج السهم على عبد الله، فأراد ذبحه، فمنعه أخواله من بني مخزوم وقالوا: ارضِ ربك وافْدِ ابنك.

ففداه بمائة ناقة فهو الذبيح، وإسماعيل الثاني.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والحاكم عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال: إن الذي أمر الله إبراهيم بذبحه من ابنيه إسماعيل، وانا لنجد ذلك في كتاب الله، وذلك إن الله يقول حين فرغ من قصة المذبوح ﴿ وبشرناه بإسحاق ﴾ وقال: ﴿ فبشرناه بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ﴾ [ هود: 71] بابن، وابن ابن، فلم يكن يأمر بذبح إسحاق وله فيه موعود بما وعده، وما الذي أمر بذبحه إلا إسماعيل.

وأخرج الحاكم بسند فيه الواقدي عن عطاء بن يسار رضي الله عنه قال سألت خوات بن جبير رضي الله عنه عن ذبيح الله قال: إسماعيل عليه السلام لما بلغ سبع سنين رأى إبراهيم عليه السلام في النوم في منزله بالشام أن يذبحه، فركب إليه على البراق حتى جاءه، فوجده عند أمه، فأخذ بيديه، ومضى به لما أمر به، وجاء الشيطان في صورة رجل يعرفه، فذبح طرفي حلقه، فإذا هو نحر في نحاس، فشحذ الشفرة مرتين أو ثلاثاً بالحجر ولا تحز قال إبراهيم: إن هذا الأمر من الله، فرفع رأسه، فإذا هو بوعل واقف بين يديه فقال إبراهيم: قم يا بني قد نزل فداؤك، فذبحه هناك بمنى.

وأخرج الحاكم بسندٍ فيه الواقدي من طريق عطاء بن يسار رضي الله عنه عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: الذبيح إسماعيل.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد والحسن رضي الله عنهما قال: الذبيح إسماعيل.

وأخرج عبد بن حميد من طريق الفرزدق الشاعر قال: رأيت أبا هريرة رضي الله عنه يخطب على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: إن الذي أمر بذبحه إسماعيل.

وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن محمد بن كعب رضي الله عنه، أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أرسل إلى رجل كان يهودياً، فاسلم وحسن إسلامه، وكان من علمائهم فسأله: أي ابني إبراهيم أمر بذبحه؟

فقال: إسماعيل والله يا أمير المؤمنين، وإن اليهود لتعلم بذلك، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب.

وأخرج البزار وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه عن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال نبي الله داود: يا رب أسمع الناس يقولون رب إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، فاجعلني رابعاً قال: إن إبراهيم ألقي في النار فصبر من أجلي، وإن إسحاق جاد لي بنفسه، وإن يعقوب غاب عنه يوسف، وتلك بلية لم تَنَلكَ» .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في شعب الإِيمان عن عبيد بن عمير رضي الله عنه قال: قال موسى عليه السلام: يا رب يقولون يا رب إبراهيم وإسحاق، ويعقوب، لأي شيء يقولون ذلك؟

قال: لأن إبراهيم لم يعدل بي شيئاً إلا اختارني عليه، وإن إسحاق جاد لي بنفسه فهو على ما سواه أجود، وأما يعقوب فما ابتليت ببلاء إلا ازداد بي حسن الظن.

وأخرج الديلمي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن داود سأل ربه مسألة فقال: اجعلني مثل إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، فأوحى الله إليه أني: ابتليت إبراهيم بالنار فصبر، وابتليت إسحاق بالذبح فصبر، وابتليت يعقوب فصبر» .

وأخرج الدارقطني في الأفراد والديلمي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الذبيح إسحاق» .

وأخرج ابن مردويه عن بهار وكانت له صحبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إسحاق ذبيح» .

وأخرج عبد بن حميد والطبراني عن أبي الأحوص قال: فاخر أسماء بن خارجة عند ابن مسعود فقال: أنا ابن الأشياخ الكرام فقال ابن مسعود رضي الله عنه: ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق، ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله.

وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «سئل النبي صلى الله عليه وسلم من أكرم الناس؟

قال يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله» .

وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط بسند ضعيف عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله خيرني بين أن يغفر لنصف أمتي، أو شفاعتي، فاخترت شفاعتي، ورجوت أن تكون أعم لأمتي، ولولا الذي سبقني إليه العبد الصالح لعجلت دعوتي، إن الله لما فرج عن إسحاق كرب الذبح قيل له: يا ابا إسحاق سل تعطه قال: أما والله لا تعجلها قبل نزغات الشيطان، اللهم من مات لا يشرك بك شيئاً قد أحسن، فاغفر له» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن كعب رضي الله عنه.

أنه قال لأبي هريرة: ألا أخبرك عن إسحاق؟

قال: بلى.

قال: رأى إبراهيم أن يذبح إسحاق، قال الشيطان: والله لئن لم أفتن عند هذه آل إبراهيم لا أفتن أحداً منهم أبداً، فتمثل الشيطان رجلاً يعرفونه، فاقبل حتى خرج إبراهيم بإسحاق ليذبحه دخل على سارة، فقال: أين أصبح إبراهيم غادياً بإسحاق؟

قالت: لبعض حاجته قال: لا والله قالت: فَلِمَ غدا؟

قال: ليذبحه قالت: لم يكن ليذبح ابنه!

قال: بلى والله قالت سارة: فلم يذبحه؟

قال: زعم أن ربه أمره بذلك قالت: قد أحسن أن يطيع ربه إن كان أمره بذلك.

فخرج الشيطان، فأدرك إسحاق وهو يمشي على أثر أبيه قال: أين أصبح أبوك غادياً؟

قال: لبعض حاجته قال: لا والله بل غدا بك ليذبحك قال: ما كان أبي ليذبحني، قال: بلى قال: لِمَ؟

قال: زعم أن الله أمره بذلك قال إسحق: فوالله لئن أمره ليطيعنه.

فتركه الشيطان وأسرع إلى إبراهيم، فقال أين أصبحت غادياً بابنك؟

قال: لبعض حاجتي قال: لا والله ما غدوت به إلا لتذبحه.

قال: ولِمَ أذبحه؟

قال: زعمت أن الله أمرك بذلك فقال: والله لئن كان الله أمرني لأفعلن.

قال فتركه ويئس أن يطاع، فلما أخذ إبراهيم إسحاق ليذبحه، وسلم إسحاق عافاه الله، وفداه بذبح عظيم.

فقال: قم أي بني فإن الله قد عافاك، فأوحى الله إلى إسحاق: أني قد أعطيتك دعوة استجيب لك فيها قال: فإني أدعوك أن تستجيب لي.

أيما عبد لقيك من الأوّلين والآخرين لا يشرك بك شيئاً، فادخله الجنة.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن المنذر عن علي رضي الله عنه قال: الذبيح إسحاق.

وأخرج عبد الرزاق والحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: الذبيح إسحاق.

وأخرج عبد بن حميد والبخاري في تاريخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن العباس بن عبد المطلب قال: الذبيح إسحاق.

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير والحاكم وصححه من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: الذبيح إسحاق.

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: لما رأى إبراهيم عليه السلام في المنام ذبح إسحاق، سار به من منزله إلى المنحر بمنى مسيرة شهر في غداة واحدة، فلما صرف عنه الذبح، وأمر بذبح الكبش، ذبحه ثم راح به، وراحا إلى منزله في عشية واحدة مسيرة شهر طويت له الأودية والجبال.

وأخرج الحاكم بسند فيه الواقدي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: رأى إبراهيم عليه السلام في المنام أن يذبح إسحاق.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مسروق رضي الله عنه قال: الذبيح إسحاق.

وأخرج ابن عساكر عن نوح بن حبيب قال: سمعت الشافعي يقول كلاماً ما سمعت قط أحسن منه، سمعته يقول: قال خليل الله إبراهيم لولده في وقت ما قص عليه ما رأى ماذا ترى؟

أي ماذا تشير به، ليستخرج بهذه اللفظة منه ذكر التفويض، والصبر، والتسليم، والانقياد لأمر الله، لا لمواراته لدفع أمر الله تعالى، ﴿ يا أبتِ افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين ﴾ قال الشافعي رضي الله عنه: والتفويض هو الصبر، والتسليم هو الصبر، والانقياد هو ملاك الصبر، فجمع له الذبيح جميع ما ابتغاه بهذه اللفظة اليسيرة.

وأخرج الخطيب في تالي التلخيص عن فضيل بن عياض قال: أضجعه ووضع الشفرة، فاقلب جبريل الشفرة، فقال: يا أبت شدني فإني أخاف أن ينتضح عليك من دمي، ثم قال: يا أبت حلني فإني أخاف أن تشهد عليَّ الملائكة أني جزعت من أمر الله تعالى.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: أتى إبراهيم في النوم فقيل له: أوف بنذرك الذي نذرت.

إن الله رزقك غلاماً من سارة أن تذبحه.

فقال: يا إسحاق انطلق فقرب قرباناً إلى الله، فأخذ سكيناً وحبلاً ثم انطلق به، حتى إذا ذهب به بين الجبال قال الغلام: يا أبت أين قربانك؟

﴿ قال: يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى، قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين ﴾ قال له إسحاق: يا أبت اشدد رباطي حتى لا أضطرب، وأكفف عني ثيابك حتى لا ينضح عليها من دمي شيء، فتراه سارة فتحزن، وأسرع مر السكين على حلقي ليكون أهون للموت عليَّ فإذا أتيت سارة، فاقرأ عليها السلام مني.

فأقبل عليه إبراهيم بقلبه وهو يبكي، وإسحاق يبكي، ثم إنه جر السكين على حلقه، فلم تنحر، وضرب الله على حلق إسحاق صفيحة من نحاس، فلما رأى ذلك ضرب به على جبينه، وحز من قفاه.

وذلك قول الله: ﴿ فلما أسلما ﴾ يقول: سلما لله الأمر ﴿ وتله للجبين ﴾ فنودي يا إبراهيم ﴿ قد صدقت الرؤيا ﴾ بإسحاق، فالتفت فإذا هو بكبش، فأخذه وحل عن ابنه، وأكب عليه يقبله، وجعل يقول: اليوم يا بني وهبت لي.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: إن الله لما أمر إبراهيم بذبح ابنه قال له: يا بني خذ الشفرة فقال الشيطان: هذا أوان أصيب حاجتي من آل إبراهيم، فلقي إبراهيم متشبهاً بصديق له، فقال له: يا إبراهيم أين تعمد؟

قال: لحاجة قال: والله ما تذهب إلا لتذبح ابنك من أجل رؤيا رأيتها، والرؤيا تخطئ وتصيب، وليس في رؤيا رأيتها ما تذهب إسحاق، فلما رأى أنه لم يستفد من إبراهيم شيئاً؛ لقي إسحاق، فقال: أين تعمد يا إسحاق؟

قال: لحاجة إبراهيم قال: إن إبراهيم إنما يذهب بك ليذبحك فقال إسحاق: وما شأنه يذبحني، وهل رأيت أحداً يذبح ابنه؟

قال: يذبحك لله قال: فإن يذبحني لله أصبر والله لذلك أهل، فلما رأى أنه لم يستفد من إسحاق شيئاً جاء إلى سارة فقال: أين يذهب إسحاق؟

قالت: ذهب مع إبراهيم لحاجته فقال: إنما ذهب به ليذبحه فقالت: وهل رأيت أحداً يذبح ابنه؟

قال: يذبحه لله قالت: فإن ذبحه لله، فإن إبراهيم وإسحاق لله، والله لذلك أهل، فلما رأى أنه لم يستفد منهما شيئاً أتى الجمرة، فانتفخ حتى سد الوادي، ومع إبراهيم الملك فقال الملك: ارم يا إبراهيم، فرمى بسبع حصيات، يكبر في أثر كل حصاة، فأفرج له عن الطريق، ثم انطلق حتى أتى الجمرة الثانية، فانتفخ حتى سد الوادي فقال له الملك: ارم يا إبراهيم، فرمى بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، فافرج له عن الطريق، ثم انطلق حتى أتى الجمرة الثالثة، فانتفخ حتى سد الوادي عليه فقال له الملك: ارم يا إبراهيم فرمى بسبع حصيات، يكبر في أثر كل حصاة، فأفرج له عن الطريق حتى أتى المنحر.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إنما سميت تروية، وعرفة، لأن إبراهيم عليه السلام أتاه الوحي في منامه: أن يذبح ابنه، فرأى في نفسه أمن الله هذا، أم من الشيطان؟

فاصبح صائماً، فلما كان ليلة عرفة أتاه الوحي، فعرف أنه الحق من ربه، فسميت عرفة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلما أسلما ﴾ قال: أسلم هذا نفسه لله، وأسلم هذا ابنه لله ﴿ وتله ﴾ أي كبه لفيه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلما أسلما ﴾ قال: اتفقا على أمر واحد ﴿ وتله للجبين ﴾ قال: أكبه للجبين.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وتله للجبين ﴾ قال: أكبه على وجهه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وتله للجبين ﴾ قال: صرعه.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه قال: لما أراد إبراهيم أن يذبح ابنه قال: يا أبتاه خذ بناصيتي، واجلس بين كتفي حتى لا أؤذيك إذا مسني حر السكين، ففعل، فانقلبت السكين قال: ما لك يا أبتاه؟

قال: انقلبت السكين قال: فاطعن بها طعناً قال: فتثنت قال: ما لك يا أبتاه؟

قال: تثنت، فعرف الصدق، ففداه الله بذبح عظيم، وهو إسحاق.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وتله للجبين ﴾ قال: ساجداً.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح رضي الله عنه قال: لما أن وضع السكين على حلقه، انقلبت صارت نحاساً.

وأخرج عبد بن حميد عن عثمان بن حاضر قال: لما أراد إبراهيم أن يذبح ابنه إسحاق ترك أمه سارة في مسجد الخيف، وذهب بإسحاق معه، فلما بلغ حيث أراد أن يذبحه قال إبراهيم لمن كان معه: استأخروا مني، وأخذ بيد ابنه إسحاق، فعزله فقال: يا بني ﴿ إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى ﴾ قال له إسحاق: يا أبتِ ربي أمرك قال إبراهيم: نعم يا إسحاق.

قال إسحاق: ﴿ افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين، فلما أسلما ﴾ لأمر الله ﴿ وتله ﴾ قال إسحاق لأبيه: يا أبتِ أوثقتني لأطيش بك نودي ﴿ يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا ﴾ وهبط عليه الكبش من ثبير، وقد قيل: إنه ارتعى في الجنة أربعين سنة، فلما كشف عن إسحاق دعا ربه، ورغب إليه، وحمده، وأوحى إليه: أن أدع فإن دعاءك مستجاب، فقال: اللهم من خرج من الدنيا لا يشرك بك شيئاً فادخله الجنة.

قال ابن خاضر: إن إبراهيم كان قال لربه: يا رب أي ولدي أذبح؟

فأوحى الرب إليه: أحبهما إليك.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه: أن داود قال: يا رب إن الناس يقولون رب إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، فاجعلني لهم رابعاً.

فأوحى الله إليه: أن تلك بلية لم تصل إليك بعد.

إن إبراهيم لم يعدل بي شيئاً إلا اختارني، ووفى بجميع ما أمرته.

وإن إسحاق جاد لي بنفسه.

وإن يعقوب أخذت خاصته، غيبته عنه طول الدهر، فلم ييأس من روحي.

وأخرج سعد بن منصور وابن المنذر عن عطاء بن يسار رضي الله عنه قال: خرج إبراهيم عليه السلام بابنه إسماعيل وإسحاق عليهما السلام، فتمثل له الشيطان في صورة رجل، فقال له: أين تذهب؟

فقال إبراهيم: عليه السلام ما لك ولذلك...

!

اذهب في حاجتي قال: فإنك تزعم أنك تذهب بابنك فتذبحه قال: والله إن كان الله أمرني بذلك أني لحقيق أن أطيع ربي، ثم ذهب إلى ابنه وهو وراءه يمشي، فقال له: أين تذهب؟

قال: اذهب مع أبي فقال: إن أباك يزعم أن الله أمره بذبحك، فقال له مثل ما قال إبراهيم، ثم انطلق إبراهيم عليه السلام، حتى إذا كانوا على جبل قال لابنه ﴿ يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين ﴾ ويا أبت أوثقني رباطاً، لا ينتضح عليك من دمي، فقام إليه إبراهيم بالشفرة، فبرك عليه، فجعل ما بين ليته إلى منحره نحاساً لا تحيك فيه الشفرة، ثم إن إبراهيم التفت وراء، فإذا هو بالكبش فقال له: أي بني قم فإن الله فداك، فذبح إبراهيم الكبش، وترك ابنه، ثم إن إبراهيم عليه السلام قال: يا بني إن الله قد أعطاك بصبرك اليوم، فسل ما شئت تعطى قال: فإني أسأل الله أن لا يلقاه له عبد مؤمن به، يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلا غفر له وأدخله الجنة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن علي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وفديناه بذبح عظيم ﴾ قال: كبش أبيض، أعين، أقرن، قد ربط بسمرة في أصل ثبير.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وفديناه بذبح عظيم ﴾ قال: كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفاً.

وأخرج البخاري في تاريخه عن علي بن أبي طالب قال: هبط الكبش الذي فدى ابن إبراهيم من هذه الخيبة، على يسار الجمرة الوسطى.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الصخرة التي بمنى بأصل ثبير، هي التي ذبح عليها إبراهيم عليه السلام فدى ابنه إسحاق، هبط عليه من ثبير كبش أعين، أقرن، له ثغاء، وهو الكبش الذي قربه ابن آدم، فتقبل منه، وكان مخزوناً في الجنة حتى فدى به إسحاق عليه السلام.

وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والبيهقي في سننه عن امرأة من بني سليم قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن طلحة، فسألت عثمان لما دعاه النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال إني كنت رأيت قرني الكبش حين دخلت الكعبة، فنسيت أن آمرك أن تخمرهما فخمرهما فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلين» .

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: فدى الله إسماعيل عليه السلام بكبشين، أَمْلَحَيْنِ، أَقْرَنَيْنِ، أَعْيَنَيْنِ.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وفديناه بذبح عظيم ﴾ قال: بكبش متقبل.

وأخرج البغوي عن عطاء بن السائب رضي الله عنه قال: كنت قاعداً بالمنحر مع رجل من قريش، فحدثني القرشي قال: حدثني أبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «إن الكبش الذي نزل على إبراهيم في هذا المكان» .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وفديناه بذبح عظيم ﴾ قال: خرج عليه كبش من الجنة، وقد رعاها قبل ذلك أربعين خريفاً، فأرسل إبراهيم عليه السلام ابنه، واتبع الكبش، فأخرجه إلى الجمرة الأولى، فرماه بسبع حصيات، فأفلته عنده، فجاء الجمرة الوسطى، فأخرجه عندها، فرماه بسبع حصيات، ثم أفلته عند الجمرة الكبرى، فرماه بسبع حصيات، فأخرجه عندها، ثم أخذه، فأتى به المنحر من منى، فذبحه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: كان اسم كبش إبراهيم؛ جرير.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال له رجل: نذرت لأنحرن نفسي فقال ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ﴾ [ الأحزاب: 21] ثم تلا ﴿ وفديناه بذبحٍ عظيم ﴾ فأمره بكبش، فذبحه.

وأخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: من نذر أن يذبح نفسه فليذبح كبشاً، ثم تلا ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ﴾ .

وأخرج الديلمي عن ابن عباس رضي الله عنهما رفعه «لما فدى الله إسحاق من الذبح، أتاه جبريل عليه السلام، فقال: يا إسحاق إنه لم يصبر أحد من الأولين والآخرين، يشهد أن لا إله إلا الله فاغفر له.

سبقني أخي إسحاق عليه السلام إلى الدعوة» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾ أي: جعلنا الذبح فداء له وخلصناه من الذبح، والذبح مصدر ذبحت، والذبح ما يذبح.

واختلفوا في هذا الذبح، فقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد الكبش الذي تقرب به هابيل بن آدم إلى الله تعالى فقبله، وكان في الجنة يرعى حتى فدى الله به إسماعيل (١) (٢) وروى جعفر بن إياس (٣) (٤) وقال السدي: نودي إبراهيم فالتفت فإذا هو بكبش أملح انحط من الجبل، فقام عند ذلك إبراهيم فأخذه وذبحه وخلى عن ابنه، وأعتق ابنه وقال: يا بني اليوم وُهِبتَ لي.

قال: وبلغنا أن الكبش رعى في الجنة أربعين خريفاً (٥) وقال مقاتل: وكان رعى في الجنة أربعين سنة قبل أن يذبح وكان من غير نسل (٦) قال الحسن: ما فدى إسماعيل إلا بتيس من الأروى، انحط عليه من جبل ثبير (٧) (٨) وروي عن علي -  - أنه قال في قوله: (بذبح) قال: كبشٌ أعين أقرن أملح مربوط بسمرة في بثير (٩) (١٠) وقوله: ﴿ عَظِيمٍ ﴾ قال مجاهد: متقبل (١١) (١٢) (١) انظر: "الماوردي" 5/ 62، "البغوي" 4/ 35، "القرطبي" 15/ 107.

(٢) انظر: المصادر السابقة، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 152.

(٣) هو: جعفر بن إياس اليشكري البصري الواسطي، أحد الأئمة الحفاظ، حدَّث عن بشر بن ثابت والشعبي، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وطاووس وعن خلق غيرهم.

وعنه الأعمش وشعبة وأبو عوانة وشعبة الحجاج وغيرهم.

وثَّقه أبو حاتم وأبو زرعة وابن معين وغيرهم.

مات سنة 124 هـ وقيل 123، وقيل 125 هـ == انظر: "تهذيب الكمال" 5/ 5، "سير أعلام النبلاء" 5/ 465، "الطبقات الكبرى" 7/ 253.

(٤) انظر: "الماوردي" 5/ 62، "البغوي" 4/ 35، "القرطبي" 15/ 107، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 152 كلهم عن ابن عباس.

(٥) لم أقف عليه عن السدي.

(٦) "تفسير مقاتل" 113 أ.

(٧) ثبير: جبل بمكة يشرف على مني.

انظر: "معجم البلدان" 2/ 73.

(٨) انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 247 ب، "البغوي" 4/ 35، "القرطبي" 15/ 107، "زاد المسير" 7/ 77، "ابن كثير" 4/ 16، "مجمع البيان" 8/ 708.

(٩) انظر: "الطبري" 23/ 86، "تفسير ابن كثير" 6/ 14.

(١٠) انظر: المصادر السابقة، "تفسير الثعلبي" 3/ 247 ب.

وقد أورد هذا الأثر السيوطي في "الدر المنثور" 7/ 105، وعزاه لأحمد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعبه عن ابن عباس.

(١١) "تفسير مجاهد" ص 545.

(١٢) انظر: "الطبري" 23/ 87، "تفسير الثعلبي" 3/ 247 ب، "زاد المسير" 7/ 77.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصالحين ﴾ يعني ولداً من الصالحين ﴿ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ ﴾ أي عاقل واختلف الناس في هذا الغلام المبشر به في هذا الموضع وهو الذبيح، هل هو إسماعيل أو إسحاق؟

فقال ابن عباس وابن عمر وجماعة من التابعين هو إسماعيل: وحجتهم من ثلاثة أوجه الأول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أنا ابن الذابحين يعني إسماعيل عليه السلام، ووالده عبد الله، حين نذر والده عبد المطلب أن ينحر أحد أولاده وأصابت القرعة عبد الله إن يسر الله له أمر زمزم، ففداه بمائة من الإبل والثاني أن الله تعالى قال بعد تمام قصة الذبيح ﴿ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ ﴾ فدل ذلك على أن الذبيح غيره والثالث أنه روي أنه إبراهيم جرت له قصة الذبح بمكة، وإنما كان معه بمكة إسماعيل.

وذهب عليّ بن أبي طالب وابن مسعود وجماعة من التابعين إلى أن الذبيح إسحاق وحجتهم من وجهين الأول أن البشارة المعروفة لإبراهيم بالوادي إنما كانت بإسحاق لقوله: ﴿ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ ﴾ ومن وراء إسحاق يعقوب، والثاني أنه روي أن يعقوب كان يكتب من يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح الله.

﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السعي ﴾ يريد بالسعي هنا العمل والعبادة، وقيل: المشي وكان حينئذ ابن ثلاثة عشرة سنة ﴿ قَالَ يابني إني أرى فِي المنام أَنِّي أَذْبَحُكَ ﴾ يحتمل أن يكون رأى في المنام الذبح وهو الفعل، أو أمر في المنام أن يذبحه، والأول أظهر في اللفظ هنا، والثاني أظهر في قوله: ﴿ افعل مَا تُؤمَرُ ﴾ ورؤيا الأنبياء حق، فوجب عليه الامتثال على الوجهين ﴿ فانظر مَاذَا ترى ﴾ إن قيل: لم شاوره في أمر هو حتم من الله؟

فالجواب: أنه لم يشاوره ليرجع إلى رأيه، ولكن ليعلم ما عنده فيثبت قلبه ويوطن نفسه على الصبر، فأجابه بأحسن جواب ﴿ فَلَمَّا أَسْلَمَا ﴾ أي إستسلما وانقيادا لأمر الله ﴿ وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾ أي صرعه بالأرض على جبينه وللإنسان جبينان حول الجبهة، وجواب لما محذوف عند البصريين تقديره، فلما أسلما كان ما كان من الأمر العظيم، وقال الكوفيون: جوابها تله والواو زائدة، وقال بعضهم: جوابها: ناديناه والواو زائدة ﴿ قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيآ ﴾ يحتمل أنه يريد بقلبك أي كانت عندك رؤيا صادقة فعملت بحسبها، ويحتمل أن يريد بعملك أي وفيت حقها من العمل، فإن قيل: إنه أمر بالذبح ولم يذبح، فكيف قيل له: صدقت الرؤيا؟

فالجواب أنه قد بذل جهده إذ قد عزم على الذبح ولو لم يَفْدِه الله لذبحه، ولكن الله هو الذي منعه من ذبحه لما فداه، فامتناع ذبح الولد إنما كان من الله وبأمر الله، وقد مضى إبراهيم ما عليه ﴿ البلاء المبين ﴾ الذي يظهر به طاعة الله أو المحنة البينة الصعوبة.

﴿ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾ الذبح اسم لما يذبح، وأراد به هنا الكبش الذي فدى به، وروي أنه من كباش الجنة، وقيل: إنه الكبش الذي قرب به ولد آدم، ووصفه بعظيم لذلك، أو لأنه من عند الله أو لأنه متقبل، وروي في القصص أن الذبيح قال لإبراهيم: أشدد رباطي لئلا أضطرب، وأصرف بصرك عني لئلا ترحمني، وأنه أمر الشفرة على حلقه فلم تقطع، فحينئذ جاء الكبش من عند الله، وقد أكثر الناس في قصص هذه الآية وتركناه لعدم صحته ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين ﴾ إن قيل: لم قال هنا في قصة إبراهيم كذلك دون قوله إنا، وقال في غيرها إنا، فالجواب أنه قد تقدم في قصة إبراهيم نفسها، إنا كذلك فأغنى عن تكرار أنا.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يزفون ﴾ بضم الياء وكسر الزاي: حمزة.

الباقون: بفتح الياء ﴿ إني أرى ﴾ ﴿ إني أذبحك ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابو عمرو.

﴿ وترى ﴾ بضم التاء وكسر الراء: علي وخلف وحمزة.

﴿ ستجدني ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع ﴿ وإن إلياس ﴾ موصولاً كهمزة الوصل: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

الآخرون: بكسر الهمزة ﴿ الله ربكم ورب ﴾ بالنصب في ثلاثتها على البدل: سهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد والمفضل.

الباقون: برفعها على الابتداء والخبر.

﴿ آل ياسين ﴾ ابن عامر ونافع ورويس.

الآخرون ﴿ إلياسين ﴾ كأنه جمع إلياس ﴿ لكاذبون اصطفى ﴾ موصلاً والابتداء بكسر الهمزة: يزيد وإسماعيل والأصبهاني عن ورش الباقون: بفتحها في الحالين.

الوقوف: ﴿ لإبراهيم ﴾ ه ط لأن التقدير "واذكر".

وجوز في الكشاف أن يتعلق الظرف بما في الشيعة من معنى المتابعة فلا وقف ﴿ سليم ﴾ ه ﴿ تعبدون ﴾ ه ج للابتداء بالاستفهام مع اتحاد المقول ﴿ تريدون ﴾ ه ط لاستفهام آخر ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ في النجوم ﴾ ه لا للفاء واتحاد المعنى ﴿ سقيم ﴾ ه ﴿ مدبرين ﴾ ه ﴿ تأكلون ﴾ ه ج للاستفهام مع الاتحاد كما مر ﴿ لا تنطقون ﴾ ه ﴿ باليمين ﴾ ه ﴿ يزفون ﴾ ه ﴿ تنحتون ﴾ ه لا لأن الواو للحال ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ في الجحيم ﴾ ه ﴿ الأسفلين ﴾ ه ﴿ سيهدين ﴾ ه ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ حليم ﴾ ه ﴿ ماذا ترى ﴾ ط ﴿ ما تؤمر ﴾ ز للسين مع اتصال المقول ﴿ الصابرين ﴾ ه ﴿ للجبين ﴾ ه ج لاحتمال أن الواو مقحمة ﴿ وناديناه ﴾ جواب "لما"، ولاحتمال أن الجواب محذوف أي قبلنا منه وناديناه ﴿ يا إبراهيم ﴾ ه لا ﴿ الرؤيا ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده داخل في حكم النداء أو مستأنف ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ في الآخرين ﴾ ه لا ﴿ إبراهيم ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ إسحق ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ وهارون ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ العظيم ﴾ ه ج لذلك ﴿ الغالبين ﴾ ه لا ﴿ المستبين ﴾ ه ج ﴿ المستقيم ﴾ ه ج ﴿ في الآخرين ﴾ ه لا ﴿ وهارون ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه لا وجه صحيح وإن لم يكن مقصوداً فلهذا لم يكن الوقف لازماً.

﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ الخالقين ﴾ ه لا لمن قرأ ﴿ الله ﴾ بالنصب ﴿ الأوّلين ﴾ ه ﴿ لمحضرون ﴾ ه ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ في الآخرين ﴾ ه لا ﴿ الياسين ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه لا ﴿ الغابرين ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه ﴿ مصبحين ﴾ ه لا ﴿ وبالليل ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه لا ﴿ المشحون ﴾ ه لا ﴿ المدحضين ﴾ ه ج لحق المحذوف مع الفاء ﴿ مليم ﴾ ه ﴿ من المسبحين ﴾ ه لا ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ سقيم ﴾ ه ج ﴿ يقطين ﴾ ه ج ﴿ أو يزيدون ﴾ ه ط ﴿ إلى حين ﴾ ه ط ﴿ البنون ﴾ ه ط ﴿ شاهدون ﴾ ه ﴿ ليقولون ﴾ ه لا ﴿ ولد الله ﴾ لا تعجيلاً لتكذيبهم ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ البنين ﴾ ه ط لابتداء استفهام آخر ﴿ تحكمون ﴾ ه ﴿ تذكرون ﴾ ه ج لأن "أم" تصلح استئنافاً ﴿ مبين ﴾ ه لا لتعجيل أمر التعجيز ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ نسباً ﴾ ط ﴿ لمحضرون ﴾ ه لا لتعلق الاستثناء و ﴿ سبحان الله ﴾ معترض ﴿ يصفون ﴾ ه ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ تعبدون ﴾ ه لا ﴿ بفاتنين ﴾ ه لا ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ معلوم ﴾ ه ﴿ الصافون ﴾ ه ج للعطف مع الاتفاق ﴿ المسبحون ﴾ ه ج ﴿ ليقولون ﴾ ه لا ﴿ من الأوّلين ﴾ ه لا ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه لأن ما بعده يصلح ابتداء مقولاً للكلمة ﴿ المنصورون ﴾ ه ص لعطف الجملتين المفقتين ﴿ الغالبون ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه لا للعطف ولشدة اتصال المعنى ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ يستعجلون ﴾ ه ﴿ المنذرين ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه لا ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ عما يصفون ﴾ ه ج لعطف جملتين مختلفتين ﴿ المرسلين ﴾ ه ج للابتداء بالحمد الذي به يبتدأ الكلام وإليه ينتهي مع اتفاق الجملتين ﴿ العالمين ﴾ ه.

التفسير: الضمير في ﴿ شيعته ﴾ يعود إلى نوح والمراد أن إبراهيم ممن شايع نوحاً على أصول الدين أو على التصلب في الدين.

وقال الكلبي: واختاره الفراء إنه يعود إلى محمد أي هو على منهاجه ودينه وإن كان إبراهيم سابقاً والأوّل لتقدّم ذكر نوح.

ولما روي عن ابن عباس معناه من أهل دينه وعلى سنته وما كان بين نوح وإبراهيم إلا نبيان: هود وصالح، وبين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة.

ومعنى ﴿ جاء ربه ﴾ أقبل بقلبه على الله وأخلص العمل له.

والقلب السليم قد مرّ في "الشعراء".

ثم ذكر من جملة آثار سلامة قلبه أن دعا أباه وقومه إلى التوحيد.

ومعنى ﴿ ماذا تعبدون ﴾ أي شيء تعبدونه كقوله في "الشعراء" ﴿ وما تعبدون  ﴾ سألهم عن جنس معبوديهم ثم وبخهم على ذلك بقوله ﴿ أئفكاً ﴾ هو مفعول له قدم للعناية كما قدم المفعول به على الفعل لذلك فإنه كان الأهم عنده أن يكافحهم ويعنفهم على شركهم وأنهم على إفك وباطل.

ويجوز أن يكون ﴿ إفكاً ﴾ حالاً معنى أو مفعولاً به ﴿ آلهة ﴾ بدل منه على أنها إفك في أنفسها.

﴿ فما ظنكم برب العالمين ﴾ حتى جعلتم الجمادات أنداداً له أو حسبتم أنه يهمل أمركم ولا يعاقبكم، وفيه أنه لا يقدر في وهم ولا ظن ما يصدر عن عبادته.

وفي قوله ﴿ إني سقيم ﴾ قولان: الأوّل أنه صدر منه كذباً لمصلحة رأى فيه، ولما جاء في الحديث "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات: قوله: ﴿ إني سقيم ﴾ وقوله ﴿ بل فعلهم كبيرهم ﴾ وقوله لسارة إنها أختي" وقد سبق تقرير ذلك في الأنبياء.

والثاني وهو الأقوى أنه كلام صادق لأن الكذب قبيح وإن اشتمل على مصلحة.

وأما الحديث فنسبه الراوي إلى الكذب أولى من نسبة نبي الله إلى ذلك.

وفي التوجيه وجوه: الأوّل إن النظر في النجوم يريد به النظر في علم النجوم وأحكامها وكتبها وذلك ليس بحرام ولا سيما في ذلك الشرع فليس فيه إلا اعتقاد أنه  خص كل واحد من الكواكب بقوّة وخاصية يظهر بها منه أثر مخصوص، والإنسان لا نيفك في أكثر أحواله عن حصول حالة مكروهة له، إما في بدنه أو في قلبه، فلعل به سقماً كالحمى الثابتة، أو أراد سيسقم لأمارة نجومية، أو أراد به الموت الذي يلحقه لا محالة ولا داء أعي منه.

الثاني: أن المراد بالنجوم ما جاء في قوله ﴿ فلما جن عليه الليل رأى كوكباً ﴾ إلى آخر الآية.

أي نظر فيها ليعرف أحوالها وأنها قديمة أو محدثة.

وقوله ﴿ إني سقيم ﴾ أي سقيم القلب غير عارف بربي وكان ذلك قبل البلوغ، أو سقيم النفس لكفركم.

الثالث: إن النجوم النبات أي فنظر فيها متحرياً منها ما فيه شفاء لسقمهم وهمهم أن به ذلك وكان به.

وقال الأزهري عن أحمد بن يحيى: النجوم جمع نجم وهو كل ما تفرق ومنه نجوم الكتابة أي نظر في متفرقات كلامهم وأحوالهم حتى يستخرج منه حيلة فلم يجد عذراً أحسن من قوله ﴿ إني سقيم ﴾ قال المفسرون: كان الطاعون أغلب الأسقام عليهم فظنوا أن به ذلك فتركوه في بيت الأصنام مخافة العدوى وهربوا إلى عيدهم وذلك قوله  ﴿ فتولوا عنه مدبرين فراغ إلى آلهتهم ﴾ ذهب إليها في خفية حتى لا يرى فكأنه رجع إليها مراوغاً قومه من روغان الثعلب.

وقيل: راغ بقوله ﴿ إني سقيم ﴾ حتى خلا بها وسماها آلهة على زعمهم.

وقوله ﴿ ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون ﴾ استهزاء بها وكان عندها طعام زعموا أنها تأكل منه.

وقيل: وضع الطعام ليبارك فيه.

وروى أن سدنتها كانوا يأكلون ما يوضع عندها من الطعام وينطقون عند الضعفة عن لسانها يوهمون أنها تأكل وتنطق.

وإنما جاء في هذه السورة ﴿ فقال ألا تأكلون ﴾ بالفاء وفي "الذاريات" ﴿ قال ألا تأكلون ﴾ بغير الفاء لأنه قصد من أول الأمر تقريع من زعم أنها تأكل وتشرب، وفي الذاريات" يستأنف تقديره: قربه إليهم فلم يأكلوها فلما رآهم لا يأكلون فقال ألا تأكلون.

﴿ فراغ عليهم ﴾ عداه بعلى لأن الميل الأول كان على سبيل الرفق استهزاء، وهذا كان بطريق العنف والقهر وهذا كما يقال في المحبوب: مال إليه.

وفي المكروه: مال عليه.

وقوله ﴿ ضرباً ﴾ مصدر راغ من غير لفظه أو لفعل محذوف أو حال أي بضرب ضرباً أو ضارباً.

ومعنى ﴿ باليمين ﴾ اي باليد اليمنى لأنها أقوى على الأعمال أو باقوّة مجازاً، أو بسبب الحلف وهو قوله ﴿ تالله لأكيدن أصنامكم ﴾ ﴿ فأقبلوا إليه ﴾ أي إلى إبراهيم ﴿ يزفون ﴾ بمشون على سرعة.

وزفيف النعامة ابتداء عدوها.

ومن قرأ بضم الياء فإما لازم من أزف إذا صار إلى حال الزفيف، أو متعدٍ والمفعول محذوف أي يزفون دوابهم أو بعضهم بعضاً وقد مر نظيره في التوبة في قوله ﴿ ولأوضعوا خلالكم  ﴾ قال بعض الطاعنين، قوله ﴿ فأقبلوا إليه ﴾ دل على أنهم عرفوا كاسر أصنامهم.

وقوله في "الأنبياء" ﴿ أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم  ﴾ دل على أنهم لم يعرفوا الكاسر فبينهما تناقض.

وأجيب بأن هؤلاء غير أولئك فالذين عرفوه ذهبوا إليه مسرعين، والذين لم يعرفوه بعد استخبروا عنه.

على أن قوله ﴿ فأقبلوا إليه ﴾ لا دلالة له على أنهم عرفوا أن الكاسر هو إبراهيم فلعلهم أقبلوا إليه لأجل السؤال عن الكاسر.

وحين عاتبوه على فعله أراد أن يبين لهم فساد طريقتهم فـ ﴿ ـقال أتعبدون ما تنحتون ﴾ وذلك أن الناحت لم يحدث فيه إلا صورة معينة فيكون معناه أن الشيء الذي لم يكن معبوداً لي صار بسبب تصرفي فيه معبوداً لي وفساد هذا معلوم بالبديهة، احتج جمهور الأشاعرة بقوله ﴿ والله خلقكم وما تعملون ﴾ على أن العبد ليس خالق أعماله لأن المعنى خلقكم وأعمالكم.

وزيف بأن "ما" موصولة لتناسب قرينتها في قوله ﴿ ما تنحتون ﴾ وليتوجه التوبيخ ولكيلا يلزم التناقض فإن النحت عملهم.

والصحيح أن الآية كقوله ﴿ بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن  ﴾ أي فطر الأصنام: ثم إن إبراهيم لما ألقمهم الحجر بهذا القول وألزمهم عدلوا إلى طريقة الإيذاء و ﴿ قالوا ابنوا له بنياناً ﴾ قال ابن عباس: بنوا حائطاً من حجارة طوله في السماء ثلاثون ذراعاً وعرضه عشرون.

وتقدير الآية: ابنوا له بنياناً واملؤه ناراً وألقوه فيها.

والجحيم النار العظيمة.

ومعنى الفاء في قوله ﴿ فأرادوا ﴾ كقوله ﴿ أهلكناها فجاءها بأسنا  ﴾ كأنه قيل: فبنوا البنيان وملؤه ناراً وألقوه فنجيناه منها.

وقد صح أنهم أرادوا به كيداً ﴿ فجعلناهم الأسفلين ﴾ الأذلين وأما في الأنبياء فلم يقصد هذا الترتيب فاقتصر على الواو العاطفة.

وإنما اختصت هذه السورة بقوله ﴿ الأسفلين ﴾ لأنه ذكر أنهم بنوا بنياناً عالياً فكان ذكر السفل في طباقه أنسب.

ثم ذكر بقية قصة إبراهيم وقوله ﴿ إني ذاهب إلى ربي ﴾ كقوله في "العنكبوت" ﴿ إني مهاجر إلى ربي  ﴾ وإنما حكم بقوله ﴿ سيهدين ﴾ ربي إلى ما فيه صلاحي في الدارين اعتماداً على فضل الله أو عرف ذلك بالوحي.

وحين هاجر إلى الرض المقدسة أراد الولد فقال ﴿ رب هب لي من الصالحين ﴾ والله  بين استجابته بقوله ﴿ فبشرناه بغلام حليم ﴾ وصف الغلام بالعلم في سورة الحجر وبالحلم ههنا.

فذهب العلماء إلى أنه أراد بغلام عليم في صغره حليم في كبره، فإن الصبي لا يوصف بالحلم ومن هنا انطوت البشارة على معان ثلاثة: أحدها أن الولد ذكر، والثاني أنه يبلغ أوان الحلم، والثالث أنه يكون حليماً، وأيّ حلم أعظم من استمساكه حين عرض أبوه عليه الذبح فقال ﴿ ستجدني إن شاء الله من الصابرين ﴾ وفيه أن ولده قائم مقامه في الشرف والفضيلة فوصفه بالحلوم كما وصف به إبراهيم في قوله ﴿ إن إبراهيم لحليم أوّاه منيب  ﴾ .

وقيل: العليم إسحق لقوله ﴿ فأقبلت امرأته في صرة  ﴾ والحليم إسماعيل.

ثم حكى حديث ذبحه قائلاً ﴿ فلما بلغ معه السعي ﴾ أي قوي على أن يمشي مع أبيه في حوائجه.

والظرف بيان كأنه قال أوّلاً ﴿ فلما بلغ السعي ﴾ فقيل: مع من؟

فأجيب مع أبيه.

ولا يجوز تعلقه بالسعي لأن صلة المصدر لا تتقدّم عليه ولا بقوله ﴿ بلغ ﴾ لأنهما لم يبلغا معاً حد السعي - والمعنى في اختصاص الأب إخراج الكلام مخرج الأغلب.

وقال جار الله: السبب فيه أن الأب أرفق الناس به وأعطفهم عليه وغيره ربما عنف به في الاستسعاء فلا يحتمله لأنه لم تستحكم قوته.

يروى أنه كان يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة وقيل أراد السعي في المنافع وفي طاعة الله.

اعلم أن الناس اختلفوا في الذبيح، فعن أبي بكر الصديق وابن عباس وابن عمر ومحمد بن كعب وسعيد بن المسيب وعكرمة ومجاهد والضحاك أنه إسماعيل لقوله  "أنا ابن الذبيحين" فأحدهما جده إسماعيل والآخر أبوه عبد الله.

وذلك أن عبد المطلب نذر إن بلغ بنوه عشرة أن يذبح واحداً منهم تقرباً، فلما كملوا عشرة أتى بهم البيت وضرب عليهم بالقداح فخرج قدح عبد اتلله فمنعه أخواله ففداه بعشرة من الإبل، ثم ضرب عليه وعلى الإبل فخرج قدحه ففداه بعشرة أخرى، وضرب مرة أخرى فخرج قدحه وهكذا يزيد عشرة عشرة إلى أن تمت مائة فخرج القدح على الجزر فنحرها وسن الدية مائة.

وفي رواية أن أعرابياً قال للنبي  "يا ابن الذبيحين".

فتبسم فسأل عن ذلك فقال: إن عبد المطلب لما حفر بئر زمزم نذر الله لئن سهل الله له أمرها ليذبحن أحد ولده.

فخرج السهم على عبد الله فمنعوه ففداه بمائة من الإبل.

حجة أخرى: نقل عن الأصمعي أنه قال: سألت ابا عمرو بن العلاء عن الذبيح فقال: يا أصمعي أين عقلك؟

ومتى كان إسحق بمكة وإنما كان إسماعيل وهو الذي بنى البيت مع أبيه وسن النحر بمكة.

وحجة أخرى: وصف إسماعيل بالصبر في قوله ﴿ وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين  ﴾ وهو صبره على الذبح في قوله ﴿ ستجدني إن شاء الله من الصابرين ﴾ ووصفه بصدق الوعد ﴿ إنه كان صادق الوعد  ﴾ وذلك أنه وعد أباه الصبر على قضاء الله أو على الذبح فوفى به.

أخرى: ﴿ ومن وراء إسحق يعقوب  ﴾ فيمن قرأ بالنصب لأنه إذا بشر بالولد من صلبه علم أنه لم يؤمر بذبحه.

أخرى: أجمعوا على أن إسماعيل مقدم في الوجود على إسحق فهو المراد بقوله ﴿ رب هب لي من الصالحين ﴾ ثم إنه ذكر عقيبة قصة الذبح.

وأيضاً قوله ﴿ وبشرناه بإسحق ﴾ يجب أن يكون غير قوله ﴿ فبشرناه بغلام حليم ﴾ وإلا لزم التكرار.

حجة أخرى: ان قرني الكبش كانا ميراثاً لولد إسماعيل عن أبيهم وكانا معلقين بالكعبة إلى أن احترق البيت في أيام ابن الزبير والحجاج.

وعن علي وابن مسعود وكعب الأحبار وإليه ذهب أهل الكتاب أن الذبيح إسحق لما روي أن النبي  سئل اي النسب أشرف؟

فقال: يوسف صديق الله ابن يعقوب إسرائيل الله ابن إسحق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله.

وأجابوا عن قوله: ﴿ وبشرناه بإسحاق ﴾ أنه بشر بغلام أوّلاً ثم بنبوته ثانياً.

وايضاً صرح بالمبشر به في قوله ﴿ فبشرناه بإسحق  ﴾ وفي قوله ﴿ وبشرناه بإسحق ﴾ فيحمل عليه المبهم في قوله ﴿ فبشرناه بغلام ﴾ وأيضاً لا نسلم أن البشارة بيعقوب كانت متصلة ببشارة إسحق اعتباراً بقراءة من قرأ ﴿ يعقوب  ﴾ بالرفع.

وأيضاً أنهم أجمعوا على أن المراد من قوله ﴿ إني ذاهب إلى ربي ﴾ هو مهاجرته إلى الشام ثم قال ﴿ فبشرناه بغلام ﴾ فوجب أن يكون الغلام الحليم قد حصل له في الشام وذلك الغلام لم يكن إلا إسحق، لأن إسماعيل قد نشأ بمكة.

وكان الزجاج يقول: الله أعلم أيهما الذبيح.

ويتفرع على اختلاف المفسرين في الذبيح اختلافهم في موضع الذبح، فالذين قالوا إن الذبيح إسماعيل ذهبوا إلى أن الذبح كان بمنى وهذا أقوى، والذين قالوا إنه إسحق قالوا ان الذبح كان بالشام وخصه بعضهم ببيت المقدس.

إذا عرفت هذا الاختلاف فقوله ﴿ يا بني إني أرى في المنام ﴾ إنما قال بلفظ المستقبل لأنه كان يرى في منامه ثلاث ليال أو لأن رؤيا الأنبياء وحي ثانٍ فذكر تأويل الرؤيا كما يقول الممتحن وقد رأى أنه راكب سفينة: رأيت في المنام أني ناجٍ من هذه المحنة فكأنه قال: إني أرى في المنام ما يوجب أني أذبحك.

ويحتمل أن يكون حكاية ما رآه.

قال بعض المفسرين: رأى ليلة التروية كأن قائلاً يقول له: إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا فأصبح يروّي في ذلك أمن الله أو من الشيطان فسمي يوم التروية.

فلما أمسى رأى مثل ذلك فعرف أنه من الله فسمي عرفة، ثم رأى مثله في الثالثة فهمّ بنحره فسمي يوم النحر.

وقال بعضهم: حين بشره الملائكة بغلام حليم قال هو إذن ذبيح الله، فلما ولد وبلغ حد السعي مع أبيه قيل له: أوف بنذرك فانظر ماذا ترى هو من الرأي.

ومن قرأه من الإراءة فالمعنى ماذا تبصر من رأيك وتدبيرك.

وإنما شاوره في حتم من الله ليثبته إن جزع ويفرح بصبره إن ثبت ولئلا يقع الذبح معافصة من غير إعلام به وبسببه، وليكون سنة في المشاورة فقد قيل: لو شاور آدم الملائكة في الأكل من الشجرة لما فرط منه ذلك ﴿ قال يا أبت افعل ما تؤمر ﴾ أي به فحذف الجار كقوله: أمرتك الخير.

اي أمرتك بالخير أو أمرك على تسمية المأمور به بالمصدر ثم إضافته إلى المفعول: ﴿ فلما اسلما ﴾ أي انقادا وخضعا لأمر الله.

قال قتادة: اسلم هذا ابنه وهذا نفسه.

﴿ وتله ﴾ أي صرعه.

واللام في ﴿ للجبين ﴾ كهي في قوله ﴿ ويخرون للأذقان  ﴾ والجبين أحد جانبي الجبهة.

وقيل: كبه لوجهه لأن الولد قال له اذبحني وأنا ساجد.

يروى أنه حين أراد ذبحه قال: يا بنيّ خذ الحبل والمدية ننطلق إلى الشعب ونحتطب، فلما توسطا الشعب أخبره بما أمر فقال له: اشدد به رباطي لئلا اضطرب واكفف عني ثيابك لا ينتضح عليها شيء من دمي فينقص أجري وتراه أمي فتحزن، واشحذ شفرتك واسرع إمرارها على حلقي ليكون أهون فإن الموت شديد، واقرأ على أمي سلامي، وإن رأيت أن ترد قميصي على أمي فافعل فإنه عسى أن يكون اسهل.

فقال إبراهيم: نعم العون أنت يا بنيّ على أمر الله.

ثم اقبل عليه يقبله وقد ربطه وهما يبكيان فقال له: كبني على وجهي ولا تنظر إليّ حتى لا تدركك رقة تحول بينك وبين أمر الله.

قال جار الله: تقدير الكلام فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا كان ما كان مما ينطق به العيان ولا يحيط به البيان من استئثارهما بما أنعم الله عليهما من دفع البلاء وبما اكتسبا في تضاعيف ذلك من الثواب والثناء، وقد اشير إلى جميع ذلك بقوله ﴿ إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا ﴾ الأمر الذي قد وقع ﴿ لهو البلاء المبين ﴾ الذي يتميز فيه المخلص عن المدعى والمكروه الذي لا أصعب على النفس منه.

يروى أنه لما وصل موضع السجود منه الأرض جاء الفرج.

وقيل: إنه وضع السكين على قفاه فانقلب السكين وونودي يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا.

فنظر فإذا جبرائيل  معه كبش أقرن أملح فكبر جبرائيل والكبش وإبراهيم وابنه وأتى المنحر من منى فذبحه وذلك قوله  ﴿ وفديناه بذبح عظيم ﴾ والفداء جعل الشيء مكان غيره لدفع الضرر عنه،.

والذبح اسم لما يذبح كالطحن لما يطحن.

وقوله ﴿ عظيم ﴾ أي سمين ضخم الجثة بالقياس إلى أمثاله وهي السنة في الأضاحي.

قال  "استشرفوا ضحاياكم فإنها على الصراط مطاياكم" .

والاستشراف جعلها شريفة وكريمة.

وعن سعيد بن جبير: حق له أن يكون عظيماً وقد رعى في الجنة أربعين خريفاً.

وفي قول ابن عباس: إنه الكبش الذي قربه هابيل فقبل منه وكان يرعى في الجنة إلى أن فدى به إسماعيل.

وقيل: سمي عظيماً لعظم قدره حيث قبله الله  فداء عن ولد خليله.

وقيل: وصفه بالعظم لبقاء أثره إلى يوم القيامة فإنه ما من سنة إلا ويذبح بسبب ذلك من الأنعام مالا يحصيه إلا الله.

وعن الحسن: أنه وعل أهبط عليه من ثبير.

وقال السدّي: نودي إبراهيم فالتفت فإذا هو بكبش أملح ينحط من الجبل فقام عند إبراهيم  فذبحه وخلى ابنه.

استدل بعض الأصوليين من أهل السنة بالآية على جواز نسخ الحكم قبل حضور وقته.

وقالت المعتزلة.

وكثير من فقهاء الشافعية والحنفية بعدم الجواز لاستلزامه البداء أو الجهل، وزعموا أنه  أمر إبراهيم في المنام بمقدمات الذبح كاضجاع ابنه ووضع السكين على حلقه، والعزم الصحيح على الإتيان بذلك الفعل أوان ورود الأمر.

سلمنا أنه أمر بنفس الذبح لكن لم يجوز أنه قطع الحلقوم إلا أنه كان يلتئم جزءاً فجزءاً فلهذا قيل له ﴿ قد صدّقت الرؤيا ﴾ .

والفداء فضل من الله في حقه وتعظيم له بدلاً من عدم وقوع الذبح في الظاهر ولهذا قال ﴿ وفديناه ﴾ .

بإسناد الفداء إلى ذاته  .

والحق أن نسخ الحكم قبل وقته لا يدل على البداء والعبث كما أنه بعد الوقت لا يدل على ذلك فقد يكون غرض الآمر أن يعلم أن المأمور هل يعزم على الفعل ويوطن نفسه على الانقياد والطاعة أم لا.

وتصديق الرؤيا يكفي فيه الإتيان بمثل هيئة الذبح، فمن الرؤيا ما يكون تأويلها بالشبيه كرؤيا يوسف، والفداء زيادة تشريف وتكريم ووضع سنة مؤكدة.

وروي أن الكبش هرب من إبراهيم عند الجمرة فرماه بسبع حصيات حتى أخذه فبقيت سنة في الرمي.

وروي أنه لما ذبحه قال جبرائيل: الله أكبر الله أكبر.

فقال الولد الذبيح: لا إله إلا الله واله أكبر.

فقال إبراهيم: الله أكبر ولله الحمد.

فبقي سنة.

قوله ﴿ وتركنا ﴾ إلى قوله ﴿ المؤمنين ﴾ قد مر نظيره في قصة نوح إلا أنه لم يقل ههنا ﴿ في العالمين ﴾ اكتفاء بما علم في قصة نوح.

ولم يقل ههنا ﴿ إنا كذلك ﴾ بل اقتصر على ﴿ كذلك ﴾ لأنه سبق ذكر التأكيد في هذه القصة فلم يحتج إلى إعادته على أنه قد بقي من القصة شيء فناسب الاختصار في الاعتراض.

قوله ﴿ وبشرناه بإسحق ﴾ من جعل الذبيح إسماعيل قال: وبشرناه بإسحق بعد إسماعيل.

ومن جعل الذبيح إسحق قال بشر بنبوّته وقد كان بشر بمولده.

قوله ﴿ نبياً من الصالحين ﴾ كل منهما حال مقدرة من الفاعل أي بشرناه به مقدراً وعالماً وحاكماً بأنه نبي صالح.

وقد أطنب صاحب الكشاف في هذا المقام حيث بنى الكلام على أنه حال مقدرة من إسحق.

وهو عندي تطويل بلا طائل فليتأمل.

﴿ وباركنا عليه ﴾ قيل: أي على الغلام المبشر به.

قيل: على إبراهيم: ﴿ وعلى إسحق ﴾ اي أفضنا عليهما بركات الدين والدنيا.

ومن جملة ذلك ما روي أنه أخرج من صلب غسحق ألفي نبي أوّلهم يعقوب وآخرهم عيسى وهم المشار إليهم بقوله ﴿ ومن ذريتهما محسن ﴾ ويعلم من قوله ﴿ وظالم لنفسه ﴾ أن البر قد يلد الفاجر ولا عار على الأب، وأن الشرف بالحسب لا بالنسب.

وأما قصة موسى فلا خفاء بها.

والكرب العظيم تسلط فرعون وجفاؤه على قومه.

وقيل: الغرق.

والضمير في ﴿ نصرناهم ﴾ لها ولقومهما.

والمستبين البليغ في بيانه وهو التوراة بان وأبان واستبان بمعنى إلا أن الثالث أبلغ.

والصراط المستقيم دين الله الذي اشترك في أصوله جميع الرسل.

وأما إلياس فالجمهور على أنه نبي من بني إسرائيل بعث بعد موسى وكان من ولد هارون.

وقيل: هو إدريس النبي وقد مر ذكره في سورة مريم.

و"إذ" ظرف لمحذوف أي اذكر يا محمد لقومك ﴿ إذ قال لقومه ألا تتقون ﴾ الله.

قال الكلبي.

أي ألا تخافون عبادة غير الله.

وحين خوّفهم مجملاً ذكر سببه فقال ﴿ أتدعون ﴾ أي أتعبدون ﴿ بعلاً ﴾ وهم اسم صنم من ذهب كان ببعلبك من بلاد الشام طوله عشرون ذراعاً وله اربعة أوجه فتنوا به وعظموه حتى أخدموه أربعمائة سادن وجعلوهم أنبياءه، فكان الشيطان يدخل في جوف بعل ويتكلم بشريعة الضلالة والسدنة يحفظونها ويعلمونها الناس.

قال الإمام فخر الدين الرازي  : لو جوّزنا دخول الشيطان في جوف الصنم وتكلمه فيه لكان قادحاً في كثير من المعجزات كحنين الجذع وكلام الجمل.

قلت: هذا الوهم زائل بعد ثبوت النبوّة بمعجزات أخر.

وقيل: البعل الرب بلغة اليمن.

والمعنى أتبعدون بعض البعول وتتركون عبادة أحسن الخالقين.

ثم بين أجزاء تكذيبهم أنهم محضرون في العذاب غداً.

وباقي القصة ظاهر إلا قوله ﴿ إلياسين ﴾ فمن قرأ بالإضافة فعلى أن إدريس بن ياسين أي سلام على أهل ياسين.

وقيل: آل ياسين آل محمد  .

وقيل: يس اسم القرآن فكأنه قيل: سلام على من آمن بكتاب الله.

والوجه الأوّل هو أنسب الأقوال.

ومن قرأ على صورة الجمع فقد قال الفراء: أراد به إلياس وأتباعه من المؤمنين كقولهم المهلبون والأشعرون بتخفيف ياء النسبة.

وقيل: إنه لغة في إلياس.

قال الزجاج: يقال ميكائيل وميكائين فكذا ههنا.

حكى الثعلبي وغيره أن إلياس نبي من سبط هارون بعثه الله إلى بني إسرائيل وكان فيهم ملك يقال له "أحب" وله امرأة يقال لها "إزبيل" وكانت تبرز للناس كما يبرز زوجها وتجلس للحكم كما يجلس، فأتاهما إلياس ودعاهما إلى الله  فأبيا عليه وهما بقتله فاختفى منهما سبع سنين، وكان اليسع خليفته وآل أمره إلى أن أوحي إليه أن اخرج إلى موضع كذا فما جاءك فاركبه ولا تخف.

فجاء فرس من نار فوثب عليه وناداه خليفته اليسع بن أخطوب ما تأمرني؟

فرمى إلياس إليه بكسائه من الجوّ وكان ذلك عليه علامة استخلافه إياه على بني إسرائيل.

ورفع الله إلياس من بين أظهرهم وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وكساه الريش فكان إنسياً ملكياً أرضياً سماوياً.

وقيل: إلياس موكل بالفيافي كما وكل الخضر بالبحار، وهما آخر من يموت من بني آدم.

وكان الحسن يقول: قد هلك إليا والخضر ولا نقول كما يقول الناس.

وقصة لوط مذكورة مراراً.

ومعنى ﴿ مصبحين وبالليل ﴾ أن مشركي العرب كانوا مسافرين إلى الشأم فلعل أكثر مرورهم بتلك الديار كان في هذين الوقتين لأمر عارض كحر أو غيره.

وقصة يونس أيضاً مما سبق ذكرها، وفيها مزيد تسلية وتثبيت للنبي  قال بعضهم: إنه أرسله ملك زمانه إلى أولئك القوم ليدعوهم إلى الله  .

فالإباق وهو هرب العبد من سيده لا يوجب العصيان، والأظهر أن قوله ﴿ وإن يونس لمن المرسلين ﴾ مذكور في معرض التعظيم على قياس أوائل سائر القصص، ولن يفيد هذه الفائدة إلا إذا كان الإرسال من الله  .

وأما الجواب عن إباقة فقد مر في قوله ﴿ وذا النون إذ ذهب مغاضباً  ﴾ قوله ﴿ المشحون ﴾ كالعلة لقوله ﴿ فساهم ﴾ والمساهمة المقارعة.

يقال: أسهم القوم إذا اقترعوا.

قال المبرد: هي من السهام التي تجال للقرعة، والمدحض المغلوب في الحجة وغيرها وحقيقته الذي أزلق عن مقام الظفر والغلبة.

يروى أنه حين غضب على قومه خرج من بينهم حتى بحر الروم ووجد سفينة مشحونة فحملوه فيها، فلما وصلت إلى لجة البحر أشرفت على الغرق فقال الملاحون: إن فيكم عاصياً وإلا لم يحصل في السفينة ما رناه من غير ريح ولا سبب ظاهر.

وقد يزعم أهل البحر أن السفينة إذا كان فيها آبق لا تجري فاقترعوا فخرج من بينهم يونس.

فقال التجار: نحن أولى بالمعصية من نبي الله.

ثم عادوا ثانياً وثالثاً فخرج سهمه فقال: يا هؤلاء أنا العاصي ورمى نفسه إلى الماء.

﴿ فالتقمه الحوت ﴾ أي ابتلعه كاللقمة ﴿ وهو مليم ﴾ داخل في الملامة ومنه المثل: رب لائم مليم.

أي يلوم غيره وهو أحق منه باللوم ﴿ فلولا أنه كان من المسبحين ﴾ قيل: أي من المصلين.

قيل: أي من المصلين.

عن قتادة: كان كثير الصلاة في الرخاء.

وقيل: من الذاكرين الله كثيراً بالتسبيح والتقديس كما قيل: اذكر الله في الخلوات يذكرك في الفلوات.

والأظهر أن المراد منه ما حكى الله تعالى في آية أخرى أنه كان يقول في تلك الظلمات ﴿ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين  ﴾ .

والضمير في ﴿ يبعثون ﴾ للخلائق بالقيرنة وقوله ﴿ للبث ﴾ في أقوال: أحدها: يبقى هو والحوت إلى يوم البعث.

والثاني يموت الحوت ويبقى هو في بطنه.

والثالث يموتان ثم يحشر يونس من بطنه.

واختلفوا في مدّة لبثه في بطن الحوت، فعن الحسن أنه لم يلبث إلا قليلاً.

وقيل: ثلاثة ايام.

وعن عطاء: سبعة.

وعن الضحاك: عشرون.

وقال الكلبي: أربعون.

روي أن الحوت سار مع السفينة رافعاً راسه يتنفس فيه يونس ويسبح ولم يفارقهم حتى انتهوا إلى البر فلفظه بالعراء وهو المكان الخالي لا شجر فيه ولا شيء يغطيه.

عن أبي هريرة عن النبي  أنه قال "سبح يونس في بطن الحوت فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا ربنا إنا لنسمع صوتاً ضعيفاً بأرض غريبة.

فقال: نعم ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر فقالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح.

قال: نعم فشفعوا له فأمر الحوت فقذفه في الساحل" وحكي في بعض التفاسير وإن لم يطابقه رأي أصحاب المسالك كل المطابقة أن الحوت أخرجه إلى نيل مصر ثم إلى بحر فارس ثم إلى البطائح ثم دجلة فلفظه بأرض نصيبين لم تنله آفة إلا أن بدنه عاد كبدن الصبي حين يولد، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين وذلك كالمعجزة له.

قال المبرد والزجاج: هو "يفعيل" من قطن بالمكان إذا أقام به فيشمل كل شجرة لا تقوم على ساق كالدباء والبطيخ إلا أن المفسرين خصصوه بالدباء قالوا: لأن الذباب لا يجتمع عنده وقيل لرسول الله  : إنك لتحب القرع.

قال: أجل هي شجرة أخي يونس.

قال الواحدي: في الآية دلالة أوّلاً على أن اليقطين لم يكن من قبل فأنبته الله لأجله.

والآخر أن اليقطين كان قائماً بحيث يحصل له ظل.

قلت: الثاني مسلم إلا أن الأول ممنوع إن أراد به النوع وإن أراد به الشخص فمسلم.

وقيل: هي التين.

وقيل: هي شجرة الموز تغطى بورقها واستظل بأغصانها واغتذى من ثمارها.

وروي أنه كان يستظل بالشجرة وكانت وعلة تأتيه فيشرب من لبنها.

وروي أنه مر زمان على الشجرة فيبست فبكى جزعاً فأوحى إليه: بكيت على شجرة ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون فرجع إلى قومه.

وقد سبق في سورة يونس باقي التفسير و"أو" في قوله ﴿ أو يزيدون ﴾ ليست للشك وإنما المراد وصفهم بالكثرة في مرأى الناظر أي إذا رآها الرائي قال هي مائة ألف أو أكثر.

ومن هذا التأويل يتضح وجه العطف من حيث المعنى كأنه قيل: وأرسلناه إلى جم غفير مقول فيهم إنهم مائة ألف أو يزيدون.

وقيل: التقدير وأرسلناه إلى مائة ألف وارسلناه إلى قوم ثزيدون في الإيهام.

وكم الزائد؟

قيل: ثلاثون ألفاً.

عن ابن عباس.

وقيل: بضعة وثلاثون.

وقيل: بضعة وأربعون.

وقيل: سبعون.

وجاء مرفوعاً عشرون الفاً.

ويحتمل أن يراد أو يزيدون في مرور الزمان لأنه يبقى فيهم مدة كما قال ﴿ فآمنوا فمتعناهم إلى حين ﴾ هو انقضاء آجالهم.

وقيل: القيامة وقد مر.

ثم عطف قوله ﴿ فاستفتهم ﴾ على مثله في أول السورة.

والوجه فيه أنه أمر رسوله باستفتاء قريش عن سبب إنكار البعث، ثم ساق الكلام متصلاً بعضه ببعض على ما عرفت في أثناء التفسير، ثم أمره باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزى حين أضافوا البنات إلى الله  قائلين الملائكة بنات الله مع كراهتهم التامة لهن ورغبتهم الوافرة في البنين.

وحين استفتاهم على سبيل التوبيخ شرع في تزييف معتقدهم بقسمة عقلية وذلك أن سند الدعوى إما أن يكون حساً أو خبراً أو نظراً.

أما الحس فمفقود لأنهم ما شاهدوا كيفية تخليق الله الملائكة وهو المراد من قوله ﴿ أم خلقنا الملائكة إناثاً وهم شاهدون ﴾ وأما الخبر فكذلك لأن الخبر إنما يفيد العلم إذا علم أنه صدق قطعاً وهؤلاء كذابون أفاكون وأشار إليه بقوله ﴿ ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون ﴾ وأما النظر فمفقود أياضً وبيانه من وجهين: الأول أن دليل العقل يقتضي فساده لأنه  أكمل الموجودات والأكمل لا يليق به اصطفاء الأخس لأجل نفسه وذلك قوله ﴿ أَصطفى البنات على البنين ما لكم كيف تحكمون ﴾ من قرا اصطفى بفتح الهمزة فلأنه استفهام بطريق الإنكار وقد حذفت همزة الوصل للتخفيف، ومن قرأ بكسرها على الإخبار جعله من جملة كلام الكفرة.

الثاني: عدم الدليل على صحة مذهبهم وهو قوله ﴿ أم لكم سلطان مبين فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين ﴾ نظيره ما مر في قوله ﴿ أم أنزلنا عليهم سلطاناً فهو يتكلم بما كانوا به يشركون  ﴾ وقوله ﴿ وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً ﴾ للمفسرين فيه قولان: أحدهما أنهم الطائفة الأولى والمعنى أنهم جعلوا بين الله وبين الملائكة نسبة بسبب قولهم إنهم بناته فإن الولادة تقتضي الجنسية والمناسبة، وفيه توبيخ لهم على أن من صفته الاحتنان والاستتار كيف يصلح أن يكون مناسباً لا يجوز عليه صفات الإجرام، وعلى هذا فالضمير في قوله ﴿ إنهم لمحضرون ﴾ للكفرة.

والمعنى أنهم يقولون ما يقولون في الملائكة وقد علمت الملائكة أنهم في ذلك كاذبون وأنهم محضرون النار معذبون بما يقولون.

وثانيهما أنهم طائفة من الزنادقة قائلون بيزدان واهر من كما مر في "الأنعام" في قوله ﴿ وجعلوا لله شركاء الجن  ﴾ وعلى هذا فالضمير إما للكفار كما مر، وإما للشياطين.

روى عكرمة أنهم قالوا: سروات الجن بنات الرحمن.

وقال الكلبي: زعموا أن الله  تزوّج إلى الجن فخرج منها الملائكة.

والتاء في الجنة للتأنيث كحق وحقة.

قال جار الله: الاستثناء في قوله ﴿ إلا عباد الله ﴾ منقطع معناه إنهم لمحضرون ولكن المخلصين ناجون وما بينهما اعتراض دال على التنزيه.

وجوّز أن يكون الاستثناء من الضمير في ﴿ يصفون ﴾ اي يصفه هؤلاء بذلك، ولكن أهل الإخلاص مبرؤن من وصفه بما لا ينبغي.

وحين بين المذاهب الفاسدة بقضها بيّن أن أهل الشرك ومعبوديهم ليس لهم أن يفتنوا على الله أي يحملوا غيرهم على سلوك سبيل الفتنة والضلال إلا من سبق في علم الله بأنه من أهل النار.

وقالت المعتزلة: إلا من سبق في علمه أنهم بسوء أعمالهم يستوجبون أن يصلوها.

وجوز جار الله أن تكون الواو في ﴿ وما تعبدون ﴾ بمعنى "مع" وجاز السكوت على ﴿ تعبدون ﴾ كما في قولهم "كل رجل وضيعته".

ثم قال ﴿ ما أنتم عليه ﴾ أي على ما تعبدون ﴿ بفاتنين إلا من هو صال ﴾ مثلكم.

وقال: والوجه في نظم هذه الآيات أن يكون قوله ﴿ سبحان الله ﴾ إلى قوله ﴿ المسبحون ﴾ من كلام الملائكة والمعنى: ولقد علمت الملائكة وشهدوا أن المشركين مفترون عليهم في مناسبة رب العزة وقالوا: سبحان الله، فنزهوه عن ذلك واستثنوا عباده المخلصين.

وقالوا للكفرة: فإذا صح ذلك فإنكم وآلهتكم لا تقدرون أن تفتنوا على الله أحداً من خلقه إلا من كان مثلكم ممن علم الله عز وجل لكفرهم أنهم أهل النار.

وكيف نكون مناسبين لرب العزة وما نحن إلا عبيد أذلاء بين يديه لكل منا مقام من الطاعة لا يستطيع أن يتجاوزه ونحن الصافون كما مر في أول السروة ونحن المسبحون وقال في التفسير الكبير: هاتان الجملتان تدلان على الحصر، وفيه إشارة إلى أن طاعة البشر كالعدم بالنسبة إلا طاعة الملك فكيف يجوز أن يقال: البشر تقرب درجتهم من درجة الملك فضلاً عن دعوى الأفضلية؟

قلت: لا شك أن هذا التركيب يفيد الحصر إلا أنه لم يفرق بين قصر الأول على الثاني كما في الآية وبين عكسه، والذي يفيد مدعاه هو العكس لا الأصل فافهم.

وقيل: هذه الآيات من قول رسول الله  أي وما من المسلمين أحد إلا له مقام معلوم يوم القيامة على قدر عمله.

ثم ذكر أعمالهم وأنهم الذين يصطفون في الصلاة ويسبحون الله وينزهونه.

ثم حكى أن مشركي قريش ﴿ كانوا يقولون لو أن عندنا ذكراً ﴾ أي كتاباً من جملة كتب الأوّلين اي نظيرها في بيان الشرائع والتكاليف لأخلصنا العبادة لله.

وإن مخففة واللام فارقة ﴿ فكفروا به ﴾ الفاء للربط أي فجاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار فكفروا به ﴿ فسوف يعلمون ﴾ وخامة عاقبة التكذيب.

وقيل: أرادوا لو علمنا حال آبائنا وما آل إليه أمرهم وكان ذلك كما يقول محمد  لآمنا به وأخلصنا لكنا على شك من حديثه.

ثم بين أن رسل الله وجنده منصورون غالبون عاجلاً وآجلاً، والأول أكثريّ والثاني تحقيق يقيني.

ثم أمر نبيه بالصفح والإغماض إلى أوان النصرة والغلبة قائلاً ﴿ فتوّل عنهم ﴾ أي أعرض عن أذاهم إلى حين الأمر بالقتال أو إلى يوم بدر.

عن السدي: أو إلى الموت والقيامة.

﴿ وأبصرهم ﴾ وما يقضى عليهم من السر والقتل في الدنيا والعذاب في الآخرة فسوف يبصرونك وما يؤل غليه أمرك من النصر والثواب في الدارين.

وفي هذا الأمر تنفيس عن النبي  وتسلية له كأن الحالة الموعودة قدام عينيه قرباً وتحققاً.

و ﴿ سوف ﴾ في الموضعين للوعيد لا للتبعيد وكأنهم فهموا التسويف فاستعجلوا العذاب فوبخوا عليه.

وكان من عادة العرب أن يغيروا صباحاً فسميت الغارة صباحاً وإن وقعت في وقت آخر، وشبه نزول العذاب بساحتهم بعدما أنذروه بجيش أنذر بعض النصحاء بهجومه قومه فلم يلتفتوا إلى إنذاره ولا أخذوا أهبتهم حتى أناخ بفنائهم بغتة فشنّ الغارة عليهم.

وقيل: نزل في فتح مكة.

وعن أنس: لما أتى رسول الله  خيبر وكانوا خارجين إلى مزارعهم ومعهم المساحي قالوا: محمد والخميس.

ورجعوا إلى حصنهم فقال  : الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين أي صباحهم، فحذف المخصوص بالذم.

واللام في ﴿ المنذرين ﴾ للجنس.

وإنما ثنى وتول عنهم ليكون تسلية على تسلية.

والأول لعذاب الدنيا والثاني للآخرة، وأطلق الفعل الثاني ايضاً اكتفاء بالأول وليفيد فائدة زائدة وهي أنه يبصر وهم يبصرون ما لا يحيط به الوصف من صنوف المسرة وفنون المساءة.

واعلم أن السورة اشتملت على ما قاله المشركون في الله وعلى ما عانى المرسلون من جهتهم وعلى ما يؤل إليه عاقبة الرسل وحزب الله من موجبات الحمد فلا جرم ختمها بكلمات جامعة لتلك المعاني.

ومعنى ﴿ رب العزة ﴾ كقوله ﴿ قل اللهم مالك الملك  ﴾ والمراد ذي العزة لأنها صفته لا مربوبه.

عن ابن عباس أنه سمع رجلاً يقول: اللهم رب القرآن فأنكر عليه وقال: القرآن ليس بمربوب ولكن كلام الله.

والظاهر أن قوله ﴿ عما يصفون ﴾ يتعلق ﴿ بسبحان ﴾ كما في قوله ﴿ سبحان الله عما يصفون ﴾ وقل: متعلق بالعزة أي امتنع عما يصفونه به وقد مر شيء من تحقيق هذه الحالة في آخر يس.

قال بعضهم: إنما لم يقل في آخر قصتي لوط ويونس سلام عليهما اكتفاء بقوله في الخاتمة ﴿ وسلام على المرسلين ﴾ عن علي  : من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه إذا قام من مجلس ﴿ سبحان ربك رب العزة ﴾ إلى آخر السورة.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ .

قال بعضهم: ذاهب إلى ربي بقلبي وعملي ونيتي وذلك في الآخرة.

ويحتمل: ذاهب إلى ما أمرني ربي، أو إلى ما أذن لي، أي: وقد أمر بالهجرة إلى الأم من مكة.

أو ذاهب إلى ما فيه رضاء ربي، أو طاعة ربي ونحو ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَيَهْدِينِ ﴾ .

قال بعضهم: أي: سينجيني مما رأيت من قومي.

وقال بعضهم: سيهديني الطريق، وذلك جائز نحو قول موسى -  -: ﴿ قَالَ عَسَىٰ رَبِّيۤ أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ  ﴾ لما توجه إلى مدين؛ فعلى ذلك جائز قول إبراهيم: ﴿ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي ﴾ أي: ذاهب إلى أمر ربي، أي: متوجه إلى ما أمرني ربي أن أتوجه سيهديني ذلك الطريق، والله أعلم.

وقال بعضهم: سيهديني لدينه وذلك أول ما هاجر من الخلق، أي: ليعلم دينه، وقد ذكر في حرف حفصة: ﴿ إني مهاجر إلى ربي سيهدين ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ .

كأنه قال: رب هب لي غلاماً واجعله من الصالحين، دليل ذلك ما ذكر له من البشارة بالغلام، فدلت البشارة له بالغلام على أثر ذلك [على أن] سؤاله كان سؤال الغلام.

ثم فيه دليل جواز سؤال الولد الذكر ربَّه، لكنه يسأله بشرط الصلاح والطيب كما سأل الأنبياء وسأله إبراهيم -  -: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ ، وقال زكريا -  -: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً  ﴾ ، وما ذكر وحكي عنهم مدحاً لهم وثناء عليهم حيث قال - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً  ﴾ يجب على من يسأل ربه الولد أن يسأله على هذه الشرائط التي سألته الأنبياء - عليهم السلام - فيكون سؤالهم الولد على ذلك سؤالا لله - عز وجل - وما يصلح لقيامه لأمره وعبادته، فأما أن يسأله إياه لذة لنفسه وسروراً له في الدنيا فلا.

ثم يحتمل قوله: ﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ...

 ﴾ إلى آخر ما ذكر وجهين: أحدهما: أي: هب لنا من أزواجنا وذريتنا ما تقر به أعيينا.

أو هب لنا من أزواجنا من الولد والذرية ما تقر به أعيننا على ما سأل زكريا -  - حيث قال: ﴿ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً  ﴾ .

ثم فيه دلالة أن الولد هبة الله لهم وعطاء لهم؛ ولذلك قال: ﴿ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً  ﴾ ، ﴿ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ  ﴾ ، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم - والله أعلم - نعني: ما صار الولد هبة من الله.

وقوله: ﴿ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ ﴾ .

يصير حليماً إذا بلغ مبلغ الامتحان بالأعمال والأمر والنهي، أي: بشرناه بغلام حليم يحلم فيما امتحن إذا بلغ مبلغاً يمتحن فيه، قال قتادة: "إن الله - عز وجل - لم يذكر أحدا ولا وصفه بالحلم سوى إبراهيم وولده الذي بشر به"، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ ﴾ .

أي: بلغ بحيث يقدر أن يسعى معه إلى حيث أمر هو أن يسعى ويمشي معه وهي الهجرة.

وقال بعضهم: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ ﴾ ، أي: بلغ بحيث يعمل ويمتحن عندنا.

قال له: ﴿ يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ﴾ .

وترى بالنصب والرفع جميعاً - فيه دلالة أن رؤيا الأنبياء والرسل - عليهم السلام - على حق تخرج كالأمر المصرح؛ ألا ترى أنه لما قال له: ﴿ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ﴾ ، وقد عرف حرمة ذبح بني آدم وقتلهم قال له ولده: ﴿ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ ﴾ ولو لم يكن أمراً لم يقل: ﴿ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ ﴾ ، ولا قال له إبراهيم: ﴿ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ﴾ ، وقد عرف حرمة ذبح بني آدم وقتلهم الذي لا يسع الإقدام عليه، والله أعلم.

ثم [في] قوله لأبيه: ﴿ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ ﴾ دلالة أن لا كل مأمور بأمر من الله شاء الله أن يفعل ما أمره؛ حيث أخبر [أنه] سيجده من الصابرين إن شاء الله، وقد ذكرنا أن إبراهيم -  - كان مأموراً بالذبح، فإذا أمر هو بالذبح أمر هذا أن يصبر على الذبح ولا يجزع، ثم أخبر أنه يصبر إن شاء الله دل أن لا كل مأمور لله بأمر شاء منه أن يفعل ذلك، ولكن شاء أن يفعل ذلك ممن علم منه أنه يختار ذلك الفعل ويفعله، ومن علم منه أنه لا يفعل ذلك لا يجوز أن يشاء منه ذلك الفعل؛ وكذلك قول موسى -  -: ﴿ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً  ﴾ ، وهذا على المعتزلة لقولهم: إن الله  إذا أمر أحدا بأمر شاء أن يفعل ما أمره به، لكنه تركه لما لم يشأ هو، والله أعلم.

وقد بينا فساد قولهم في غير موضع، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ أَسْلَمَا ﴾ أي: استسلما لأمر الله فيما أمرهما: هذا بالذبح، وهذا بالبذل والطاعة في ذلك.

أو أسلم هذا ابنه وهذا نفسه لله - عز وجل - وأصله: أسلما أنفسهما لأمر الله وإطاعته في ذلك.

وقوله: ﴿ وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾ ، أي: صرعه، وكبه على وجهه، فيه أنه لم يضجعه كما يضجع المرء ما يريد أن يذبحه من الشياه وغيرها، ولكنه أضجعه على وجهه، فهو - والله أعلم - لما أراد أن ينفذ أمر الله ويقدر على أداء ما أمر به، فلعله لو أضجعه على ما يضجع غيره من الذبح نظر كل واحد منهما إلى وجه الآخر، فيرحمه هذا بترك ذبحه وهذا ينظر في وجهه في جزع ويترك طاعته.

أو على ما قال أهل التأويل: إنّ ولده قال لإبراهيم -  -: كذا، ففعل ما ذكر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ ﴾ يجوز أن يحتج بهذه الآية على المعتزلة لقولهم: إن الله - عز وجل - إذا أمر أحداً بأمر يجوز ذلك الفعل منه وأراد أن يفعل ما أمره به، ونحن نقول: يجوز أن يريد غير الذي أمره به، يريد أن يكون ما علم أنه يكون منه ويختاره حيث قال - عز وجل -: ﴿ يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ ﴾ ، ولم يكن منه حقيقة ذبح الولد وقد أمره بذبحه، فلو كان في الأمر إرادة كون ما أمره به، لكان لا يصدقه في الوفاء بالرؤيا، ولم يكن ذلك منه حقيقة.

لكنهم يقولون: إن الأمر بالذبح لم يكن إلا ما كان منه من ذبح الكبش من ذلك أراد فكان ما أراد، ومذاهبهم الاحتيال لدفع ما ذكرنا.

لكن نقول: إن الأمر بالذبح إنما كان بذبح الولد حقيقة لا بذبح الكبش؛ دليله وجوه: أحدها: قول إبراهيم حيث قال: ﴿ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ﴾ ، وقول ولده - عليهما السلام -: ﴿ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ ﴾ ، لو لم يجعل الأمر من الله له بالذبح أمراً بالذبح على ذبح الولد حقيقة لكان يجهلهما في قولهما: أمر الله، وفي تسميتهما ما سميا، ولم يجهلهما في ذلك، فدل أن الأمر كان على حقيقة ذبح الولد لا على ذبح الكبش على ما يقولون، والله أعلم.

والثاني: أن إبراهيم وولده - عليهما السلام - قد مدحا وأثنى عليهما بالصنيع الذي صنعا: هذا بإضجاعه إياه للذبح، وهذا لبذله نفسه له والطاعة له في ذلك، فلو كان الأمر منه لهما لا غير الإضجاع والبذل لذلك لم يكن لهما في ذلك الصنيع فضل مدح ولا فضل ثناء ومنقبة؛ إذ لكل أحد إضجاع الولد لذلك وللآخر البذل له، فإذا مُدحا وأُثني عليهما في صنيعهما الذي صنعا وصار لهما منقبة عظيمة إلى يوم القيامة، حتى سمي هذا: ذبيح الله، وهذا: فداء الله؛ حيث قال الله - عز وجل -: ﴿ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾ ، فلو كان الأمر بالذبح ذبح الكبش لا ذبح الولد لم يكن الكبش فداء منه؛ إذ لا يسمى الفداء إلا بعد إبدال غير عنه وإقامة غير مقامه، دل على ما ذكرنا، والله أعلم.

لكنه إذا أضجعه وتله للجبين على [ما] ذكر صارا ممنوعين عن ذلك الفعل غير تاركين أمر الله - عز وجل - على ما ذكر في القصة: أن الشفرة قد انقلبت عن وجهها فلم تقطع، فمن أمر بأمر ثم منع عمّا أمره به وحيل بينه وبين ما أمر به، لم يصر تاركاً للأمر، ولا كان موصوفاً بالترك له، لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.

ثم يجوز أن يستدل بهذه الآية لمسائل لأصحابنا: إحداها: في المرأة إذا أسلمت [نفسها للزوج وهناك] ما يمنع الزوج عن الاستمتاع بها والجماع صارت موفية مسلمة ما على نفسها إلى زوجها، فاستوجبت بذلك كمال الصداق ولزمتها العدة؛ إذ لا تملك سوى ما فعلت وإن لم يجامعها زوجها.

وفيمن عنده أمانة إذا سلمها إلى صاحبها وصيرها بحال يقدر على أخذها وقبضها يصير مسلماً إليه مؤدياً خارجاً منها موفيا، وإن لم يقبض الآخر ولم تقع في يده.

وفي البائع إذا سلم المبيع إلى المشتري وخلى بينه وبين ذلك يصير مسلماً إليه خارجاً من ضمان ذلك وعهدته وإن لم يقبضه المشتري، ونحوه من المسائل مما يكثر إحصاؤها؛ إذ ليس في وسعهم إلا ذلك المقدار من الفعل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ ﴾ .

لو كان هذا القول بعد ذبح الكبش، ففيه حجة لقول أصحابنا حيث قال أبو حنيفة - رحمه الله -: إن من أوجب على نفسه ذبح ولده يخرج منه بذبح الكبش؛ لما أخبر أنه قد صدق الرؤيا بذبح الكبش؛ فعلى ذلك يصير هذا موجباً على نفسه ذبح كبش لا غير، والله أعلم، وإن كان قوله: ﴿ قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ ﴾ قبل ذبح الكبش بإضجاعه إياه وإسلامه لذلك، ففيه ما ذكرنا أنه بذل تسليمهما نفسه منزلة إتيان عين ذلك؛ إذ منع عن ذلك لا أنه ترك ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ ﴾ .

إن الأمر بذبح الولد الذي أمر به إبراهيم محنة عظيمة.

ويقول بعض أهل التأويل: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ ﴾ ، أي: النعمة العظيمة، أي: في الفداء الذي فدى لإبراهيم -  - نعمة عظيمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾ .

وهو الكبش، قال بعض أهل التأويل: سماه: عظيماً؛ لأنه كان يرعى في الجنة أربعين خريفاً.

ويقول بعضهم: كان ذلك الكبش في نفسه عظيماً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ ﴾ .

قال أهل التأويل: أي: تركنا عليه في الآخرين الثناء الحسن.

ويجوز أن يكون قوله: ﴿ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ ﴾ ذلك السلام الذي ذكر على أثره حيث قال - عز وجل -: ﴿ سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ ﴾ ترك ذلك فينا؛ لنسلم عليه وعلى جميع المرسلين؛ كقوله: ﴿ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ  وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ  ﴾ قد أمرنا أن نثني ونسلم على جميع الأنبياء والمرسلين؛ وكقوله: "اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد" ويكون [سلام] الأنبياء - عليهم السلام - بعضهم إلى بعض كما كان بعضهم من شيعة البعض.

أو أن يكون ذلك السلام من الله لهم أمناً من كل خوف وسلامة عن كل خبث.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .

أي: كذلك نجزي كل محسن أن يترك له السلام والثناء الحسن في الآخرين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

يحتمل هذا وجوهاً: أحدها: أنه كان من عبادنا المؤمنين قبل أن يُوحى إليه وقبل أن يبعث رسولا.

ويحتمل أنه من عبادنا المؤمنين الذين حققوا الإيمان في قوله وفعله ووفاء ما عليه.

أو أنه كان من عبادنا المؤمنين بمحمد  والأنبياء جميعاً بعضهم يصدق بعضا ويؤمن به، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ .

كان سأل ربه الولد يقول: ﴿ هَبْ لِي مِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ فاستجاب الله دعاءه وبشره بما ذكر، ثم أخبر أنه نبي من الصالحين.

يحتمل قوله -  -: ﴿ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ أي: نبيّاً من السلف؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ  ﴾ أي: نبيّاً نصيره ونجعله من الأنبياء؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذَا نَذِيرٌ مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلأُوْلَىٰ  ﴾ .

ويحتمل أن تكون البشارة في الولادة [أي: في] الولد الذي سأل ربه.

ويحتمل أن بشر له بنبوته، أو بشر لهما بهما بالولادة وبالنبوة جميعاً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ ﴾ .

البركة هي اسم كل خير لا يزال على الزيادة والنماء.

أو يقول: إن البركة شيء من أعطى كان لا تبعة عليه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ ﴾ .

﴿ مُحْسِنٌ ﴾ أي: مؤمن مصدق ﴿ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ ﴾ ، أي: كافر، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً  ﴾ ، فقال إبراهيم -  -: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ  ﴾ أخبر أن في ذريته من لا ينال عهده كما ذكر هاهنا: أن في ذريته محسناً وهو مؤمن وظالم لنفسه مبين، أي: كافر ظاهر مبين.

أو أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ مُحْسِنٌ ﴾ إلى نفسه، أو محسن إلى الناس، وهو إسحاق، و[إن ثبت] ما روي "أن رجلا سأل فقال: يا رسول الله، أي الناس أكرمهم حسباً؟

قال: يوسف صديق الله ابن يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله" فهو ذلك، وإلا فلا حاجة لنا إلى معرفة ذلك أنه فلان أو فلان؛ إذ لو كان لنا إلى بيان ذلك حاجة لبين وأزال الإشكال واختلاف الناس في ذلك والتكلم فيه فضل وتكلف؛ إذ لا يحتمل أن يكون بالناس حاجة إلى معرفة ذلك وبيانه، ثم لا يبين لهم ولا يعرف ذلك، فدل ترك التنازع لذلك على أن لا حاجة إلى ذلك، والله أعلم.

وقال أبو عوسجة والقتبي: الذِّبح: الكبش واسم ما يذبح، والذَّبح بنصب الذال مصدر ذبحت؛ هذا قول القتبي.

وقال أبو عوسجة: الذَّبح بالنصب هو الفعل وهما واحد.

وقال القتبي: البلاء المبين: الإحسان المبين العظيم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وفدينا إسماعيل بكبش عظيم بدلًا منه يذبح عنه.

<div class="verse-tafsir" id="91.24Mln"

مزيد من التفاسير لسورة الصافات

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله