الآية ١١٢ من سورة الصافات

الإسلام > القرآن > سور > سورة 37 الصافات > الآية ١١٢ من سورة الصافات

وَبَشَّرْنَـٰهُ بِإِسْحَـٰقَ نَبِيًّۭا مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ١١٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 123 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١٢ من سورة الصافات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ١١٢ من سورة الصافات عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين ) ، لما تقدمت البشارة بالذبيح - وهو إسماعيل - عطف بذكر البشارة بأخيه إسحاق ، وقد ذكرت في سورتي هود " و " الحجر " .

وقوله : ( نبيا ) حال مقدرة ، أي : سيصير منه نبي من الصالحين .

وقال ابن جرير : حدثني يعقوب ، حدثنا ابن علية ، عن داود ، عن عكرمة قال : قال ابن عباس ، رضي الله عنهما : الذبيح إسحاق .

قال : وقوله : ( وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين ) قال : بشر بنبوته .

قال : وقوله : ( ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا ) [ مريم : 53 ] قال : كان هارون أكبر من موسى ، ولكن أراد : وهب له نبوته .

وحدثنا ابن عبد الأعلى ، حدثنا المعتمر بن سليمان قال : سمعت داود يحدث ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في هذه الآية : ( وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين ) قال : إنما بشر به نبيا حين فداه الله من الذبح ، ولم تكن البشارة بالنبوة عند مولده .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا سفيان الثوري ، عن داود ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : ( وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين ) قال : بشر به حين ولد ، وحين نبئ .

وقال سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة في قوله : ( وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين ) قال : بعد ما كان من أمره ، لما جاد لله بنفسه ، وقال الله : ( وباركنا عليه وعلى إسحاق )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112) يقول تعالى ذكره: وبشَّرنا إبراهيم بإسحاق نبيا شكرا له على إحسانه وطاعته.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ) قال: بشر به بعد ذلك نبيا، بعد ما كان هذا من أمره لمَّا جاد لله بنفسه.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن داود، عن عكرمة، قال: قال ابن عباس: الذبيح إسحاق; قال: وقوله ( وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ) قال بُشِّر بنبوته.

قال: وقوله وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا قال: كان هارون أكبر من موسى، ولكن أراد وهب الله له نبوته.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا معتمر بن سليمان، قال: سمعت داود يحدّث، عن عكرمة، عن ابن عباس في هذه الآية ( وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ) قال: إنما بشره به نبيا حين فداه من الذبح، ولم تكن البشارة بالنبوة عند مولده.

حدثني الحسين بن يزيد الطحان، قال: ثنا ابن إدريس، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قول الله: ( وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا ) قال: إنما بُشِّر بالنبوّة.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ) قال: بُشِّر إبراهيم بإسحاق.

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ( وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ) قال: بنبوته.

حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن فضيل، عن ضرار، عن شيخ من أهل المسجد، قال: بُشِّر إبراهيم لسبع عشرة ومئة سنة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

السادسة عشرة : قوله تعالى : وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين قال ابن عباس : بشر بنبوته .

وذهب إلى أن البشارة كانت مرتين ، فعلى هذا الذبيح هو إسحاق ، بشر بنبوته جزاء على صبره ورضاه بأمر ربه واستسلامه له .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ } هذه البشارة الثانية بإسحاق، الذي من ورائه يعقوب، فبشر بوجوده وبقائه، ووجود ذريته، وكونه نبيا من الصالحين، فهي بشارات متعددة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين ) فمن جعل الذبيح إسماعيل قال : بشره بعد هذه القصة بإسحاق نبيا جزاء لطاعته ، ومن جعل الذبيح إسحاق قال : بشر إبراهيم بنبوة إسحاق .

رواه عكرمة عن ابن عباس .

قال : بشر به مرتين حين ولد وحين نبئ .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وبشرناه بإسحاق» استدلَّ بذلك على أن الذبح غيره «نبيا» حال مقدرة: أي يوجد مقدرا نبوته «من الصالحين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وبشَّرنا إبراهيم بولده إسحاق نبيًّا من الصالحين؛ جزاء له على صبره ورضاه بأمر ربه، وطاعته له.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - مظهرا آخر من مظاهر فضله على نبيه إبراهيم فقال : ( وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ الصالحين .

وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وعلى إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ )أى : ومن مظاهر تكريمنا لإبراهيم ، أننا بشرناه بولد آخر هو إسحاق ، الذى جعلناه نبيا من أنبيائنا الصالحين لحمل رسالتنا ، وأفضنا على إبراهيم وعلى إسحاق الكثير من بركاتنا الدينية والدنيوية ، بأن جعلنا عدداً كبيراً من الأنبياء من نسلهما .ومع ذلك فقد اقتضت حكمتنا أن نجعل من ذريتهما من هو محسن فى قوله وعمله ، ومن هو ظالم لنفسه بالكفر والمعاصى ظلما واضحا بينا ، وسنجازى كل فريق بما يستحقه من ثواب أو عقاب .هذا ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى :1 - أن الرسل جميعا قد جاءوا من عند الله - تعالى - بدين واحد فى أصوله ، وأن كل واحد منهم قد سار على نهج سابقه فى الدعوة إلى وحدانية الله ، وإلى مكارم الأخلاق ، وقد بين - سبحانه - فى مطلق هذه القصة ، أن إبراهيم كان من شيعة نوح - عليه السلام - أى : من أتباعه الذين ساروا على سنته فى دعوة الناس إلى عبادة الله وحده .وقد أمر - عز وجل - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقتدى بإخوانه السابقين من الأنبياء ، فقال : ( أولئك الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده ) 2 - أن تعاطى الحيل الشرعية من أجل إزالة المنكر ، أمر مشروع ، فإن إبراهيم - عليه السلام - لكى يقضى على الأصنام ، اعتذر لقومه عن الخروج معهم فى يوم عيدهم ، وقال لهم : إنى سقيم - بعد أن نظر فى النجوم .وكان مقصده من وراء ذلك ، أن يختلى بالأصنام ليحطمها ، ويثبت لقومه أنها لا تصلح للألوهية .3 - أن سنة الله - تعالى - قد اقتضت أن يراعى - بفضله وكرمه - عباده المخلصين ، وأن ينصرهم على أعدائهم ، الذين يبيتون لهم الشرور والسوء .ونرى ذلك جليا فى هذه القصة ، فقد أضمر الكافرون لإِبراهيم الكيد والإِهلاك .

فأنجاه الله - تعالى - من مكرهم ، كما قال - تعالى - : ( فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الأسفلين ) .4 - أن على المؤمن إذا لم يتمكن من نشر دعوة الحق فى مكان معين أن ينتقل منه إلى مكان آخر متى كان قادرا على ذلك .وهذا ما فعله إبراهيم - عليه السلام - فقد قال لقومه بعد أن يئس من صلاحهم ، وبعد أن نجاه الله من كيدهم : ( إِنِّي ذَاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ ) .5 - أن الدعاء متى صدر من نفس عامرة بالإِيمان والتقوى ، ومن قلب سليم من الهوى .

.

كان جديراً بالإِجابة .فلقد تضرع إبراهيم إلى ربه أن يرزقه الذرية الصالحة ، فأجاب الله دعاءه .كما حكى - سبحانه - ذلك فى قوله : ( رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصالحين .

فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ )ثم قال - سبحانه - بعد ذلك : ( وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ الصالحين ) .6 - أن إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - قد ضربا أروع الأمثال فى صدق الإِيمان ، وفى الاستسلام لأمر الله - تعالى - وفى الرضاء بقضائه .فكافأهما - عز وجل - على ذلك مكافأة جزيلة ، بأن جعل الذكر الحسن باقيا لإِبراهيم إلى يوم القيامة ، وبأن افتدى الذبيح بذبح عظيم .قال - تعالى - : ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ .

وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين .

سَلاَمٌ على إِبْرَاهِيمَ .

كَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين .

إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المؤمنين ) .7 - أن الذبيح الذى ورد ذكره فى هذه القصة ، والذى افتداه الله - تعالى - بذبح عظيم ، هو إسماعيل - عليه السلام - وعلى ذلك سار جمهورالعلماء ، وم أدلتهم على ما ذهبوا إليه ما يأتى :( أ ) أن سياق القصة يدل دلالة واضحة على أن الذبيح إسماعيل ، لأن الله - تعالى - حكى عن إبراهيم أنه تضرع إليه - تعالى -بقوله : ( رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصالحين ) فبشره - سبحانه - ( بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ ) ، وهذا الغلام عندما بلغ السن التى يمكنه معها مساعدة أبيه فى أعماله .قال له أبوه : ( يابني إني أرى فِي المنام أَنِّي أَذْبَحُكَ فانظر مَاذَا ترى ) ثم افتدى الله - تعالى - هذا الغلام بذبح عظيم .ثم قال - تعالى - بعد كل ذلك : ( وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ الصالحين ) .وهذا يدل على أن المبشر به الأول وهو إسماعيل ، غير المبشر به الثانى وهو إسحاق .( ب ) أن البشارة بمولد إسحاق - عليه السلام - قد جاء الحديث عنها مفصلا فى سورة هود .

وظروف هذه البشارة وملابساتها ، تختلف عن الظروف والملابسات التى وردت هنا فى سورة الصافات ، وقد أشار إلى ذلك الإِمام السيوطى فقال :وتأملت القرآن فوجدت فيه ما يقتضى القطع - أو ما يقرب منه - على أن الذبيح إسماعيل ، وذلك لأن البشارة وقعت مرتين :مرة فى قوله - تعالى - ( رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصالحين .

فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ .

فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السعي قَالَ يابني إني أرى فِي المنام أَنِّي أَذْبَحُكَ .

.

) .فهذه الآية قاطعة فى أن المبشر به هو الذبيح .ومرة فى قوله - فى سورة هود - ( وامرأته قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ ) فقد صرح فيها بأن المبشر به إٍسحاق ، ولم يكن بسؤال من إبراهيم ، بل قالت امرأته إنها عجوز ، وأنه شيخ ، وكان ذلك فى بلاد الشام ، لما جاءت الملائكة إليه ، بسبب قوم لوط ، وكان إبراهيم فى آخره عمره .أما البشارة الأولى فكانت حين انتقل من العراق إلى الشام ، وحين كان سنه لا يستغرب فيه الولد ، ولذلك سأله ، فعلمنا بذلك أنهما بشارتان فى وقتين بغلامين ، أحدهما بغير سؤال وهو إسحاق ، والثانية قبل ذلك بسؤال وهو غيره ، فقطعنا بأنه إسماعيل وهو الذبيح .ج - أن القول بأن الذبيح إسماعيل قد ورد - كما قال الإِمام ابن القيم - عن كثير من الصحابة والتابعين ومن بعدهم .

وأما القول بأنه إسحاق فباطل بأكثر من عشرين وجها .ثم قال الإِمام ابن القيم : وسمعت شيخ الإِسلام ابن تيمية - رحمه الله - يقول : هذا القول إنما هو متلقى عن أهل الكتاب ، مع أنه باطل بنص كتابهم فإن فيه : إن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه " بكره " وفى لفظ " وحيده " ولا يشك أهل الكتاب مع المسلمين أن إسماعيل هو بكر أولاد إبراهيم .ومن العلماء الذين فصلوا القول فى هذه المسألة ، الإِمام ابن كثير ، فقد قال رحمه الله : " وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الذبيح هو إسحاق ، وحكى ذلك عن طائفة من السلف ، حتى نقل عن بعض الصحابة - أيضاً - وليس ذلك فى كتاب ولا سنة ، وما أظن ذلك تُلُقَّى إلا عن أحبار أهل الكتاب ، وهذا كتاب الله شاهد ومرشد إلى أنه إسماعيل ، فإنه ذكر البشارة بالغلام الحليم ، وذكر أنه الذبيح ، ثم قال بعد ذلك : ( وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ الصالحين ) .ولما بشرت الملائكة إبراهيم بإسحاق قالوا ( إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ) وقال - تعالى - : ( فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ) أى : يولد له فى حياتهما ولد يسمى يعقوب ، فيكون من ذريته عقب ونسل .وقد قدمنا أنه لا يجوز بعد ذلك أن يؤمر بذبحه وهو صغير ، لأن الله قد وعدهما بأنه سيعقب ، ويكون له نسل ، فكيف يمكن بعد هذا أن يؤمر بذبحه صغيراً ، وإسماعيل وصف هنا بالحلم ، لأنه مناسب لهذا المقام .قال الآلوسى - رحمه الله - بعد أن ساق أقوال العلماء فى ذلك بالتفصيل : " والذى أميل إليه أنه - أى الذبيح - إسماعيل - عليه السلام - ، بناء على أن ظاهر الآية يقتضيه ، وأنه المروى عن كثير من أئمة أهل البيت ، ولم أتيقن صحة حديث مرفوع يقتضى خلاف ذلك ، وحال أهل الكتاب لا يخفى على ذوى الألباب " .هذه بعض الأحكام والآداب التى يمكن أن نأخذها من هذه القصة ، التى حكاها - سبحانه - عن نبيه إبراهيم - عليه السلام - فى هذه السورة الكريمة ، وهناك أحكام وآداب أخرى يستطيع أن يستخلصها المتدبر فى هذه الآيات الكريمة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أن سبحانه وتعالى لما قال: ﴿ فبشرناه بغلام حَلِيمٍ  ﴾ أتبعه بما يدل على حصول ما بشر به وبلغه، فقال: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السعى ﴾ ومعناه فلما أدرك وبلغ الحد الذي يقدر فيه على السعي، وقوله: ﴿ مَعَهُ ﴾ في موضع الحال والتقدير كائناً معه، والفائدة في اعتبار هذا المعنى أن الأب أرفق الناس بالولد، وغيره ربما عنف به في الاستسعاء فلا يحتمله لأنه لم تستحكم قوته، قال بعضهم: كان في ذلك الوقت ابن ثلاث عشرة سنة، والمقصود من هذا الكلام أن الله تعالى لما وعده في الآية الأولى بكون ذلك الغلام حليماً، بين في هذه الآية ما يدل على كمال حلمه، وذلك لأنه كان به من كمال الحلم وفسحة الصدر ما قواه على احتمال تلك البلية العظيمة، والإتيان بذلك الجواب الحسن.

أما قوله: ﴿ إِنّى أرى فِي المنام أَنّى أَذْبَحُكَ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: في تفسير هذه اللفظة وجهان الأول: قال السدي: كان إبراهيم حين بشر بإسحاق قبل أن يولد له قال: هو إذن لله ذبيح فقيل لإبراهيم قد نذرت نذراً فف بنرك فلما أصبح ﴿ قَالَ يَا بُنَىَّ إِنّى أرى فِي المنام أَنّى أَذْبَحُكَ ﴾ .

وروي من طريق آخر أنه رأى ليلة التروية في منامه، كأن قائلاً يقول له إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا، فلما أصبح تروى في ذلك من الصباح إلى الرواح، أمن الله هذا الحلم أم من الشيطان؟

فمن ثم سمي يوم التروية، فلما أمسى رأى مثل ذلك، فعرف أنه من الله فسمي يوم عرفة، ثم رأى مثله في الليلة الثالثة فهم بنحره فسمي يوم النحر وهذا هو قول أهل التفسير وهو يدل على أنه رأى في المنام ما يوجب أن يذبح ابنه في اليقظة، وعلى هذا فتقدير اللفظ: إني أرى في المنام ما يوجب أن أذبحك والقول الثاني: أنه رأى في المنام أنه يذبحه ورؤيا الأنبياء عليهم السلام من باب الوحي، وعلى هذا القول فالمرئي في المنام ليس إلا أنه يذبح، فإن قيل إما أن يقال إنه ثبت بالدليل عند الأنبياء عليهم السلام أن كل ما رآه في المنام فهو حق حجة أو لم يثبت ذلك بالدليل عندهم، فإن كان الأول فلم راجع الولد في هذه الواقعة، بل كان من الواجب عليه أن يشتغل بتحصيل ذلك المأمور، وأن لا يراجع الولد فيه، وأن لا يقول له؛ ﴿ فانظر مَاذَا ترى ﴾ وأن لا يوقف العمل على أن يقول له الولد ﴿ افعل مَا تُؤمَرُ ﴾ ؟، وأيضاً فقد قلتم إنه بقي في اليوم الأول متفكراً، ولو ثبت عنده بالدليل أن كل ما رآه في النوم فهو حق لم يكن إلى هذا التروي والتفكر حاجة، وإن كان الثاني، وهو أنه لم يثبت بالدليل عندهم أن ما يرونه في المنام حق، فكيف يجوز له أن يقدم على ذبح ذلك الطفل بمجرد رؤيا لم يدل الدليل على كونها حجة؟

والجواب: لا يبعد أن يقال إنه كان عند الرؤيا متردداً فيه ثم تأكدت الرؤيا بالوحي الصريح، والله أعلم.

المسألة الثانية: اختلفوا في أن هذا الذبيح من هو؟

فقيل إنه إسحاق وهذ قول عمر وعلي والعباس بن عبد المطلب وابن مسعود وكعب الأحبار وقتادة وسعيد بن جبير ومسروق وعكرمة والزهري والسدي ومقاتل رضي الله عنهم، وقيل إنه إسماعيل وهو قول ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب والحسن والشعبي ومجاهد والكلبي، واحتج القائلون بأنه إسماعيل بوجوه: الأول: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنا ابن الذبيحين».

وقال له أعرابي: يا ابن الذبيحين فتبسم فسئل عن ذلك فقال: «إن عبد المطلب لما حفر بئر زمزم نذر لله لئن سهل الله له أمرها ليذبحن أحد ولده، فخرج السهم على عبد الله فمنعه أخواله وقالوا له افد ابنك بمائة من الإبل، ففداه بمائة من الإبل، والذبيح الثاني إسماعيل».

الحجة الثانية: نقل عن الأصمعي أنه قال سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح، فقال: يا أصمعي أين عقلك، ومتى كان إسحاق بمكة وإنما كان إسماعيل بمكة وهو الذي بنى البيت مع أبيه والمنحر بمكة؟.

الحجة الثالثة: أن الله تعالى وصف إسماعيل بالصبر دون إسحاق في قوله: ﴿ وإسماعيل وَإِدْرِيسَ وَذَا الكفل كُلٌّ مّنَ الصابرين  ﴾ وهو صبره على الذبح، ووصفه أيضاً بصدق الوعد في قوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ صادق الوعد  ﴾ لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح فوفى به.

الحجة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ فبشرناها بإسحاق وَمِن وَرَاء إسحاق يَعْقُوبَ  ﴾ فنقول لو كان الذبيح إسحاق لكان الأمر بذبحه إما أن يقع قبل ظهور يعقوب، منه أو بعد ذلك فالأول: باطل لأنه تعالى لما بشرها بإسحاق، وبشرها معه بأنه يحصل منه يعقوب فقبل ظهور يعقوب منه لم يجز الأمر بذبحه، وإلا حصل الخلف في قوله: ﴿ وَمِن وَرَاء إسحاق يعقوب ﴾ والثاني: باطل لأن قوله: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السعى قَالَ يابنى إِنّى أرى فِي المنام أَنّى أَذْبَحُكَ ﴾ يدل على أن ذلك الابن لما قدر على السعي ووصل إلى حد القدرة على الفعل أمر الله تعالى إبراهيم بذبحه، وذلك ينافي وقوع هذه القصة في زمان آخر، فثبت أنه لا يجوز أن يكون الذبيح هو إسحاق.

الحجة الخامسة: حكى الله تعالى عنه أنه قال: ﴿ إِنّى ذَاهِبٌ إلى رَبّى سَيَهْدِينِ  ﴾ ثم طلب من الله تعالى ولداً يستأنس به في غربته فقال: ﴿ رَبّ هَبْ لِى مِنَ الصالحين  ﴾ وهذا السؤال إنما يحسن قبل أن يحصل له الولد، لأنه لو حصل له ولد واحد لما طلب الولد الواحد، لأن طلب الحاصل محال وقوله: ﴿ هَبْ لِى مِنَ الصالحين ﴾ لا يفيد إلا طلب الولد الواحد، وكلمة من للتبعيض وأقل درجات البعضية الواحد فكأن قوله: ﴿ مّنَ الصالحين ﴾ لا يفيد إلا طلب الولد الواحد فثبت أن هذا السؤال لا يحسن إلا عند عدم كل الأولاد فثبت أن هذا السؤال وقع حال طلب الولد الأول، وأجمع الناس على أن إسماعيل متقدم في الوجود على إسحاق، فثبت أن المطلوب بهذا الدعاء وهو إسماعيل، ثم إن الله تعالى ذكر عقيبه قصة الذبيح فوجب أن يكون الذبيح هو إسماعيل.

الحجة السادسة: الأخبار الكثيرة في تعليق قرن الكبش بالكعبة، فكأن الذبيح بمكة.

ولو كان الذبيح إسحاق كان الذبح بالشام، واحتج من قال إن ذلك الذبيح هو إسحاق بوجهين: الوجه الأول: أن أول الآية وآخرها يدل على ذلك، أما أولها فإنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام قبل هذه الآية أنه قال: ﴿ إِنّى ذَاهِبٌ إلى رَبّى سَيَهْدِينِ ﴾ وأجمعوا على أن المراد منه مهاجرته إلى الشام ثم قال: ﴿ فبشرناه بغلام حليم  ﴾ فوجب أن يكون هذا الغلام ليس إلا إسحاق، ثم قال بعده: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السعى ﴾ وذلك يقتضي أن يكون المراد من هذا الغلام الذي بلغ معه السعي هو ذلك الغلام الذي حصل في الشام، فثبت أن مقدمة هذه الآية تدل على أن الذبيح هو إسحاق، وأما آخر الآية فهو أيضاً يدل على ذلك لأنه تعالى لما تمم قصة الذبيح قال بعده: ﴿ وبشرناه بإسحاق نَبِيّاً مّنَ الصالحين ﴾ ومعناه أنه بشره بكونه نبياً من الصالحين، وذكر هذه البشارة عقيب حكاية تلك القصة يدل على أنه تعالى إنما بشره بهذه النبوة لأجل أنه تحمل هذه الشدائد في قصة الذبيح، فثبت بما ذكرنا أن أول الآية وآخرها يدل على أن الذبيح هو إسحاق عليه السلام.

الحجة الثانية: على صحة ذلك ما اشتهر من كتاب يعقوب إلى يوسف عليه السلام من يعقوب إسرائيل نبي الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله فهذا جملة الكلام في هذا الباب، وكان الزجاج يقول: الله أعلم أيهما الذبيح، والله أعلم.

واعلم أنه يتفرع على ما ذكرنا اختلافهم في موضع الذبح فالذين قالوا الذبيح هو إسماعيل قالوا: كان الذبح بمنى، والذين قالوا: إنه إسحاق قالوا هو بالشام وقيل ببيت المقدس، والله أعلم.

المسألة الثالثة: اختلف الناس في أن إبراهيم عليه السلام كان مأموراً بهذا بما رأى، وهذا الاختلاف مفرع على مسألة من مسائل أصول الفقه، وهي أنه هل يجوز نسخ الحكم قبل حضور مدة الامتثال فقال أكثر أصحابنا إنه يجوز، وقالت المعتزلة وكثير من فقهاء الشافعية والحنفية إنه لا يجوز، فعلى القول الأول أنه سبحانه وتعالى أمره بالذبح، ثم إنه تعالى نسخ هذا التكليف قبل حضور وقته، وعلى القول الثاني أنه تعالى ما أمره بالذبح، وإنما أمره بمقدمات الذبح وهذه مسألة شريفة من مسائل باب النسخ، واحتج أصحابنا على أنه يجوز نسخ الأمر قبل مجيء مدة الامتثال بأن الله تعالى أمر إبراهيم عليه السلام بذبح ولده، ثم إنه تعالى نسخه عنه قبل إقدامه عليه وذلك يفيد المطلوب إنما قلنا إنه تعالى أمره بذبح الولد لوجهين: الأول: أنه عليه السلام قال لولده إني أرى في المنام أني أذبحك فقال الولد افعل ما تؤمر وهذا يدل على أنه عليه السلام كان مأموراً بمقدمات الذبح لا بنفس الذبح، ثم إنه أتى بمقدمات الذبح وأدخلها في الوجود، فحينئذٍ يكون قد أمر بشيء وقد أتى به، وفي هذا الموضع لا يحتاج إلى الفداء، لكنه احتاج إلى الفداء بدليل قوله تعالى: ﴿ وفديناه بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾ فدل هذا على أنه أتى بالمأمور به، وقد ثبت أنه أتى بكل مقدمات الذبح، وهذا يدل على أنه تعالى كان قد أمره بنفس الذبح، وإذا ثبت هذا فنقول إنه تعالى نسخ ذلك الحكم قبل إثباته وذلك يدل على المقصود، وقالت المعتزلة: لا نسلم أن الله أمره بذبح الولد بل نقول إنه تعالى أمره بمقدمات الذبح، ويدل عليه وجوه: الأول: أنه ما أتى بالذبح وإنما أتى بمقدمات الذبح، ثم إن الله تعالى أخبر عنه بأنه أتى بما أمر به بدليل قوله تعالى: ﴿ وناديناه أَن ياإبراهيم قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيا ﴾ وذلك يدل على أنه تعالى إنما أمره في المنام بمقدمات الذبح لا بنفس الذبح وتلك المقدمات عبارة عن إضجاعه ووضع السكين على حلقه، والعزم الصحيح على الإتيان بذلك الفعل إن ورد الأمر الثاني: الذبح عبارة عن قطع الحلقوم فلعل إبراهيم عليه السلام قطع الحلقوم إلا أنه كلما قطع جزءاً أعاد الله التأليف إليه، فلهذا السبب لم يحصل الموت والوجه الثالث: وهو الذي عليه تعويل القوم أنه تعالى لو أمر شخصاً معيناً بإيقاع فعل معين في وقت معين، فهذا يدل على أن إيقاع ذلك الفعل في ذلك الوقت حسن، فإذا أنهاه عنه فذلك النهي يدل على أن إيقاع ذلك الفعل في ذلك الوقت قبيح، فلو حصل هذا النهي عقيب ذلك الأمر لزم أحد أمرين، لأنه تعالى إن كان عالماً بحال ذلك الفعل لزم أن يقال إنه أمر بالقبيح أو نهى عن الحسن، وإن لم يكن عالماً به لزم جهل الله تعالى الحسن، وإن لم يكن عالماً به لزم جهل الله تعالى وإنه محال، فهذا تمام الكلام في هذا الباب والجواب: عن الأول أنا قد دللنا على أنه تعالى إنما أمره بالذبح.

أما قوله تعالى: ﴿ قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيا ﴾ فهذا يدل على أنه اعترف بكون تلك الرؤيا واجب العمل بها ولا يدل على أنه أتى بكل ما رآه في ذلك المنام.

وأما قوله ثانياً كلما قطع إبراهيم عليه السلام جزءاً أعاد الله تعالى التأليف إليه، فنقول هذا باطل لأن إبراهيم عليه السلام لو أتى بكل ما أمر به لما احتاج إلى الفداء وحيث احتاج إليه علمنا أنه لم يأت بما أمر به.

وأما قوله ثالثاً إنه يلزم، إما الأمر بالقبيح وإما الجهل، فنقول هذا بناءً على أن الله تعالى لا يأمر إلا بما يكون حسناً في ذاته ولا ينهي إلا عما يكون قبيحاً في ذاته، وذلك بناءً على تحسين العقل وتقبيحه وهو باطل، وأيضاً فهب أنا نسلم ذلك إلا أنا نقول لم لا يجوز أن يقال إن الأمر بالشيء تارة يحسن لكون المأمور به حسناً وتارة لأجل أن ذلك الأمر يفيد صحة مصلحة من المصالح وإن لم يكن المأمور به حسناً ألا ترى أن السيد إذا أراد أن يروض عبده، فإنه يقول له إذا جاء يوم الجمعة فافعل الفعل الفلاني، ويكون ذلك الفعل من الأفعال الشاقة، ويكون مقصود السيد من ذلك الأمر ليس أن يأتي ذلك العبد بذلك الفعل، بل أن يوطن العبد نفسه على الانقياد والطاعة، ثم إن السيد إذا علم منه أنه وطن نفسه على الطاعة فقد يزيل الألم عنه ذلك التكليف، فكذا هاهنا، فما لم تقيموا الدلالة على فساد هذا الاحتمال لم يتم كلامكم.

المسألة الرابعة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الله تعالى قد يأمر بما لا يريد وقوعه، والدليل عليه أنه أمر بالذبح وما أراد وقوعه، أما أنه أمر بالذبح فلما تقدم في المسألة الأولى.

وأما أنه ما أراد وقوعه فلأن عندنا أن كل ما أراد الله وقوعه فإنه يقع، وحيث لم يقع هذا الذبح علمنا أنه تعالى ما أراد وقوعه، وأما عند المعتزلة فلأن الله تعالى نهى عن ذلك الذبح، والنهي عن الشيء يدل على أن الناهي لا يريد وقوعه فثبت أنه تعالى أمر بالذبح، وثبت أنه تعالى ما أراده، وذلك يدل على أن الأمر قد يوجد بدون الإرادة، وتمام الكلام في أن الله تعالى أمر بالذبح ما تقدم في المسألة المتقدمة، والله أعلم.

المسألة الخامسة: في بيان الحكمة في ورود هذا التكليف في النوم لا في اليقظة وبيانه من وجوه: الأول: أن هذا التكليف كان في نهاية المشقة على الذابح والمذبوح، فورد أولاً في النوم حتى يصير ذلك كالمنبه لورود هذا التكليف الشاق، ثم يتأكد حال النوم بأحوال اليقظة، فحينئذٍ لا يهجم هذا التكليف دفعة واحدة بل شيئاً فشيئاً الثاني: أن الله تعالى جعل رؤيا الأنبياء عليهم السلام حقاً، قال الله تعالى في حق محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ لَّقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرؤيا بالحق لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام  ﴾ وقال عن يوسف عليه السلام: ﴿ إِنّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشمس والقمر رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ  ﴾ وقال في حق إبراهيم عليه السلام: ﴿ إِنّى أرى فِي المنام أَنّى أَذْبَحُكَ ﴾ والمقصود من ذلك تقوية الدلالة على كونهم صادقين، لأن الحال إما حال يقظة وإما حال منام، فإذا تظاهرت الحالتان على الصدق، كان ذلك هو النهاية في بيان كونهم محقين صادقين في كل الأحوال، والله أعلم.

ثم نقول مقامات الأنبياء عليهم السلام على ثلاثة أقسام منها ما يقع على وفق الرؤية كما في قوله تعالى في حق رسولنا صلى الله عليه وسلم: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام ﴾ ثم وقع ذلك الشيء بعينه، ومنها ما يقع على الضد كما في حق إبراهيم عليه السلام فإنه رأى الذبح وكان الحاصل هو الفداء والنجاة، ومنها ما يقع على ضرب من التأويل والمناسبة كما في رؤيا يوسف عليه السلام، فلهذا السبب أطبق أهل التعبير على أن المنامات واقعة على هذه الوجوه الثلاثة.

المسألة السادسة: قرأ حمزة والكسائي: ﴿ تَرَى ﴾ بضم التاء وكسر الراء، أن ما ترى من نفسك من الصبر والتسليم؟

وقيل ما تشير، والباقون بفتح التاء، ثم منهم من يميل ومنهم من لا يميل.

المسألة السابعة: الحكمة في مشاورة الإبن في هذا الباب أن يطلع ابنه على هذه الواقعة ليظهر له صبره في طاعة الله فتكون فيه قرة عين لإبراهيم حيث يراه قد بلغ في الحلم إلى هذا الحد العظيم، وفي الصبر على أشد المكاره إلى هذه الدرجة العالية ويحصل للابن الثواب العظيم في الآخرة والثناء الحسن في الدنيا، ثم إنه تعالى حكى عن ولد إبراهيم عليه السلام أنه قال: ﴿ افعل مَا تُؤمَرُ ﴾ ومعناه افعل ما تؤمر به، فحذف الجار كما حذف من قوله: أمرتك الخبر فافعل ما أمرت به *** ثم قال: ﴿ سَتَجِدُنِى إِن شَاء الله مِنَ الصابرين ﴾ وإنما علق ذلك بمشيئة الله تعالى على سبيل التبرك والتيمن، وأنه لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله.

ثم قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا أَسْلَمَا ﴾ يقال سلم لأمر الله وأسلم واستسلم بمعنى واحد، وقد قرئ بهن جميعاً إذ انقاد له وخضع، وأصلها من قولك سلم هذا لفلان إذا خلص له، ومعناه سلم من أن ينازع فيه، وقولهم سلم لأمر الله وأسلم له منقولان عنه بالهمزة، وحقيقة معناها أخلص نفسه لله وجعلها سالمة له خالصة، وكذلك معنى استسلم استخلص نفسه لله وعن قتادة في أسلما أسلم هذا ابنه وهذا نفسه، ثم قال تعالى: ﴿ وتله للجبين ﴾ أي صرعه على شقه فوقع أحد جبينيه على الأرض وللوجه جبينان، والجبهة بينهما، قال ابن الأعرابي التليل والمتلول المصروع والمتل الذي يتل به أي يصرع، فالمعنى أنه صرعه على جبينه، وقال مقاتل كبه على جبهته، وهذا خطأ لأن الجبين غير الجبهة.

ثم قال تعالى: ﴿ وناديناه أَن ياإبراهيم قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيا ﴾ وفيه قولان الأول: أن هذا جواب فلما عند الكوفيين والفراء والواو زائدة والقول الثاني: أن عند البصريين لا يجوز ذلك والجواب مقدر والتقدير: فلما فعل ذلك وناداه الله أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا، سعد سعادة عظيمة وآتاه الله نبوة ولده وأجزل له الثواب، قالوا: وحذف الجواب ليس بغريب في القرآن والفائدة فيه أنه إذا كان محذوفاً كان أعظم وأفخم، قال المفسرون لما أضجعه للذبح نودي من الجبل: ﴿ ياإبراهيم قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيا ﴾ قال المحققون: السبب في هذا التكليف كمال طاعة إبراهيم لتكاليف الله تعالى فلما كلفه الله تعالى بهذا التكليف الشاق الشديد وظهر منه كمال الطاعة وظهر من ولده كمال الطاعة والانقياد، لا جرم قال قد صدقت الرؤيا، يعني حصل المقصود من تلك الرؤيا.

وقوله: ﴿ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين ﴾ ابتداء إخبار من الله تعالى، وليس يتصل بما تقدم من الكلام، والمعنى أن إبراهيم وولده كانا محسنين في هذه الطاعة، فكما جزينا هذين المحسنين فكذلك نجزي كل المحسنين.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ هذا لَهُوَ البلاء المبين ﴾ أي الاختبار البين الذي يتميز فيه المخلصون من غيرهم أو المحنة البينة الصعوبة التي لا محنة أصعب منها ﴿ وفديناه بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾ الذبح مصدر ذبحت والذبح أيضاً ما يذبح وهو المراد في هذه الآية، وهاهنا مباحث تتعلق بالحكايات فالأول: حكي في قصة الذبيح أن إبراهيم عليه السلام لما أراد ذبحه قال: يا بني خذ الحبل والمدية وانطلق بنا إلى الشعب نحتطب، فلما توسطا شعب ثبير أخبره بما أمر به، فقال: يا أبت اشدد رباطي فيَّ كيلا أضطرب، واكفف عني ثيابك لا ينتضح عليها شيء من دمي فتراه أمي فتحزن، واستحد شفرتك وأسرع إمرارها على حلقي ليكون أهون فإن الموت شديد، واقرأ على أمي سلامي وإن رأيت أن ترد قميصي على أمي فافعل فإنه عسى أن يكون أسهل لها، فقال إبراهيم عليه السلام: نعم العون أنت يا بني على أمر الله، ثم أقبل عليه يقبله وقد ربطه وهما يبكيان ثم وضع السكين على حلقه فقال: كبني على وجهي فإنك إذا نظرت وجهي رحمتني وأدركتك رقة وقد تحول بينك وبين أمر الله سبحانه وتعالى ففعل ثم وضع السكين على قفاه فانقلبت السكين ونودي يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا.

البحث الثاني: اختلفوا في ذلك الكبش فقيل إنه الكبش الذي تقرب به هابيل بن آدم إلى الله تعالى فقبله، وكان في الجنة يرعى حتى فدى الله تعالى به إسماعيل، وقال آخرون أرسل الله كبشاً من الجنة قد رعى أربعين خريفاً، وقال السدي: نودي إبراهيم فالتفت فإذا هو بكبش أملح انحط من الجبل، فقام عنه إبراهيم فأخذه فذبحه، وخلى عن ابنه، ثم اعتنق ابنه وقال: يا بني اليوم وهبت لي، وأما قوله: ﴿ عظِيمٌ ﴾ فقيل سمي عظيماً لعظمه وسمنه، وقال سعيد بن جبير حق له أن يكون عظيماً وقد رعى في الجنة أربعين خريفاً، وقيل سمي عظيماً لعظم قدره حيث قبله الله تعالى فداء عن ولد إبراهيم، ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المؤمنين ﴾ الضمير في قوله: ﴿ إِنَّهُ ﴾ عائد إلى إبراهيم، ثم قال تعالى: ﴿ وبشرناه بإسحاق نَبِيّاً مّنَ الصالحين ﴾ فقوله: ﴿ نَبِيّاً ﴾ حال مقدرة أي بشرناه بوجود إسحاق مقدرة نبوته، ولمن يقول إن الذبيح هو إسماعيل أن يحتج بهذه الآية، وذلك لأن قوله: ﴿ نَبِيّاً ﴾ حال ولا يجوز أن يكون المعنى فبشرناه بإسحاق حال كون إسحاق نبياً لأن البشارة به متقدمة على صيرورته نبياً، فوجب أن يكون المعنى وبشرناه بإسحاق حال ما قدرناه نبياً، وحال ما حكمنا عليه فصبر، وإذا كان الأمر كذلك فحينئذٍ كانت هذه البشارة بشارة بوجود إسحاق حاصلة بعد قصة الذبيح، فوجب أن يكون الذبيح غير إسحاق، أقصى ما في الباب أن يقال لا يبعد أن يقال هذه الآية وإن كانت متأخرة في التلاوة عن قصة الذبيح إلا أنها كانت متقدمة عليها في الوقوع والوجود، إلا أنا نقول الأصل رعاية الترتيب وعدم التغيير في النظم، والله أعلم بالصواب.

ثم قال تعالى: ﴿ وباركنا عَلَيْهِ وعلى إسحاق ﴾ وفي تفسير هذه البركة وجهان الأول: أنه تعالى أخرج جميع أنبياء بني إسرائيل من صلب إسحاق والثاني: أنه أبقى الثناء الحسن على إبراهيم وإسحاق إلى يوم القيامة، لأن البركة عبارة عن الدوام والثبات، ثم قال تعالى: ﴿ وَمِن ذُرّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وظالم لّنَفْسِهِ مُبِينٌ ﴾ وفي ذلك تنبيه على أنه لا يلزم من كثرة فضائل الأب فضيلة الابن، لئلا تصير هذه الشبهة سبباً لمفاخرة اليهود، ودخل تحت قوله: ﴿ مُحْسِنٌ ﴾ الأنبياء والمؤمنين وتحت قوله: ﴿ ظَالِمٌ ﴾ الكافر والفاسق، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ نَبِيّاً ﴾ حال مقدرة، كقوله تعالى: ﴿ فادخلوها خالدين ﴾ [الزمر: 73] .

فإن قلت: فرق بين هذا وبين قوله: (فادخلوها خالدين) وذلك أنّ المدخول موجود مع وجود الدخول، والخلود غير موجود معهما، فقدرت مقدرين الخلود فكان مستقيماً، وليس كذلك المبشر به، فإنه معدوم وقت وجود البشارة، وعدم المبشر به فإنه معدوم وقت وجود البشارة وعدم المبشر به أوجب عدم حاله لا محالة؛ لأنّ الحال حلية، والحلية لا تقوم إلا بالمحلى، وهذا المبشر به الذي هو إسحاق حين وجد لم توجد النبوّة أيضاً بوجوده، بل تراخت عنه مدّة متطاولة، فكيف يجعل نبياً حالاً مقدّرة، والحال صفة الفاعل أو المفعول عند وجود الفعل منه أو به؛ فالخلود وإن يكن صفتهم عند دخول الجنة، فتقديرها صفتهم؛ لأنّ المعنى مقدّرين الخلود، وليس كذلك النبوّة؛ فإنه لا سبيل إلى أن تكون موجودة أو مقدّرة وقت وجود البشارة بإسحاق لعدم إسحاق.

قلت: هذا سؤال دقيق السلك ضيق المسلك، والذي يحل الإشكال: أنه لابد من تقدير مضاف محذوف، وذلك قولك: وبشرناه بوجود إسحاق نبياً، أي بأن يوجد مقدّرة نبوّته؛ فالعامل في الحال الوجود لا فعل البشارة، وبذلك يرجع، نظير قوله تعالى: ﴿ فادخلوها خالدين ﴾ [الزمر: 73] ﴿ مّنَ الصالحين ﴾ حال ثانية، وورودها على سبيل الثناء والتقريظ؛ لأنّ كل نبي لابد أن يكون من الصالحين.

وعن قتادة: بشره الله بنبوّة إسحاق بعد ما امتحنه بذبحه، وهذا جواب من يقول الذبيح إسحاق لصاحبه عن تعلقه لقوله: ﴿ وبشرناه بإسحاق ﴾ قالوا: ولا يجوز أن يبشره الله بمولده ونبوّته معاً؛ لأن الامتحان بذبحه لا يصحّ مع علمه بأنه سيكون نبياً ﴿ وباركنا عَلَيْهِ وعلى إسحاق ﴾ وقرئ: ﴿ وبَرَّكْنا ﴾ أي: أفضنا عليهما بركات الدين والدنيا، كقوله: ﴿ وَآتَيْنَاه أَجْرَهُ فِي الدنيا وَإِنَّهُ فِي الأَخِرَةِ لَمِنَ الصالحين ﴾ [العنكبوت: 27] وقيل: باركنا على إبراهيم في أولاده، وعلى إسحاق بأن أخرجنا أنبياء بني إسرائيل من صلبه.

وقوله: ﴿ وظالم لّنَفْسِهِ ﴾ نظيره: ﴿ قَالَ وَمِن ذُرّيَّتِى؟

قَالَ: لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين ﴾ [البقرة: 124] وفيه تنبيه على أن الخبيث والطيب لا يجري أمرهما على العرق والعنصر، فقد يلد البر الفاجر، والفاجر البر.

وهذا مما يهدم أمر الطبائع والعناصر، وعلى أن الظلم في أعقابهما لم يعد عليهما بعيب ولا نقيصة، وأنّ المرء يعاب بسوء فعله ويعاتب على ما اجترحت يداه، لا على ما وجد من أصله أو فرعه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ مُقْضِيًا نُبُوَّتَهُ مُقَدِّرًا كَوْنَهُ مِنَ الصّالِحِينَ وبِهَذا الِاعْتِبارِ وقَعا حالَيْنِ ولا حاجَةَ إلى وُجُودِ المُبَشَّرِ بِهِ وقْتَ البِشارَةِ، فَإنَّ وُجُودَ ذِي الحالِ غَيْرُ شَرْطٍ بَلِ الشَّرْطُ مُقارَنَةُ تَعَلُّقِ الفِعْلِ بِهِ لِاعْتِبارِ المَعْنى بِالحالِ، فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ يَجْعَلُ عامِلًا فِيهِما مَثَلًا و ( بَشَّرْناهُ ) بِوُجُودِ إسْحاقَ أيْ بِأنْ يُوجَدَ إسْحاقُ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ، ومَعَ ذَلِكَ لا يَصِيرُ نَظِيرَ قَوْلِهِ: ﴿ فادْخُلُوها خالِدِينَ ﴾ فَإنَّ الدّاخِلِينَ مُقَدِّرُونَ خُلُودَهم وقْتَ الدُّخُولِ وإسْحاقُ لَمْ يَكُنْ مُقَدِّرًا نُبُوَّةَ نَفْسِهِ وصَلاحَها حِينَما يُوجَدُ، ومَن فَسَّرَ الذَّبِيحَ بِإسْحاقَ جَعَلَ المَقْصُودَ مِنَ البِشارَةِ نُبُوَّتَهُ، وفي ذِكْرِ الصَّلاحِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ تَعْظِيمٌ لِشَأْنِهِ وإيماءٌ بِأنَّهُ الغايَةُ لَها لِتَضَمُّنِها مَعْنى الكَمالِ والتَّكْمِيلِ بِالفِعْلِ عَلى الإطْلاقِ.

﴿ وَبارَكْنا عَلَيْهِ ﴾ عَلى إبْراهِيمَ في أوْلادِهِ.

﴿ وَعَلى إسْحاقَ ﴾ بِأنْ أخْرَجْنا مِن صُلْبِهِ أنْبِياءَ بَنِي إسْرائِيلَ وغَيْرِهِمْ كَأيُّوبَ وشُعَيْبٍ، أوْ أفَضْنا عَلَيْهِما بَرَكاتِ الدِّينِ والدُّنْيا، وقُرِئَ «وَبَرَكْنا».

﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ ﴾ في عَمَلِهِ أوْ إلى نَفْسِهِ بِالإيمانِ والطّاعَةِ.

﴿ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ ﴾ بِالكُفْرِ والمَعاصِي.

﴿ مُبِينٌ ﴾ ظاهِرٌ ظُلْمُهُ، وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ النَّسَبَ لا أثَرَ لَهُ في الهُدى والضَّلالِ وأنَّ الظُّلْمَ في أعْقابِهِما لا يَعُودُ عَلَيْهِما بِنَقِيصَةٍ وعَيْبٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)

{إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المؤمنين وبشرناه بإسحاق نَبِيّاً} حال مقدرة من اسحق ولا بد من تقدير مضاف محذوف أي وبشرناه بوجود

إسحق نبياً أي بأن يوجد مقدرة نبوّته فالعامل في الحال الوجود لا البشارة {مِّنَ الصالحين} حال ثانية وورودها على سبيل الثناء لأن كل نبي لا بد وأن يكون من الصالحين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ ﴾ الكَلامُ فِيهِ كَما تَقَدَّمَ.

﴿ وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا ﴾ حالٌ مِن إسْحاقَ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى ﴿ مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ وفي ذَلِكَ تَعْظِيمُ شَأْنِ الصَّلاحِ، وفي تَأْخِيرِهِ إيماءٌ إلى أنَّهُ الغايَةُ لَها لِتَضَمُّنِها مَعْنى الكَمالِ والتَّكْمِيلِ والمَقْصُودُ مِنهُما الإتْيانُ بِالأفْعالِ الحَسَنَةِ السَّدِيدَةِ وهو في الِاسْتِعْمالِ يَخْتَصُّ بِها.

وجُوِّزَ كَوْنُ (مِنَ الصّالِحِينَ) حالًا، وكَوْنُ (نَبِيًّا) حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ، وقُدِّمَ في اللَّفْظِ لِلِاهْتِمامِ، ولِئَلّا تَخْتَلَّ رُءُوسُ الآيِ، وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ، عَلى أنَّ في جَوازِ تَقْدِيمِ الحالِ مُطْلَقًا أوِ اطِّرادِهِ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ كَلامًا لا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ الألْفِيَّةَ وشُرُوحَها، وفِيهِ ما فِيهِ مِن بُعْدٍ، وجُوِّزَ أيْضًا كَوْنُهُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لَـ”نَبِيًّا“، والكَلامُ عَلى الأوَّلِ - وهو الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ - أمْدَحُ كَما لا يَخْفى، والمُرادُ كَوْنُهُ نَبِيًّا وكَوْنُهُ مِنَ الصّالِحِينَ في قَضاءِ اللَّهِ تَعالى وتَقْدِيرِهِ أيْ مَقْضِيًّا كَوْنُهُ نَبِيًّا مَقْضِيًّا كَوْنُهُ مِنَ الصّالِحِينَ، وإنْ شِئْتَ فَقُلْ: مُقَدَّرًا، ولا يَكُونانِ بِذَلِكَ مِنَ الحالِ المُقَدَّرَةِ الَّتِي تُذْكَرُ في مُقابَلَةِ المُقارَنَةِ؛ بَلْ هُما بِهَذا الِاعْتِبارِ حالانِ مُقارِنانِ لِلْعامِلِ وهو فِعْلُ البِشارَةِ، أوْ شَيْءٍ آخَرَ مَحْذُوفٍ أيْ بَشَّرْناهُ بِوُجُودِ إسْحاقَ نَبِيًّا...

إلَخْ، وأوْجَبَ غَيْرُ واحِدٍ تَقْدِيرَ ذَلِكَ مُعَلِّلًا بِأنَّ البِشارَةَ لا تَتَعَلَّقُ بِالأعْيانِ بَلْ بِالمَعانِي.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ أنَّها لا تُسْتَعْمَلُ إلّا مُتَعَلِّقَةً بِالأعْيانِ فالواقِعُ خِلافُهُ كَـ ﴿ بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ﴾ ، فَإنْ قِيلَ إنَّما يَصِحُّ بِتَقْدِيرٍ وِلادَةٍ ونَحْوِهِ مِنَ المَعانِي فَهو مَحَلُّ النِّزاعِ فَلا وجْهَ لَهُ، والَّذِي يَمِيلُ إلَيْهِ القَلْبُ أنَّ المَعْنى عَلى إرادَةِ ذَلِكَ، ورُبَّما يُدَّعى أنَّ مَعْنى البِشارَةِ تَسْتَدْعِي تَقْدِيرَ مَعْنًى مِنَ المَعانِي، وقِيلَ هُما حالانِ مُقَدَّرانِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ فادْخُلُوها خالِدِينَ ﴾ وفِيهِ بَحْثٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

.

وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي يعني: إني مهاجر إلى طاعة ربي.

ويقال: من أرض ربي.

إلى أرض ربي.

وقال مقاتل: يعني: من بابل إلى بيت المقدس.

ويقال: من أرض حران إلى بيت المقدس، سَيَهْدِينِ يعني: يحفظني ويقال: إني مهاجر إلى ربي يعني: مقبل إلى طاعة ربي سَيَهْدِينِ أي سيرشدني ربي.

ويقال: سيعينني.

قوله عز وجل: رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ يعني: يا رب أعطني ولداً صالحاً من المسلمين فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ يعني: حليم في صغره، عليم في كبره.

قوله عز وجل: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ إلى الحج، ويقال: إلى الجبل قالَ إبراهيم-  - لابنه يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ قال مقاتل: هو إسحاق.

وقال الكلبي: هو إسماعيل.

وروى معمر عن الزهري قال في قوله: فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قال ابن عباس: هو إسماعيل.

وكان ذلك بمنًى.

وقال كعب: هو إسحاق.

وكان ذلك ببيت المقدس.

وقال مجاهد، وابن عمر، ومحمد بن كعب القرظي هو إسماعيل.

وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: هو إسحاق.

وهكذا روي عن ابن عباس، وهكذا قال وعكرمة، وقتادة، وأبو طالب أنه قال: هو إسحاق.

وهكذا روي عن ابن عباس، وهكذا قال وعكرمة، وقتادة، وأبو هريرة، وعبد الله بن سلام-  م- وهكذا قال أهل الكتابين كلهم، والذي قال: هو إسماعيل احتج بالكتاب والخبر، أما الكتاب فهو أنه لما ذكر قصة الذبح قال على أثر ذلك: وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا وأما الخبر فما روي عن رسول الله  أنه قال «أنَا ابْنُ الذَّبِيحَيْن» يعني: أباه عبد الله بن عبد المطلب، وإسماعيل بن إبراهيم.

وأما الذي يقول: هو إسحاق يحتج بما روي في الخبر، أنه ذكر نسبة يوسف، فقال: كان يوسف أشرف نسباً.

يوسف صديق الله بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله قد اختلفوا فيه هذا الاختلاف، والله أعلم بالصواب، والظاهر عند العامة هو إسحاق.

فذلك قوله: يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فظاهر اللفظ أنه رأى في المنام أنه يذبحه، ولكن معناه: إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أني قد أمرت بذبحك بدليل ما قال في سياق الآية: يا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ وروي في الخبر: «أنَّهُ رَأَى فِي المَنَامِ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّ الله يَأْمُرُكَ أَنْ تَذْبَحَ وَلَدَكَ فَاسْتَيْقَظَ خَائِفاً، وَقَالَ: أَعُوذُ بِالله من الشيطان الرجيم.

ثم رَأَى فِي المَنَامِ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ مِثْلَ ذلك، فَاسْتَيْقَظَ وَضَمَّ ابْنَهُ إلى نَفْسِهِ، وَجَعَلَ يَبْكِي حَتَّى أَصْبَحَ، فَانقادَ لأمْرِ الله تَعَالَى، وَقَالَ لامْرَأتِهِ سَارَّة إنِّي أرِيدُ أنْ أَخْرُجَ إلى طَاعَةِ رَبِّي، فَابْعَثِي ابْنِي مَعِي، فَجَهَّزَتْهُ، وَبَعَثَتْهُ مَعَهُ» قال كعب الأحبار: قال الشيطان: إن لم أفتن هؤلاء عند هذه لم أفتنهم أبداً.

فلما خرج إبراهيم بابنه ليذبحه، فذهب الشيطان، ودخل على سارة.

فقال: أين ذهب إبراهيم بابنك؟

فقالت: غدا به لبعض حاجته.

قال: إنه لم يغد به لحاجته، ولكنه إنما ذهب به ليذبحه، فقالت: ولم يذبحه؟

قال: يزعم أن ربه أمره بذلك.

فقالت: قد أحسن أن يطيع ربه، فخرج في أثرهما، فقال للغلام: أين يذهب بك أبوك؟

قال لبعض حاجته.

قال: فإنه لا يذهب بك لحاجته، ولكنه إنما يذهب بك ليذبحك.

فقال: ولم يذبحني؟

قال: يزعم أن ربه أمره بذلك.

قال: فو الله لئن كان الله أمره بذلك، ليفعلن.

فتركه ولحق بإبراهيم، فقال: أين غدوت بابنك؟

قال: لحاجة.

قال: فإنك لم تغد به لحاجة، وإنما غدوت به لتذبحه.

قال ولم أذبحه؟

قال: تزعم أن الله تعالى أمرك بذلك.

قال: فو الله لئن كان الله أمرني بذلك لأفعلن.

فتركه، وأيس من أن يطاع.

قوله عز وجل: فَانْظُرْ مَاذَا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ فأوحى الله تعالى إلى إسحاق أن ادعو، فإن لك دعوة مستجابة.

فقال إسحاق: اللَّهم إني أدعوك أن تستجيب لي في أيما عبد من الأولين والآخرين لقيك لا يشرك بك شيئاً أن تدخله الجنة.

وقال مجاهد: إن إبراهيم-  - لما أراد أن يذبح ابنه بالسكين، قال ابنه: يا أبت خذ بناصيتي، واجلس بين كتفي، حتى لا أوذيك إذا أصابني حدّ السكين، ولا تذبحني وأنت تنظر في وجهي، عسى أن ترحمني، واجعل وجهي إلى الأرض، ففعل إبراهيم.

فلما أمرّ السكينة على حلقه، انقلبت.

فقال: يا أبت ما لك؟

قال: قد انقلبت السكين.

قال: فاطعن بها طعناً.

قال: فطعن، فانثنت.

قال: فعرف الله عز وجل الصدق منه، ففداه بذبح عظيم، وقال: هو إسحاق.

وروى أسباط عن السدي قال: كان من شأن إسحاق حين أراد أبوه أن يذبحه.

أنه ركب مع أبيه في حاجة، فأعجبه شبابه، وحسن هيئته، وكان إبراهيم حين بشر بإسحاق قبل أن يولد له، قال: هو إذاً لله ذبيح.

فقيل لإبراهيم في منامه: قد نذرت لله نذراً فاوفيه، فلما أصبح قال: يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ يقول: قد أمرت بذبحك قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ قال: فانطلق معي، وأخبر أمك أنك تنطلق إلى أخوالك، وأخذ إبراهيم معه حبلاً، ومدية، يعني: السكين.

فقال له: يا أبتاه حدها فإنه أهون للموت.

فانطلق به، حتى أتى به جبلاً من جبال الشام.

فأضجعه في أصرة، وربط يديه ورجليه، فقال له إسحاق: يا أبتاه شدّ رباطي، لكي لا أضطرب، فيصيب الدم ثيابك، فتراه سارة، فتحزن، فبكى إبراهيم بكاء شديداً.

وأخذ الشفرة، فوضعها على حلقه، وضرب الله تعالى على حلقه صفيحة نحاس، فجعل يحز، فلا تصنع شيئاً.

فلما رأى إبراهيم ذلك، قلّبه على وجهه، فضرب الله تعالى على قفاه صفيحة نحاس، وبكيا حتى ابتلت الأرض من دموعهما.

فجعل يحز، فلا تقطع شيئاً فنودي: أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا ودونك هذا الكبش فهو فداه.

فالتفت فإذا هو بكبش أبيض، أملح، ينحط من الجبل، وقد كان رعي في الجنة أربعين خريفاً، فخلّى عن ابنه، وأخذ الكبش فذبحه.

وقال وهب بن منبه: لما قال لإسحاق: يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ثم قال: يا أبت إني أوصيك بثلاثة أشياء.

قال: وكان إسحاق في ذلك اليوم ابن سبع سنين.

أحدهما: أن تربط يدي لكيلا أضطرب فأؤذيك، والثاني أن تجعل وجهي إلى الأرض لكيلا تنظر إلى وجهي فترحمني، والثالث أن تذهب بقميصي إلى أمي ليكون القميص عندها تذكرة مني.

فذلك قوله: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرى قرأ حمزة والكسائي مَاذَا تَرى بضم التاء.

يعني: ماذا ترى من صبرك.

ويقال: معناه ماذا تشير.

وقرأ الباقون: بالنصب، وهو من الرأي.

يعني: ماذا ترى من صبرك.

ويقال: معناه ماذا تشير فيما أمر الله به.

ويقال: هو من المشورة والرأي قال أبو عبيد: بالنصب تقرأ لأن هذا في موضع المشورة والرأي، والآخر يستعمل في رؤية العين قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ على الذبح.

قوله عز وجل: فَلَمَّا أَسْلَما يعني: اتفقا على أمر الله تعالى.

قال قتادة: أسلم هذا نفسه لله تعالى.

وأسلم هذا ابنه لله تعالى.

وروي عن ابن مسعود-  - أنه قرأ: فلما سلما يعني: رضيا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ يعني: صرعه على جبينه.

أي: على وجهه.

وقال القتبي وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ يعني: جعل إحدى جبينيه على الأرض، وهما جبينان، والجبهة بينهما وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا وقال القتبي: الواو زيادة.

ومعناه: فلما أسلما وتله للجبين ناديناه وهذا كما قال امرئ القيس: فلما أجزنا ساحة الحَيِّ وانْتَحَى ...

بِنَا بَطْنُ خَبْت ذي حِقافٍ عَقَنْقَلِ يعني: انتحى، والواو زيادة.

وقال بعضهم: في الآية مضمر.

ومعناه فَلَمَّا أَسْلَما سلما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وذكر عن الخليل بن أحمد أنه سئل عن هذه الآية: فقال: ليس لنا في كِتَابِ الله عَزَّ وَجَلَّ متكلم.

فقيل له: فما مثله في العربية.

فقال: قول امرئ القيس: فلما أجزنا، ساحة الحي أجزنا وانتحى بنا.

كذلك قوله: أَسْلَما سلما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ.

وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا يعني: أوفيت الوعد، وائتمرت ما أمرت لقول الله تعالى: إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ كما فعلت يا إبراهيم.

قوله: إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ يعني: الاختبار البيّن.

ثم قال: وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ يعني: بكبش عظيم.

والذبح بكسر الذال اسم لما يذبح، وبالنصب مصدر.

وروي عن ابن عباس أنه قال: حدثني من رأى قرني الكبش، معلقين في الكعبة، وهو الكبش الذي ذبحه إبراهيم عن إسماعيل- عليهما السلام-.

ثم قال: وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ قال: الثناء الحسن سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ يعني: سلام الله على إبراهيم.

ويقال: هذا موصول بالأول.

يعني: وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ يعني: أثنينا  في الآخرين.

قوله: كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ يعني: المصدقين، المخلصين.

ثم قال عز وجل: وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ يعني: بشرناه بنبوة إسحاق بعد ما أمر بذبح إسحاق.

وقال ابن عباس: بشر بإسحاق بعد ما أمر بذبح إسماعيل.

وكان إسماعيل أكبر من إسحاق بثلاث عشرة سنة.

ثم قال عز وجل: وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ أي: على إبراهيم وعلى إسحاق، وبركته النماء، والزيادة في الأموال، والأولاد، فكان من صلبه ذرية لا تحصى وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ مثل موسى، وهارون، وداود، وسليمان، وعيسى- عليهم السلام- ومؤمنو أهل الكتاب وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ يعني: الذين كَفَرُواْ بآيات الله عزَّ وجلَّ.

وروي عن ابن عباس أنه قال: قد رعي الكبش في الجنة أربعين خريفاً.

وقال بعضهم: هي الشاة التي تقرب بها هابيل ابن آدم- عليهما السلام- فتقبل منه قربانه، ورفع إلى السماء حياً، ثم جعل بدلاً عن ذبح إسماعيل أو إسحاق.

ويقال: هي الشاة التي خلقها الله تعالى لأجله.

وقال بعضهم: إنها وعلة من البر، يعني: بقرة وحش من البر جبلية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: فَلَمَّا أَسْلَما أي: أسلما أنفسهمَا، واستسلما لله- عز وجل-، وقَرَأ ابن عبَّاس وجماعة: «سَلَّمَا» «١» ، والمعنى فَوَّضَا إليه في قضائه وقَدَرِهِ- سبحانه-، فأسْلَم إبراهيمُ ابْنَهُ، وأسْلَمَ الابْنُ نَفْسَهُ، قال بعْضُ البَصْرِيين «٢» : جوابُ «لما» محذوفٌ تقديره:

فلما أسْلَمَا وَتَلَّهُ للجبينِ، أُجْزِلَ أجْرُهُما، ونحوُ هذا مِمَّا يَقْتَضِيهِ المعنى، وَتَلَّهُ معناه:

وَضَعَه بقوَّةٍ ومنْه الحديثُ في القدح: فتلّه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في يده «٣» ، أي: وضعه بقوّة، ولِلْجَبِينِ معناه: لتلك الجهةِ وعليها، كما يقولون في المثل: [الطويل]

...............

..

...

وخرّ صريعا لليدين وللفم

وكما تقول: سَقَطَ لِشِقِّهِ الأيْسَرِ، والجَبِينانِ: ما اكتنف الجبهة من هاهنا، ومن هاهنا، و «أن» من قوله: أَنْ يا إِبْراهِيمُ مفسّرة لا موضع لها من الإعراب، وصَدَّقْتَ الرُّؤْيا يحتملُ أنْ يريدَ بقَلْبِكَ أو بِعَمَلِكَ، و «الرؤيا» اسمٌ لِمَا يرى مِن قِبَلِ اللَّهِ- تعالى-، والمَنَامُ والحُلْمُ: اسمٌ لما يرى منْ قِبَلِ الشَّيْطَانِ ومنه الحديث الصحيح: «الرُّؤْيَا من الله، والحلم من الشيطان» ، والْبَلاءُ: الاخْتِبَارُ، والذَّبْحُ العظيمُ» في قول الجمهور: كَبْشٌ أبْيَضُ أعْيَنُ، وَجَدَهُ وَرَاءَهُ مَرْبُوطاً بسَمُرَةٍ، وأَهْلُ السُّنَّةِ على أَنَّ هذه الْقِصَّةَ نُسِخَ فيها العَزْمُ على الْفِعْلِ خلافاً للمعتزلة، قال أحمد بن نصر الداوديّ: وإنْ نَسَخَ اللَّهُ آيةً قَبْلَ العَمَلِ بِهَا فإنَّما يَنْسَخُها بَعْدَ اعْتِقَادِ قَبُولِها وهُوَ عَمَلٌ انتهى من تفسيره عند قوله تعالى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ [البقرة: ١٠٦] ، قال ع «١» : ولا خلافَ أَنَّ إبْرَاهِيمَ أَمَرَّ الشَّفْرَةَ على حَلْقِ ابنه فَلَمْ تَقْطَعْ، والجمهورُ أَنَّ أمْرَ الذَّبْحِ كانَ بِمِنًى، وقال الشَّعْبِيُّ: رَأَيْتُ قَرْنَيْ كَبْشِ إبْرَاهِيمَ مُعَلَّقَتَيْنِ في الكَعْبَةِ «٢» ، وروى عِمْرَانُ بنُ حُصَيْنٍ: أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «يَا فَاطِمَةُ، قُومِي لاٌّضْحِيَتِكِ، فاشهديها فَإِنَّهُ يُغْفَرُ لَكِ عِنْدَ أَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهَا كُلُّ ذَنْبٍ عَمِلْتِيهِ، وَقُولِي: إنَّ صَلاَتِي ونُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَه وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ المُسْلِمِينَ» قال عِمْرَانُ: قلت: يا رسُولَ اللَّهِ، هَذَا لَكَ وَلأَهْلِ بَيْتِكَ خَاصَّةً، أَمْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً؟

قَال:

«لاَ، بَلْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً» رواه الحاكم في «المستدرك» «٣» انتهى من «السِّلاَح» .

وقوله تعالى: وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ توعُّد لمنْ كَفَرَ من اليهودِ بمحمَّد ع، والْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ: هو التوراةُ، قال قتادة وابن مَسْعُود: إلياس: هو إدريس- عليه

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالسَّعْيِ هاهُنا: العَمَلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ المَشْيُ، والمَعْنى: مَشى مَعَ أبِيهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: بَلَغَ أنْ يَنْصَرِفَ مَعَهُ ويُعَيِّنَهُ.

قالَ ابْنُ السّائِبِ: كانَ ابْنُ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةٍ.

والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالسَّعْيِ: العِبادَةُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ؛ فَعَلى هَذا، يَكُونُ قَدْ بَلَغَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ ﴾ أكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ لَمْ يَرَ أنَّهُ ذَبَحَهُ في المَنامِ، وإنَّما المَعْنى أنَّهُ أُمِرَ في المَنامِ بِذَبْحِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ ﴾ .

وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ رَأى أنَّهُ يُعالِجُ ذَبْحَهُ، ولَمْ يَرَ إراقَةَ الدَّمِ قالَ قَتادَةُ: ورُؤْيا الأنْبِياءِ حَقٌّ، إذا رَأوْا شَيْئًا، فَعَلُوهُ.

وذَكَرَ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ أنَّهُ لَمّا بَشَّرَ جِبْرِيلُ سارَّةَ بِالوَلَدِ، قالَ إبْراهِيمَ: هو إذًا لِلَّهِ ذَبِيحٌ، فَلَمّا فَرَغَ مِن بُنْيانِ البَيْتِ، أُتِيَ في المَنامِ، فَقِيلَ لَهُ: أوْفِ بِنَذْرِكَ.

واخْتَلَفُوا في الذَّبِيحِ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: [أنَّهُ] إسْحاقُ، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والعَبّاسُ ابْنُ عَبْدِ المَطَّلِبِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وأنَسٌ، وكَعْبُ الأحْبارِ، ووَهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، [وَمَسْرُوقٌ]، وعَبِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ، والقاسِمُ ابْنُ أبِي بَزَّةَ، ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وهَؤُلاءِ يَقُولُونَ: كانَتْ هَذِهِ القِصَّةُ بِالشّامِ.

وقِيلَ: طُوِيَتْ لَهُ الأرْضُ حَتّى حَمَلَهُ إلى المَنحَرِ بِمِنًى في ساعَةٍ.

والثّانِي: أنَّهُ إسْماعِيلُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، والشَّعْبِيُّ، ومُجاهِدٌ، ويُوسُفُ بْنُ مَهْرانَ، وأبُو صالِحٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سِابِطٍ.

واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَرَوى عَنْهُ عِكْرِمَةُ أنَّهُ إسْحاقُ، ورَوى عَنْهُ عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو الجَوْزاءِ، ويُوسُفُ بْنُ مَهْرانِ أنَّهُ إسْماعِيلُ، ورَوى عَنْهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ كالقَوْلَيْنِ.

وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةَ، والزُّهْرِيِّ، وقَتادَةِ، والسُّدِّيِّ رِوايَتانِ.

وكَذَلِكَ عَنْ أحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رِوايَتانِ.

ولِكُلِّ قَوْمٍ حُجَّةٌ لَيْسَ هَذا مَوْضِعُها، وأصْحابُنا يَنْصُرُونَ القَوْلَ الأوَّلَ.

الإشارَةُ إلى قِصَّةِ الذَّبْحِ ذَكَرَ أهْلُ العِلْمِ بِالسَّيْرِ والتَّفْسِيرِ أنَّ إبْراهِيمَ لَمّا أرادَ ذَبْحَ ولَدِهِ، قالَ لَهُ: انْطَلِقْ فَنُقَرِّبَ قُرْبانًا إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَأخَذَ سِكِّينًا وحَبْلًا، ثُمَّ انْطَلَقَ، حَتّى إذا ذَهَبا بَيْنَ الجِبالِ، قالَ لَهُ الغُلامُ: يا أبَتِ أيْنَ قُرْبانُكَ؟

قالَ: يا بُنَيَّ إنِّي رَأيْتُ في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ، فَقالَ لَهُ: اشْدُدْ رِباطِي حَتّى لا أضْطَرِبَ، واكْفُفْ عَنِّي ثِيابَكَ حَتّى لا يَنْتَضِحَ عَلَيْكَ مِن دَمِي فَتَراهُ أُمِّي فَتَحْزَنَ، وأسْرِعْ مَرَّ السِّكِّينِ عَلى حَلْقِي لِيَكُونَ أهْوَنَ لِلْمَوْتِ عَلَيَّ، فَإذا أتَيْتَ أُمِّي فاقْرَأْ عَلَيْها السَّلامَ مِنِّي؛ فَأقْبَلَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ يُقَبِّلُهُ ويَبْكِي ويَقُولُ: نِعْمَ العَوْنُ أنْتَ يا بُنَيَّ عَلى أمْرِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ إنَّهُ أمْرَّ السِّكِّينَ عَلى حَلْقِهِ فَلَمْ يَحْكِ شَيْئًا.

وقالَ مُجاهِدٌ: لَمّا أمَرَّها عَلى حَلْقِهِ انْقَلَبَتْ، فَقالَ: مالِكٌ؟

انْقَلَبَتْ، قالَ: اطْعَنْ بِها طَعْنًا.

وقالَ السُّدِّيُّ: ضَرَبَ اللَّهُ عَلى حَلْقِهِ صَفِيحَةً مِن نُحاسٍ؛ وهَذا لا يُحْتاجُ إلَيْهِ، بَلْ مَنعُها بِالقُدْرَةِ أبْلَغُ.

قالُوا: فَلَمّا طَعَنَ بِها، نَبَتَ، وعِلْمَ اللَّهُ مِنهُما الصِّدْقَ في التَّسْلِيمِ، فَنُودِيَ: يا إبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا، هَذا فِداءُ ابْنِكَ؛ فَنَظَرَ إبْراهِيمُ، فَإذا جِبْرِيلُ مَعَهُ كَبْشٌ أمْلَحُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فانْظُرْ ماذا تَرى ﴾ لَمْ يُقُلْ لَهُ ذَلِكَ عَلى وجْهِ المُؤامَرَةِ في أمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَكِنْ أرادَ أنْ يَنْظُرَ ما عِنْدَهُ مِنَ الرَّأْيِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلْفٌ: "ماذا تُرِي" بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الرّاءِ؛ وفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: ماذا تُرِينِي مَن صَبْرِكَ أوْ جَزَعِكَ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والثّانِي: ماذا تَبَيَّنَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وقالَ غَيْرُهُ: ماذا تُشِيرُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: افْعَلْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن ذَبْحِي ﴿ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ ﴾ عَلى البَلاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا أسْلَما ﴾ أيِ: اسْتَسْلَما لِأمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَأطاعا ورَضِيا.

وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فَلَمّا سَلَّما" بِتَشْدِيدِ اللّامِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ قَبْلَ السِّينِ؛ والمَعْنى: سَلَّما لِأمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

وَفِي جَوابِ قَوْلِهِ: "فَلَمّا أسْلَما" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ جَوابَهُ: "وَنادَيْناهُ"، والواوُ زائِدَةٌ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والثّانِي: أنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ؛ والمَعْنى: فَلَمّا فَعَلَ ذَلِكَ، سَعِدَ وأجْزَلَ ثَوابَهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: صَرَعَهُ عَلى جَبِينِهِ فَصارَ أحَدُ جَبِينَيْهِ عَلى الأرْضِ، وهُما جَبِينانِ والجَبْهَةُ بَيْنَهُما، وهي ما أصابَ الأرْضَ في السُّجُودِ، والنّاسُ لا يَكادُونَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الجَبِينِ والجَبْهَةِ، فالجَبْهَةُ مَسْجِدُ الرَّجُلِ الَّذِي يُصِيبُهُ نَدَبُ السُّجُودِ، والجَبِينانِ يَكْتَنِفانِها، مِن كُلِّ جانِبٍ جَبِينٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنادَيْناهُ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: نُودِيَ مِنَ الجَبَلِ: ﴿ يا إبْراهِيمُ ﴾ ﴿ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: قَدْ عَمِلَتَ ما أُمِرْتَ، وذَلِكَ أنَّهُ قَصَدَ الذَّبْحَ بِما أمْكَنَهُ، وطاوَعَهُ الِابْنُ بِالتَّمْكِينِ مِنَ الذَّبْحِ، إلّا أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ صَرَفَ ذَلِكَ كَما شاءَ، فَصارَ كَأنَّهُ قَدْ ذَبَحَ وإنْ لَمْ يَتَحَقَّقِ الذَّبْحُ.

والثّانِي: أنَّهُ رَأى في المَنامِ مُعالَجَةَ الذَّبْحِ، ولَمْ يَرَ إراقَةَ الدَّمِ، فَلَمّا فَعَلَ في اليَقَظَةِ ما رَأى في المَنامِ، قِيلَ لَهُ: "قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا" .

وَقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ، والجَحْدَرِيُّ: "قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا" بِتَخْفِيفِ الدّالِ، وهاهُنا تَمَّ الكَلامُ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ إنّا كَذَلِكَ ﴾ أيْ: كَما ذَكَرْنا مِنَ العَفْوِ مِن ذَبْحِ ولَدِهِ ﴿ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ .

﴿ إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ ﴾ في ذَلِكَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: النِّعَمُ البَيِّنَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: الِاخْتِبارُ العَظِيمُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

فَعَلى الأوَّلِ، يَكُونُ قَوْلُهُ هَذا إشارَةً إلى العَفْوِ عَنِ الذَّبْحِ.

وعَلى الثّانِي، يَكُونُ إشارَةً إلى امْتِحانِهِ بِذَبْحِ ولَدِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفَدَيْناهُ ﴾ يَعْنِي: الذَّبِيحَ ﴿ بِذِبْحٍ ﴾ وهو بِكَسْرِ الذّالِ: اسْمُ ما ذُبِحَ، وبِفَتْحِ الذّالِ: مَصْدَرُ ذَبَحْتُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

ومَعْنى الآَيَةِ: خَلَّصْناهُ مِنَ الذَّبْحِ بِأنْ جَعْلَنا الذَّبْحَ فِداءً لَهُ.

وفي هَذا الذَّبْحِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ كانَ كَبْشًا أقْرَنَ قَدْ رَعى في الجَنَّةِ قَبْلَ ذَلِكَ أرْبَعِينَ عامًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ مُجاهِدٍ، وقالَ في رِوايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: هو الكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَهُ ابْنُ آَدَمَ فَتُقُبِّلَ مِنهُ، كانَ في الجَنَّةِ حَتّى فُدِيَ بِهِ.

والثّانِي: أنَّ إبْراهِيمَ فَدى ابْنَهُ بِكَبْشَيْنِ أبْيَضَيْنِ أعْيَنَيْنِ أقْرَنَيْنِ، رَواهُ أبُو الطُّفَيْلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: [أنَّهُ] ما فُدِيَ إلّا بِتَيْسٍ مِنَ الأوْرى، أُهْبِطَ عَلَيْهِ مِن ثَبِيرٍ، قالَهُ الحَسَنُ.

وَفِي مَعْنى ﴿ عَظِيمٍ ﴾ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: لِأنَّهُ كانَ قَدْ رَعى في الجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: لِأنَّهُ ذُبِحَ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ وسُنَّتِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: لِأنَّهُ مُتَقَبَّلٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: لَمّا قَرَّبَهُ ابْنُ آَدَمَ، رُفِعَ حَيًّا، فَرَعى في الجَنَّةِ، ثُمَّ جُعِلَ فِداءَ الذَّبِيحِ، فَتُقُبِّلَ مَرَّتَيْنِ.

والرّابِعُ: لِأنَّهُ عَظِيمُ الشَّخْصِ والبَرَكَةِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَرَكْنا عَلَيْهِ ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في هَذِهِ السُّورَةِ [الصّافّاتِ: ٧٨] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ ﴾ مِن قالَ: إنَّ إسْحاقَ الذَّبِيحُ، قالَ: بَشَّرَ إبْراهِيمَ بِنُبُوَّةِ إسْحاقَ، وأُثِيبَ إسْحاقُ بِصَبْرِهِ النُّبُوَّةَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عِكْرِمَةَ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

ومَن قالَ: الذَّبِيحُ إسْماعِيلُ، قالَ: بَشَّرَ اللَّهُ إبْراهِيمَ بِوَلَدٍ يَكُونُ نَبِيًّا بَعْدَ هَذِهِ القِصَّةِ، جَزاءً لِطاعَتِهِ وصَبْرِهِ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ ابْنِ المُسَيِّبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ﴾ يَعْنِي بِكَثْرَةِ ذُرِّيَّتِهِما، وهُمُ الأسْباطُ كُلُّهم ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ ﴾ أيْ: مُطِيعٌ لِلَّهِ ﴿ وَظالِمٌ ﴾ وهو العاصِي لَهُ وقِيلَ: المُحْسِنُ: المُؤْمِنُ، والظّالِمُ: الكافِرُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصالِحِينَ ﴾ ﴿ وَبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ ﴾ ﴿ وَنَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ ﴾ ﴿ وَنَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ ﴾ ﴿ وَآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ ﴾ مَن قالَ أنَّ الذَبِيحَ هو إسْماعِيلُ جَعَلَ هَذِهِ البِشارَةَ بِوِلادَةِ إسْحَقَ، وهي البِشارَةُ المُتَرَدِّدَةُ في غَيْرِ ما سُورَةٍ، ومَن جَعَلَ الذَبِيحَ إسْحاقَ جَعَلَ هَذِهِ البِشارَةَ لِنَفْسِ النُبُوَّةِ فَقَطْ.

والمِنَّةُ عَلى مُوسى وهارُونَ هي في النُبُوَّةِ وسائِرِ ما جَرى مَعَها مِن مَكانَتِها عِنْدَ اللهِ، و"الكَرْبُ العَظِيمُ" هو تَعَبُّدُ القِبْطِ لَهُمْ، ثُمَّ جَيْشُ فِرْعَوْنَ لَمّا قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ: "إنّا لَمُدْرَكُونَ"، ثُمَّ البَحْرُ بَعْدَ ذَلِكَ، والضَمِيرُ في "نَصَرْناهُمْ" عائِدٌ عَلى الجَماعَةِ المُتَقَدِّمِ ذَكْرُها، وهم مُوسى وهارُونُ وقَوْمُهُما.

وقالَ قَوْمٌ: أرادَ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَلامُ ولَكِنْ أخْرَجَ ضَمِيرَهُما مَخْرَجَ الجَمْعِ تَفْخِيمًا، وهَذا مِمّا تَفْعَلُهُ العَرَبُ، تُكَنِّي عَمَّنْ تُعَظِّمُ بِكِنايَةِ الجَماعَةِ.

و"الكِتابُ المُسْتَبِينُ": التَوْراةُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذه بشارة أخرى لإِبراهيم ومكرمة له، وهي غير البشارة بالغلام الحليم، فإسحاق غير الغلام الحليم.

وهذه البشارة هي التي ذكرت في القرآن في قوله تعالى: ﴿ فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ﴾ [هود: 71].

وتسمية المبشَّر به إسحاقَ تحتمل أن الله عيّن له اسماً يسمّيه به وهو مقتضى ما في الإصحاح السابع عشر من «سفر التكوين» «سارة امرأتك تلِد ابناً وتدعو اسمه إسحاق».

وتحتمل أن المراد: بشرناه بولدٍ الذي سمي إسحاق، وهو على الاحتمالين إشارة إلى أن الغلام المبشر به في الآية قبل هذه ليس هو الذي اسمه إسحاق فتعين أنه الذي سُمي إسماعيل.

ومعنى البشارة به البشارة بولادته له لأنّ البشارة لا تتعلق بالذوات بل تتعلق بالمعاني.

وانتصب ﴿ نبيئاً ﴾ على الحال من ﴿ إسحاق ﴾ ، فيجوز أن يكون حكاية للبشارة فيكون الحال حالاً مقدّراً لأن اتصاف إسحاق بالنبوءة بعد زمن البشارة بمدة طويلة بل هو لم يكن موجوداً، فالمعنى: وبشَّرناه بولادة ولد اسمه إسحاق مقدراً حالُه أنه نبيء، وعدم وجود صاحب الحال في وقت الوصف بالحال لا ينافي اتصافه بالحال على تقدير وجوده لأن وجود صاحب الحال غير شرط في وصفه بالحال بل الشرط مقارنة تعلق الفعل به مع اعتبار معنى الحال لأن غايته أنه من استعمال اسم الفاعل في زمان الاستقبال بالقرينة ولا تكون الحال المقدرة إلا كذلك، وطول زمان الاستقبال لا يتحدد، ومنه ما تقدم في قوله تعالى: ﴿ ويأتينا فرداً ﴾ في سورة [مريم: 80].

واعلم أن معنى الحال المقدرة أنها مقدّر حصولها غير حاصلة الآن والمقدِّر هو الناطق بها، وهي وصف لصاحبها في المستقبل وقيد لعاملها كيفما كان، فلا تحتفل بما أطال به في «الكشاف» ولا بمخالفة البيضاوي له ولا بما تفرع على ذلك من المباحثات.

وإن كان وضعاً معترضاً في أثناء القصة كان تنويهاً بإسحاق وكان حالاً حاصلة.

وقوله: ﴿ مِن الصالِحين ﴾ حال ثانية، وذكرها للتنويه بشأن الصلاح فإن الأنبياء معدودون في زمرة أهله وإلا فإن كل نبيء لا بدّ أن يكون صالحاً، والنبوءة أعظم أحوال الصلاح لما معها من العظمة.

وبارك جعله ذا بركة والبركة زيادة الخير في مختلف وجوهه، وقد تقدم تفسيرها عند قوله تعالى: ﴿ إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً ﴾ في سورة [آل عمران: 96].

وقوله: ﴿ وبركات عليك ﴾ في سورة [هود: 48].

و ﴿ على ﴾ للاستعلاء المجازي، أي تمكُّن البركةِ من الإِحاطة بهما.

ولما ذكر ما أعطاهما نقل الكلام إلى ذريتهما فقال: ﴿ ومن ذُريتهما مُحسنٌ ﴾ ، أي عامل بالعمل الحسن، ﴿ وظالِمٌ لنفسهِ ﴾ أي مشرك غير مستقيم للإِشارة إلى أن ذريتهما ليس جميعها كحالهما بل هم مختلفون؛ فمن ذرية إبراهيم أنبياء وصالحون ومؤمنون ومن ذرية إسحاق مثلهم، ومن ذرية إبراهيم من حادوا عن سنن أبيهم مثل مشركي العرب، ومن ذرية إسحاق كذلك مثل من كفر من اليهود بالمسيح وبمحمد صلّى الله عليهما، ونظيره قوله تعالى: ﴿ قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ﴾ في سورة [البقرة: 124].

وفيه تنبيه على أن الخبيث والطيّب لا يجري أمرهما على العِرق والعنصر فقد يلد البَرُّ الفاجرَ والفاجر البَّر، وعلى أن فساد الأعقاب لا يُعدّ غضاضة على الآباء، وأن مناط الفضل هو خصال الذات وما اكتسب المرء من الصالحات، وأما كرامة الآباء فتكملة للكمال وباعث على الاتّسام بفضائل الخِلال، فكان في هذه التكملة إبطال غرور المشركين بأنهم من ذرية إبراهيم، وإنهّا مزية لكن لا يعادلها الدخول في الإِسلام وأنهم الأوْلى بالمسجد الحرام.

قال أبو طالب في خطبة خديجة للنبيء صلى الله عليه وسلم «الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وجعلنا رجال حرمه وسَدنة بيته» فكان ذلك قبل الإِسلام وقال الله تعالى لهم بعد الإِسلام: ﴿ أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن باللَّه واليوم الآخر وجاهد في سبيل اللَّه لا يستوون عند اللَّه ﴾ [التوبة: 19].

وقال تعالى: ﴿ وهم يصدّون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ﴾ [الأنفال: 34] وقال: ﴿ إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا ﴾ [آل عمران: 68].

وقد ضرب الله هذه القصة مثلاً لحال النبي صلى الله عليه وسلم في ثباته على إبطال الشرك وفيما لقي من المشركين وإيماءً إلى أنه يهاجر من أرض الشرك وأن الله يهديه في هجرته ويهَب له أمّة عظيمة كما وهب إبراهيم أتباعاً، فقال: ﴿ إن إبراهيم كان أمة ﴾ [النحل: 120].

وفي قوله تعالى: ﴿ ومن ذريتهما محسنٌ وظالمٌ لنفسه مبينٌ ﴾ مَثَل لحال النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه من أهل مكة ولحال المشركين من أهل مكة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ عِنْدَ إلْقائِهِ في النّارِ، وفِيهِ عَلى هَذا القَوْلِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: إنِّي ذاهِبٌ إلى ما قَضىَ بِهِ عَلَيَّ رَبِّي.

الثّانِي: إنِّي مَيِّتٌ كَما يُقالُ لِمَن ماتَ قَدْ ذَهَبَ إلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَصَوَّرَ أنَّهُ يَمُوتُ بِإلْقائِهِ في النّارِ عَلى المَعْهُودِ مِن حالِها في تَلَفِ ما يُلْقى فِيها إلى أنْ قِيلَ لَها كُونِي بَرْدًا وسَلامًا، فَحِينَئِذٍ سَلِمَ إبْراهِيمُ مِنها.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ سَيَهْدِينِ ﴾ عَلى هَذا القَوْلِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: سَيَهْدِينِ إلى الخَلاصِ مِنَ النّارِ.

الثّانِي: إلى الجَنَّةِ.

فاحْتَمَلَ ما قالَهُ إبْراهِيمُ مِن هَذا وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ بِقَوْلِهِ لِمَن يُلْقِيهِ في النّارِ فَيَكُونُ ذَلِكَ تَخْوِيفًا لَهم.

الثّانِي: أنَّ بِقَوْلِهِ لِمَن شاهَدَهُ مِنَ النّاسِ الحُضُورِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنهُ إنْذارًا لَهم، فَهَذا تَأْوِيلُ ذَلِكَ عَلى قَوْلِ مَن ذَكَرَ أنَّهُ قالَ قَبْلَ إلْقائِهِ في النّارِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ قالَهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ النّارِ.

﴿ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي ﴾ وفي هَذا القَوْلِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: إنِّي مُنْقَطِعٌ إلى اللَّهِ بِعِبادَتِي، حَكاهُ النَّقّاشُ.

الثّانِي: ذاهِبٌ إلَيْهِ بِقَلْبِي ودِينِي وعَمَلِي، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: مُهاجِرٌ إلَيْهِ بِنَفْسِي فَهاجَرَ مِن أرْضِ العِراقِ.

قالَ مُقاتِلٌ: هو أوَّلُ مَن هاجَرَ مِنَ الخَلْقِ مَعَ لُوطٍ وسارَةَ.

وَفِي البَلَدِ الَّذِي هاجَرَ إلَيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إلى أرْضِ الشّامِ.

الثّانِي: إلى أرْضِ حَرّانَ، حَكاهُ النَّسائِيُّ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ سَيَهْدِينِ ﴾ عَلى هَذا القَوْلِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: سَيَهْدِينِ إلى قَوْلِ: حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ، قالَهُ سُلَيْمانُ.

الثّانِي: إلى طَرِيقِ الهِجْرَةِ، قالَهُ يَحْيى.

واحْتَمَلَ هَذا القَوْلُ مِنهُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ بِقَوْلِهِ لِمَن فارَقَهُ مِن قَوْمِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ تَوْبِيخًا لَهم.

الثّانِي: أنَّ بِقَوْلِهِ لِمَن هاجَرَ مَعَهُ مِن أهْلِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنهُ تَرْغِيبًا.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ ﴾ أيْ: وقُورٍ.

قالَ الحَسَنُ: ما سَمِعْتُ اللَّهَ يُحِلُّ عِبادَهُ شَيْئًا أجَلَّ مِنَ الحِلْمِ.

وَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إسْحاقُ، ولَمْ يُثْنِ اللَّهُ تَعالى عَلى أحَدٍ بِالحِلْمِ إلّا عَلى إسْحاقَ وإبْراهِيمَ قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: إسْماعِيلُ وبُشِّرَ بِنُبُوَّةِ إسْحاقَ بَعْدَ ذَلِكَ، قالَهُ عامِرٌ الشَّعْبِيُّ.

قالَ الكَلْبِيُّ وكانَ إسْماعِيلُ أكْبَرَ مِن إسْحاقَ بِثَلاثِ عَشْرَةَ سَنَةً.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَمْشِي مَعَ أبِيهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أدْرَكَ مَعَهُ العَمَلَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ سَعَيُ العَمَلِ الَّذِي تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ السَّعْيُ في العِبادَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: صامَ وصَلّى، ألَمْ تَسْمَعِ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ وَسَعى لَها سَعْيَها  ﴾ قالَ الفَرّاءُ والكَلْبِيُّ، وكانَ يَوْمَئِذٍ ابْنَ ثَلاثِ عَشْرَةَ سَنَةً.

﴿ قالَ يا بُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ ﴾ فَرَوى سِماكٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  « (رُؤْيا الأنْبِياءِ في المَنامِ وحْيٌ)» .

﴿ فانْظُرْ ماذا تَرى ﴾ لَمْ يَقُلْ لَهُ ذَلِكَ عَلى وجْهِ المُؤامَرَةِ في أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٌ أحَدُها: أنَّهُ قالَهُ إخْبارًا بِما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ لِيَكُونَ أطْوَعَ لَهُ.

الثّانِي: أنَّهُ قالَهُ امْتِحانًا لِصَبْرِهِ عَلى أمْرِ اللَّهِ تَعالى.

الثّالِثُ: أيْ ماذا تُرِينِي مِن صَبْرِكَ أوْ جَزَعِكَ، قالَهُ الفَرّاءُ.

﴿ قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ ﴾ الآيَةَ.

فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَلى الذَّبْحِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: عَلى القَضاءِ، حَكاهُ الكَلْبِيُّ، فَوَجَدَهُ في الِامْتِحانِ صادِقَ الطّاعَةِ سَرِيعَ الإجابَةِ قَوِيَّ الدِّينِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَمّا أسْلَما ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: اتَّفَقا عَلى أمْرٍ واحِدٍ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

الثّانِي: سَلَّما لِلَّهِ تَعالى الأمْرَ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

قالَ قَتادَةُ: سَلَّمَ إسْماعِيلُ نَفْسَهَ لِلَّهِ، وسَلَّمَ إبْراهِيمُ ابْنَهُ لِلَّهِ تَعالى.

﴿ وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ صَرَعَهُ عَلى جَبِينِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجَبِينُ ما عَنْ يَمِينِ الجَبْهَةِ وشِمالِها، قالَ الشّاعِرُ: وتَلَّهُ أبُو حَكَمٍ لِلْجَبِينِ فَصارَ إلى أُمِّهِ الهاوِيَةِ الثّانِي: أنَّهُ أكَبَّهُ لِوَجْهِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ وضَعَ جَبِينَهُ عَلى تَلٍّ، قالَهُ قُطْرُبٌ.

وَحَكى مُجاهِدٌ عَنْ إسْحاقَ أنَّهُ قالَ: يا أبَتِ اذْبَحْنِي وأنا ساجِدٌ، ولا تَنْظُرْ إلى وجْهِي فَعَسى أنْ تَرْحَمَنِي فَلا تَذْبَحَنِي.

﴿ وَنادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ ﴾ ﴿ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا ﴾ أيْ عَمِلْتَ ما رَأيْتَهُ في المَنامِ، وفي الَّذِي رَآهُ ثَلاثَةُ أقْاَويِلَ: أحَدُها: أنَّ الَّذِي رَآهُ أنَّهُ قَعَدَ مِنهُ مَقْعَدَ الذّابِحِ يَنْتَظِرُ الأمْرَ بِإمْضاءِ الذَّبْحِ.

الثّانِي: أنَّ الَّذِي رَآهُ أنَّهُ أمَرَ بِذَبْحِهِ بِشَرْطِ التَّمْكِينِ ولَمْ يُمَكَّنْ مِنهُ لِما رُوِيَ أنَّهُ كانَ كُلَّما اعْتَمَدَ بِالشَّفْرَةِ انْقَلَبَتْ وجَعَلَ عَلى حَلْقِهِ صَفِيحَةً مِن نُحاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّ الَّذِي رَآهُ أنَّهُ ذَبَحَهُ وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ وإنَّما وصَلَ اللَّهُ تَعالى الأوْداجَ بِلا فَصْلٍ.

﴿ إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ بِالعَفْوِ عَنْ ذَبْحِ ابْنِهِ.

وَفِي الذَّبِيحِ قَوْلانِ مِثْلَ اخْتِلافِهِمْ في الحَلِيمِ الَّذِي بُشِّرَ بِهِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ إسْحاقُ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وكَعْبُ الأحْبارِ وقَتادَةُ والحَسَنُ.

قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ذَبَحَ إبْراهِيمُ ابْنَهُ إسْحاقَ وهو ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ ووَلَدَتْهُ سارَّةُ وهي بِنْتُ تِسْعِينَ سَنَةً.

وَفِي المَوْضِعِ الَّذِي أرادَ ذَبْحَهُ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: بِمَكَّةَ في المَقامِ.

الثّانِي: في المَنحَرِ بِمِنًى.

الثّالِثُ: بِالشّامِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وهو مِن بَيْتِ المَقْدِسِ عَلى مِيلَيْنِ.

وَلَمّا عَلِمَتْ سارَّةُ ما أرادَ بِإسْحاقَ بَقِيَتْ يَوْمَيْنِ وماتَتْ في اليَوْمِ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ إسْماعِيلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وأنَّهُ ذَبَحَهُ بِمِنًى عِنْدَ الجِمارِ الَّتِي رَمى إبْلِيسَ في كُلِّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَياتٍ حِينَ عارَضَهُ في ذَبْحِهِ حَتّى جَمَرَ بَيْنَ يَدَيْهِ أيْ أسْرَعَ فَسُمِّيَتْ جِمارًا.

وَحَكى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أنَّهُ ذَبَحَهُ عَلى الصَّخْرَةِ الَّتِي بِأصْلِ ثَبِيرٍ بِمِنًى.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الِاخْتِبارُ العَظِيمُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

الثّانِي: النِّعْمَةُ البَيِّنَةُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ وقُطْرُبٌ وأنْشَدَ قَوْلَ الحُطَيْئَةَ: وإنَّ بَلاءَهم ما قَدْ عَلِمْتُمْ ∗∗∗ عَلى الأيّامِ إنْ نَفَعَ البَلاءُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ فُدِيَ بِوَعْلٍ أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِن ثَبِيرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وحَكى عَنْهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أنَّهُ كَبْشٌ رُعِيَ في الجَنَّةِ أرْبَعِينَ خَرِيفًا.

الثّانِي: أنَّهُ فُدِيَ بِكَبْشٍ مِن غَنَمِ الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ فُدِيَ بِكَبْشٍ أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ الجَنَّةِ وهو الكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَهُ هابِيلُ بْنُ آدَمَ فَقُبِلَ مِنهُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ حَدَّثَنِي مَن رَأى قَرْنَيِ الكَبْشِ الَّذِي ذَبَحَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُعَلَّقَيْنِ بِالكَعْبَةِ.

والذِّبْحُ بِالكَسْرِ هو المَذْبُوحُ، والذَّبْحُ بِالفَتْحِ هو فِعْلُ الذَّبْحِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ عَظِيمٍ ﴾ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لِأنَّهُ قَدْ رَعى في الجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: لِأنَّهُ ذُبِحَ بِحَقٍّ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: لِأنَّهُ عَظِيمُ الشَّخْصِ.

الرّابِعُ: لِأنَّهُ عَظِيمُ البَرَكَةِ.

الخامِسُ: لِأنَّهُ مُتَقَبَّلٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الثَّناءُ الحَسَنُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: هو السَّلامُ عَلى إبْراهِيمَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وبشرناه بإسحاق نبياً من الصالحين ﴾ قال: إنما بشر به نبياً حين فداه الله من الذبح، ولم تكن البشارة بالنبوة حين مولده.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وبشرناه بإسحاق ﴾ قال: بشرى نبوة.

بشر به مرتين، حين ولد.

وحين نبئ.

وأخرج عبد بن حميد عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة قال: قلت لابن المسيب ﴿ وفديناه بذبحٍ عظيم ﴾ هو إسحاق؟

قال معاذ الله..

!

ولكنه إسماعيل عليه السلام، فثوب بصبره إسحاق.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وبشرناه بإسحاق نبياً ﴾ قال: بشر به بعد ذلك نبياً.

بعدما كان هذا من أمره، لما جاد لله بنفسه ﴿ وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين ﴾ أي مؤمن، وكافر.

وفي قوله: ﴿ ولقد مننا على موسى وهارون، ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم ﴾ أي من آل فرعون ﴿ وآتيناهما الكتاب المستبين ﴾ قال: التوراة ﴿ وهديناهما الصراط المستقيم ﴾ قال: الإِسلام ﴿ وتركنا عليهما في الآخرين ﴾ قال: أبقى الله عليهما الثناء الحسن في الآخرين.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ ، من جعل الذبيح إسماعيل جعل معنى قوله: ﴿ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ ﴾ أن الله تعالى بشره بولد نبي بعد هذه القصة جزاءً لطاعته.

ومن جعل الذبيح إسحاق قال: بشر بنبوته.

وهذا قول عكرمة (١) ونحو ذلك قال مقاتل (٢) قوله: ﴿ وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ ﴾ يعني كثرة ولدهما وذريتهما، وهم الأسباط كلها.

قوله: ﴿ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ ﴾ أي: أنعمنا عليهما بالنبوة، قاله مقاتل (٣) (٤) ﴿ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ﴾ أكثر المفسرين على أنه الغرق، أغرق الله فرعون وقومه ونجى بني إسرائيل.

ويذهب بعضهم إلى أنه نجاهم من استعباد فرعون إياهم، وما كان يصيبهم من جهته من البلاء (٥) ﴿ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ  ﴾ .

(١) انظر: "الطبري" 23/ 81، "البغوي" 4/ 34، "زاد المسير" 7/ 72.

(٢) "تفسير مقاتل" 113 أ.

(٣) "تفسير مقاتل" 113 أ.

(٤) ذكر هذا القول كثير من المفسرين دون نسبة لأحد.

انظر: "الطبري" 23/ 95، "بحر العلوم" 3/ 122، "تفسير الثعلبي" 3/ 247 ب.

(٥) انظر: المصادر السابقة، وكذلك: البغوي 4/ 35، "زاد المسير" 7/ 79، "مجمع البيان" 8/ 711.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصالحين ﴾ يعني ولداً من الصالحين ﴿ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ ﴾ أي عاقل واختلف الناس في هذا الغلام المبشر به في هذا الموضع وهو الذبيح، هل هو إسماعيل أو إسحاق؟

فقال ابن عباس وابن عمر وجماعة من التابعين هو إسماعيل: وحجتهم من ثلاثة أوجه الأول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أنا ابن الذابحين يعني إسماعيل عليه السلام، ووالده عبد الله، حين نذر والده عبد المطلب أن ينحر أحد أولاده وأصابت القرعة عبد الله إن يسر الله له أمر زمزم، ففداه بمائة من الإبل والثاني أن الله تعالى قال بعد تمام قصة الذبيح ﴿ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ ﴾ فدل ذلك على أن الذبيح غيره والثالث أنه روي أنه إبراهيم جرت له قصة الذبح بمكة، وإنما كان معه بمكة إسماعيل.

وذهب عليّ بن أبي طالب وابن مسعود وجماعة من التابعين إلى أن الذبيح إسحاق وحجتهم من وجهين الأول أن البشارة المعروفة لإبراهيم بالوادي إنما كانت بإسحاق لقوله: ﴿ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ ﴾ ومن وراء إسحاق يعقوب، والثاني أنه روي أن يعقوب كان يكتب من يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح الله.

﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السعي ﴾ يريد بالسعي هنا العمل والعبادة، وقيل: المشي وكان حينئذ ابن ثلاثة عشرة سنة ﴿ قَالَ يابني إني أرى فِي المنام أَنِّي أَذْبَحُكَ ﴾ يحتمل أن يكون رأى في المنام الذبح وهو الفعل، أو أمر في المنام أن يذبحه، والأول أظهر في اللفظ هنا، والثاني أظهر في قوله: ﴿ افعل مَا تُؤمَرُ ﴾ ورؤيا الأنبياء حق، فوجب عليه الامتثال على الوجهين ﴿ فانظر مَاذَا ترى ﴾ إن قيل: لم شاوره في أمر هو حتم من الله؟

فالجواب: أنه لم يشاوره ليرجع إلى رأيه، ولكن ليعلم ما عنده فيثبت قلبه ويوطن نفسه على الصبر، فأجابه بأحسن جواب ﴿ فَلَمَّا أَسْلَمَا ﴾ أي إستسلما وانقيادا لأمر الله ﴿ وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾ أي صرعه بالأرض على جبينه وللإنسان جبينان حول الجبهة، وجواب لما محذوف عند البصريين تقديره، فلما أسلما كان ما كان من الأمر العظيم، وقال الكوفيون: جوابها تله والواو زائدة، وقال بعضهم: جوابها: ناديناه والواو زائدة ﴿ قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيآ ﴾ يحتمل أنه يريد بقلبك أي كانت عندك رؤيا صادقة فعملت بحسبها، ويحتمل أن يريد بعملك أي وفيت حقها من العمل، فإن قيل: إنه أمر بالذبح ولم يذبح، فكيف قيل له: صدقت الرؤيا؟

فالجواب أنه قد بذل جهده إذ قد عزم على الذبح ولو لم يَفْدِه الله لذبحه، ولكن الله هو الذي منعه من ذبحه لما فداه، فامتناع ذبح الولد إنما كان من الله وبأمر الله، وقد مضى إبراهيم ما عليه ﴿ البلاء المبين ﴾ الذي يظهر به طاعة الله أو المحنة البينة الصعوبة.

﴿ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾ الذبح اسم لما يذبح، وأراد به هنا الكبش الذي فدى به، وروي أنه من كباش الجنة، وقيل: إنه الكبش الذي قرب به ولد آدم، ووصفه بعظيم لذلك، أو لأنه من عند الله أو لأنه متقبل، وروي في القصص أن الذبيح قال لإبراهيم: أشدد رباطي لئلا أضطرب، وأصرف بصرك عني لئلا ترحمني، وأنه أمر الشفرة على حلقه فلم تقطع، فحينئذ جاء الكبش من عند الله، وقد أكثر الناس في قصص هذه الآية وتركناه لعدم صحته ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين ﴾ إن قيل: لم قال هنا في قصة إبراهيم كذلك دون قوله إنا، وقال في غيرها إنا، فالجواب أنه قد تقدم في قصة إبراهيم نفسها، إنا كذلك فأغنى عن تكرار أنا.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يزفون ﴾ بضم الياء وكسر الزاي: حمزة.

الباقون: بفتح الياء ﴿ إني أرى ﴾ ﴿ إني أذبحك ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابو عمرو.

﴿ وترى ﴾ بضم التاء وكسر الراء: علي وخلف وحمزة.

﴿ ستجدني ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع ﴿ وإن إلياس ﴾ موصولاً كهمزة الوصل: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

الآخرون: بكسر الهمزة ﴿ الله ربكم ورب ﴾ بالنصب في ثلاثتها على البدل: سهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد والمفضل.

الباقون: برفعها على الابتداء والخبر.

﴿ آل ياسين ﴾ ابن عامر ونافع ورويس.

الآخرون ﴿ إلياسين ﴾ كأنه جمع إلياس ﴿ لكاذبون اصطفى ﴾ موصلاً والابتداء بكسر الهمزة: يزيد وإسماعيل والأصبهاني عن ورش الباقون: بفتحها في الحالين.

الوقوف: ﴿ لإبراهيم ﴾ ه ط لأن التقدير "واذكر".

وجوز في الكشاف أن يتعلق الظرف بما في الشيعة من معنى المتابعة فلا وقف ﴿ سليم ﴾ ه ﴿ تعبدون ﴾ ه ج للابتداء بالاستفهام مع اتحاد المقول ﴿ تريدون ﴾ ه ط لاستفهام آخر ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ في النجوم ﴾ ه لا للفاء واتحاد المعنى ﴿ سقيم ﴾ ه ﴿ مدبرين ﴾ ه ﴿ تأكلون ﴾ ه ج للاستفهام مع الاتحاد كما مر ﴿ لا تنطقون ﴾ ه ﴿ باليمين ﴾ ه ﴿ يزفون ﴾ ه ﴿ تنحتون ﴾ ه لا لأن الواو للحال ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ في الجحيم ﴾ ه ﴿ الأسفلين ﴾ ه ﴿ سيهدين ﴾ ه ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ حليم ﴾ ه ﴿ ماذا ترى ﴾ ط ﴿ ما تؤمر ﴾ ز للسين مع اتصال المقول ﴿ الصابرين ﴾ ه ﴿ للجبين ﴾ ه ج لاحتمال أن الواو مقحمة ﴿ وناديناه ﴾ جواب "لما"، ولاحتمال أن الجواب محذوف أي قبلنا منه وناديناه ﴿ يا إبراهيم ﴾ ه لا ﴿ الرؤيا ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده داخل في حكم النداء أو مستأنف ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ في الآخرين ﴾ ه لا ﴿ إبراهيم ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ إسحق ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ وهارون ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ العظيم ﴾ ه ج لذلك ﴿ الغالبين ﴾ ه لا ﴿ المستبين ﴾ ه ج ﴿ المستقيم ﴾ ه ج ﴿ في الآخرين ﴾ ه لا ﴿ وهارون ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه لا وجه صحيح وإن لم يكن مقصوداً فلهذا لم يكن الوقف لازماً.

﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ الخالقين ﴾ ه لا لمن قرأ ﴿ الله ﴾ بالنصب ﴿ الأوّلين ﴾ ه ﴿ لمحضرون ﴾ ه ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ في الآخرين ﴾ ه لا ﴿ الياسين ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه لا ﴿ الغابرين ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه ﴿ مصبحين ﴾ ه لا ﴿ وبالليل ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه لا ﴿ المشحون ﴾ ه لا ﴿ المدحضين ﴾ ه ج لحق المحذوف مع الفاء ﴿ مليم ﴾ ه ﴿ من المسبحين ﴾ ه لا ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ سقيم ﴾ ه ج ﴿ يقطين ﴾ ه ج ﴿ أو يزيدون ﴾ ه ط ﴿ إلى حين ﴾ ه ط ﴿ البنون ﴾ ه ط ﴿ شاهدون ﴾ ه ﴿ ليقولون ﴾ ه لا ﴿ ولد الله ﴾ لا تعجيلاً لتكذيبهم ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ البنين ﴾ ه ط لابتداء استفهام آخر ﴿ تحكمون ﴾ ه ﴿ تذكرون ﴾ ه ج لأن "أم" تصلح استئنافاً ﴿ مبين ﴾ ه لا لتعجيل أمر التعجيز ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ نسباً ﴾ ط ﴿ لمحضرون ﴾ ه لا لتعلق الاستثناء و ﴿ سبحان الله ﴾ معترض ﴿ يصفون ﴾ ه ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ تعبدون ﴾ ه لا ﴿ بفاتنين ﴾ ه لا ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ معلوم ﴾ ه ﴿ الصافون ﴾ ه ج للعطف مع الاتفاق ﴿ المسبحون ﴾ ه ج ﴿ ليقولون ﴾ ه لا ﴿ من الأوّلين ﴾ ه لا ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه لأن ما بعده يصلح ابتداء مقولاً للكلمة ﴿ المنصورون ﴾ ه ص لعطف الجملتين المفقتين ﴿ الغالبون ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه لا للعطف ولشدة اتصال المعنى ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ يستعجلون ﴾ ه ﴿ المنذرين ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه لا ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ عما يصفون ﴾ ه ج لعطف جملتين مختلفتين ﴿ المرسلين ﴾ ه ج للابتداء بالحمد الذي به يبتدأ الكلام وإليه ينتهي مع اتفاق الجملتين ﴿ العالمين ﴾ ه.

التفسير: الضمير في ﴿ شيعته ﴾ يعود إلى نوح والمراد أن إبراهيم ممن شايع نوحاً على أصول الدين أو على التصلب في الدين.

وقال الكلبي: واختاره الفراء إنه يعود إلى محمد أي هو على منهاجه ودينه وإن كان إبراهيم سابقاً والأوّل لتقدّم ذكر نوح.

ولما روي عن ابن عباس معناه من أهل دينه وعلى سنته وما كان بين نوح وإبراهيم إلا نبيان: هود وصالح، وبين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة.

ومعنى ﴿ جاء ربه ﴾ أقبل بقلبه على الله وأخلص العمل له.

والقلب السليم قد مرّ في "الشعراء".

ثم ذكر من جملة آثار سلامة قلبه أن دعا أباه وقومه إلى التوحيد.

ومعنى ﴿ ماذا تعبدون ﴾ أي شيء تعبدونه كقوله في "الشعراء" ﴿ وما تعبدون  ﴾ سألهم عن جنس معبوديهم ثم وبخهم على ذلك بقوله ﴿ أئفكاً ﴾ هو مفعول له قدم للعناية كما قدم المفعول به على الفعل لذلك فإنه كان الأهم عنده أن يكافحهم ويعنفهم على شركهم وأنهم على إفك وباطل.

ويجوز أن يكون ﴿ إفكاً ﴾ حالاً معنى أو مفعولاً به ﴿ آلهة ﴾ بدل منه على أنها إفك في أنفسها.

﴿ فما ظنكم برب العالمين ﴾ حتى جعلتم الجمادات أنداداً له أو حسبتم أنه يهمل أمركم ولا يعاقبكم، وفيه أنه لا يقدر في وهم ولا ظن ما يصدر عن عبادته.

وفي قوله ﴿ إني سقيم ﴾ قولان: الأوّل أنه صدر منه كذباً لمصلحة رأى فيه، ولما جاء في الحديث "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات: قوله: ﴿ إني سقيم ﴾ وقوله ﴿ بل فعلهم كبيرهم ﴾ وقوله لسارة إنها أختي" وقد سبق تقرير ذلك في الأنبياء.

والثاني وهو الأقوى أنه كلام صادق لأن الكذب قبيح وإن اشتمل على مصلحة.

وأما الحديث فنسبه الراوي إلى الكذب أولى من نسبة نبي الله إلى ذلك.

وفي التوجيه وجوه: الأوّل إن النظر في النجوم يريد به النظر في علم النجوم وأحكامها وكتبها وذلك ليس بحرام ولا سيما في ذلك الشرع فليس فيه إلا اعتقاد أنه  خص كل واحد من الكواكب بقوّة وخاصية يظهر بها منه أثر مخصوص، والإنسان لا نيفك في أكثر أحواله عن حصول حالة مكروهة له، إما في بدنه أو في قلبه، فلعل به سقماً كالحمى الثابتة، أو أراد سيسقم لأمارة نجومية، أو أراد به الموت الذي يلحقه لا محالة ولا داء أعي منه.

الثاني: أن المراد بالنجوم ما جاء في قوله ﴿ فلما جن عليه الليل رأى كوكباً ﴾ إلى آخر الآية.

أي نظر فيها ليعرف أحوالها وأنها قديمة أو محدثة.

وقوله ﴿ إني سقيم ﴾ أي سقيم القلب غير عارف بربي وكان ذلك قبل البلوغ، أو سقيم النفس لكفركم.

الثالث: إن النجوم النبات أي فنظر فيها متحرياً منها ما فيه شفاء لسقمهم وهمهم أن به ذلك وكان به.

وقال الأزهري عن أحمد بن يحيى: النجوم جمع نجم وهو كل ما تفرق ومنه نجوم الكتابة أي نظر في متفرقات كلامهم وأحوالهم حتى يستخرج منه حيلة فلم يجد عذراً أحسن من قوله ﴿ إني سقيم ﴾ قال المفسرون: كان الطاعون أغلب الأسقام عليهم فظنوا أن به ذلك فتركوه في بيت الأصنام مخافة العدوى وهربوا إلى عيدهم وذلك قوله  ﴿ فتولوا عنه مدبرين فراغ إلى آلهتهم ﴾ ذهب إليها في خفية حتى لا يرى فكأنه رجع إليها مراوغاً قومه من روغان الثعلب.

وقيل: راغ بقوله ﴿ إني سقيم ﴾ حتى خلا بها وسماها آلهة على زعمهم.

وقوله ﴿ ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون ﴾ استهزاء بها وكان عندها طعام زعموا أنها تأكل منه.

وقيل: وضع الطعام ليبارك فيه.

وروى أن سدنتها كانوا يأكلون ما يوضع عندها من الطعام وينطقون عند الضعفة عن لسانها يوهمون أنها تأكل وتنطق.

وإنما جاء في هذه السورة ﴿ فقال ألا تأكلون ﴾ بالفاء وفي "الذاريات" ﴿ قال ألا تأكلون ﴾ بغير الفاء لأنه قصد من أول الأمر تقريع من زعم أنها تأكل وتشرب، وفي الذاريات" يستأنف تقديره: قربه إليهم فلم يأكلوها فلما رآهم لا يأكلون فقال ألا تأكلون.

﴿ فراغ عليهم ﴾ عداه بعلى لأن الميل الأول كان على سبيل الرفق استهزاء، وهذا كان بطريق العنف والقهر وهذا كما يقال في المحبوب: مال إليه.

وفي المكروه: مال عليه.

وقوله ﴿ ضرباً ﴾ مصدر راغ من غير لفظه أو لفعل محذوف أو حال أي بضرب ضرباً أو ضارباً.

ومعنى ﴿ باليمين ﴾ اي باليد اليمنى لأنها أقوى على الأعمال أو باقوّة مجازاً، أو بسبب الحلف وهو قوله ﴿ تالله لأكيدن أصنامكم ﴾ ﴿ فأقبلوا إليه ﴾ أي إلى إبراهيم ﴿ يزفون ﴾ بمشون على سرعة.

وزفيف النعامة ابتداء عدوها.

ومن قرأ بضم الياء فإما لازم من أزف إذا صار إلى حال الزفيف، أو متعدٍ والمفعول محذوف أي يزفون دوابهم أو بعضهم بعضاً وقد مر نظيره في التوبة في قوله ﴿ ولأوضعوا خلالكم  ﴾ قال بعض الطاعنين، قوله ﴿ فأقبلوا إليه ﴾ دل على أنهم عرفوا كاسر أصنامهم.

وقوله في "الأنبياء" ﴿ أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم  ﴾ دل على أنهم لم يعرفوا الكاسر فبينهما تناقض.

وأجيب بأن هؤلاء غير أولئك فالذين عرفوه ذهبوا إليه مسرعين، والذين لم يعرفوه بعد استخبروا عنه.

على أن قوله ﴿ فأقبلوا إليه ﴾ لا دلالة له على أنهم عرفوا أن الكاسر هو إبراهيم فلعلهم أقبلوا إليه لأجل السؤال عن الكاسر.

وحين عاتبوه على فعله أراد أن يبين لهم فساد طريقتهم فـ ﴿ ـقال أتعبدون ما تنحتون ﴾ وذلك أن الناحت لم يحدث فيه إلا صورة معينة فيكون معناه أن الشيء الذي لم يكن معبوداً لي صار بسبب تصرفي فيه معبوداً لي وفساد هذا معلوم بالبديهة، احتج جمهور الأشاعرة بقوله ﴿ والله خلقكم وما تعملون ﴾ على أن العبد ليس خالق أعماله لأن المعنى خلقكم وأعمالكم.

وزيف بأن "ما" موصولة لتناسب قرينتها في قوله ﴿ ما تنحتون ﴾ وليتوجه التوبيخ ولكيلا يلزم التناقض فإن النحت عملهم.

والصحيح أن الآية كقوله ﴿ بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن  ﴾ أي فطر الأصنام: ثم إن إبراهيم لما ألقمهم الحجر بهذا القول وألزمهم عدلوا إلى طريقة الإيذاء و ﴿ قالوا ابنوا له بنياناً ﴾ قال ابن عباس: بنوا حائطاً من حجارة طوله في السماء ثلاثون ذراعاً وعرضه عشرون.

وتقدير الآية: ابنوا له بنياناً واملؤه ناراً وألقوه فيها.

والجحيم النار العظيمة.

ومعنى الفاء في قوله ﴿ فأرادوا ﴾ كقوله ﴿ أهلكناها فجاءها بأسنا  ﴾ كأنه قيل: فبنوا البنيان وملؤه ناراً وألقوه فنجيناه منها.

وقد صح أنهم أرادوا به كيداً ﴿ فجعلناهم الأسفلين ﴾ الأذلين وأما في الأنبياء فلم يقصد هذا الترتيب فاقتصر على الواو العاطفة.

وإنما اختصت هذه السورة بقوله ﴿ الأسفلين ﴾ لأنه ذكر أنهم بنوا بنياناً عالياً فكان ذكر السفل في طباقه أنسب.

ثم ذكر بقية قصة إبراهيم وقوله ﴿ إني ذاهب إلى ربي ﴾ كقوله في "العنكبوت" ﴿ إني مهاجر إلى ربي  ﴾ وإنما حكم بقوله ﴿ سيهدين ﴾ ربي إلى ما فيه صلاحي في الدارين اعتماداً على فضل الله أو عرف ذلك بالوحي.

وحين هاجر إلى الرض المقدسة أراد الولد فقال ﴿ رب هب لي من الصالحين ﴾ والله  بين استجابته بقوله ﴿ فبشرناه بغلام حليم ﴾ وصف الغلام بالعلم في سورة الحجر وبالحلم ههنا.

فذهب العلماء إلى أنه أراد بغلام عليم في صغره حليم في كبره، فإن الصبي لا يوصف بالحلم ومن هنا انطوت البشارة على معان ثلاثة: أحدها أن الولد ذكر، والثاني أنه يبلغ أوان الحلم، والثالث أنه يكون حليماً، وأيّ حلم أعظم من استمساكه حين عرض أبوه عليه الذبح فقال ﴿ ستجدني إن شاء الله من الصابرين ﴾ وفيه أن ولده قائم مقامه في الشرف والفضيلة فوصفه بالحلوم كما وصف به إبراهيم في قوله ﴿ إن إبراهيم لحليم أوّاه منيب  ﴾ .

وقيل: العليم إسحق لقوله ﴿ فأقبلت امرأته في صرة  ﴾ والحليم إسماعيل.

ثم حكى حديث ذبحه قائلاً ﴿ فلما بلغ معه السعي ﴾ أي قوي على أن يمشي مع أبيه في حوائجه.

والظرف بيان كأنه قال أوّلاً ﴿ فلما بلغ السعي ﴾ فقيل: مع من؟

فأجيب مع أبيه.

ولا يجوز تعلقه بالسعي لأن صلة المصدر لا تتقدّم عليه ولا بقوله ﴿ بلغ ﴾ لأنهما لم يبلغا معاً حد السعي - والمعنى في اختصاص الأب إخراج الكلام مخرج الأغلب.

وقال جار الله: السبب فيه أن الأب أرفق الناس به وأعطفهم عليه وغيره ربما عنف به في الاستسعاء فلا يحتمله لأنه لم تستحكم قوته.

يروى أنه كان يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة وقيل أراد السعي في المنافع وفي طاعة الله.

اعلم أن الناس اختلفوا في الذبيح، فعن أبي بكر الصديق وابن عباس وابن عمر ومحمد بن كعب وسعيد بن المسيب وعكرمة ومجاهد والضحاك أنه إسماعيل لقوله  "أنا ابن الذبيحين" فأحدهما جده إسماعيل والآخر أبوه عبد الله.

وذلك أن عبد المطلب نذر إن بلغ بنوه عشرة أن يذبح واحداً منهم تقرباً، فلما كملوا عشرة أتى بهم البيت وضرب عليهم بالقداح فخرج قدح عبد اتلله فمنعه أخواله ففداه بعشرة من الإبل، ثم ضرب عليه وعلى الإبل فخرج قدحه ففداه بعشرة أخرى، وضرب مرة أخرى فخرج قدحه وهكذا يزيد عشرة عشرة إلى أن تمت مائة فخرج القدح على الجزر فنحرها وسن الدية مائة.

وفي رواية أن أعرابياً قال للنبي  "يا ابن الذبيحين".

فتبسم فسأل عن ذلك فقال: إن عبد المطلب لما حفر بئر زمزم نذر الله لئن سهل الله له أمرها ليذبحن أحد ولده.

فخرج السهم على عبد الله فمنعوه ففداه بمائة من الإبل.

حجة أخرى: نقل عن الأصمعي أنه قال: سألت ابا عمرو بن العلاء عن الذبيح فقال: يا أصمعي أين عقلك؟

ومتى كان إسحق بمكة وإنما كان إسماعيل وهو الذي بنى البيت مع أبيه وسن النحر بمكة.

وحجة أخرى: وصف إسماعيل بالصبر في قوله ﴿ وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين  ﴾ وهو صبره على الذبح في قوله ﴿ ستجدني إن شاء الله من الصابرين ﴾ ووصفه بصدق الوعد ﴿ إنه كان صادق الوعد  ﴾ وذلك أنه وعد أباه الصبر على قضاء الله أو على الذبح فوفى به.

أخرى: ﴿ ومن وراء إسحق يعقوب  ﴾ فيمن قرأ بالنصب لأنه إذا بشر بالولد من صلبه علم أنه لم يؤمر بذبحه.

أخرى: أجمعوا على أن إسماعيل مقدم في الوجود على إسحق فهو المراد بقوله ﴿ رب هب لي من الصالحين ﴾ ثم إنه ذكر عقيبة قصة الذبح.

وأيضاً قوله ﴿ وبشرناه بإسحق ﴾ يجب أن يكون غير قوله ﴿ فبشرناه بغلام حليم ﴾ وإلا لزم التكرار.

حجة أخرى: ان قرني الكبش كانا ميراثاً لولد إسماعيل عن أبيهم وكانا معلقين بالكعبة إلى أن احترق البيت في أيام ابن الزبير والحجاج.

وعن علي وابن مسعود وكعب الأحبار وإليه ذهب أهل الكتاب أن الذبيح إسحق لما روي أن النبي  سئل اي النسب أشرف؟

فقال: يوسف صديق الله ابن يعقوب إسرائيل الله ابن إسحق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله.

وأجابوا عن قوله: ﴿ وبشرناه بإسحاق ﴾ أنه بشر بغلام أوّلاً ثم بنبوته ثانياً.

وايضاً صرح بالمبشر به في قوله ﴿ فبشرناه بإسحق  ﴾ وفي قوله ﴿ وبشرناه بإسحق ﴾ فيحمل عليه المبهم في قوله ﴿ فبشرناه بغلام ﴾ وأيضاً لا نسلم أن البشارة بيعقوب كانت متصلة ببشارة إسحق اعتباراً بقراءة من قرأ ﴿ يعقوب  ﴾ بالرفع.

وأيضاً أنهم أجمعوا على أن المراد من قوله ﴿ إني ذاهب إلى ربي ﴾ هو مهاجرته إلى الشام ثم قال ﴿ فبشرناه بغلام ﴾ فوجب أن يكون الغلام الحليم قد حصل له في الشام وذلك الغلام لم يكن إلا إسحق، لأن إسماعيل قد نشأ بمكة.

وكان الزجاج يقول: الله أعلم أيهما الذبيح.

ويتفرع على اختلاف المفسرين في الذبيح اختلافهم في موضع الذبح، فالذين قالوا إن الذبيح إسماعيل ذهبوا إلى أن الذبح كان بمنى وهذا أقوى، والذين قالوا إنه إسحق قالوا ان الذبح كان بالشام وخصه بعضهم ببيت المقدس.

إذا عرفت هذا الاختلاف فقوله ﴿ يا بني إني أرى في المنام ﴾ إنما قال بلفظ المستقبل لأنه كان يرى في منامه ثلاث ليال أو لأن رؤيا الأنبياء وحي ثانٍ فذكر تأويل الرؤيا كما يقول الممتحن وقد رأى أنه راكب سفينة: رأيت في المنام أني ناجٍ من هذه المحنة فكأنه قال: إني أرى في المنام ما يوجب أني أذبحك.

ويحتمل أن يكون حكاية ما رآه.

قال بعض المفسرين: رأى ليلة التروية كأن قائلاً يقول له: إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا فأصبح يروّي في ذلك أمن الله أو من الشيطان فسمي يوم التروية.

فلما أمسى رأى مثل ذلك فعرف أنه من الله فسمي عرفة، ثم رأى مثله في الثالثة فهمّ بنحره فسمي يوم النحر.

وقال بعضهم: حين بشره الملائكة بغلام حليم قال هو إذن ذبيح الله، فلما ولد وبلغ حد السعي مع أبيه قيل له: أوف بنذرك فانظر ماذا ترى هو من الرأي.

ومن قرأه من الإراءة فالمعنى ماذا تبصر من رأيك وتدبيرك.

وإنما شاوره في حتم من الله ليثبته إن جزع ويفرح بصبره إن ثبت ولئلا يقع الذبح معافصة من غير إعلام به وبسببه، وليكون سنة في المشاورة فقد قيل: لو شاور آدم الملائكة في الأكل من الشجرة لما فرط منه ذلك ﴿ قال يا أبت افعل ما تؤمر ﴾ أي به فحذف الجار كقوله: أمرتك الخير.

اي أمرتك بالخير أو أمرك على تسمية المأمور به بالمصدر ثم إضافته إلى المفعول: ﴿ فلما اسلما ﴾ أي انقادا وخضعا لأمر الله.

قال قتادة: اسلم هذا ابنه وهذا نفسه.

﴿ وتله ﴾ أي صرعه.

واللام في ﴿ للجبين ﴾ كهي في قوله ﴿ ويخرون للأذقان  ﴾ والجبين أحد جانبي الجبهة.

وقيل: كبه لوجهه لأن الولد قال له اذبحني وأنا ساجد.

يروى أنه حين أراد ذبحه قال: يا بنيّ خذ الحبل والمدية ننطلق إلى الشعب ونحتطب، فلما توسطا الشعب أخبره بما أمر فقال له: اشدد به رباطي لئلا اضطرب واكفف عني ثيابك لا ينتضح عليها شيء من دمي فينقص أجري وتراه أمي فتحزن، واشحذ شفرتك واسرع إمرارها على حلقي ليكون أهون فإن الموت شديد، واقرأ على أمي سلامي، وإن رأيت أن ترد قميصي على أمي فافعل فإنه عسى أن يكون اسهل.

فقال إبراهيم: نعم العون أنت يا بنيّ على أمر الله.

ثم اقبل عليه يقبله وقد ربطه وهما يبكيان فقال له: كبني على وجهي ولا تنظر إليّ حتى لا تدركك رقة تحول بينك وبين أمر الله.

قال جار الله: تقدير الكلام فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا كان ما كان مما ينطق به العيان ولا يحيط به البيان من استئثارهما بما أنعم الله عليهما من دفع البلاء وبما اكتسبا في تضاعيف ذلك من الثواب والثناء، وقد اشير إلى جميع ذلك بقوله ﴿ إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا ﴾ الأمر الذي قد وقع ﴿ لهو البلاء المبين ﴾ الذي يتميز فيه المخلص عن المدعى والمكروه الذي لا أصعب على النفس منه.

يروى أنه لما وصل موضع السجود منه الأرض جاء الفرج.

وقيل: إنه وضع السكين على قفاه فانقلب السكين وونودي يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا.

فنظر فإذا جبرائيل  معه كبش أقرن أملح فكبر جبرائيل والكبش وإبراهيم وابنه وأتى المنحر من منى فذبحه وذلك قوله  ﴿ وفديناه بذبح عظيم ﴾ والفداء جعل الشيء مكان غيره لدفع الضرر عنه،.

والذبح اسم لما يذبح كالطحن لما يطحن.

وقوله ﴿ عظيم ﴾ أي سمين ضخم الجثة بالقياس إلى أمثاله وهي السنة في الأضاحي.

قال  "استشرفوا ضحاياكم فإنها على الصراط مطاياكم" .

والاستشراف جعلها شريفة وكريمة.

وعن سعيد بن جبير: حق له أن يكون عظيماً وقد رعى في الجنة أربعين خريفاً.

وفي قول ابن عباس: إنه الكبش الذي قربه هابيل فقبل منه وكان يرعى في الجنة إلى أن فدى به إسماعيل.

وقيل: سمي عظيماً لعظم قدره حيث قبله الله  فداء عن ولد خليله.

وقيل: وصفه بالعظم لبقاء أثره إلى يوم القيامة فإنه ما من سنة إلا ويذبح بسبب ذلك من الأنعام مالا يحصيه إلا الله.

وعن الحسن: أنه وعل أهبط عليه من ثبير.

وقال السدّي: نودي إبراهيم فالتفت فإذا هو بكبش أملح ينحط من الجبل فقام عند إبراهيم  فذبحه وخلى ابنه.

استدل بعض الأصوليين من أهل السنة بالآية على جواز نسخ الحكم قبل حضور وقته.

وقالت المعتزلة.

وكثير من فقهاء الشافعية والحنفية بعدم الجواز لاستلزامه البداء أو الجهل، وزعموا أنه  أمر إبراهيم في المنام بمقدمات الذبح كاضجاع ابنه ووضع السكين على حلقه، والعزم الصحيح على الإتيان بذلك الفعل أوان ورود الأمر.

سلمنا أنه أمر بنفس الذبح لكن لم يجوز أنه قطع الحلقوم إلا أنه كان يلتئم جزءاً فجزءاً فلهذا قيل له ﴿ قد صدّقت الرؤيا ﴾ .

والفداء فضل من الله في حقه وتعظيم له بدلاً من عدم وقوع الذبح في الظاهر ولهذا قال ﴿ وفديناه ﴾ .

بإسناد الفداء إلى ذاته  .

والحق أن نسخ الحكم قبل وقته لا يدل على البداء والعبث كما أنه بعد الوقت لا يدل على ذلك فقد يكون غرض الآمر أن يعلم أن المأمور هل يعزم على الفعل ويوطن نفسه على الانقياد والطاعة أم لا.

وتصديق الرؤيا يكفي فيه الإتيان بمثل هيئة الذبح، فمن الرؤيا ما يكون تأويلها بالشبيه كرؤيا يوسف، والفداء زيادة تشريف وتكريم ووضع سنة مؤكدة.

وروي أن الكبش هرب من إبراهيم عند الجمرة فرماه بسبع حصيات حتى أخذه فبقيت سنة في الرمي.

وروي أنه لما ذبحه قال جبرائيل: الله أكبر الله أكبر.

فقال الولد الذبيح: لا إله إلا الله واله أكبر.

فقال إبراهيم: الله أكبر ولله الحمد.

فبقي سنة.

قوله ﴿ وتركنا ﴾ إلى قوله ﴿ المؤمنين ﴾ قد مر نظيره في قصة نوح إلا أنه لم يقل ههنا ﴿ في العالمين ﴾ اكتفاء بما علم في قصة نوح.

ولم يقل ههنا ﴿ إنا كذلك ﴾ بل اقتصر على ﴿ كذلك ﴾ لأنه سبق ذكر التأكيد في هذه القصة فلم يحتج إلى إعادته على أنه قد بقي من القصة شيء فناسب الاختصار في الاعتراض.

قوله ﴿ وبشرناه بإسحق ﴾ من جعل الذبيح إسماعيل قال: وبشرناه بإسحق بعد إسماعيل.

ومن جعل الذبيح إسحق قال بشر بنبوّته وقد كان بشر بمولده.

قوله ﴿ نبياً من الصالحين ﴾ كل منهما حال مقدرة من الفاعل أي بشرناه به مقدراً وعالماً وحاكماً بأنه نبي صالح.

وقد أطنب صاحب الكشاف في هذا المقام حيث بنى الكلام على أنه حال مقدرة من إسحق.

وهو عندي تطويل بلا طائل فليتأمل.

﴿ وباركنا عليه ﴾ قيل: أي على الغلام المبشر به.

قيل: على إبراهيم: ﴿ وعلى إسحق ﴾ اي أفضنا عليهما بركات الدين والدنيا.

ومن جملة ذلك ما روي أنه أخرج من صلب غسحق ألفي نبي أوّلهم يعقوب وآخرهم عيسى وهم المشار إليهم بقوله ﴿ ومن ذريتهما محسن ﴾ ويعلم من قوله ﴿ وظالم لنفسه ﴾ أن البر قد يلد الفاجر ولا عار على الأب، وأن الشرف بالحسب لا بالنسب.

وأما قصة موسى فلا خفاء بها.

والكرب العظيم تسلط فرعون وجفاؤه على قومه.

وقيل: الغرق.

والضمير في ﴿ نصرناهم ﴾ لها ولقومهما.

والمستبين البليغ في بيانه وهو التوراة بان وأبان واستبان بمعنى إلا أن الثالث أبلغ.

والصراط المستقيم دين الله الذي اشترك في أصوله جميع الرسل.

وأما إلياس فالجمهور على أنه نبي من بني إسرائيل بعث بعد موسى وكان من ولد هارون.

وقيل: هو إدريس النبي وقد مر ذكره في سورة مريم.

و"إذ" ظرف لمحذوف أي اذكر يا محمد لقومك ﴿ إذ قال لقومه ألا تتقون ﴾ الله.

قال الكلبي.

أي ألا تخافون عبادة غير الله.

وحين خوّفهم مجملاً ذكر سببه فقال ﴿ أتدعون ﴾ أي أتعبدون ﴿ بعلاً ﴾ وهم اسم صنم من ذهب كان ببعلبك من بلاد الشام طوله عشرون ذراعاً وله اربعة أوجه فتنوا به وعظموه حتى أخدموه أربعمائة سادن وجعلوهم أنبياءه، فكان الشيطان يدخل في جوف بعل ويتكلم بشريعة الضلالة والسدنة يحفظونها ويعلمونها الناس.

قال الإمام فخر الدين الرازي  : لو جوّزنا دخول الشيطان في جوف الصنم وتكلمه فيه لكان قادحاً في كثير من المعجزات كحنين الجذع وكلام الجمل.

قلت: هذا الوهم زائل بعد ثبوت النبوّة بمعجزات أخر.

وقيل: البعل الرب بلغة اليمن.

والمعنى أتبعدون بعض البعول وتتركون عبادة أحسن الخالقين.

ثم بين أجزاء تكذيبهم أنهم محضرون في العذاب غداً.

وباقي القصة ظاهر إلا قوله ﴿ إلياسين ﴾ فمن قرأ بالإضافة فعلى أن إدريس بن ياسين أي سلام على أهل ياسين.

وقيل: آل ياسين آل محمد  .

وقيل: يس اسم القرآن فكأنه قيل: سلام على من آمن بكتاب الله.

والوجه الأوّل هو أنسب الأقوال.

ومن قرأ على صورة الجمع فقد قال الفراء: أراد به إلياس وأتباعه من المؤمنين كقولهم المهلبون والأشعرون بتخفيف ياء النسبة.

وقيل: إنه لغة في إلياس.

قال الزجاج: يقال ميكائيل وميكائين فكذا ههنا.

حكى الثعلبي وغيره أن إلياس نبي من سبط هارون بعثه الله إلى بني إسرائيل وكان فيهم ملك يقال له "أحب" وله امرأة يقال لها "إزبيل" وكانت تبرز للناس كما يبرز زوجها وتجلس للحكم كما يجلس، فأتاهما إلياس ودعاهما إلى الله  فأبيا عليه وهما بقتله فاختفى منهما سبع سنين، وكان اليسع خليفته وآل أمره إلى أن أوحي إليه أن اخرج إلى موضع كذا فما جاءك فاركبه ولا تخف.

فجاء فرس من نار فوثب عليه وناداه خليفته اليسع بن أخطوب ما تأمرني؟

فرمى إلياس إليه بكسائه من الجوّ وكان ذلك عليه علامة استخلافه إياه على بني إسرائيل.

ورفع الله إلياس من بين أظهرهم وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وكساه الريش فكان إنسياً ملكياً أرضياً سماوياً.

وقيل: إلياس موكل بالفيافي كما وكل الخضر بالبحار، وهما آخر من يموت من بني آدم.

وكان الحسن يقول: قد هلك إليا والخضر ولا نقول كما يقول الناس.

وقصة لوط مذكورة مراراً.

ومعنى ﴿ مصبحين وبالليل ﴾ أن مشركي العرب كانوا مسافرين إلى الشأم فلعل أكثر مرورهم بتلك الديار كان في هذين الوقتين لأمر عارض كحر أو غيره.

وقصة يونس أيضاً مما سبق ذكرها، وفيها مزيد تسلية وتثبيت للنبي  قال بعضهم: إنه أرسله ملك زمانه إلى أولئك القوم ليدعوهم إلى الله  .

فالإباق وهو هرب العبد من سيده لا يوجب العصيان، والأظهر أن قوله ﴿ وإن يونس لمن المرسلين ﴾ مذكور في معرض التعظيم على قياس أوائل سائر القصص، ولن يفيد هذه الفائدة إلا إذا كان الإرسال من الله  .

وأما الجواب عن إباقة فقد مر في قوله ﴿ وذا النون إذ ذهب مغاضباً  ﴾ قوله ﴿ المشحون ﴾ كالعلة لقوله ﴿ فساهم ﴾ والمساهمة المقارعة.

يقال: أسهم القوم إذا اقترعوا.

قال المبرد: هي من السهام التي تجال للقرعة، والمدحض المغلوب في الحجة وغيرها وحقيقته الذي أزلق عن مقام الظفر والغلبة.

يروى أنه حين غضب على قومه خرج من بينهم حتى بحر الروم ووجد سفينة مشحونة فحملوه فيها، فلما وصلت إلى لجة البحر أشرفت على الغرق فقال الملاحون: إن فيكم عاصياً وإلا لم يحصل في السفينة ما رناه من غير ريح ولا سبب ظاهر.

وقد يزعم أهل البحر أن السفينة إذا كان فيها آبق لا تجري فاقترعوا فخرج من بينهم يونس.

فقال التجار: نحن أولى بالمعصية من نبي الله.

ثم عادوا ثانياً وثالثاً فخرج سهمه فقال: يا هؤلاء أنا العاصي ورمى نفسه إلى الماء.

﴿ فالتقمه الحوت ﴾ أي ابتلعه كاللقمة ﴿ وهو مليم ﴾ داخل في الملامة ومنه المثل: رب لائم مليم.

أي يلوم غيره وهو أحق منه باللوم ﴿ فلولا أنه كان من المسبحين ﴾ قيل: أي من المصلين.

قيل: أي من المصلين.

عن قتادة: كان كثير الصلاة في الرخاء.

وقيل: من الذاكرين الله كثيراً بالتسبيح والتقديس كما قيل: اذكر الله في الخلوات يذكرك في الفلوات.

والأظهر أن المراد منه ما حكى الله تعالى في آية أخرى أنه كان يقول في تلك الظلمات ﴿ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين  ﴾ .

والضمير في ﴿ يبعثون ﴾ للخلائق بالقيرنة وقوله ﴿ للبث ﴾ في أقوال: أحدها: يبقى هو والحوت إلى يوم البعث.

والثاني يموت الحوت ويبقى هو في بطنه.

والثالث يموتان ثم يحشر يونس من بطنه.

واختلفوا في مدّة لبثه في بطن الحوت، فعن الحسن أنه لم يلبث إلا قليلاً.

وقيل: ثلاثة ايام.

وعن عطاء: سبعة.

وعن الضحاك: عشرون.

وقال الكلبي: أربعون.

روي أن الحوت سار مع السفينة رافعاً راسه يتنفس فيه يونس ويسبح ولم يفارقهم حتى انتهوا إلى البر فلفظه بالعراء وهو المكان الخالي لا شجر فيه ولا شيء يغطيه.

عن أبي هريرة عن النبي  أنه قال "سبح يونس في بطن الحوت فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا ربنا إنا لنسمع صوتاً ضعيفاً بأرض غريبة.

فقال: نعم ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر فقالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح.

قال: نعم فشفعوا له فأمر الحوت فقذفه في الساحل" وحكي في بعض التفاسير وإن لم يطابقه رأي أصحاب المسالك كل المطابقة أن الحوت أخرجه إلى نيل مصر ثم إلى بحر فارس ثم إلى البطائح ثم دجلة فلفظه بأرض نصيبين لم تنله آفة إلا أن بدنه عاد كبدن الصبي حين يولد، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين وذلك كالمعجزة له.

قال المبرد والزجاج: هو "يفعيل" من قطن بالمكان إذا أقام به فيشمل كل شجرة لا تقوم على ساق كالدباء والبطيخ إلا أن المفسرين خصصوه بالدباء قالوا: لأن الذباب لا يجتمع عنده وقيل لرسول الله  : إنك لتحب القرع.

قال: أجل هي شجرة أخي يونس.

قال الواحدي: في الآية دلالة أوّلاً على أن اليقطين لم يكن من قبل فأنبته الله لأجله.

والآخر أن اليقطين كان قائماً بحيث يحصل له ظل.

قلت: الثاني مسلم إلا أن الأول ممنوع إن أراد به النوع وإن أراد به الشخص فمسلم.

وقيل: هي التين.

وقيل: هي شجرة الموز تغطى بورقها واستظل بأغصانها واغتذى من ثمارها.

وروي أنه كان يستظل بالشجرة وكانت وعلة تأتيه فيشرب من لبنها.

وروي أنه مر زمان على الشجرة فيبست فبكى جزعاً فأوحى إليه: بكيت على شجرة ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون فرجع إلى قومه.

وقد سبق في سورة يونس باقي التفسير و"أو" في قوله ﴿ أو يزيدون ﴾ ليست للشك وإنما المراد وصفهم بالكثرة في مرأى الناظر أي إذا رآها الرائي قال هي مائة ألف أو أكثر.

ومن هذا التأويل يتضح وجه العطف من حيث المعنى كأنه قيل: وأرسلناه إلى جم غفير مقول فيهم إنهم مائة ألف أو يزيدون.

وقيل: التقدير وأرسلناه إلى مائة ألف وارسلناه إلى قوم ثزيدون في الإيهام.

وكم الزائد؟

قيل: ثلاثون ألفاً.

عن ابن عباس.

وقيل: بضعة وثلاثون.

وقيل: بضعة وأربعون.

وقيل: سبعون.

وجاء مرفوعاً عشرون الفاً.

ويحتمل أن يراد أو يزيدون في مرور الزمان لأنه يبقى فيهم مدة كما قال ﴿ فآمنوا فمتعناهم إلى حين ﴾ هو انقضاء آجالهم.

وقيل: القيامة وقد مر.

ثم عطف قوله ﴿ فاستفتهم ﴾ على مثله في أول السورة.

والوجه فيه أنه أمر رسوله باستفتاء قريش عن سبب إنكار البعث، ثم ساق الكلام متصلاً بعضه ببعض على ما عرفت في أثناء التفسير، ثم أمره باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزى حين أضافوا البنات إلى الله  قائلين الملائكة بنات الله مع كراهتهم التامة لهن ورغبتهم الوافرة في البنين.

وحين استفتاهم على سبيل التوبيخ شرع في تزييف معتقدهم بقسمة عقلية وذلك أن سند الدعوى إما أن يكون حساً أو خبراً أو نظراً.

أما الحس فمفقود لأنهم ما شاهدوا كيفية تخليق الله الملائكة وهو المراد من قوله ﴿ أم خلقنا الملائكة إناثاً وهم شاهدون ﴾ وأما الخبر فكذلك لأن الخبر إنما يفيد العلم إذا علم أنه صدق قطعاً وهؤلاء كذابون أفاكون وأشار إليه بقوله ﴿ ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون ﴾ وأما النظر فمفقود أياضً وبيانه من وجهين: الأول أن دليل العقل يقتضي فساده لأنه  أكمل الموجودات والأكمل لا يليق به اصطفاء الأخس لأجل نفسه وذلك قوله ﴿ أَصطفى البنات على البنين ما لكم كيف تحكمون ﴾ من قرا اصطفى بفتح الهمزة فلأنه استفهام بطريق الإنكار وقد حذفت همزة الوصل للتخفيف، ومن قرأ بكسرها على الإخبار جعله من جملة كلام الكفرة.

الثاني: عدم الدليل على صحة مذهبهم وهو قوله ﴿ أم لكم سلطان مبين فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين ﴾ نظيره ما مر في قوله ﴿ أم أنزلنا عليهم سلطاناً فهو يتكلم بما كانوا به يشركون  ﴾ وقوله ﴿ وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً ﴾ للمفسرين فيه قولان: أحدهما أنهم الطائفة الأولى والمعنى أنهم جعلوا بين الله وبين الملائكة نسبة بسبب قولهم إنهم بناته فإن الولادة تقتضي الجنسية والمناسبة، وفيه توبيخ لهم على أن من صفته الاحتنان والاستتار كيف يصلح أن يكون مناسباً لا يجوز عليه صفات الإجرام، وعلى هذا فالضمير في قوله ﴿ إنهم لمحضرون ﴾ للكفرة.

والمعنى أنهم يقولون ما يقولون في الملائكة وقد علمت الملائكة أنهم في ذلك كاذبون وأنهم محضرون النار معذبون بما يقولون.

وثانيهما أنهم طائفة من الزنادقة قائلون بيزدان واهر من كما مر في "الأنعام" في قوله ﴿ وجعلوا لله شركاء الجن  ﴾ وعلى هذا فالضمير إما للكفار كما مر، وإما للشياطين.

روى عكرمة أنهم قالوا: سروات الجن بنات الرحمن.

وقال الكلبي: زعموا أن الله  تزوّج إلى الجن فخرج منها الملائكة.

والتاء في الجنة للتأنيث كحق وحقة.

قال جار الله: الاستثناء في قوله ﴿ إلا عباد الله ﴾ منقطع معناه إنهم لمحضرون ولكن المخلصين ناجون وما بينهما اعتراض دال على التنزيه.

وجوّز أن يكون الاستثناء من الضمير في ﴿ يصفون ﴾ اي يصفه هؤلاء بذلك، ولكن أهل الإخلاص مبرؤن من وصفه بما لا ينبغي.

وحين بين المذاهب الفاسدة بقضها بيّن أن أهل الشرك ومعبوديهم ليس لهم أن يفتنوا على الله أي يحملوا غيرهم على سلوك سبيل الفتنة والضلال إلا من سبق في علم الله بأنه من أهل النار.

وقالت المعتزلة: إلا من سبق في علمه أنهم بسوء أعمالهم يستوجبون أن يصلوها.

وجوز جار الله أن تكون الواو في ﴿ وما تعبدون ﴾ بمعنى "مع" وجاز السكوت على ﴿ تعبدون ﴾ كما في قولهم "كل رجل وضيعته".

ثم قال ﴿ ما أنتم عليه ﴾ أي على ما تعبدون ﴿ بفاتنين إلا من هو صال ﴾ مثلكم.

وقال: والوجه في نظم هذه الآيات أن يكون قوله ﴿ سبحان الله ﴾ إلى قوله ﴿ المسبحون ﴾ من كلام الملائكة والمعنى: ولقد علمت الملائكة وشهدوا أن المشركين مفترون عليهم في مناسبة رب العزة وقالوا: سبحان الله، فنزهوه عن ذلك واستثنوا عباده المخلصين.

وقالوا للكفرة: فإذا صح ذلك فإنكم وآلهتكم لا تقدرون أن تفتنوا على الله أحداً من خلقه إلا من كان مثلكم ممن علم الله عز وجل لكفرهم أنهم أهل النار.

وكيف نكون مناسبين لرب العزة وما نحن إلا عبيد أذلاء بين يديه لكل منا مقام من الطاعة لا يستطيع أن يتجاوزه ونحن الصافون كما مر في أول السروة ونحن المسبحون وقال في التفسير الكبير: هاتان الجملتان تدلان على الحصر، وفيه إشارة إلى أن طاعة البشر كالعدم بالنسبة إلا طاعة الملك فكيف يجوز أن يقال: البشر تقرب درجتهم من درجة الملك فضلاً عن دعوى الأفضلية؟

قلت: لا شك أن هذا التركيب يفيد الحصر إلا أنه لم يفرق بين قصر الأول على الثاني كما في الآية وبين عكسه، والذي يفيد مدعاه هو العكس لا الأصل فافهم.

وقيل: هذه الآيات من قول رسول الله  أي وما من المسلمين أحد إلا له مقام معلوم يوم القيامة على قدر عمله.

ثم ذكر أعمالهم وأنهم الذين يصطفون في الصلاة ويسبحون الله وينزهونه.

ثم حكى أن مشركي قريش ﴿ كانوا يقولون لو أن عندنا ذكراً ﴾ أي كتاباً من جملة كتب الأوّلين اي نظيرها في بيان الشرائع والتكاليف لأخلصنا العبادة لله.

وإن مخففة واللام فارقة ﴿ فكفروا به ﴾ الفاء للربط أي فجاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار فكفروا به ﴿ فسوف يعلمون ﴾ وخامة عاقبة التكذيب.

وقيل: أرادوا لو علمنا حال آبائنا وما آل إليه أمرهم وكان ذلك كما يقول محمد  لآمنا به وأخلصنا لكنا على شك من حديثه.

ثم بين أن رسل الله وجنده منصورون غالبون عاجلاً وآجلاً، والأول أكثريّ والثاني تحقيق يقيني.

ثم أمر نبيه بالصفح والإغماض إلى أوان النصرة والغلبة قائلاً ﴿ فتوّل عنهم ﴾ أي أعرض عن أذاهم إلى حين الأمر بالقتال أو إلى يوم بدر.

عن السدي: أو إلى الموت والقيامة.

﴿ وأبصرهم ﴾ وما يقضى عليهم من السر والقتل في الدنيا والعذاب في الآخرة فسوف يبصرونك وما يؤل غليه أمرك من النصر والثواب في الدارين.

وفي هذا الأمر تنفيس عن النبي  وتسلية له كأن الحالة الموعودة قدام عينيه قرباً وتحققاً.

و ﴿ سوف ﴾ في الموضعين للوعيد لا للتبعيد وكأنهم فهموا التسويف فاستعجلوا العذاب فوبخوا عليه.

وكان من عادة العرب أن يغيروا صباحاً فسميت الغارة صباحاً وإن وقعت في وقت آخر، وشبه نزول العذاب بساحتهم بعدما أنذروه بجيش أنذر بعض النصحاء بهجومه قومه فلم يلتفتوا إلى إنذاره ولا أخذوا أهبتهم حتى أناخ بفنائهم بغتة فشنّ الغارة عليهم.

وقيل: نزل في فتح مكة.

وعن أنس: لما أتى رسول الله  خيبر وكانوا خارجين إلى مزارعهم ومعهم المساحي قالوا: محمد والخميس.

ورجعوا إلى حصنهم فقال  : الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين أي صباحهم، فحذف المخصوص بالذم.

واللام في ﴿ المنذرين ﴾ للجنس.

وإنما ثنى وتول عنهم ليكون تسلية على تسلية.

والأول لعذاب الدنيا والثاني للآخرة، وأطلق الفعل الثاني ايضاً اكتفاء بالأول وليفيد فائدة زائدة وهي أنه يبصر وهم يبصرون ما لا يحيط به الوصف من صنوف المسرة وفنون المساءة.

واعلم أن السورة اشتملت على ما قاله المشركون في الله وعلى ما عانى المرسلون من جهتهم وعلى ما يؤل إليه عاقبة الرسل وحزب الله من موجبات الحمد فلا جرم ختمها بكلمات جامعة لتلك المعاني.

ومعنى ﴿ رب العزة ﴾ كقوله ﴿ قل اللهم مالك الملك  ﴾ والمراد ذي العزة لأنها صفته لا مربوبه.

عن ابن عباس أنه سمع رجلاً يقول: اللهم رب القرآن فأنكر عليه وقال: القرآن ليس بمربوب ولكن كلام الله.

والظاهر أن قوله ﴿ عما يصفون ﴾ يتعلق ﴿ بسبحان ﴾ كما في قوله ﴿ سبحان الله عما يصفون ﴾ وقل: متعلق بالعزة أي امتنع عما يصفونه به وقد مر شيء من تحقيق هذه الحالة في آخر يس.

قال بعضهم: إنما لم يقل في آخر قصتي لوط ويونس سلام عليهما اكتفاء بقوله في الخاتمة ﴿ وسلام على المرسلين ﴾ عن علي  : من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه إذا قام من مجلس ﴿ سبحان ربك رب العزة ﴾ إلى آخر السورة.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ .

قال بعضهم: ذاهب إلى ربي بقلبي وعملي ونيتي وذلك في الآخرة.

ويحتمل: ذاهب إلى ما أمرني ربي، أو إلى ما أذن لي، أي: وقد أمر بالهجرة إلى الأم من مكة.

أو ذاهب إلى ما فيه رضاء ربي، أو طاعة ربي ونحو ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَيَهْدِينِ ﴾ .

قال بعضهم: أي: سينجيني مما رأيت من قومي.

وقال بعضهم: سيهديني الطريق، وذلك جائز نحو قول موسى -  -: ﴿ قَالَ عَسَىٰ رَبِّيۤ أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ  ﴾ لما توجه إلى مدين؛ فعلى ذلك جائز قول إبراهيم: ﴿ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي ﴾ أي: ذاهب إلى أمر ربي، أي: متوجه إلى ما أمرني ربي أن أتوجه سيهديني ذلك الطريق، والله أعلم.

وقال بعضهم: سيهديني لدينه وذلك أول ما هاجر من الخلق، أي: ليعلم دينه، وقد ذكر في حرف حفصة: ﴿ إني مهاجر إلى ربي سيهدين ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ .

كأنه قال: رب هب لي غلاماً واجعله من الصالحين، دليل ذلك ما ذكر له من البشارة بالغلام، فدلت البشارة له بالغلام على أثر ذلك [على أن] سؤاله كان سؤال الغلام.

ثم فيه دليل جواز سؤال الولد الذكر ربَّه، لكنه يسأله بشرط الصلاح والطيب كما سأل الأنبياء وسأله إبراهيم -  -: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ ، وقال زكريا -  -: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً  ﴾ ، وما ذكر وحكي عنهم مدحاً لهم وثناء عليهم حيث قال - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً  ﴾ يجب على من يسأل ربه الولد أن يسأله على هذه الشرائط التي سألته الأنبياء - عليهم السلام - فيكون سؤالهم الولد على ذلك سؤالا لله - عز وجل - وما يصلح لقيامه لأمره وعبادته، فأما أن يسأله إياه لذة لنفسه وسروراً له في الدنيا فلا.

ثم يحتمل قوله: ﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ...

 ﴾ إلى آخر ما ذكر وجهين: أحدهما: أي: هب لنا من أزواجنا وذريتنا ما تقر به أعيينا.

أو هب لنا من أزواجنا من الولد والذرية ما تقر به أعيننا على ما سأل زكريا -  - حيث قال: ﴿ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً  ﴾ .

ثم فيه دلالة أن الولد هبة الله لهم وعطاء لهم؛ ولذلك قال: ﴿ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً  ﴾ ، ﴿ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ  ﴾ ، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم - والله أعلم - نعني: ما صار الولد هبة من الله.

وقوله: ﴿ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ ﴾ .

يصير حليماً إذا بلغ مبلغ الامتحان بالأعمال والأمر والنهي، أي: بشرناه بغلام حليم يحلم فيما امتحن إذا بلغ مبلغاً يمتحن فيه، قال قتادة: "إن الله - عز وجل - لم يذكر أحدا ولا وصفه بالحلم سوى إبراهيم وولده الذي بشر به"، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ ﴾ .

أي: بلغ بحيث يقدر أن يسعى معه إلى حيث أمر هو أن يسعى ويمشي معه وهي الهجرة.

وقال بعضهم: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ ﴾ ، أي: بلغ بحيث يعمل ويمتحن عندنا.

قال له: ﴿ يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ﴾ .

وترى بالنصب والرفع جميعاً - فيه دلالة أن رؤيا الأنبياء والرسل - عليهم السلام - على حق تخرج كالأمر المصرح؛ ألا ترى أنه لما قال له: ﴿ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ﴾ ، وقد عرف حرمة ذبح بني آدم وقتلهم قال له ولده: ﴿ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ ﴾ ولو لم يكن أمراً لم يقل: ﴿ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ ﴾ ، ولا قال له إبراهيم: ﴿ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ﴾ ، وقد عرف حرمة ذبح بني آدم وقتلهم الذي لا يسع الإقدام عليه، والله أعلم.

ثم [في] قوله لأبيه: ﴿ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ ﴾ دلالة أن لا كل مأمور بأمر من الله شاء الله أن يفعل ما أمره؛ حيث أخبر [أنه] سيجده من الصابرين إن شاء الله، وقد ذكرنا أن إبراهيم -  - كان مأموراً بالذبح، فإذا أمر هو بالذبح أمر هذا أن يصبر على الذبح ولا يجزع، ثم أخبر أنه يصبر إن شاء الله دل أن لا كل مأمور لله بأمر شاء منه أن يفعل ذلك، ولكن شاء أن يفعل ذلك ممن علم منه أنه يختار ذلك الفعل ويفعله، ومن علم منه أنه لا يفعل ذلك لا يجوز أن يشاء منه ذلك الفعل؛ وكذلك قول موسى -  -: ﴿ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً  ﴾ ، وهذا على المعتزلة لقولهم: إن الله  إذا أمر أحدا بأمر شاء أن يفعل ما أمره به، لكنه تركه لما لم يشأ هو، والله أعلم.

وقد بينا فساد قولهم في غير موضع، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ أَسْلَمَا ﴾ أي: استسلما لأمر الله فيما أمرهما: هذا بالذبح، وهذا بالبذل والطاعة في ذلك.

أو أسلم هذا ابنه وهذا نفسه لله - عز وجل - وأصله: أسلما أنفسهما لأمر الله وإطاعته في ذلك.

وقوله: ﴿ وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾ ، أي: صرعه، وكبه على وجهه، فيه أنه لم يضجعه كما يضجع المرء ما يريد أن يذبحه من الشياه وغيرها، ولكنه أضجعه على وجهه، فهو - والله أعلم - لما أراد أن ينفذ أمر الله ويقدر على أداء ما أمر به، فلعله لو أضجعه على ما يضجع غيره من الذبح نظر كل واحد منهما إلى وجه الآخر، فيرحمه هذا بترك ذبحه وهذا ينظر في وجهه في جزع ويترك طاعته.

أو على ما قال أهل التأويل: إنّ ولده قال لإبراهيم -  -: كذا، ففعل ما ذكر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ ﴾ يجوز أن يحتج بهذه الآية على المعتزلة لقولهم: إن الله - عز وجل - إذا أمر أحداً بأمر يجوز ذلك الفعل منه وأراد أن يفعل ما أمره به، ونحن نقول: يجوز أن يريد غير الذي أمره به، يريد أن يكون ما علم أنه يكون منه ويختاره حيث قال - عز وجل -: ﴿ يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ ﴾ ، ولم يكن منه حقيقة ذبح الولد وقد أمره بذبحه، فلو كان في الأمر إرادة كون ما أمره به، لكان لا يصدقه في الوفاء بالرؤيا، ولم يكن ذلك منه حقيقة.

لكنهم يقولون: إن الأمر بالذبح لم يكن إلا ما كان منه من ذبح الكبش من ذلك أراد فكان ما أراد، ومذاهبهم الاحتيال لدفع ما ذكرنا.

لكن نقول: إن الأمر بالذبح إنما كان بذبح الولد حقيقة لا بذبح الكبش؛ دليله وجوه: أحدها: قول إبراهيم حيث قال: ﴿ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ﴾ ، وقول ولده - عليهما السلام -: ﴿ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ ﴾ ، لو لم يجعل الأمر من الله له بالذبح أمراً بالذبح على ذبح الولد حقيقة لكان يجهلهما في قولهما: أمر الله، وفي تسميتهما ما سميا، ولم يجهلهما في ذلك، فدل أن الأمر كان على حقيقة ذبح الولد لا على ذبح الكبش على ما يقولون، والله أعلم.

والثاني: أن إبراهيم وولده - عليهما السلام - قد مدحا وأثنى عليهما بالصنيع الذي صنعا: هذا بإضجاعه إياه للذبح، وهذا لبذله نفسه له والطاعة له في ذلك، فلو كان الأمر منه لهما لا غير الإضجاع والبذل لذلك لم يكن لهما في ذلك الصنيع فضل مدح ولا فضل ثناء ومنقبة؛ إذ لكل أحد إضجاع الولد لذلك وللآخر البذل له، فإذا مُدحا وأُثني عليهما في صنيعهما الذي صنعا وصار لهما منقبة عظيمة إلى يوم القيامة، حتى سمي هذا: ذبيح الله، وهذا: فداء الله؛ حيث قال الله - عز وجل -: ﴿ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾ ، فلو كان الأمر بالذبح ذبح الكبش لا ذبح الولد لم يكن الكبش فداء منه؛ إذ لا يسمى الفداء إلا بعد إبدال غير عنه وإقامة غير مقامه، دل على ما ذكرنا، والله أعلم.

لكنه إذا أضجعه وتله للجبين على [ما] ذكر صارا ممنوعين عن ذلك الفعل غير تاركين أمر الله - عز وجل - على ما ذكر في القصة: أن الشفرة قد انقلبت عن وجهها فلم تقطع، فمن أمر بأمر ثم منع عمّا أمره به وحيل بينه وبين ما أمر به، لم يصر تاركاً للأمر، ولا كان موصوفاً بالترك له، لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.

ثم يجوز أن يستدل بهذه الآية لمسائل لأصحابنا: إحداها: في المرأة إذا أسلمت [نفسها للزوج وهناك] ما يمنع الزوج عن الاستمتاع بها والجماع صارت موفية مسلمة ما على نفسها إلى زوجها، فاستوجبت بذلك كمال الصداق ولزمتها العدة؛ إذ لا تملك سوى ما فعلت وإن لم يجامعها زوجها.

وفيمن عنده أمانة إذا سلمها إلى صاحبها وصيرها بحال يقدر على أخذها وقبضها يصير مسلماً إليه مؤدياً خارجاً منها موفيا، وإن لم يقبض الآخر ولم تقع في يده.

وفي البائع إذا سلم المبيع إلى المشتري وخلى بينه وبين ذلك يصير مسلماً إليه خارجاً من ضمان ذلك وعهدته وإن لم يقبضه المشتري، ونحوه من المسائل مما يكثر إحصاؤها؛ إذ ليس في وسعهم إلا ذلك المقدار من الفعل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ ﴾ .

لو كان هذا القول بعد ذبح الكبش، ففيه حجة لقول أصحابنا حيث قال أبو حنيفة - رحمه الله -: إن من أوجب على نفسه ذبح ولده يخرج منه بذبح الكبش؛ لما أخبر أنه قد صدق الرؤيا بذبح الكبش؛ فعلى ذلك يصير هذا موجباً على نفسه ذبح كبش لا غير، والله أعلم، وإن كان قوله: ﴿ قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ ﴾ قبل ذبح الكبش بإضجاعه إياه وإسلامه لذلك، ففيه ما ذكرنا أنه بذل تسليمهما نفسه منزلة إتيان عين ذلك؛ إذ منع عن ذلك لا أنه ترك ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ ﴾ .

إن الأمر بذبح الولد الذي أمر به إبراهيم محنة عظيمة.

ويقول بعض أهل التأويل: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ ﴾ ، أي: النعمة العظيمة، أي: في الفداء الذي فدى لإبراهيم -  - نعمة عظيمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾ .

وهو الكبش، قال بعض أهل التأويل: سماه: عظيماً؛ لأنه كان يرعى في الجنة أربعين خريفاً.

ويقول بعضهم: كان ذلك الكبش في نفسه عظيماً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ ﴾ .

قال أهل التأويل: أي: تركنا عليه في الآخرين الثناء الحسن.

ويجوز أن يكون قوله: ﴿ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ ﴾ ذلك السلام الذي ذكر على أثره حيث قال - عز وجل -: ﴿ سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ ﴾ ترك ذلك فينا؛ لنسلم عليه وعلى جميع المرسلين؛ كقوله: ﴿ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ  وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ  ﴾ قد أمرنا أن نثني ونسلم على جميع الأنبياء والمرسلين؛ وكقوله: "اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد" ويكون [سلام] الأنبياء - عليهم السلام - بعضهم إلى بعض كما كان بعضهم من شيعة البعض.

أو أن يكون ذلك السلام من الله لهم أمناً من كل خوف وسلامة عن كل خبث.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .

أي: كذلك نجزي كل محسن أن يترك له السلام والثناء الحسن في الآخرين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

يحتمل هذا وجوهاً: أحدها: أنه كان من عبادنا المؤمنين قبل أن يُوحى إليه وقبل أن يبعث رسولا.

ويحتمل أنه من عبادنا المؤمنين الذين حققوا الإيمان في قوله وفعله ووفاء ما عليه.

أو أنه كان من عبادنا المؤمنين بمحمد  والأنبياء جميعاً بعضهم يصدق بعضا ويؤمن به، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ .

كان سأل ربه الولد يقول: ﴿ هَبْ لِي مِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ فاستجاب الله دعاءه وبشره بما ذكر، ثم أخبر أنه نبي من الصالحين.

يحتمل قوله -  -: ﴿ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ أي: نبيّاً من السلف؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ  ﴾ أي: نبيّاً نصيره ونجعله من الأنبياء؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذَا نَذِيرٌ مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلأُوْلَىٰ  ﴾ .

ويحتمل أن تكون البشارة في الولادة [أي: في] الولد الذي سأل ربه.

ويحتمل أن بشر له بنبوته، أو بشر لهما بهما بالولادة وبالنبوة جميعاً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ ﴾ .

البركة هي اسم كل خير لا يزال على الزيادة والنماء.

أو يقول: إن البركة شيء من أعطى كان لا تبعة عليه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ ﴾ .

﴿ مُحْسِنٌ ﴾ أي: مؤمن مصدق ﴿ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ ﴾ ، أي: كافر، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً  ﴾ ، فقال إبراهيم -  -: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ  ﴾ أخبر أن في ذريته من لا ينال عهده كما ذكر هاهنا: أن في ذريته محسناً وهو مؤمن وظالم لنفسه مبين، أي: كافر ظاهر مبين.

أو أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ مُحْسِنٌ ﴾ إلى نفسه، أو محسن إلى الناس، وهو إسحاق، و[إن ثبت] ما روي "أن رجلا سأل فقال: يا رسول الله، أي الناس أكرمهم حسباً؟

قال: يوسف صديق الله ابن يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله" فهو ذلك، وإلا فلا حاجة لنا إلى معرفة ذلك أنه فلان أو فلان؛ إذ لو كان لنا إلى بيان ذلك حاجة لبين وأزال الإشكال واختلاف الناس في ذلك والتكلم فيه فضل وتكلف؛ إذ لا يحتمل أن يكون بالناس حاجة إلى معرفة ذلك وبيانه، ثم لا يبين لهم ولا يعرف ذلك، فدل ترك التنازع لذلك على أن لا حاجة إلى ذلك، والله أعلم.

وقال أبو عوسجة والقتبي: الذِّبح: الكبش واسم ما يذبح، والذَّبح بنصب الذال مصدر ذبحت؛ هذا قول القتبي.

وقال أبو عوسجة: الذَّبح بالنصب هو الفعل وهما واحد.

وقال القتبي: البلاء المبين: الإحسان المبين العظيم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وبشرناه بولد آخر يصير نبيَّا وعبدًا صالحًا وهو إسحاق؛ جزاءً على طاعته لله في ذبح إسماعيل ولده الوحيد.

<div class="verse-tafsir" id="91.6xq8l"

مزيد من التفاسير لسورة الصافات

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل