الآية ٢٨ من سورة عبس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 80 عبس > الآية ٢٨ من سورة عبس

وَعِنَبًۭا وَقَضْبًۭا ٢٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 96 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٨ من سورة عبس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٨ من سورة عبس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

والعنب معروف والقضب هو الفصفصة التي تأكلها الدواب رطبة ويقال لها القت أيضا قال ذلك ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي وقال الحسن البصري القضب العلف .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

( وَعِنَبًا ) يقول: وكرم عنب ( وَقَضْبَا ) يعني بالقضب: الرطبة، وأهل مكة يسمون القَتَّ القَضْب.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال:ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( وَقَضْبا ) يقول: الفِصفِصة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَقَضْبا ) قال: والقضب: الفصافص.

قال أبو جعفر رحمه الله: الفِصفصة: الرَّطبة.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( وقَضْبا ) يعني: الرطبة.

حدثنا بشر، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا يونس، عن الحسن، في قوله: ( وَقَضْبا ) قال: القضب: العَلَف.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وعنبا وقضبا وهو القت والعلف ، عن الحسن : سمي بذلك ; لأنه يقضب أي يقطع بعد ظهوره مرة بعد مرة .

قال القتبي وثعلب : وأهل مكة يسمون القت القضب .

وقال ابن عباس : هو الرطب لأنه يقضب من النخل : ولأنه ذكر العنب قبله .

وعنه أيضا : أنه الفصفصة وهو القت الرطب .

وقال الخليل : القضب الفصفصة الرطبة .

وقيل : بالسين ، فإذا يبست فهو قت .

قال : والقضب : اسم يقع على ما يقضب من أغصان الشجرة ، ليتخذ منها سهام أو قسي .

ويقال : قضبا ، يعني جميع ما يقضب ، مثل القت والكراث وسائر البقول التي تقطع فينبت أصلها .

وفي الصحاح : والقضبة والقضب الرطبة ، وهي الإسفست بالفارسية ، والموضع الذي ينبت فيه مقضبة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَعِنَبًا وَقَضْبًا } وهو القت،

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"وعنباً وقضباً"، وهو القت الرطب، سمي بذلك لأنه يقضب في كل الأيام يقطع.

وقال الحسن: القضب: العلف للدواب.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وعنبا وقضبا» هو القت الرطب.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فليتدبر الإنسان: كيف خلق الله طعامه الذي هو قوام حياته؟

أنَّا صببنا الماء على الأرض صَبًّا، ثم شققناها بما أخرجنا منها من نبات شتى، فأنبتنا فيها حبًا، وعنبًا وعلفًا للدواب، وزيتونًا ونخلا وحدائق عظيمة الأشجار، وثمارًا وكلأ تَنْعَمون بها أنتم وأنعامكم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( وَعِنَباً وَقَضْباً .

وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً .

وَحَدَآئِقَ غُلْباً .

وَفَاكِهَةً وَأَبّاً ) أى : وأنبتنا فى الأرض - أيضا - بقدرتنا ورحمتنا ( عنبا ) وهو ثمر الكرم المعروف بلذة طعمه .( وقضبا ) وهو كل ما يؤكل من النبات رطبا ، كالقثاء والخيار ونحوهما ، وقيل : هو العلف والرطب الذى تأكله والدواب ، وسمى قضبا ، لأنه يقضب - أى يقطع - بعد ظهوره مرة بعد أخرى .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أن هذه المرتبة الثالثة مشتملة أيضاً على ثلاث مراتب، الإماتة، والإقبار، والإنشار، أما الإماتة فقد ذكرنا منافعها في هذا الكتاب، ولا شك أنها هي الواسطة بين حال التكليف والمجازاة، وأما الإقبار فقال الفراء: جعله الله مقبوراً ولم يجعله ممن يلقى للطير والسباع، لأن القبر مما أكرم به المسلم قال: ولم يقل فقبره، لأن القابر هو الدافن بيده.

والمقبر هو الله تعالى، يقال قبر الميت إذا دفنه وأقبر الميت، إذا أمر غيره بأن يجعله في القبر، والعرب تقول: بترت ذنب البعير، والله أبتره وعضبت قرن الثور، والله أعضبه، وطردت فلاناً عني، والله أطرده.

أي صيره طريداً، وقوله تعالى: ﴿ ثم إذا شاء أنشره ﴾ المراد منه الإحياء (و) البعث، وإنما قال: إذا شاء إشعاراً بأن وقته غير معلوم لنا، فتقديمه وتأخيره موكول إلى مشيئة الله تعالى، وأما سائر الأحوال المذكورة قبل ذلك فإنه يعلم أوقاتها من بعض الوجوه، إذا الموت وإن لم يعلم الإنسان وقته ففي الجملة يعلم أنه لا يتجاوز فيه إلا حداً معلوماً.

﴿ كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ ﴾ .

واعلم أن قوله: ﴿ كلا ﴾ ردع للإنسان عن تكبره وترفعه، أو عن كفره وإصراره على إنكار التوحيد، وعلى إنكاره البعث والحشر والنشر، وفي قوله: ﴿ لما يقض ما أمره ﴾ وجوه: أحدها: قال مجاهد لا يقضي أحد جميع ما كان مفروضاً عليه أبداً، وهو إشارة إلى أن الإنسان لا ينفك عن تقصير ألبتة، وهذا التفسير عندي فيه نظر، لأن قوله: ﴿ لما يقض ﴾ الضمير فيه عائد إلى المذكور السابق، وهو الإنسان في قوله: ﴿ قتل الإنسان ما أكفره  ﴾ وليس المراد من الإنسان هاهنا جميع الناس بل الإنسان الكافر فقوله: ﴿ لما يقض ﴾ كيف يمكن حمله على جميع الناس.

وثانيها: أن يكون المعنى أن الإنسان المترفع المتكبر لم يقض ما أمر به من ترك التكبر، إذ المعنى أن ذلك الإنسان الكافر لما يقض ما أمر به من التأمل في دلائل الله، والتدبر في عجائب خلقه وبينات حكمته.

وثالثها: قال الأستاذ أبو بكر بن فورك: كلا لم يقض الله لهذا الكافر ما أمره به من الإيمان وترك التكبر بل أمره بما لم يقض له به.

واعلم أن عادة الله تعالى جارية في القرآن بأنه كلما ذكر الدلائل الموجودة في الأنفس، فإنه يذكر عقيبها الدلائل الموجودة في الآفاق فجرى هاهنا على تلك العادة وذكر دلائل الآفاق وبدأ بما يحتاج الإنسان إليه.

فقال: ﴿ فَلْيَنظُرِ الإنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴾ .

الذي يعيش به كيف دبرنا أمره، ولا شك أنه موضع الاعتبار، فإن الطعام الذي يتناول الإنسان له حالتان إحداهما: متقدمة وهي الأمور التي لابد من وجودها حتى يدخل ذلك الطعام في الوجود والثانية: متأخرة، وهي الأمور التي لابد منها في بدن الإنسان حتى يحصل له الانتفاع بذلك الطعام المأكول، ولما كان النوع الأول أظهر للحسن وأبعد عن الشبهة، لا جرم اكتفى الله تعالى بذكره، لأن دلائل القرآن لابد وأن تكون بحيث ينتفع بها كل الخلق، فلابد وأن تكون أبعد عن اللبس والشبهة، وهذا هو المراد من قوله: ﴿ فلينظر الإنسان إلى طعامه ﴾ واعلم أن النبت إنما يحصل من القطر النازل من السماء الواقع في الأرض، فالسماء كالذكر، والأرض كالأنثى فذكر في بيان نزل القطر.

قوله: ﴿ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَآءَ صَبًّا ﴾ .

وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله: ﴿ صببنا ﴾ المراد منه الغيث، ثم انظر في أنه كيف حدث المشتمل على هذه المياه العظيمة، وكيف بقي معلقاً في جو السماء مع غاية ثقله، وتأمل في أسبابه القريبة والبعيدة، حتى يلوح لك شيء من آثار نور الله وعدله وحكمته، وفي تدبير خلقة هذا العالم.

المسألة الثانية: قرئ (إنا) بالكسر، وهو على الاستئناف، وأنا بالفتح على البدل من الطعام والتقدير فلينظر الإنسان إلى أن كيف صببنا الماء قال أبو علي الفارسي: من قرأ بكسر إنا كان ذلك تفسيراً للنظر إلى طعامه كما أن قوله: ﴿ لهم مغفرة  ﴾ تفسير للوعد، ومن فتح فعلى معنى البدل بدل الاشتمال، لأن هذه الأشياء تشتمل على كون الطعام وحدوثه، فهو كقوله: ﴿ يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه  ﴾ وقوله: ﴿ قُتِلَ أَصْحَٰبُ ٱلْأُخْدُودِ  ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ  ﴾ .

قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا ﴾ .

والمراد شق الأرض بالنبات، ثم ذكر تعالى ثمانية أنواع من النبات: أولها: الحب: وهو المشار إليه بقوله: ﴿ فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا ﴾ .

وهو كل ما حصد من نحو الحنطة وغيرهما، وإنما قدم ذلك لأن كالأصل في الأغذية.

﴿ وَعِنَبًا وَقَضْبًا ﴾ .

وثانيها: قوله تعالى: ﴿ وعنباً ﴾ وإنما ذكره بعد الحب لأنه غذاء من وجه وفاكهة من وجه.

وثالثها: قوله تعالى: ﴿ وقضباً ﴾ وفيه قولان: الأول: أنه الرطبة وهي التي إذا يبست سميت بالقت، وأهل مكة يسمونها بالقضب وأصله من القطع، وذلك لأنه يقضب مرة بعد أخرى، وكذلك القضيب لأنه يقضب أي يقطع.

وهذا قول ابن عباس والضحاك ومقاتل واختيار الفراء وأبي عبيدة والأصمعي.

والثاني: قال المبرد: القضب هو العلف بعينه، وأصله من أنه يقضب أي يقطع وهو قول الحسن.

والرابع والخامس: قوله تعالى: ﴿ وَزَيْتُونًا وَنَخْلاً ﴾ ومنافعهما قد تقدمت في هذا الكتاب.

وسادسها: قوله تعالى: ﴿ وَحَدَآئِقَ غُلْبًا ﴾ الأصل في الوصف بالغلب الرقاب فالغلب الغلاظ الأعناق الواحد أغلب يقال أسد أغلب، ثم هاهنا قولان: الأول: أن يكون المراد وصف كل حديقة بأن أشجارها متكاثفة متقاربة، وهذا قول مجاهد ومقاتل قالا: الغلب الملتفة الشجر بعضه في بعض، يقال اغلوب العشب واغلولبت الأرض إذا التف عشبها.

والثاني: أن يكون المراد وصف كل واحد من الأشجار بالغلظ والعظم، قال عطاء عن ابن عباس: يريد الشجر العظام، وقال الفراء: الغلب ما غلظ من النخل.

﴿ وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ﴾ .

﴿ مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ ﴾ .

وسابعها: قوله: ﴿ وفاكهة ﴾ وقد استدل بعضهم بأن الله تعالى لما ذكر الفاكهة معطوفة على العنب والزيتون والنخل وجب أن لا تدخل هذه الأشياء في الفاكهة، وهذا قريب من جهة، الظاهرة، لأن المعطوف مغاير للمعطوف عليه.

وثامنها: قوله تعالى: ﴿ وأباً ﴾ والأب هو المرعى، قال صاحب الكشاف: لأنه يؤب أي يؤم وينتجع، والأب والأم أخوان قال الشاعر: جذمنا قيس ونجد دارنا *** لنا الأب به والمكرع وقيل الأب الفاكهة اليابسة لأنها تؤدب للشتاء أي تعد، ولما ذكر الله تعالى ما يغتذى به الناس والحيوان.

قال: ﴿ متاعاً لكم ولأنعامكم ﴾ .

قال الفراء: خلقناه منفعة ومتعة لكم ولأنعامكم، وقال الزجاج: هو منصوب لأنه مصدر مؤكد لقوله: ﴿ فأنبتنا ﴾ لأن إنباته هذه الأشياء إمتاع لجميع الحيوان.

واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الأشياء وكان المقصود منها أموراً ثلاثة: أولها: الدلائل الدالة على التوحيد.

وثانيها: الدلائل الدالة على القدرة على المعاد.

وثالثها: أن هذا الإله الذي أحسن إلى عبيده بهذه الأنواع العظيمة من الإحسان، لا يليق بالعاقل أن يتمرد عن طاعته وأن يتكبر على عبيده أتبع هذه الجملة بما يكون مؤكداً لهذه الأغراض وهو شرح أهوال القيامة، فإن الإنسان إذا سمعها خاف فيدعوه ذلك الخوف إلى التأمل في الدلائل والإيمان بها والإعراض عن الكفر، ويدعوه ذلك أيضاً إلى ترك التكبر على الناس، وإلى إظهار التواضع إلى كل أحد، فلا جرم ذكر القيامة: فقال: ﴿ فَإِذَا جَآءَتِ الصَّآخَّةُ ﴾ .

قال المفسرون يعني صيحة القيامة وهي النفخة الأخيرة، قال الزجاج: أصل الصخ في اللغة الطعن والصك، يقال صخ رأسه بحجر أي شدخه والغراب يصخ بمنقاره في دبر البعير أي يطعن، فمعنى الصاخة الصاكة بشدة صوتها للآذان، وذكر صاحب الكشاف وجهاً آخر فقال: يقال صخ لحديثه مثل أصاخ له، فوصفت النفخة بالصاخة مجازاً لأن الناس يصخون لها أي يستمعون.

ثم إنه تعالى وصف هول ذلك اليوم بقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ﴾ .

﴿ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ﴾ .

﴿ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ﴾ .

وفيه مسألتان: المسألة الأولى: يحتمل أن يكون المراد من الفرار ما يشعر به ظاهره وهو التباعد والاحتراز والسبب في ذلك الفرار الاحتراز عن المطالبة بالتبعات.

يقول الأخ: ما واسيتني بمالك، والأبوان يقولان قصرت في برنا، والصاحبة تقول أطعمتني الحرام، وفعلت وصنعت، والبنون يقولون: ما علمتنا وما أرشدتنا، وقيل: أول من يفر من أخيه هابيل، ومن أبويه إبراهيم، ومن صاحبته نوح ولوط، ومن ابنه نوح، ويحتمل أن يكون المراد من الفرار ليس هو التباعد، بل المعنى أنه يوم يفر المرء من موالاة أخيه لاهتمامه بشأنه، وهو كقوله تعالى: ﴿ إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا  ﴾ وأما الفرار من نصرته، وهو كقوله تعالى: ﴿ يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً  ﴾ وأما ترك السؤال وهو كقوله تعالى: ﴿ ولا يسأل حميم حميماً  ﴾ .

المسألة الثانية: المراد أن الذين كان المرء في دار الدنيا يفر إليهم ويستجير بهم، فإنه يفر منهم في دار الآخرة، ذكروا في فائدة الترتيب كأنه قيل: ﴿ يوم يفر المرء من أخيه ﴾ بل من أبويه فإنهما أقرب من الأخوين بل من الصاحبة والولد، لأن تعلق القلب بهما أشد من تعلقه بالأبوين.

ثم إنه تعالى لما ذكر هذا الفرار أتبعه بذكر سببه فقال تعالى: ﴿ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأَنٌ يُغْنِيهِ ﴾ .

وفي قوله: ﴿ يغنيه ﴾ وجهان الأول: قال ابن قتيبة: يغنيه أي يصرفه ويصده عن قرابته وأنشد: سيغنيك حرب بني مالك *** عن الفحش والجهل في المحفل أي سيشغلك، ويقال أغن عني وجهك أي أصرفه الثاني: قال أهل المعاني: يغنيه أي ذلك الهم الذي بسبب خاصة نفسه قد ملأ صدره، فلم يبق فيه متسع لهم آخر، فصارت شبيهاً بالغنى في أنه حصل عنده من ذلك المملوك شيء كثير.

واعلم أنه تعالى لما ذكر حال يوم القيامة في الهول، بين أن المكلفين فيه على قسمين منهم السعداء، ومنهم الأشقياء فوصف السعداء بقوله تعالى: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ﴾ .

﴿ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ ﴾ .

مسفرة مضيئة متهللة، من أسفر الصبح إذا أضاء، وعن ابن عباس من قيام الليل لما روى من كثرت صلاته بالليل، حسن وجهه بالنهار، وعن الضحاك، من آثار الوضوء، وقيل: من طول ما أغبرت في سبيل الله، وعندي أنه بسبب الخلاص من علائق الدنيا والاتصال بعالم القدس ومنازل الرضوان والرحمة ضاحكة، قال الكلبي: يعني بالفراغ من الحساب مستبشرة فرحة بما نالت من كرامة الله ورضاه، واعلم أن قوله: مسفرة إشارة إلى الخلاص عن هذا العالم وتبعاته وأما الضاحكة والمستبشرة، فهما محمولتان على القوة النظرية والعملية، أو على وجدان المنفعة ووجدان التعظيم.

﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ﴾ .

﴿ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ﴾ .

﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ﴾ .

قال المبرد: الغبرة ما يصيب الإنسان من الغبار، وقوله: ﴿ ترهقها ﴾ أي تدركها عن قرب، كقولك رهقت الجبل إذا لحقته بسرعة، والرهق عجلة الهلاك، والقترة سواد كالدخان، ولا يرى أوحش من اجتماع الغبرة والسواد في الوجه، كما ترى وجوه الزنوج إذا أغبرت، وكأن الله تعالى جمع في وجوههم بين السواد والغبرة، كما جمعوا بين الكفر والفجور، والله أعلم.

واعلم أن المرئجة والخوارج تمسكوا بهذه الآية، أما المرجئة فقالوا: إن هذه الآية دلت على أن أهل القيامة قسمان: أهل الثواب، وأهل العقاب، ودلت على أن أهل العقاب هم الكفرة، وثبت بالدليل أن الفساق من أهل الصلاة ليسوا بكفرة، وإذا لم يكونوا من الكفرة كانوا من أهل الثواب، وذلك يدل على أن صاحب الكبيرة من أهل الصلاة ليس له عقاب، وأما الخوارج فإنهم قالوا: دلت سائر الدلائل على أن صاحب الكبيرة يعاقب، ودلت هذه الآية على أن كل من يعاقب فإنه كافر، فيلزم أن كل مذنب فإنه كافر والجواب: أكثر ما في الباب أن المذكور هاهنا هو هذا الفريقان، وذلك لا يقتضي نفي الفريق الثالث، والله أعلم؛ والحمد لله رب العالمين وصلاته على سيد المرسلين محمد النبي وآله وصحبه أجمعين.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

ولما عدد النعم في نفسه: أتبعه ذكر النعم فيما يحتاج إليه، فقال: ﴿ فَلْيَنظُرِ الإنسان إلى طَعَامِهِ (24) ﴾ إلى مطعمه الذي يعيش به كيف دبرنا أمره ﴿ أنا صببنا الماء ﴾ يعني الغيث.

قرئ بالكسر على الاستئناف، وبالفتح على البدل من الطعام، وقرأ الحسين بن علي رضي اللَّه عنهما ﴿ أنى صببنا ﴾ بالإمالة على معنى: فلينظر الإنسان كيف صببنا الماء.

وشققنا: من شق الأرض بالنبات ويجوز أن يكون من شقها بالكراب على البقر؛ وأسند الشق إلى نفسه إسناد الفعل إلى السبب.

والحب: كل ما حصد من نحو الحنطة والشعير وغيرهما.

والقضب: الرطبة والمقضاب: أرضه، سمي بمصدر قضبه إذا قطعه؛ لأنه يقضب مرَّة بعد مرّة ﴿ وَحَدَآئِقَ غُلْباً (30) ﴾ يحتمل أن يجعل كل حديقة غلباء، فيريد تكاثفها وكثرة أشجارها وعظمها، كما تقول: حديقة ضخمة، وأن يجعل شجرها غلباً، أي: عظاماً غلاظاً.

والأصل في الوصف بالغلب: الرقاب؛ فاستعير.

قال عمرو بن معد يكرب: يَمْشي بِهَا غُلْبُ الرِّقَابِ كَأَنَّهُمْ ** بُزْلٌ كُسِينَ مِنَ الْكُحَيْلِ جِلاَلاً والأب: المرعى، لأنه يؤبّ أي يؤم وينتجع.

والأبّ والأمّ أخوان قال: جِذْمُنَا قَيْسٌ وَنَجْدٌ دَارُنَا ** وَلَنَا الأبُّ بِهِ وَالْمَكَرَعُ وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه سئل عن الأبّ فقال: أيّ سماء تظلني، وأيّ أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا علم لي به.

وعن عمر رضي الله عنه: أنه قرأ هذه الآية فقال: كل هذا قد عرفنا، فما الأب؟

ثم رفض عصاً كانت بيده وقال: هذا لعمر الله التكلف، وما عليك يا ابن أمّ عمر أن لا تدري ما الأب، ثم قال: اتبعوا ما تبين لكم من هذا الكتاب، وما لا فدعوه فإن قلت: فهذا يشبه النهي عن تتبع معاني القرآن والبحث عن مشكلاته.

قلت: لم يذهب إلى ذلك، ولكن القوم كانت أكبر همتهم عاكفة على العمل، وكان التشاغل بشيء من العلم لا يعمل به تكلفاً عندهم؛ فأراد أنّ الآية مسوقة في الامتنان على الإنسان بمطعمه واستدعاء شكره، وقد علم من فحوى الآية أنّ الأب بعض ما أنبته الله للإنسان متاعاً له أو لإنعامه؛ فعليك بما هو أهم من النهوض بالشكر لله- على ما تبين لك ولم يشكل- مما عدّد من نعمه، ولا تتشاغل عنه بطلب معنى الأب ومعرفة النبات الخاص الذي هو اسم له، واكتف بالمعرفة الجميلة إلى أن يتبين لك في غير هذا الوقت، ثم وصى الناس بأن يجروا على هذا السنن فيما أشبه ذلك من مشكلات القرآن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

.

﴿ ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا ﴾ أيْ بِالنَّباتِ أوْ بِالكِرابِ، وأسْنَدَ الشَّقَّ إلى نَفْسِهِ إسْنادَ الفِعْلِ إلى السَّبَبِ.

﴿ فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا ﴾ كالحِنْطَةِ والشَّعِيرِ.

﴿ وَعِنَبًا وقَضْبًا ﴾ يَعْنِي الرُّطَبَةَ سُمِّيَتْ بِمَصْدَرِ قَضَبَهُ إذا قَطَعَهُ لِأنَّها تُقْضَبُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وعنباً} ثمرة الكرم أي الطعام والفاكهة {وَقَضْباً} رطبة سمي بمصدر قضبه أي قطعه لأنه يقصب مرة بعد مرة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وعِنَبًا ﴾ مَعْرُوفٌ ﴿ وقَضْبًا ﴾ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هو الفَصْفَصَةُ وقَيَّدَها الخَلِيلُ بِالرَّطْبَةِ وقالَ: إذا يَبِسَتْ فَهي القَتُّ وسُمِّيَتْ بِمَصْدَرِ قَضَبَهُ؛ أيْ: قَطَعَهُ مُبالَغَةً كَأنَّها لِتَكَرُّرِ قَطْعِها وتَكَثُّرِهِ نَفْسِهِ القَطْعُ، وضَعَّفَ هَذا مَن فَسَّرَ الأبَّ بِما يَشْمَلُ ذَلِكَ وقِيلَ هو كُلُّ ما يُقْضَبُ لِيَأْكُلَهُ ابْنُ آدَمَ غَضًّا مِنَ النَّباتِ كالبُقُولِ والهِلْيُونِ.

وفِي البَحْرِ عَنِ الحَبْرِ: إنَّهُ الرَّطْبُ وهو يُقْضَبُ مِنَ النَّخْلِ واسْتَأْنَسَ لَهُ بِذِكْرِهِ مَعَ العِنَبِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ.

﴿ وزَيْتُونًا ونَخْلا ﴾ هُما مَعْرُوفانِ ﴿ وحَدائِقَ ﴾ رِياضًا ﴿ غُلْبًا ﴾ أيْ: عِظامًا، وأصْلُهُ جَمْعُ أغْلَبَ وغَلْباءَ صِفَةُ العُنُقِ، وقَدْ يُوصَفُ بِهِ الرَّجُلُ، لَكِنَّ الأوَّلَ هو الأغْلَبُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: يَمْشِي بِها غُلْبُ الرِّقابِ كَأنَّهم بَزْلٌ كُسِينَ مِنَ الكُحَيْلِ جِلالا ووَصْفُ الحَدائِقِ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ شُبِّهَ تَكاثُفُ أوْراقِ الأشْجارِ وعُرُوقِها بِغِلَظِ الأوْداجِ وانْتِفاخِ الأعْصابِ مَعَ انْدِماجِ بَعْضِها في بَعْضٍ في غِلَظِ الرَّقَبَةِ إلّا أنَّ الغِلَظَ في الأشْجارِ أقْوى؛ لِأنَّ الأمْرَ بِالعَكْسِ نَظَرًا إلى الِانْدِماجِ، وتَقَوِّي البَعْضِ بِالبَعْضِ حَتّى صارَتْ شَيْئًا واحِدًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ مَجازٌ مُرْسَلٌ كَما في المَرْسِنِ بِأنْ يُرادَ بِالأغْلَبِ الغَلِيظُ مُطْلَقًا، وتُجُوِّزَ في الإسْنادِ أيْضًا لِأنَّ الحَدائِقَ نَفْسَها لَيْسَتْ غَلِيظَةً بَلِ الغَلِيظُ أشْجارُها.

وقالَ بَعْضٌ: المُرادُ بِالحَدائِقِ نَفْسُ الأشْجارِ لِمَكانِ العَطْفِ عَلى ما في حَيِّزِ «أنْبَتْنا» فَلا تَغْفُلْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: قُتِلَ الْإِنْسانُ مَا أَكْفَرَهُ يعني: لعن الكافر بالله تعالى.

يعني: عتبة وأصحابه، ومن كان مثل حاله إلى يوم القيامة.

ما أكفره يعني: ما الذي أكفره، وهذا قول مقاتل.

وقال الكلبي: يعني: أي شيء أكفره.

قال نزلت في عتبة حيث قال: إني كفرت بالنجم إذ هوى.

ويقال: ما أكفره، يعني: ما أشده في كفره.

ثم قال: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ يعني: هل يعلم من أي شيء خلقه الله تعالى.

ويقال: أفلا يعتبر من أي شيء خلقه، ثم أعلمه ليعتبر في خلقه، فقال: مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ يعني: خلقه في بطن أمه طوراً بعد طور.

ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ يعني: يسره للخروج من بطن أمه.

ويقال: يسره طريق الخير والشر.

وقال مجاهد: هو مثل قوله إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الدهر: 3] ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ يعني: جعل له قبراً يوارى فيه.

ويقال: أمر به ليعتبر، ويقال: فأقبره أي: جعله ممن يقبر، ولم يجعله ممن يلقى على وجه الأرض، كالبهائم ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ يعني: يبعثه في القبر إذا جاء وقته.

ثم قال: كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ يعني: لم يؤد ما أمره من التوحيد، وما هنا صلة كقوله فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ [آل عمران: 159] .

وقال مجاهد: لما يقضي ما أمره، يعني: لا يقضي أحداً أبداً، كما افترض عليه.

ثم أمرهم بأن يعتبروا بخلقه فقال: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ يعني: إلى رزقه ومن أي شيء يرزقه، وليعتبروا به أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا يعني: المطر.

قرأ أهل الكوفة أنا صببنا، بنصب الألف.

والباقون بالكسر فمن قرأ بالنصب جعله بدلاً عن الطعام، يعني: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا ومن قرأ بالكسر، فهو على الاستئناف أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا يعني: المطر على الأرض المطر بعد المطر.

ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا يعني: شققناها بالنبات والشجر فَأَنْبَتْنا فِيها يعني: في الأرض ومعناه: أخرجنا من الأرض حَبًّا يعني: الحبوب كلها وَعِنَباً يعني: الكروم وَقَضْباً قال ابن عباس-  ما-: القضبة وهو القت الرطب.

وقال القتبي: القضب القت، سمي قضباً لأنه يقضب مرة بعد مرة، أي: يقطع.

وكذلك الفصيل، لأنه يفصل أي: يقطع.

ويقال: وقضبنا يعني: جميع ما يقضب مثل القت.

والكرات، وسائر البقول التي تقطع، فينبت من أصله وَزَيْتُوناً وهي شجرة الزيتون وَنَخْلًا يعني: النخيل وَحَدائِقَ غُلْباً قال عكرمة: غلاظ الرقاب.

ألا ترى أن الرجل إذا كان غليظ الرقبة، يقال أغلب.

والحدائق واحدها حديقة غلباً أي: نخلاً غلاظاً طوالاً.

ويقال: حدائق غلباً يعني: حيطان النخيل والشجر.

وقال الكلبي: كل شيء أحبط عليه من نخيل أو شجر، فهو حديقة، وما لم يحط به فليس بحديقة.

ويقال: الشجر الملتف بعضه في بعض.

ثم قال عز وجل: وَفاكِهَةً ويعني الثمر كلها وروي عن النبيّ  أنه قال: «خُلِقْتُمْ مِنْ سَبْعٍ وَرُزِقْتُمْ مِنْ سَبْعٍ فَاسْجُدُوا لله عَلَى سَبْعٍ» ، وإنما أراد بقوله خلقتم من سبع يعني: مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ علقة، الآية والرزق من سبع وهو قوله: «فأنبتنا فيها حباً وعنباً» إلى قوله: «وفاكهة وأباً» ثم قال: وَأَبًّا يعني: العنب وقال مجاهد: ما يأكل الدواب والأنعام وقال الضحاك هو التبن.

مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ يعني الحبوب والفواكه منفعة لكم والكلأ والعشب منفعة لكم ولأنعامكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

بالعبرةِ والنظرِ إلى طَعامِه والدليل فيهِ وكيفَ يسَّره له بهذهِ الوَسَائِط، والحَبُّ جمعُ حَبَّةٍ- بفتحِ الحاءِ-، وهو كل ما يتخذُهُ الناسُ ويربونه، والحِبَّةُ: بكسرِ الحاءِ كُلَّ مَا يَنْبُتُ من البزُور لا يُحْفَلُ به، ولا هو بمتَّخَذٍ، والقَضْبُ قِيلَ هي الفِصْفِصَة وهذا عندي ضعيف لأن الفِصْفِصَةَ للبهائِم وهي داخلةٌ في الأبِّ والذي أَقول به أن القضْبَ هنا هو كلُّ ما يقْضَبُ ليأكُلَه ابنُ آدم غَضَّا من النباتِ كالبقُولِ والهِلْيُونِ ونحوه فَإنَّه من المَطْعُوم جِزءٌ عظيمٌ ولاَ ذِكْرَ له في الآية إلاَّ في هذه اللفظةِ، والحديقةُ: الشجَرُ الذي قد أُحْدِقَ بجدار ونحوِه، والغُلْبُ: الغِلاظُ الناعِمَةُ، والأبُّ المَرْعَى والكلأ قاله ابن عباس وغيره «١» ، وقد توقَّفَ في تفسيرِه أبو بكر وعمر- رضي الله عنهما «٢» - ومَتاعاً: نصْبٌ على المصدرِ، والمعنى:

تَتَمَتَّعُونَ به أنتم وأنعامُكم فابن آدم في السَّبْعَةِ المذكورةِ، والأنْعَامُ في الأبّ، والصَّاخَّةُ: اسمٌ من أسماءِ يوم/ القيامة.

- ص-: قالَ الخليلُ: الصَّاخَّةُ صَيْحَةٌ تَصُخُّ الآذانَ صَخَّا، أي: تصمّها لشدة وقعتها، انتهى.

وقوله تعالى: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ الآية، قال جمهورُ الناس: إنما ذلكَ لشدةِ الهَوْلِ كلٌ يقولُ نَفْسِي نَفْسِي، وقيل: فرارُهم خوفا من المطالبات، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ عن اللقاءِ معَ غيرهِ، ثم ذكر تعالى اختلافَ الوجوهِ من المؤمنينَ الواثقين برحمةِ اللَّه حين بَدَتْ لهم تباشيرها، ومن الكفار حين علاها قترها، ومُسْفِرَةٌ معناه:

نَيِّرةٌ بادٍ ضَوْءُهَا وسرورُها، والغَبْرَة التي على الكفرة: هي من العُبُوسِ كما يُرَى على وجهِ المهمومِ والميِّتِ والمرِيض شبهُ الغُبَارِ، - ص-: والقَتَرُ سوادٌ كالدُّخَانِ، قال أبو عبيدةَ:

هو الغُبار، انتهى، ثم فسَّرَ سبحانَه أصحابَ هذه الوجوه المغبرّة بأنهم الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُتِلَ الإنْسانُ ﴾ أيْ: لُعِنَ.

والمُرادُ بِالإنْسانِ هاهُنا: الكافِرُ.

وفِيمَن عَنى بِهَذا القَوْلِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ أشارَ إلى كُلِّ كافِرٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: عُتْبَةُ بْنُ أبِي لَهَبٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما أكْفَرَهُ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ما أشَدَّ كُفْرَهُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: أيُّ شَيْءٍ أكْفَرَهُ؟

قالَهُ السُّدِّيُّ.

فَعَلى هَذا يَكُونُ اسْتِفْهامَ تَوْبِيخٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ عَلى وجْهِ التَّعَجُّبِ، وهَذا التَّعَجُّبُ يُؤْمَرُ بِهِ الآدَمِيُّونَ، والمَعْنى: اعْجَبُوا أنْتُمْ مِن كُفْرِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ ثُمَّ فَسَّرَهُ فَقالَ تَعالى: ﴿ مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ ﴾ .

وفي مَعْنى: " فَقَدَّرَهُ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: قَدَّرَ أعْضاءَهُ: رَأْسَهُ، وعَيْنَيْهِ، ويَدَيْهِ، ورِجْلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: قَدَّرَهُ أطْوارًا: نُطْفَةً، ثُمَّ عَلَقَةً، إلى آخِرِ خَلْقِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: فَقَدَّرَهُ عَلى الِاسْتِواءِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

﴿ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: سَهَّلَ لَهُ العِلْمَ بِطَرِيقِ الحَقِّ والباطِلِ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ.

قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى: ثُمَّ يَسَّرَهُ لِلسَّبِيلِ.

والثّانِي: يَسَّرَ لَهُ السَّبِيلَ في خُرُوجِهِ مِن بَطْنِ أُمِّهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأقْبَرَهُ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ: جَعَلَهُ مَقْبُورًا، ولَمْ يَجْعَلْهُ مِمَّنْ يُلْقى لِلسِّباعِ والطَّيْرِ، فَكَأنَّ القَبْرَ مِمّا أُكْرِمَ بِهِ المُسْلِمُ.

ولَمْ يَقُلْ: قَبَّرَهُ، لِأنَّ القابِرَ هو الدّافِنُ بِيَدِهِ.

والمُقْبِرُ اللَّهُ، لِأنَّهُ صَيَّرَهُ مَقْبُورًا، فَلَيْسَ فِعْلُهُ كَفِعْلِ الآدَمِيِّ.

والعَرَبُ تَقُولُ: بَتَرْتُ ذَنَبَ البَعِيرِ، واللَّهُ أبْتَرَهُ، وعَضَبْتُ قَرْنَ الثَّوْرِ، واللَّهُ أعْضَبَهُ.

وطَرَدْتُ فُلانًا عَنِّي، واللَّهُ أطْرَدَهُ، أيْ: صَيَّرَهُ طَرِيدًا.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أقْبَرَهُ: أيْ: أمَرَ أنْ يُقْبَرَ، وجَعَلَ لَهُ قَبْرًا.

قالَتْ بَنُو تَمِيمٍ لِعُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ لَمّا قَتَلَ صالِحَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أقْبَرْنا صالِحًا، فَقالَ: دُونَكُمُوهُ.

والَّذِي يَدْفِنُ بِيَدِهِ هو القابِرُ.

قالَ الأعْشى: لَوْ أسْنَدَتْ مَيْتًا إلى نَحْرِها عاشَ ولَمْ يُسْلَمْ إلى قابِرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ ﴾ أيْ: بَعَثَهُ.

يُقالُ: أنْشَرَ اللَّهُ المَوْتى، فَنُشِرُوا، ونَشَرَ المَيِّتُ: حَيِيَ [هُوَ] بِنَفْسِهِ، وواحِدُهم ناشِرٌ.

قالَ الأعْشى: حَتّى يَقُولَ النّاسُ مِمّا رَأوْا ∗∗∗ يا عَجَبًا لِلْمَيِّتِ النّاشِرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا ﴾ قالَ الحَسَنُ: حَقًّا ﴿ لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ ﴾ بِهِ رَبُّهُ، ولَمْ يُؤَدِّ ما فُرِضَ عَلَيْهِ.

وهَلْ هَذا عامٌّ، أمْ خاصٌّ؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ عامٌّ.

قالَ مُجاهِدٌ: لا يَقْضِي أحَدٌ أبَدًا كُلَّ ما افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ.

والثّانِي: أنَّهُ خاصٌّ لِلْكافِرِ لَمْ يَقْضِ ما أُمِرَ بِهِ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

ولَمّا ذَكَرَ خَلْقَ ابْنِ آدَمَ، ذَكَرَ رِزْقَهُ لِيَعْتَبِرَ ولِيَسْتَدِلَّ بِالنَّباتِ عَلى البَعْثِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِهِ عُتْبَةَ بْنَ أبِي لَهَبٍ.

ومَعْنى الكَلامِ: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ طَعامَهُ الَّذِي جَعَلَهُ سَبَبًا لِحَياتِهِ؟

ثُمَّ بَيَّنَ فَقالَ تَعالى: ﴿ أنّا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ " إنّا " بِالكَسْرِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ﴿ أنّا صَبَبْنا ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ في الوَصْلِ وفي الِابْتِداءِ، ووافَقَهم رُوَيْسٌ عَلى فَتْحِها في الوَصْلِ، فَإذا ابْتَدَأ كَسَرَ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن كَسَرَ " إنّا " فَعَلى الِابْتِداءِ والِاسْتِئْنافِ، ومَن فَتَحَ، فَعَلى البَدَلِ مِنَ الطَّعامِ، المَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ أنّا صَبَبْنا.

قالَ المُفَسِّرُونَ: أرادَ بِصَبِّ الماءِ: المَطَرَ ﴿ ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ ﴾ بِالنَّباتِ ﴿ شَقًّا ﴾ ﴿ فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا ﴾ يَعْنِي بِهِ جَمِيعَ الحُبُوبِ الَّتِي يُتَغَذّى بِها ﴿ وَعِنَبًا وقَضْبًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: هو الرَّطْبَةُ.

وأهْلُ مَكَّةَ يُسَمَّوْنَ القَتَّ: القَضْبَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ويُقالُ: إنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأنَّهُ يُقْضَبُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، أيْ: يُقْطَعُ، وكَذَلِكَ القَصِيلُ، لِأنَّهُ يُقْصَلُ، أيْ: يُقْطَعُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَزَيْتُونًا ونَخْلا ﴾ ﴿ وَحَدائِقَ غُلْبًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: كُلُّ بُسْتانٍ كانَ عَلَيْهِ حائِطٌ، فَهو حَدِيقَةٌ، وما لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حائِطٌ لَمْ يُقَلْ: حَدِيقَةٌ.

والغُلْبُ: ما غَلُظَ مِنَ النَّخْلِ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: شَجَرَةٌ غَلْباءُ: إذا كانَتْ غَلِيظَةً.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الغُلْبُ: الغِلاظُ الأعْناقِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: هي المُتَكاثِفَةُ، العِظامِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفاكِهَةً ﴾ يَعْنِي: ألْوانَ الفاكِهَةِ ﴿ وَأبًّا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ ما تَرْعاهُ البَهائِمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، واللُّغَوِيُّونَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: هو جَمِيعُ الكَلَإ الَّتِي تَعْتَلِفُهُ الماشِيَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ الثِّمارُ الرَّطْبَةُ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

﴿ مَتاعًا لَكم ولأنْعامِكُمْ ﴾ قَدْ بَيَّناهُ في السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَها [النّازِعاتُ: ٣٣] .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ ﴿ مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ﴾ ﴿ ثُمَّ السَبِيلَ يَسَّرَهُ ﴾ ﴿ ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ ﴾ ﴿ ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ ﴾ ﴿ كَلا لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ ﴾ ﴿ فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ ﴾ ﴿ أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا ﴾ ﴿ ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا ﴾ ﴿ فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا ﴾ ﴿ وَعِنَبًا وقَضْبًا ﴾ ﴿ وَزَيْتُونًا ونَخْلا ﴾ ﴿ وَحَدائِقَ غُلْبًا ﴾ ﴿ وَفاكِهَةً وأبًّا ﴾ ﴿ مَتاعًا لَكم ولأنْعامِكُمْ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى التَقْرِيرِ عَلى تَفاهَةِ الشَيْءِ الَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ مِنهُ، وهي عِبارَةٌ تَصْلُحُ لِلتَّحْقِيرِ والتَعْظِيمِ، والقَرِينَةُ تُبَيِّنُ الغَرَضَ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ  ﴾ ﴿ لِيَوْمِ الفَصْلِ  ﴾ و"النُطْفَةُ" المُشارُ إلَيْها ماءُ الرَجُلِ وماءُ المَرْأةِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فَقَدَّرَهُ" بِشَدِّ الدالِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "فَقَدْرَهُ" بِتَخْفِيفِها، والمَعْنى: جَعَلَهُ بِقَدْرٍ واحِدٍ مَعْلُومٍ مِنَ الأعْضاءِ والخَلْقِ والأجَلِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن إنْجابِهِ حَسَبَ إرادَتِهِ تَعالى في إنْسانِ إنْسانٍ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ السَبِيلَ يَسَّرَهُ ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وأبُو صالِحٍ، والسُدِّيُّ: هي سَبِيلُ الخُرُوجِ مِن بَطْنِ المَرْأةِ ورَحِمِها، وقالَ الحَسَنُ ما مَعْناهُ: إنَّ السَبِيلَ هي سَبِيلُ النَظَرِ القَوِيمِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وتَيَسُّرِهِ لَهُ هو هِبَةُ العَقْلِ، وقالَ مُجاهِدٌ: أرادَ السَبِيلَ عامَّةً، اسْمُ الجِنْسِ في "هُدًى وضَلالٍ"، أيْ: يَسَّرَ قَوْمًا لِهَذا وقَوْمًا لِهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا هَدَيْناهُ السَبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ ﴾ مَعْناهُ: أمْرٌ أنْ يَجْعَلَ لَهُ قَبْرٌ، وفي ذَلِكَ تَكْرِيمٌ لِئَلّا يَطْرَحَ كَسائِرِ الحَيَوانِ، والقابِرُ هو الَّذِي يَتَناوَلُ جَعْلَ المَيِّتِ في قَبْرِهِ، والمُقْبِرِ الَّذِي يَأْمُرُ بِقَبْرِ المَيِّتِ، ويُقَرِّرُهُ.

و"أنْشَرَهُ" مَعْناهُ: أحْياهُ، يُقالُ: نَشَرَ المَيِّتَ وأنْشَرَهُ اللهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا شاءَ ﴾ يُرِيدُ: إذا بَلَغَ الوَقْتُ الَّذِي قَدْ شاءَهُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "إذا شاءَ أنْشَرَهُ" بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "إذا شاءَ أنْشَرَهُ" بِمَدَّةٍ وتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ الأُولى، وقَرَأ شُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ: "إذا شاءَ نَشَرَهُ"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "إذا أنْشَرَهُ" بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ ﴾ رَدٌّ لِما عَسى أنَّ لِلْكُفّارِ مِنَ الِاعْتِراضاتِ في هَذِهِ الأقْوالِ المَسْرُودَةِ، ونَفْيٌ مُؤَكِّدٌ لِطاعَةِ الإنْسانِ لِرَبِّهِ، وإثْباتِ أنَّهُ تَرَكَ حَقَّ اللهِ تَعالى، ولَمْ يَقْضِ ما أمَرَهُ، قالَ مُجاهِدٌ: لا يَقْضِي أحَدٌ أبَدًا ما افْتَرَضَ عَلَيْهِ.

ثُمَّ أمَرَ تَعالى الإنْسانَ بِالعِبْرَةِ والنَظَرِ إلى طَعامِهِ والدَلِيلِ فِيهِ، وذَهَبَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهم إلى أنَّ المُرادَ إلى طَعامِهِ إذا صارَ رَجِيعًا لِيَتَأمَّلَ حَيْثُ تَصِيرُ عاقِبَةُ الدُنْيا، وعَلى أيِّ شَيْءٍ يَتَفانى أهْلُها، وتَسْتَدِيرُ رَحاها، وهَذا نَظِيرُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ الإنْسانَ إذا أحْدَثَ فَإنَّ مَلِكًا يَأْخُذُ بِناصِيَتِهِ عِنْدَ فَراغِهِ فَيَرُدُّ بَصَرَهُ إلى نَحْوِهِ مُوَقِّفًا لَهُ ومُعْجِبًا، فَيَنْفَعُ ذَلِكَ مَن لَهُ عَقْلٌ، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: فَلْيَنْظُرْ إلى مَطْعُوماتِهِ وكَيْفَ يُسِرُّها اللهُ تَعالى لَهُ بِهَذِهِ الوَسائِطِ المَذْكُورَةِ مَن صَبِّ الماءِ وشَقِّ الأرْضِ، ويُرْوى أنَّ رَجُلًا أضافَهُ عابِدٌ، فَقَدَّمَ إلَيْهِ رَغِيفًا قِفارًا فَكَأنَّ الرَجُلَ اسْتَخْشَنَهُ فَقالَ لَهُ: كُلْهُ فَإنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يُنْعِمْ بِهِ ويُكْمِلْهُ حَتّى سَخِرَ فِيهِ ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ عامِلًا الماءُ والرِيحُ والشَمْسُ ثَلاثَةٌ مِن ذَلِكَ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أنّا صَبَبْنا" بِفَتْحِ الألِفِ عَلى البَدَلِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ، ورَدَّ عَلى هَذا الإعْرابِ قَوْمٌ بِأنَّ الثانِي لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ ولَيْسَ كَما رَدُّوا؛ لِأنَّ المَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى إنْعامِنا في طَعامِهِ، فَتَرَتَّبَ البَدَلُ وصَحَّ، "وَأنا" في مَوْضِعِ خَفْضٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "إنّا صَبَبْنا" بِكَسْرِ الألِفِ عَلى اسْتِئْنافِ تَفْسِيرِ الطَعامِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "أنّى" بِمَعْنى كَيْفَ، ذَكَرَها أبُو حاتِمٍ، وصَبُّ الماءِ هو المَطَرُ، وشَقُّ الأرْضِ هو بِالنَباتِ.

و"الحُبُّ": جَمْعُ حَبَّةٍ -بِفَتْحِ الحاءِ- وهو كُلُّ ما يَتَّخِذُهُ الناسُ ويُرَبُّونَهُ كالقَمْحِ والشَعِيرِ ونَحْوِهِ، والحِبَّةُ -بِكَسْرِ الحاءِ- كُلُّ ما يَنْبُتُ مِنَ البُذُورِ ولا يَحْتَفِلُ بِهِ ولا هو بِمُتَّخِذٍ، و"القَضْبُ" قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: هي الفَصافِصُ، وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ، لِأنَّ الفَصافِصَ هي لِلْبَهائِمِ، فَهي داخِلَةٌ في "الأبِ"، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: القَضْبُ: الرَطْبَةُ، وقالَ الحَسَنُ: هو العَلَفُ، وأهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَ القَتَّ القَضْبَ، قالَ ثَعْلَبٌ: لِأنَّهُ يَقْضِبُ كُلَّ يَوْمٍ، والَّذِي أقُولُهُ: إنَّ القَضْبَ هُنا هو كُلُّ ما يَقْضِبُ لِيَأْكُلهُ ابْنُ آدَمَ غَضًّا مِنَ النَباتِ كالبُقُولِ والهِلْيُونِ ونَحْوِهِ، فَإنَّهُ مِنَ المَطْعُومِ جُزْءٌ عَظِيمٌ، ولا ذِكْرَ لَهُ في الآيَةِ إلّا في هَذِهِ اللَفْظَةِ.

و"الغَلَبُ" الغِلاظُ الناعِمَةُ القَوِيَّةُ، و"الحَدِيقَةُ" الشَجَرُ الَّذِي قَدْ أحْدَقَ بِجِدارٍ أو نَحْوِهِ، و"الأبُّ": المَرْعى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وقَتادَةُ، وقالَ الضَحّاكُ: الأبُّ: التِبنُ، وفي اللَفْظَةِ غَرابَةٌ، وقَدْ تَوَقَّفَ في تَفْسِيرِها أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُما، و"مَتاعًا" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، والمَعْنى: تَتَمَتَّعُونَ بِهِ أنْتُمْ وأنْعامُكُمْ، فابْنُ آدَمَ في السَبْعَةِ المَذْكُورَةِ والأنْعامِ في الأبِّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

إما مفرع على قوله: ﴿ لما يقض ما أمره ﴾ [عبس: 23] فيكون مما أمره الله به من النظر، وإما على قوله: ﴿ ما أكفره ﴾ [عبس: 17] فيكون هذا النظر مما يبطل ويزيل شدة كفر الإنسان.

والفاء مع كونها للتفريع تفيد معنى الفصيحة، إذ التقدير: إن أراد أن يقضي ما أمره فلينظر إلى طعامه أو إن أراد نقض كفره فلينظر إلى طعامه.

وهذا نظير الفاء في قوله تعالى: ﴿ إن كل نفس لما عليها حافظ فلينظر الإنسان مم خلق ﴾ [الطارق: 4، 5]، أي إن أراد الإنسان الخلاص من تبعات ما يكتبه عليه الحافظ فلينظر مِمَّ خُلق ليهتدي بالنظر فيؤمن فينجو.

وهذا استدلال آخر على تقريب كيفية البعث انتقل إليه في معرض الإرشاد إلى تدارك الإِنسان ما أهملَه وكان الانتقال من الاستدلال بما في خَلْق الإنسان من بديع الصنع من دلائل قائمة بنفسه في آية: ﴿ من أي شيء خلقه ﴾ [عبس: 18] إلى الاستدلال بأحوال موجودة في بعض الكائنات شديدة الملازمة لحياة الإنسان ترسيخاً للاستدلال، وتفنناً فيه، وتعريضاً بالمنة على الإِنسان في هذه الدلائل، من نعمة النبات الذي به بقاء حياة الإنسان وحياة ما ينفعه من الأنعام.

وتعدية فعل النظر هنا بحرف ﴿ إلى ﴾ تدل على أنه من نظر العين إشارة إلى أن العبرة تحصل بمجرد النظر في أطواره.

والمقصود التدبر فيما يشاهده الإنسان من أحوال طعامه بالاستدلال بها على إيجاد الموجودات من الأرض.

وجُعل المنظور إليه ذاتَ الطعام مع أن المراد النظر إلى أسباب تكونه وأحوال تطوره إلى حالة انتفاع الإنسان به وانتفاع أنعام الناس به.

وذلك من أسلوب إناطة الأحكام بأسماء الذوات، والمراد أحوالها مثل قوله تعالى: ﴿ حرمت عليكم الميتة ﴾ [المائدة: 3] أي أكلها، فأمر الله الإنسان بالتفكير في أطوار تكوّن الحبوب والثمار التي بها طعامه، وقد وُصف له تطور ذلك ليَتَأمل ما أودع إليه في ذلك من بديع التكوين سواء رأى ذلك ببصره أم لم يَره، ولا يخلو أحد عن علممٍ إجمالي بذلك، فيزيده هذا الوصف علماً تفصيلياً، وفي جميع تلك الأطوار تمثيل لإحياء الأجساد المستقرة في الأرض، فقد يكون هذا التمثيل في مجرد الهيئة الحاصلة بإحياء الأجساد، وقد يكون تمثيلاً في جميع تلك الأطوار بأن تُخرج الأجساد من الأرض كخروج النبات بأن يكون بَذرها في الأرض ويُرسل الله لها قُوى لا نعلمها تُشابه قوة الماء الذي به تحيا بذور النبات، قال تعالى: ﴿ والله أنبتكم من الأرض نباتاً ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجاً ﴾ [نوح: 17، 18].

وفي «تفسير ابن كثير» عند قوله تعالى: ﴿ وإذا النفوس زوجت ﴾ [التكوير: 7] عن ابن (أبي) حاتم بسنده إلى ابن عباس: «يسيل واد من أصل العرش فيما بين الصيحتين فينبت منه كلُّ خلق بَلِي إنساننٍ أو دابة ولو مرّ عليهم مارٌّ قد عرفهم قبل ذلك لعرفهم قد نبتوا على وجه الأرض، ثم ترسل الأرواح فتزوج الأجساد» ا ه.

وأمور الآخرة لا تتصورها الأفهام بالكُنْه وإنما يجزم العقل بأنها من الممكنات وهي مطيعة لتعلق القدرة التنجيزي.

والإِنسان المذكور هنا هو الإِنسان المذكور في قوله: ﴿ قتل الإنسان ما أكفره ﴾ [عبس: 17] وإنما جيء باسمه الظاهر دون الضمير كما في قوله: ﴿ من أي شيء خلقه ﴾ [عبس: 18]، لأن ذلك قريب من معاده وما هنا ابتداءُ كلام فعبر فيه بالاسم الظاهر للإِيضاح.

وأدمج في ذلك منة عليه بالإمداد بالغذاء الذي به إخلاف ما يضمحل من قوته بسبب جهود العقل والتفكير الطبيعية التي لا يشعر بحصولها في داخل المزاج، وَبِسبب كد الأعمال البدنية والإِفرازات، وتلك أسباب لتبخر القوى البدنية فيحتاج المزاج إلى تعويضها وإخلافها وذلك بالطعام والشراب.

وإنما تعلق النظر بالطعام مع أن الاستدلال هو بأحوال تكوين الطعام، إجراءً للكلام على الإِيجاز ويبينه ما في الجمل بعده من قوله: ﴿ إنا صببنا الماء صباً ﴾ إلى آخرها.

فالتقدير: فلينظر الإِنسان إلى خَلق طعامه وتهيئة الماء لإنمائه وشق الأرض وإنباته وإلى انتفاعه به وانتفاع مواشيه في بقاء حياتهم.

وقرأ الجمهور: ﴿ إنا صببنا ﴾ بكسر همزة (إنَّا) على أن الجملة بيان لجملة: ﴿ فلينظر الإنسان إلى طعامه ﴾ لتفصيل ما أجمل هنالك على وجه الإيجاز.

وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وخلف ورويس عن يعقوب بفتح الهمزة على أنه اسم بدلُ اشتمال من ﴿ طعامه ﴾ أو البدلُ الذي يسميه بعض النحويين بدل مفصَّل من مجمل.

والصَّب: إلقاء صبرة متجمعة من أجزاء مائعة أو كالمائعة في الدقة في وعاء غير الذي كانت فيه، يقال: صَب الماء في الجَرة، وصب القَمح في الهَرِي، وصَبَّ الدراهم في الكِيس.

وأصله: صبّ الماء، مثل نزول المطر وإفراغ الدلو.

والشق: الإِبعاد بين ما كان متصلاً.

والمراد هنا شقّ سطح الأرض بخرق الماء فيه أو بآلة كالمحراث والمسحاة، أو بقوة حرّ الشمس في زمن الصيف لتتهيأ لقبول الأمطار في فصل الخريف والشتاء.

وإسناد الصّب والشق والإِنبات إلى ضمير الجلالة لأن الله مقدِّر نظام الأسباب المؤثرة في ذلك، ومُحْكِمُ نواميسها ومُلهمُ الناس استعمالها.

فالإسناد مجاز عقلي في الأفعال الثلاثة.

وقد شاع في ﴿ صببنا ﴾ و ﴿ أنبتنا ﴾ حتى ساوَى الحقيقة العقلية.

وانتصب ﴿ صبّاً ﴾ و ﴿ شقاً ﴾ على المفعول المطلق ل ﴿ صببنا ﴾ و ﴿ شققنا ﴾ مؤكّداً لعامله ليتأتى تنوينه لما في التنكير من الدلالة على التعظيم وتعظيم كل شيء بما يناسبه وهو تعظيم تعجيب.

والفاء في قوله: ﴿ فأنبتنا ﴾ للتفريع والتعقيب وهو في كل شيء بحسبه.

والحَب أريد منه المقتات منه للإِنسان، وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ كمثل حبة أنبتت سبع سنابل ﴾ في سورة البقرة (261).

والعِنب: ثمر الكَرم، ويتخذ منه الخمر والخل، ويؤكل رَطباً، ويتخذ منه الزبيب.

والقضبُ: الفِصْفصة الرطبة، سميت قضباً لأنها تعلف للدواب رطبة فتقضب، أي تقطع مرة بعد أخرى ولا تزال تُخلف ما دام الماء ينزل عليها، وتسمى القَت.

والزيتون: الثمر الذي يعصر منه الزيت المعروف.

والنخل: الشجر الذي ثمرته التمر وأطوارهُ.

والحدائق: جمع حديقة وهي الجنة من نخل وكَرم وشجرِ فواكهَ، وعطفُها على النخل من عطف الأعم على الأخص، ولأن في ذكر الحدائق إدماجاً للامتنان بها لأنها مواضع تنزههم واخترافهم.

وإنما ذكر النخل دون ثمرته، وهو التمر، خلافاً لما قُرن به من الثمار والفواكهِ والكلأ، لأن منافع شجر النخيل كثيرة لا تقتصر على ثمره، فهم يقتاتون ثمرته من تمر ورُطب وبُسر، ويأكلون جُمَّاره، ويَشربون ماء عود النخلة إذا شُق عنه، ويتخذون من نَوى التمر علفاً لإبلهم، وكل ذلك من الطعام، فضلاً عن اتخاذهم البيوت والأواني من خشبه، والحُصُر من سَعَفه، والحبالَ من لِيفه.

فذِكْرُ اسم الشجرة الجامعة لهذه المنافع أجمع في الاستدلال بمختلف الأحوال وإدماج الامتنان بوفرة النعم، وقد تقدم قريباً في سورة النبأ.

والغُلْب: جمع غلباء، وهي مؤنث الأغلب، وهو غَليظُ الرقبة، يقال: غلب كفرح، يوصف به الإنسان والبعير، وهو هنا مستعار لغلظ أصول الشجر فوصف الحدائق به؛ إما على تشبيه الحديقة في تكاثف أوراق شجرها والتفافها بشخص غليظ الأوداج والأعصاب فتكون استعارة، وإما على تقدير محذوف، أي غُلْببٍ شَجَرُها، فيكون نعتاً سببيّاً وتكون الاستعارة في تشبيه كل شجرة بامرأة غليظة الرقبة، وذلك من محاسن الحدائق لأنها تكون قد استكملت قوة الأشجار كما في قوله: ﴿ وجنات ألفافاً ﴾ [النبأ: 16].

وخصت الحدائق بالذكر لأنها مواضع التنزه والاختراف، ولأنها تجمع أصنافاً من الأشجار.

والفاكهة: الثمار التي تؤكل للتفكه لا للإقتيات، مثل الرُّطَب والعِنب الرَّطْب والرمان واللوز.

والأبُّ: بفتح الهمزة وتشديد الباء: الكلأ الذي ترعاه الأنعام، روي أن أبا بكر الصديق سُئل عن الأبّ: ما هو؟

فقال: «أيُّ سماءٍ تُظلني، وأيُّ أرض تُقِلَّني إذا قلت في كتاب الله ما لا علم لي به» وروي أن عمر بن الخطاب قرأ يوماً على المنبر: ﴿ فأنبتنا فيها حباً ﴾ إلى ﴿ وأبّاً ﴾ فقال: كلّ هذا قد عرفناه فما الأبّ؟

ثم رفع عصا كانت في يده، وقال: هذا لعمر الله هو التكلف فما عليك يا ابن أمّ عمر أن لا تدري ما الأبّ ابتغوا ما بُيّن لكم من هذا الكتاب فاعملوا به، وما لم تعرفوه فَكِلوه إلى ربه».

وفي «صحيح البخاري» عن عُمر بعض هذا مختصراً.

والذي يظهر لي في انتفاء علم الصديق والفاروق بمدلول الأبّ وهما من خُلّص العرببِ لأحد سببين: إما لأن هذا اللفظ كان قد تنوسي من استعمالهم فأحياه القرآن لرعاية الفاصلة فإن الكلمة قد تشتهر في بعض القبائل أو في بعض الأزمان وتُنسى في بعضها مثل اسم السِّكين عندَ الأوس والخزرج، فقد قال أنس بن مالك: «ما كُنَّا نَقول إلا المُدْية حتى سمعت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر أن سليمان عليه السلام قال: " ائيتوني بالسكين أقْسِمْ الطفْلَ بينهما نصفين ".

وإما لأن كلمة الأبّ تطلق على أشياء كثيرة منها النبت الذي ترعاه الأنعام، ومنها التبن، ومنها يابس الفاكهة، فكان إمساك أبي بكر وعمر عن بيان معناه لعدم الجزم بما أراد الله منه على التعيين، وهل الأبّ مما يرجع إلى قوله: ﴿ متاعاً لكم ﴾ أو إلى قوله: ﴿ ولأنعامكم ﴾ في جمْع ما قُسِّم قبله.

وذكر في «الكشاف» وجهاً آخر خاصاً بكلام عُمر فقال: «إن القوم كانتْ أكبر همتهم عاكفة على العمل، وكان التشاغل بشيء من العلم لا يُعمل به تكلفاً عندهم، فأراد عمر أن الآية مسوقة في الامتنان على الإِنسان.

وقد علم من فحوى الآية أنّ الأبَّ بعض ما أنبته الله للإِنسان متاعاً له ولأنعامه فعليك بما هو أهم من النهوض بالشكر لله على ما تبين لك مما عُدد من نعمه ولا تتشاغل عنه بطلب معنى الأبّ ومعرفة النبات الخاص الذي هو اسم له واكتف بالمعرفة الجملية إلى أن يتبين لك في غير هذا الوقت، ثم وصى الناس بأن يَجروا على هذا السَنن فيما أشبه ذلك من مشكلات القرآن ا ه».

ولم يأت كلام «الكشاف» بأزيد من تقرير الإِشكال.

وقوله: ﴿ متاعاً لكم ﴾ حال من المذكورات يعود إلى جميعها على قاعدة ورود الحال بعد مفردات متعاطفة، وهذا نوع من التنازع.

وقوله: ﴿ ولأنعامكم ﴾ عطَف قوله: ﴿ لكم ﴾ .

والمتاع: ما يُنتفع به زمناً ثم ينقطع، وفيه لف ونشر مُشَوَّش، والسامع يرجع كل شيء من المذكورات إلى ما يصلح له لظهوره.

وهذه الحال واقعة موقع الإِدماج أدمجت الموعظة والمنة في خلال الاستدلال.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ ﴾ في ﴿ قُتِلَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: عُذِّبَ.

الثّانِي: لُعِنَ.

وَفي ﴿ الإنْسانُ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ إشارَةٌ إلى كُلِّ كافِرٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّهُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ عُتْبَةُ بْنُ أبِي لَهَبٍ حِينَ قالَ: إنِّي كَفَرْتُ بِرَبِّ النَّجْمِ إذا هَوى، فَقالَ النَّبِيُّ  : « (اَللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبَكَ فَأخَذَهُ الأسَدُ في طَرِيقِ الشّامِ)»، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ والكَلْبِيُّ.

وَفي ﴿ ما أكْفَرَهُ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ (ما) تَعَجُّبٌ، وعادَةُ العَرَبِ إذا تَعَجَّبُوا مِن شَيْءٍ قالُوا قاتَلَهُ اللَّهُ ما أحْسَنَهُ، وأخْزاهُ اللَّهُ ما أظْلَمَهُ، والمَعْنى: أعَجِبُوا مِن كُفْرِ الإنْسانِ لِجَمِيعِ ما ذَكَرْنا بَعْدَ هَذا.

الثّانِي: أيُّ شَيْءٍ أكْفَرَهُ، عَلى وجْهِ الِاسْتِفْهامِ، قالَهُ السُّدِّيُّ ويَحْيى بْنُ سَلامٍ.

الثّالِثُ: ما ألْعَنَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: خُرُوجُهُ مِن بَطْنِ أُمِّهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ.

الثّانِي: سَبِيلُ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: سَبِيلُ الهُدى والضَّلالَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: سَبِيلُ مَنافِعِهِ ومَضارِّهِ.

﴿ ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: جَعَلَهُ ذا قَبْرٍ يُدْفَنُ فِيهِ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ، قالَ الأعْشى لَوْ أسْنَدَتْ مَيْتًا إلى نَحْرِها عاشَ ولَمْ يُنْقَلْ إلى قابِرِ الثّانِي: جُعِلَ مَن يُقْبِرُهُ ويُوارِيهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

﴿ ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ ﴾ يَعْنِي أحْياهُ، قالَ الأعْشى حَتّى يَقُولَ النّاسُ مِمّا رَأوْا ∗∗∗ يا عَجَبًا لِلْمَيِّتِ النّاشِرِ ﴿ كَلا لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الكافِرُ لَمْ يَفْعَلْ ما أُمِرَ بِهِ مِنَ الطّاعَةِ والإيمانِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

الثّانِي: أنَّهُ عَلى العُمُومِ في المُسْلِمِ والكافِرِ، قالَ مُجاهِدٌ: لا يَقْضِي أحَدٌ أبَدًا ما افْتُرِضَ عَلَيْهِ، وكَلّا ها هُنا لِتَكْرِيرِ النَّفْيِ وهي مَوْضُوعَةٌ لِلرَّدِّ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهَ حَمْلِهِ عَلى العُمُومِ أنَّ الكافِرَ لا يَقْضِيهِ عُمُرًا، والمُؤْمِنُ لا يَقْضِيهِ شَهْرًا.

﴿ فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إلى طَعامِهِ الَّذِي يَأْكُلُهُ وتَحْيا نَفْسُهُ بِهِ، مِن أيِّ شَيْءٍ كانَ، قالَهُ يَحْيى.

الثّانِي: ما يَخْرُجُ مِنهُ أيُّ شَيْءٍ كانَ؟

ثُمَّ كَيْفَ صارَ بَعْدَ حِفْظِ الحَياةِ ومَوْتِ الجَسَدِ.

قالَ الحَسَنُ: إنَّ مَلَكًا يَثْنِي رَقَبَةَ ابْنِ آدَمَ إذا جَلَسَ عَلى الخَلاءِ لِيَنْظُرَ ما يَخْرُجُ مِنهُ.

وَيُحْتَمَلُ إغْراؤُهُ بِالنَّظَرِ إلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِيَعْلَمَ أنَّهُ مَحَلُّ الأقْذارِ فَلا يَطْغى.

الثّانِي: لِيَسْتَدِلَّ عَلى اسْتِحالَةِ الأجْسامِ فَلا يَنْسى.

﴿ أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا ﴾ يَعْنِي المَطَرَ.

﴿ ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا ﴾ يَعْنِي بِالنَّباتِ.

﴿ فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا ﴾ ﴿ وَعِنَبًا وقَضْبًا ﴾ والقَضْبُ: القَتُّ والعَلَقُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لَقَضْبَهُ بَعْدَ ظُهُورِهِ.

﴿ وَزَيْتُونًا ونَخْلا ﴾ ﴿ وَحَدائِقَ غُلْبًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: نَخْلًا كِرامًا، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: الشَّجَرُ الطُّوالُ الغِلاظُ، قالَ الكَلْبِيُّ: الغُلْبُ الغِلاظُ، قالَ الفَرَزْدَقُ عَوى فَأثارَ أغْلَبَ ضَيْغَمِيًّا ∗∗∗ فَوَيْلُ ابْنِ المَراغَةِ ما اسْتَثارَ وَفِي (اَلْحَدائِقِ) ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها ما التَفَّ واجْتَمَعَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ نَبْتُ الشَّجَرِ كُلِّهِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ ما أُحِيطَ عَلَيْهِ مِنَ النَّخْلِ والشَّجَرِ، وما لَمْ يُحَطْ عَلَيْهِ فَلَيْسَ بِحَدِيقَةٍ حَكاهُ أبُو صالِحٍ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا رابِعًا: أنَّ الحَدائِقَ ما تَكامَلَ شَجَرُها واخْتَلَفَ ثَمَرُها حَتّى عَمَّ خَيْرُها.

وَيَحْتَمِلُ الغُلْبُ أنْ يَكُونَ ما غَلَبْتَ عَلَيْهِ ولَمْ تَغْلِبْ فَكانَ هَيِّنًا.

﴿ وَفاكِهَةً وأبًّا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الأبَّ ما تَرْعاهُ البَهائِمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: وما يَأْكُلُهُ الآدَمِيُّونَ الحَصِيدَةَ، قالَ الشّاعِرُ في مَدْحِ النَّبِيِّ  لَهُ دَعْوَةٌ مَيْمُونَةٌ رِيحُها الصَّبا ∗∗∗ بِها يُنْبِتُ اللَّهُ الحَصِيدَةَ والأبّا الثّانِي: أنَّهُ كُلُّ شَيْءٍ يَنْبُتُ عَلى وجْهِ الأرْضِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ كُلُّ نَباتٍ سِوى الفاكِهَةِ، وهَذا ظاهِرُ قَوْلِ الكَلْبِيِّ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الثِّمارُ الرَّطْبَةُ، قالَهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ.

الخامِسُ: أنَّهُ التِّبْنُ خاصَّةً، وهو يُحْكى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، قالَ الشّاعِرُ فَما لَهم مَرْتَعٌ لِلسَّوا ∗∗∗ مِ والأبُّ عِنْدَهم يُقْدَرُ وَوَجَدْتُ لِبَعْضِ المُتَأخِّرِينَ سادِسًا: أنَّ رَطْبَ الثِّمارِ هو الفاكِهَةُ، ويابِسَها الأبُّ.

وَيَحْتَمِلُ سابِعًا: أنَّ الأبَّ ما أخْلَفَ مِثْلَ أصْلِهِ كالحُبُوبِ، والفاكِهَةَ ما لَمْ يُخْلِفْ مِثْلَ أصْلِهِ مِنَ الشَّجَرِ.

رُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قَرَأ ﴿ عَبَسَ وتَوَلّى ﴾ فَلَمّا بَلَغَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَفاكِهَةً وأبًّا ﴾ قالَ: قَدْ عَرَفْنا الفاكِهَةَ، فَما الأبُّ؟

ثُمَّ قالَ: لَعَمْرُكَ يا ابْنَ الخَطّابِ إنَّ هَذا هو التَّكَلُّفُ وألْقى العَصا مِن يَدِهِ.

وَهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِبَعْثِ المَوْتى مِن قُبُورِهِمْ فَهم كَنَباتِ الزَّرْعِ بَعْدَ دُثُورِهِ، وتَضَمَّنَ امْتِنانًا عَلَيْهِمْ بِما أنْعَمَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ قتل الإِنسان ما أكفره ﴾ قال: نزلت في عتبة بن أبي لهب حين قال: كفرت برب النجم إذا هوى، فدعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذه الأسد بطريق الشام.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال: ما كان في القرآن قتل الإِنسان إنما عني به الكافر.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ﴿ ما أكفره ﴾ قال: ما أشد كفره وفي قوله: ﴿ فقدره ﴾ قال: نطفة ثم علقة ثم مضغة، ثم كذا ثم كذا ثم كذا، ثم انتهى خلقه.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ خلقه فقدره ﴾ قال: قدره في رحم أمه كيف شاء.

وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ ثم السبيل يسره ﴾ يعني بذلك خروجه من بطن أمه يسره له.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ ثم السبيل يسره ﴾ قال: خروجه من الرحم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة ﴿ ثم السبيل يسره ﴾ قال: خروجه من بطن أمه.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك مثله.

وأخرج ابن المنذر عن أبي صالح ﴿ ثم السبيل يسره ﴾ قال: خروجه من الرحم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ ثم السبيل يسره ﴾ قال: هو كقوله: ﴿ إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً ﴾ [ الإِنسان: 3] الشقاء والسعادة.

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن محمد بن كعب القرظي قال: قرأت في التوراة، أو قال في مصحف إبراهيم، فوجدت فيها: يقول الله يا ابن آدم ما أنصفتني، خلقتك ولم تك شيئاً، وجعلتك بشراً سوياً، وخلقتك من سلالة من طين، ثم جعلتك نطفة في قرار مكين، ثم خلقت النطفة علقة، فخلقت العلقة مضغة، فخلقت المضغة عظاماً، فكسوت العظام لحماً، ثم أنشأناك خلقاً آخر.

يا ابن آدم هل يقدر على ذلك غيري؟

ثم خففت ثقلك على أمك حتى لا تتمرض بك، ولا تتأذى، ثم أوحيت إلى الأمعاء أن اتسعي، وإلى الجوارح أن تفرق فاتسعت الأمعاء من بعد ضيقها، وتفرقت الجوارح من بعد تشبيكها، ثم أوحيت إلى الملك الموكل بالأرحام أن يخرجك من بطن أمك فاستخلصتك على ريشة من جناحه، فاطلعت عليك فإذا أنت خلق ضعيف، ليس لك سن يقطع ولا ضرس يطحن، فاستخلصت لك في صدر أمك عرقاً يدر لك لبناً بارداً في الصيف، حاراً في الشتاء، واستخلصته لك من بين جلد ولحم ودم وعروق، ثم قذفت لك في قلب والدتك الرحمة، وفي قلب أبيك التحنن، فهما يكدان ويجهدان ويربيانك ويغذيانك ولا ينامان حتى ينوماك.

ابن آدم: أنا فعلت ذلك بك لا لشيء استأهلته به مني أو لحاجة استعنت على قضائها.

ابن آدم فلما قطع سنك وطحن ضرسك أطعمتك فاكهة الصيف في أوانها وفاكهة الشتاء في أوانها، فلما أن عرفت أني ربك عصيتني، فالآن إذا عصيتني فادعني فإني قريب مجيب وادعني فإني غفور رحيم.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ لما يقض ما أمره ﴾ قال: لا يقضي أحد أبداً كل ما افترض عليه.

أخرج ابن المنذر عن عبدالله بن الزبير في قوله: ﴿ فلينظر الإِنسان إلى طعامه ﴾ قال: إلى مدخله ومخرجه.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد مثله.

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب التواضع من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﴿ فلينظر الإِنسان إلى طعامه ﴾ قال: إلى خرئه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ فلينظر الإِنسان إلى طعامه ﴾ قال: ملك يثني رقبة ابن آدم إذا جلس على الخلاء لينظر ما يخرج منه.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي قلابة قال: مكتوب في التوراة يا ابن آدم انظر إلىما بخلت به إلى ما صار.

وأخرج ابن المنذر عن بشير بن كعب أنه كان يقول لأصحابه إذا فرغ من حديثه: انطلقوا حتى أريكم الدنيا فيجيء فيقف على مزبلة، فيقول: انظروا إلى عسلهم وإلى سمنهم وإلى بطهم وإلى دجاجهم إلى ما صار.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ إنا صببنا الماء صباً ﴾ قال: المطر ﴿ ثم شققنا الأرض شقاً ﴾ عن النبات.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس ﴿ وقضباً ﴾ قال: الفصفصة يعني القت ﴿ وحدائق غلباً ﴾ قال: طوال ﴿ وفاكهة وأباً ﴾ قال: الثمار الرطبة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الحدائق كل ملتف والغلب ما غلظ، والأب ما أنبت الأرض مما يأكله والدواب ولا يأكله الناس.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ وحدائق غلباً ﴾ قال: ملتفة ﴿ وفاكهة ﴾ وهو ما أكل الناس ﴿ وأباً ﴾ ما أكلت الأنعام.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن قال: الغلب الكرام من النخل.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة ﴿ غلباً ﴾ قال: غلاظاً.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ وحدائق غلباً ﴾ قال: شجر في الجنة يستظل به لا يحمل منه شيئاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الأب الحشيش للبهائم.

وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال: الأب الكلأ والمرعى.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ وأباً ﴾ قال: الأب ما يعتلف منه الدواب.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال نعم أما سمعت قول الشاعر: ترى به الأب واليقطين مختلطاً ** على الشريعة يجري تحتها العذب وأخرج أبو عبيد في فضائله وعبد بن حميد عن إبراهيم التيمي قال: سئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن قوله: ﴿ وأباً ﴾ فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله مال لا أعلم.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان والخطيب والحاكم وصححه عن أنس أن عمر قرأ على المنبر ﴿ فأنبتنا فيها حباً وعنباً وقضباً ﴾ إلى قوله: ﴿ وأباً ﴾ قال: كل هذا قد عرفناه فما الأب؟

ثم رفع عصا كانت في يده، فقال: هذا لعمر الله هو التكلف فما عليك أن لا تدري ما الأب اتبعوا ما بين لكم هداه من الكتاب فاعملوا به.

وما لم تعرفوه فكلوه إلى ربه.

وأخرج ابن المنذر عن السدي قال: الحدائق البساتين، والغلب ما غلظ من الشجر، والأب العشب ﴿ متاعاً لكم ولأنعامكم ﴾ قال: الفاكهة لكم، والعشب لأنعامكم.

وأخرج عبد بن حميد ﴿ وقضباً ﴾ قال: الفصافص ﴿ وحدائق غلباً ﴾ النخل الكرام ﴿ وفاكهة ﴾ لكم ﴿ وأباً ﴾ لأنعامكم.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد أنه قرأ ﴿ غلباً ﴾ مشقة.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال: الفاكهة التي يأكلها بنو آدم، والأب المرعى.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: الفاكهة ما تأكل الناس ﴿ وأباً ﴾ ما تأكل الدواب.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: ما طاب واحلولى فلكم، والأب لأنعامكم.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ﴿ وأباً ﴾ قال: الكلأ.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي رزين ﴿ وفاكهة وأباً ﴾ قال: النبات.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك قال: الأب الكلأ.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال: الأبّ هو التبن.

وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال: كل شيء ينبت على الأرض فهو الأب.

وأخرج عبد بن حميد عن عبد الرحمن بن يزيد أن رجلاً سأل عمر عن قوله: ﴿ وأباً ﴾ فلما رآهم يقولون أقبل عليهم بالدرة.

وأخرج عبد بن حميد وابن الأنباري في المصاحف عن أنس قال: قرأ عمر ﴿ وفاكهة وأباً ﴾ فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها فما الأب؟

ثم قال: مه نهينا عن التكلف.

وأخرج ابن مردويه عن أبي وائل أن عمر سئل عن قوله: ﴿ وأباً ﴾ ما الأب؟

ثم قال: ما كلفنا هذا أو ما أمرنا بهذا.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا﴾ يعني الحبوب كلها مما يتغذى به (١) ﴿ وَقَضْبًا ﴾ أكثر أهل اللغة، والتفسير قالوا: القضب: الرَّطْبة، وهي الفِسْفِسة ما دامت خضراء، فإذا يبست فهو القت (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) قال المبرد: القضب هو العلف بعينه، وأصله من أنه يقضب، أي يقطع (١٣) وهو قول الحسن (١٤) (١٥) (١) الحب: جمع حبة -بفتح الحاء-، وهو كل ما يتخذه الناس ويربونه كالقمح والشعير ونحوه، والحِبة -بكسر الحاء- كل ما ينبت من البزور ولا يحفل به، ولا هو بمتخذ.

قاله ابن عطية: "المحرر الوجيز" 5/ 439.

(٢) جاء في "تهذيب اللغة" القَتُّ: الفِسْفِسة اليابسة، يكون رطبًا ويكون يابسًا.

8/ 272: (قتت).

وفي اللسان: القت: الفِصْفِصة، وخص بعضهم به اليابسة منها، واحدته: قَتة، وهي الرطبة من علف الدواب.

2/ 71: (قتت).

(٣) قال الليث: والقضب من الشجر كل شجر سَبِطت أغصانه وطالت، والقضب قطعك القضيب ونحوه "تهذيب اللغة" 8/ 347: (قضب).

وعن ابن فارس: القاف، والضاد، والباء: أصل صحيح يدل على على قطع الشيء، والقضيب الغصن، والقَضْب: الرَّطْبة سميت لأنها تُقْضَب.

"مقاييس اللغة" 5/ 100: (قضب).

(٤) لعله يراد به: الفَصْلة، وهي النخلة المنقولة المحولة، وقد افتصلها عن موضعها، أو يراد به: الفصيل ولد الناقة إذا فصل عن أمه.

"لسان العرب" 11/ 522 - 523: (فصل).

(٥) ما بين القوسين لعله نقله أيضًا عن ابن قتيبة.

انظر: "تفسير غريب القرآن" 514.

(٦) لم أجد قوله في المجاز، وإنما ورد عند ابن عطية في: "المحرر الوجيز" 5/ 439: قال: أبوعبيدة: القضب: الرطبة.

وأيضًا انظر: "التفسير الكبير" 31/ 63.

(٧) "معاني القرآن" 3/ 238.

(٨) ورد قوله في "تهذيب اللغة" 8/ 347، وعبارته: القَضب: الرَّطْبة (٩) "جامع البيان" 30/ 57، "بحر العلوم" 3/ 449، "التفسير الكبير" 31/ 63، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 219، "البحر المحيط" 8/ 429، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 504، "الدر المنثور" 8/ 421 أو عزاه إلى ابن أبي حاتم، وابن المنذر.

(١٠) "جامع البيان" 30/ 57، "التفسير الكبير" 31/ 63، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 504.

(١١) "التفسير الكبير" 31/ 63، "البحر المحيط" 8/ 429.

(١٢) ما بين القوسين ذكر بدلًا منه في نسخة: أ: وغيرهم.

وممن ذهب إلى ما قاله اللغويون: الزجاج في: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 286.

(١٣) "التفسير الكبير" 31/ 63.

(١٤) "جامع البيان" 30/ 57، "معالم التنزيل" 4/ 449، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 504، تفسير الحسن البصري: 2/ 397.

(١٥) قال ابن عطية في المعنى الذي ذهب إليه أهل التفسير واللغة: قال بعض اللغويين: في الفصافص، وهذا عندي ضعيف؛ لأن الفصافص هي للبهائم، فهي داخلة في: "الأب".

ثم قال: والذي أقوله: إن "القضب" هنا هو كل ما يقضب ليأكله ابن آدم غضاَ من النبات، كالبقول والهِلْيون ونحوه، فإنه من المطعوم جزء عظيم، ولا ذكر له في الآية إلا في هذا اللفظ.

انظر: "المحرر الوجيز" 5/ 439.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ كَلاَّ ﴾ ردع للإنسان عما هو فيه ﴿ لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ ﴾ أي لم يقض الإنسان على تطاول عمره ما أمره الله، قال بعضهم: لا يقضي أحدا أبداً جميع ما افترض الله عليه إذ لابد للعبد من تفريط ﴿ فَلْيَنظُرِ الإنسان إلى طَعَامِهِ ﴾ أمر بالاعتبار في الطعام كيف خلقه الله بقدرته ويسره برحمته، فيجب على العبد طاعته وشكره ويقبح معصيته والكفر به، وقيل: فلينظر إلى طعامه إذا صار رجيعاً، فينظر حقارة الدنيا وخساسة نفسه، والأول أشهر وأظهر في معنى الآية، على أن القول الثاني صحيح وانظر كيف فسره بقوله: ﴿ أَنَّا صَبَبْنَا المآء صَبّاً ﴾ وما بعده ليعدّد النعم ويظهر القدرة، وقرئ إنا صببنا الماء بفتح الهمزة على البدل من الطعام ﴿ ثُمَّ شَقَقْنَا الأرض ﴾ يعني يخرج النبات منها ﴿ حَبّاً ﴾ يعني القمح والشعير وسائر الحبوب ﴿ وَقَضْباً ﴾ قيل: هي الفصفصة، وقيل: هي علف البهائم، واختار ابن عطية أنها البقول وشبهها مما يؤكل رطباً ﴿ غُلْباً ﴾ أي غليظة ناعمة ﴿ وَأَبّاً ﴾ الأبّ المرعى عند ابن عباس والجمهور، وقيل: التبن وقد توقف في تفسيره أبو بكر رضي الله عنهما.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: كل آيات هذه السورة في الإمالة والتفخيم مثل سورة طه ﴿ فتنفعه ﴾ بالنصب على أنه جواب لعل: عاصم غير الأعشي ﴿ تصدّى ﴾ بتشديد الصاد للإدغام: أبو جعفر ونافع وابن كثير.

الآخرون: بتخفيفها بناء على حذف تاء تتفعل أو الخطاب عنه ﴿ تلهى ﴾ بإشباع ضمة الهاء وتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ أنا ﴾ بالفتح على البدل من الطعام: عاصم وحمزة وخلف.

الوقوف: ﴿ وتولى ﴾ ه لا ﴿ الأعمى ﴾ ه ط ﴿ يزكى ﴾ ه لا ﴿ الذكرى ﴾ ه ط ﴿ استغنى ﴾ ه لا ﴿ تصدّى ﴾ ه ط ﴿ يزكى ﴾ ه ﴿ يسعى ﴾ ه لا ﴿ يخشى ﴾ ه ﴿ تلهى ﴾ ه ز لأن ﴿ كلا ﴾ للردع فلا يوقف أو بمعنى حقاً فيوقف ﴿ تذكرة ﴾ ه ج للشرط بعده مع الفاء ﴿ ذكره ﴾ ه م لأن الظرف لا يجوز أن يتعلق بما قبله ولكنه خبر مبتدأ محذوف أي هو في صحف ﴿ مكرمة ﴾ ه لا ﴿ مطهرة ﴾ ه لا ﴿ سفرة ﴾ ه ز ﴿ بررة ﴾ ط ﴿ أكفره ﴾ ه ط ﴿ خلقه ﴾ ه ز لأن الجواب محذوف أي خلقه من ﴿ نطفة ﴾ ط ﴿ فقدّره ﴾ ه لا ﴿ يسره ﴾ ه ز ﴿ فأقبره ﴾ ه لا ﴿ أنشره ﴾ ه ط بناء على أن ﴿ كلا ﴾ بمعنى حقاً ولا يصلح للردع وجه كما يجيء ﴿ أمره ﴾ ه ط ﴿ إلى طعامه ﴾ ه ز إلا لمن قرأ ﴿ أنا ﴾ بالفتح ﴿ صباً ﴾ ه لا ﴿ شقاً ﴾ ه لا ﴿ حباً ﴾ ه ز ﴿ وقضباً ﴾ ه ك ﴿ ونخلاً ﴾ ه ك ﴿ غلباً ﴾ ه ك ﴿ وأباً ﴾ ه لا ﴿ ولأنعامكم ﴾ ه ط ﴿ الصاخة ﴾ ه ز فإن الأوضح أن يكون ﴿ يوم ﴾ ظرف ﴿ جاءت ﴾ وجوز أن يكون مفعول " اذكر " محذوفاً والعامل مقدّر أي فإذا جاءت الصاخة كان ما كان ﴿ أخيه ﴾ لا ﴿ وأبيه ﴾ ه ك ﴿ وبنيه ﴾ ه ط ﴿ يغنيه ﴾ ه ك ﴿ مسفرة ﴾ ه لا ﴿ مستبشرة ﴾ ه ج فصلاً بين حالتي الفئتين مع اتفاق الجملتين ﴿ غبرة ﴾ ه لا ﴿ قترة ﴾ ه ﴿ الفجرة ﴾ ه.

التفسير: أطبق المفسرون على أن الذي عبس هو الرسول  والأعمى هو ابن أم مكتوم واسمه عبد الله بن شريخ بن مالك بن ربيعة الزهري.

وذلك أنه أتى رسول الله وعنده صناديد قريش عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب يدعوهم إلى الإسلام رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرهم.

فقال: يا رسول الله أقرئني وعلمني مما علمك الله، وكرر ذلك وهو لا يعلم شغله بالقوم، فكره رسول الله  قطعه لكلامه وعبس وأعرض عنه فنزلت، فكان رسول الله صلى هلله عليه وسلم بعد ذلك يكرمه ويقول: إذا رآه: مرحباً بمن عاتبني فيه ربي ويقول له: هل لك من حاجة؟

واستخلفه على المدينة مرتين.

وقال أنس: رأيته يوم القادسية وعليه درع وله راية سوداء.

والجار محذوف على القياس متعلق بـ ﴿ عبس ﴾ أو بـ ﴿ تولى ﴾ على اختلاف في باب تنازع الفعلين للكوفيين والبصريين والتقدير: عبس لأن جاءه الأعمى وأعرض لذلك.

يروى أنه  ما عبس بعدها في وجه فقير قط ولا تصدّى لغني.

قال أهل المعاني: في الالتفات من الغيبة إلى الخطاب دلالة على مزيد الإنكار كمن يشكو جانياً بطريق الغيبة وهو حاضر ثم يقبل على الجاني مواجهاً بالتوبيخ.

قالوا: وفي ذكر الأعمى نحو من الإنكار أيضاً لأن العمى يوجب العطف والرأفة عند ذوي الآداب غالباً لا التولي والعبوس، ولا يخفى أن نظر النبي  كان على أمر كلي هو رجاء إسلام قريش فإنه في الظاهر أهم من إجابة رجل أعمى على الفور إلا أنه  عدّ هذا الجزئي كلياً من جهة أخرى هي تطييب قلوب الفقراء والضعفاء وإهمال جانب أهل الغنى والثراء، فإن هذا أدخل في الإخلاص وابتغاء رضوان الله وذلك مظنة التهمة والرياء.

يحكى عن سفيان الثوري أن الفقراء كانوا في مجلسه أمراء.

وأيضاً فائدة الإرشاد والتعليم بالنسبة إلى هذا الأعمى أمر معلوم وبالنسبة إلى أولئك أمر موهوم لأنه جاء طالباً مسترشداً وأنهم جاءوا مستهزئين معاندين، وترك المعلوم للموهوم خارج عن طريق الاحتياط وإلى هذا المعنى أشار بقوله ﴿ وما يدريك لعله ﴾ لعل الأعمى ﴿ يزكى ﴾ عما لا ينبغي ﴿ أو يذكر ﴾ يتعظ ﴿ فتنفعه الذكرى ﴾ فيفعل ما ينبغي.

وقيل: الضمير في ﴿ لعله ﴾ للكافر يعني أي شيء أدراك بحال كل من أولئك الكفرة حتى طمعت في تطهرهم من الأوزار وانتفاعهم بالاذكار.

ثم زاد تصريحاً لما فعل قائلاً ﴿ أما من استغنى ﴾ أي بالمال.

وقال عطاء: عن الإيمان.

وقال الكلبي: أي عن الله.

والأول أولى لأنهم كانوا أغنياء وما توجه الخطاب إلا من هذه الجهة وإن كان إسلامهم موهوماً ﴿ فأنت له تصدّى ﴾ تتعرض وأصله تتصدد من الصدد وهو ما استقبلك فصار قبالك ﴿ وما عليك ﴾ يحتمل أن تكون " ما " استفهامية ونافية يعني أي وبال يعود عليك أو ليس عليك بأس في أن لا يتزكى ذلك المستغني إن عليك إلا البلاغ فما الموجب للحرص والتهالك على إسلامه حتى تكسر قلوب الفقراء بالعبوس والإعراض، وهذا معنى قوله ﴿ وأما من جاءك يسعى ﴾ يسرع في طلب الخير ﴿ وهو يخشى ﴾ الله أو يخشى الكفار وأذاهم في إتيانك.

وقيل: يخشى الكيوة لأنه أعمى ما كان له قائد ﴿ فأنت عنه تلهى ﴾ أي تتشاغل.

قال أهل المعاني: بناء الكلامين على ضمير المخاطب تقوية إنكار التصدي والتهلي عليه أي مثلك خصوصاً لا ينبغي أن يتصدّى لغنى ويتلهى عن الفقير.

قوله ﴿ كلا ﴾ ردع عن المعاتب عليه وعن معاودة مثله أي لا تفعل مثل ذلك.

ثم قال ﴿ إنها ﴾ يعني آيات القرآن وهو قول مقاتل، أو هذه السورة وهو قول الكلبي واختاره الأخفش ﴿ تذكرة ﴾ وهي في معنى الذكر والوعظ فلذلك قال ﴿ فمن شاء ذكره ﴾ والمراد أن هذا القرآن أو هذا التأديب الذي عرفناكه في إجلال الفقراء وعدم الالتفات إلى أهل الدنيا ثبت في اللوح المحفوظ الذي قد وكل بحفظه أكابر الملائكة.

وفيه أن القرآن الذي بلغ في العظمة إلى هذا الحد أيّ حاجة له إلى أن يقبله هؤلاء الكفرة، فسواء قبلوه أو لا فلا تلتفت إليهم واجتهد في تطيب قلوب الفقراء الذين هم أهل الإخلاص وحزب الله.

ثم وصف الصحف بأنها مكرمة عند الله مرفوعة في السماء أو مرفوعة المقدار مطهرة عن أهل الخبائث لا يمسها إلا المطهرون من تلك الملائكة وتلك الصحف ﴿ بأيدي سفرة ﴾ قال ابن عباس ومجاهد ومقاتل وقتادة: هم الكتبة من الملائكة واحدها سافر مثل كتبة وكاتب، وقد مرّ في أول التفسير أن التركيب يدل على الكشف فبالكتابة يتبين ما في الضمير ويتضح.

قال الفراء: اشتقاق السفرة من السفارة لأن الملائكة سفرة بين الله ورسوله ولا يخفى ما في السورة من معنى الكشف أيضاً ﴿ كرام ﴾ على ربهم.

وقال عطاء: أراد أنهم يكرمون من أن يكونوا مع ابن آدم إذا خلا مع زوجته للجماع وعند قضاء الحاجة ﴿ بررة ﴾ أتقياء واحدها بارّ.

وقيل: هي صحف الأنبياء فيكون كقوله ﴿ إن هذا لفي الصحف الأولى  ﴾ وقيل: السفرة القراء.

وقيل: الصحابة ثم عجب من صناديد قريش وأضرابهم من أهل العجب والكفر المرتفعين على الفقراء مع أن أوّلهم نطفة مذرة وآخرهم جيفة قذرة وهم فيما بين الوقتين حملة عذرة فقال ﴿ قتل الإنسان ﴾ وهو دعاء عليه أشنع دعوة لأنه لا أفظع من القتل و ﴿ ما أكفره ﴾ تعجب من حال إفراطه في الكفران وتلقي نعم خالقه بالجحود والطغيان، وهذا قد ورد على أسلوب كلام العرب وأنه لا يمكن أن يحمل في حقه  إلا على إرادة إيصال العقاب الشديد وليكون لطفاً للمعتبرين المتعجبين المتأملين في مراتب حدوثهم التي أوّلها نطفة وأشار إيلها بقوله ﴿ من أي شيء خلقه من نطفة ﴾ والاستفهام لزيادة التقرير في التحقير.

ثم قال ﴿ فقدّره ﴾ فحمله الفراء على أطواره بعد كونه نطفة إلى وقت إنشائه خلقاً آخر، وعلى أحواله من كونه ذكراً أو أنثى وشقياً أو سعيداً.

وقال الزجاج: قدره على الاستواء كقوله ﴿ ثم سوّاك رجلاً  ﴾ ويحتمل أن يراد فقدر كل عضو في الكمية والكيفية على التقدير اللائق بمصلحته.

وأما المرتبة الوسطى فإليها الإشارة بقوله ﴿ ثم السبيل يسره ﴾ وهو نصب على شريطة التفسير فمن فسر التقدير بالأطوار فسر السبيل بمخرج الولد من بطن أمه.

يقال: إن رأس المولود في بطن أمه يكون من فوق ورجله من تحت، فإذا جاء وقت الخروج انقلب بإلهام الله  إياه على أن نفس خروج الولد حياً من ذلك المنفذ الضيق من أعجب العجائب وعلى التفاسير الأخر فالمراد تسهيل سبيل الخير والشر كقوله ﴿ إنا هديناه السبيل  ﴾ وأشار إلى المرتبة الأخيرة بقوله ﴿ ثم أماته فأقبره ﴾ أي جعله ذا قبر فيكون متعدياً إلى واحد، ويحتمل أن يكون الثاني محذوفاً أي فأقبره غيره.

يقال: قبر الميت إذا دفنه بنفسه، وأقبر غيره الميت إذا أمره بدفنه، فالمراد أن الله  أمر بدفن الأموات الإنسية تكرمة لهم دون أن يطرحوا على وجه الأرض طعمة للسباع كسائر الحيوان ﴿ ثم ﴾ إن في كل هذه الانتقالات دلالات واضحة على أنه  ﴿ إذا شاء ﴾ أن ينشر الإنسان ببعثه من قبره ﴿ أنشره ﴾ قوله ﴿ كلا ﴾ يجوز أن يكون ردعاً للإنسان عن تكبره وترفعه أو عن كفره وإنكاره المعاد.

وقال في الكشاف: وهذا هو ردع للإنسان عما هو عليه فهذا قول مجاهد إن إنساناً لم يخل من تقصير قط فلم يقض أحد من لدن آدم إلى هذه الغاية جميع ما كان مفروضاً عليه.

وقال آخرون: معناه أن الإنسان الكافر لم يقض بعد ما أمره الله من التأمل في دلائل التوحيد والبعث.

وقال الأستاذ أبو بكر بن فورك: القضاء بمعنى الحكم والضمير لله أي لم يقض الله لهذا الكافر ما أمره به من الإيمان وترك التكبر بل أمره بما لم يحكم له به.

وحين فرغ من دلائل الأنفس أردفها بدلائل الآفاق قائلاً ﴿ فلينظر الإنسان ﴾ نظر استدلال وتدبر ﴿ إلى طعامه ﴾ الذي يعيش به كيف دبرنا أمره من إنزال الماء من السماء، ثم شق الأرض بالنبات أو بالكراب على البقر فيكون إسناد الفعل إلى السبب.

والحب ما يصلح للقوت كالحنطة والشعير، والقضب العلف بعينه قاله الحسن.

وقال أكثر المفسرين: إنه القت لأنه يقضب مرة بعد أخرى أي يقطع.

والغلب الغلاظ الأعناق في الأصل يقال: أسد أغلب، ثم استعير للحدائق أنفسها لتكاثف أشجارها ولأشجارها لعظمها وغلظها.

ثم أجمل الفاكهة ليعم الكل وأجمل العلف بقوله ﴿ وأبا ﴾ للعموم وهو المرعى لأنه يؤب أي يؤم وينتجع.

والأب والأم إخوان قاله جار الله.

وقيل: الأب الفاكهة اليابسة المعدّة للبقاء.

والفاء في قوله ﴿ فإذا جاءت ﴾ مثل ما مر في " النازعات " ﴿ والصاخة ﴾ النفخة الأخيرة.

قال الزجاج: أصل الصخ الطعن والصك صخ رأسه بالحجر أي شدخه، والغراب يصخ بمنقاره في دبر البعير أي يطعن، والنفخة لشدّتها تصك الآذان.

وقال جار الله: يقال صخ لحديثه مثل أصاخ له فوصف النفخة بالصاخة مجاز لأن الناس يصخون لها أي يستمعون.

وفرار المرء من الجماعة المذكورين إما بالصورة وذلك للاحتراز عن المطالبة بالتبعات يقول الأخ: ما واسيتني بمالك.

ويقول الأبوان: قصرت في برنا.

وتقول الصاحبة: أطعمتني الحرام وفعت كذا وكذا، والبنون يقولون: لم تعلمنا ولم ترشدنا.

قال جار الله: إنما بدأ بالأخ ثم بالأبوين لأنهما أقرب منه، والفرار إنما يقع من الأبعد ثم من الأقرب، وأخر الصاحبة والبنين لأن البنين أقرب وأحب فكأنه قيل: يفر من أخيه بل من أبيه بل من صاحبته وبنيه.

وأقول: هذا القول يستلزم أن تكون الصاحبة أقرب وأحب من الأبوين ولعله خلاف العقل والشرع، والأصوب أن يقال: أراد أن يذكر بعض من هو مطيف بالمرء في الدنيا من أقاربه في طرفي الصعود والنزول فبدأ بطرف الصعود لأن تقديم الأصل أولى من تقديم الفرع، وذكر أوّلاً في كل من الطرفين من هو معه في درجة واحدة وهو الأخ في الأول، والصاحبة في الثاني على أن وجود البنين موقوف على وجود الصاحبة فكانت بالتقديم أولى.

وقيل: أول من يفر من أخيه هابيل، ومن أبويه إبراهيم، ومن صاحبته نوح ولوط، ومن ابنه نوح.

والأنسب عندي أن يكون الفار قابيل وقد جاء هكذا في بعض الروايات، والأظهر أن الفرار المعنيّ هو قلة الاهتمام بشأن هؤلاء بدليل قوله ﴿ لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه ﴾ أي يصرفه ويصدّه عن قرابته.

قال ابن قتيبة: ويقال أغن عني وجهك أي اصرفه.

وعندي أن اشتقاقه من الغنى وذلك أن من أغناك فقد صرفك عن نفسك أو عن طلب حاجته.

ثم ذكر أن الناس يومئذ فريقان وأن أهل الكمال تلوح على وجوههم أنوار الكمال من أسفر الصبح إذا أضاء يستبشرون بأنواع المسار، ويضحكون بدل ما كانوا يبكون في الدنيا خوفاً من عقاب الله تعالى، وأن أهل النقائص يظهر على وجوههم سواد مع غبرة كوجوه الزنوج مثلاً إذا أعبرت.

والقترة سواد كالدخان جمع الله في وجوههم ظلمة الضلال والكفر مع غبار الفجور والفسق ولهذا نعى عليهم بقوله ﴿ أولئك هم الكفرة الفجرة ﴾ أعاذنا الله في الدارين من مثل أحوالهم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قُتِلَ ٱلإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ ﴾ ، قالوا: تأويله: لعن الإنسان.

وذكر الحسن والمعتزلة: أن هذا من الله -  - على الشتم والتسمية له بذلك، واستجازوا الشتم منه.

والأصل أن ليس في الشتم إلا ظهور سفه الشاتم وعبثه؛ إذ لا ضرر يلحق بالمشتوم من جهة الشتم، وإنما ضرر ذلك الشتم على الشاتم خاصة، وأما المشتوم فإنما يصير مشتوما بفعله لا بشتم الشاتم، وجل الله -  - من أن ينسب إليه فعل السفه؛ فلذلك قلنا: إنه لا يتحقق معنى الشتم في الكلمة التي عرفت شتما فيما بين الخلق إذا جاءت من الله -  - كما لا يحقق من الكلمة التي عرفت اغتيابا فيما بين الخلق إذا جاءت من الله -  - معنى الاغتياب، بل يحمل ذلك على الردع والتنبيه؛ فيكون في ذكرها تخويف من خوطب بها، وتذكر للخلق سفهه وجهله؛ ألا ترى أن المرء في الشاهد قد يتكلم بما فيه هتك الستر على المخاطب ثم لا يعد ذلك منه اغتيابا؛ إذا قصد به وعظه وزجره عما هو [فيه]، وأرشده إلى ما فيه صلاح آخرته وأولاه، فكذلك الله -  - إذا جاء منه ما يعد شتما من غيره وغتيابا، لم يلحقه وصف الشتم والغيبة؛ إذ ذلك منه على التذكير والتنبيه للخلق، وعلى التخويف والتهويل لمن نسب إليه ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَآ أَكْفَرَهُ ﴾ ، أي: ما أقبح كفره، وأوحشه، وأشنعه؛ لأنه علم أن جميع ما أنعم به من النعيم فيمن الله -  - ثم هو لم يشكر نعمه، ولا أطاعه فيما دعاه إليه؛ بل وجه شكر نعمه إلى من لا ينفعه ولا يضره، وعند من لا يسمع، ولا يبصر، ولا يغني عنه شيئا، [و]ما هذا إلا غاية الفحش ونهاية القبح.

أو ما أوحش كفره وأقبحه بما سوى الشكور والكفور، وبين المفسد والمصلح، وبين الولي والعدو، والعقل يوجب التفرقة بينهما، فهو بإنكاره البعث كابر عقله وعانده، فما أشد كفر من هذا وصفه.

ثم قوله -  -: ﴿ مَآ أَكْفَرَهُ ﴾ أي: أي شيء أكفره؟

فيكون في ذكره تعجيب لمن آمن من الخلائق وتذكير لهم عن سوء من هذا فعله وسوء معاملته مع ربه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ ﴾ فكأنه قال: إن الذي كفر قد علم أنه خلق من نطفة، وتلك النطفة موات، لا سمع فيها ولا عقل، ولا شيء من الجوراح، ثم الله  بلطفه وعجيب حكمته دبر فيها بصرا يرى بفتحه واحدة، وفي أدنى وهلة مسيرة خمسمائة عام، وقدر فيها عقلا يرى به ملكوت السماوات والأرض، وقدر فيها السمع، والبصر، وغيرهما من الجوارح، أفترى أن من بلغت قدرته هذا يعجز عن إحياء من أماته وعن بعثه بأقل من لحظة.

أو يكون قوله: ﴿ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ ﴾ تعريفاً منه أنه خلقه من نطفة، ويكون في ذكره ما ذكرنا من الفوائد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَدَّرَهُ ﴾ ، أي: سواه على وجه يكون فيه دلالة ربوبيته وشهادة وحدانيته.

أو قدره على ما فيه صلاحه ومنفعته.

أو قدره على [ما يشاء] من القصر والطول، والدمامة والملاحة، وغير ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ ٱلسَّبِيلَ يَسَّرَهُ ﴾ يحتمل أن يكون المراد من السبيل الدين، فكأنه يقول: يسر له سبيل درك ذلك السبيل إلى الله -  - على ما ذكرنا أن الدين إذا أطلق أريد به دين الله  ، وكذلك الكتاب المطلق يراد به كتاب الله  ؛ فعلى ذلك: السبيل إذا ذكر مطلقا كان منصرفا إلى سبيل الله  .

أو يسر له السبيل: سبيل الهدى، وسبيل الضلال، والسبيل الذي لو سلكه نفعه، والسبيل الذي يضره.

أو يسر له السبيل الذي علم الله أنه يختاره؛ كقوله -  -: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ  وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ  فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ  وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ  وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ  فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ ...

 ﴾ .

أو يسر عليه سبيل الخروج من بطن أمه على ضيق ذلك الموضع وكبر حثته؛ ليعلموا أن من بلغت قوته هذا فهو قادر على ما أراد، لا يعجزه شيء، ولا يخفى عليه أمر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ﴾ ، ففي ذكر هذا ذكر النعم، وهو أن الله -  - جعل لما يخبث ويتغير كنا يكن فيه؛ فيستره عن الخلق؛ لئلا يعافوه ويستقذروه، لم يجعل ذلك لغيرهم، وجعل لأنفسهم إذا هم تغيرت [أجسادهم] بالموت، وصارت بحيث تستخبث وتستقذر - كنا تستتر فيها؛ لتغيب عن الخلق؛ فلا يتأذوا بها، فذكرهم هذا؛ ليشكروه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ ﴾ معناه - والله أعلم -: كذلك إذا شاء أنشره؛ لأن هذا كله إخبار في موضع الاحتجاج، فكأنه قال: إن الذي خلقه من نطفة وقدرهن ثم أماته فأقبره، فهو كذلك ينشره إذا شاء، وكذلك هذا في قوله: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ  ﴾ ، أي: إن الذي أحياكم، ثم أماتكم، فكذلك هو الذي يحييكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ ﴾ : منهم من ذكر أن هذا الخطاب في كل أحد لا ترى إنسانا قضى جميع ما عليه من الأمر على احد ما أمر حتى لا يغفل عنه ولا يقصر فيه؛ بل من الله -  - على كل أحد في كل طرفة عين نعمة، لا يتهيأ لأحد أن يقوم بكنه شكرها حتى لا يقع منه في ذلك جفاء ولا تقصير.

ومنهم من يقول: هذا في الكفار خاصة، ولا يقضون ما أمروا به من التوحيد.

فإن كان على هذا فهو منصرف إلى ابتداء الأمر.

وإن كان على الوجه [الأول]، فهو منصرف إلى كنه الأمر، ويستقيم توجيهه إلى الكافر، على ما ذكروا؛ لأن [إيمان المؤمن له حكم] التجدد في كل وقت؛ إذ هو في كل وقت مأمور باجتناب الكفر، فهو يجتنبه، فذلك يكون، وإذا كان كذلك، ثبت أنه في كل وقت مؤمن؛ لما أمر به هو مجتنب عما نهي عنه، فهو بإيمانه راجع عن الزلات في كل حال، معتقد للوفاء بما أمر به؛ لذلك كان صرفه إلى الكافر أوجَهُ.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ ﴾ كيف قدر له حيث استعمل فيه السماوات، والأرضين، والهواء، والشمس، والقمر، والليل، والنهار، فاستعمال السماء في إنزال المطر منها، واستعمال الهواء في جعله مسلكا للمطر، واستعمال الأرض في جعلها قرارا للمطر وأخرج منها مافيه قوامهم ومنافعهم؛ فيكون في ذلكر هذا فوائد: إحداها: في موضع التعريف للخلائق: أن منشئ السماوات والأرضين، ومنشئ الخلق والشمس والقمر - واحد؛ لاتصال منافع بعض ببعض؛ إذ لو لم يكن كذلك، لكان لمنشئ السماء أن منع منافع السماء عن خلق منشئ الأرض.

و[الثانية:] فيه تذكير قوته وعجيب حكمته؛ ليعلموا أنه قادر على كل ما يريد فعله؛ لا يضعف عن ذلك، ولا يعجزه شيء؛ لأنه جمع بين منافع ما ذكرنا مع تناقضها واختلافها في نفسها، فجعلها من حيث المنافع متسقة متفقة، وجعل كل واحدة منهم كالمتصلة بالأخرى، المقترنة بها مع بعد ما بينهما، فمن قدر على الاتساق بين الأشياء المختلفة، وقدر على الوصل بين الأشياء المتباعدة بعضها عن بعض - لقادر على إحياء الأموات والبعث.

و[الثالثة:] ذكرهم هذا ليبين لهم حكمته وعلمه؛ ليعلموا أنه لا يخلق الخلق عبثا، ولا يتركهم سدى لا يستأدي منهم الشكر، ولا يبعثهم؛ بل ينشئهم ويميتهم فقط، فيخرج خلقه على ما فيه خروج عن الحكمة، ولأنه خلق البشر على وجه تمسه الحاجات، وتسمه الشهوات، وقدر الطعام على وجه إذا تناول منه دفع حاجته وسكن شهوته، ولو أراد أحد أن يتدارك المعنى الذي يعمل في دفع الحاجة وتسكين الشهوة ما هو؟

لم يصل إلى تعرفة؛ فيؤذي تفكره إلى دفع الشبه والاعتراضات التي تعتريه في أمر البعث وغيره؛ إذا كانوا يقدرون الأمور على قواهم ويسوونها على ما ينتهي إليه تدبيرهم، فإذا وجدوا في الطعام معاني هي خارجة من تدبيرهم وقواهم علمو أن ليس الأمر على ماقدروا؛ فيرتفع عنهم الريب والإشكال، وكذلك لو أرادوا أن يستخرجوا من السماء المعنى الذي به صلح أن تكون به حياة الأشياء كلها مع اختلاف الاشياء وتفاوتها واختلاف طعومها وألوانها - لم يمكنهم ذلك؛ فيعلمون أن الذي بلغت حكمته هذا المبلغ قادر على ما يشاء، فعال لما يريد، ويكون في النظر فيما ذكر حاجته وافتقاره إلى غيره تبيين أن الله -  - لم ينشء الخلق لحاجة نفسه، وإنما خلق لحاجة البشر إليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلأَرْضَ شَقّاً ﴾ ؛ ليقر الماء في شقوقها فيصل الخلق إلى الانتفاع به.

أو شققناها للنبات، فأنبتنا فيها حبا وعنبا، فذكر الحب والعنب، وأخبر أنه أنبتهما في الأرض، وهما في الحقيقة غير ناتبين في الأرض، ولكن أخرجهما من اصل هو نابت في الأرض، فأضافهما إليها لما يرجع الابتداء إليها، وهو كقوله -  -: ﴿ وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ  ﴾ ، ورزقنا من السماء المطر، لكن الذي هو رزقنا من الطعام وغيره إنما ينبت في الأرض، وخرج منها بالقطر من السماء؛ فاضيف إليه؛ فعلى ذلك أضيف الحب والعنب إلى ما ذكرنا؛ للمعنى الذي وصفنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَضْباً ﴾ القضب: هي الرطبة، سميت: قضبا؛ لأنها تقضب، وتقطع مرة بعد مرة.

﴿ وَزَيْتُوناً ﴾ في ذكر الزيتون ما ذكرنا من الفائدة، وهي أن الزيتون ألين الأشياء نَبَتَ أصله في الجبال التي هي أصلب الأرض، فمن قدر على إخراج ألين الأشياء عن أصلب الأشياء لقادر على الإنشاء والبعث؛ إذ من قدر على أن يخرج ألين الأشياء من أصلب الأشياء لقادر على أن يلين القلوب القاسية حتى تلين لذكر الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَدَآئِقَ غُلْباً ﴾ الحدائق هي البساتين التي أحدقت بالأشجار وأحاطت بها، والغلب: الغلاظ؛ يقال: رجل أغلب؛ إذا كان غيلظ الرقية، وقوم غلب الرقاب، أي: غلاض، وقالوا - أيضا -: الغلب الأشجار الكثيفة الطويلة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفَاكِهَةً وَأَبّاً ﴾ والأب: الكلأ، فيخبر أنه أنشأ هذه الأشياء؛ لتكون متاعا للخلق والأنعام، لا لمنافع نفسه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأنبتنا فيها عنبًا وقتًّا رطبًا؛ ليكون علفًا لدوابهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.7ewAj"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

نزلت هذه السورة في "ابن أم مكتوم"، وهو ابن خال خديجة رضي اللَّه عنها.

قيل اسمه عمرو بن قيس، وقيل عبد اللَّه بن عمرو، وقيل عبد اللَّه بن شريح بن مالك.

والأول أشهر، كما جاء في جامع الأصول.

وأم مكتوم لقب أمه، واسمها عاتكة بنت عبد اللَّه المخزومية.

وكان أعمى.

قيل ولد كذلك، وقيل عمي بعد بصر.

وهو من المهاجرين الأولين، واستخلفه  على المدينة يصلي بالناس مرارًا، وكان يؤذن بعد بلال.

أتى إلى النبي  وهو بمكة ومعه صناديد قريش: عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة يدعوهم إلى الإسلام رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرهم، فقال ابن أم مكتوم: يا رسول اللَّه، أقرئني وعلمني مما علمك اللَّه.

وكرر ذلك وهو لا يعلم تشاغله  بالقوم، فكره الرسول قطعه لكلامه، فظهرت الكراهة في وجهه فعبس وأعرض عنه، فنزلت الآيات.

يذكر اللَّه نبيه، في صورة عتاب، بأن ضعف ذلك الأعمى وفقره لا يصح أن يكون حاملًا على كراهة كلامه والإعراض عنه، فإنه حي القلب ذكي الفؤاد، إذا سمع الحكمة وعاها، فيتطهر بها من أوضار الآثام وتصفو بها نفسه من كدر الوساوس، أو يذكر بها ويتعظ فتنفعه العظة في مستقبل أمره، فلا يقع في مأثم.

أما أولئك الأغنياء الأقوياء فأكثرهم الجحدة الأغبياء، فلا ينبغي الانصراف إليهم، والتصدي لهم لمجرد الطمع في إقبالهم على الأمر يرجون فيه فيتبعهم غيرهم، فإن قوة الإنسان في حياة قلبه وذكاء لبه، والإذعان للحق إذا ظهر، والانقياد للدليل إذا بهر.

أما المال والنسب والعصبة والحسب والحشم والأعوان والأكاليل والتيجان فهي عواري تغدو وترتحل، وتقر حينًا ثم تنتقل، فكأنه يقول: يا أيها النبي، إن أقبلت فأقبل على العقل الذكي، والقلب النقي، وإياك أن تنصرف عنه إلى ذي الجاه القوي والمكان العلي فذلك إنسان بنفسه، حي بطبعه، وهذا غائب عن حسه، معدوم بذاته، موجود بجمعه.

وفي ذلك من تأديب اللَّه لأمة محمد  ما لو تأدبوا به لكانوا اليوم أرشد الأمم.

هداهم اللَّه.

(العبوس) معروف المعنى.

(وتولى) أعرض (أن جاءه) أي لأجل أن جاءه، أي كان عبوسه وإعراضه لأجل أنَّ الأعمى جاءه وقطع كلامه.

(وما يدريك) أي وأي شيء يعرفك بحال هذا الأعمى، وأنه مستعد لأن يتطهر بما تعلمه من أحكام اللَّه (أو يذكر) منها ما غفل عنه، فيتعظ بوعظك (فتنفعه) هذه (الذكرى) وتلك الموعظة؟

وذكر خبر العبوس والتولي بالحكاية عن الغائب ليلفته إلى النظر في العمل في ذاته صادرًا من أي شخص نسب إليه، ثم أقبل عليه بالخطاب بعد هذا الاستدعاء تشديدًا في العتاب.

ثم بعد ذلك حصر شأنه في تلك الحادثة في أمرين ذكرهما بقوله: (أما من استغنى إلخ) أي أن ما صدر منك كان هكذا على التفصيل الذي سيذكر: (أما من استغنى) بماله وقوته عن سماع القرآن (فأنت له تصدى) أي تتعرض بالإقبال عليه، مع أنك رسول وما عليك إلا البلاغ.

فإن كان المغرور قد ظن في ماله غنى عن هداية اللَّه، ورضي لنفسه أن يبقى في دنس الكفر، فما عليك عيب في بقائه كذلك، وألا يتطهر من دون الغرور ووسخ الجهالة (وأما من جاءك يسعى) إليك طالبًا للهداية، (وهو يخشى) اللَّه ويخاف من الغواية، وما دفعه إليك إلا حبه لأن يتطهر من الجهل، ويستضيء بضياء العلم، وخوفه الوقوع في ظلمات الضلالة، فأنت تتلهى عنه وتتغافل عن إجابته إلى طلبته.

ثم أراد أن يبيّن أن الهداية التي يسوقها اللَّه إلى البشر على ألسن الرسل ليست مما يحتال لتقريره في النفوس وإيجاده في القلوب، وإنما هي تذكرة تنبه الغافل إلى ما غرز اللَّه في فطرته من الخير، وأودعه غريزته من وجدان معرفة الخالق في الخلقة، فمن صد عنها فإنما هو معاند مقاوم لما يدعوه إليه سره، وتنزع به إليه نفسه.

فما عليك إلا أن تبلغ ما عرفت عن ربك لتذكر به الناسي وتنبه الغافل.

أما أن تحابي القوي المعاند ظنًا منك أن مداجاته ترده من عناده، فذلك ليس من عملك، فذكر إن نفعت الذكرى.

(كلا) حرف ردع للزجر عن التصدي للمستغني والتلهي عن المستهدي.

وعلل للزجر بقوله (إنها) أي الهداية المودعة في الكتب الإلهية، وأجلها القرآن، والضمير في (من شاء ذكره) يعود إلى اللَّه تعالى، لأن أعظم الهداية أن يذكر وحده لا شريك له، ولظهور الدليل وشعور الوجدان لا يتوقف ذكره ومعرفته سبحانه إلا على مشيئة الذاكر بعد التذكير، فمتى وردت التذكرة نبهت وجدانه، ولا يمنعه عن الاهتداء إلا عدم المشيئة بالعناد.

ثم قال تلك الهداية (في صحف مكرمة)، وهي صحف الكتب الإلهية.

(مرفوعة) أي عالية شريفة (مطهرة) من النقص والضلالة (بأيدي سفرة) جمع سافر، وهو من يسفر بين الناس بالصلح والسلام، وهم الملائكة أو الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

ومعنى كون الكتب بأيدي الملائكة، أن الملائكة هم الواسطة في حملها إلى الأنبياء.

ومعنى كونه بأيدي الأنبياء، أنها تنزل بالوحي عليهم وهم يبلغونها للناس، وكل من الملائكة والأنبياء يصح إطلاق اسم السفير عليه، كما صح إطلاق اسم الرسول على كل منهما.

و(البررة) جمع بار، وهو صانع البر والخير.

ثم أراد أن يزيدنا بيانًا، ويوضح لنا أن معرفة اللَّه وتوحيده ليسا من العقائد التي يلزم أن تنشأ في القلوب، بل هما مركوزتان في الجبلة ولا تحتاجان إلا إلى التذكير.

فإذا ذكرت النفس ذكرت، ولا يمنعها عن الاعتراف والإقرار إلا منازعة الهوى.

فإذا خالفت سلطانه لم يكن بينها وبين الإقرار إلا أن تشاءه فقال (قتل الإنسان ما أكفره) دعاء على الإنسان بأشنع دعواتهم، على ما هو المعروف في لسانهم، وهو كناية عن قبح حاله، وأنه قد بلغ منه مبلغًا لا يستحق معه أن يبقى حيًا.

ومنشأ الشناعة ومناطها نسيانه لما يتقلب فيه من النعم، وذهوله عن مسديها حتى إذا ذكر به فهو يعرض عن الذكر، فما أشد كفره بإحسان من غمره في نعمته من مبدأ إيجاده إلى ساعة معاده!!

انظر من أي شيء خلقه (من نطفة) أي ماء لا حياة فيه (فقدره) فقد أنشأ بدنه من ذلك الماء في أطوار مختلفة، كما بينه في آيات أخر، وقدره بمقداره، فأتم خلقه بأعضاء متناسبة تلائم حاجاته مدة بقائه، وأودع فيه من القوى ما يمكنه من استعمال تلك الأعضاء وتصريفها فيما خلقت له، وجعل كل ذلك بمقدار محدود على حسب ما يقتضيه كمال نوعه.

ثم بعد أن قدره هذا التقدير، وأكمل بدنه على هذا المقياس الخاص بنوعه، وهبه العقل الذي يقود تلك القوى عند تصريفها للأعضاء، وبالعقل قد يسره سبيل الخير، وأوضح له جادة الرشاد (ثم أماته) فلم يتركه كما يميت سائر الحيوان، لكنه قد تفضل عليه (فأقبره) أي جعل له قبرًا يوارى فيه تكرمة له، ولم يجعل في غريزة الإنسان أن يترك ميته مطرحًا على الأرض جزرًا للسباع.

هذا ما يراه الإنسان من نعم ربه عليه في نفسه..

ولا ريب أن سليم الفطرة لا يحتاج في الإذعان به إلا إلى مجرد التذكير.

ثم إن اللَّه سبحانه أتبع هذه النعم المرئية الدالة على قدرته ووحدانيته بأمر البعث والنشور، وجاء به كأنه من المشهودات التي ينبغي للإنسان أن يعتبر بها ليشير إلى أن الحياة الآخرة مما ركز الشعور به في الطباع كذلك، وإن لم يدرك كنهه ولم يوقف على تفصيل حقيقته.

وقوله (إذا شاء أنشره) أي إنه ينشره ويبعثه بعد موته وإقباره في الوقت الذي يريد أن يبثه فيه.

ثم أخذ يؤكد ما دل عليه قوله (قتل الإنسان ما أكفره) فقال (كلا) أي حقًا إن الإنسان قد بلغ في كفره بالنعمة الإلهية مبلغًا يقضي بالعجب، فإنه بعد ما رأى في نفسه مما عددناه من آيات ربه، وبعد أن مضى على نوعه تلك السنون الطوال في الأرض، وهو يتقلب في أدوار وأطوار يشاهد فيها من جلائل الآثار ما يحرك الأنظار، ويسير بها إلى الصواب من الآراء، والصحيح من الأفكار.

بعد هذا كله لا يزال إذا ذُكِّر لا يذكر، وإذا أنعم عليه لا يشكر، فهو إلى الآن لم يقض ما أمره اللَّه به: سواء كان الأمر بالإلهام وهداية الفطر بما أشهده في نفسه من دلائل القدرة وعلائم الإحسان والنعمة، أو كان بالوحي على ألسنة الأنبياء والمرسلين.

فإن اللَّه لم يدع الإنسان منذ زمان طويل سدى، ولم يهمله من إرسال الهداة إثر الهداة.

غير أن الإنسان -في ضلاله وانقياده للأهواء الفاسدة- لم يقض شيئًا مما أمره اللَّه به.

وكيف يكون قد قضى شيئًا من ذلك وهو لا يزال في غفلة منه، يدعو معه غيره، ويشرك فيه الاستعانة سواه، ويأبى من فظائع الأعمال ما لا يرضاه.

فإن زعم الإنسان أنه لم يشهد خلق نفسه، ورمى عينيه بالعمى عما في بدنه، وعقله بالغباوة عما في ذاته، وعما كان من أمرها في بدايتها ونهايتها، وعلل هواه في الغواية بأن شيئًا مما في خلقه لا يقوم دليلًا على وحدانية خالقه وانفراده بالإحسان إليه، لأنه لم يشهد تلك النشأة.

إن خطر ذلك ببال أحد من أفراد الإنسان (فلينظر) إلى ما بين يديه من أقرب الأشياء إليه: (إلى طعامه) الذي يقيم بنيته، ويجد لذته، ويحفظ به متنه ماذا صنعنا في إحداثه وتهيئته لأن يكون غذاء صالحًا؟

(أنا صببنا الماء) من المزن (صبًا) شديدًا ظاهرًا، (ثم) بعد أن كانت الأرض رتقًا متماسكة الأجزاء شققناها شقًا مرئيًا مشهودًا، كما تراه في الأرض بعد الري، أو شققناها بالكراب على البقر بأيدي الإنسان.

والكراب قلب الأرض للحرث وشق الأرض سواء كان بالحرث أو بغيره ليدخل الهواء والضياء في جوفها، فيحلل أجزاءها ويهيئها لتغذية النبات، فينبت فيها.

وقيل المراد شق الأرض بالنبات.

كأنه قال: ثم شققنا الأرض شقًا بالنبات.

ثم فضل النبات فقال (فأنبتنا فيها حبًا إلخ) ولا بأس به أيضًا.

ولما كان مرجع كل موجود إلى مصدر الوجود، وهو الذي سبب الأسباب، وقدر الأفعال، وأقدر عليها.

كان إسناد الصب والشق إليه صحيحًا على كل حال كإسناد الإنبات.

و(الحب) كل ما حصد من نحو الحنطة والشعير وغيرهما (والقضب) الرطبة وهو ما أكل من النبات غَضًّا.

وسمي قضبًا لأنه يقضب أي يقطع مرة بعد أخرى.

(والزيتون والنخل) معروفان لكل عربي.

(والحدائق) جمع حديقة، وهي البساتين ذات الأشجار المثمرة عليها حوائط تحيط بها و(غلبا) جمع غلباء بالمد أي ضخمة عظيمة.

وعظم الحدائق بكثرة أشجارها والتفاتها.

وقد يكون العظم في نفس الأشجار بأن تكون كل شجرة غليظة عظيمة.

وذكر الحدائق بوصفها ذلك لبيان أن النعمة فيها تشتمل عليه الحدائق برمته.

فالنعمة في الأشجار بجملتها لا في ثمرها خاصة.

فمن أخشابها ما ينفع للإحراق في تدبير الطعام، ومن أوراقها ما تأكله الحيوانات، ومن النعمة في الحدائق أنواع النبات مما يأكله الناس وترعاه الماشية.

وإنما تدخل ثمار الأشجار في الفاكهة تبعًا، ثم خصص الفاكهة بالذكر بعد ذلك لأنها مما يتمتع به الإنسان خاصة فقال (وفاكهة) ثم ذكر الأب لأنه مما ينفع الحيوان خاصة بقوله (وأبا).

والأب المرعى لأنه يؤب أي يؤم وينتجع.

روي أن أبا بكر الصديق  سئل عن الأب فقال: "أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب اللَّه ما لا علم لي به".

وعن عمر  أنه قرأ هذه الآية فقال: "كل هذا قد عرفنا فما الأب؟" ثم رفض عصا كانت بيده- أي كسرها غصبًا على نفسه وقال: "هذا لعمر اللَّه التكلف.

وما عليك يا ابن أم عمر أن لا تدري ما الأب".

ثم قال: "اتبعوا ما تبين لكم من هذا الكتاب، وما لا فدعوه".

إذا سمعت هذه الروايات فلا تظن أن سيدنا عمر بن الخطاب ينهى عن تتبع معاني القرآن والبحث عن مشكلاته، ولكنه يريد أن يعلمك أن الذي عليك من حيث أنت مؤمن إنما هو فهم جملة المعنى.

فالمطلوب منك في هذه الآيات هو أن تعلم أن اللَّه يمن عليك بنعم أسداها إليك في نفسك، وتقويم حياتك، وجعلها متاعًا لك ولأنعامك.

فإذا جاء في سردها لفظ لم تفهمه لم يكن من جد المؤمن أن ينقطع لطلب هذا المعنى بعد فهم المراد من ذكره، بل الواجب على أهل الجد والعزيمة أن يعتبروا بتعداد النعم، وأن يجعلوا معظم همهم الشكر والعمل.

هكذا كان شأن الصحابة  ، ثم خلف من بعدهم خلف وقفوا عند الألفاظ وجعلوها شغلًا شاغلًا لا يهمهم إلا التشدق بتصريفها وتأويلها وتحميلها ما لا تحمله، وقد تركوا قلوبهم خالية من الفكر والذكر، وأعضاءهم معطلة عن العمل الصالح والشكر.

(متاعًا لكم): إما مفعول له، أي فعل ذلك تمتيعًا لكم، أو مصدر حذف فعله وجرد من الزوائد، أي متعكم بذلك متاعًا.

والمعنى على كل حال أن فيما عدده ما يأكله وينتفع به الإنسان، ومنه ما يأكله الحيوان.

والأنعام: الماشية، وكل ما ينتفع به الإنسان من الحيوان.

(الصخ): الضرب بالحديد على الحديد، والعصا الصلبة على شيء مصمت.

وصخ الصخرة وصخيخها صوتها إذا ضربتها بحجر أو غيره.

والصاخة ههنا -كالقارعة في سورتها- هي الحادثة العظمى التي عبر عنها بالطامة الكبرى، يكون نذيرها ذلك الصوت الهائل، الذي يحدث من تخريب الكون ووقع بعض أجرامه على بعض.

ولكون هذه الحادثة تأتي بذلك الصوت المفزع سميت صاخة وقارعة، أو إنها سميت صاخة لأنها بما تأتي به من ذلك الصوت تصخ الآذان أي تصمها.

يقال صخ الصوت الأذن يصخها صخًا فلا تسمع النفوس شيئًا في ذلك الوقت إلا ما تنادي به، وتدعى إلى الحياة والنشور.

وهذه الأسماء كلها أسماء للقيامة العظمى، يوم ينكشف للأرواح مشهد الجبروت الأعظم، فيشغل كل نفس ما يصيبها من هيبة الجلال الإلهي، وتود لو نجت بنفسها، فهي تفر من كل من تتوهم أنه يتعلق بها ويطلب معونتها على ما هو فيه، فيتوارى كل امرئ من أخيه، بل من أمه وأبيه، بل من صاحبته التي هي ألصق الناس به، وقد يبذل في الدفاع عنها حياته لو مكن من ذلك، ويفر من بنيه وكان في الدنيا يفديهم بماله وروحه- ذلك كله لأن لكل واحد مما يجد من الرعب، وما يرهب من الهول، وما يخشى من مناقشة الحساب شأنًا يغنيه، أي يكفي لصرف جميع قواه، فليس عنده فضل فكر وقوة يمد بها غيره.

وجواب إذا في قوله (فإذا جاءت الصاخة) محذوف، ليذهب الفكر فيه مذاهبه، ويستورد منه على النفس غرائبه.

كأنه يقول: قتل الإنسان ما أكفره بنعمة ربه: هذه نفسه لم يشرق عليها نور الوجود إلا من فيض الجود، وهذا طعامه وما يقيم حياته إلى الأجل المحدود، إنما يساق إليه بتدبير الشكور الودود.

ومع ذلك فقد ضربت الغفلة بينه وبين ربه حجابًا، فهو إذا ذكر لا يتذكر، وإذا عرض عليه الدليل لا يفكر، وربما جهل قدره فشمخ واستكبر، وظن أنه القوي فلا يغلب، والعزيز فلا يقهر.

فإذا ذهبت هذه الحياة الدنيا، وجاءت الطامة الكبرى في ذلك اليوم العظيم، فماذا يكون شأن ذلك الإنسان؟

هل يبقى في غفلته، وهل يجد في نفسه شيئًا من عظمته؟

أو فما أعظم أسفه، وما أشد ندمه، إن انجلت أوهامه، وبطلت ظنونه، أو ما يشبه ذلك مما فيه تهويل عليه أو تقريع له.

(الوجوه المسفرة) المضيئة المتهللة، الضاحكة (المستبشرة) التي يظهر عليها الفرح والسرور لما تجد من برد اليقين بأنها ستوفى ما وعدت به جزاء إيمانها، وما قدمت من صالح أعمال وشكر آلاء ونعم -تلك الوجوه هي وجوه الذين آمنوا وعملوا الصالحات.

أما الوجوه الأخر- وهي التي (عليها غبرة) أي يعلوها الغبار و(ترهقها قترة) أي يغشاها سواد، وقد يكون الغبار والسواد على حقيقتهما تمييزًا لهم بأرْدَأ الحالات، وقد يكون الغبار غبار الذل، والسواد سواد الغم والحزن، وهو ما يقابل الإسفار والاستبشار- تلك الوجوه هي وجوه (الكفرة) الذين لا يؤمنون باللَّه وبما جاء به أنبياؤه.

(الفجرة) الذين قد خرجوا عن حدود شرائعه واقترفوا السيئات في حياتهم الدنيا.

نسأل اللَّه أن يعاملنا بلطفه ورحمته.

ويجنبنا التعرض لغضبه ونقمته.

وقوله: وجوه يومئذ إلخ ابتداء كلام لبيان حال الناس يوم يأتي اللَّه بذلك الحادث العظيم حادث الانقلاب في نظام الكون العام أو نظام الحياة الإنسانية فينشأ الناس نشأة أخرى ينكشف لهم فيها ما كان قد أنبهم عليهم في حياتهم الأولى، ويتبين لهم من الأمر ما كانوا فيه يختصمون، ويأتيهم اليقين بما كانوا فيه يمترون.

فمن كان في هذه الحياة الدنيا طلابًا للحق، نظارًا في الدليل، لا تحجبه عن الاعتبار غفلة، ولا تأخذه عن الحق إذا ذكر به أنفه.

ولا تنفره منه عادة، ولا تباعده عنه ألفة- فهو لا يعقد لنفسه عقيدة إلا بعد تقريرها على المقدمات الصحية المستمدة من حكم البديهة، ليس فيها رأي فلان، أو قيل سابق في زمان، إلا قول رسول كريم قامت على عصمته براهين يقبلها العقل السليم، ويؤيدها الذكر الحكيم.

ثم أخذ نفسه بالعمل على ما يطابق عقيدته، فهو كما يعتقد بالحق يعمل للحق.

من كان هذا شأنه في حياته هذه فما الذي يلاقيه إذا جاءت الصاخة، يوم ينكشف الحجاب ويزول الارتياب؟..

ما كان قد أيقن به في حياته الدنيا يشهد بالعيان أنه هو، فيطمئن إلى ما عرف، وتسكن نفسه إلى ما ألف، وما كان لا يزال في طلبه والبحث في الأدلة للوقوف عليه وأدركه الموت قبل الوصول إليه، ظهر ما كان يطلب منه حاضرًا بين يديه فيفرح به فرح المحب يلقى محبوبه، والراغب الحريص يصادف مرغوبه، وفي الحالين يتهلل وجهه ويسفر ويضحك ويستبشر.

وأما من احتقر عقله، ورضي جهله، وصرفه عن الدليل ما أخذه عن آبائه وتلقاه عن سلفه ورؤسائه، وشغل نفسه بالجدال والمراء في تصحيح الأهواء والتماس الحيل لتقرير الباطل وترويج الفاسد، كما كان يفعل أعداء الأنبياء، ولا يزال يأتيه السفهاء لينصروا به أهواء الأغبياء، ثم يتبع ذلك بأعمال تطابق ما يهوى وتخالف ما يزعم: يزعم الغيرة على الدين، ولا تجد عملًا من أعماله ينطبق على أصل قرره الدين.

الدين ينهي عن الفواحش وهو يقترفها.

الدين يأمر بصيانة مصالح العامة وهو يفتك بها.

الدين يطالب أهله ببذل المال في سبل الخير وهو يسلب المال ليكنزه، فإن أنفق منه شيئًا صرفه في سبيل الشر.

الدين يأمر بالعدل وهو أظلم الظالمين.

الدين يأمر بالصدق وهو يكذب ويحب الكاذبين.

من كان هذا شأنه فماذا يكون حاله يوم يتجلى الجبار؟

ويرتفع الستار؟

يجد كل شيء على خلاف ما كان يعرفه.

يجد الحق غير ما كان يعتقد.

يجد أن الباطل هو ما كان يعتمد، يتحقق أن ما كان يظنه من العمل خيرًا لنفسه صار وبالًا عليها.

يرى الخبث حشو أعماله، والخيبة حلف آماله، فيملك الهم نفسه لشر ما يتوقع.

ويظهر أثر ذلك على وجهه، فتعلوه الغبرة، وتغشاه القترة، لأنه من الكفرة الفجرة.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر