كفارة اليمين

الإسلام > الأيمان والمواريث > كفارة اليمين

مسائلُ فقهيةٌ في كفارة اليمين على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 14 دقيقة قراءة

تعريف كفارة اليمين وحكمها

صحَّ، ولو أذِنَ لها غيرُه لَم يَصحَّ، دلَّ على خُروجِه مِنْ حُقوقِ الإِذنِ، وصحَّ بمُجردِ القَولِ.

ولأنَّه قد حظَرَ الخُروجُ عليها باليَمينِ، وأَباحَ لها الخُروجَ بالإِذنِ، فصارَ عَقدُها جامِعًا بينَ حَظرٍ وإِباحةٍ، والاستِباحةُ إذًا صادَفت إِباحةً لَم يَعلمْ بها المُستَبيحُ جَرى عليها حُكمُ الإِباحةِ دونَ الحَظرِ، كمَن استَباحَ مالَ رَجلٍ قد أَباحَ له، وهو لا يَعلمُ بإِباحتِه، جَرى على المالِ المُبتَدئِ حُكمُ الإِباحةِ اعتِبارًا بالمُبيحِ، ولَم يَجرِ عليه الحَظرُ اعتِبارًا بالمُستَبيحِ. كذلك حُكمُ هذه الخُروجُ. وتَحريرُه: أنَّها استِباحةٌ بعدَ إِباحةٍ، فلَم يَكنْ فَقدُ العِلمِ بها مُؤثرًا في حُكمِها كالمالِ.

ولأنَّها لا تَعلمُ بإذنِه، لبُعدِها تارةً، ولنَومِها أُخرَى، وقد وافَقوا أنَّه لو أذِنَ لها، وهي نائِمةٌ، فخرَجَت غيرَ عالِمةٍ بإذنِه لَم يَحنثْ، كذلك إذا أذِنَ لها، وهي بَعيدةٌ، فلم تَعلمْ بإذنِه حتى خرَجَت وجَبَ أنْ لا يَحنثْ.

وتَحريرُه: أنَّها يَمينٌ تَعلَّقَ البِرُّ فيها بالإِذنِ، فوجَبَ أنْ لا يَكونَ عَدمُ العِلمِ به مُوجبًا للحِنثِ، كالنَّائمةِ والنَّاسيةِ (١).

كَفارةُ اليَمينِ:

أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الحانِثَ في يَمينِه يَجِبُ عليه الكَفارةُ، وهي أربَعةُ أنواعٍ: الثَّلاثةُ الأُوَلُ على التَّخييرِ: إطعامُ عَشرةِ مَساكينَ

(١) «الحاوي الكبير» (١٥/ ٣٩٧، ٣٩٨)، و «الاختيار» (٤/ ٦٧)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٣٩٨)، و «التنبيه» (١/ ١٧٩)، و «المهذب» (٢/ ٩٦)، و «جواهر العقود» (٢/ ١١١)، و «المغني» (١٠/ ١٠/ ٤٧)، و «الإنصاف» (٩/ ٩٩).

أو كِسوَتُهم أو تَحريرُ رَقبةٍ، والرابِعُ على التَّرتيبِ، أي لا يُجزِئُ إلا عندَ عَدمِ الأوَّلِ.

النَّوعُ الأوَّلُ: إطعامُ: أي إِعطاءُ الطَّعامِ لعَشَرةِ مَساكينَ.

النَّوعُ الثانِي: كِسوةُ عَشرةِ مَساكينَ: للرَّجلِ ثَوبٌ يَستُرُ جَميعَ بَدنِه إلى كَعبِه أو قَريبٍ منه، لا إزارٌ وعِمامةٌ، ولِلمَرأةِ دِرعٌ سابِغةٌ وخِمارٌ.

ولو كَساهم مِنْ غيرِ وَسَطِ كِسوةِ أهلِ مَحلَّتِه فإنَّه كَافٍ؛ لأنَّ المُرادَ منها السَّتْرُ لا الزِّينةُ، ويُعطى الصَّغيرُ كِسوةَ كَبيرٍ ولا يَكفي ما يَستُرُه خاصةً.

النَّوعُ الثالِثُ: عِتقُ رَقَبةٍ سَليمةٍ مِنْ العُيوبِ كالظِّهارِ.

وهذا كُلُّه مَحَلُّ إجماعٍ مِنْ أهلِ العِلمِ أنَّ مَنْ حنِثَ في يَمينِه فهو مُخيَّرٌ، إن شاءَ أطعَمَ وإن شاءَ كَسا وإن شاءَ أعتَقَ، وقد نقَلَ الإِجماعَ على ذلك جَماعةٌ مِنْ العُلماءِ.

قال الإمامُ ابنُ جَريرٍ الطَّبَريُّ: والمُكفِّرُ مُخيَّرٌ في تَكفيرِ يَمينِه التي حَنِثَ فيها بإحدى هذه الحالاتِ الثَّلاثِ التي سَماها اللَّهُ في كِتابِه، وذلك: إطعامُ عَشَرةِ مَساكينَ مِنْ أوسَطِ ما يُطعِمُ أهلَه، أو كِسوَتُهم، أو تَحريرُ رَقَبةٍ، بإِجماعٍ مِنْ الجَميعِ لا خِلافَ بَينَهم في ذلك (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الحانِثَ في يَمينِه بالخيارِ، إنْ شاءَ أطعَمَ وإنْ شاءَ كَسا وإنْ شاءَ أعتَقَ (٢).

(١) «تفسير الطبري» (٧/ ٢٨).
(٢) «الأوسط» (١٢/ ١٧٧)، و «الإجماع» (٦٧١).

وقالَ الإمامُ ابنُ بَطالٍ رحمة الله عليه: والعُلماءُ مُتَّفِقونَ أنَّ «أو» تَقتَضي التَّخييرَ، وأنَّ الحانِثَ في يَمينِه بالخيارِ، إنْ شاءَ كَسا وإنْ شاءَ أطعَمَ، وإنْ شاءَ أعتَقَ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ: وصِفةُ الكَفارةِ هي: مَنْ حنِثَ أو أرادَ الحِنثَ وإنْ لم يَحنَثْ بَعدُ، فهو مُخيَّرٌ بَينَ ما جاءَ به النَّصُّ، وهو إما أنْ يُعتِقَ رَقَبةً، وإما أنْ يَكسوَ عَشرةَ مَساكينَ، وإما أنْ يُطعِمَهم، أيَّ ذلك الفِعلِ فرَضَ يَجزيه، فإنْ لم يَقدِرْ على شَيءٍ مِنْ ذلك، ففَرضُه صيامُ ثَلاثةِ أَيامٍ، ولا يَجزيه الصَّومُ ما دامَ يَقدِرُ على ما ذَكَرنا مِنْ العِتقِ والكِسوةِ والإِطعامِ، بُرهانُ ذلك قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، ولا نَعلَمُ في ذلك خِلافًا (٢).

وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ: واتَّفَقوا على أنَّ الكَفارةَ إِطعامُ عَشرةِ مَساكينَ أو كِسوَتُهم أو تَحريرُ رَقَبةٍ.

والحالِفُ مُخيَّرٌ في أيِّ ذلك شاءَ، فإنْ لم يَجِدْ مِنْ ذلك انتَقَلَ حينَئِذٍ إلى صيامِ ثَلاثةِ أيامٍ (٣).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الحانِثَ في يَمينِه بالخيارِ، إنْ شاءَ أطعَمَ وإنْ شاءَ كَسا، وإنْ شاءَ أعتَقَ، أيَّ ذلك فَعَلَ أجزَأه؛ لأنَّ اللَّهَ تَعالى عَطَفَ بَعضَ هذه الخِصالِ على بَعضٍ بحَرفِ «أو»، وهو

(١) «شرح صحيح البخاري» (٦/ ١٦٨).
(٢) «المحلى» (٨/ ٦٩).
(٣) «الإفصاح» (٢/ ٣٨٣).

للتَّخييرِ، قالَ ابنُ عَباسٍ ما كانَ في كِتابِ اللهِ «أو» فهو مُخيَّرٌ فيه، وما كانَ «فمَن لم يَجِدْ» فالأوَّلَ الأوَّلَ (١).

النَّوعُ الرابِعُ: صيامُ ثَلاثةِ أيامٍ إذا عجَزَ وَقتَ التَّكفيرِ عن الثَلاثةِ الماضيةِ: الإطعامِ والكِسوةِ والرَّقبةِ، فيَنتَقِلُ لصيامِ ثَلاثةِ أيامٍ ولا يُجزِئُه الصَّومُ عندَ القُدرةِ على هذه الأَشياءِ الثَّلاثةِ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)[المائدة: ٨٩]. فلا يُجزِئُه الصَّومُ وهو قادِرٌ على خَصلةٍ مِنْ الخِصالِ الثَلاثِ المُتقدِّمةِ بإجماعِ العُلماءِ؛ لنَصِّ الآيةِ.

قال الإمامُ ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الحالِفَ الواجِدَ الإطعامَ أو الكِسوةَ أو الرَّقبةَ لا يُجزِئُه الصَّومُ إذا حنِثَ في يَمينِه (٢).

وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ رحمة الله عليه: وصِفةُ الكَفارةِ هي: مَنْ حنِثَ أو أرادَ الحِنثَ وإنْ لم يَحنَثْ بَعدُ، فهو مُخيَّرٌ بَينَ ما جاءَ به النَّصُّ، وهو إما أنْ يُعتِقَ رَقَبةً، وإما أنْ يَكسوَ عَشَرةَ مَساكينَ، وإما أنْ يُطعِمَهم، أيَّ ذلك الفِعلِ فرَضَ يَجزيه، فإنْ لم يَقدِرْ على شَيءٍ مِنْ ذلك، ففَرضُه صيامُ ثَلاثةِ أَيامٍ، ولا يَجزيه الصَّومُ ما دامَ يَقدِرُ على ما ذَكَرنا مِنْ العِتقِ والكِسوةِ والإِطعامِ، بُرهانُ ذلك

(١) «المغني» (١٠/ ٣).
(٢) «الأوسط» (١٢/ ٢٠٤)، و «الإجماع» (٦١٠).

قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ

أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، ولا نَعلَمُ في ذلك خِلافًا (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفَقوا على أنَّ الكَفارةَ إطعامُ عَشَرةِ مَساكينَ أو كِسوَتُهم أو تَحريرُ رَقَبةٍ.

والحالِفُ مُخيَّرٌ في أيِّ ذلك شاءَ، فإنْ لم يَجِدْ مِنْ ذلك انتَقلَ حينَئِذٍ إلى صِيامِ ثَلاثةِ أَيامٍ (٢).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: إنْ لم يَجِدْ طَعامًا ولا كِسوةً ولا عِتقًا انتَقلَ إلى صيامِ ثَلاثةِ أَيامٍ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، وهذا لا خِلافَ فيه (٣).

وقالَ الإمامُ الزَّركَشيُّ: إذا لم يَجِدْ واحِدًا مِنْ الثَّلاثةِ السابِقةِ وهي الإِطعامُ والكِسوةُ والعِتقُ بألَّا يَجِدَ ذلك أصلًا أو وجَدَه وتَعذَّرَ عليه شِراؤُه لعَدمِ الثَّمنِ، أو لكَونِه مُحتاجًا إلى ما هو أهَمُّ منه، كما هو مُفصَّلٌ في مَوضِعِه، فإنَّه يَنتقِلُ إلى صيامِ ثَلاثةِ أَيامٍ بالإِجماعِ، وشَهادةِ الكِتابِ (٤).

(١) «المحلى» (٨/ ٦٩).
(٢) «الإفصاح» (٢/ ٣٨٣).
(٣) «المغني» (١٠/ ١٥).
(٤) «شرح الزركشي» (٣/ ٣٢٧، ٣٢٨).

مسائل كفارة اليمين الفقهية

ارجع إلى الأيمان والمواريث للاطلاع على جميع الأبواب.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 29 ربيع الأول
هلال جديد اليوم 1 / 29.5
الإضاءة 1%
البدر بعد 14 يوم
الحمد لله