الإسلام > القضاء والشهادة > مراتب الشهادة والعدد الذي تنعقد به
مسائلُ فقهيةٌ في مراتب الشهادة والعدد الذي تنعقد به على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 7 دقيقة قراءةفصل في مَراتِبِ الشَّهادةِ والعَدَدِ الذي تَنعَقِدُ به
الشَّهادةُ على مَراتِبَ، فمنها ما يُشتَرطُ له أربَعةُ شُهودٍ، ومنها ما يُشتَرطُ له شاهِدانِ، ومنها ما يَكفي فيه شاهِدٌ ويَمينٌ، ومنها ما يُقبلُ فيه الرِّجالُ فقط، ومنها ما يُقبلُ فيه النِّساءُ، وبَيانُ ذلك فيما يَلي:
أولاً: ما يُقبلُ فيه أربَعةُ شُهودٍ (وهو حَدُّ الزِّنا) فقط:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّه يُشتَرطُ في شُهودِ الزِّنا أنْ يَكونوا أربَعةً من أَحرارِ المُسلِمينَ، عُدولًا، ويَصِفوه بأنْ يَقولوا: رَأينا ذكَرَه في فَرجِها كالمِروَدِ في المُكحَلةِ والرِّشا في البِئرِ.
وإذا لم تَتوافَرْ هذه الشُّروطُ يُقامُ عليه الحَدُّ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥].
وقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: ٤].
وعن أَبي هُرَيرةَ أنَّ سَعدَ بنَ عُبادةَ قالَ لرَسولِ اللهِ ﷺ: أرأيتَ
إنْ وَجدتُ معَ امرأتِي رَجلًا أأُمهِلُه حتى آتِيَ بأربَعةِ شُهداءَ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «نَعمْ» (١).
وذلك لأنَّ اللهَ تَعالى يُحبُّ السَّتْرَ على عِبادِه، وفي اشتِراطِ الأربَعةِ يَتحقَّقُ مَعنى السَّتْرِ؛ إذْ وُقوفُ الأربَعةِ على هذه الفاحِشةِ في غايةٍ مِنْ النُّدرةِ.
وقد نقَلَ عَددٌ كَبيرٌ من العُلماءِ الإِجماعَ على هذا.
قالَ الإمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: ولم أعلَمِ الناسَ اختَلَفوا في ألَّا يُقامَ الحَدُّ في الزِّنا بأقَلَّ من أربَعةِ شُهداءَ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ: أجمَعوا على أنَّ الشَّهادةَ على الزِّنا أربَعةٌ، لا يُقبَلُ أقَلُّ منهم (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: فأجمَعَ العُلماءُ على أنَّ البَيِّنةَ في الزِّنا تَكونُ أربَعةَ شُهداءَ، يَكونونَ رِجالًا عُدولًا يَشهَدونَ بالصَّريحِ من الزِّنا لا بالكِنايةِ، وبالرُّؤيةِ كذلك والمُعايَنةِ (٤).
وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ رحمة الله عليه: فأمَّا وُجوبُ قَبولِ أربَعةٍ في الزِّنا فبنَصِّ القُرآنِ، ولا خِلافَ فيه (٥).
(١) أخرجه مسلم (١٠٠٠٨).
(٢) «الأم» (٧/ ٨٣).
(٣) «الإجماع» (٦٤١).
(٤) «الاستذكار» (٧/ ٤٨٥).
(٥) «المحلى» (٩/ ٣٩٦).
وقالَ الإمامُ ابنُ العَربيِّ رحمة الله عليه: قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥]، وهذا حُكمٌ ثابِتٌ بإِجماعٍ من الأُمةِ.
فشَرطُ غايةِ الشَّهادةِ في غايةِ المَعصيةِ لأعظَمِ الحُقوقِ حُرمةً، وتَعديدُ الشُّهودِ بأربَعةٍ حُكمٌ ثابِتٌ في التَّوراةِ والإِنجيلِ والقُرآنِ، رَوى أَبو داودَ عن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ قالَ: «جاءَت اليَهودُ برَجلٍ وامرَأةٍ قد زَنَيا فقالَ النَّبيُّ ﷺ: «ائتُونِي بأعلَمِ رَجلَينِ منكم»، فأتَوْه بابنَيْ صُورِيا فنشَدَهما اللهَ: «كيف تَجِدانِ أمرَ هذَينِ في التَّوراةِ؟»، قالا: نَجدُ في التَّوراةِ: «إذا شهِدَ أربَعةٌ أنَّهم رأوا ذكَرَه في فَرجِها مِثلَ المِيلِ في المُكحَلةِ رُجِما»، قالَ: «فما يَمنَعُكما أنْ تَرجُموهما؟»، قالا: ذهَبَ سُلطانُنا وكرِهْنا القَتلَ، فدَعا رَسولُ اللهِ ﷺ بالشُّهودِ فجاؤوا وشهِدوا أنَّهم رَأوا ذكَرَه في فَرجِها مِثلَ المِيلِ في المُكحَلةِ، فأمَرَ رَسولُ اللهِ ﷺ فرَجَمَهما» (١) (٢).
وقالَ القاضِي عِياضٌ رحمة الله عليه: لا خِلافَ بينَ العُلماءِ في أنَّه لا يُقبَلُ في الزِّنا أقَلُّ مِنْ أربَعةٍ (٣).
وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفَقوا على أنَّ البَيِّنةَ التي يَثبُتُ بها الزِّنا أنْ يَشهدَ له أربَعةٌ عُدولٌ رِجالٌ ويَصِفونَ حَقيقةَ الزِّنا (٤).
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أَبو داود (٤٤٥٢).
(٢) «أحكام القرآن» (١/ ٤٥٩).
(٣) «إكمال المعلم شرح صحيح مسلم» (٥/ ٢٦٤).
(٤) «الإفصاح» (٢/ ٢٥٤).
ارجع إلى القضاء والشهادة للاطلاع على جميع الأبواب.