الإسلام > القرآن > تجويد > حكم التقاء الساكنين
آخر تحديث 01 أغسطس 2026 - 02:17
📖 8 دقيقة قراءةحكمُ التقاءِ الساكنينِ: الساكنان: إما أن يلتقيا في كلمة واحدة أو في كلمتين: فإذا التقيا في كلمة واحدة، فإما أن يكون ذلك في حالة الوقف فقط، أو في حالتي الوصل والوقف: فالتقاؤهما في حالة الوقف يكون على حدهما، وهذا جائز، سواء كان الساكن الأول منهما حرف مد، أو حرف لين، أو ساكنًا صحيحًا.
فمثال حرف المد قوله تعالى: {إِنَّ الأَبْرَارَ} ١، وقوله: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ٢، وقوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ٣.
ومثال حرف اللين قوله تعالى: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ} ٤، وقوله: {وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} ٥.
ومثال الساكن الصحيح قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ} ٦، وقوله: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا} ٧، وقوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ} ٨.
فيجوز الوقف على أي كلمة من الكلمات السابقة التي اجتمع فيها الساكنان على حدهما، أما إذا وُصلت الكلمة الموقوف عليها بما بعدها فيحرَّك الساكن الثاني بحركته الأصلية؛ لأنه ساكن عارض جاء لأجل الوقف.
وأما التقاؤهما في حالتي الوصل والوقف فيكون على غير حدهما سواء كان ذلك في كلمة واحدة أو في كلمتين.
ففي الكلمة الواحدة يلتقيان وصلاً ووقفًا في مثل قوله تعالى: {الصَّاخَّةُ} ١، وقوله: {أَتُحَاجُّونِّي} ٢، وقوله: {آلآنَ} موضعي يونس٣، وقوله: {الم} ٤، وما شابه ذلك ولا بد فيه حينئذٍ من التخلص من التقاء الساكنين وذلك يكون بالمد الطويل -ست حركات- لأنه حرف مد جاء بعده ساكن لازم وصلا ووقفًا، وهذا هو المد اللازم.
وأما في الكلمتين فيلتقيان في حالة الوصل فقط، ولا بد حينئذٍ من التخلص منهما -كما تقرره قواعد اللغة العربية- وذلك إما بحذف الساكن الأول أو بتحريكه.
فالتخلص منهما بالحذف يكون في حرف المد الذي يحذف وصلاً ويثبت وقفًا وهو نوع من أنواع المد الأصلي مثل قوله تعالى: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} ٥، وقوله: {وإذْ قالُوا اللَّهُمَ} ٦، وقوله: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ} ٧، وهذا الحذف يكون في النطق حالة الوصل فقط؛ لثبوت الحرف المحذوف رسمًا غالبًا.
وقد يحذف حرف المد وصلاً ووقفًا لحذفه رسمًا وذلك في مثل قوله تعالى: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} بالبقرة٨، فإذا وقفنا على: تُحْي، نقف بإسكان الياء التي هي عين الكلمة، لأن الياء الثانية -التي هي لام الكلمة- محذوفة رسمًا لعلة التقاء الساكنين.
وأما التخلص من الساكنين بالتحريك فالقراء يختلفون فيه تارة، ويتفقون تارة أخرى.
فيختلفون فيما إذا كان الساكن الأول آخر الكلمة، والساكن الثاني في كلمة مبدوءة بهمزة وصل مضمومة في الابتداء لضم الثالث ضمًّا لازمًا، فنافع وابن كثير وابن عامر والكسائي يحركون الساكن الأول بالضم تبعًا لضم الثالث.
وأما حفص ومن معه من باقي القراء السبعة فيحركون الساكن الأول بالكسر على الأصل في التخلص من التقاء الساكنين، والساكن الأول هو أحد حروف "لتنود" والتنوين١.
فمثال اللام قوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ} بالإسراء٢، فاللام من "قُلْ" ساكنة، والتَقَتْ بالدال من "ادْعُوا" وهي ساكنة أيضًا فحركت اللام بالكسر؛ للتخلص من التقاء الساكنين.
ومثال التاء قوله تعالى: {وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ} بيوسف٣، وليس غيره في القرآن فتاء التأنيث في "وَقَالَتْ" ساكنة، والتقت بالخاء من "اخْرُجْ" وهي ساكنة أيضًا فحركت التاء بالكسر؛ للتخلص من التقاء الساكنين.
ومثال النون قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} بالنساء٤، فالنون من "أَنْ" ساكنة، والتقت بالقاف -وهي ساكنة أيضًا- فحركت النون بالكسر؛ للتخلص من التقاء الساكنين.
ومثال الواو يأتي في ثلاثة مواضع لا رابع لهم: ١- قوله تعالى: {أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ} بالنساء٥.
٢- قوله تعالى: {أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ} بالإسراء٦.
٣- قوله تعالى: {أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً} بالمزمل٧.
فالواو من "أو" ساكنة التَقَتْ بكلٍّ من الخاء والدال والنون وكلها ساكنة، فحركت الواو بالكسر للتخلص من التقاء الساكنين.
ومثال الدال قوله تعالى: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ} بالأنعام٨، والرعد٩، والأنبياء١٠، فالدال من "قَدِ" ساكنة التقت بالسين وهي ساكنة أيضًا فحركت بالكسر للتخلص من التقاء الساكنين.
ومثال التنوين قوله تعالى: {وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً، انظُرْ} بالنساء١، وقوله: {بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ} بالأعراف٢، فالتنوين هو عبارة عن نون ساكنة زائدة التقت مع النون والدال الساكنتين فحركت بالكسر؛ للتخلص من التقاء الساكنين.
ويتفق القراء فيما خالف الشروط المذكورة وذلك مثل قوله تعالى: {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} بالإسراء٣، وقوله: {أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ} بـ"ص"٤، وقوله: {فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ} بالملك٥، وقوله: {فَلْيَنْظُرِ الْإنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ} بالطارق٦.
فجميع القراء متفقون على تحريك الساكن الأول بالكسر في هذه الأمثلة وما ماثلها.
فتلخص لنا أن حفصًا يقرأ كل ما ذكر وأمثاله بتحرك الساكن الأول بالكسر وذلك على الأصل في التخلص من التقاء الساكنين.
وقد يخرج عن هذا الأصل في بعض المواضع، فيحرك الساكن الأول بالفتح أو الضم أما التحريك بالفتح فيأتي في ثلاث صور: الصورة الأولى في: "مِنْ" الجارة مثل قوله تعالى: {وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} بالأنبياء٧، فمن، حرف جر مبني على السكون، ولكنه حُرك بالفتح؛ للتخلص من التقاء الساكنين دون الكسر؛ لما في الانتقال من الكسر إلى الفتح من الثقل.
الصورة الثانية في: "تاء التأنيث" إذا أضيفت إلى التثنية مثل قوله تعالى: {كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ} بالتحريم١، فتاء التأنيث حرف مبني على السكون، وألف التثنية ساكنة أيضًا فحركت التاء بالفتح؛ لأن الألف لا يناسبها إلا فتح ما قبلها.
الصورة الثالثة في: {الم، اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} أول آل عمران، فالميم حرف هجاء مبني على السكون التَقَت باللام من لفظ الجلالة وهي ساكنة بعد حذف همزة الوصل، فحركت الميم دون الكسر؛ محافظة على تفخيم لفظ الجلالة، وأما التحريك بالضم فيأتي في صورتين: الصورة الأولى في: "واو اللِّين" التي للجمع مثل قوله تعالى: {فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} بالبقرة٢، ومثل قوله: {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ} بالنساء٣، فواو اللين في المثالين حرف ساكن مفتوح ما قبله، ولكنه حرِّك بالضم؛ للتخلص من التقاء الساكنين.
وأما الصورة الثانية ففي: "ميم الجمع" وذلك في مثل قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} بالنحل٤، وقوله: {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ} بالإسراء٥ فميم الجمع حرف مبني على السكون التقت بلام التعريف الساكنة بعد حذف همزة الوصل فحركت الميم بالضم للتخلص من التقاء الساكنين؛ لأنه أصل حركتها٦.
١ سورة الانفطار: ١٣.
٢ سورة البقرة: ٥.
٣ سورة الفاتحة: ٢.
٤ سورة قريش: ٣.
٥ سورة قريش: ٤.
٦ سورة آل عمران: ١٥٢.
٧ سورة البينة: ٨.
٨ سورة الإسراء: ٩٩.
١ سورة عبس: ٣٣.
٢ سورة الأنعام: ٨٠.
٣ الآيتان: ٥١، ٩١.
٤ سورة البقرة: ١.
٥ سورة التكوير: ١.
٦ سورة الأنفال: ٣٢.
٧ سورة الذاريات: ٢٢.
٨ الآية: ٢٦٠.
١ انظر: "إتحاف فضلاء البشر" ص١٥٣، وشرح ابن الفاصح على الشاطبية، ص٢٠٦.
٢ الآية: ١١٠.
٣ الآية: ٣١.
٤ الآية: ٦٦.
٥ الآية: ٦٦.
٦ الآية: ١١٠.
٧ الآية: ٣.
٨ الآية: ١٠.
٩ الآية: ٣٢.
١٠ الآية: ٤١.
١ الآيتان: ٤٩، ٥٠.
٢ الآية: ٤٩.
٣ الآية: ٨٥.
٤ الآية: ٦.
٥ الآية: ٣.
٦ الآية: ٥.
٧ الآية: ٥٦.
١ الآية: ١٠.
٢ الآية: ٩٤.
٣ الآية: ٤٢.
٤ الآية: ١٢.
٥ الآية: ٦.
٦ انظر: "إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر"، ص١٢٤.