تفسير الآية ١٢١ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ١٢١ من سورة النحل

شَاكِرًۭا لِّأَنْعُمِهِ ۚ ٱجْتَبَىٰهُ وَهَدَىٰهُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ١٢١

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 55 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٢١ من سورة النحل من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٢١ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( شاكرا لأنعمه ) أي : قائما بشكر نعم الله عليه ، كما قال : ( وإبراهيم الذي وفى ) [ النجم : 37 ] أي : قام بجميع ما أمره الله تعالى به .

وقوله : ( اجتباه ) أي : اختاره واصطفاه ، كما قال : ( ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين ) [ الأنبياء : 51 ] .

ثم قال : ( وهداه إلى صراط مستقيم ) وهو عبادة الله وحده لا شريك له على شرع مرضي .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

( شَاكِرًا لأنْعُمِهِ ) يقول: كان يخلص الشكر لله فيما أنعم عليه، ولا يجعل معه في شكره في نعمه عليه شريكا من الآلهة والأنداد وغير ذلك ، كما يفعل مشركو قريش ( اجْتَبَاهُ ) يقول: اصطفاه واختاره لخُلته ( وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) يقول: وأرشده إلى الطريق المستقيم، وذلك دين الإسلام لا اليهودية ولا النصرانية.

وبنحو الذي قلنا في معنى ( أُمَّةً قَانِتًا ) قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني زكريا بن يحيى، قال: ثنا ابن إدريس، عن الأعمش، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن أبي العُبَيدين، أنه جاء إلى عبد الله فقال: من نسأل إذا لم نسألك؟

فكأنّ ابن مسعود رقّ له، فقال: أخبرني عن الأمَّة ، قال: الذي يُعلَّم الناس الخير.

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن أبي العُبَيدين أنه سأل عبد الله بن مسعود، عن الأمَّة القانت، قال: الأمَّة: معلم الخير، والقانت: المطيع لله ورسوله.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن منصور، يعني ابن عبد الرحمن، عن الشعبي ، قال: ثني فروة بن نوفل الأشجعي، قال: قال ابن مسعود: إن معاذا كان أُمَّة قانتا لله حنيفا ، فقلت في نفسي: غلط أبو عبد الرحمن، إنما قال الله تعالى ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ ) فقال: تدري ما الأمَّة ، وما القانت؟

قلت: الله أعلم ، قال: الأمَّة: الذي يعلم الخير، والقانت: المطيع لله ولرسوله، وكذلك كان مُعاذ بن جبل يعلم الخير ، وكان مطيعًا لله ولرسوله.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت فراسا يحدّث، عن الشعبيّ، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود، أنه قال: إن مُعاذا كان أُمَّة قانتًا لله ، قال: فقال رجل من أشجع يُقال له فروة بن نوفل: نسي إنما ذاك إبراهيم ، قال: فقال عبد الله: من نسي إنما كنا نشبهه بإبراهيم ، قال: وسُئِل عبد الله عن الأمَّة ، فقال: معلم الخير، والقانت: المطيع لله ورسوله.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن فراس، عن الشعبيّ، عن مسروق قال: قرأت عند عبد الله هذه الآية ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ ) فقال: كان معاذ أُمَّةً قانتًا ، قال: هل تدري ما الأمَّة ، الأمَّة الذي يعلم الناس الخير، والقانت: الذي يطيع الله ورسوله.

حدثنا أبو هشام الرفاعيّ، قال: ثنا ابن فضيل، قال: ثنا بيان بن بشر البَجَلي، عن الشعبيّ، قال: قال عبد الله: إن معاذا كان أُمَّة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين ، فقال له رجل: نسيت ، قال: لا ولكنه شبيه إبراهيم، والأمَّة: معلِّم الخير، والقانت: المطيع.

حدثني عليّ بن سعيد الكندي، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن ابن عون، عن الشعبيّ، في قوله: ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ) قال: مطيعا.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر، قال: قال عبد الله: إن معاذا كان أُمَّة قانتا معلِّم الخير.

وذُكر في الأمَّة أشياء مختلف فيها، قال وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ يعني: بعد حين و أُمَّةً وَسَطًا .

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن سعيد بن سابق، عن ليث، عن شَهْر بن حَوْشَب، قال: لم تبق الأرض إلا وفيها أربعة عشر يدفع الله بهم عن أهل الأرض وتخرج بركتها، إلا زمن إبراهيم فإنه كان وحده.

حدثنا القاسم ، قال: ثنا الحسين، قال: أخبرنا هشيم، قال: أخبرنا سيار، عن الشعبيّ، قال: وأخبرنا زكريا ومجالد، عن الشعبيّ، عن مسروق، عن ابن مسعود، نحو حديث يعقوب، عن ابن عُلَية وزاد فيه: الأمَّة: الذي يعلم الخير ويُؤْتمّ به ، ويقتدى به ؛ والقانت: المطيع لله وللرسول ، قال له أبو فروة الكندي: إنك وهمت.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ) على حدة ( قَانِتًا لِلَّهِ ) قال: مطيعا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله، إلا أنه قال: مطيعًا لله في الدنيا.

قال ابن جريج: وأخبرني عويمر، عن سعيد بن جبير، أنه قال: قانتًا: مطيعًا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ ) قال: كان إمام هُدًى مطيعًا تُتَّبع سُنَّته ومِلَّته.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن مَعْمر، عن قتادة، أن ابن مسعود قال: إن مُعاذ بن جَبَلْ كان أُمَّةً قانتا ، قال غير قتادة: قال ابن مسعود: هل تدرون: ما الأمَّة ؟

الذي يعلم الخير.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق ، قال: أخبرنا الثوريّ، عن فراس، عن الشعبيّ، عن مسروق، قال: قرأت عند عبد الله بن مسعود ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا ) فقال: إن معاذا كان أُمَّةً قانتا، قال: فأعادوا، فأعاد عليهم، ثم قال: أتدرون ما الأمَّة ؟

الذي يعلم الناس الخير، والقانت: الذي يطيع الله.

وقد بيَّنا معنى الأمَّة ووجوهها ، ومعنى القانت باختلاف المختلفين فيه في غير هذا الموضع من كتابنا بشواهده، فأغنى بذلك عن إعادته في هذا الموضع.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين[ ص: 180 ] قوله تعالى : شاكرا أي كان شاكرا .لأنعمه الأنعم جمع نعمة .

وقد تقدماجتباه أي اختاره .

وهداه إلى صراط مستقيم

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ } أي: آتاه الله في الدنيا حسنة، وأنعم عليه بنعم ظاهرة وباطنة، فقام بشكرها، فكان نتيجة هذه الخصال الفاضلة أن { اجْتَبَاهُ } ربه واختصه بخلته وجعله من صفوة خلقه، وخيار عباده المقربين.

{ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } في علمه وعمله فعلم بالحق وآثره على غيره.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( شاكرا لأنعمه اجتباه ) اختاره ، ( وهداه إلى صراط مستقيم ) أي : إلى دين الحق .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«شاكرا لأنعمه اجتباه» اصطفاه «وهداهُ إلى صراط مستقيم».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن إبراهيم كان إمامًا في الخير، وكان طائعا خاضعًا لله، لا يميل عن دين الإسلام موحِّدًا لله غير مشرك به، وكان شاكرًا لنعم الله عليه، اختاره الله لرسالته، وأرشده إلى الطريق المستقيم، وهو الإسلام، وآتيناه في الدنيا نعمة حسنة من الثناء عليه في الآخِرين والقدوة به، والولد الصالح، وإنه عند الله في الآخرة لمن الصالحين أصحاب المنازل العالية.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( شاكرا لأنعمه )أى : معترفا بفضل الله - تعالى - عليه ، ومستعملا نعمه فيما خلقت له ، ومؤديا حقوق خالقه فيها .

قال - تعالى - : ( وَإِبْرَاهِيمَ الذي وفى ) أى : قام بأداء جميع ما كلفه الله به .وبعد أن مدح - سبحانه - إبراهيم بتلك الصفات الجامعة لمجامع الخير ، أتبع ذلك ببيان فضله - تعالى - عليه فقال : ( اجتباه ) أى اختاره واصطفاه للنبوة .من الاجتباء بمعنى الاصطفاء والاختيار .واجتباء الله - تعالى - لعبده معناه : اختصاص ذلك العبد بخصائص ومزايا يحصل له عن طريقها أنواع من النعم بدون كسب منه .( وَهَدَاهُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) أى : وأرشده إلى الطريق القويم ، الذى دعا الصالحون ربهم أن يرشدهم إليه ، حيث قالوا فى تضرعهم : ( اهدنا الصراط المستقيم ) وهو طريق الإِسلام .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن المقصود بيان أن الافتراء على الله ومخالفة أمر الله لا يمنعهم من التوبة وحصول المغفرة والرحمة.

ولفظ السوء يتناول كل ما لا ينبغي وهو الكفر والمعاصي، وكل من عمل السوء فإنما يفعله بالجهالة، أما الكفر فلأن أحداً لا يرضى به مع العلم بكونه كفراً، فإنه ما لم يعتقد كون ذلك المذهب حقاً وصدقاً، فإنه لا يختاره ولا يرتضيه، وأما المعصية فما لم تصر الشهوة غالبة للعقل والعلم لم تصدر عنه تلك المعصية، فثبت أن كل من عمل السوء فإنما يقدم عليه بسبب الجهالة، فقال تعالى: إنا قد بالغنا في تهديد أولئك الكفار الذين يحللون ويحرمون بمقتضى الشهوة والفرية على الله تعالى، ثم إنا بعد ذلك نقول: إن ربك في حق الذين عملوا السوء بسبب الجهالة، ثم تابوا من بعد ذلك، أي من بعد تلك السيئة، وقيل: من بعد تلك الجهالة، ثم إنهم بعد التوبة عن تلك السيئات أصلحوا، أي آمنوا وأطاعوا الله.

ثم أعاد قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا ﴾ على سبيل التأكيد.

ثم قال: ﴿ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ والمعنى: إنه لغفور رحيم لذلك السوء الذي صدر عنهم بسبب الجهالة، وحاصل الكلام أن الإنسان وإن كان قد أقدم على الكفر والمعاصي دهراً دهيراً وأمداً مديداً، فإذا تاب عنه وآمن وأتى بالأعمال الصالحة فإن الله غفور رحيم، يقبل توبته ويخلصه من العذاب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ بِجَهَالَةٍ ﴾ في موضع الحال، أي: عملوا السوء جاهلين غير عارفين بالله وبعقابه، أو غير متدبرين للعاقبة لغلبة الشهوة عليهم ﴿ مِن بَعْدِهَا ﴾ من بعد التوبة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ﴾ بِسَبَبِها أوْ مُلْتَبِسِينَ بِها لِيَعُمَّ الجَهْلَ بِاللَّهِ وبِعِقابِهِ وعَدَمَ التَّدَبُّرِ في العَواقِبِ لِغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ، والسُّوءُ يَعُمُّ الِافْتِراءَ عَلى اللَّهِ وغَيْرِهِ.

﴿ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها ﴾ مِن بَعْدِ التَّوْبَةِ.

﴿ لَغَفُورٌ ﴾ لِذَلِكَ السُّوءِ.

﴿ رَحِيمٌ ﴾ يُثِيبُ عَلى الإنابَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١)

{شَاكِراً لأَنْعُمِهِ} رُوى أنه كان لا يتغدى إلا مع ضيف فلم يجد ذات يوم ضيفاً فأخر غداءه فإذا هو بفوج من الملائكة في صورة البشر فدعاهم إلى الطعام فخيلوا له أن بهم جذاماً فقال الآن وجبت مؤاكلتكم

شكراً لله على أنه عافاني وابتلاكم {اجْتَبَاهُ} اختصه واصطفاه للنبوة {وَهَدَاهُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} إلى ملة الإسلام

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ شاكِرًا لأنْعُمِهِ ﴾ صِفَةٌ ثالِثَةٌ لِ”أُمَّةً“- والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٍ- بِ”شاكِرًا“- كَما هو الظّاهِرُ، وأُوثِرَ صِيغَةُ جَمْعِ القِلَّةِ قِيلَ: لِلْإيذانِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَخِلُّ بِشُكْرِ النِّعْمَةِ القَلِيلَةِ فَكَيْفَ بِالكَثِيرَةِ ولِلتَّصْرِيحِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى خِلافِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرانِ بِأنْعُمِ اللَّهِ تَعالى حَسْبَما أُشِيرَ إلَيْهِ بِضَرْبِ المَثَلِ، وقِيلَ: إنَّ جَمْعَ القِلَّةِ هُنا مُسْتَعارٌ لِجَمْعِ الكَثْرَةِ ولا حاجَةَ إلَيْهِ.

وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ لا يَتَغَدّى إلّا مَعَ ضَيْفٍ فَلَمْ يَجِدْ ذاتَ يَوْمٍ ضَيْفًا فَأخَّرَ غَداءَهُ، فَإذا هو بِفَوْجٍ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في صُورَةِ البَشَرِ فَدَعاهم إلى الطَّعامِ فَخَيَّلُوا أنَّ بِهِمْ جُذامًا فَقالَ: الآنَ وجَبَتْ مُؤاكَلَتُكم شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى عَلى أنَّهُ عافانِي مِمّا ابْتَلاكم بِهِ.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ الجارِّ والمَجْرُورِ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اجْتَباهُ ﴾ وهو خِلافُ الظّاهِرِ.

وجَعَلَ بَعْضُهم مُتَعَلِّقَ هَذا مَحْذُوفًا أيِ اخْتارَهُ واصْطَفاهُ لِلنُّبُوَّةِ، وأصْلُ الِاجْتِباءِ الجَمْعُ عَلى طَرِيقِ الِاصْطِفاءِ، ويُطْلَقُ عَلى تَخْصِيصِ اللَّهِ تَعالى العَبْدَ بِفَيْضٍ إلَهِيٍّ يَتَحَصَّلُ لَهُ مِنهُ أنْواعٌ مِنَ النِّعَمِ بِلا سَعْيٍ مِنهُ ويَكُونُ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ومَن يُقارِبُهم ﴿ وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ مُوَصِّلٌ إلَيْهِ تَعالى وهو مِلَّةُ الإسْلامِ ولَيْسَ نَتِيجَةُ هَذِهِ الهِدايَةِ- كَما في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ- مُجَرَّدَ اهْتِدائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ مَعَ إرْشادِ الخَلْقِ أيْضًا إلى ذَلِكَ والدَّعْوَةِ إلَيْهِ بِمَعُونَةِ قَرِينَةِ الِاجْتِباءِ.

وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ ( إلى صِراطٍ ) مُتَعَلِّقًا- بِاجْتَباهُ وهَداهُ- عَلى التَّنازُعِ، والجُمْلَةُ إمّا حالٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ عَلى المَشْهُورِ وإمّا خَبَرٌ ثانٍ لَإنَّ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ الِاسْتِئْنافَ أيْضًا <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا يقول: مالوا عن الإسلام، وهم اليهود حَرَّمْنا مَا قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ أي: في القرآن من قبل هذه السورة في سورة الأنعام وَما ظَلَمْناهُمْ بتحريم ما حرّمنا عليهم وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ بكفرهم، فحرَّمنا عليهم الأشياء عقوبة لهم ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ أي: عملوا المعصية بجهالة.

وروي عن ابن عباس أنه قال: «كل سوء يعمله العبد فهو فيه جاهل، وإن كان يعلم أن ركوبه سيئة» .

ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا أي: العمل إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها أي: من بعد السيئة، ويقال: من بعد التوبة لَغَفُورٌ لذنوبهم رَحِيمٌ بهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً ...

الآية: قال ابن عبَّاس: القرية هنا مكَّة، والمراد الضمائر كلِّها في الآيةِ أهْلُ القرية «١» ، ويتوجَّه عنْدِي في الآيةُ أنها قُصِدَ بها قريةٌ غير معَّينة جُعِلَتْ مثلاً لمكَّة، على معنى التحذير، لأهلها ولغيرها مِنَ القُرَى إِلى يوم القيامة/ وهو الذي يُفْهَمُ من كلام حَفْصَةَ أمِّ المؤُمنين، و «أَنعَم» جمع نِعْمة.

وقوله سبحانه: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ استعاراتٌ، أي: لما باشرهم ذلك، صار كاللِّباس، والضميرُ في جاءَهُمْ لأهل مكَّة، والرسول محمّد صلّى الله عليه وسلّم، والْعَذابُ: الجوعُ وأَمْرُ بَدْرٍ ونحو ذلك، إن كانت الآية مدنيةً، وإن كانَتْ مكِّية، فهو الجوع فقطْ.

وقوله سبحانه: فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً ...

الآية: هذا ابتداءُ كلامٍ آخر، أي: وأنتم أيها المؤمنون، لستُمْ كهذه القريةِ فكُلُوا واشْكُروا اللَّه على تباين حَالِكم، من حال الكَفَرة، وقوله: حَلالًا حالٌ، وقوله: طَيِّباً: أي مستَلَذًّا إذ فيه ظهورُ النعمةِ، ويحتمل أن يكون «الطَّيْب» بمعنى الحلالِ، كُرِّر مبالغة وتأكيدا.

وقوله سبحانه: وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ ...

الآية: هذه الآية مخاطَبَةٌ للكفَّار الذينَ حرَّموا البحائر والسَّوائب، قال ابنُ العربيِّ «٢» في «أحكامه» ومعنى الآية: لا تصفوا الأعيان بأنها حلالٌ أو حرامٌ مِنْ قِبَلِ أنفسكم، إِنما المحرِّم والمحلِّل هو اللَّه سبحانه، قال ابن وَهْب: قال مالكٌ لم يَكُنْ مِنْ فُتْيَا النَّاسِ أنْ يقال لَهُمْ:

هَذَا حَلاَلٌ، وهذا حَرَامٌ، ولكنْ يقول: أَنا أَكْرَهُ هذا، ولَمْ أَكُنْ لأصنَعَ هذا، فكان النّاس

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ﴾ يَعْنِي بِهِ ما ذُكِرَ في (الأنْعامِ:١٢٦) وهو قَوْلُهُ: ﴿ وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ﴾ ﴿ وَما ظَلَمْناهُمْ ﴾ بِتَحْرِيمِنا ما حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ، ﴿ وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ بِالبَغْيِ والمَعاصِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في سُورَةِ (النِّساءِ:١٧)، وشَرَحْنا في (البَقَرَةِ:١٦٠) التَّوْبَةَ والإصْلاحَ، وذَكَرْنا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ مِن بَعْدِها ﴾ آنِفًا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلى اللهِ الكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ ﴾ ﴿ مَتاعٌ قَلِيلٌ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ هَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ حَرَّمُوا البَحائِرَ والسَوائِبَ وأحَلُّوا ما في بُطُونِ الأنْعامِ وإنْ كانَتْ مَيْتَةً، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ حِكايَةً عنهُمْ: ﴿ وَإنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهم فِيهِ شُرَكاءُ  ﴾ ، والآيَةُ تَقْتَضِي كُلَّ ما كانَ لَهم مِن تَحْلِيلٍ وتَحْرِيمٍ، فَإنَّهُ كُلَّهُ افْتِراءٌ مِنهُمْ، ومِنهُ ما جَعَلُوهُ في الشُهُورِ.

وقَرَأ السَبْعَةُ وجُمْهُورُ الناسِ: "الكَذِبَ" بِفَتْحِ الكافِ والباءِ وكَسْرِ الذالِ، و"ما" مَصْدَرِيَّةٌ، فَكَأنَّهُ قالَ: لِوَصْفِ ألْسِنَتِكم.

وقَرَأ الأعْرَجُ، وطَلْحَةُ، وأبُو مَعْمَرٍ، والحَسَنُ: "الكَذِبِ" بِخَفْضِ الباءِ عَلى البَدَلِ مِن "ما".

وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ الشامِ، ومُعاذُ بْنُ جَبَلٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "الكُذُبُ" بِضَمِّ الكافِ والذالِ والباءِ، عَلى صِفَةِ الألْسِنَةِ.

وقَرَأ مُسْلِمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: "الكُذُبَ" بِفَتْحِ الباءِ بِفَتْحِ الباءِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ كِذابٍ كَكُتُبٍ وكِتابٍ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ هَذا حَلالٌ ﴾ إشارَةٌ إلى مَيْتَةِ بُطُونِ الأنْعامِ وكُلِّ ما أحَلُّوا، وقَوْلُهُ: ﴿ وَهَذا حَرامٌ ﴾ إشارَةٌ إلى البَحائِرِ والسَوائِبِ وكُلِّ ما حَرَّمُوا، وقَوْلُهُ: "لِتَفْتَرُوا عَلى اللهِ الكَذِبَ"، إشارَةٌ إلى قَوْلِهِمْ في فَواحِشِهِمُ الَّتِي هي إحْداها: ﴿ وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللهُ أمَرَنا بِها  ﴾ ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ كانَ شَرْعُهم لِاتِّباعِهِمْ سُنَنًا لا يَرْضاها اللهُ افْتِراءً عَلَيْهِ، لَأنَّ مَن شَرَعَ أمْرًا فَكَأنَّهُ قالَ لِأتْباعِهِ: هَذا هو الحَقُّ، وهَذا مُرادُ اللهِ.

ثُمَّ أخْبَرَهُمُ اللهُ أنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ لا يَبْلُغُونَ الأمَلَ، والفَلاحُ: بُلُوغُ الأمَلِ، فَطَوْرا يَكُونُ في البَقاءِ، كَما قالَ الشاعِرُ: والمُسْيُ والصُبْحُ لا بَقاءَ مَعَهْ.

ويُشْبِهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن هَذا المَعْنى، يُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ مَتاعٌ قَلِيلٌ ﴾ ، وقَدْ يَكُونُ في نَجْحِ المَساعِي، ومِنهُ قَوْلُ عُبَيْدٌ: أفْلِحْ بِما شِئْتَ فَقَدْ يُبْلَغُ بِالضَـ ∗∗∗ ∗∗∗ ـضَعْفِ وقَدْ يُخْدَعُ الأرِيبُ وقَوْلُهُ: ﴿ مَتاعٌ قَلِيلٌ ﴾ إشارَةٌ إلى عَيْشِهِمْ في الدُنْيا، ﴿ وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ بَعْدَ ذَلِكَ في الآخِرَةِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَلى الَّذِينَ هادُوا ﴾ الآيَةُ، لَمّا قَصَّ تَبارَكَ وتَعالى عَلى المُؤْمِنِينَ ما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ أعْلَمَ أيْضًا بِما حَرَّمَ عَلى اليَهُودِ؛ لِيُبَيِّنَ تَبْدِيلَهُمُ الشَرْعَ فِيما اسْتَحَلُّوا مِن ذَلِكَ وفِيما حَرَّمُوا مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ما قَصَصْنا عَلَيْكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما في سُورَةِ الأنْعامِ مِن ذِي الظُفُرِ والشُحُومِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَما ظَلَمْناهُمْ ﴾ أيْ: لَمْ نَضَعِ العُقُوبَةَ عَلَيْهِمْ بِتَحْرِيمِ تِلْكَ الأشْياءِ عَلَيْهِمْ في غَيْرِ مَوْضِعِها، بَلْ هم طَرَقُوا إلى ذَلِكَ، وجاءَ مِن تَشَبُّثِهِمْ بِالمَعاصِي ما أوجَبَ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُوءَ بِجَهالَةٍ ﴾ الآيَةُ.

هَذِهِ آيَةُ تَأْنِيسٍ لِجَمِيعِ العالِمِ، أخْبَرَ اللهُ تَعالى فِيها أنَّهُ يَغْفِرُ لِلتّائِبِ، والآيَةُ إشارَةٌ إلى الكُفّارِ الَّذِينَ افْتَرَوْا عَلى اللهِ، وفَعَلُوا الأفاعِيلَ المَذْكُورَةَ، فَهم إذا تابُوا مَن كُفْرِهِمْ بِالإيمانِ، وأصْلَحُوا بِأعْمالِ الإسْلامِ، -غَفَرَ اللهُ لَهُمْ، وتَناوَلَتْ هَذِهِ -بَعْدَ ذَلِكَ- كُلَّ واقِعٍ تَحْتَ لَفْظِها مِن كافِرٍ وعاصٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الجَهالَةُ: العَمْدُ، والجَهالَةُ عِنْدِي في هَذا المَوْضِعِ لَيْسَتْ ضِدَّ العِلْمِ، بَلْ هي تَعَدِّي الطَوْرَ ورُكُوبُ الرَأْسِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "أو أجْهَلَ أو يُجْهَلَ عَلَيَّ"،» وهي الَّتِي في قَوْلِ الشاعِرِ: ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا ∗∗∗ ∗∗∗ فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا والجَهالَةُ الَّتِي هي ضِدُّ العِلْمِ تَصْحَبُ هَذِهِ الأُخْرى كَثِيرًا، ولَكِنْ يَخْرُجُ مِنها المُتَعَمَّدُ، وهو الأكْثَرُ، وقَلَّما يُوجَدُ في العُصاةِ مَن لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ عِلْمٌ بِحَظْرِ المَعْصِيَةِ الَّتِي تُواقَعُ.

والضَمِيرُ في "بَعْدِها" عائِدٌ عَلى التَوْبَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

موقع هذه الآية من اللواتي قبلها كموقع قوله السابق ﴿ ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ﴾ [سورة النحل: 110].

فلما ذكرت أحوال أهل الشرك وكان منها ما حرّموه على أنفسهم، وكان المسلمون قد شاركوهم أيام الجاهلية في ذلك، ووردت قوارع الذمّ لما صنعوا، كان مما يتوهم علوقه بأذهان المسلمين أن يحسبوا أنهم سينالهم شيء من غمص لما اقترفوه في الجاهلية، فطمأن الله نفوسهم بأنهم لما تابوا بالإقلاع عن ذلك بالإسلام وأصلحوا عملهم بعد أن أفسدوا فإن الله قد غفر لهم مغفرة عظيمة ورحمهم رحمة واسعة.

ووقع الإقبال بالخطاب على النبي إيماءً إلى أن تلك المغفرة من بركات الدين الذي أرسل به.

وذكر اسم الرب مضافاً إلى ضمير النبي للنكتة المتقدمة آنفاً في قوله: ثم إن ربك للذين هاجروا}.

والجهالة: انتفاء العلم بما يجب.

والمراد: جهالتهم بأدلّة الإسلام.

و ﴿ ثمّ ﴾ للترتيب الرتبي، لأن الجملة المعطوفة ب ﴿ ثمّ ﴾ تضمّنت حكم التوبة وأن المغفرة والرحمة من آثارها، وذلك أهم عند المخاطبين مما سبق من وعيد، أي الذين عملوا السوء جاهلين بما يدلّ على فساد ما علموه.

وذلك قبل أن يستجيبوا لدعوة الرسول فإنهم في مدّة تأخّرهم عن الدخول في الإسلام موصوفون بأنهم أهل جهالة وجاهلية، أو جاهلين بالعقاب المنتظر على معصية الرسول وعنادهم إياه.

ويدخل في هذا الحكم من عمل حَراماً من المسلمين جاهلاً بأنه حرام وكان غير مقصّر في جهله.

وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ﴾ في سورة النساء (17).

وقوله: ﴿ إن ربك من بعدها ﴾ تأكيد لفظي لقوله: ﴿ ثم إن ربك ﴾ لزيادة الاهتمام بالخبر على الاهتمام الحاصل بحرف التوكيد ولام الابتداء.

ويتصل خبر ﴿ إنّ ﴾ باسمها لبعد ما بينهما.

ووقع الخبر بوصف الله بصفة المبالغة في المغفرة والرحمة، وهو كناية عن غفرانه لهم ورحمته إيّاهم في ضمن وصف الله بهاتين الصفتين العظيمتين.

والباء في ﴿ بجهالة ﴾ للملابسة، وهي في موضع الحال من ضمير ﴿ عملوا ﴾ .

وضمير ﴿ من بعدها ﴾ عائد إلى الجهالة أو إلى التوبة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِجَهالَةِ أنَّها سُوءٌ.

الثّانِي: بِجَهالَةٍ لِغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ عَلَيْهِمْ مَعَ العِلْمِ بِأنَّها سُوءٌ.

وَيَحْتَمِلُ ثالثًا: أنَّهُ الَّذِي يُعَجِّلُ بِالإقْدامِ عَلَيْها ويَعِدُ نَفْسَهُ بِالتَّوْبَةِ.

﴿ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا ﴾ لِأنَّهُ مُجَرَّدُ التَّوْبَةِ مِنَ السّالِفِ إذا لَمْ يُصْلِحْ عَمَلَهُ في المُسْتَأْنَفِ لا يَسْتَحِقُّ ولا يَسْتَوْجِبُ الثَّوابَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل ﴾ قال: في سورة الأنعام.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل ﴾ قال: ما قص الله ذكره في سورة الأنعام، حيث يقول: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر...

﴾ [ الأنعام: 146] إلى قوله: ﴿ وإنا لصادقون ﴾ [ الأنعام: 146] .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وعلى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ﴾ يعني قوله في [الأنعام: 146] حرمنا كل ذي ظفر إلى آخر الآية، فذكر ما حرم على المسلمين وما حرم على اليهود، ليعلم أن تحريم ما عدا ذلك افتراء على الله كما فعلت العرب ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السواء بجهالة ﴾ هذه الآية تأنيس لجميع الناس وفتح باب التوبة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولنجزين ﴾ بالنون: ابن كثير وعاصم ويزيد وعباس والنقاش عن ابن ذكوان.

الآخرون بالياء.

﴿ قرأت القرآن ﴾ مثل ﴿ أنشأنا ﴾ .

الوقوف: ﴿ يستعتبون ﴾ ه ﴿ ولا هم ينظرون ﴾ ه ﴿ من دونك ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع الفاء ﴿ لكاذبون ﴾ ه ج للعطف مع أنه رأس آية ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ يفسدون ﴾ ه ﴿ على هؤلاء ﴾ ط لواو الاستئناف ﴿ للمسلمين ﴾ ه ﴿ والبغي ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ تذكرون ﴾ ه ط ﴿ كفيلاً ﴾ ه ط ﴿ تفعلون ﴾ ه ﴿ أنكاثاً ﴾ ط بناء على أن التقدير أتتخذون ﴿ من أمة ﴾ ط ﴿ به ﴾ ط ﴿ تختلفون ﴾ ه ﴿ ويهدي من يشاء ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ عن سبيل الله ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ باق ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ طيبة ﴾ ج للعدول عن الوحدان إلى الجمع مع أنهما ضميراً من ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ يتوكلون ﴾ ه ﴿ مشركون ﴾ ه.

التفسير: لما بين من حال القوم أنهم عرفوا نعمة الله ثم أنكروها وأن أكثرهم كافرون أتبعه أصناف وعيد يوم القيامة والتقدير ﴿ و ﴾ اذكر ﴿ يوم نبعث من كل أمة شهيداً ﴾ أو يوم وقعوا فيما وقعوا فيه.

وشهيد كل أمة نبيها يشهد لهم وعليهم بالإيمان والتصديق والكفر والتكذيب ﴿ ثم لا يؤذن للذين كفروا ﴾ أي في الاعتذار إذ لا حجة لهم ولا عذر، أو في كثرة الكلام، أو في الرجوع إلى دار الدنيا، أو إلى التكليف ليظهر لهم كونهم آيسين من رحمة الله  ، أو المراد أن يسكت أهل الجمع كلهم حتى يشهد الشهود.

﴿ ولا هم يستعتبون ﴾ لأن العتاب إنما بطلب لأجل العود إلى الرضا، فإذا كان على عزم السخط فلا فائدة في العتاب فلهذا قيل: إذا ذهب العتاب فليس ود *** ويبقى الود ما بقي العتاب وقال في الكشاف: أي لا يقال لهم أرضوا ربكم لأن الآخرة ليست بدار عمل.

ومعنى "ثم" أن المنع من الكلام أصعب من شهادة الأنبياء عليهم.

﴿ وإذا رأى الذين ظلموا ﴾ وهم المشركون ﴿ العذاب ﴾ بعينهم وثقل عليهم ﴿ فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون ﴾ ليتوبوا فإن التوبة هناك غير موجودة أو غير مقبولة وفيه أنت عذابهم خالص عن النفع دائم كما يقوله المتكلمون.

﴿ وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم ﴾ وهي الأصنام أو الشياطين الذين دعوا الكفار إلى الكفر وكانوا قرناءهم في الغي.

قاله الحسن.

﴿ قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا ﴾ أي نعبدهم من دونك.

قال أبو مسلم الأصبهاني: مقصود المشركين إحالة هذا الذنب على تلك الأصنام ظناً منهم أن ذلك ينجيهم من عذاب الله أو ينقص منه، وزيفه القاضي بأن الكفار يعلمون في الآخرة علماً ضرورياً أن العذاب ينزل بهم ولا نصرة ولا شفاعة فما الفائدة في هذا القول؟

والإنصاف أن الغريق يتعلق بكل شيء والمبهوت قد يقول ما لا فائدة فيه، على أن العلم الضروري الذي ادعاه القاضي ممنوع.

وقيل: إن المشركين يقولون هذا الكلام تعجباً من حضور تلك الأصنام مع أنه لا ذنب لها واعترافاً بأنهم كانوا خاطئين في عبادتها.

﴿ فألقوا إليهم القول ﴾ أي قال الأصنام أو الشياطين للكفار ﴿ إنكم لكاذبون ﴾ فإن قيل: إن المشركين أشاروا إلى الأصنام أن هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوهم من دونك وقد كانوا صادقين في ذلك فكيف كذبتهم الأصنام؟

فالجواب أن المراد من قولهم: ﴿ هؤلاء شركاؤنا ﴾ هؤلاء شركاء الله في المعبودية فكذبتهم الأصنام في إثبات هذه الشركة وفي قولهم إنها تستحق العبادة.

قال جار الله: إن أراد بالشركاء الشياطين جاز أن يكونوا كاذبين في قوله: ﴿ إنكم لكاذبون ﴾ كما يقول الشيطان { ﴿ إني كفرت بما أشركتموني من قبل  ﴾ .

﴿ وألقوا إلى الله يومئذ السلم ﴾ عن الكلبي: استسلم العابد والمعبود وأقروا لله الربوبية والبراءة من الشركاء والأنداد.

وقال آخرون: الضمير اللذين ظلموا.

وإلقاء السلم والاستسلام لأمر الله بعد الإباء في الدنيا ﴿ وضل ﴾ أي غاب ﴿ عنهم ما كانوا يفترون ﴾ من أن لله شريكاً أو أن آلهتهم تشفع لهم حين كذبوهم وتبرأوا منهم.

﴿ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ﴾ قيل: معناه الصد عن المسجد الحرام والأصح العموم ﴿ زدناهم عذاباً ﴾ لأجل الإضلال.

﴿ فوق العذاب ﴾ الذي استحقوه للضلال.

وأيضاً عذاب الاستنان "من سن سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها".

ومن المفسرين من فصل تلك الزيادة؛ فعن ابن عباس: هي خمسة أنهار من نار تسيل من تحت العرش يعذبون بها، ثلاثة على مقدار الليل واثنان على مقدار النهار.

وقيل: حيات أمثال البخت وعقارب أشباه البغال أنيابها كالنخل الطوال تلسع إحداهن اللسعة فيجد صاحبها حمتها أربعين خريفاً.

وقيل: يخرجون من النار إلى الزمهرير فيبادرون من شدة برده إلى النار.

ثم علل زيادة عذابهم بكونهم مفسدين أمور الناس بالصد والإضلال فيعلم منه أن من دعا إلى الدين القويم باليد واللسان فإنه يزيده الله  أجراً على أجر.

ثم أعاد حكاية بعث الشهداء لما نيط بها من زيادة فائدتين: إحداهما كون الشهداء من أنفسهم لأن كل نبي فهو من جنس أمته، والأخرى أن الشيهد يكون وقتئذ في الأمة لا مفارقاً إياهم.

وفسر الأصم الشهيد في هذه الآية بأنه  ينطق عشرة من أعضاء الإنسان حتى تشهد عليه وهن: الأذنان والعينان والرجلان واليدان والجلد واللسان.

ولهذا ذكر لفظة "في" ووصف الشيهد بكونه من أنفسهم.

ثم شرف نبينا  بقوله: ﴿ وجئنا بك شهيداً على هؤلاء ﴾ أي على أمتك..

ولا ريب أن في تخصيصه بعد التعميم دلالة على فضله نظيره قوله في سورة النساء: ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً  ﴾ قال الإمام فخر الدين الرازي.

الأمة عبارة عن القرن والجماعة فيعلم من الآية أنه لا بد في كل عصر من أقوام تقوم الحجة بقولهم ويكونون شهداء على غيرهم وهم أهل الحل والعقد فيكون إجماعهم حجة.

ولقائل أن يقول: الأمة في الآية هي الجماعة الذين بعث النبي إليهم وإلى من سيوجد منهم إلى آخر زمان دينه، فيكون نبي تلك الأمة وحده شهيداً عليهم.

ولا دلالة للآية إلا على هذا القدر فمن أين حل لك أن إجماع أهل الحل والعقد في كل عصر حجة؟

ثم بين أنه أزاح علتهم فيما كلفوا فيه فلا حجة لهم ولا معذرة فقال: ﴿ ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء ﴾ أي بياناً له والتاء للمبالغة ونظيره من المصادر "التلقاء" ولم يأت غيرهما وقد مر في "الأعراف".

قال الفقهاء.

إنما كان القرآن بيان جميع الأحكام لأن الأحكام المستنبطة من السنة والإجماع والقياس والاجتهاد كلها تستند إلى الكتاب حيث أمر فيه باتباع رسول الله  وطاعته، وورد فيه: ﴿ ويتبع غير سبيل المؤمنين  ﴾ وجاء ﴿ فاعتبروا  ﴾ .

وقال آخرون: إن علم أصول الدين كلها في القرآن.

وأما علم الفروع فالأصل براءة الذمة إلا ما ورد به نص القرآن فإذن القرآن وافٍ ببيان جميع الأحكام، والقياس ضائع ولعل التبيان إنما هو للعلماء خاصة، والهدى لجميع الخلق في أوّل أحوالهم، والرحمة في وسطها وهو مدة العمر بعد الإسلام، والبشرى في أوان الأجل كما قال  : ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله  ﴾ إلى قوله: ﴿ وأبشروا  ﴾ والله أعلم بمراده.

وِلما ذكر أن في القرآن تبيان كل شيء ذكر عقيبه آية جامعة لأصول التكاليف كلها تصديقاً لذلك فقال: ﴿ أن الله يأمر ﴾ الآية، عن ابن عباس أن عثمان بن مظعون الجمحي قال: ما أسلمت أوّلاً إلا حياء من رسول الله  ولم يتقرر الإسلام في قلبي.

فحضرته ذات يوم فبينا هو يحدثني إذ رأيت بصره شخص إلى السماء ثم خفضه عن يمينه ثم عاد لمثل ذلك فسألته فقال: بينا أنا أحدثك إذا جبرائيل  نزل عن يميني فقال: يا محمد ﴿ إن الله يأمر بالعدل ﴾ الآية.

قال عثمان: فمن وقته استقر الإيمان في قلبي وأحببت محمداً  .

وعن ابن مسعود: هي أجمع آية في القرآن.

وعن قتادة: ليس من خلق حسن كان في الجاهلية يعمل ويستحسن إلا أمر الله  به في هذه الآية، وليس من خلق سيء إلا وقد نهى الله  عنه فيها.

قال المفسرون: العدل هو أداء الفرائض.

وعن ابن عباس: هو قول لا إله إلا الله ﴿ والإحسان ﴾ هو الإتيان بالمندوبات والمستحسنات شرعاً وعرفاً وأقربها صلة الرحم بالمال فلذلك أفردها بالذكر بقوله: ﴿ وإيتاء ذي القربى ﴾ والفحشاء هي الأمور المتزايدة في القبح فلذلك أفردها بالذكر وهي الكبائر.

وقد يخص بالزنا أو بالبخل والمنكر ما تنكره العقول ولا يعرف في شريعة ولا سنة والبغي هو الاستطالة.

قال جار الله: حين أسقطت من الخطب لعنة الملاعين على أمير المؤمنين علي  وعلى نبينا الصلاة والسلام أقيمت هذه الآية مقامها.

واعلم أن العدل عبارة عن الأمر المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط وأنه واجب الرعاية في جميع الأشياء ولنذكر له أمثلة: أما في الاعتقادات فالقول بنفي الإله تعطيل محض، وإثبات أكثر من إله واحد تشريك وتعجيز، والعدل هو قول: "لا إله إلا الله".

كما نقل عن ابن عباس، هذا ما اتفق عليه أرباب المذاهب.

ثم إن الأشعري يقول: القول بنفي الصفات عنه  تعطيل، والقول بإثبات المكان والأعضاء تشبيه، والعدل إثبات صفات الكمال من الحياة والعلم والقدرة والارادة والسمع والبصر والكلام ونفي غيرها.

وبوجه آخر.

نفي الصفات تعطيل، وإثبات الصفات الحادثة تشبيه، العدل إثبات صفات أزلية قديمة غير متغيرة.

وأيضاً القول بأن العبد لا قدرة له أصلاً جبر محض، والقول بأنه مستقل في التصرف قدر محض وتفويض، والعدل أمر بين الأمرين وهو أن العبد يفعل الأفعال ولكن بواسطة قدرة وداعية يخلقها الله  فيه.

وأيضاً القول بأن الله لا يؤاخذ عبده بشيء من الذنوب مساهلة عظيمة، والقول بأنه يخلد في النار عبده العارف به بالمعصية الواحدة تشديد عظيم، والعدل أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من الإيمان.

والمعتزلي يقول: العدل في هذه الأصول بنوع آخر وقد مر مراراً.

وأما رعاية العدل فيما يتعلق بأفعال الجوارح فإن قوماً من نفاة التكليف يقولون: لا يجب على العبد الاشتغال بشيء من الطاعات ولا الاحتراز عن شيء من المعاصي.

وقال: قوم من الهند وطائفة من المانوية: يجب على الإنسان أن يجتنب عن أكل الطيبات ويبالغ في تعذيب نفسه، وأن يحترز عن كل ما يميل الطبع إليه حتى التزوّج، والأولى بالمرء أن يختصي فهذان الطريقان مذمومان والوسط هو ما جاء به محمد  لأن التشديد غالب في دين موسى فليس في شرعه على القاتل إلا القصاص ويحرم مخالطة الحائض، والتساهل في دين عيسى غالب فلا قصاص على القاتل ولا يحرم وطء الحائض، والعدل ما حكم به شرعنا من جواز العفو وأخذ الدية وحرمة وطاء الحائض دون مخالطتها، ولذلك قال: ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً  ﴾ ، وقال: ﴿ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً  ﴾ ولما بالغ رسول الله  في العبادات قيل له: ﴿ طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى  ﴾ ولما أخذ قوم في المساهلة نزل: ﴿ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً ﴾ \[المؤمنون: 115\] والمراد رعاية الوسط في كل الأمور وقد ورد في شرعنا الختان فقال بعض العقلاء: الحكمة فيه أن رأس ذلك العضو جسم شديد الحس فإذا قطعت تلك الجلدة بقي رأسه عارياً فيصلب بكثرة ملاقاة الثياب وغيرها فيضعف حسه ويقل شعوره فتقل لذة الوقاع فتقل الرغبة فيه.

فالاختصاء وقطع الآلات كما ذهب إليه المانوية مذموم، وإبقاء تلك الجلدة مبالغة في تقوية تلك اللذة مذموم، والوسط العدل هو الختان.

هذا ما قيل.

وعندي أن الحكمة في الختان بعد التعبد هو التنظيف وسهولة غسل الحشفة وإلا فلعل اللذة بعد الختان أكثر لملاقاة الحاس والمحسوس بلا حائل.

ومن الكلمات المشهورة قولهم: "بالعدل قامت السموات والأرضون".

ومعناه أن مقادير العناصر لو لم تكن معادلة مكافية بحسب الكمية والكيفية لا ستولى الغالب على المغلوب وتنقلب الطبائع كلها إلى طبيعة الجرم الغالب، ولو كان بعد الشمس من الأرض أقل مما هو الآن لاحتراق كل ما في هذا العالم، وإن كان أكثر استولى البرد والجمود، وكذا القول في مقادير حركات الكواكب ومراتب سرعتها وإبطائها فإن كلاً منها مقدر على ما يليق بنظام العالم وقوامه وقيامه.

فهذه إشارة مختصرة إلى تحقيق العدل.

وأما الإحسان فهو المبالغة في أداء الطاعات بحسب الكمية وبحسب الكيفية ومن هنا قال: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه" فكأن المبالغ المخلص في أداء الطاعات يوصل الفعل الحسن إلى نفسه وبالحقيقة يدخل في الإحسان أنواع التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله، وأشرف أنواع الإشفاق صلة الرحم بالمال فلا جرم أفرد بالذكر كما مر.

ثم إنه تعالى أودع في النفس البشرية قوى أربعاً: الشهوية البهيمية والغضبية السبعية والوهمية الشيطانية والعقلية الملكية.

وهذه الأخيرة لا تحتاج إلى التهذيب لأنها من نتائج الأرواح القدسية، وأما الثلاث الأول فتحتاج إلى التأديب والتهذيب بمقتضى الشريعة وقانون العقل والطريقة.

والنهي عن الفحشاء عبارة عن المنع من تحصيل اللذات الشهوية الخارجة عن إذن الشريعة، والنهي عن المنكر عبارة عن الإفراط الحاصل في آثار القوة الغضبية من إيذاء الناس وإيصال الشر إليهم من غير ما استحقاق، والنهي عن البغي إشارة إلى المنع من إفراط القوة الوهمية كالاستعلاء على الناس والترفع وحب الرياسة والتقدم ممن ليس أهلاً لذلك، واخس هذه المراتب عند العقلاء القوة الشهوانية، وأوسطها الغضبية، وأعلاها الوهمية فلهذا بدأ  بالفحشاء ثم بالمنكر ثم بالبغي، ولأن أصول الأخلاق والتكاليف كلها مذكورة في الآية لا جرم ختمها بقوله: ﴿ يعظكم لعلكم تذكرون ﴾ لأنها كافية في باب العظة والتذكر والارتقاء من حضيض عالم البشرية إلى ذروة عالم الأرواح المقدسة.

قال الكعبي: في الآية دلالة على أنه  لا يخلق الجور والفحشاء وإلا فكيف ينهاهم عما يخلقها فيهم؟

وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً.

واعلم أنه لا يلزم من إرادة الله تذكر العبد - والتذكر من فعل الله بالاتفاق لا من فعل العبد - أن يطلب الله منه التذكر فإن طلب ما ليس في وسعه محال.

فمعنى ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ إرادة أن تكونوا على حالة التذكر لا إرادة أن تحصلوا التذكر.

ثم خص من جملة المأمورات الوفاء بالعهد فقال: ﴿ وأوفوا بعهد الله ﴾ خصصه جار الله بالبيعة لرسول الله  لقوله: ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله  ﴾ .

وقال الأصم: المراد منه الجهاد وما فرض الله في الأموال من حق الشرائع.

وقيل: هو اليمين والأصح العموم وهو كل عهد يلتزمه الإنسان باختياره بدليل قوله: ﴿ إذا عاهدتم ﴾ وقوله من قال: العهد هو اليمين يلزم منه أن يكون قوله  : ﴿ ولا تنقضوا الأَيمان بعد توكيدها ﴾ أي بعد توثيقها باسم الله تكراراً.

وأكد ووكد لغتان فصيحتان.

قال الزجاج: الأصل الواو والهمزة بدل.

وفي الآية دلالة على الفرق بين الأيمان المؤكدة وبين لغو اليمين كقولهم "لا والله" و "بلى والله".

وأيضاً الآية من العمومات التي دخلها التخصيص لما روي أنه  قال: "من حلف على يمين ورأى غيرها خيراً منها فليأت بالذي هو خير ثم ليكفر" .

وقد مر بحث الأيمان في "البقرة" وفي "المائدة" في قوله: ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم  ﴾ الآية.

﴿ وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً ﴾ أي شاهداً ورقيباً لأن الكفيل مراع لحال المكفول به.

﴿ إن الله يعلم ما تفعلون ﴾ فيجازيكم بحسب ذلك خيراً وشراً.

وفيه ترغيب وترهيب.

ثم أكد وجوب الوفاء وتحريم النقض بقوله: ﴿ ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوّة ﴾ أي من بعد قوّة الغزل بإمرارها وفتلها.

قال الزجاج: انتصب ﴿ أنكاثاً ﴾ على المصدر لأن معنى نقضت نكثت.

وزيف بأن ﴿ أنكاثاً ﴾ ليس مصدراً وإنما هو جمع نكث بكسر النون وهو ما ينكث فتله.

وقال الواحدي: هو مفعول ثان كما تقول كسره أقطاعاً وفرقه أجزاء أي جعله أقطاعاً وأجزاء فكذا ههنا أي جعلت غزلها أنكاثاً.

قلت: ويحتمل أن يكون حالاً مؤكدة.

قال ابن قتيبة: هذه الآية متصلة بما قبلها والتقدير: وأوفوا بعهد الله ولا تنقضوا الأيمان فإنكم إن فعلتم ذلك كنتم مثل امرأة غزلت غزلاً وأحكمته ثم جعلته أنكاثاً.

فعلى هذا المشبه به امرأة غير معينة، ولا حاجة في التشبيه إلى أن يكون للمشبه به وجود في الخارج.

وقيل: المراد امرأة معينة من قريش ريطة بنت سعد بن تيم وكانت خرقاء، اتخذت مغزلاً قدر ذراع وصنارة مثل أصبع وهي الحديدة في رأس المغزل وفلكة عظيمة على قدرها، وكانت تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر ثم تأمرهن فينقضن ما غزلن.

قال جار الله: ﴿ تتخذون ﴾ حال و ﴿ دخلاً ﴾ مفعول ثان لتتخذ أي لا تنقضوا أيمانكم متخذيها دخلاً بينكم أي مفسدة ودغلاً.

وقال الواحدي: أي غشاً وخيانة.

وقال الجوهري: أي مكراً وخديعة.

وقال غيره: الدخل ما أدخل في الشيء على فساد.

وقوله: ﴿ أن تكون ﴾ أي لأن تكون ﴿ أمة ﴾ يعني جماعة قريش هي أربى أزيد وأوفر عدداً ومالاً ﴿ من أمة ﴾ هي جماعة المؤمنين.

قال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء ثم يجدون من كان أعز منهم وأشرف فينقضون حلف الأولين ويحالفون الذين هم أعز وأمنع.

﴿ إنما يبلوكم الله به ﴾ أي بما يأمركم وينهاكم.

وقد تقدم ذكر الأمر والنهي.

وقال جار الله: الضمير لقوله: ﴿ أن تكون ﴾ لأنه في معنى المصدر أي يختبركم بكونهم أربى لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء مع قلة المؤمنين وفقرهم أم تغترون بكثرة قريش وثروتهم.

ثم حذرهم من مخالفة ملة الإسلام وأنذرهم بقوله: ﴿ وليبينن لكم يوم القيامة ﴾ بإظهار الدرجات والكرامات للأولياء وتعيين الدركات والبليات للأشقياء.

﴿ ما كنتم فيه تختلفون ﴾ حيث تدعون أنكم على الحق والمؤمنون على الباطل فتنقضون عهودهم.

ثم بين أنه  قادر على أن يجمع المؤمنين والكافرين على الوفاء وسائر أبواب الإيمان ولكنه بحكم الإلهية ﴿ يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﴾ والمعتزلة حملوا المشيئة على مشيئة الإلجاء بدليل قوله: ﴿ ولتسئلن عما كنتم تعملون ﴾ ولو كانت أعمال العباد بخلق الله تعالى لكان سؤالهم عبثاً.

أجابت الأشاعرة بأنه لا يسأل عما يفعل.

روى الواحدي أن عزيراً قال: يا رب خلقت الخلق فتضل من تشاء وتهدي من تشاء.

فقال: يا عزير أعرض عن هذا فأعاده ثانياً فقال: أعرض عن هذا وإلا محوت اسمك من النبوّة.

قال المفسرون: لما نهاهم عن نقض مطلق الأيمان أراد أن ينهاهم عن نقض أيمان مخصوصة أقدموا عليهاوهو نقض بيعة رسول الله  ، والدليل على هذا التخصيص قوله: ﴿ فتزلَّ قدم بعد ثبوتها ﴾ لأن هذا الوعيد لا يليق بنقض عهد قبيله وإنما يليق بنقض عهد النبي  .

قال جار الله: وحدت القدم ونكرت لاستعظام أن تزل قدم واحدة عن طريق الحق بعد أن ثبتت عليه فكيف بأقدام كثيرة.

وهذا مثل يضرب لمن وقع في بلاء بعد عافية، ولا ريب أن من نقض عهد الإسلام وزلت قدمه عن محجة الدين القويم فقد سقط من الدرجات العالية إلى الدركات الهاوية بيانه قوله: ﴿ وتذوقوا السوء ﴾ في الدنيا ﴿ بما صددتم ﴾ بصدودكم أو بصدكم غيركم ﴿ عن سبيل الله ﴾ لأن المرتد قد يقتدي به غيره.

﴿ ولكم عذاب عظيم ﴾ في الآخرة.

ويحتمل أن يراد أن ذلك السوء الذي تذوقونه هو عذاب عظيم.

قال جار الله: كان قوم أسلموا بمكة ثم زين لهم الشيطان نقض البيعة لكونهم مستضعفين هناك فأوعدهم الله على ذلك، ثم نهاهم عن الميل إلى ما كان يعدهم قريش من عرض الدنيا إن رجعوا عن الإسلام فقال: ﴿ ولا تشتروا ﴾ الآية.

ثم ذكر دليلاً قاطعاً على أن ما عند الله خير فقال: ﴿ ما عندكم ينفد وما عند الله ﴾ من خزائن رحمته ﴿ باق ﴾ وفيه دليل على أن نعيم الجنة باقٍ لأهلها لا ينقطع.

وقال جهم بن صفوان: إنه منقطع والآية حجة عليه ﴿ ولنجزين الذين صبروا ﴾ على ما التزموه من شرائع الإسلام ﴿ أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ﴾ أي بالواجبات والمندوبات لا بالمباحات فإنه لا ثواب على فعلها ولا عقاب، أو نجزيهم بجزاء أشرف وأوفر من عملهم كقوله: ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها  ﴾ .

ثم عمم الوعد على أي عمل صالح كان فقال: ﴿ من عمل صالحاً ﴾ ولا كلام في عمومه إلا أنه زاد قوله: ﴿ من ذكر أو أنثى ﴾ تأكيداً وإزالة لوهم التخصيص، والمبالغة في تقرير الوعد من أعظم دلائل الكرم.

ثم جعل الإيمان شرطاً في كون العمل الصالح منتجاً للثواب حيث قال: ﴿ وهو مؤمن ﴾ فاستدل به على أن الإيمان مغاير للعمل الصالح فإن شرط الشيء مغاير لذلك الشيء.

واختلف في الحياة الطيبة فقيل: هي في الجنة.

عن الحسن وسعيد بن جبير وقتادة، لأن الإنسان في الدنيا لا يخلو من مشقة وأذية ومكروه لقوله  : ﴿ يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه  ﴾ بيّن أن هذا الكدح - وهو التعب في العمل - باقٍ إلى أن يصل إلى ربه، وأما بعد ذلك فحياة بلا موت وغنى بلا فقر وصحة بلا مرض وملك بلا زوال وسعادة بلا انتقال.

وقال السدي: إن هذه الحياة في القبر.

والأكثرون على أنها في الدنيا لقوله بعد ذلك ﴿ ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كان يعملون ﴾ وعلى هذا فما سبب طيب الحياة قيل: هو الرزق الحلال.

وقيل: عبادة الله مع أكل الحلال.

وقيل: القناعة أو رزق يوم كان النبي  يدعو: "اللَّهم اجعل رزق آل محمد كفافاً" .

قال المحققون: وهذا هو المختار لأن المؤمن الذي صلح عمله إن كان موسراً فذاك، وإن كان معسراً فمعه من القنوع والعفة والرضا بالقضاء ما يطيب عيشه.

لأنه الكافر والفاجر فإن الحرص لا يدعه أن يتهنأ بعيشه أبداً ويعظم أسفه على ما يفوته لأنه عانق الدنيا معانقة العاشق لمعشوقه، بخلاف المؤمن المنشرح قلبه بنور المعرفة والجمال فإنه قلما ينزع لحب الدنيا مالها وجاهها ويستوي عنده وجودها وفقدها وخيرها وشرها ونفعها وضرها.

وبركة الصلاح والقنوع مما لا ينكرها عاقل اللَّهم اجعلنا من أهلها.

ثم إن ظاهر الآية يقتضي أن العلم الصالح إنما يفيد الأثر المخصوص بشرط الإيمان وظاهر قوله: ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره  ﴾ يدل على أن العمل الخير مطلقاً يفيد أثراً مطلقاً فلا منافاة بينهما.

ثم ذكر الاستعاذة التي هي من جملة الأعمال الصالحة وبها تخلص الأعمال عن الوساوس فقال: ﴿ وإذا قرأت القرآن ﴾ أي أردت قراءته إطلاقاً لاسم المسبب على السبب.

وقد مر بحث الاستعاذة مستوفى في أول هذا الكتاب.

﴿ إنه ليس له سلطان ﴾ تسلط وولاية ﴿ على الذين آمنوا على ربهم يتوكلون ﴾ وهذا معنى الاستعاذة.

فإن معناها بالحقيقة راجع إلى التبري عما سوى الله والتوجه بالكلية إليه والاعتماد في جميع الأمور عليه.

﴿ إنما سلطانه على الذين يتولونه ﴾ عن ابن عباس: أي يطيعونه.

يقال: توليته أي أطعته.

وتوليت عنه أي أعرضت عنه.

أما الضمير الواحد في قوله: ﴿ والذين هم به مشركون ﴾ فقيل: راجع إلى الرب.

وقيل: إلى الشيطان أي بسببه.

التأويل: ﴿ ويوم نبعث ﴾ فيه إشارة إلى أن لأرواح الأنبياء إشرافاً على أممهم في حال حياتهم وبعد وفاتهم، وفيه أن الدينا مزرعة الآخرة فلا يقبل في القيامة اعتذار ﴿ وإذا رأى الذين ظلموا ﴾ أي وضعوا الكفر وأعمال الطبيعة موضع الإيمان وأعمال الشريعة ﴿ فلا يخفف ﴾ عن أرواحهم أثقال الأخلاق المذمية ﴿ ولا هم ينظرون ﴾ لتبديل مذمومها بمحمودها ﴿ وإذا رأى الذين أشركوا ﴾ وهم عبدة الدنيا والهوى ﴿ إنكم لكاذبون ﴾ في أنا دعوناكم إلى عبادتنا فإنا كنا مشغولين بتسبيح الله  وطاعته ﴿ وصدوا عن سبيل الله ﴾ منعوا الأرواح والقلوب عن طلب الله ﴿ زدناهم ﴾ عذاب الحرمان عن الكمال فوق خسران النسيان بإفساد الاستعداد الفطري.

﴿ وجئنا بك شهيداً ﴾ لأن روحه شاهد على جميع الأرواح والقلوب والنفوس لقوله: "أول ما خلق الله روحي" ﴿ تبياناً لكل شيء ﴾ يحتاج إليه السالك في أثناء سلوكه ﴿ إن الله يأمر بالعدل ﴾ وهو وضع الآلات وأسباب تحصيل الكمال في مواضعها بحيث يؤدي إلى مقام الوصال والكمال ﴿ والإحسان ﴾ وهو أن تحسن إلى الخلق بما أعطاك الله كقوله: ﴿ وأحسن كما أحسن الله إليك  ﴾ .

وفي قوله: ﴿ وإيتاء ذي القربى ﴾ إشارة إلى أن من جملة العدالة رعاية حال الأقرب فالأقرب.

فيبدأ بتكميل نفسه ثم بما هو أقرب إليه قرباً معنوياً لا صورياً ﴿ وينهى عن الفحشاء ﴾ وهو صرف ما آتاه الله في غير مصرفها ﴿ والمنكر ﴾ وهو ضد المعروف وهو أن لا يحسن إلى غيره ﴿ والبغي ﴾ وهو أن لا يراعي الترتيب المذكور في باب الإرشاد والتكميل.

﴿ وأوفوا بعهد الله ﴾ يوم الميثاق.

﴿ وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً ﴾ بجزاء وفائكم ﴿ ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها ﴾ فيه إشارة إلى حال المريد المرتد ﴿ أن تكون أمة ﴾ هي أهل الدنيا في الدنيا أعلى حالاً من أمتهم أهل الآخرة.

﴿ ولا تتخذا أيمانكم ﴾ عهودكم مع المشايخ شبكة تصطادون بها الدنيا.

وقبول الخلق فتزل أقدامكم عن صراط الطلب ﴿ من ذكر أو أنثى ﴾ هما القلب والنفس.

والعمل الصالح من النفس استعمال الشريعة والطريقة، ومن القلب التوجه إلى الله بالكلية، والحياة الطيبة للنفس أن تصير مطمئنة مستعدة لقبول فيض ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ وللقلب أن يصير فانياً عن أنانيته باقياً بشهود الحق وجماله، وحينئذ يطيب عن دنس الاثنينية ولوث الحدوث.

﴿ فاستعذ بالله ﴾ الخطاب للنبي  وآله ظاهراً وبالحقيقة هو لأمته، لأن شيطانه أسلم على يده فلم يحتج إلا الاستعاذة من شياطنه بل هو وخواص أمته كقوله: ﴿ إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا  ﴾ وفيه أن الشيطان ليس له تسلط على أولياء الله إلا بالوسوسة، وفيها صلاح المؤمن فإن إبريز إخلاص قلبه لا يتخلص عن غش صفات نفسه إلا بنار الوسوسة، لأن المؤمن يطلع على بقايا صفات نفسه.

بما تكون الوسوسة من جنسه فيزيد في الرياضة وملازمة الذكر حتى تنمحي تلك البقايا والله  أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً ﴾ .

اختلف في ضرب المثل بهذه الآية، وفي نزولها: قال بعضهم: ضرب المثل لأهل مكة، وفيها نزلت - بقريات نزل بهم العذاب؛ بتكذيبهم رسلهم في بني إسرائيل، يحذر أهل مكة بتكذيبهم رسول الله نزول العذاب بهم كما نزل بأوائلهم.

وقال بعضهم: ضرب المثل لأهل المدينة، وفيهم نزل بأهل مكة؛ يحذر أهل المدينة؛ لئلا يكذبوا محمداً كما كذب أهل مكة؛ فيحل بهم كما حل بأهل مكة من الناس الجوع والخوف؛ بالتكذيب.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ ﴾ .

قيل: هي مكة؛ أهلها كانوا آمنين فيها من خير أو شر، مطمئنين يأتيهم رزقهم من كل مكان.

ويحتمل قرية أخرى غيرها؛ كانوا على ما ذكر.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ ﴾ .

أي: كفرت بالشكر لأنعم الله، أي: لم يشكروها، ليس أنهم لم يروها من الله -  - وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ ﴾ .

اللّباس: هو ما يستر وجوه الجواهر، ألا ترى أنه سمى الليل لباساً؛ لما ستر وجوه الأشياء؛ فعلى ذلك الجوع يرفع الستر واللباس الّذي كان قبل الجوع؛ لأن الجوع إذا اشتد غيّر وجه صاحبه، ورفع ستره، والجوع: ما ذكر أنه أصابهم جوع حتى أكلوا الكلاب والجيف والعظام المحرقة.

والخوف [ما] ذكر أنه بعث رسول الله  إليهم؛ ألا ترى أنه قال: "نُصِرْتُ بالرُّعْبِ مَسِيرةَ شَهْرَينِ" ، وقيل: الخوف: القتل.

وقوله: ﴿ رَغَداً ﴾ .

قال الكسائي: رغد الرجل إذا أصاب مالاً أو عيشاً من غير عناء وكدّ.

وقال القتبي: رغداً، أي كثيراً واسعاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ .

قوله: ﴿ رَسُولٌ مِّنْهُمْ ﴾ ، أي: من أنفسهم، من نسبهم وحسبهم، يعرفونه، كقوله: ﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ  ﴾ .

﴿ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ .

بالتكذيب؛ حيث وضعوا الشيء في غير موضعه، أو ظالمون على أنفسهم.

أخبر أنه بعث الرسول من جنسهم ومن حسبهم؛ لأنه إذا كان من غير جوهرهم لم يظهر لهم الآية من غير الآية، ولا الحجة من الشبهة؛ لأنه إذا خرج على غير المعتاد والطوق عرفوا أنه آية، وأنه حجة؛ إذ لا يعرفون من غير جوهرهم الخارج عن المعتاد والطوق، ويعرف ذلك من جوهرهم، وكذلك يعرف صدق من نشأ بين أظهرهم من كذبه، ولا يعرف إذا كان من غيرهم.

وقوْله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلاً طَيِّباً ﴾ .

قال بعضهم: الحلال والطيب: واحد، وهو الحلال، كأنه قال: كلوا ما أحل لكم؛ كقوله: ﴿ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ  ﴾ ، أي: ما حل لكم.

وقال بعضهم: ﴿ حَلَـٰلاً طَيِّباً ﴾ ، أي: حلالاً يطيب لكم ما تلذّذون به؛ لأن من الحلال ما لا تتلذذ به النفس ولا تستطيب؛ بل تكره، وقوله: تستطيب له أنفسكم وتتلذذ به، لا ما تستخبث [به]؛ لأنّ الله جعل غذاء البشر ما هو أطيب وألذ، وجعل للبهائم والأنعام ما هو أخبث وأخشن؛ لأن ما هو أطيب أدعى للشكر له.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلاً طَيِّباً ﴾ : لا تبعةَ عليكم.

وفي الآية دلالة أنه قد يرزق ما يخبث ولا يحل على ما يختارُهُ؛ حيث شرط فيه الحلال.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَٱشْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ .

الشكر له عليهم لازم، وإن لم تعبدوا؛ وهو كقوله: ﴿ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ  ﴾ : طاعته وطاعة رسوله واجبة، وإن لم يكونوا مؤمنين، أو يقول: وجّهوا شكر نعمه إليه إن كنتم عابدين له بجهة، أي: افعلوا العبادة له والشكر في الأحوال كلها.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ  ﴾ .

أي: حرم أكل الميتة وما ذكر؛ كأنه قال هذا، وذكر على أثر تحريمهم أشياء أحل لهم - لحوماً حرموا على أنفسهم - أشياء أحل لهم: من الزرع والأنعام، والبحيرة والسّائبة، وما ذكر؛ فقال: لم يحرم ذاك؛ ولكن إنما حرّم ما ذكر من الميتة والدم ولحم الخنزير ونحوه، على هذا يجوز أن يخرج تأويله، وأمّا على الابتداء فإنه يبعد، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ: ﴿ فَمَنِ ٱضْطُرَّ ﴾ .

إلى ما ذكر من المحرمات.

﴿ غَيْرَ بَاغٍ ﴾ .

على ما نهى عنه، وهو الشبع؛ كقوله: ﴿ فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ  ﴾ .

﴿ وَلاَ عَادٍ ﴾ .

إليه.

وقال بعضهم: ﴿ غَيْرَ بَاغٍ ﴾ : يستحله في دينه؛ فلا عاد ولا متعدٍّ في أكله.

وقال بعضهم: غير باغ: على المسلمين مفارق بجماعتهم مُشَاقٍّ لهم، ولا عاد: عليهم؛ يستفهم، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم وأقاويلهم.

وأمّا تأويله عندنا: ﴿ غَيْرَ بَاغٍ ﴾ : على المسلمين سوى دفع الإهلاك عن نفسه، ﴿ وَلاَ عَادٍ ﴾ : متعد ومتجاوز اضطراره، ولا يحتمل ما قاله بعض الناس: غير باغ على الناس ولا متعد عليهم؛ لوجهين: أحدهما: أنه لا يحتمل البغي على الناس في حال الاضطرار؛ لأنه لا يقدر عليه والحال ما ذكر.

والثاني: أنه - وإن كان باغياً على ما ذكروا - لم يبح له التناول من الميتة؛ يكون باغياً على نفسه؛ لأنه إن لم يتناول هلكت نفسه؛ فيصير باغياً على نفسه فدلّ أنّه على ما ذكرنا.

وقوْله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلاَلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ ﴾ يحتمل: أي: لا تعودوا إلى ما وصفت ألسنتكم من الكذب هذا حلال وهذا حرام، وألا تقولوا الكذب الذي تصفه ألسنتكم: هذا حلال وهذا حرام.

وعن ابن عباس -  - قال: لا تقولوا لما أحللتموه: هذا حلال، ولما حرمتموه: هذا حرام، وهو كقوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ...

﴾ الآية [يونس: 59].

وفي هذه الآية دلالة ألا يسع لأحد أن يقول: هذا مما أحله الله وهذا مما حرمه الله؛ إلا بإذن من الله، ومن يقول بأن الأشياء في الأصل على الإباحة أو على الحظر؛ فهو مفتر بذلك على الله الكذب؛ لأن الله لم يأذن له أن يقول ذلك؛ بل نهاه عن ذلك مما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ لِّتَفْتَرُواْ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ﴾ .

أي: تكونوا مفترين على الله الكذب إذا قلتم ذا.

فإن قيل: كيف سماهم مفترين على الله بتسميتهم الحرام حلالاً، والحلال - حراماً؟

قيل: لأن التحليل والتحريم؛ والأمر والنهي - ربوبية، فإذا حرموا شيئاً أحله الله، أو أحلوا شيئاً حرّمه الله - فكأنهم على الله افتروا أنه حرم أو أحل، أو حرموا هم وأحلوا فأضافوا ذلك إلى الله -  - أنه هو الذي حرم أو أحل فقد افتروا على الله؛ لأن من أحلّ شيئاً حرمه الله، أو حرم شيئاً أحلّه الله - فقد كفر وليس من انتفع بالمحرم، أو ترك الانتفاع بالمحلل - كفر؛ إنما يصير آثماً مجرماً، وكذلك تارك الأمر ومرتكب النهي.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ﴾ .

في تحليل ما حرم عليهم، وفي تحريم ما أحله، وقوْلهم: ﴿ وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا  ﴾ .

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ لاَ يُفْلِحُونَ ﴾ .

أي: لا يفلحون وهم مفترون على الله، وأمّا إذا انتزعوا من الافتراء وتابوا أفلحوا، ولا يفلحون في الآخرة؛ إذا كانوا مفترين على الله في الدنيا.

ثم قوله: ﴿ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ﴾ .

على الابتداء؛ وإنما سمّى قليلاً - والله أعلم - لوجوه: أحدها: أن متاع الدنيا على الزوال والانقطاع؛ فكل ما كان على شرف الزوال والانقطاع فهو قليل، كما قيل لكلّ آتٍ: قريبٌ؛ لما يأتي لا محالة؛ فعلى ذلك كل زائِل منقطع - قليلٌ.

والثاني: سمي قليلاً؛ لما هو مشوب بالآفات والأحزان وأنواع البلايا والشدائِد؛ فهو قليل في الحقيقة، أو أنّه سمّاه قليلاً؛ لما أن متاع الدنيا قليل عما وعَدَ في الآخرة؛ فمتاعها من متاع الآخرة قليل؛ لما ليس فيها الوجوه التي ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَعَلَىٰ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ﴾ .

وهو ما قصّ في سورة الأنعام، وهو قوله: ﴿ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ ﴾ إلى قوله: ﴿ ذٰلِكَ جَزَيْنَٰهُم بِبَغْيِهِمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ...

﴾ الآية [النساء: 160].

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ﴾ .

بتحريم ما حرمنا عليهم؛ لأنا إنما حرمنا عليهم تلك الطيبات عقوبة لهم، وهو ما قال في سورة النساء، وهو قوله: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ  ﴾ وهو ما قال: ﴿ ذٰلِكَ جَزَيْنَٰهُم بِبَغْيِهِمْ  ﴾ أخبر أنه إنما حرم عليهم ذلك؛ بظلم كان منهم عقوبة وجزاء لبغيهم، لكن هم ظلموا أنفسهم في ذلك.

أو أن يكون قوله: ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ﴾ ؛ لأنهم عبيده وإماؤه؛ ولله أن يمتحن عباده وإماءه بتحريم مرة، وبتحليل ثانياً، ولكن ظلموا أنفسهم؛ حيث وجهوها إلى غير مالكها، أو صرفوا شكر ما أنعم عليهم إلى غيره.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ﴾ .

أي: عمل السوء بجهالة، ويحتمل وجهين: أحدهما: أن الفعل فعل جاهل وسفيه وإن لم يجهل؛ يقال لمن عمل السوء: يا جاهل يا سفيه.

والثاني: جهل ما يحل به بعمله السوء.

ثم [قوله] ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ...

﴾ إلى آخره، يمكن أن يكون في الآية إضمار لم يذكر؛ لأنه قال: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوۤاْ ﴾ ثم كرر ذلك الحرف على الابتداء من غير أن ذُكر له جواب، وهو قوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ﴾ ﴿ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

فظاهر الجواب أن يقول: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ ﴿ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ ؛ على ما ذكرنا في قوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ...

﴾ الآية [النحل: 110]؛ لكن يخرج على الإضمار، أو على التكرار: على إرادة التأكيد، أو على الابتداء والاكتفاء بجواب ذكره في موضع آخر.

ثم قال: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ  ﴾ : هذا - والله أعلم - جوابه، أي: إن ربك من بعد التوبة لغفور رحيم، فهمُوا قبل أن يعمل السوء، والعرب قد تكرر أشياء على إرادة التأكيد، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وكان شاكرًا لنعم الله التي أنعم بها عليه، اختاره الله للنبوة، وهداه إلى دين الإسلام القويم.

<div class="verse-tafsir" id="91.6oy2B"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده