الآية ٩ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٩ من سورة النحل

وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌۭ ۚ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ ٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 104 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

لما ذكر تعالى من الحيوانات ما يسار عليه في السبل الحسية ، نبه على الطرق المعنوية الدينية ، وكثيرا ما يقع في القرآن العبور من الأمور الحسية إلى الأمور المعنوية النافعة الدينية ، كما قال تعالى : ( وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ) [ البقرة : 197 ] وقال : ( يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ) [ الأعراف : 26 ] .

ولما ذكر في هذه السورة الحيوانات من الأنعام وغيرها ، التي يركبونها ويبلغون عليها حاجة في صدورهم ، وتحمل أثقالهم إلى البلاد والأماكن البعيدة والأسفار الشاقة - شرع في ذكر الطرق التي يسلكها الناس إليه ، فبين أن الحق منها ما هي موصلة إليه ، فقال : ( وعلى الله قصد السبيل ) كما قال : ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) [ الأنعام : 153 ] وقال : ( هذا صراط علي مستقيم ) [ الحجر : 41 ] .

قال مجاهد : في [ قوله ] : ( وعلى الله قصد السبيل ) قال : طريق الحق على الله .

وقال السدي : ( وعلى الله قصد السبيل ) قال : الإسلام .

وقال العوفي عن ابن عباس في قوله : ( وعلى الله قصد السبيل ) يقول : وعلى الله البيان ، أي : تبين الهدى والضلال .

وكذا روى علي بن أبي طلحة ، عنه .

وكذا قال قتادة ، والضحاك .

وقول مجاهد هاهنا أقوى من حيث السياق ; لأنه تعالى أخبر أن ثم طرقا تسلك إليه ، فليس يصل إليه منها إلا طريق الحق ، وهي الطريق التي شرعها ورضيها وما عداها مسدودة ، والأعمال فيها مردودة ; ولهذا قال تعالى : ( ومنها جائر ) أي : حائد مائل زائغ عن الحق .

قال ابن عباس وغيره : هي الطرق المختلفة ، والآراء والأهواء المتفرقة ، كاليهودية والنصرانية والمجوسية ، وقرأابن مسعود : " ومنكم جائر " .

ثم أخبر أن ذلك كله كائن عن قدرته ومشيئته ، فقال : ( ولو شاء لهداكم أجمعين ) كما قال : ( ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا ) [ يونس : 99 ] وقال : ( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ) [ هود : 118 ، 119 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: وعلى الله أيها الناس بيان طريق الحقّ لكم، فمن اهتدى فلنفسه ، ومن ضلّ فإنما يضلّ عليها ، والسبيل: هي الطريق، والقصد من الطريق المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، كما قال الراجز: فَصَدَّ عَنْ نَهْجِ الطَّرِيقِ القاصِدِ (3) وقوله ( وَمِنْهَا جَائِرٌ ) يعني تعالى ذكره: ومن السبيل جائر عن الاستقامة معوجّ، فالقاصد من السبيل: الإسلام، والجائر منها: اليهودية والنصرانية ، وغير ذلك من ملل الكفر كلها جائر عن سواء السبيل وقصدها، سوى الحنيفية المسلمة ، وقيل: ومنها جائر، لأن السبيل يؤنث ويذكر، فأنثت في هذا الموضع ، وقد كان بعضهم يقول: وإنما قيل: ومنها ، لأن السبيل وإن كان لفظها لفظ واحد فمعناها الجمع.

وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ) يقول: البيان.

حدثنا محمد بن سعد ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ) يقول: على الله البيان، أن يبين الهدى والضلالة.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن.

قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ) قال: طريق الحقّ على الله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله ( وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ) يقول: على الله البيان، بيان حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ) قال: السبيل: طريق الهدى.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن جويبر، عن الضحاك ( وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ) قال: إنارتها.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ) يقول: على الله البيان، يبين الهدى من الضلالة، ويبين السبيل التي تفرّقت عن سبله، ومنها جائر.

حدثنا بشر ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَمِنْهَا جَائِرٌ ) : أي من السبل، سبل الشيطان ، وفي قراءة عبد الله بن مسعود: " وَمِنْكُمْ جَائِرٌ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَهَدَاكُمْ أجمَعِينَ".

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر ، عن قتادة ( وَمِنْهَا جَائِرٌ ) قال: في حرف ابن مسعود: " وَمِنْكُمْ جَائِرٌ".

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله ( وَمِنْهَا جَائِرٌ ) يعني: السبل المتفرّقة.

حدثني عليّ بن داود، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله ( وَمِنْهَا جَائِرٌ ) يقول: الأهواء المختلفة.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( وَمِنْهَا جَائِرٌ ) يعني السبل التي تفرّقت عن سبيله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج ( وَمِنْهَا جَائِرٌ ) السبل المتفرقة عن سبيله.

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( وَمِنْهَا جَائِرٌ ) قال: من السبل جائر عن الحقّ قال: قال الله وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ وقوله ( وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ) يقول: ولو شاء الله للطف بجميعكم أيها الناس بتوفيقه، فكنتم تهتدون وتلزمون قصد السبيل ، ولا تجورون عنه ، فتتفرّقون في سبل عن الحقّ جائرة.

كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ) قال: لو شاء لهداكم أجمعين لقصد السبيل ، الذي هو الحقّ ، وقرأ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا الآية، وقرأ وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ...

الآية.

------------------------ الهوامش: (3) البيت شاهد على أن الطريق القاصد معناه : المستقيم .

قال في اللسان : القصد : استقامة الطريق ، قصد يقصد قصدا فهو قاصد ، وقوله تعالى : ( وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ) أي على الله تبيين الطريق المستقيم ، والدعاء بالحجج والبراهين الواضحة .

" ومنها جائر " أي ومنها طريق غير قاصد .

وطريق قاصد : سهل مستقيم .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين [ ص: 75 ] قوله تعالى : وعلى الله قصد السبيل أي على الله بيان قصد السبيل ، فحذف المضاف وهو البيان .

والسبيل : الإسلام ، أي على الله بيانه بالرسل والحجج والبراهين .

وقصد السبيل : استعانة الطريق ; يقال : طريق قاصد أي يؤدي إلى المطلوب .ومنها جائر أي ومن السبيل جائر ; أي عادل عن الحق فلا يهتدى به ; ومنه قول امرئ القيس :ومن الطريقة جائر وهدى قصد السبيل ومنه ذو دخلوقال طرفة :عدولية أو من سفين ابن يامن يجور بها الملاح طورا ويهتديالعدولية سفينة منسوبة إلى عدولى قرية بالبحرين .

والعدولي : الملاح ; قاله في الصحاح .

وفي التنزيل وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل .

وقد تقدم وقيل : المعنى ومنهم جائر عن سبيل الحق ، أي عادل عنه فلا يهتدي إليه .

وفيهم قولان : أحدهما : أنهم أهل الأهواء المختلفة ; قاله ابن عباس .

الثاني : ملل الكفر من اليهودية والمجوسية والنصرانية .

وفي مصحف عبد الله " ومنكم جائر " وكذا قرأ علي " ومنكم " بالكاف .

وقيل : المعنى وعنها جائر ; أي عن السبيل .

ف " من " بمعنى عن .

وقال ابن عباس : أي من أراد الله أن يهديه سهل له طريق الإيمان ، ومن أراد أن يضله ثقل عليه الإيمان وفروعه .

وقيل : معنى قصد السبيل مسيركم ورجوعكم .

والسبيل واحدة بمعنى الجمع ، ولذلك أنث الكناية فقال : ومنها والسبيل مؤنثة في لغةأهل الحجاز .قوله تعالى : ولو شاء لهداكم أجمعين بين أن المشيئة لله - تعالى - ، وهو يصحح ما ذهب إليه ابن عباس في تأويل الآية ، ويرد على القدرية ومن وافقها كما تقدم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ } أي: الصراط المستقيم، الذي هو أقرب الطرق وأخصرها موصل إلى الله.

وأما الطريق الجائر في عقائده وأعماله وهو: كل ما خالف الصراط المستقيم فهو قاطع عن الله، موصل إلى دار الشقاء، فسلك المهتدون الصراط المستقيم بإذن ربهم، وضل الغاوون عنه، وسلكوا الطرق الجائرة { وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } ولكنه هدى بعضا كرما وفضلا، ولم يهد آخرين، حكمة منه وعدلا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وعلى الله قصد السبيل ) يعني : بيان طريق الهدى من الضلالة .

وقيل : بيان الحق بالآيات والبراهين .

والقصد : الصراط المستقيم .

( ومنها جائر ) يعني : ومن السبيل جائر عن الاستقامة معوج ، فالقصد من السبيل : دين الإسلام ، والجائر منها : اليهودية ، والنصرانية ، وسائر ملل الكفر .

قال جابر بن عبد الله : " قصد السبيل " : بيان الشرائع والفرائض .

وقال عبد الله بن المبارك ، وسهل بن عبد الله : " قصد السبيل " السنة ، " ومنها جائر " الأهواء والبدع ، دليله قوله تعالى : " وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل " ( الأنعام - 153 ) .

( ولو شاء لهداكم أجمعين ) نظيره قوله تعالى : " ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها " ( السجدة - 13 ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وعلى الله قصد السبيل» أي بيان الطريق المستقيم «ومنها» أي السبيل «جائر» حائد عن الاستقامة «ولو شاء» هدايتكم «لهداكم» إلى قصد السبيل «أجمعين» فتهتدون إليه باختيار منكم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وعلى الله بيان الطريق المستقيم لِهدايتكم، وهو الإسلام، ومن الطرق ما هو مائل لا يُوصل إلى الهداية، وهو كل ما خالف الإسلام من الملل والنحل.

ولو شاء الله هدايتكم لهداكم جميعًا للإيمان.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن بين - سبحانه - دلائل وحدانيته وقدرته ، عن طريق خلق السموات والأرض والإِنسان والدواب .

.

أتبع ذلك ببيان أنه - عز وجل - كفيل بالإِرشاد إلى الطريق المستقيم لمن يتجه إليه فقال - تعالى - : ( وعلى الله قَصْدُ السبيل ، وَمِنْهَا جَآئِرٌ ، وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ) .والقصد : الاستقامة .

والسبيل : الطريق والقصد منه : هو المستقيم الذى لا اعوجاج فيه .

يقال : سبيل قصد وقاصد ، أى : مستقيم ، قال الشاعر :ومن الطريقة جائر وهدى ...

قصد السبيل ، ومنه ذو دخلقال الجمل ما ملخصه : " ( وعلى الله ) أى : تفضلا ( قصد السبيل ) على تقدير مضاف ، أى : وعلى الله بيان قصد السبيل .

وهو بيان طريق الهدى من الضلالة ، وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف ، والقصد مصدر يوصف به .

يقال : سبيل قصد وقاصد أى : مستقيم ، كأنه يقصد الوجه الذى يؤمه السالك لا يعدل عنه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما شرح دلائل التوحيد قال: ﴿ وَعَلَى الله قَصْدُ السبيل ﴾ أي إنما ذكرت هذه الدلائل وشرحتها إزاحة للعذر وإزالة للعلة ليهلك من هلك عن بينة.

ويحيى من حي عن بينة وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي: القصد استقامة الطريق يقال: طريق قصد وقاصد إذا أداك إلى مطلوبك، إذا عرفت هذا ففي الآية حذف، والتقدير: وعلى الله بيان قصد السبيل، ثم قال: ﴿ وَمِنْهَا جَائِرٌ ﴾ أي عادل مائل ومعنى الجور في اللغة الميل عن الحق والكناية في قوله: ﴿ وَمِنْهَا جَائِرٌ ﴾ تعود على السبيل، وهي مؤنثة في لغة الحجاز يعني ومن السبيل ما هو جائر غير قاصد للحق وهو أنواع الكفر والضلال، والله أعلم.

المسألة الثانية؛ قالت المعتزلة: دلت الآية على أنه يجب على الله تعالى الإرشاد والهداية إلى الدين وإزاحة العلل والأعذار، لأنه تعالى قال: ﴿ وَعَلَى الله قَصْدُ السبيل ﴾ وكلمة على للوجوب قال تعالى: ﴿ وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت  ﴾ ودلت الآية أيضاً على أنه تعالى لا يضل أحداً ولا يغويه ولا يصده عنه، وذلك لأنه تعالى لو كان فاعلاً للضلال لقال: ﴿ وَعَلَى الله قَصْدُ السبيل ﴾ وعليه جائرها أو قال: وعليه الجائر فلما لم يقل كذلك بل قال في قصد السبيل أنه عليه، ولم يقل في جور السبيل أنه عليه بل قال: ﴿ وَمِنْهَا جَائِرٌ ﴾ دل على أنه تعالى لا يضل عن الدين أحداً.

أجاب أصحابنا أن المراد على الله بحسب الفضل والكرم أن يبين الدين الحق والمذهب الصحيح فإما أن يبين كيفية الاغواء والإضلال فذلك غير واجب فهذا هو المراد، والله أعلم.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ وَلَوْ شَآء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ يدل على أنه تعالى ما شاء هداية الكفار، وما أراد منهم الإيمان، لأن كلمة (لو) تفيد انتفاء شيء لانتفاء شيء غيره قوله؛ ﴿ وَلَوْ شَآء لَهَدَاكُمْ ﴾ معناه: لو شاء هدايتكم لهداكم، وذلك يفيد أنه تعالى ما شاء هدايتهم فلا جرم ما هداهم، وذلك يدل على المقصود.

وأجاب الأصم عنه بأن المراد لو شاء أن يلجئكم إلى الإيمان لهداكم، وهذا يدل على أن مشيئة الإلجاء لم تحصل.

وأجاب الجبائي بأن المعنى: ولو شاء لهداكم إلى الجنة وإلى نيل الثواب لكنه لا يفعل ذلك إلا بمن يستحقه، ولم يرد به الهدى إلى الإيمان، لأنه مقدور جميع المكلفين.

وأجاب بعضهم فقال المراد: ولو شاء لهداكم إلى الجنة ابتداء على سبيل التفضل، إلا أنه تعالى عرفكم للمنزلة العظيمة بما نصب من الأدلة وبين، فمن تمسك بها فاز بتلك المنازل ومن عدل عنها فاتته وصار إلى العذاب، والله أعلم.

واعلم أن هذه الكلمات قد ذكرناها مراراً وأطواراً مع الجواب فلا فائدة في الإعادة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

المراد بالسبيل: الجنس، ولذلك أضاف إليها القصد وقال ﴿ وَمِنْهَا جَائِرٌ ﴾ والقصد مصدر بمعنى الفاعل وهو القاصد.

يقال: سبيل قصد وقاصد، أي: مستقيم، كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك لا يعدل عنه.

ومعنى قوله ﴿ وَعَلَى الله قَصْدُ السبيل ﴾ أن هداية الطريق الموصل إلى الحق واجبة عليه، كقوله: ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا للهدى ﴾ [الليل: 12] .

فإن قلت: لم غير أسلوب الكلام في قوله ﴿ وَمِنْهَا جَائِرٌ ﴾ ؟

قلت: ليعلم ما يجوز إضافته إليه من السبيلين وما لا يجوز، ولو كان الأمر كما تزعم المجبرة لقيل: وعلى الله قصد السبيل وعليه جائرها أو وعليه الجائر.

وقرأ عبد الله: ﴿ ومنكم جائر ﴾ يعني: ومنكم جائر جار عن القصد بسوء اختياره، والله بريء منه ﴿ وَلَوْ شَآء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ قسراً وإلجاء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ﴾ بَيانُ مُسْتَقِيمِ الطَّرِيقِ المُوَصِّلِ إلى الحَقِّ، أوْ إقامَةُ السَّبِيلِ وتَعْدِيلُها رَحْمَةً وفَضْلًا، أوْ عَلَيْهِ قَصْدُ السَّبِيلِ يَصِلُ إلَيْهِ مَن يَسْلُكُهُ لا مَحالَةَ يُقالُ سَبِيلٌ قَصْدٌ وقاصِدٌ أيْ مُسْتَقِيمٌ، كَأنَّهُ يَقْصِدُ الوَجْهَ الَّذِي يَقْصِدُهُ السّالِكُ لا يَمِيلُ عَنْهُ، والمُرادُ مِنَ ﴿ السَّبِيلِ ﴾ الجِنْسُ ولِذَلِكَ أضافَ إلَيْهِ الـ ﴿ قَصْدُ ﴾ وقالَ: ﴿ وَمِنها جائِرٌ ﴾ حائِدٌ عَنِ القَصْدِ أوْ عَنِ اللَّهِ، وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ لِأنَّهُ لَيْسَ بِحَقٍّ عَلى اللَّهِ تَعالى أنْ يُبَيِّنَ طُرُقَ الضَّلالَةِ، أوْ لِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ سَبِيلِهِ وتَقْسِيمُ السَّبِيلِ إلى القَصْدِ والجائِرِ إنَّما جاءَ بِالعَرَضِ.

وقُرِئَ و « مِنكم جائِرٌ» أيْ عَنِ القَصْدِ.

﴿ وَلَوْ شاءَ ﴾ اللَّهُ.

﴿ لَهَداكم أجْمَعِينَ ﴾ أيْ ولَوْ شاءَ هِدايَتَكم أجْمَعِينَ لَهَداكم إلى قَصْدِ السَّبِيلِ هِدايَةً مُسْتَلْزِمَةً لِلِاهْتِداءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)

{وَعَلَى الله قَصْدُ السبيل} المراد به الجنس ولذا قال {وَمِنْهَا جَائِرٌ} والقصد مصدر بمعنى الفاعل وهو القاصد يقال سبيل قصد وقاصد

أي مستقيم كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك لا يعدل عنه ومعناه أن هداية الطريق الموصل إلى الحق عليه كقوله إِنَّ علينا للهدى

النحل (٩ _ ١٤)

وليس ذلك للوجوب إذ لا يجب على الله شيء ولكن يفعل ذلك تفضيلا وقيل معناه وإلى الله وقال الزجاج معناه وعلى الله تبيين الطريق الواضح المستقيم والدعاء إليه بالحجج ومنها جائر أي من السبيل مائل عن الاستقامة {وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} أراد هداية اللطف بالتوفيق والانعام به الهدى العام

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ﴾ القَصْدُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفاعِلِ، يُقالُ: سَبِيلٌ قَصْدٌ وقاصِدٌ أيْ مُسْتَقِيمٌ كَأنَّهُ يَقْصِدُ الوَجْهَ الَّذِي يَؤُمُّهُ السّالِكُ ولا يَعْدِلُ عَنْهُ، فَهو نَحْوُ نَهْرٌ جارٌ وطَرِيقٌ سائِرٌ ( وعَلى ) لِلْوُجُوبِ مَجازًا والكَلامِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ مُتَحَتِّمٌ عَلَيْهِ تَعالى مُتَعَيِّنٌ كالأمْرِ الواجِبِ لِسَبْقِ الوَعْدِ بَيانٌ، وقِيلَ: هِدايَةُ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ المُوصِلِ لِمَن سَلَكُهُ إلى الحَقِّ هو التَّوْحِيدُ بِنَصْبِ الأدِلَّةِ وإرْسالِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإنْزالِ الكُتُبِ لِدَعْوَةِ النّاسِ إلَيْهِ، أوْ هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الإقامَةِ والتَّعْدِيلِ ( وعَلى ) عَلى حالِها المارِّ إلّا أنَّهُ لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ المُضافِ أيْ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ تَقْوِيمُ السَّبِيلِ وتَعْدِيلُها أيْ جَعْلُها بِحَيْثُ يَصِلُ سالِكُها إلى الحَقِّ عَلى حَدِّ صِغَرِ البَعُوضَةِ وكِبَرِ الفِيلِ وحَقِيقَتُهُ راجِعَةٌ إلى ما ذَكَرَ مِن نَصْبِ الأدِلَّةِ وإرْسالِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإنْزالِ الكُتُبِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ القَصْدُ بِمَعْنى القاصِدِ أيِ المُسْتَقِيمِ كَما في التَّفْسِيرِ الأوَّلِ و( عَلى ) لَيْسَتْ لِلْوُجُوبِ واللُّزُومِ والمَعْنى أنَّ قَصْدَ لِلسَّبِيلِ ومُسْتَقِيمَهُ مُوصِلٌ إلَيْهِ تَعالى ومارٌّ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وفِيهِ تَشْبِيهُ ما يَدُلُّ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِطَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ شَأْنُهُ ذَلِكَ، وقَدْ ذَكَرَ نَحْوَ هَذا ابْنُ عَطِيَّةَ وهو كَما تَرى، وألْ في السَّبِيلِ لِلْجِنْسِ عِنْدَ كَثِيرٍ فَهو شامِلٌ لِلْمُسْتَقِيمِ وغَيْرُ، وإضافَةُ القَصْدِ بِمَعْنى المُسْتَقِيمِ إلَيْهِ مِن إضافَةِ العامِّ إلى الخاصِّ، وإضافَةُ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ خِلافُ الظّاهِرِ عَلى ما قِيلَ وقِيلَ: ألْ لِلْعَهْدِ.

والمُرادُ سَبِيلُ الشَّرْعِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ومِنها جائِرٌ ﴾ أيْ عادِلٌ عَنِ المَحَجَّةِ مُنْحَرِفٌ عَنِ الحَقِّ لا يُوصِلُ سالِكَهُ إلَيْهِ ظاهِرٌ في إرادَةِ الجِنْسِ إذِ البَعْضِيَّةُ إنَّما تَتَأتّى عَلى ذَلِكَ، فَإنَّ الجائِرَ عَلى إرادَةِ العَهْدِ لَيْسَ مِن ذَلِكَ بَلْ قَسِيمُهُ، ومَن أرادَهُ أعادَ الضَّمِيرَ عَلى المُطْلَقِ الَّذِي في ضِمْنِ ذَلِكَ المُقَيَّدِ أوْ عَلى المَذْكُورِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ومِن جِنْسِها جائِرٌ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى سَبِيلِ الشَّرْعِ، والمُرادُ بِهَذا البَعْضِ فِرَقُ الضَّلالَةِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو جائِرٌ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى الخَلائِقِ أيْ ومِنَ الخَلائِقِ جائِرٌ عَنِ الحَقِّ، وأُيِّدَ بِقِراءَةِ عِيسى، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «ومِنكُمْ» وأخْرَجَها ابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ لَكِنْ بِالفاءِ بَدَلَ الواوِ ولَيْسَ بِذاكَ، والتَّأْنِيثُ لِأنَّ السَّبِيلَ تُؤَنَّثُ وتُذَكَّرُ، والجارُّ والمَجْرُورُ قِيلَ: خَبَرٌ مُقَدَّمٌ (وجائِرٌ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، وقِيلَ: هو في مَحَلِّ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ إمّا بِاعْتِبارِ مَضْمُونِهِ وإمّا بِتَقْدِيرِ المَوْصُوفِ أيْ بَعْضُ السَّبِيلِ أوْ بَعْضٌ مِنَ السَّبِيلِ جائِرٌ، والجُمْلَةُ عَلى ما اخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ اعْتِراضِيَّةٌ جِيءَ بِها لِبَيانِ الحاجَةِ إلى البَيانِ أوِ التَّعْدِيلِ بِنَصْبِ الأدِلَّةِ والإرْسالِ والإنْزالِ الأُمُورَ المَذْكُورَةَ سابِقًا وإظْهارِ جَلالَةِ قَدْرِ النِّعْمَةِ في ذَلِكَ، وذَلِكَ هو الهِدايَةُ المُفَسَّرَةُ بِالدَّلالَةِ عَلى ما يُوصِلُ إلى المَطْلُوبِ لا الهِدايَةُ المُسْتَلْزِمَةُ لِلِاهْتِداءِ إلَيْهِ فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ أصْلًا بَلْ هو مُخِلٌّ بِحِكْمَتِهِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ ﴾ فَإنَّ مَعْناهُ ولَوْ شاءَ هِدايَتَكم إلى ما ذَكَرَ مِنَ التَّوْحِيدِ هِدايَةً مُسْتَلْزِمَةً لِلِاهْتِداءِ إلَيْهِ لَفَعَلَ ولَكِنْ لَمْ يَشَأْ لِأنَّ مَشِيئَتَهُ تابِعَةٌ لِلْحِكْمَةِ ولا حِكْمَةَ في تِلْكَ المَشِيئَةِ لِما أنَّ الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ فَلَكُ التَّكْلِيفِ إنَّما هو الِاخْتِيارُ الَّذِي عَلَيْهِ تَرَتُّبُ الأعْمالِ الَّتِي بِها يَرْتَبِطُ الجَزاءُ، وقَيْدُ ( أجْمَعِينَ ) لِلْمَنفِيِّ لا لِلنَّفْيِ فَيَكُونُ المُرادُ سَلْبَ العُمُومِ لا عُمُومَ السَّلْبِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ كانَ الظّاهِرَ أنْ يُقالَ: وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وجائِرُها أوْ وعَلَيْهِ جائِرُها إلّا أنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ لِأنَّ الضَّلالَ لا يُضافُ إلَيْهِ تَعالى تَأدُّبًا فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ  ﴾ .

وزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ المُخالَفَةَ بَيْنَ أُسْلُوبَيِ الجُمْلَتَيْنِ لِلْإيذانِ بِما يَجُوزُ إضافَتُهُ مِنَ السَّبِيلَيْنِ إلَيْهِ تَعالى وما لا يَجُوزُ وعَنى الإشارَةَ إلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ إخْوانُهُ المُعْتَزِلَةُ مِن عَدَمِ جَوازِ إضافَةِ الضَّلالِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لِأنَّهُ غَيْرُ خالِقِهِ وجَعَلُوا الآيَةَ لِلْمُخالَفَةِ حُجَّةً لَهم في هَذِهِ المُخالَفَةِ.

وأجابَ بَعْضُ الجَماعَةِ بِأنَّ المُرادَ عَلى اللَّهِ تَعالى بِحَسَبِ الفَضْلِ والكَرَمِ بَيانُ الدِّينِ الحَقِّ والمَذْهَبِ الصَّحِيحِ فَأمّا بَيانُ كَيْفِيَّةِ الإغْواءِ والإضْلالِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وبُحِثَ فِيهِ بِأنَّهُ كَما أنَّ بَيانَ الهِدايَةِ وطَرِيقَها مُتَحَتِّمٌ فَكَذا ضِدُّهُ ولَيْسَ إرْسالُ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإنْزالُ الكُتُبِ إلّا لِذَلِكَ.

وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: إنَّ المُخالَفَةَ بَيْنَ الأُسْلُوبَيْنِ لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلى الخَلْقِ بِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ السَّبِيلَ القاصِدَ والجائِرَ وهَدى قَوْمًا اخْتارُوا الهُدى وأضَلَّ آخَرِينَ اخْتارُوا الضَّلالَةَ، وقَدْ حَقَّقَ أنَّ كُلَّ فِعْلٍ صَدَرَ عَلى يَدِ العَبْدِ فَلَهُ اعْتِبارانِ هو مِن حَيْثُ كَوْنُهُ مَوْجُودًا مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى ومُضافٌ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِهَذا الِاعْتِبارِ، وهو مِن حَيْثُ كَوْنُهُ مُقْتَرِنًا بِاخْتِيارِ العَبْدِ لَهُ وتَيَسُّرِهِ عَلَيْهِ يُضافُ إلى العَبْدِ وأنَّ تَعَدُّدَ هَذَيْنِ الِاعْتِبارَيْنِ ثابِتٌ في كُلِّ فِعْلٍ فَناسَبَ إقامَةَ الحُجَّةِ عَلى العِبادِ إضافَةُ الهِدايَةِ إلى اللَّهِ تَعالى بِاعْتِبارِ خَلْقِهِ لَها وإضافَةُ الضَّلالِ إلى العَبْدِ بِاعْتِبارِ اخْتِيارِهِ لَهُ.

والحاصِلُ أنَّهُ ذَكَرَ في كُلٍّ واحِدٍ مِنَ الفِعْلَيْنِ نِسْبَةً غَيْرَ النِّسْبَةِ المَذْكُورَةِ في الآخَرِ لِيُناسِبَ ذَلِكَ إقامَةَ الحُجَّةِ ألا لِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ، وأنْكَرُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنْ يَكُونَ هُناكَ تَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ لِأمْرٍ مَطْلُوبٍ بِناءً عَلى أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ فِيما اقْتَضى الظّاهِرُ سَبْكًا مُعَيَّنًا ولَكِنْ يَعْدِلُ عَنْ ذَلِكَ لِنُكْتَةٍ أهَمَّ مِنهُ، ولَيْسَ المُرادُ مِن بَيانِ قَصْدِ السَّبِيلِ مُجَرَّدَ إعْلامِ أنَّهُ مُسْتَقِيمٌ حَتّى يَصِحَّ إسْنادُ أنَّهُ جائِرٌ إلَيْهِ تَعالى فَيَحْتاجُ إلى الِاعْتِذارِ عَنْ عَدَمِ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ لِتَغْيِيرِ الأُسْلُوبِ نُكْتَةٌ، وقَدْ بُيِّنَ ذَلِكَ في مَواضِعَ غَيْرِ مَعْدُودَةٍ بَلِ المُرادُ نَصْبُ الأدِلَّةِ لِلْهِدايَةِ إلَيْهِ ولا إمْكانَ لِإسْنادِ مِثْلِهِ إلَيْهِ تَعالى بِالنِّسْبَةِ إلى الطَّرِيقِ الجائِرِ بِأنْ يُقالَ: وجائِرُها حَتّى يَصْرِفَ ذَلِكَ الإسْنادَ مِنهُ تَعالى إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ لِنُكْتَةٍ ولا يَتَوَهَّمُهُ مُتَوَهِّمٌ حَتّى يَقْتَضِيَ الحالُ دَفْعَ ذَلِكَ بِأنْ يُقالَ: لا جائِرُها ثُمَّ يُغَيِّرُ سَبْكَ النَّظْمِ عَنْهُ لِداعِيَةٍ أقْوى مِنهُ، وذَكَرَ أنَّ الجُمْلَةَ اعْتِراضِيَّةٌ حَسْبَما نَقَلْناهُ سابِقًا، وهو كَلامٌ يَلُوحُ عَلَيْهِ مَخايِلُ التَّحْقِيقِ، بَيْدَ أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِبَيانِ السَّبِيلِ المُسْتَقِيمِ وبِبَيانِ السَّبِيلِ الجائِرِ نَصْبُ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى حَقِّيَّةِ الأوَّلِ لِيُهْتَدى إلَيْهِ وبُطْلانِ الثّانِي لِيُحْذَرَ ولا يُعَوَّلَ عَلَيْهِ وهَذا غَيْرُ مُجَرَّدِ الإعْلامِ الَّذِي ذَكَرَهُ ونِسْبَتُهُ إلَيْهِ تَعالى مُمْكِنَةٌ بَلْ قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الحَقَّ أنَّ المَعْنى عَلى اللَّهِ تَعالى بَيانُ طَرِيقِ الهِدايَةِ لِيَهْتَدُوا إلَيْهِ وبَيانُ غَيْرِها لِيَحْذَرُوهُ لَكِنِ اكْتَفى بِأحَدِهِما لِلُزُومِ الآخَرِ لَهُ.

وفِي الكَشْفِ أنَّ تَغايُرَ الأُسْلُوبَيْنِ عَلى أصْلِ أهْلِ السُّنَّةِ واضِحٌ أيْضًا إذْ لا مُنْكِرَ أنَّ الأوَّلَ هو المَقْصُودُ لِذاتِهِ فَبَيانُ طَرِيقِ الضَّلالَةِ إجْمالًا قَدْرَ ما يَمْتازُ قَصْدُ السَّبِيلِ مِنهُ في ضِمْنِ بَيانِ قَصْدِ السَّبِيلِ ضَرُورَةٌ وبَيانُهُ التَّفْصِيلِيُّ لَيْسَ مِمّا لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ ولا أنَّ الوَعْدَ جَرى بِهِ عَلى مَذْهَبٍ اهـ فَلْيُتَأمَّلْ، ثُمَّ إنَّ الآيَةَ مُنادِيَةٌ عَلى خِلافِ ما زَعَمَهُ المُعْتَزِلَةُ ومِنهُمُ الزَّجّاجُ مِن عَدَمِ اسْتِلْزامِ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ تَعالى بِشَيْءٍ وُجُودَهُ وقَدِ التَجَأُوا إلى التِزامِ تَفْسِيرِها بِالقَسْرِيَّةِ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ مِنهُمْ: المَعْنى لَوْ شاءَ لَهَداكم إلى الثَّوابِ أوْ إلى الجَنَّةِ بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ وكُلُّ ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ كَما لا يَخْفى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ يقول: من ماء الرجل فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ يقول: جدل باطل ظاهر الخصومة، وهو أبي بن خلف، حيث أخذ عظماً بالياً فَفَتَّهُ بيده، وقال: عجباً لمحمد يزعم أنه يعيدنا بعد ما كنا عظاماً ورفاتاً، وإنا نعاد خلقاً جديداً، فنزل أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ [يس: 77] الآية.

ثم بيّن النعمة فقال تعالى: وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ أي: ما يستدفأ به من الأكسية وغيرها، والذي يتخذ منه البيوت من الشعر والوبر والصوف.

وأما المنافع، فظهورها التي تحمل عليها، وألبانها.

ويقال: الدفء الصغار من الإبل.

وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: لَكُمْ فِيها دِفْءٌ أي: في نسل كل دابة وَمِنْها تَأْكُلُونَ أي: من لحمها.

قوله: وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ أي: ولكم يا بني آدم في الأنعام، جَمالٌ حسن المنظر، حِينَ تُرِيحُونَ أي: حتى تروح الإبل راجعة إلى أهلها وَحِينَ تَسْرَحُونَ أي: تسرح إلى الرعي أول النهار وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ أي: أمتعتكم وزادكم إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ قال: هي مكة.

ويقال: هذا الخطاب لأهل مكة، كانوا يخرجون إلى الشام، وإلى اليمن، ويحملون أثقالهم على الإبل.

إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ إذ لم يعجلكم بالعقوبة.

ثم قال: وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً أي خلقها لكم لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً أي: جمالاً ومنظرا حسنا.

وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس، أنه سئل عن لحوم الخيل فكرهها وتلا هذه الآية وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً يعني: إنما خلق هذه الأصناف الثلاثة للركوب والزينة لا للأكل وسائر الأنعام خلقت للركوب وللأكل، كما قال: وَمِنْها تَأْكُلُونَ وبه كان يقول أبو حنيفة: «إن لحم الخيل مكروه» .

وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ أي: خلق أشياء تعلمون، وخلق أشياء مما لا تعلمون.

وروي عن النبي  أنه قال: «إن الله خَلَقَ أَرْضَاً بَيْضَاءَ مِثْلَ الدُّنْيَا ثَلاثِينَ مَرَّةً، مَحْشُوَّةً خلقا من خلق الله تَعَالَى، لاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ الله تَعَالَى يُعْصَى طَرْفَةَ عَيْنٍ» قالوا: يا رسول الله أمن ولد آدم هم؟

قال: «مَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الله خَلَقَ آَدَمَ» .

قالوا: فأين إبليس منهم؟

قال: «مَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الله خَلَقَ إِبْلِيسَ» ، ثم قرأ رسول الله  «وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ» (١) قوله عز وجل: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ أي: بيان الهدى، ويقال: هداية الطريق وَمِنْها جائِرٌ أي: من الطرق ما هو مائل من طريق الهدى إلى طريق اليهودية والنصرانية.

وروى جويبر عن الضحاك أنه قال: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ يعني: بيان الهدى، وَمِنْها جائِرٌ أي: سبيل الضلالة.

وقال قتادة: في قراءة عبد الله بن مسعود وَمِنْها جائِرٌ أي: مائلا عن طريق الهدى وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ أي: لو علم الله تعالى أن الخلق كلهم أهلاً للتوحيد لهداهم.

ويقال: لو شاء الله لأنزل آية يضطر الخلق إلى الإيمان.

(١) عزاه السيوطي: 5/ 113 إلى ابن مردويه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

من أمر اللَّه عَلى صُوَرِ بني آدم، وما يَنْزِلُ من السماءِ مَلَكٌ إِلا ومعه رُوحٌ كالحفيظ عليه، لا يتكلَّم ولا يراه مَلَك، ولا شيءٌ مما خَلَقَ اللَّه، وعن مجاهدٍ: الرُّوح: خَلْق من خَلْق اللَّه، لهم أيدٍ وأرجلٌ «١» .

انتهى، واللَّه أعلم بحقيقةِ ذلك، وهذا أمرٌ لا يقَالُ بالرأْيِ، فإِن صحَّ فيه شيء عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وَجَبَ الوقوفُ عنْده انتهى، و «مَنْ» في قوله: مَنْ يَشاءُ هي للأنبياء.

وقوله تعالى: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ: يريد ب «الإِنسان» الجنْسَ، وقوله:

خَصِيمٌ يحتملُ أنْ يريد به الكَفَرة الذين يجادلُونَ في آياتِ اللَّه قاله «٢» الحسن البصريُّ، ويحتملُ أنْ يريد أعَمَّ من هذا، على أن الآية تعديدُ نعمةِ الذِّهْنِ والبيان على البشر.

وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (٨) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)

هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢)

وقوله سبحانه: وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ: ال دِفْءٌ: السَّخَانة، وذَهَاب البَرْد بالأَكْسِيَة ونحوها، وقيل: ال دِفْءٌ: تناسُلُ الإِبل، وقال ابن عَبَّاس: هو نسْلُ كلِّ شيء «٣» ، والمعنى الأول هو الصحيح، والمنافع: ألبانها وما تصرَّف منها، وحَرْثُها والنَّضْح عليها وغَيْر ذلك.

وقوله: جَمالٌ، أي: في المَنْظَر، وتُرِيحُونَ: معناه: حين تردُّونها وقْتَ الرَّوِاح إِلى المنازلِ، وتَسْرَحُونَ: معناه: تخرجُونها غُدْوة إِلى السَّرْح، و «الأثْقَالُ» :

الأمتعة، وقيل: الأجسام كقوله: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها [الزلزلة: ٢] أي: أجسادَ بني آدم، وسمِّيت الخيلُ خيلا لاختيالها في مشيتها.

ت: ويجبُ على من مَلَّكَهُ اللَّه شيئاً من هذا الحيوانِ أنْ يَرْفُقَ به، ويشْكُر اللَّه تعالى على هذه النعمة التي خَوَّلها، وقد رَوَى مالك في «الموطَّأ» عن أبي عُبَيْدٍ مولى سليمانَ بْنِ عبدِ المَلِكِ، عن خالدِ بْنِ مَعْدَانَ يرفعه، قال: «إِن اللَّه رفيقٌ يحبُّ الرِّفْق، ويرضَاهُ، ويعينُ عليه ما لاَ يُعِينُ على العُنْف، فإِذا ركبتم هذه الدوابَّ العُجْمَ، فأنزلوها منازِلَهَا، فإِنْ كانَتِ الأرض جَدْبةً، فانجوا عليها بِنِقْيِهَا «١» ، وَعَلَيْكُمْ بسير اللَّيْلِ فَإِن الأرض تُطْوَى باللَّيْلِ ما لا تُطْوَى بالنهار، وإِياكم والتَّعْرِيسَ على الطريقِ فإِنها طُرُق الدَّوابِّ، ومأوى الحَيَّات» «٢» .

قال أبو عمر في «التمهيد» : هذا الحديث يستند عن/ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من وجوهٍ كثيرةٍ، فأمَّا «الرفْقُ» ، فمحمودٌ في كلِّ شيء، وما كان الرفْقُ في شيء إِلاّ زانه، وقد رَوَى مالك بسنده عن عائشة، وعن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ» «٣» ، وأُمِرَ المسافرُ في الخِصْبِ بأنْ يمشي رويداً، ويكثر النزول، لترعَى دابته، فأَما الأرْضُ الجَدْبة، فالسُّنَّة للمسافِرِ أَنْ يُسْرُع السيْر ليخرجَ عنها، وبدابَّته شيءٌ من الشَّحْم والقُوَّة، و «النِّقْي» في كلام العرب: الشَّحْم والوَدَك.

انتهى.

وروَى أبو داود عن أبي هريرة، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إِيَّاكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا ظُهُورَ دَوَابِّكُمْ مَنَابِرَ، فَإِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُبَلِّغَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بِالغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنْفُسِ، وَجَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فَعَلَيْهَا فاقضوا حَاجَاتِكِمْ» انتهى «٤» .

وقوله سبحانه: وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ: عبرةٌ منصوبةٌ على العمومِ، أي: إِنَّ مخلوقاتِ اللَّهِ مِنَ الحيوانِ وغيره لا يُحيطُ بعلْمها بَشَرٌ، بل ما يخفَى عنه أكْثَرُ مما يعلمه.

وقوله سبحانه: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ...

الآية: هذه أيضاً من أجَلِّ نعم اللَّه تعالى، أي: على اللَّه تقويمُ طريقِ الهدَى، وتبيينُهُ بنَصْب الأدلَّة، وبعْثِ الرسل، وإِلى هذا ذهب المتأوِّلون، ويحتمل أنْ يكون المعنى: أَنَّ مَنْ سلك السبيل القاصد، فعلى الله،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ﴾ القَصْدُ: اسْتِقامَةُ الطَّرِيقِ، يُقالُ: طَرِيقٌ قَصْدٌ وقاصِدٌ: إذا قَصَدَ بِكَ ما تُرِيدُ.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وعَلى اللَّهِ تَبْيِينُ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ، والدُّعاءُ إلَيْهِ بِالحُجَجِ والبُرْهانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنها جائِرٌ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّبِيلُ لَفْظُهُ لَفْظُ الواحِدِ، وهو في مَوْضِعِ الجَمِيعِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ومِنَ السُّبُلِ سَبِيلٌ جائِرٌ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمّا ذَكَرَ السَّبِيلَ، دَلَّ عَلى السُّبُلِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ وَمِنها جائِرٌ ﴾ كَما دَلَّ الحَدَثانِ عَلى الحَوادِثِ في قَوْلِ العَبْدِيِّ: ولا يَبْقى عَلى الحَدَثانِ حَيٌّ فَهَلْ يَبْقى عَلَيْهِنَّ السِّلامُ أرادَ: فَهَلْ يَبْقى عَلى الحَوادِثِ، والسِّلامُ: الصُّخُورُ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنَّما قالَ: ﴿ وَمِنها ﴾ لِأنَّ السَّبِيلَ تُؤَنَّثُ وتُذَكَّرُ، فالمَعْنى: مِنَ السَّبِيلِ جائِرٌ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: ومِنَ الطُّرُقِ جائِرٌ لا يَهْتَدُونَ فِيهِ، والجائِرُ: العادِلُ عَنِ القَصْدِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ومِنها جائِرُ الأهْواءِ المُخْتَلِفَةِ.

وقالَ ابْنُ المُبارَكِ: الأهْواءُ والبِدَعُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ يَعْنِي: المَطَرَ ﴿ لَكم مِنهُ شَرابٌ ﴾ وهو ما تَشْرَبُونَهُ، ﴿ وَمِنهُ شَجَرٌ ﴾ ذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في مَعْناهُ قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: ومِنهُ سَقْيُ شَجَرٍ، وشُرْبُ شَجَرٍ، فَخَلَفَ المُضافُ إلَيْهِ المُضافَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ  ﴾ .

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: ومِن جِهَةِ الماءِ شَجَرٌ، ومِن سَقْيِهِ شَجَرٌ، ومِن ناحِيَتِهِ شَجَرٌ، فَحُذِفَ الأوَّلُ، وخَلَفَهُ الثّانِي، قالَ زُهَيْرٌ: [لِمَنِ الدِّيارُ بِقُنَّةِ الحِجْرِ] .

.

.

.

∗∗∗ أقْوَيْنَ مِن حُجَجٍ ومِن شَهْرِ أيْ: مِن مَمَرِّ حُجَجٍ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمُرادُ بِهَذِهِ الشَّجَرِ: المَرْعى.

وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ ما نَبَتَ عَلى الأرْضِ فَهو شَجَرٌ، قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ الخَيْلَ: يَعْلِفُها اللَّحْمَ إذا عَزَّ الشَّجَرُ ∗∗∗ والخَيْلُ في إطْعامِها اللَّحْمَ ضَرَرُ يَعْنِي: أنَّهم يَسْقُونَ الخَيْلَ اللَّبَنَ إذا أجْدَبَتِ الأرْضُ.

و ﴿ تُسِيمُونَ ﴾ بِمَعْنى: تَرْعَوْنَ، يُقالُ: سامَتِ الإبِلُ فَهي سائِمَةٌ: إذا رَعَتْ، وإنَّما أخَذَ ذَلِكَ مِنَ السُّومَةِ، وهي: العَلامَةُ، وتَأْوِيلُها: أنَّها تُؤَثِّرُ في الأرْضِ بِرَعْيِها عَلاماتٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ ﴾ ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " نُنْبِتُ " بِالنُّونِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الحُبُوبَ، وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ ﴾ قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى: وجَعَلَ النُّجُومَ مُسَخَّراتٍ، فَجازَ إضْمارُ فِعْلٍ غَيْرِ الأوَّلِ، لِأنَّ هَذا المُضْمَرَ في المَعْنى مِثْلُ المَظْهَرِ، وقَدْ تَفْعَلُ العَرَبُ أشَدَّ مِن هَذا، قالَ الرّاجِزُ: تَسَمَعُ في أجْوافِهِنَّ صَرَدًا ∗∗∗ وفي اليَدَيْنِ جُسْأةً وبَدَدا المَعْنى: وتَرى في اليَدَيْنِ.

والجُسْأةُ: اليَبَسُ.

والبَدَدُ: السَّعَةُ.

وقالَ غَيْرُهُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُسَخَّراتٌ ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، لِأنَّ تَسْخِيرَها قَدْ عُرِفَ بِقَوْلِهِ تَعالى: " وسَخَّرَ " .

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ، رَفْعًا كُلَّهُ، ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: بِالنَّصْبِ كالجُمْهُورِ، إلّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ ﴾ فَإنَّهُ رَفَعَها.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ ﴾ ﴿ وَلَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ ﴾ ﴿ وَتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلا بِشِقِّ الأنْفُسِ إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَعَلى اللهِ قَصْدُ السَبِيلِ ومِنها جائِرٌ ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ ﴾ "الأنْعامُ": الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ، وأكْثَرُ ما يُقالُ: نِعَمٌ وأنْعامٌ لِلْإبِلِ، ويُقالُ لِلْجُمُوعِ، ولا يُقالُ لِلْغَنَمِ مُفْرَدَةً، ونَصْبُها إمّا عَطْفًا عَلى "الإنْسانَ"، وإمّا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وهو أوجُهُ.

و"الدِفْءُ": السَخانَةُ وذَهابُ البَرْدِ بِالأكْسِيَةِ، وذَكَرَ النَحّاسُ عَنِ الأُمَوِيِّ قالَ: الدِفْءُ في لُغَةِ بَعْضِهِمْ: تَناسُلُ الإبِلِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَسْلُ كُلِّ شَيْءٍ، والمَعْنى الأوَّلُ هو الصَحِيحُ.

وقَرَأ الزُهْرِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ: "دِفٌّ" بِضَمِّ الفاءِ وشَدِّها وتَنْوِينِها.

و"المَنافِعُ": ألْبانُها وما تَصَرَّفَ مِنها، ودُهُونُها وحَرْثُها والنَضْحُ عَلَيْها، وغَيْرَ ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ "الأكْلَ" الَّذِي هو مِن جَمِيعِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكم فِيها جَمالٌ ﴾ أيْ: في المَنظَرِ، ﴿ حِينَ تُرِيحُونَ ﴾ مَعْناهُ: حِينَ تَرُدُّونَها وقْتَ الرَواحِ إلى المَنازِلِ فَتَأْتِي بِطانًا مُمْتَلِئَةَ الضُرُوعِ.

و"تَسْرَحُونَ" مَعْناهُ: تُخْرِجُونَها غُدْوَةً إلى السَرْحِ، تَقُولُ: "سَرَحْتُ السائِمَةَ" إذا أرْسَلْتَها تَسْرَحُ، فَسَرَحَتْ هِيَ، كَرَجَعَ رَجَعْتُهُ، وهَذا الجَمالُ لِمالِكِها ولِمُحِبِّيهِ وعَلى حَسَدَتِهِ، وهَذا المَعْنى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُنْيا  ﴾ ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ: "حِينَما تُرِيحُونَ وحِينًا تَسْرَحُونَ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "حِينًا تَرِيحُونَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهِيَ ضَعِيفَةٌ، وأظُنُّها تَصْحِيفًا.

و"الأثْقالُ": الأمْتِعَةُ، وقِيلَ: المُرادُ هُنا الأجْسامُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها  ﴾ ، أيْ بَنِي آدَمَ، واللَفْظُ يَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ، قالَ النَقّاشُ: ومِنهُ سُمِّي الإنْسُ والجِنُّ الثِقْلانِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إلى بَلَدٍ ﴾ أيْ: إلى أيِّ بَلَدٍ تَوَجَّهْتُمْ بِحَسْبِ اخْتِلافِ أغْراضِ الناسِ، وقالَ عِكْرِمَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: المُرادُ مَكَّةَ، وفي الآيَةِ -عَلى هَذا- حَضٌّ عَلى الحَجِّ.

و"الشِقُّ": المَشَقَّةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وذِي إبِلٍ يَسْعى ويَحْسِبُها لَهُ ∗∗∗ أخِي نَصَبٍ مِن شِقِّها ودَؤُوبِ أيْ: مِن مَشَقَّتِها.

ويُقالُ فِيها: شِقٌّ وشَقٌّ، أيْ: مَشَقَّةٌ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ القارِي، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، وابْنُ أرْقَمَ، ومُجاهِدٌ، والأعْرَجُ: "بِشَقِّ" بِفَتْحِ الشِينِ، ورُوِيَتْ عن نافِعٍ، وأبِي عَمْرٍو، وذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّ مَعْنى ﴿ بِشِقِّ الأنْفُسِ ﴾ أيْ: بِذَهابِ نِصْفِها، كَأنَّها قَدْ ذابَتْ تَعَبًا ونَصَبًا، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: لا تَقْدِرُ عَلى كَذا إلّا بِذَهابِ جُلِّ نَفْسِكَ، وبِقِطْعَةٍ مِن كَبِدِكَ ونَحْوَ هَذا مِنَ المَجازِ، وذَهَبُوا في فَتْحِ الشِينِ إلى أنَّهُ مَصْدَرٌ: شَقَّ يَشُقُّ.

ثُمَّ أوجَبَ اللهُ رَأْفَتَهُ ورَحْمَتَهُ في هَذِهِ النِعَمِ الَّتِي أذْهَبَتِ المَشَقّاتُ ورَفَعَتِ الكَلَفَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ ﴾ عَطْفٌ، أيْ: وخَلَقَ الخَيْلَ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ" بِالرَفْعِ في كُلِّها، وسُمِّيَتِ الخَيْلُ خَيْلًا لِاخْتِيالِها في المِشْيَةِ، أفْهَمَهُ أعْرابِيٌّ لِأبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ.

وقَوْلُهُ: "وَزِينَةً" نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: "وَجَعَلْنا زِينَةً"، وقَرَأ أبُو عِياضٍ: "لِتَرْكَبُوها زِينَةً" دُونَ واوٍ، والنُصْبُ حِينَئِذٍ عَلى الحالِ مِنَ الهاءِ في "تَرْكَبُوها".

وقَوْلُهُ: ﴿ وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ عِبْرَةٌ مَنصُوبَةٌ عَلى العُمُومِ، أيْ أنَّ مَخْلُوقاتِ اللهِ مِنَ الحَيَوانِ وغَيْرِهِ لا يُحِيطُ بِعِلْمِها بَشَرٌ، بَلْ ما يَخْفى عنهُ أكْثَرُ مِمّا يُعْلَمُ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى خَلْقَ ألْفَ نَوْعٍ مِنَ الحَيَوانِ، مِنها في البِرِّ أرْبَعُمِائَةٍ، وبَثَّها بِأعْيانِها في البَحْرِ، وزادَ فِيهِ مِائَتَيْنِ لَيْسَتْ في البَرِّ.

وكُلُّ مَن خَصَّصَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ شَيْئًا -كَقَوْلِ مَن قالَ: سُوسُ الثِيابِ وغَيْرَ ذَلِكَ -فَإنَّما هو عَلى جِهَةِ المِثالِ، لا أنْ ما ذَكَرَهُ هو المَقْصُودُ في نَفْسِهِ، قالَ الطَبَرِيُّ: ﴿ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ هو ما أعَدَّ اللهُ في الجَنَّةِ لِأهْلِها، وفي النارِ لِأهْلِها، مِمّا لَمْ تَرَهُ عَيْنٌ، ولا سَمِعَتْهُ أُذُنٌ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ.

واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ ومَن ذَهَبَ مَذْهَبَهُ في كَراهِيَةِ لُحُومِ الخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ أو تَحْرِيمِها بِحَسْبِ الِاخْتِلافِ في ذَلِكَ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: سُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ عن لُحُومِ الخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ فَكَرِهَها فاحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ: جَعَلَ اللهُ الأنْعامَ لِلْأكْلِ وهَذِهِ لِلرُّكُوبِ، وكانَ الحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: الخَيْلُ والبِغالُ والحَمِيرُ حَرامٌ في كِتابِ اللهِ تَعالى، ويَحْتَجُّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وهَذِهِ الحُجَّةُ غَيْرُ لازِمَةٍ عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ، قالُوا: إنَّما ذَكَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عِظَمَ مَنافِعِ الأنْعامِ، وذَكَرَ عِظَمِ مَنافِعِ هَذِهِ وأهَمُّ ما فِيها، ولَيْسَ يَقْضِي ذَلِكَ بِأنَّ ما ذَكَرَهُ لِهَذِهِ لا تَدَخُلُ هَذِهِ فِيهِ، قالَ الطَبَرِيُّ: وفي إجْماعِهِمْ عَلى جَوازِ رُكُوبٍ ما ذُكِرَ لِلْأكْلِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ أكْلِ ما ذُكِرَ لِلرُّكُوبِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا نَظَرٌ، ولُحُومُ الخَيْلِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ حَلالٌ، وفي جَوازِ أكْلِها حَدِيثُ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وحَدِيثُ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: « "كُنّا نَأْكُلُ الخَيْلَ في عَهْدِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ"» والبِغالُ والحَمِيرُ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وهو تَحْقِيقُ مَذْهَبِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ، وحُجَّةُ مَن ألْحَقَ الخَيْلَ بِالبِغالِ والحَمِيرِ في الكَراهِيَةِ القِياسُ، إذْ قَدْ تَشابَهَتْ وفارَقَتِ الأنْعامَ في أنَّها لا تَجْتَرُّ، وأنَّها ذَواتُ حَوافِرَ، وأنَّها لا أكْراشَ لَها، وأنَّها مُتَداخِلَةٌ في النَسْلِ، إذِ البِغالُ بَيْنَ الخَيْلِ والحَمِيرِ، فَهَذا مِن جِهَةِ النَظَرِ، وأمّا مِن جِهَةِ الشَرْعِ فَإنَّها قُرِنَتْ في هَذِهِ الآيَةِ وأُسْقِطَتِ الزَكاةُ فِيها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَلى اللهِ قَصْدُ السَبِيلِ ﴾ الآيَةُ.

هَذِهِ أيْضًا مِن أجْلِّ نِعَمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، أيْ: عَلى اللهِ تَقْوِيمُ طَرِيقِ الهُدى وتَبْيِينُهُ، وذَلِكَ بِنَصْبِ الأدِلَّةِ وبَعْثِ الرُسُلِ، وإلى هَذا ذَهَبَ المُتَأوِّلُونَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّ مَن سَلَكَ السَبِيلَ القاصِدَ فَعَلى اللهِ رَحْمَتُهُ ونَعِيمُهُ وطَرِيقُهُ، وإلى ذَلِكَ مَصِيرُهُ، فَيَكُونُ هَذا مَثَلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ  ﴾ ، وقَوْلُ النَبِيِّ  : « "والشَرُّ لَيْسَ إلَيْكَ"،» أيْ: لا يُفْضِي إلى رَحْمَتِكَ، و"طَرِيقٌ قاصِدٌ" مَعْناهُ: بَيِّنٌ مُسْتَقِيمٌ قَرِيبٌ، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ: فَصَدَّ عن نَهْجِ الطَرِيقِ القاصِدِ والألِفُ واللامُ في "السَبِيلِ" لِلْعُهَدِ، وهي سَبِيلُ الشَرْعِ، ولَيْسَتْ لِلْجِنْسِ، ولَوْ كانَتْ لِلْجِنْسِ لَمْ يَكُنْ فِيها جائِرٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَمِنها جائِرٌ ﴾ يُرِيدُ طَرِيقَ اليَهُودِ والنَصارى وغَيْرَهم كَعَبَدَةِ الأصْنامِ، والضَمِيرُ في "مِنها" يُعُودُ عَلى [السُبُلِ] الَّتِي يَتَضَمَّنُها مَعْنى الآيَةِ، كَأنَّهُ قالَ: "وَمِنَ السُبُلِ جائِرٌ"، فَأعادَ عَلَيْها وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِتَضَمُّنِ لَفْظَةِ "السَبِيلِ" بِالمَعْنى لَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "مِنها" عَلى سَبِيلِ الشَرْعِ المَذْكُورَةِ، وتَكُونُ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ، ويَكُونُ المُرادُ فِرَقَ الضَلالَةِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  ، كَأنَّهُ قالَ: "وَمِن بُنَياتِ الطَرِيقِ في هَذِهِ السَبِيلِ ومِن شُعَبِها جائِرٌ".

وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ ﴾ مَعْناهُ: لَخَلَقَ الهِدايَةَ في قُلُوبِ جَمِيعِكم ولَمْ يَضِلَّ أحَدٌ، وقالَ الزَجّاجُ: مَعْناهُ: لَوْ شاءَ لَعَرَضَ عَلَيْكم آيَةً تَضْطَرُّكم إلى الإيمانِ والِاهْتِداءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلُ سُوءٍ لِأهْلِ البِدَعِ الَّذِينَ يَرَوْنَ أنَّ اللهَ لا يَخْلُقُ أفْعالَ العِبادِ لَمْ يُحَصِّلْهُ الزَجّاجُ، ووَقَعَ فِيهِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وَمِنكم جائِرٌ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَمِنكم جائِرٌ"، والسَبِيلُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة معترضة..

اقتضَتْ اعتراضَها مناسبة الامتنان بنعمة تيسير الأسفار بالرواحل والخيل والبغال والحمير.

فلما ذكرت نعمة تيسير السبيل الموصلة إلى المقاصد الجثمانية ارتُقِي إلى التذكير بسبيل الوصول إلى المقاصد الرُّوحانية وهو سبيل الهدى، فكان تعهّد الله بهذه السبيل نعمة أعظمَ من تيسير المسالك الجثمانية لأن سبيل الهدى تحصل به السعادة الأبدية.

وهذه السبيل هي موهبةُ العقل الإنساني الفارق بين الحقّ والباطل، وإرسال الرسل لدعوة الناس إلى الحقّ، وتذكيرهم بما يغفلون عنه، وإرشادهم إلى ما لا تصل إليه عقولهم أو تصل إليه بمشقّة على خطر من التورّط في بنيّات الطريق.

فالسبيل: مجاز لما يأتيه الناس من الأعمال من حيث هي موصلة إلى دار الثواب أو دار العقاب، كما في قوله: ﴿ قل هذه سبيلي ﴾ [سورة يوسف: 108].

ويزيد هذه المناسبة بياناً أنه لما شرحت دلائل التوحيد ناسب التنبيه على أن ذلك طريق للهدى، وإزالة للعذر، وأن من بين الطرق التي يسلكها الناس طريق ضلال وجور.

وقد استعير لتعهّد الله بتبيين سبيل الهدى حرف على } المستعار كثيراً في القرآن وكلام العرب لمعنى التعهّد، كقوله تعالى: ﴿ إن علينا للهدى ﴾ .

شبه التزام هذا البيان والتعهّد به بالحقّ الواجب على المحقوق به.

والقصد: استقامة الطريق.

وقع هنا وصفاً للسبيل من قبيل الوصف بالمصدر، لأنه يقال: طريق قاصد، أي مستقيم، وطريق قصد، وذلك أقوى في الوصف بالاستقامة كشأن الوصف بالمصادر، وإضافة ﴿ قصد ﴾ إلى ﴿ السبيل ﴾ من إضافة الصفة إلى الموصوف، وهي صفة مخصّصة لأن التعريف في ﴿ السبيل ﴾ للجنس.

ويتعين تقدير مضاف لأن الذي تعهّد الله به هو بيان السبيل لا ذات السبيل.

وضمير ﴿ ومنها ﴾ عائد إلى ﴿ السبيل ﴾ على اعتبار جواز تأنيثه.

و ﴿ جائر ﴾ وصف ل ﴿ السبيل ﴾ باعتبار استعماله مذكراً.

أي من جنس السبيل الذي منه أيضاً قصد سبيل جائر غير قَصْد.

والجائر: هو الحائد عن الاستقامة.

وكنّي به عن طريق غير موصل إلى المقصود، أي إلى الخير، وهو المفضي إلى ضُرّ، فهو جائر بسالكه.

ووصفه بالجائر على طريقة المجاز العقلي.

ولم يضف السبيل الجائر إلى الله لأن سبيل الضلال اخترعها أهل الضلالة اختراعاً لا يشهد له العقل الذي فطر الله الناس عليه، وقد نهى الله الناس عن سلوكها.

وجملة ﴿ ولو شاء لهداكم أجمعين ﴾ تذييل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنها جائِرٌ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: وعَلى اللَّهِ قَصْدُ الحَقِّ في الحُكْمِ بَيْنَ عِبادِهِ ومِنهم جائِرٌ عَنِ الحَقِّ في حُكْمِهِ.

الثّانِي: وعَلى اللَّهِ أنْ يَهْدِيَ إلى قَصْدِ الحَقِّ في بَيانِ السَّبِيلِ، ومِنهم جائِرٌ عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ، أيْ عادِلٌ عَنْهُ لا يَهْتَدِي إلَيْهِ.

وَفِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ الأهْواءِ المُخْتَلِفَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: مِلَلُ الكُفْرِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وعلى الله قصد السبيل ﴾ يقولون البيان ﴿ ومنها جائر ﴾ قال الأهواء المختلفة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﴿ وعلى الله قصد السبيل ﴾ يقول: على الله يبين الهدى والضلالة، ﴿ ومنها جائر ﴾ قال السبيل المتفرقة.

واخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وعلى الله قصد السبيل ﴾ قال طريق الحق على الله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وعلى الله قصد السبيل ﴾ قال: على الله بيان حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته ﴿ ومنها جائر ﴾ قال: على السبيل ناكب عن الحق وفي قراءة ابن مسعود ﴿ ومنكم جائر ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف، عن علي أنه كان يقرأ هذه الآية ﴿ فمنكم جائر ﴾ .

وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد في قوله: ﴿ وعلى الله قصد السبيل ﴾ قال طريق الهدى، ﴿ ومنها جائر ﴾ قال: من السبل جائر عن الحق، وقرأ ﴿ ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ﴾ [ الأنعام: 153] ﴿ ولو شاء لهداكم أجمعين ﴾ لقصد السبيل الذي هو الحق وقرأ ﴿ ولو شاء ربك لأمن من في الأرض كلهم جميعاً ﴾ [ يونس: 99] ﴿ ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ﴾ [ السجدة: 13] والله أعلم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ فيه تسيمون ﴾ قال ترعون فيه أنعامكم.

وأخرج الطستي، عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ فيه تسيمون ﴾ قال فيه ترعون.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت الأعشى وهو يقول: ومشى القوم بالعماد إلى الدو ** حاء أعماد المسيم بن المساق وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وما ذرأ لكم في الأرض ﴾ قال ما خلق لكم في الأرض مختلفاً: من الدواب، والشجر، والثمار.

نعم من الله متظاهرة، فاشكروها لله عز وجل، والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ﴾ القصد: استقامة الطريق، يقال: طريق قصد وقاصد إذا أداك إلى مطلوبك، وقصد بك ما تريد (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) ﴿ وَمِنهَا جَآِئرٌ ﴾ ، أي: عادل مائل، ومعنى الجور في اللغة: الميل عن الحق (٧) (٨) (٩) (١٠) روى عطاء عن ابن عباس في هذه الآية، قال: من أراد أن يهديه سهل له طريق الإيمان، ومن أراد أن يُضلَّه وعَّر عليه طريق الإيمان (١١) ﴿ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ ، يريد: فلو شاء لأرشدكم أجمعين حتى لا يختلف عليك يا محمد أحد، هذا كلامه، والذي ذكرنا في هذه الآية هي طريقة المفسرين.

وفي الآية وجه آخر، وهو أن المعنى: أن قصد السبيل الذي هو الحنفية والإسلام على الله؛ أن يؤدي إلى رضا الله وثوابه وجزائه (١٢) ﴿ قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ  ﴾ ، أي: أنه يؤدي إلى جزائي وكرامتي، فهو طريق عليّ، وهذا مذهب مجاهد، قال: على الله طريق الحق (١٣) (١٤) (١٥) ثم قال: ﴿ ومنها جائزٌ ﴾ وهو ضده، فلم يضف إلى نفسه (١٦)  : ﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ  ﴾ ، وقال على لسان الخضر: ﴿ ومَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ  ﴾ ؛ في حين نسب الخير إليه في قوله: ﴿ فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي  ﴾ ، وقال على لسان الجن: ﴿ وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا  ﴾ ، ومن هنا قال رسول الله -  - "والخير كله بيديك، والشر ليس إليك" [مسلم (771) كتاب: المسافرين، الدعاء في صلاة الليل].]]، وابن عباس قد بَيَّنَ ذلك كما حكينا، ولا شبهة لهم في الآية على القول الثاني.

(١) انظر: (قصد) في "المحيط في اللغة" 5/ 256، و"المفردات" ص 672، و"اللسان" 3642.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 200 ب، والطبري 14/ 84، والسمرقندي 2/ 229، و"تفسير الماوردي" 3/ 181، والبغوي 5/ 11، وابن عطية 8/ 376، و"تفسير القرطبي" 10/ 81، والخازن 3/ 108، وأبي السعود 5/ 98.

(٣) أخرجه الطبري 14/ 84 بمعناه عن قتادة، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 209، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة بمعناه، ولم أقف عليه عن جابر والسدي.

(٤) أخرجه الطبري 14/ 85 بمعناه، من طريق ابن أبي طلحة صحيحة، ومن طريق العوفي غير مرضية، وورد في "تفسير الطوسي" 6/ 363.

(٥) "معاني القرآن" للفراء 2/ 97، بمعناه.

(٦) معاني القرآن وإعرابه" 3/ 192، بمعناه.

(٧) انظر: (جور) في "المحيط في اللغة" 7/ 172، و"مجمل اللغة" 1/ 202، و"الصحاح" 2/ 917، و"اللسان" 2/ 772.

(٨) نقله الفخر الرازي بنصه، ونسبه للواحدي 19/ 231.

(٩) روي عن ابن عباس في "تفسير ابن كثير" 2/ 620، و"تنوير المقباس" ص 283، وورد غير منسوب في: "تفسير الثعلبي" 2/ 154، دون ذكر المجوسية، والبغوي 5/ 11، وابن عطية 8/ 377، و"تفسير القرطبي" 10/ 81، والخازن 3/ 108.

(١٠) ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 154 ب، بنصه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 11، وابن الجوزي 4/ 433، والخازن 3/ 108.

(١١) انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 82، بنصه.

(١٢) انظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 376.

(١٣) تقدم توثيق قوله.

(١٤) لم أقف عليه.

(١٥) القدرية هم نفاة القدر؛ يزعمون أن الأمر أنف، كان أول ظهورهم في نهاية جيل الصحابة، عندما ظهر معبد الجهني، وقد تبرأ منهم ابن عمر -  ما-، وخلف الجهمية في هذه البدعة المعتزلة، وأصّلوها، وجعلوها من أصولهم الخمسة.

انظر: "الفرق بين الفرق" ص 114، و"الفصل في الملل والأهواء" 3/ 82، و"الملل والنحل" 1/ 43، و"الاستقامة" 1/ 179، و"التعريفات" ص 174.

(١٦) هذه إشارة إلى مذهبهم الفاسد في إخراج أفعال العباد عن قدرة الله وخلقه، والمذهب الحق في هذه القضية هو مذهب أهل السنة والجماعة، وقد ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره، فقال: وأما جمهور أهل السنة، فيقولون: إن == فعل العبد فعل له حقيقة، ولكنه مخلوق لله ومفعول لله؛ لا يقولون: هو نفس فعل الله، ويفرقون بين الخلق والمخلوق، والفعل والمفعول.

"منهاج السنة النبوية" 2/ 298.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وعلى الله قَصْدُ السبيل ﴾ أي على الله تقويم طريق الهدى، بنصب الأدلة وبعث الرسل والمراد بالسبيل هنا: الجنس، ومعنى القصد الموصل، وإضافته إلى السبيل من إضافة الصفة إلى الموصوف ﴿ وَمِنْهَا جَآئِرٌ ﴾ الضمير في منها يعود على السبيل إذ المراد به: الجنس ومعنى الجائر: الخارج عن الصواب: أي ومن الطريق جائر كطريق اليهود والنصارى وغيرهم ﴿ مَآءً لَّكُم ﴾ يحتمل أن يتعلق لكم بأنزل أو يكون في موضع خبر لشراب، أو صفة لسماء ﴿ وَمِنْهُ شَجَرٌ ﴾ يعني ما ينبت بالمطر من الشجر ﴿ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴾ أي ترعون أنعامكم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تشركون ﴾ وما بعده بتاء الخطاب: حمزة وعلي وخلف.

والآخرون على الغيبة ﴿ تنزل ﴾ بالفتحات الثلاث ﴿ الملائكة ﴾ بالرفع: سهل وروح وزيد وأبو زيد مثله لكن بضم التاء الفوقانية: جبلة ﴿ ينزل ﴾ من الإنزال ﴿ الملائكة ﴾ بالنصب: ابن كثير وأبو عمرو ورويس: والباقون بالتشديد من التنزيل.

﴿ بشق الأنفس ﴾ بفتح الشين: يزيد.

الباقون بكسرها ﴿ ننبت ﴾ بالنون: يحيى وحماد.

الآخرون بياء الغيبة ﴿ والشمس والقمر والنجوم مسخرات ﴾ كلها مرفوعات: ابن عامر وافق حفص والمفضل ﴿ في النجوم مسخرات ﴾ الباقون: بنصب الجميع على أن ﴿ مسخرات ﴾ حال.

﴿ يسرون ويعلنون ﴾ بالياء التحتانية فيهما: الخزاز عن هبيرة.

الآخرون بتاء الخطاب ﴿ يدعون ﴾ على الغيبة: سهل ويعقوب وعاصم غير الأعشى.

الباقون على الخطاب.

الوقوف: ﴿ فلا تستعجلوه ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ فاتقون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ج ﴿ خلقها ﴾ ج لاحتمال تمام الكلام واحتمال أن يكون ﴿ لكم ﴾ متعلقاً به والوقف حينئذٍ على ﴿ لكم ﴾ ﴿ تأكلون ﴾ ه ص للعطف ﴿ تسرحون ﴾ ه ص لذلك ﴿ الأنفس ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه لا لأن ﴿ الخيل ﴾ مفعول ﴿ خلق ﴾ ﴿ وزينة ﴾ ط ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ جائر ﴾ ط ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ تسيمون ﴾ ه ﴿ الثمرات ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ والنهار ﴾ ط لمن قرأ ﴿ والشمس ﴾ وما بعده بالرفع ومن نصب ﴿ الشمس والقمر ﴾ ورفع ﴿ النجوم ﴾ وقف على ﴿ القمر ﴾ ومن نصب الكل وقف على ﴿ بأمره ﴾ ﴿ بأمره ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول ﴿ سخر ﴾ ﴿ ألوانه ﴾ ط ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ تلبسونها ﴾ ج لأن قوله ﴿ وترى ﴾ فعل مستأنف مع اتصال المعنى.

﴿ تشكرون ﴾ ه لا ﴿ تهتدون ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ وعلامات ﴾ عطف على ﴿ سبلاً ﴾ ﴿ وعلامات ﴾ ط ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ لا يخلق ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ لا تحصوها ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ وما تعلنون ﴾ ه ﴿ وهم يخلقون ﴾ ه ط لأن التقدير: هم أموات ﴿ غير أحياء ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ وما يشعرون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ واحد ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ مع الفاء ﴿ مستكبرون ﴾ ه ﴿ وما يعلنون ﴾ ه ﴿ المستكبرين ﴾ ه.

التفسير: هذه السورة تسمى سورة النعم أيضاً، وحكى الأصم عن بعضهم أن كلها مدنية.

وقال الآخرون: من أولها إلى قوله: ﴿ كن فيكون ﴾ مدنية وما سواه مكي.

وعن قتادة بالعكس منه.

قال أهل النظم: إن رسول الله  كان يخوفهم بعذاب الدنيا تارة وهو القتل والاستيلاء عليهم كما حصل في يوم بدر، وتارة بعذاب القيامة.

ثم إن القوم لما لم يشاهدوا شيئاً من ذلك أقبلوا على تكذيبه وكانوا يستعجلون ما وعدوا به استهزاء.

وروي أنه لما نزلت ﴿ اقتربت الساعة  ﴾ قال الكفار فيما بينهم: إن هذا يزعم أن القيامة قد اقتربت فأمسكوا عن بعض ما تعملون حتى ننظر ما هو كائن.

فلما تأخرت قالوا: ما نرى شيئاً فنزلت ﴿ اقترب للناس حسابهم  ﴾ فأشفقوا وانتظروا قربها، فلما امتدت الأيام قالوا: يا محمد ما نرى شيئاً مما تخوفنا به فنزلت ﴿ أتى أمر الله ﴾ فوثب رسول الله  ورفع الناس رؤوسهم فنزلت ﴿ فلا تستعجلوه ﴾ فاطمأنوا.

والحاصل أن قوله: ﴿ أتى أمر الله ﴾ جواب عن شبهتهم إجراء لما يجب وقوعه مجرى الواقع كما يقال لمن طلب الإغاثة وقرب حصولها: جاءك الغوث فلا تجزع.

أو المراد أن ﴿ أمر الله ﴾ بذلك وحكمه قد وقع وأتى.

فأما المحكوم به فإنما لم يقع لأنه  حكم بوقوعه في وقت معين فقبل مجيء ذلك الوقت لا يخرج إلى الوجود فلا تسعجلوه ولا تطلبوا حصوله قبل حضور ذلك الوقت.

ثم إن المشركين كأنهم قالوا: هب يا محمد أنا سلمنا صحة ما تقول من أنه  حكم بإنزال العذاب علينا إما في الدنيا وإما في الآخرة إلا أنا نعبد هذه الأصنام لأنها شفعاؤنا عند الله فكيف نستحق العذاب بسبب هذه العبادة؟

فأجاب الله عن هذه الشبه بقوله: {  وتعالى عما يشركون} كما مر في أول سورة يونس.

والمراد تنزيه نفسه عن الأضداد والأنداد وأن يكون لأحد من الأرواح والأجساد أن يشفع عنده إلا بإذنه، أو يستعجل في حكم من أحكامه، أو قضية قبل أوانه.

ثم إنهم كأنهم قالوا سلمنا أنه  أن يقضي على طائفة باللطف وعلى الآخرين.

بالقهر ولكن كيف صرت واقفا على أسرار الله  في ملكه وملكوته دوننا، من أين حصل لك هذا الفضل علينا؟

فأزال الله  شبهتهم بقوله: ﴿ ينزل الملائكة ﴾ الآية.

والمراد أن له بحكم المالكية أن يختص بعض عبيده بإنزال الوحي عليه ويأمره بأن يكلف سائر العباد بمعرفة توحيد الله وبعبادته، فظهر بهذا البيان أن هذه الآيات منتظمة على أحسن الوجوه.

قال الواحدي: روى عطاء عن ابن عباس أنه أراد بالملائكة ههنا جبرائيل وحده، وتسمية الواحد بالجمع إذا كان رئيساً مطاعاً جائزة.

وعلى هذا التفسير فالمراد بالروح كلام الله تعالى كقوله: ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا  ﴾ قال المحققون: الروح الأصلي هو القرآن الذي فيه بيان المبدأ والوسط والمعاد، فبه يحصل إشراق العقل، وبالعقل يكمل ضياء جوهر الروح، وبالروح يكمل حال الجسد فهو الأصل والباقي فرع عليه وبهذه المناسبة يسمى جبرائيل روحاً وعيسى روحاً.

وعن أبي عبيدة أن الروح ههنا جبرائيل، والباء بمعنى "مع" أي تنزل الملائكة مع جبرائيل.

وذلك أنه في أكثر الأحوال كان ينزل ومعه أقوام من الملائكة كما في يوم بدر وحنين، وكان ينزل على رسول الله  ملك الجبال وملك البحار وخزان الجنة وغيرهم.

قال في الكشاف: ﴿ بالروح من أمره ﴾ أي بما يحيي القلوب الميتة بالجهل من وحيه، أو بما يقوم في الدين مقام الروح في الجسد وقال غيره: من أمره معناه أن ذلك التنزيل والنزول لا يكون إلا بأمر الله كقوله { ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك  ﴾ قال الزجاج: ﴿ أن أنذروا ﴾ بدل من "الروح" أي ينزلهم بأن أنذروا.

و"أن" إما مفسرة لأن تنزيل الوحي فيه معنى القول، وإما مخففة من الثقيلة وضمير الشأن مقدر أي بأن الشأن أقول لكم أنذروا أي أعلموا الناس قولي: ﴿ لا إله إلا أنا ﴾ وهو إشارة إلى استكمال القوة النظرية.

وقوله: ﴿ فاتقون ﴾ رمز إلى استكمال القوة العملية ومنه يعلم أن النفس متى كملت من هاتين الجهتين حصل لها روح حقيقي وحياة أبدية وسعادة سرمدية.

قال الإمام فخر الدين الرازي: إنا لا نعلم كون جبريل صادقاً ولا معصوماً من الكذب والتلبيس إلا بالدلائل السمعية، وصحة الدلائل السمعية موقوفة على صدق محمد  ، وصدقه يتوقف على أن هذا القرآن معجز من قبل الله لا من قبل شيطان خبيث، والعلم بذلك يتوقف على العلم بأن جبرائيل صادق مبرأ عن التلبيس وأفعال الشياطين، وحينئذٍ يلزم الدور وهذا مقام صعب.

أقول: قد ذكرنا مراراً أن الفرق بين المعجز والسحر هو أن صاحب المعجز يدعو إلى الخير، وصاحب السحر يدعو إلى الشر، والفرق بين الملك والشيطان هو أن الملك يلهم بالخير، والشيطان يوسوس بضده وإذا كان الأمر كذلك فكيف تشتبه المعجزة بالسحرة وجبرائيل بإبليس ومن أين يلزم الدور؟

ولما بين الله  أن روح الأرواح وروح الأجسام هو أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل أن يعمل به، أتبعه دلائل التوحيد مبتدئاً من الأشرف وهو السماويات إلى الأدون - وهو الأرضيات - فقال: ﴿ خلق السموات والأرض بالحق ﴾ وقد مر تفسير مثله مراراً.

وقوله: ﴿ تعالى عما يشركون ﴾ تنزيه لذاته عمن يشاركه في الأزلية والقدم والتدبير والتأثير والصنع والإبداع.

فالفائدة المطلوبة من هذا الكلام غير الفائدة المطلوبة من مثله في أول السورة كما ذكرنا فلا تكرار.

ثم إن أشرف الأجسام بعد الفلكيات بدن الإنسان فلهذا عقب المذكور بقوله: ﴿ خلق الإنسان من نطفة ﴾ قالت الأطباء: إن الغذاء إذا وصل إلى المعدة حصل له هناك هضم، وإذا وصل إلى الكبد حصل له فيها هضم ثانٍ، وفي العروق له هضم ثالث، وفي جواهر الأعضاء هضم رابع، وحينئذٍ يصير جزءاً من العضو المغتذى شبيهاً به، ثم عند استيلاء الحرارة على البدن وقت هيجان الشهوة يحصل ذوبان لجملة الأعضاء وتجتمع منه النطفة في أوعيتها، وعلى هذا تكون النطفة جسماً مختلفة الأجزاء والطبائع، وإن كانت تخيل في الحس أنها متشابهة الأجزاء.

وكيفما كان فالمقتضي لتولد البدن منها ليس هي الطبيعة الحاصلة لجوهر النطفة ودم الطمث، لأن الطبيعة تأثيرها بالذات والإيجاب لا بالتدبير والاختيار، والقوّة الطبيعة إذا عملت في مادة متشابهة الأجزاء وجب أن يكون فعلها هو الكرة.

وعلى هذا الحرف عول الحكماء في قولهم: البسائط يجب أن تكون أشكالها الطبيعة في الكرة، وإذا عملت في مادة مختلفة الأجزاء وكل مركب فإنه ينحل إلى بسائط فإنه يلزم أن يكون الحيوان على شكل كرات مضموم بعضها إلى بعض، وكلا الأمرين غير مطابق للواقع، فعلمنا أن حدوث هذه الأعضاء على هذا الترتيب الخاص ليس بالطبيعة وإنما هو بتدبير الفاعل المختار وهو الله  ، وكيف لا والنطفة رطوبة سريعة الاستحالة؟

فالأجزاء الموجودة فيها لا تحفظ الوضع والنسبة، فالجزء الذي هو مادة الدماغ يمكن حصوله في الأسفل، والجزء الذين هو مادة القلب قد يحصل في الفوق، فلا يكون حدوث أعضاء الحيوان على هذا الترتيب الخاص دائماً ولا أكثرياً، وحيث كان كذلك علمنا أن حدوثها بإحداث مدبر مختار.

ثم إن نزلنا عن جميع هذه المراتب فلا خلاف بين الحكم وبين المتكلم أن الطبيعة خرقاء وأنها ليست واجبة الوجود لذاتها فلا بد من الانتهاء الى الصانع الحكيم الخبير.

أما قوله: ﴿ فإذا هو خصم مبين ﴾ فقد ذكروا فيه وجهين: الأول فإذا هو منطيق مجادل عن نفسه مبين للحجة بعد أن كان نطفة لا حس به ولا حراك.

وتقرير ذلك أن النفوس الإنسانية في أول الفطرة أقل فهماً وذكاء من نفوس سائر الحيوانات، ألا ترى أن ولد الدجاجة كما يخرج من البيضة يعرف الصديق من العدو فيهرب من الهرة ويلتجىء إلى الأم ويميز بين الغذاء الذي يوافقه والذي لا يوافقه.

وحال الطفل بخلاف ذلك فانتقاله من تلك الحالة الخسيسة إلى أن يقوى على معرفة الإلهيات والفلكيات والعنصريات وعلى إيراد الشكوك والشبهات على النتائج والمقدمات إنما يكون بتدبير إله مختار قدير ينقل الأرواح من النقصان إلى الكمال ومن الجهالة إلى المعرفة.

الوجه الثاني أن المراد فإذا هو خصيم لربه منكر على خالقه قائل من يحيي العظام وهي رميم.

فعلى الوجه الأول جوز أن يكون الخصيم "فعيلاً" بمعنى "مفاعل" كالأكيل والشريب، وأن يكون بمعنى مختصم، وعلى الوجه الثاني تعين كونه بمعنى "مفاعل" والترجيح من الوجهين للأول بناء على أن هذه الآيات مسوقة لتقرير الدلائل على وجود الصانع الحكيم وقدرته لا لأجل وصف الإنسان بالتمادي في القحة والكفران.

وقد يرجح الثاني بما روي أن أبيّ بن خلف الجمحي جاء بعظم رميم إلى رسول الله صلى الله عليه فقال: يا محمد أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رم؟

فنزلت.

ثم أردف تكوين الإنسان بتكوين الحيوانات التي ينتفع بها الإنسان في ضروراته من الأكل والركوب وجر الأثقال وفي غير الضروريات من الأغراض الصحيحة كالتزيين والجمال فقال: ﴿ والأنعام خلقها ﴾ هي الأزواج الثمانية المذكورة في سورة الأنعام وهي: الضأن والمعز والإبل والبقر.

وإن شئت قلت: الإبل والبقر والغنم.

قال في الكشاف: وأكثر ما يقع هذا اللفظ على الإبل: قلت: ويمكن أن يستدل على ذلك بقوله بعد ذلك: ﴿ وتحمل أثقالكم ﴾ لأن هذا الوصف لا يليق إلا بالإبل.

وانتصابها بمضمر يفسره الظاهر.

ويجوز أن يكون معطوفاً على ﴿ الإنسان ﴾ أي خلق الإنسان والأنعام.

ثم قال: ﴿ خلقها لكم ﴾ أي ما خلقها إلا لكم ولمصالحكم يا جنس الإنسان.

قال صاحب النظم: وأحسن الوجهين أن يكون الوقف عند قوله: ﴿ خلقها ﴾ بدليل أنه عطف عليه قوله: ﴿ ولكم فيها جمال ﴾ والدفء اسم ما يدفأ به كالملء اسم ما يملأ به وهو الدفاء من لباس معمول من صوف أو وبر أو شعر.

قال الجوهري: الدفء نتاج الإبل وألبانها وما ينتفع به منها، والدفء أيضاً السخونة.

وقوله: ﴿ ومنافع ﴾ قالوا: المراد نسلها ودرّها، والمنافع بالحقيقة أعم من ذلك فقد ينتفع بها في البيع والشراء بالنقود والأثواب وبسائر الحاجات.

أما قوله: ﴿ ومنها تأكلون ﴾ بتقديم الظرف المؤذن بالاختصاص فلأن الأكل منها هو الأصل الذي يعتمده الناس في مآكلهم عادة، وأما الأكل من غيرها كالدجاج وصيد البر والبحر فكغير المعتد به الجاري مجرى التفكه، ويحتمل أن يراد أن غالب أطعمتكم إنما يحصل منها لأنكم تحرثون بالبقر وتكتسبون بإكراء الإبل وتشترون بنتاجها وألبانها وجلودها جميع ما تشتهون من الأطعمة.

قوله: ﴿ حين تريحون ﴾ الإراحة رد الإبل إلى مراحها حيث تأوي إليه ليلاً ويقال: سرح القوم إبلهم سرحاً إذا أخرجوها بالغداة إلى المرعى.

وقدم الإراحة لأن الجمال فيها أظهر حين تقبل ملأى البطون حافلة الضروع ثم تأوي إلى الحظائر حاضرة لأهلها.

قوله: ﴿ بشق الأنفس ﴾ من قرأ بفتح الشين فمعناه المشقة فيكون مصدر شق الأمر عليه شقاً وحقيقته راجعة إلى الشق الذي هو الصدع.

ومن قرأ بالكسر فمعناه النصف كأنه يذهب نصف قوته لما يناله من الجهد.

قال جار الله.

معنى المضي في قوله: ﴿ لم تكونوا ﴾ راجع إلى الفرض والتقدير: أي لو لم يخلق الإبل لم تكونوا إلا كذلك.

وإنما لم يقل "لم تكونوا حامليها إلى ذلك البلد" ليطابق قوله: ﴿ وتحمل أثقالكم ﴾ لأجل المبالغة كأنه قيل: قد علمتم أنكم لا تبلغونه بأنفسكم إلا بجهد ومشقة وذهاب قوة فضلاً أن تحملوا على ظهوركم أثقالكم ويجوز أن يكون العائد إلى الأثقال محذوفاً أي لم تكونوا بالغيها إلا بالشق، أو المراد بالأثقال الأجساد، عن ابن عباس أنه فسر البلد بمكة إلى اليمن وإلى الشام وإلى مصر، قال الواحدي: هذا قوله والمراد كل بلد لو تكلفتم بلوغه على غير إبل شق عليكم.

وخص ابن عباس هذه البلاد لأنها أكثر متاجر أهل مكة ﴿ إن ربكم لرءُوف رحيم ﴾ وإلا لم يخلق هذه الحوامل لأجل تيسير هذه المصالح.

احتج منكرو الكرامات بالآية على امتناع طي الأرض كما ينقل عن بعض الأولياء.

والجواب أن الامتناع العادي لا ينافي الإمكان الذاتي.

﴿ والخيل والبغال والحمير ﴾ معطوفات على الأنعام أي وخلق هؤلاء للركوب والزينة فانتصب على أنه مفعول له معطوف على محل ﴿ لتركبوها ﴾ وإنما لم يقل و "لتتزينوا بها" ليكون المعطوف والمعطوف عليه على سنن واحد لأن الركوب فعل المخاطبين، وأما الزينة ففعل الزائن وهو الخالق.

والتحقيق فيه أن الركوب أحد الأمور المعتبرة في المقصود بخلاف التزين بالشيء فإنه قلما يلتفت إليه أرباب الهمم العالية لأنه يورث العجب والتيه غالباً وكأنه قال: خلقتها لتركبوها فتدفعوا عن أنفسكم بواسطتها ضرر الإعياء والمشقة، وأما التزين بها فهو حاصل في نفس الأمر ولكنه غير مقصود بالذات.

احتجت المعتزلة القائلون بأن أفعال الله معللة بالمصالح بأن قوله: ﴿ لتركبوها ﴾ يقتضي أن هذه الحيوانات مخلوقة لهذه المصلحة.

والجواب أن استتباع الغاية والفائدة مسلم ولكن التعليل ممنوع، واحتج الحنفية بالآية على تحريم لحوم الخيل من وجوه: أحدها إفراد هذه الأنواع الثلاثة بالذكر فيجب اشتراك الكل في الحكم، لكن البغال والحمير محرمان فكذا الخيل.

ثانيها أن منفعة الأكل أعظم منة من الركوب والتزين فلو كان أكل لحم الخيل جائزاً لكان هذا المعنى أولى بالذكر.

وثالثها أن قوله فيما قبل: ﴿ ومنها تأكلون ﴾ يقتضي الحصر فيجب أن لا يجوز أكل ما عدا الأنعام إلا بدليل منفصل والأصل عدمه ورابعها أن قوله: ﴿ لتركبوها ﴾ يقتضي أن تمام المقصود من خلق هذه الأشياء الثلاثة هو الركوب والزينة، فلو كان حل أكلها مقصوداً لزم أن يكون ما فرض تمام المقصود بعض المقصود هذا محال.

والجواب أن تحريم الخيل محل النزاع وتحريم الحمير بنص الكتاب ممنوع لما روي عن جماعة من الصحابة أنه  نهى عام خيبر عن لحوم الحمر الأهلية.

فلو كان للآية دلالة على تحريم لحم الخيل لفهموه منها قبل ذلك العام لأن الآية مكية عند الأكثرين، ولو فهموا التحريم قبل ذلك لم يبقَ لتخصيص التحريم بهذه السنة فائدة.

وإذا لم يكن الحمير والخيل محرمين لم يكن لتحريم البغال المتولدة منهما وجه.

وأيضاً كون معظم المنة في الأكل بالنسبة إلى هذه الأنواع ممنوع بل الركوب والزينة هما أعظم المنافع فيها ولهذا جعلا تمام المقصود منها، فكأنما أعطى الأكثر والمعظم حكم الكل.

واقتضاء الحصر في قوله: ﴿ ومنها تأكلون ﴾ ممنوع بل لعل الظرف قدم لرعاية الفاصلة.

ثم إن أنواع الغرائب والعجائب المخلوقة في هذا العالم لا حد لها ولا حصر فلهذا أشار إلى ما بقي منها على سبيل الإجمال فقال: ﴿ ويخلق ما لا تعلمون ﴾ أي كنهه وتفاصيله بل نوعه وجنسه فإن مركبات العالم السفلي وغرائب العالم العلوي لا يعلمها إلا موجدها.

روى عطاء ومقاتل والضحاك عن ابن عباس أنه قال: إن عن يمين العرش نهراً من نور مثل السموات السبع والأرضين السبع والبحار السبعة، يدخل فيه جبرائيل  كل سحر ويغتسل فيزداد نوراً إلى نوره وجمالاً إلى جماله، ثم ينتفض فيخلق الله  من كل نقطة تقع من رأسه كذا وكذا ألف ملك يدخل منهم كل يوم سبعون ألف ملك البيت المعمور، وفي الكعبة أيضاً سبعون ألفاً ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة.

وقيل: المراد ما خلق في الجنة والنار مما لم يبلغه فيهم أحد ولا وهمه.

ولما ذكر بعض دلائل التوحيد بين أنه إنما ذكرها إزاحة للعذر وإزالة للشبهة ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة فقال: ﴿ وعلى الله قصد السبيل ﴾ ذكر صاحب الكشاف أن السبيل للجنس والقصد مصدر بمعنى الفاعل يقال: قصد وقاصد أي مستقيم كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك لا يعدل عنه، والجور الميل عن الاستقامة.

احتجت المعتزلة بالآية على مسألتين من أصولهم: إحداهما أنه يجب على الله  الإرشاد والهداية لأن كلمة، "على" للوجوب والمضاف محذوف أي وعلى الله بيان قصد السبيل؛ فالمعنى أن هداية الطريق الموصل إلى الحق واجبة عليه.

والثانية أنه لا يضل أحداً ولا يغويه وإلا لقيل وعلى الله قصد السبيل وعليه جائرها أو وعليه الجائر فلما غير أسلوب الكلام قائلاً: ﴿ ومنها جائر ﴾ دل على أنه أراد أن يبين ما يجوز إضافته إليه من السبيلين وما لا يجوز.

والجواب عن الأول بعد تسليم إفادة كلمة "على" الوجوب أنه وجوب بحسب الفضل والكرم لا بمعنى استحقاق الذم على الترك.

وعن الثاني أن دلالة قوله: ﴿ ومنها جائر ﴾ على ما ذكرتم ليست دلالة المطابقة ولا التضمن ولا الالتزام، لأن قول القائل "من السبيل سبل منحرفة" لا يفيد إلا الإخبار بوجود الانحراف في بعض السبيل، فأما أن فاعل تلك السبيل من هو فلا دلالة للكلام عليه أصلاً على أن قوله: ﴿ ولو شاء لهداكم أجمعين ﴾ يناقض ما ادعيتم.

وتفسير المشيئة بمشيئة الإلجاء والقسر أو بالهداية إلى الجنة خلاف الظاهر كما مر مراراً.

ولما استدل على وجود الصانع الحكيم بعجائب أحوال الحيوانات أراد أن يذكر الاستدلال على المطلوب بغرائب أحوال النبات فقال: ﴿ هو الذي أنزل من السماء ماء ﴾ وقوله: ﴿ لكم ﴾ متعلق بأنزل أو بشراب خبراً له.

والشراب ما يشرب كالطعام لما يطعم والمراد أن الماء النازل من السماء قسمان: بعضه يبقى لأجل الشرب كما هو ويحتمل أن يكون الماء المحتبس في الآبار والعيون منه كقوله: ﴿ فأسكناه في الأرض ﴾ \[المؤمنون: 18\] وبعضه يحصل منه شجر يرعاه المواشي.

قال الزجاج: كل ما ينبت من الأرض فهو شجر لأن التركيب يدل على الاختلاط ومنه تشاجر القوم إذا اختلط أصوات بعضهم بالبعض، ومعنى الاختلاط حاصل في العشب والكلأ وفيما له ساق.

وقال ابن قتيبة: المراد بالشجر في الآية الكلأ.

وفي حديث عكرمة "لا تأكلوا ثمن الشجر فإنه سحت" أراد الكلأ.

وقيل الشجر كل ما له ساق كقوله: ﴿ والنجم والشجر يسجدان  ﴾ والعطف يقتضي التغاير، فلما كان النجم ما لا ساق له وجب أن يكون الشجر ما له ساق، وأجيب بأن عطف الجنس على النوع جائز، وبأن قوله: ﴿ فيه تسيمون ﴾ من سامت الماشية إذا رعت وأسامها صاحبها وهو من السومة العلامة لأنه تؤثر بالرعي علامات في الأرض يقتضي أن يكون الشجر هو العشب ليمكن الرعي.

ورد بأن الإبل قد تقدر على رعي الأشجار الكبار.

وحين ذكر مرعى الحيوان أتبعه ذكر غذاء الإنسان فقال: ﴿ ينبت لكم به الزرع ﴾ الذي هو الغذاء الأصلي ﴿ والزيتون ﴾ الذي هو فاكهة من وجه وغذاء من وجه لكثرة ما فيه من الدهن ﴿ والنخيل والأعناب ﴾ اللتين هما أشرف الفواكه.

ثم أشار إلى الثمرات بقوله: ﴿ ومن كل الثمرات ﴾ كما أجمل الحيوانات التي لم يذكرها بقوله: ﴿ ويخلق ما لا تعلمون ﴾ قال في الكشاف: إنما لم يقل و "كل الثمرات" بل زاد "من" التبعيضية لأن كلها لا يكون إلا في الجنة.

واعلم أنه قدم الغذاء الحيواني على الغذاء النباتي لأن النعمة فيه أعظم لأنه أسرع تشبيهاً ببدن الإنسان، وفي ذكر الغذار النباتي قدم غذاء الحيوان - وهو الشجر - على غذاء الإنسان - وهو الزرع وغيره - بناء على مكارم الأخلاق وهو أن يكون اهتمام الإنسان بحال من تحت يده أكمل من اهتمامه بحال نفسه، وإنما عكس الترتيب في قوله: ﴿ كلوا وارعوا أنعامكم ﴾ بناء على ما هو الواجب في نفس الأمر كقوله  : "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" قوله: ﴿ وسخر لكم الليل والنهار ﴾ معنى تسخيرهما للناس تصييرهما نافعين لهم بحسب مصالحهم على سنن واحد يتعاقبان دائماً كالعبد المطواع، وكذا الكلام في تسخير الشمس والقمر والنجوم كما في "الأعراف" وفي سورة إبراهيم.

وهذا حسم لمادة شبهة من يزعم أن حركات الأفلاك هي المقتضية لتعاقب الليل والنهار ومسيرات الكواكب هي المستدعية للحوادث السفليات، فإنه إن سلم لهم ذلك فلا بد لتلك الحركات والمسيرات من الانتهاء إلى صانع قديم منزه عن التغير والإمكان مبرإ عن الحدوث والنقصان وهو الله  .

﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ﴾ قال جار الله: جمع الآية وذكر العقل لأن آثار العلو أظهر دلالة على القدرة الباهرة وأبين شهادة للكبرياء والعظمة.

وقال غيره: إنما جمع الآيات لتطابق قوله: ﴿ مسخرات ﴾ ومثله في هذه السورة في موضع آخر ﴿ مسخرات في جوّ السماء ما يمكسهن إلا الله إن في ذلك لآيات  ﴾ وأقول: إنما جمع لأن كلاً من تسخيراً الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم آية في نفسها لتباين الليل والنهار وتخالف مسيرات الكواكب كما هو مقرر في علم الهيئة بخلاف قوله ﴿ ينبت لكم ﴾ فإن مطلق الإنبات آية واحدة.

وكذا قوله: ﴿ وما ذرأ لكم في الأرض ﴾ أي خلق لكم فيها من حيوان وشجر وثمر وغير ذلك: ﴿ مختلفاً ألوانه ﴾ فإن ذرء هذه الأشياء على حالة اختلاف الألوان والأشكال مع تساوي الكل في الطبيعة الجسمية وفي تأثير الفلكيات فيها، آية واحدة على وجود الصانع  شأنه، ولست أدعي إلا إمكان هذه الاعتبارات وإلا: ففي كل شيء آية تدل على أنه واحد.

وإنما خص المقام الأول بالتفكر لإمكان إيراد الشبهة المذكورة، وخص المقام الثاني بالعقل لذكره بعد إماطة الشبهة وإزاحة العلة، فمن لم يعترف بعدها بالوحدانية فلا عقل له.

وخص المقام الثالث بالتذكر لمزيد الدلالة فمن شك بعد ذلك فلا حس له.

ومن جملة الآيات التي هي في الحقيقة إنعامات على الإنسان تسخير البحر بالركوب عليه والانتفاع به أكلاً ولبساً.

والمراد باللحم الطريّ السمك.

قال ابن الأعرابي: لحم طريّ غير مهموز ومصدره طراوة.

يقال: شيء طريّ أي غض بين الطراوة.

وقال قطرب: طرو اللحم وطري طراوة والمراد في الآية السمك وما في معناه.

قال في الكشاف: وصفه بالطراوة لأن الفساد يسرع إليه فيسارع إلى أكله خيفة الفساد عليه.

وقال المتكلمون: إنه لما خرج من البحر المالح الزعاق الحيوان الذي لحمه في غاية العذوبة، علم أنه لم يحدث بحسب الطبع بل حدث بقدرة الله  وحكمته بحيث أظهر الضد من الضد.

قال أكثر الفقهاء ومنهم أبو حنيفة والشافعي: من حلف أن لا يأكل لحماً فأكل سمكاً لم يحنث لأن اللحم لا يتناوله عرفاً.

ومبنى الأيمان على العرف والعادة.

ولهذا لو قال لغلامه: اشتر لحماً فجاء بالسمك كان حقيقاً بالإنكار عيله.

ورد عليهم الإمام فخر الدين الرازي بأنه إذا قال لغلامه: اشتر لحماً فجاء بلحم العصفور كان حقيقاً بالإنكار مع أنكم تقولون إنه يحنث بأكل لحم العصفور.

فثبت أن العرف مضطرب والرجوع إلى نص القرآن متعين فليس فوق بيان الله بيان.

ولقائل أن يقول: لعل الإنكار في هذه الصورة بعد تسليمه إنما جاء من قبل ندرة شراء العصفور أو شراء لحمه فإنه إنما يشترى كله ولم يجىء من إطلاق اللحم على لحمه.

ومن منافع البحر استخراج الحلية منه قالوا: أراد بالحلية اللؤلؤ والمرجان، والمراد بلبسهم لبس نسائهم لأنهن من جملتهم ولأن تزيينهن لأجلهم.

ولقائل أن يقول: لا مانع من تزيين الرجال باللآلىء ونحوها شرعاً فلا حاجة إلى هذه التكلف.

استدل الإمام فخر الدين بالآية في إبطال قول الشافعية إنه لا زكاة في الحلى قال: لأن اللام فيما يروى عنه  أنه قال: "لا زكاة في الحلى" تنصرف إلى المعهود السابق ولا معهود إلا ما في الآية من الحلية فصار معنى الحديث: لا زكاة في اللآلىء.

وهذا باطل بالاتفاق.

ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن تكون اللام للجنس فتشمل المصوغ من الذهب والفضة أيضاً فيكون الحديث مخصصاً بالآية إن ثبت صحته؟

ومن عجائب البحر ومنافعه قوله  : ﴿ وترى الفلك مواخر فيه ﴾ قال أهل اللغة: مخر السفينة شقها الماء بصدرها.

وعن الفراء صوت دويّ الفلك بالرياح.

وقال ابن عباس: مواخر أي جواري.

وإنما حسن هذا التفسير لأنها لا تشق الماء إلا إذا كانت جارية: وقوله: ﴿ لتبتغوا من فضله ﴾ أي تتجروا فيه فتطلبوا الربح من فضل الله وإذا وجدتم فضله وإحسانه فلعلكم تقدمون على شكره.

واعلم أن قوله: ﴿ مواخر فيه ﴾ جاء على القياس لأن موضع الظرف المتعلق بمواخر بعد مضي مفعولي "ترى"، وأما في سورة الملائكة فقدم الظرف ليكون موافقاً لقوله: ﴿ ومن كل تأكلون ﴾ ولتقدم الجار في قوله: ﴿ ومن كل تأكلون ﴾ حذف لفظة "منه" هناك.

الواو في ﴿ ولتبتغوا ﴾ في هذه السورة للعطف على لام العلة في ﴿ لتأكلوا ﴾ وقوله: ﴿ وترى الفلك مواخر فيه ﴾ اعتراض في السورتين يجري مجرى المثل ولهذا وحد الخطاب في قوله: ﴿ وترى ﴾ وقبله وبعده جمع "أي لو حضرت أيها المخاطب لرأيته بهذه الصفة.

ويمكن أن يقال: إنما قال في الملائكة ﴿ فيه مواخر ﴾ بتقديم الظرف لئلا يفصل بين لام العلة وبين متعلقها وهو مواخر، وليكتنف المتعلق المتعلقان.

وإنما بنينا الكلام على أن قوله: ﴿ فيه ﴾ متعلق بـ ﴿ مواخر ﴾ لا بـ ﴿ ترى ﴾ لقرب هذا وبعد ذاك والله أعلم.

قوله: ﴿ أن تميد بكم ﴾ أي كراهة أن تميد الأرض بكم والباء للتعدية أو للمصاحبة.

والميد الحركة والاضطراب يميناً وشمالاً.

يروى أنه  خلق الأرض فجعلت تمور فقالت الملائكة: ما هي بمقرّ على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال لم تدر الملائكة مم خلقت.

قال جمهور المفسرين: إن السفينة إذا ألقيت على وجه الماء فإنها تميل من جانب إلى جانب وتضطرب، فإذا وضعت الأجرام الثقيلة في تلك السفينة استقرت على وجه الماء فهكذا الأرض تستقر على الماء بسبب ثقل الجبال.

واعترض عليه بأن السفينة إنما تضطرب على الماء لتخلخلها وخفتها بسبب الهواء الداخل في تجاويف الخشب ومسامها، أما الأرض فجسم كثيف ثقيل من شأنها الرسوب في الماء على ما هو مشاهد من حال أجزائها المنفصلة عنها.

فإن كان طبيعة الكل كذلك فكيف يعقل طفوّها حتى توجب الجبال إرساءها وثباتها، وإن لم تكن طبيعة الكل كذلك حتى تكون طافية مائدة وقد أرساها الله  بالجبال، فالرسو والرسوخ إنما يتصور على جسم واقف وليس إلا الماء فينقل الكلام إلى وقوف الماء في حيزه المعين.

فإن كان بحسب الطبيعة فهذا خلاف التقدير لأنا نفينا القول بالطبائع الموجبة لهذه الأحوال، وإن لم يكن بالطبع بل كان واقفاً بتخليق الفاعل المختار وتسكينه في حيزه المخصوص فلم لا نقول مثله في تسكين الأرض؟

هذا تلخيص ما قاله الإمام فخر الدين الرازي، ونسب المقام إلى الصعوبة والإشكال واستخرج لحله وجهاً مبنياً على قوانين الحكمة، وهو أن الأرض جسم كروي، والكرة إذا كانت صحيحة الاستدارة فإنها تتحرك بأدنى سبب، فلما أحدث الله  على وجه الكرة هذه الخشونات الجارية مجرى الأوتاد منعتها عن السلاسة والحركة.

قلت: في هذا الحال خلل.

أما أولاً فلكونه مبنياً على غير قواعد أهل التفسير، وأما ثانياً فلما ثبت في الحكمة أن نسبة أعظم جبل في الأرض وهو ما ارتفاعه فرسخان وثلث فرسخ إلى جميع الأرض كنسبة خمس سبع عرض شعيرة إلى كرة قطرها ذراع، ولا ريب أن ذلك القدر من الشعيرة لا يخرج الكرة المذكورة عن صحة الاستدارة بحيث يمنعها عن سلاسة الحركة، فكذا ينبغي أن يكون حال الجبال بالنسبة إلى كرة الأرض.

والجواب الصحيح على قاعدة أهل الشرع أن يقال: لا نسلم أن الأرض بكليتها لها طبيعة موجبة لحالة من الأحوال، وعلى تقدير التسليم فلا نسلم أن لها طبيعة الرسوب بل لعل طبيعتها الطفوّ فلهذا احتاجت إلى الرواسي.

وأما قوله: "لم أوقف الله الماء في حيزه ولم يوقف الأرض من غير إرساء" فلا يخفى سقوطه مع القول بالفاعل المختار، فللوسائط والأسباب مدخل في الأمور العادية، وإن لم نقل بتأثيرها، هذا وإن حركة الأرض عند الزلازل لا تنافي حكم الله بعدم اضطرابها لأن إثبات الحركة لجزء الشيء لا ينافي نفيها عن كله.

وشبهوا الزلزلة وهي حركة قطعة من الأرض لاحتقان البخارات في داخلها وطلبها المنفذ باختلاج يحصل في جزء معين من بدن الحيوان.

قوله  : ﴿ وأنهاراً ﴾ معطوف على ﴿ رواسي ﴾ أي وجعل فيها رواسي وأنهاراً لأن الإلقاء ههنا بمعنى الجعل والخلق كقوله: ﴿ وألقيت عليك محبة مني  ﴾ وكذا قوله ﴿ وسبلاً ﴾ أي أظهرها وبينها لأجل أن تهتدوا بها في أسفاركم.

ولما ذكر أنه أظهر في الأرض سبلاً معينة ذكر أنه أظهر في تلك السبل علامات مخصوصة وهي كل ما يستدل به السابلة من جبل وسهل وغير ذلك.

يحكى أن جماعة يشمون التراب فيعرفون به الطرقات.

قال الأخفش: تم الكلام عند قوله: ﴿ وعلامات ﴾ وقوله ﴿ وبالنجم هم يهتدون ﴾ كلام منفصل عن الأول.

والمراد بالنجم الجنس كما يقال: كثر الدرهم في أيدي الناس.

وعن السدي هو الثريا والفرقدان وبنات نعش والجدي.

قال بعض المفسرين: أراد بقوله ﴿ هم يهتدون ﴾ أهل البحر لتقدم ذكر البحر ومنافعه، وقيل: أراد أعم من ذلك فأهل البر أيضاً قد يحصل لهم الاهتداء بالنجوم في الطرق والمسالك، وفي معرفة القبلة، وإنما جيء بالضمير الغائب لعوده إلى السائرين الدال عليهم ذكر السبل.

وقال في الكشاف: كأنه أراد قريشاً فقد كان لهم اهتداء بالنجوم في مسايرهم وكان لهم بذلك علم لم يكن مثله لغيرهم فكان الشكر أوجب عليهم والاعتبار ألزم لهم فخصصوا بتقديم النجم.

وإقحام لفظ ﴿ هم ﴾ كأنه قيل: وبالنجم خصوصاً هؤلاء يهتدون.

ثم لما عدد الآيات الدالة على الصانع ووحدانيته واتصافه بجميع صفات الكمال أراد أن يوبخ أهل الشرك والعناد فقال: ﴿ أفمن يخلق كمن لا يخلق ﴾ أي كالأصنام التي لا تخلق شيئاً إلا أنه أجراها مجرى أولي العلم فأطلق عليها لفظ "من" التي هي لأولي العقل بناء على زعمهم أنها آلهة، أو لأجل المشاكلة بينه وبين من يخلق، أو أراد أن من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولي العلم فكيف بما لا علم عنده، أو أراد كل ما عبد من دون الله مغلباً فيه أولو العلم منهم.

واعلم أنه أهل البيان يقولون: إن المشبه به يجب أن يكون أقوى وأتم في وجه الشبه من المشبه ليلتحق الأضعف بالأقوى في وجه الشبه كقولك "وجهه كالقمر".

ولا ريب أن الخالق أقوى من غير الخالق فكان حق النظم في الظاهر أن يقال: أفمن لا يخلق كمن يخلق.

والقرآن ورد على العكس.

ووجهه عند العلماء زيادة التوبيخ ليكون كأنهم جعلوا غير الخالق أقوى حالاً وأعرف من الخالق.

قال في الكشاف: إنهم جعلوا الله من جنس المخلوقات وشبهوه بها حين جعلوا غيره مثله في التسمية والعبادة فأنكر عليهم ذلك، ولوضوح كون هذا الأمر منكراً عند من له أدنى عقل بل حس قال ﴿ أفلا تذكرون ﴾ وفيه مزيد توبيخ وتجهيل لأنه لجلائه كالحاصل الذي يحصل عند العقل بأدنى تذكر ومع ذلك هم عنه غافلون.

قال بعض الأشاعرة.

في الآية دلالة على أن العبد غير خالق لأفعال نفسه لأن الآية سيقت لبيان امتيازه بصفة الخالقية.

أجابت المعتزلة بأن المراد أفمن يخلق ما تقدم ذكره من السموات والأرض والإنسان والحيوان والنبات والبحار والجبال والنجوم.

أو نقول: معنى الآية أن كل ما كان خالقاً يكون أفضل ممن لا يكون خالقاً، وهذا القدر لا يدل على أن كل من كان خالقاً فإنه يجب أن يكون إلهاً نظيره قوله: ﴿ ألهم أرجل يمشون بها  ﴾ أراد به أن الإنسان أفضل من الصنم والأفضل لا يليق به عبادة الأخس فكذا ههنا.

وقال الكعبي في تفسيره: نحن لا نطلق لفظ الخالق على العبد ومن أطلق ذلك فقد أخطأ إلا في مواضع ذكرها الله  كقوله: ﴿ وإذ تخلق من الطين  ﴾ فعلى هذا لا يتوجه عليهم السؤال إلا أن أصحاب أبي هاشم يطلقون لفظ الخالق على العبد حتى إن أبا عبد الله البصري قال: إطلاق لفظ الخالق على العبد حقيقة وعلى الله مجاز لأن الخلق عبارة عن التقدير وهو الظن والحسبان.

ثم لما فرغ من تعديد الآيات التي هي بالنسبة إلى الملكلفين نعم قال: ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ وقد مر تفسيره في سورة إبراهيم.

قال العقلاء: إن كل جزء من أجزاء البدن الإنساني لو ظهر فيه أدنى خلل لنغص العمر على الإنسان وتمنى أن ينفق الدنيا لو كانت في ملكه حتى يزول عنه ذلك الخلل.

ثم إنه  يدبر أحوال بدن الإنسان على الوجه الملائم له غالباً مع أن الإنسان لا علم له بوجود ذلك الجزء ولا بمصالحه ومفاسده، فليكن هذا المثال حاضراً في ذهنك وقس عليه سائر نعم الله  حتى تعرف تقصيرك وقصورك عن شكر أدنى نعمة فضلاً عن جميعها، ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ إن الله لغفور رحيم ﴾ يغفر التقصير الصادر عنكم في أداء شكر النعمة ويرحمكم حيث لا يقطعها عنكم بالتفريط ولا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها.

كانوا مع اشتغالهم بعبادة غير الله يسرون ضروباً من الكفر والمكايد في حق الرسول  فأوعدهم بقوله: ﴿ والله يعلم ما تسرون وما تعلنون ﴾ وفيه أيضاً تعريض وتوبيخ بسبب أن الإله يجب أن يكون عالماً بالسر والعلانية، والأصنام التي عبدوها جمادات لا شعور لها أصلاً فكيف يحسن عبادتها.

ثم زاد في التوبيخ فقال: ﴿ والذين يدعون ﴾ أي الآلهة الذين يدعونهم الكفار ﴿ من دون الله لا يخلقون شيئاً ﴾ وقد ذكر هذا المعنى في قوله: ﴿ كمن لا يخلق ﴾ وزاد ههنا قوله: ﴿ وهم يخلقون ﴾ أي بخلق الله أو بالنحت والتصوير وهم لا يقدرون على نحو ذلك فهم أعجز من عبدتهم، ففي هذه الآية زيادة بيان لأنه نفى عنهم صفة الكمال وأثبت صفة النقصان.

وكذلك قوله: ﴿ أموات غير أحياء ﴾ يستلزم ذمهم مرتين لأن من الأموات ما يعقب موته حياة كالنطفة والجسد الإنساني الذي فارقه الروح، وأما الحجارة فأموات لا تقبل الحياة أصلاً.

وفيه أن الإله الحق يجب أن يكون حياً لا يعقبه موت وحال هذه الأصنام بالعكس.

وفيه أن هؤلاء الكفار في غاية الغباوة وقد يقرر المعنى الواحد مع الغبي الجاهل بعبارتين مختلفتين تنبيهاً على بلادته ﴿ وما يشعرون ﴾ الضمير فيه للآلهة.

أما الضمير في ﴿ أيان يبعثون ﴾ فإما للآلهة أيضاً ويؤيده ما روي عن ابن عباس أن الله  يبعث الأصنام لها أرواح ومعها شياطينها فيؤمر بالكل إلى النار، وإما للداعين أي لا يشعر الآلهة متى يبعث عبدتهم فيكون فيه تهكم بالمشركين من حيث إن آلهتهم لا يعلمون وقت بعثهم فكيف يكون لهم وقت جزاء منهم على عبادتهم؟!

وفيه أنه لا بد من البعث وأنه من لوازم التكليف، وإما للأحياء أي لا يعلم هؤلاء الآلهة متى تبعث الأحياء تهكماً بحلها لأن شعور الجماد محال فكيف بشعور ما لا يعلمه حي إلا الحي القيوم  ؟

وجوز في الكشاف أن يراد بالذين يدعوهم الكفار الملائكة، لأن ناساً منهم كانوا يعبدونهم.

ومعنى أنهم ﴿ أموات ﴾ أي لا بد لهم من الموت ﴿ غير أحياء ﴾ أي غير باقية حياتهم ولا علم لهم بوقت بعثهم.

ولما زيف طريقة عبدة الأصنام صرح بما هو الحق في نفس الأمر فقال: ﴿ إلهكم إله واحد ﴾ ثم ذكر ما لأجله أصر الكفار على شركهم فقال: ﴿ فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة ﴾ للوحدانية أو لكل كلام يخالف هواهم ﴿ وهم مستكبرون ﴾ عن قبول الحق وذلك أن المؤمن بالعبث والجزاء يؤثر فيه الترغيب والترهيب فينقاد للحق أسرع، وأما الجاحد للمعاد فلا يقبل إلا ما يوافق رأيه ويلائم طبعه فيبقى في ظلمة الإنكار ﴿ لا جرم ﴾ أي حقاً ﴿ أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ﴾ فيجازيهم على ما أسروا من الاستكبار وأعلنوا من العناد ﴿ إنه لا يحب المستكبرين ﴾ عن التوحيد فيختص بالمشركين أو كل مستكبر فيدخل هؤلاء دخولاً أوّلياً لأن الكلام فيهم.

التأويل: الناس طبقات ثلاث: الغافلون والخطاب معهم بالعتاب إذا كانوا مشتاقين إلى الدنيا.

وزخارفها وهم أصحاب النفوس، والعاقلون والخطاب معهم بوعد الثواب لرغبتهم في الطاعات والأعمال الصالحات وهم أرباب العقول، والعاشقون والخطاب معهم بوصل رب الأرباب لاشتياقهم إلى جمال ذي الجلال.

فحين قال في الأزل ﴿ أتى أمر الله ﴾ استعجل أرواح كل طبقة منهم للخروج من العدم إلى الوجود لنيل المقصود وطلب المفقود فخاطبهم بقوله: ﴿ فلا تستعجلوه ﴾ فإنه سيصيب في كل طبقة منكم ما كتب له في القسمة الأزلية: والله  منزه عن أن يشاركه في الحكم أحد فلا مبدل لكلماته.

﴿ بالروح من أمره ﴾ أي بما يحيي القلوب من المواهب الربانية من أمره الوارد على الجوارح بالتكاليف الشرعية وعلى النفوس بآداب الطريقة، وعلى القلوب بالإشارات، وعلى الأرواح بملازمة الحضرة للمكاشفات، وعلى الأسرار بالمراقبات للمشاهدات وعلى الخفيات بتجلي الصفات لإفناء الذوات.

﴿ على من يشاء من عباده ﴾ من الأنبياء والأولياء ﴿ أن أنذروا ﴾ أعلموا أوصاف وجودكم ببذلها في أنانيتي ﴿ أنه لا إله إلا أنا فاتقون ﴾ عن أنانيتكم بأنانيتي.

﴿ خلق ﴾ سموات الأرواح وأرض الأشباح وجعلها مظهراً لأفاعيله.

فهو الفاعل لما يظهر على الأرواح والأشباح ﴿ تعالى عما يشركون ﴾ الأرواح والأشباح في إحالة أفاعيله إلى غيره ﴿ خلق الإنسان من نطفة ﴾ لا علم لها ولا فعل ﴿ فإذا هو خصيم مبين ﴾ يدعي الشركة معه في الوجود.

والأفاعيل والأنعام أي الصفات الحيوانية ﴿ خلقها لكم فيها دفء ﴾ لأنها المودعة في جبلتكم ﴿ ومنافع ومنها تأكلون ﴾ باستفادة بدل ما يتحلل ﴿ ولكم فيها جمال ﴾ في أوقات الفترات وأزمنة الاستراحات ﴿ وتحمل ﴾ أثقال أرواحكم وهي أعباء الأمانة إلى بلد عالم الجبروت ﴿ إن ربكم لرءُوف رحيم ﴾ .

إذا أفنيتم أنفسكم في جبروته يبقيكم ببقاء عظموته ﴿ والخيل والبغال والحمير ﴾ أي صفاتها خلقت فيكم لأنها مراكب الروح عند السير إلى عالم الجبروت ﴿ وزينة ﴾ عند رجوعه بالجذبة إلى مستقره الذي أهبط منه ﴿ ويخلق ﴾ فيكم حينئذٍ ﴿ ما لا تعملون ﴾ وهو قبول فيض الله بلا واسطة.

وعلى الله قصد السبيل} بجذبة ﴿ ارجعي ﴾ ﴿ ومنها جائر ﴾ يعني نفوسكم تحيد عن الفناء وبذل الوجود ﴿ هو الذي أنزل ﴾ من سماء الكرم ماء الفيض ﴿ منه شراب ﴾ المحنة لقلوبكم ﴿ ومنه شجر ﴾ القوى البشرية ودواعيها ﴿ فيه ﴾ ترعون مواشي نفوسكم ﴿ ينبت لكم ﴾ زرع الطاعات وزيتون الصدق ونخيل الأخلاق الحميدة وأعناب الواردات الربانية، ومن كل ثمرات المعقولات والمشاهدات والمكاشفات.

﴿ وسخر لكم ﴾ ليل البشرية ونهار الروحانية وشمس الروح وقمر القلب ونجوم الحواس والقوى، وتسخيرها استعمالها على وفق الشريعة وقانون الطريقة ﴿ وما ذرأ لكم ﴾ في أرض جبلتكم من الاستعدادات يتلون في كل عالم بلونه من عوالم الملكية والشيطانية والحيوانية ﴿ وسخر لكم ﴾ بحر العلوم ﴿ لتأكلوا منه ﴾ الفوائد الغيبية السنية الطرية ﴿ وتستخرجوا منه ﴾ جواهر المعاني فيلبس بها أرواحكم النور والبهاء.

وترى فلك الشرائع والمذاهب جواري في بحر العلوم لتبتغوا الأسرار الخفية عن الملائكة.

وألقى في أرض البشرية جبال الوقار والسكينة لئلا تميد بكم صفات البشرية عن جادّة الشريعة والطريقة، وأنهاراً من ماء الحكمة وسبلاً إلى الهداية والعناية، وعلامات من الشواهد والكشوف، وبنجم الجذبة الإلهية هم يهتدون فيخرجون من ظلمات الوجود المجازي إلى نور الوجود الحقيقي.

أفمن يخلق الله فيه هذه الكمالات كمن لا يخلقها فيه من الملائكة وغيرهم ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها  ﴾ وهي قسمان: نعمة الأعطاف وهي ما يتعلق بوجود النعمة ظاهرة وباطنة، ونعمة الألطاف وهي ما يتعلق بوجود المنعم من الذوات والصفات ﴿ والله يعلم ما تسرون ﴾ من أداء شكر نعمه بالقلوب ﴿ وما تعلنون ﴾ من أداء الشكر بالأجساد ﴿ والذين يدعون من دون الله ﴾ من الهوى والدنيا ﴿ لا يخلقون شيئاً ﴾ من المنافع ﴿ وهم يخلقون ﴾ بتعب الطالب في تحصيلها ولهذا قال: ﴿ أموات غير أحياء وما يشعرون أيان ﴾ يبعثها دواعي البشرية ﴿ فالذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ بما في عالم الغيب ﴿ قلوبهم منكرة ﴾ لأهل الحق لأنهم لا يتجاوزون عالم الحس ﴿ يعلم ما يسرون ﴾ من الإنكار ﴿ وما يعلنون ﴾ من الاستكبار..

الله حسبي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ﴾ .

قد ذكرنا قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ في غير موضع أنه لم يخلقهما وما فيهما عبثاً، إنما خلقهم لأمر كائن، أو للمحنة، والجزاء، ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ .

من [لا يخلق، ولا ينفع]، ولا يضر، ولا يدفع في الذي يخلق، وينفع، ويضّر، ويدفع  عن ذلك وتبرأ.

وقوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ ﴾ .

يذكرهم - عز وجل - نعمه عليهم، وقدرته، وسلطانه، وعلمه؛ لأنه لو اجتمع الخلائق كلهم؛ على أن يدركوا المعنى الذي به تصير النطفة نسمة وإنساناً - ما قدروا عليه حيث خلق من النطفة إنساناً على أحسن تقويم؛ وأحسن صورة.

وفيه نقض قول الدهرية؛ حيث أنكروا خلق الشيء من لا شيء؛ لأنهم لم يدركوا المعنى الذي به خلق الإنسان من النطفة؛ فيلزمهم أن يقروا بخلق الشيء من لا شيء، وإن لم يشاهدوا ذلك ولم يدركوا، وفيه دلالة البعث؛ لأن من قدر على إنشاء الإنسان من النطفة؛ وليس فيها من آثار الإنسان شيء يقدر على البعث وإنشاء الأشياء؛ لا من شيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ خَصِيمٌ ﴾ : هو الذي يجادل بالباطل ﴿ مُّبِينٌ ﴾ : أي: ظاهر مجادلته بالباطل ومخاصمته.

وقال بعضهم: الخصيم: هو الجدل الذي يجادل فيما كان.

قال أبو عوسجة: الخصيم: هو المخاصِم، والمخاصَم كلاهما خصيم، ويقال: فلان [خصيمي أي:] خصمي.

مبين: ظاهر خصومته، والخصيم: هو الفعيل، والفعيل: قد يستعمل في موضع الفاعل والمفعول جميعاً؛ فكأنه قال: فإذا هو خصيم مبين: أي: منقطع عن الخصومة؛ بيّن انقطاعه، وهو ما ذكر من خصومته في آية أخرى؛ وانقطاع حجته؛ حيث قال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ  وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ  ﴾ فهذا احتجاج عليه؛ فانقطعت حجته، وبهت الذي أنكر قدرته على البعث؛ حيث لم يتهيأ له جواب ما احتج عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ خَلَقَهَا لَكُمْ ﴾ على الظاهر؛ أن خلق هذه الأشياء وخلق لنا فيها دفئاً ومنافع؛ كقوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ ﴾ : أي: هو خلقها، ثم أخبر أنه خلق لنا فيها منافع يذكر أنواع المنافع والنعم التي أنعم علينا، مفسرة مبينة، واحدة بعد واحدة؛ في هذه السورة، وفي غيرها من السور، إنما ذكرها مجملة غير مشار إلى كل واحدة منها؛ على ما أشار في هذه السورة؛ ليقوموا بشكرها، وليعلموا قدرته على خلق الأشياء لا من الأشياء.

ثم قوله: ﴿ فِيهَا دِفْءٌ ﴾ : قال بعضهم: الدفء نسل كل دابة.

وقال بعضهم: ما ينتج منه.

وقال القتبي: الدفء ما استدفأت به، ويشبه أن يكون تفسير الدفء والمنافع الذي ذكر هو ما فسّر في آية أخرى؛ وهو قوله: ﴿ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ...

﴾ الآية [النحل: 80] جعل الله - عز وجل - الأنعام وما ذكر وقاية لجميع أنواع الأذى من السماوي وغيره؛ مما يهيج من الأنفس من الحرّ، والبرد، والجوع، وغير ذلك مما يكثر عدها، ويطول ذكرها، وجعل فيها منافع كثيرة: من الركوب، والشرب، والأكل؛ كما قال: ﴿ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ  ﴾ وقال: ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فيِهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ ﴾ \[المؤمنون: 21\] وأخبر أيضاً أن فيها جمالا وزينة؛ بقوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴾ .

فإن قال قائل: أي جمال يكون لنا فيها حين الإراحة وحين السرح.

وقال بعض أهل التأويل: وذلك أنه أعجب ما يكون؛ إذا راحت عظاماً ضروعها، طوالا أسنمتها.

﴿ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴾ إذا سرحت لرعيها.

أو أن يكون الجمال عند الإراحة والسرح: شرب ألبانها، وقرى الضيف من ألبانها؛ في الرواح والمساء.

وقال بعضهم قوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴾ : وذلك أنهم كانوا يسّرون عند الإراحة والتسريح، وذلك السرور يظهر في وجوههم؛ فإذا ظهر ازداد لهم جمالا وحسناً، وهكذا المعروف في الناس: أنهم إذا سروا يظهر ذلك السرور في وجوههم؛ فيزداد لهم بذلك جمالاً، وإذا حزنوا وأصابهم غم - يؤثر ذلك الغم نقصاناً في خلقتهم؛ فيزداد لهم قبحاً وتشويهاً.

وقال بعضهم: إنهم إذا أراحوها أو سرّحوها رأى الناس أن أربابها أهل غنى؛ وأهل ثروة، وأنهم لا يحتاجون [إلى غيرهم، وأن] يكون لغير إليهم حاجة؛ فيكون لهم بذلك ذكر عند الناس وشرف، وذلك جمالهم وشرفهم فيها، والجمال لهم فيها ظاهر؛ لأن ما يبسط ويفرش إنما يتخذ منها ومن أصوافها، وكذلك ما يلبس إنما يكون منها، وإنما يبسط، ويفرش، ويلبس للتجمل والبهاء.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ ﴾ .

ذكر أيضاً ما جعل [فيها لنا] من النعم ما تحمل من الأثقال، من مكان إلى مكان، ومن بلد إلى بلد؛ ما لو لم يكن أنشأهن أعني: الأنعام التي أخبر أنها تحمل أثقالنا إلى ذلك بدونه إلا بجهد وشدة، وذلك - والله أعلم - أن الله جعل في هذه الأنفس حوائج وقواماً ما لا قوام لها إلا بذلك؛ فلعله لا يظفر بما به قوام النفس إلا في بلد آخر أو مكان آخر، فلو تحمل ذلك بنفسه - لكان في ذلك تلف نفسه، وذهاب ما به قوامه، فذكر أنه خلق لنا ما نحمل به من بلد إلى بلد؛ مما به قوام أنفسنا وحاجاتنا.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ أي: من رحمته ورأفته ما جعل لكم من المنافع في الأنعام؛ وما ذكر، أو ذكر هذا ليرحموا على هذه الأنعام التي خلقها لهم؛ في الإنفاق عليها، والإحسان إليها؛ وذكر فيه: ﴿ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ وذلك لا يوصل إلى أكله إلا بالذبح؛ ليعلم أن الذبح فيما يؤكل ليس بخارج من الرحمة والرأفة.

وذلك ينقض على الثنوية قولهم؛ حيث أنكروا ذبح هذه الأشياء ويقولون: إنهم يتألمون [بالضرب، والقتل، والذبح]؛ كما تتألمون أنتم، فمن قصد أحدكم بالقتل فهو سفيه عندكم غير حكيم ولا رحيم، بل موصوف بالقساوة والسفه، فالله  موصوف بالحكمة، والرحمة، والرأفة، لا يجوز أن يأمر بالذبح والقتل لهذه الأشياء؛ إذ ذلك مما يزيل الرحمة والحكمة.

فيجاب لهم بوجوه: أحدها: أن الله خلق هذا البشر في هذه الدنيا للمحنة ولعاقبة قصدها، إمّا ثواباً وإمّا عقاباً، وأخبر أنه خلق هذه الأشياء لنا، وجعل لنا فيها منافع، تتأمل وتقصد، وقد نجد في الشاهد من هو موصوف بالرحمة والرأفة على نفسه، يجرح نفسه الجراحات، ويحمل عليها الشدائد والمكروهات؛ لمنافع تقصد وخير يتأمل في العاقبة، ثم لم يوصف بالسفه، ولا بالخروج عن الحكمة والرحمة، من نحو الحجامة والافتصاد، وشرب الأدوية الكريهة الشديدة ما لو لم يتأمل ما قصد من النفع والعافية في العاقبة؛ ما تحمل تلك المكروهات والشدائد، فدل ما وصفنا أن تحمل الأذى، والألم، والمكروه - غير خارج عن الحكمة والرحمة، ولا الفعل بما فعل سفه؛ إذا كان لمنافع تقصد في العاقبة، وعاقبة تتأمل.

فيبطل قول الثنوية: أن ذلك مما يزيل الرحمة؛ على أن هذه الأنعام والبهائم لم تخلق للمحنة وللجزاء في العاقبة؛ ولكن خلقت لمنافع البشر؛ فلهم الانتفاع بها؛ مرة بلحومها، ومرة بحمل أثقالهم والانتفاع بظهورها، مع ما ذكرنا أن [تحمل المكروهات وأنواع الشدائد] والآلام - لا تخرج الفعل عن الحكمة، ولا تزيل الرحمة والرأفة [إذا قصد به النفع] في العاقبة، وطمع فيه الخير.

وهذا يدل أنه أبيح لنا الانتفاع بها؛ والذبح على غير جعل حقيقتها لنا؛ حيث لم يبح لنا إتلافها؛ إذ لو كان أصول الأشياء لنا لكان لا يمنع عن الإتلاف، فدل أنه أبيح لنا الانتفاع بها على غير جعل الحقيقة والأصول لنا، فيبطل قول من يقول: إن الأشياء في الأصل على الحل والإباحة حتى يقوم ما يحظر.

قال أبو عبيد: ﴿ حِينَ تُرِيحُونَ ﴾ يقال منه: أرحت الإبل أريحها إراحة، والإراحة عند العرب: أن يصدر الرعاء مواشيها بالليل إلى مآويها؛ ولهذا سمي ذلك الموضع: المراح.

وقوله: ﴿ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴾ هو إخراجها إلى المرعى؛ يقال: سرحتها، أسرحها سرحاً وسروحاً.

وكذلك قال القتبي وأبو عوسجة.

والدفء: ما ذكرنا أنه من الاستدفاء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ﴾ .

قوله: ﴿ وَزِينَةً ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن الماشي هو دون الراكب، والمشي يؤثر نقصاناً في الوجه والركوب لا، وذلك زينة؛ على ما ذكرنا في قوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ ﴾ .

والثاني: أن الراكب إذا نظر إلى الماشي سرّ بركوبه، فالسرور يظهر في وجهه، وذلك يزيد في حسنه وجماله، وأصله: ما ذكر - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ...

﴾ الآية [النحل: 5] ﴿ وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ﴾ بيّن أنه لماذا خلق الأنعام وما جعل فيها؛ وهو ما ذكر: أنه جعل فيها الدفء والمنافع ومنها تأكلون، وبيّن أنه لماذا خلق الخيل؛ وهو ما ذكر: لتركبوها وزينة.

وسئل ابن عباس: عن لحوم الخيل؟

فقرأ: ﴿ وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا ﴾ ولم يقل: لتأكلوها؛ فكره أكلها لذلك.

وتمام هذا أن الله ذكر الأنعام، وما ذكر من النعم والانتفاع بها، وبالغ في ذكرها؛ لأنه قال: ﴿ وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ وقال: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ...

﴾ الآية، وقال: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي أَنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَآءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ  ﴾ وقال: ﴿ يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ  ﴾ وقال: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً...

 ﴾ إلى آخر ما ذكر، ذكر جميع ما ينتفع به؛ من أنواع المنافع ذكراً شافياً مبالغاً غير مكفيّ، فدل ما ذكر في الخيل من الركوب، وكذلك في البغال والحمير؛ على أنه ليس فيها منفعة أخرى سوى ما ذكر؛ وهو الركوب؛ إذ خرج الذكر لها على المبالغة والاستقصاء؛ ليس على الاكتفاء، ولو كان هنالك منفعة أخرى لذكر على ما ذكر في غيره.

والله أعلم.

والثاني من الأشياء: أشياء يعرف خبثها؛ بنفار الطباع، والصبيان أوّل ما بلغوا يرغبون في ركوبها، لا أحد يرغب في أكلها إلا من غير طبعه عما كان مجبولا به؛ فهو يرغب في أكله، وأما من ترك وطبعه يستخبث وينفر طبعه عن أكله.

والله أعلم.

وروي عن جابر قال: "لما كان يوم خيبر أصاب الناس مجاعة، وأخذوا الحمر الأهلية فذبحوها، فحرم رسول الله  لحوم الحمر الإنسية، ولحوم الخيل والبغال، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وحرم الخلسة والنهبة" .

وروي عن جابر  عن النبي  خلاف ذلك قال: "أطعمنا رسول الله  لحوم الخيل ونهانا عن لحوم الحمر" .

وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: "نحرنا فرساً في عهد رسول الله  فأكلنا" .

وفي بعض الأخبار: "أن رسول الله  نهى عن لحوم الحمر وأذن لنا في لحوم الخيل" .

قلنا: قد يجوز أن يكونوا أكلوه في الحال التي كان يؤكل فيها الحمر؛ لأن النبي إنما نهى عن أكل لحوم الخيل صحيحاً، فقد يجوز أن يكونوا أكلوا لحم الفرس في حال الإباحة؛ إذ لم يذكروا الوقت.

وعن الحسن قال: كان أصحاب رسول الله  يأكلون لحوم الخيل في مغازيهم، وكان الحسن لا يرى فيها بأساً على كل حال، وقول الحسن: إنهم كانوا [يأكلون لحوم الخيل] في مغازيهم يدل على أنهم كانوا يأكلونها في حال الضرورة.

روي عن النبي  أنه قال: "الخيل لثلاثة: فهي لرجل كذا، ولرجل آخر كذا، وعلى رجل وزر" .

يبيّن أنها لا تصلح لغير ذلك، ولو صلحت للأكل لقال: الخيل لأربعة؛ ولقال: ولرجل طعام.

ومما يبين ما ذكرنا: أن البغل حرام؛ وهو من الفرسة؛ فلو كانت أمه حلالا كان هو أيضاً حلالا؛ لأن حكم الولد حكم أمه؛ لأنه منها أو هو كبعضها، فمن حرم لحم البغل لزمه أن يحرم لحم الفرسة في حكم النظر والمقاييس؛ ألا ترى أن حمار وحش لو نزا على حمارة أهلية لم يؤكل ولدها، ولو أن حماراً أهليّاً نزا على حمارة وحشية؛ فولدت أكل ولدها، أفلا ترى أنه جعل حكم الولد حكم أمه؛ ولم يعتبر بالفحل، فلما كان لحم البغل حراماً وجب أن يكون لحم الفرسة كذلك.

إلا أن أبا حنيفة - رحمه الله - كان لا يطلق تحريم أكلها؛ لما فيها من الشبهة، والاختلاف، والأحاديث المروية عن رسول الله  ؛ لكنه ذكر الكراهة للشبهة التي فيها؛ وكان أبو يوسف - رحمه الله - يبيح أكلها.

وقد يجوز أن يحتج لأبي يوسف؛ في الفرق بين المولود من الفرسة وبين ولد الحمارة الوحشية إذا نزا عليها حمارٌ أهلي بأن ولد الحمارة لم يتغير عن جنس أمه؛ فحكمه حكمها، والبغل ليس من جنس أمه؛ هو من جنس ثالث، فلذلك لم يكن سبيلها بسبيله.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

أخبر أنه يخلق ما لا نعلم؛ فليس لنا أن نتكلف في علم ذلك.

أو يخلق من النعم - فيما خلق - ما لا تعلمون أنتم أنها نعم.

أو قال: يقول قوم: أن ليس لله أن يخلق شيئاً لا يطلعه الممتحن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: أي: على الله بيان قصد السبيل، وهو الهدى: يبين الهدى من الضلالة، ويبين من السبل التي تفرقت عن سبيله؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْهَا جَآئِرٌ ﴾ أي: عليه بيان ما يجوز منها؛ من قصد السبيل يعدل ويجار، أو يقال: وبالله يوصل إلى قصد السبيل.

وقال بعضهم: ﴿ وَعَلَىٰ ٱللَّهِ ﴾ أي: وبالله يوصل بقصد السبيل؛ وهي السبل التي ذكرنا، ﴿ وَمِنْهَا جَآئِرٌ ﴾ كقوله: ﴿ وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ  ﴾ .

وقال بعضهم: طريق الحق والعدل لله، وقد يستعمل حرف (على) مكان (له) كقوله: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ  ﴾ أي: للنصب وقوله: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ  ﴾ أي: لربهم، كقوله: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ [ ﴿ وَمِنْهَا جَآئِرٌ ﴾ : وهي السبل المتفرقة عن سبيله].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ .

قد ذكرنا تأويله، وقوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: لو شاء أكرم الخلق كله اللطف الذي أكرم أولياءه؛ فاهتدوا به؛ فيهتدون.

والثاني: لو شاء أعطاهم جميعاً الحال التي يكون بها الاهتداء؛ وهو ما قال: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً  ﴾ إلى آخر ما ذكر؛ لما لا يحتمل أنه إذا كان ذلك مع الكفار لكفروا جميعاً، وإذا كان تلك الحال للمسلمين لا يسلمون.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وعلى الله بيان الطريق المستقيم الموصل إلى مرضاته وهو الإسلام، ومن الطرق ما هو من طرق الشيطان المائلة عن الحق، وكل طريق غير طريق الإسلام فهو مائل، ولو شاء الله أن يوفقكم جميعًا للإيمان لوفقكم له جميعًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.vzYO1"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله