الآية ٩١ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٩١ من سورة النحل

وَأَوْفُوا۟ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَـٰهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا۟ ٱلْأَيْمَـٰنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ٩١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 106 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩١ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩١ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وهذا مما يأمر الله تعالى به وهو الوفاء بالعهود والمواثيق ، والمحافظة على الأيمان المؤكدة ; ولهذا قال : ( ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ) ولا تعارض بين هذا وبين قوله : ( ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا [ وتصلحوا بين الناس ] ) [ البقرة : 224 ] وبين قوله تعالى : ( ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم ) [ المائدة : 89 ] أي : لا تتركوها بلا تكفير ، وبين قوله - عليه السلام - فيما ثبت عنه في الصحيحين : إني والله - إن شاء الله - لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها ، إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها " .

وفي رواية : " وكفرت عن يميني " لا تعارض بين هذا كله ، ولا بين الآية المذكورة هاهنا وهي قوله : ( ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها [ وقد جعلتم الله عليكم كفيلا ] ) ; لأن هذه الأيمان المراد بها الداخلة في العهود والمواثيق ، لا الأيمان التي هي واردة على حث أو منع ; ولهذا قال مجاهد في قوله : ( ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ) يعني : الحلف ، أي : حلف الجاهلية ; ويؤيده ما رواه الإمام أحمد : حدثنا عبد الله بن محمد - هو ابن أبي شيبة - حدثنا ابن نمير وأبو أسامة ، عن زكريا - هو ابن أبي زائدة - عن سعد بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن جبير بن مطعم قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا حلف في الإسلام ، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة " .

وكذا رواه مسلم ، عن ابن أبي شيبة به .

ومعناه أن الإسلام لا يحتاج معه إلى الحلف الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه ، فإن في التمسك بالإسلام كفاية عما كانوا فيه .

وأما ما ورد في الصحيحين ، عن عاصم الأحول ، عن أنس - رضي الله عنه - أنه قال : حالف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين المهاجرين والأنصار في دارنا - فمعناه : أنه آخى بينهم ، فكانوا يتوارثون به ، حتى نسخ الله ذلك ، والله أعلم .

وقال ابن جرير : حدثني محمد بن عمارة الأسدي ، حدثنا عبيد الله بن موسى ، أخبرنا ابن أبي ليلى ، عن مزيدة في قوله : ( وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ) قال : نزلت في بيعة النبي - صلى الله عليه وسلم - كان من أسلم بايع النبي - صلى الله عليه وسلم - على الإسلام ، فقال : ( وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ) هذه البيعة التي بايعتم على الإسلام ، ( ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ) البيعة ، لا يحملنكم قلة محمد [ وأصحابه ] وكثرة المشركين أن تنقضوا البيعة التي تبايعتم على الإسلام .

وقال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل ، حدثنا صخر بن جويرية ، عن نافع قال : لما خلع الناس يزيد بن معاوية ، جمع ابن عمر بنيه وأهله ، ثم تشهد ، ثم قال : أما بعد ، فإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيعة الله ورسوله ، وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة ، فيقال هذه غدرة فلان وإن من أعظم الغدر - إلا أن يكون الإشراك بالله - أن يبايع رجل رجلا على بيعة الله ورسوله ، ثم ينكث بيعته ، فلا يخلعن أحد منكم يزيد ولا يسرفن أحد منكم في هذا الأمر فيكون صيلم بيني وبينه " .

المرفوع منه في الصحيحين .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد ، حدثنا حجاج ، عن عبد الرحمن بن عابس ، عن أبيه ، عن حذيفة قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " من شرط لأخيه شرطا ، لا يريد أن يفي له به ، فهو كالمدلي جاره إلى غير منعة " .

وقوله : ( إن الله يعلم ما تفعلون ) تهديد ووعيد لمن نقض الأيمان بعد توكيدها .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: وأوفوا بميثاق الله إذا واثقتموه، وعقده إذا عاقدتموه، فأوجبتم به على أنفسكم حقا لمن عاقدتموه به وواثقتموه عليه ( وَلا تَنْقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ) يقول: ولا تخالفوا الأمر الذي تعاقدتم فيه الأيمان، يعني بعد ما شددتم الأيمان على أنفسكم، فتحنثوا في أيمانكم وتكذبوا فيها وتنقضوها بعد إبرامها، يقال منه: وكَّد فلان يمينه يوكدها توكيدًا: إذا شددها وهي لغة أهل الحجاز، وأما أهل نجد، فإنهم يقولون: أكدتها أؤكدها تأكيدا.

وقوله ( وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا ) يقول: وقد جعلتم الله بالوفاء بما تعاقدتم عليه على أنفسكم راعيًا يرعى الموفى منكم بعهد الله الذي عاهد على الوفاء به والناقض.

وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل على اختلاف بينهم فيمن عني بهذه الآية وفيما أنـزلت، فقال بعضهم: عُنِيَ بها الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام، وفيهم أنـزلت.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا عبد الله بن موسى، قال: أخبرنا أبو ليلى، عن بريدة، قوله ( وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ ) قال: أنـزلت هذه الآية في بيعة النبيّ صلى الله عليه وسلم، كان من أسلم بايع على الإسلام، فقالوا( وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ ) هذه البَيعة التي بايعتم على الإسلام ( وَلا تَنْقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ) البيعة، فلا يحملكم قلة محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه وكثرة المشركين أن تنقضوا البيعة التي بايعتم على الإسلام، وإن كان فيهم قلة والمشركين فيهم كثرة.

وقال آخرون: نـزلت في الحِلْف الذي كان أهل الشرك تحالفوا في الجاهلية، فأمرهم الله عزّ وجلّ في الإسلام أن يوفّوا به ولا ينقضوه.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى ( وَلا تَنْقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ) قال: تغليظها في الحلف.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل وحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله عن ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَلا تَنْقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ) يقول: بعد تشديدها وتغليظها.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: هؤلاء قوم كانوا حلفاء لقوم تحالفوا وأعطى بعضهم العهد، فجاءهم قوم، فقالوا: نحن أكثر وأعزّ وأمنع، فانقضوا عهد هؤلاء وارجعوا إلينا ففعلوا، فذلك قول الله تعالى ( وَلا تَنْقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا ) أن تكون أمة هي أربى من أمة، هي أربَى أكثر من أجل أن كان هؤلاء أكثر من أولئك، نقضتم العهد فيما بينكم وبين هؤلاء، فكان هذا في هذا.

حدثني ابن البَرقيّ، قال: ثنا ابن أبي مَريم، قال: أخبرنا نافع بن يزيد، قال: سألت يحيى بن سعيد، عن قول الله ( وَلا تَنْقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ) قال: العهود.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى أمر في هذه الآية عباده بالوفاء بعهوده التي يجعلونها على أنفسهم، ونهاهم عن نقض الأيمان بعد توكيدها على أنفسهم لآخرين بعقود تكون بينهم بحقّ مما لا يكرهه الله.

وجائز أن تكون نـزلت في الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنهيهم عن نقض بيعتهم حذرا من قلة عدد المسلمين وكثرة عدد المشركين، وأن تكون نـزلت في الذين أرادوا الانتقال بحلفهم عن حلفائهم لقلة عددهم في آخرين لكثرة عددهم، وجائز أن تكون في غير ذلك.

ولا خبر تَثْبُت به الحجة أنها نـزلت في شيء من ذلك دون شيء ؛ ولا دلالة في كتاب ولا حجة عقل أيّ ذلك عُنِيَ بها، ولا قول في ذلك أولى بالحق مما قلنا لدلالة ظاهره عليه، وأن الآية كانت قد نـزلت لسبب من الأسباب، ويكون الحكم بها عامًّا في كلّ ما كان بمعنى السبب الذي نـزلت فيه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ( وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا ) قال: وكيلا.

وقوله ( إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ) يقول تعالى ذكره: إن الله أيها الناس يعلم ما تفعلون في العهود التي تعاهدون الله من الوفاء بها والأحلاف والأيمان التي تؤكدونها على أنفسكم، أتبرّون فيها أم تنقضونها وغير ذلك من أفعالكم، محص ذلك كله عليكم، وهو مسائلكم عنها وعما عملتم فيها، يقول: فاحذروا الله أن تلقوه وقد خالفتم فيها أمره ونهيه، فتستوجبوا بذلك منه ما لا قِبَل لكم به من أليم عقابه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلونفيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : وأوفوا بعهد الله لفظ عام لجميع ما يعقد باللسان ويلتزمه الإنسان بالعدل والإحسان لأن المعنى فيها : افعلوا كذا ، وانتهوا عن كذا ; فعطف على ذلك التقدير .

وقد قيل : إنها نزلت في بيعة النبي - صلى الله عليه وسلم - على الإسلام .

وقيل : نزلت في التزام الحلف الذي كان في الجاهلية وجاء الإسلام بالوفاء ; قاله قتادة ومجاهد وابن زيد .

والعموم يتناول كل ذلك [ ص: 154 ] كما بيناه .

روى الصحيح عن جبير بن مطعم قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا حلف في الإسلام وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة يعني في نصرة الحق والقيام به والمواساة .

وهذا كنحو حلف الفضول الذي ذكره ابن إسحاق قال : اجتمعت قبائل من قريش في دار عبد الله بن جدعان لشرفه ونسبه ، فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها أو غيرهم إلا قاموا معه حتى ترد عليه مظلمته ; فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول ، أي حلف الفضائل .

والفضول هنا جمع فضل للكثرة كفلس وفلوس .

روى ابن إسحاق عن ابن شهاب قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم لو أدعى به في الإسلام لأجبت .

وقال ابن إسحاق : تحامل الوليد بن عتبة على حسين بن علي في مال له ، لسلطان الوليد فإنه كان أميرا على المدينة ; فقال له حسين بن علي : أحلف بالله لتنصفني من حقي أو لآخذن سيفي ثم لأقومن في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم لأدعون بحلف الفضول .

قال عبد الله بن الزبير : وأنا أحلف والله لئن دعانا لآخذن سيفي ثم لأقومن معه حتى ينتصف من حقه أو نموت جميعا .

وبلغت المسور بن مخرمة فقال مثل ذلك .

وبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي فقال مثل ذلك .

فلما بلغ ذلك الوليد أنصفه .

قال العلماء : فهذا الحلف الذي كان في الجاهلية هو الذي شده الإسلام وخصه النبي - عليه الصلاة والسلام - من عموم قوله : لا حلف في الإسلام .

والحكمة في ذلك أن الشرع جاء بالانتصار من الظالم وأخذ الحق منه وإيصاله إلى المظلوم ، وأوجب ذلك بأصل الشريعة إيجابا عاما على من قدر من المكلفين ، وجعل لهم السبيل على الظالمين فقال - تعالى - : إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم .

وفي الصحيح : انصر أخاك ظالما أو مظلوما قالوا : يا رسول الله ، هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما ؟

قال : تأخذ على يديه : في رواية : تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره .

وقد تقدم قوله - عليه السلام - : إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده .[ ص: 155 ] الثانية : قوله تعالى : ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها يقول بعد تشديدها وتغليظها ; يقال : توكيد وتأكيد ، ووكد وأكد ، وهما لغتان .الثالثة : قوله تعالى : وقد جعلتم الله عليكم كفيلا يعني شهيدا .

ويقال حافظا ، ويقال ضامنا .

وإنما قال بعد توكيدها فرقا بين اليمين المؤكدة بالعزم وبين لغو اليمين وقال ابن وهب وابن القاسم عن مالك التوكيد هو حلف الإنسان في الشيء الواحد مرارا ، يردد فيه الأيمان ثلاثا أو أكثر من ذلك ; كقوله : والله لا أنقصه من كذا ، والله لا أنقصه من كذا ، والله لا أنقصه من كذا .

قال : فكفارة ذلك واحدة مثل كفارة اليمين .

وقال يحيى بن سعيد : هي العهود ، والعهد يمين ، ولكن الفرق بينهما أن العهد لا يكفر .

قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه بقدر غدرته يقال هذه غدرة فلان .

وأما اليمين بالله فقد شرع الله سبحانه فيها الكفارة بخصلة واحدة ، وحل ما انعقدت عليه اليمين .

وقال ابن عمر : التوكيد هو أن يحلف مرتين ، فإن حلف واحدة فلا كفارة فيه .

وقد تقدم في المائدة

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وهذا يشمل جميع ما عاهد العبد عليه ربه من العبادات والنذور والأيمان التي عقدها إذا كان الوفاء بها برا، ويشمل أيضا ما تعاقد عليه هو وغيره كالعهود بين المتعاقدين، وكالوعد الذي يعده العبد لغيره ويؤكده على نفسه، فعليه في جميع ذلك الوفاء وتتميمها مع القدرة، ولهذا نهى الله عن نقضها فقال: { وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا } بعقدها على اسم الله تعالى: { وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ } أيها المتعاقدون { كَفِيلًا } فلا يحل لكم أن لا تحكموا ما جعلتم الله عليكم كفيلا فيكون ذلك ترك تعظيم الله واستهانة به، وقد رضي الآخر منك باليمين والتوكيد الذي جعلت الله فيه كفيلا.

فكما ائتمنك وأحسن ظنه فيك فلتف له بما قلته وأكدته.

{ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } يجازي كل عامل بعمله على حسب نيته ومقصده.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ) والعهد هاهنا هو : اليمين .

قال الشعبي : العهد يمين وكفارته كفارة يمين ، ( ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ) تشديدها ، فتحنثوا فيها ، ( وقد جعلتم الله عليكم كفيلا ) شهيدا بالوفاء .

( إن الله يعلم ما تفعلون ) واختلفوا فيمن نزلت هذه الآية وإن كان حكمها عاما؟

.

قيل : نزلت في الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أمرهم الله بالوفاء بها .

وقال مجاهد وقتادة : نزلت في حلف أهل الجاهلية .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وأوْفوا بعهد الله» من البيع والأيمان وغيرها «إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها» توثيقها «وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً» بالوفاء حيث حلفتم به والجملة حال «إن الله يعلم ما تفعلون» تهديد لهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

والتزموا الوفاء بكل عهد أوجبتموه على أنفسكم بينكم وبين الله -تعالى- أو بينكم وبين الناس فيما لا يخالف كتاب الله وسنة نبيه، ولا ترجعوا في الأيمان بعد أن أكَّدْتموها، وقد جعلتم الله عليكم كفيلا وضامنًا حين عاهدتموه.

إن الله يعلم ما تفعلونه، وسيجزيكم عليه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أمرهم - سبحانه - بالوفاء بالعهود فقال : ( وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ الله إِذَا عَاهَدتُّمْ .

.

) .والعهد : ما من شأنه أن يراعى ويحفظ ، كاليمين والوصية وما يشبههما .وعهد الله : أوامره ونواهيه وتكاليفه الشرعية التى كلف الناس بها ، والوفاء بعهد الله - تعالى - : يتأتى بتنفيذ أوامره وتكاليفه ، واجتناب ما نهى عنه .قال القرطبى : قوله - تعالى - : ( وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ الله إِذَا عَاهَدتُّمْ .

.

.

) لفظ عام لجميع ما يعقد باللسان ، ويلتزمه الإِنسان من بيع أوصلة ، أو مواثقة فى أمر موافق للديانة .وهذه الآية مضمن قوله - تعالى - : ( إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان ) لأن المعنى فيها : افعلوا كذا ، وانتهوا عن كذا ، فعطف على ذلك التقدير .وقد قيل إنها نزلت فى بيعة النبى صلى الله عليه وسلم على الإِسلام .

وقيل : نزلت فى التزام الحلف الذى كان فى الجاهلية ، وجاء الإِسلام بالوفاء به - كحلف الفضول - .والعموم يتناول كل ذلك .

.

.

.والمعنى : إن الله يأمركم - أيها المسلمون - بالعدل والإِحسان وإيتاه ذى القربى ، ويأمركم - أيضا - بالوفاء بالعهود التى التزمتم بها مع الله - تعالى - أو مع الناس .والآيات التى وردت فى وجوب الوفاء بالعهود كثيرة ومن ذلك قوله - تعالى - : ( وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ العهد كَانَ مَسْؤُولاً ) وخص - سبحانه - الأمر بالوفاء بالعهد بالذكر - مع أنه داخل فى المأمورات التى اشتملت عليها الآية السابقة كما أشار إلى ذلك القرطبى فى كلامه السابق - لأن الوفاء بالعهود من آكد الحقوق وأوجبها على الإِنسان .وقوله تعالى : ( وَأَوْفُواْ بعهدي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فارهبون ) ومن الأحاديث التى وردت فى ذلك ما رواه الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان " .وقوله - سبحانه - : ( وَلاَ تَنقُضُواْ الأيمان بَعْدَ تَوْكِيدِهَا .

.

.

) تأكيد للأمر بالوفاء ، وتحذير من الخيانة والغدر .والنقض فى اللغة : حقيقة فى فسخ ماركب بفعل يعاكس الفعل الذى كان به التركيب .

واستعمل هنا على سبيل المجاز فى إبطال العهد .والأيمان : جمع يمين .

وتطلق بمعنى الحلف والقسم .

وأصل ذلك أن العرب كانوا إذا أرادوا توثيق عهودهم بالقسم يقسمونه ، ووضع كل واحد من المتعاهدين يمينه فى يمين صاحبه .أى : كونوا أوفياء بعهودكم ، ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ، أى : بعد توثيقها وتغليظها عن طريق تكرارها بمرة ومرتين ، أو عن طريق الإِتيان فيها ببعض أسماء الله - تعالى - وصفاته .وقوله - تعالى - : ( بعد توكيدها ) للإِشعار بأن نقض الأيمان وإن كان قبيحا فى كل حالة ، فهو فى حالة توكيد الأيمان وتغليظها أشد قبحا .ولذا قال بعض العلماء : " وهذا القيد لموافقة الواقع ، حيث كانوا يؤكدون أيمانهم فى المعاهدة ، وحينئذ فلا مفهوم له ، فلا يختص النهى عن النقض بحالة التوكيد ، بل نقض اليمين منهى عنه مطلقا .

أو يراد بالتوكيد القصد ، ويكون احترازا عن لغو اليمين .

وهى الصادرة عن غير قصد للحلف " .وقال الإِمام ابن كثير ما ملخصه : " ولا تعارض بين هذه الآية وبين قوله صلى الله عليه وسلم فيما ثبت عنه فى الصحيحين أنه قال : " إنى والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها ، إلا أتيت الذى هو خير وتحللتها " وفى رواية " وكفرت عن يمينى " لأن هذه الأيمان المراد بها فى الآية : الداخلة فى العهود والمواثيق ، لا الأيمان التى هى واردة فى حث أو منع .

.

.

" .والخلاصة ، أن الآية الكريمة تنهى المؤمن عن نقض الأيمان نهيا عاما ، إلا أن السنة النبوية الصحيحة قد خصصت هذا التعميم بإباحة نقض اليمين إذا كانت مانعة من فعل الخير ، ويؤيد هذا التخصيص قوله - تعالى - : ( وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ الناس .

.

) وجملة ( وَقَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كَفِيلاً .

.

) حال من فاعل ( تنقضوا ) ، وهى مؤكدة لمضمون ما قبلها من وجوب الوفاء بالعهود والنهى عن نقضها .والكفيل : من يكفل غيره ، أى : يضمنه فى أداء ما عليه .أى : ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ، والحال أنكم قد جعلتم الله - تعالى - ضامنا لكم فيما التزمتم به من عهود ، وشاهدا ورقيبا على أقوالكم وأعمالكم .فالجملة الكريمة تحذر المتعاهدين من النقض بعد أن جعلوا الله - تعالى - كفيلا عليهم .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بهذا التهديد الخفى فقال - تعالى - : ( إِنَّ الله يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ) .

أى : إن الله - تعالى - يعلم ما تفعلون من الوفاء أو النقض ، وسيجازيكم بما تستحقون من خير أو شر ، فالمراد من العلم لازمه ، وهو المجازاة على الأعمال .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما جمع كل المأمورات والمنهيات في الآية الأولى على سبيل الإجمال، ذكر في هذه الآية بعض تلك الأقسام، فبدأ تعالى بالأمر بالوفاء بالعهد وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في تفسير قوله: ﴿ بِعَهْدِ الله ﴾ وجوهاً: الأول: قال صاحب الكشاف: عهد الله هي البيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام لقوله: ﴿ إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ  ﴾ أي ولا تنقضوا أيمان البيعة بعد توكيدها، أي بعد توثيقها باسم الله.

الثاني: أن المراد منه كل عهد يلتزمه الإنسان باختياره قال ابن عباس: والوعد من العهد، وقال ميمون بن مهران من عاهدته وف بعهده مسلماً كان أو كافراً فإنما العهد لله تعالى.

الثالث: قال الأصم: المراد منه الجهاد وما فرض الله في الأموال من حق.

الرابع: عهد الله هو اليمين بالله، وقال هذا القائل: إنما يجب الوفاء باليمين إذا لم يكن الصلاح في خلافه، لأنه عليه السلام قال: «من حلف على يمين ورأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير ثم ليكفر» الخامس: قال القاضي: العهد يتناول كل أمر يجب الوفاء بمقتضاه، ومعلوم أن أدلة العقل والسمع أوكد في لزوم الوفاء بما يدلان على وجوبه من اليمين ولذلك لا يصح في هذين الدليلين التغير والاختلاف، ويصح ذلك في اليمين وربما ندب فيه خلاف الوفاء.

ولقائل أن يقول: إنه تعالى قال: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ الله إِذَا عاهدتم ﴾ فهذا يجب أن يكون مختصاً بالعهود التي يلتزمها الإنسان باختيار نفسه لأن قوله: ﴿ إِذَا عاهدتم ﴾ يدل على هذا المعنى وحينئذ لا يبقى المعنى الذي ذكره القاضي معتبراً ولأنه تعالى قال في آخر الآية: ﴿ وَقَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كَفِيلاً ﴾ وهذا يدل على أن الآية واردة فيمن آمن بالله والرسول، وأيضاً يجب أن لا يحمل هذا العهد على اليمين، لأنا لو حملناه عليه لكان قوله بعد ذلك: ﴿ وَلاَ تَنقُضُواْ الأيمان بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ﴾ تكراراً لأن الوفاء بالعهد والمنع من النقض متقاربان، لأن الأمر بالفعل يستلزم النهي عن الترك إلا إذا قيل إن الوفاء بالعهد عام فدخل تحته اليمين، ثم إنه تعالى خص اليمين بالذر تنبيهاً على أنه أولى أنواع العهد بوجوب الرعاية، وعند هذا نقول الأولى أن يحمل هذا العهد على ما يلتزمه الإنسان باختياره ويدخل فيه المبايعة على الإيمان بالله وبرسوله ويدخل فيه عهد الجهاد، وعهد الوفاء بالملتزمات من المنذورات، والأشياء التي أكدها بالحلف واليمين، وفي قوله: ﴿ وَلاَ تَنقُضُواْ الأيمان بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ﴾ مباحث: البحث الأول: قال الزجاج: يقال وكدت وأكدت لغتان جيدتان، والأصل الواو، والهمزة بدل منها.

البحث الثاني: قال أصحاب أبي حنيفة رحمه الله: يمين اللغو هي يمين الغموس، والدليل عليه أنه تعالى قال: ﴿ ولا تَنقُضُواْ الأيمان بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ﴾ فنهى في هذه الآية عن نقض الأيمان، فوجب أن يكون كل يمين قابلاً للبر والحنث، ويمين الغموس غير قابلة للبر والحنث فوجب أن لا تكون من الأيمان.

واحتج الواحدي بهذه الآية على أن يمين اللغو هي قول العرب لا والله وبلى والله.

قال إنما قال تعالى: ﴿ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ﴾ للفرق بين الأيمان المؤكدة بالعزم وبالعقد وبين لغو اليمين.

البحث الثالث: قوله: ﴿ وَلاَ تَنقُضُواْ الأيمان بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ﴾ عام دخله التخصيص، لأنا بينا أن الخبر دل على أنه متى كان الصلاح في نقض الأيمان جاز نقضها.

ثم قال: ﴿ وَقَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كَفِيلاً ﴾ هذه واو الحال، أي لا تنقضوها وقد جعلتم الله كفيلاً عليكم بالوفاء، وذلك أن من حلف بالله تعالى فكأنه قد جعل الله كفيلاً بالوفاء بسبب ذلك الحلف.

ثم قال: ﴿ إِنَّ الله يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ وفيه ترغيب وترهيب، والمراد فيجازيكم على ما تفعلون إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

ثم إنه تعالى أكد وجوب الوفاء، وتحريم النقض وقال: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كالتى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنكاثا ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في المشبه به قولان: القول الأول: أنها امرأة من قريش يقال لها رايطة، وقيل ريطة، وقيل تلقب جعراء وكانت حمقاء تغزل الغزل هي وجواريها فإذا غزلت وأبرمت أمرتهن فنقضن ما غزلن.

والقول الثاني: أن المراد بالمثل الوصف دون التعين، لأن القصد بالأمثال صرف المكلف عنه إذا كان قبيحاً، والدعاء إليه إذا كان حسناً، وذلك يتم به من دون التعيين.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ﴾ أي من به قوة الغزل بإبرامها وفتلها.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ أنكاثا ﴾ قال الأزهري: واحدها: نكث وهو الغزل من الصوف والشعر يبرم وينسج فإذا أحكمت النسيجة قطعتها ونكثت خيوطها المبرمة ونفشت تلك الخيوط وخلطت بالصوف ثم غزلت ثانية، والنكث المصدر، ومنه يقال نكث فلان عهده إذا نقضه بعد إحكامه كما ينكث خيط الصوف بعد إبرامه.

المسألة الرابعة: في انتصاب قوله: ﴿ أنكاثا ﴾ وجوه: الأول: قال الزجاج: أنكاثاً منصوب لأنه بمعنى المصدر لأن معنى نكثت نقضت ومعنى نقضت نكثت، وهذا غلط منه، لأن الأنكاث جمع نكث وهو اسم لا مصدر فكيف يكون قوله: ﴿ أنكاثا ﴾ بمعنى المصدر؟

الثاني: قال الواحدي: أنكاثاً مفعول ثان كما تقول كسره أقطاعاً وفرقه أجزاء على معنى جعله أقطاعاً وأجزاء فكذا هاهنا قوله: نقضت غزلها أنكاثاً أي جعلت غزلها أنكاثاً.

الثالث: إن قوله: ﴿ أنكاثا ﴾ حال مؤكدة.

المسألة الخامسة: قال ابن قتيبة: هذه الآية متصلة بما قبلها، والتقدير: وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها، فإنكم إن فعلتم ذلك كنتم مثل المرأة التي غزلت غزلاً وأحكمته فلما استحكم نقضته فجعلته أنكاثاً.

ثم قال تعالى: ﴿ تَتَّخِذُونَ أيمانكم دَخَلاً بَيْنَكُمْ ﴾ قال الواحدي: الدخل والدغل الغش والخيانة.

قال الزجاج: كل ما دخله عيب قيل هو مدخول وفيه دخل، وقال غيره: الدخل ما أدخل في الشيء على فساد.

ثم قال: ﴿ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِىَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ ﴾ أربى أي أكثر من ربا الشيء يربو إذا زاد، وهذه الزيادة قد تكون في العدد وفي القوة وفي الشرف.

قال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء ثم يجدون من كان أعز منهم وأشرف فينقضون حلف الأولين ويحالفون هؤلاء الذين هم أعز، فنهاهم الله تعالى عن ذلك.

وقوله: ﴿ أَن تَكُونَ ﴾ معناه أنكم تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم بسبب أن تكون أمة أربى من أمة في العدد والقوة والشرف.

فقوله: ﴿ تَتَّخِذُونَ أيمانكم دَخَلاً بَيْنَكُمْ ﴾ استفهام على سبيل الإنكار، والمعنى: أتتخذون أيمانكم دخلاً بينكم بسبب أن أمة أزيد في القوة والكثرة من أمة أخرى.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ الله بِهِ ﴾ أي بما يأمركم وينهاكم، وقد تقدم ذكر الأمر والنهي: ﴿ وَلَيُبَيّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ القيامة مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ فيتميز المحق من المبطل بما يظهر من درجات الثواب والعقاب، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

عهد الله: هي البيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام ﴿ إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله ﴾ [الفتح: 10] .

﴿ وَلاَ تَنقُضُواْ ﴾ إيمان البيعة ﴿ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ﴾ أي بعد توثيقها باسم الله.

وأكد ووكد: لغتان فصيحتان، والأصل الواو، والهمزة بدل ﴿ كَفِيلاً ﴾ شاهداً ورقيباً؛ لأن الكفيل مراع لحال المكفول به مهيمن عليه ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ ﴾ في نقض الأيمان كالمرأة التي أنحت على غزلها بعد أن أحكمته وأبرمته فجعلته ﴿ أنكاثا ﴾ جمع نكث وهو ما ينكث فتله.

قيل: هي ريطة بنت سعد بن تيم وكانت خرقاء، اتخذت مغزلاً قدر ذراع وصنارة مثل أصبع وفلكة عظيمة على قدرها، فكانت تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر، ثم تأمرهنّ فينقضن ماغزلن ﴿ تَتَّخِذُونَ ﴾ حال و ﴿ دَخَلاً ﴾ أحد مفعولي اتخذ.

يعني: ولا تنقضوا أيمانكم متخذيها دخلاً ﴿ بَيْنِكُمْ ﴾ أي مفسدة ودغلا ﴿ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ ﴾ بسبب أن تكون أمة يعني جماعة قريش ﴿ هِىَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ ﴾ هي أزيد عدداً وأوفر مالاً.

من أمة من جماعة المؤمنين ﴿ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ الله بِهِ ﴾ الضمير لقوله: أن تكون أمة؛ لأنه في معنى المصدر، أي: إنما يختبركم بكونهم أربى، لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله وما عقدتم على أنفسكم ووكدتم من أيمان البيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أم تغترون بكثرة قريش وثروتهم وقوّتهم وقلة المؤمنين وفقرهم وضعفهم؟

﴿ وَلَيُبَيّنَنَّ لَكُمْ ﴾ إنذار وتحذير من مخالفة ملة الإسلام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي البَيْعَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ  عَلى الإسْلامِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ ﴾ .

وقِيلَ كُلُّ أمْرٍ يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ ولا يُلائِمُهُ قَوْلُهُ: ﴿ إذا عاهَدْتُمْ ﴾ وقِيلَ النُّذُورُ، وقِيلَ الإيمانُ بِاللَّهِ ﴿ وَلا تَنْقُضُوا الأيْمانَ ﴾ أيْ أيْمانَ البَيْعَةِ أوْ مُطْلَقَ الأيْمانِ.

﴿ بَعْدَ تَوْكِيدِها ﴾ بَعْدَ تَوْثِيقِها بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، ومِنهُ أكَّدَ بِقَلْبِ الواوِ هَمْزَةً ﴿ وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلا ﴾ شاهِدًا بِتِلْكَ البَيْعَةِ فَإنَّ الكَفِيلَ مُراعٍ لِحالِ المَكْفُولِ بِهِ رَقِيبٌ عَلَيْهِ ﴿ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ ﴾ مَن نَقْضِ الأيْمانِ والعُهُودِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ الله إِذَا عاهدتم} هي البيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله {وَلاَ تَنقُضُواْ الأيمان} أيمان البيعة {بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} بعد توثيقها باسم الله وأكد ووكد لغتان فصيحتان والأصل الواو والهمزة بدل منها {وَقَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كَفِيلاً} شاهداً ورقيباً لأن الكفيل مراع لحال المكفول به مهيمن عليه {إِنَّ الله يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} من البر والحنث فيجازيكم به

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ﴾ قالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ: نَزَلَتْ فِيما كانَ مِن تَحالُفِ الجاهِلِيَّةِ في أمْرٍ بِمَعْرُوفٍ أوْ نَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مَزِيدَةَ بْنِ جابِرٍ أنَّها نَزَلَتْ في بَيْعَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ مَن أسْلَمَ بايَعَ عَلى الإسْلامِ.

وظاهِرُهُ أنَّها في البَيْعَةِ عَلى الإسْلامِ مُطْلَقًا، فالمُرادُ بِعَهْدِ اللَّهِ تِلْكَ البَيْعَةُ كَما نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ مُوَثَّقٍ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ مَيْمُونَ بْنِ مَهْرانَ، وسَبَبُ النُّزُولِ لَيْسَ مِنَ المُخَصَّصاتِ، ولِذا قالُوا: الِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.

وأُجِيبَ بِأنَّ قَرِينَةَ التَّخْصِيصِ قَوْلُهُ تَعالى فِيما قَبْلُ: ( إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) الآيَةَ، وفِيهِ نَظَرٌ، وقالَ الأصَمُّ: المُرادُ بِهِ الجِهادُ وما فُرِضَ في الأمْوالِ مِن حَقٍّ ولا يُلائِمُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا عاهَدْتُمْ ﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ النَّذْرُ، وقِيلَ: اليَمِينُ: وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الإمامُ بِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى.

﴿ ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها ﴾ تَكْرارًا لِأنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ والمَنعَ مِنَ النَّقْضِ مُتَقارِبانِ لِأنَّ الأمْرَ بِالفِعْلِ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنِ التَّرْكِ، وإذا حُمِلَ العَهْدُ عَلى العُمُومِ بِحَيْثُ دَخَلَ تَحْتَهُ اليَمِينُ كانَ هَذا مِن بابِ تَخْصِيصِ بَعْضِ الإفْرادِ بِالذِّكْرِ لِلِاعْتِناءِ بِهِ وبَعْضُ مَن فَسَّرَ العَهْدَ بِالبَيْعَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَمَلَ الأيْمانَ عَلى ما وقَعَ عِنْدَ تِلْكَ البَيْعَةِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم حَمَلَها عَلى مُطْلَقِ الأيْمانِ.

وفِي الحَواشِي السَّعْدِيَّةِ أنَّ الظّاهِرَ أنَّ المُرادَ بِها الأشْياءُ المَحْلُوفُ عَلَيْها كَما في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««ومَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ فَرَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَلْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ ولْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ»» لِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ ذِكْرَ اسْمِ اللَّهِ تَعالى كانَ عَيْنَ التَّأْكِيدِ لا المُؤَكَّدِ فَلَمْ يَكُنْ مَحَلَّ ذِكْرِ العَطْفِ كَما تُقَرِّرَ في المَعانِي ورُدَّ بِأنَّ المُرادَ بِها العَقْدُ لا المَحْلُوفُ عَلَيْهِ لِأنَّ النَّقْضَ إنَّما يُلائِمُ العَقْدَ ولا يُنافِي ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ بَعْدَ تَوْكِيدِها ﴾ لِأنَّ المُرادَ كَوْنُ العَقْدِ مُؤَكَّدًا بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى لا بِذِكْرِ غَيْرِهِ كَما يَفْعَلُهُ العامَّةُ الجَهَلَةُ فالمَعْنى أنَّ ذَلِكَ النَّهْيَ لِما ذُكِرَ لا عَنْ نَقْضِ الحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى وقالَ الواحِدِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ بَعْدَ تَوْكِيدِها ﴾ لِإخْراجِ لَغْوِ اليَمِينِ نَحْوَ لا واللَّهِ بَلى واللَّهِ بِناءً عَلى أنَّ المَعْنى بَعْدَ تَوْكِيدِها بِالعَزْمِ والعَقْدِ ولَغْوُ اليَمِينِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ.

ثُمَّ إذا حُمِلَ الإيمانُ عَلى مُطْلَقِها فَهُوَ- كَما قالَ الإمامُ- عامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ بِالحَدِيثِ السّابِقِ الدّالِّ عَلى أنَّهُ مَتى كانَ الصَّلاحُ في نَقْضِ اليَمِينِ جازَ نَقْضُها.

وتُعِقِّبَ بِأنَّ فِيهِ تَأمُّلًا لِأنَّ الحَظْرَ لَوْ لَمْ يَكُنْ باقِيًا لَما احْتِيجَ إلى الكَفّارَةِ السّاتِرَةِ لِلذَّنْبِ.

وأُجِيبَ بِأنَّ وُجُوبَ الكَفّارَةِ بِطَرِيقِ الزَّجْرِ إذْ أصْلُ الإيمانِ الِانْعِقادُ ولَوْ مَحْظُورَةً فَلا يُنافِي لُزُومَ مُوجَبِها، وجُوِّزَ أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ لِلْإقْدامِ عَلى الحَلِفِ بِاللَّهِ تَعالى في غَيْرِ مَحَلِّهِ فَلْيُتَأمَّلْ، والتَّوْكِيدُ التَّوْثِيقُ، ومِنهُ أُكِّدَ بِقَلْبِ الواوِ هَمْزَةً عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ، مِنَ النُّحاةِ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ وكَّدَ وأكَّدَ لُغَتانِ أصْلِيَّتانِ لِأنَّ الِاسْتِعْمالَيْنِ في المادَّةِ مُتَساوِيانِ فَلا يَحْسُنُ القَوْلُ بِأنَّ الواوَ بَدَلٌ مِنَ الهَمْزَةِ كَما في الدُّرِّ المَصُونِ وهو الَّذِي اخْتارَهُ أبُو حَيّانَ.

﴿ وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلا ﴾ أيْ شاهِدًا رَقِيبًا فَإنَّ الكَفِيلَ مُراعٍ لِحالِ المَكْفُولِ بِهِ رَقِيبٌ عَلَيْهِ واسْتِعْمالُ الكَفِيلِ في ذَلِكَ إمّا مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ أوِ المَجازِ المُرْسَلِ والعَلاقَةُ اللُّزُومُ.

والظّاهِرُ أنَّ جَعْلَهم مَجازٌ أيْضًا لِأنَّهم لَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ واللَّهُ تَعالى مُطَّلِعٌ عَلَيْهِمْ فَكَأنَّهم جَعَلُوهُ سُبْحانَهُ شاهِدًا قالَهُ الخَفاجِيُّ ثُمَّ قالَ: ولَوْ أُبْقِيَ الكَفِيلُ عَلى ظاهِرِهِ وجُعِلَ تَمْثِيلًا لِعَدَمِ تَخَلُّصِهِمْ مِن عُقُوبَتِهِ وإنَّهُ يُسَلِّمُهم لَها كَما يُسَلِّمُ الكَفِيلُ مَن كَفَلَهُ كَما يُقالُ: مَن ظَلَمَ فَقَدْ أقامَ كَفِيلًا بِظُلْمِهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنَ العُقُوبَةِ كَما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ لَكانَ مَعْنًى بَلِيغًا جِدًّا فَتَدَبَّرْ.

والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ ﴿ تَنْقُضُوا ﴾ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ المَصْدَرِ وإنْ كانَ مَحْذُوفًا، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ ﴾ أيْ مِنَ النَّقْضِ فَيُجازِيكم عَلى ذَلِكَ في وضْعِ التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ السّابِقِ، وقالَ الخَفاجِيُّ: إنَّهُ كالتَّفْسِيرِ لِما قَبْلَهُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ يقول: إذا حلفتم بالله فأتموا له بالفعل.

ويقال: أَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ أي: العهود التي بينكم وبين الله تعالى، والعهود التي بينكم وبين الناس.

ثم قال: وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها أي: لا تنكثوا العهود بَعْدَ تغليظها، وتشديدها، وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا أي: شهيداً على إتمام العهود والوفاء بها.

ويقال: حفيظاً على ما قال الفريقان إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ في وفاء العهد والنقض.

ثم ضرب الله تعالى مثلا آخر فقال: وَلا تَكُونُوا في نقض العهد كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها وهي ريطة الحمقاء بنت عمرو بن كعب بن سعد وهي أم الأخنس بن شريف الزهري مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً أي: من بعد ما أبرمته وأحكمته، كانت إذا غزلت الشعر والكتان نقضته، ثم غزلته.

فقال: ولا تنقضوا العهد بعد توكيده، كما نقضت المرأة غزلها، وقال القتبي: أي لا تؤكدوا على أنفسكم الأيمان والعهود، ثم تنقضوا ذلك، فتكونوا كامرأة غزلت ونسجت، ثم نقضت ذلك النسج فجعلته أنكاثاً، والأنكاث: ما نقض من غزل الشعر وغيره، واحدها نكث.

ثم قال: تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أي: دغلاً وخيانة أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ أي: فريقا منكم هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ أي: هي أكثر وأغنى من أمة.

قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في كندة ومراد، وذلك أنه كان بينهم قتال حتى كَلَّ الظهر، ثم تواعدوا لستة أشهر حتى يصلح الظهر أي: الدواب، ولحم الخيل.

فلما مضت خمسة أشهر أمر قيس بن معد يكرب بالجهاد إليهم، فقالوا: قد بقي من الأجل شهر، فمكث حتى علم أنه يأتيهم بعد انقضاء الأجل، فقتلوه وهزموا قومه، فذلك قوله: وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ [النحل: 94] أي: عهودكم بالله دَخَلًا أي: مكراً وخديعة بينكم أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ يعني: أن تكون أمة أكثر من أمة، فينقضون العهد لأجل كثرتهم، فلا تحملنكم الكثرة على نقض العهد إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ يعني: إنما يبتليكم الله بالكثرة، لنقض العهد والوفاء.

وقال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء، فإِذا وجدوا أكثر منهم وأعز، نقضوا وحالفوا الأعز، فنزل إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ أي: يختبركم بنقض العهود وبالكثرة وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ من الدين، ويبيّن لكم ما نقضتم من العهود، ويجازيكم به.

قوله: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً أي: على ملة واحدة وهي الإسلام وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ أي: يخذل من علم أنه ليس من أهل الإسلام وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ أي: يكرم بالإِسلام من هو أهل لذلك وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فهذه اللام لام القسم والتأكيد، أي: يسألكم عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من الوفاء، والنقض بالعهد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ أي: إِذا رأَوْهم بأبصارِهِمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا ...

الآية، كأنهم أرادوا بهذه المقالة تذنيبَ المَعْبُودين، وقوله سبحانه: فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ ...

الآية: الضمير في فَأَلْقَوْا للمعبودينَ أنطقهم اللَّه بتكذيب المُشْركين، وقد قال سبحانه في آية أخرى: فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ [يونس: ٢٨] الآية، انظر تفسيرها في سورة يونس وغيرها.

وقوله: وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ الضمير في أَلْقَوْا هنا عائد على «المشركين» ، والسَّلَمَ الاستسلام.

وقوله تعالى: زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ ...

الآية: رُوِيَ في ذلك عن ابن مسعود، أنَّ اللَّه سبحانَهُ يسلِّط عليهم عَقَارِبَ وحَيَّاتٍ، لها أنيابٌ، كالنَّخْلِ الطِّوال «١» ، وقال عَبْيدُ بنُ عُمَيْرٍ: حَيَّات لها أنيابٌ كالنخْلِ «٢» ونحو/ هذا، وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن لجهنَّمَ سواحِلَ، فيها هذه الحياتُ وهذه العقاربُ، فيفر الكافرون إلى السَّواحلِ، فتلقاهم هذه الحيَّاتُ والعقاربُ فيفرُّونَ منها إِلى النار، فتَتْبَعهم حَتَّى تجد حَرَّ النار، فتَرْجِع «٣» .

قال: وهي في أسراب.

وقوله سبحانه: وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً يعني: رسولَها، ويجوز أن يبعَثَ اللَّه شهوداً من الصَّالحين مع الرسُلِ، وقد قال بعضُ الصحابة: إِذا رأَيْتُ أحداً على معصية،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الحَقُّ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ اسْتِواءُ السَّرِيرَةِ والعَلانِيَةِ في العَمَلِ لِلَّهِ تَعالى، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.

والرّابِعُ: أنَّهُ القَضاءُ بِالحَقِّ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ: العَدْلُ في كَلامِ العَرَبِ: الإنْصافُ، وأعْظَمُ الإنْصافِ: الِاعْتِرافُ لِلْمُنْعِمِ بِنِعْمَتِهِ.

وَفِي المُرادِ بِالإحْسانِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ أداءُ الفَرائِضِ، رَواهُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: العَفْوُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: الإخْلاصُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والخامِسُ: أنْ تَكُونَ السَّرِيرَةُ أحْسَنَ مِنَ العَلانِيَةِ، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.

فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإيتاءِ ذِي القُرْبى ﴾ فالمُرادُ بِهِ: صِلَةُ الأرْحامِ.

وفي الفَحْشاءِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الزِّنا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: المَعاصِي، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِي " المُنْكَرِ " أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الشِّرْكُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ ما لا يُعْرَفُ في شَرِيعَةٍ ولا سُنَّةٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ ما وعَدَ اللَّهُ عَلَيْهِ النّارَ، ذَكَرَهُما ابْنُ السّائِبِ.

والرّابِعُ: أنْ تَكُونَ عَلانِيَةُ الإنْسانِ أحْسَنَ مِن سَرِيرَتِهِ، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.

فَأمّا " البَغْيُ " فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الظُّلْمُ، وقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ في مَواضِعَ [البَقَرَةِ:١٧٣، والأعْرافِ:٣٣، ويُونُسَ:٢٣،٩٠] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَعِظُكُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُؤَدِّبُكم، وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى الوَعْظِ في (سُورَةِ النِّساءِ:٥٨) .

و " تَذَكَّرُونَ " بِمَعْنى: " تَتَّعِظُونَ " قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَذِهِ الآيَةُ أجْمَعُ آيَةٍ في القُرْآنِ لِخَيْرٍ أوْ لِشَرٍّ.

وقالَ الحَسَنُ: واللَّهِ ما تَرَكَ العَدْلُ والإحْسانُ شَيْئًا مِن طاعَةِ [اللَّهِ] إلّا جَمَعاهُ، ولا تَرَكَتِ الفَحْشاءُ والمُنْكَرُ والبَغْيُ شَيْئًا مِن مَعْصِيَةِ اللَّهِ إلّا جَمَعُوهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في حِلْفِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في الَّذِينَ بايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ  .

قالَ المُفَسِّرُونَ: العَهْدُ الَّذِي يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ، هو الَّذِي يَحْسُنُ فِعْلُهُ، فَإذا عاهَدَ العَبْدُ عَلَيْهِ، وجَبَ الوَفاءُ بِهِ، والوَعْدُ مِنَ العَهْدِ ﴿ وَلا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها ﴾ أيْ: بَعْدَ تَغْلِيظِها وتَشْدِيدِها بِالعَزْمِ والعَقْدِ عَلى اليَمِينِ، بِخِلاف لَغْوِ اليَمِينِ، ووَكَّدْتُ الشَّيْءَ تَوْكِيدًا، لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ.

فَأمّا أهْلُ نَجْدٍ، فَيَقُولُونَ: أكَّدْتُهُ تَأْكِيدًا.

وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: وكَّدْتُ الأمْرَ، وأكَّدْتُ لُغَتانِ جَيِّدَتانِ، والأصْلُ الواوُ، والهَمْزَةُ بَدَلٌ مِنها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلا ﴾ أيْ: بِالوَفاءِ، وذَلِكَ أنَّ مَن حَلَفَ بِاللَّهِ، فَكَأنَّهُ أكْفَلَ اللَّهَ بِالوَفاءِ بِما حَلَفَ عَلَيْهِ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى " كَفِيلًا " ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: شَهِيدًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: وكِيلًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: حَفِيظًا مُراعِيًا لِعَقْدِكم، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: هَذا فِعْلُ نِساءِ أهْلِ نَجْدٍ، تَنْقُضُ إحْداهُنَّ حَبْلَها، ثُمَّ تَنْفُشُهُ، ثُمَّ تَخْلِطُهُ بِالصُّوفِ فَتَغْزِلُهُ.

وقالَ مُقاتِلٌ: هي امْرَأةٌ مِن قُرَيْشٍ تُسَمّى " رَيْطَةَ " بِنْتَ عَمْرِو بْنِ كَعْبٍ، كانَتْ إذا غَزَلَتْ، نَقَضَتْهُ.

وقالَ ابْنُ السّائِبِ: اسْمُها " رائِطَةُ " وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: اسْمُها " رَيْطَةُ " بِنْتُ عَمْرٍو المَرِّيَّةُ، ولَقَبُها الجَعْراءُ، وهي مِن أهْلِ مَكَّةَ، وكانَتْ مَعْرُوفَةً عِنْدَ المُخاطَبِينَ، فَعَرَفُوها بِوَصْفِها، ولَمْ يَكُنْ لَها نَظِيرٌ في فِعْلِها ذَلِكَ، كانَتْ مُتَناهِيَةَ الحُمْقَ، تَغْزِلُ الغَزْلَ مِنَ القُطْنِ أوِ الصُّوفِ فَتُحْكِمُهُ، ثُمَّ تَأْمُرُ جارِيَتها بِتَقْطِيعِهِ.

وقالَ بَعْضُهم: كانَتْ تَغْزِلُ هي وجَوارِيها، ثُمَّ تَأْمُرُهُنَّ أنْ يَنْقُضْنَ ما غَزَلْنَ، فَضَرْبَها اللَّهُ مَثَلًا لِناقِضِي العَهْدِ.

و " نَقَضَتْ " بِمَعْنى: تَنْقُضُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ  ﴾ بِمَعْنى: ويُنادِي.

وَفِي المُرادِ بِالغَزْلِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الغَزْلُ المَعْرُوفُ، سَواءٌ كانَ مِن قُطْنٍ أوْ صُوفٍ أوْ شَعَرٍ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ الحَبْلُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ﴾ قالَ قَتادَةُ: مِن بَعْدِ إبْرامٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ أنْكاثًا ﴾ أيْ: أنْقاضًا.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الأنْكاثُ: ما نُقِضَ مِن غَزْلِ الشَّعْرِ وغَيْرِهِ.

وواحِدُها نِكْثٌ.

يَقُولُ: لا تُؤَكِّدُوا عَلى أنْفُسِكُمُ الأيْمانَ والعُهُودَ، ثُمَّ تَنْقُضُوا ذَلِكَ وتَحْنَثُوا فِيهِ، فَتَكُونُوا كامْرَأةٍ غَزَلَتْ ونَسَجَتْ، ثُمَّ نَقَضَتْ ذَلِكَ النَّسْجَ، فَجَعَلَتْهُ أنْكاثًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلا بَيْنَكُمْ ﴾ أيْ: دَغَلًا، ومَكْرًا، وخَدِيعَةً، وكُلُّ شَيْءٍ دَخَلَهُ عَيْبٌ، فَهو مَدْخُولٌ، وفِيهِ دَخَلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لِأنْ تَكُونَ أُمَّةٌ، ﴿ هِيَ أرْبى ﴾ أيْ: هي أغْنى ﴿ مِن أُمَّةٍ ﴾ .

وقالَ [الزَّجّاجُ]: المَعْنى: بِأنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أكْثَرُ، يُقالُ: رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو: إذا كَثُرَ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قالَ اللُّغَوِيُّونَ: " أرْبى ": أزْيَدُ عَدَدًا.

قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يُحالِفُونَ الحُلَفاءَ فَيَجِدُونَ أكْثَرَ مِنهم وأعَزَّ، فَيَنْقُضُونَ حَلِفَ هَؤُلاءِ ويُحالِفُونَ أُولَئِكَ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ.

وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: لا تَغْدِرُوا بِقَوْمٍ لِقِلَّتِهِمْ وكَثْرَتِكم، أوْ قِلَّتِكم وكَثْرَتِهِمْ وقَدْ غَرَّرْتُمُوهم بِالأيْمانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى الكَثْرَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ، فَيَكُونُ المَعْنى: إنَّما يَخْتَبِرُكُمُ اللَّهُ بِالكَثْرَةِ، فَإذا كانَ بَيْنَ قَوْمَيْنِ عَهْدٌ، فَكَثُرَ أحَدُهُما، فَلا يَنْبَغِي أنْ يَفْسَخَ الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ الأقَلِّ.

فَإنْ قِيلَ: إذا كَنّى عَنِ الكَثْرَةِ، فَهَلّا قِيلَ بِها ؟

فَقَدْ أجابَ عَنْهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، بِأنَّ الكَثْرَةَ لَيْسَ تَأْنِيثُها حَقِيقِيًّا، فَحُمِلَتْ عَلى مَعْنى التَّذْكِيرِ، كَما حُمِلَتِ الصَّيْحَةُ عَلى مَعْنى الصِّياحِ.

والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى العَهْدِ، فَإنَّهُ لِدَلالَةِ الأيْمانِ عَلَيْهِ، يَجْرِي مَجْرى المُظْهَرِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والثّالِثُ: أنَّها تَرْجِعُ إلى الأمْرِ بِالوَفاءِ، ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في آخِرِ (هُودٍ:١١٨) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ﴾ صَرِيحٌ في تَكْذِيبِ القَدَرِيَّةِ، حَيْثُ أضافَ الإضْلالَ والهِدايَةَ إلَيْهِ، وعَلَّقَهُما بِمَشِيئَتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ وَأوفُوا بِعَهْدِ اللهِ إذا عاهَدْتُمْ ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وقَدْ جَعَلْتُمُ اللهِ عَلَيْكم كَفِيلا إنَّ اللهِ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ ﴾ قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أجْمَعُ آيَةً في كِتابِ اللهِ آيَةٌ في سُورَةِ النَحْلِ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، ورُوِيَ عن عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَرَأتْها عَلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، فَتَعَجَّبَ وقالَ: "يا آلَ غالِبٍ اتَّبِعُوهُ تُفْلِحُوا، فَواللهِ إنَّ اللهَ أرْسَلَهُ إلَيْكم لِيَأْمُرَ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ"، وحَكى النَقّاشُ قالَ: كانَ يُقالُ: "زَكاةُ العَدْلِ الإحْسانُ، وزَكاةُ القُدْرَةِ العَفْوُ، وزَكاةُ الغِنى المَعْرُوفُ، وزَكاةُ الجاهِ كُتُبُ الرَجُلِ إلى إخْوانِهِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: العَدْلُ هو فِعْلُ كُلِّ مَفْرُوضٍ مِن عَقائِدَ وشَرائِعَ، وسَيْرٌ مَعَ الناسِ في أداءِ الأماناتِ، وتَرْكُ الظُلْمِ، والإنْصافُ وإعْطاءُ الحَقِّ، والإحْسانُ هو فِعْلُ كُلِّ مَندُوبٍ إلَيْهِ، فَمِنَ الأشْياءِ ما هو كُلُّهُ مَندُوبٌ إلَيْهِ، ومِنها ما فُرِضَ، إلّا أنَّ حَدَّ الإجْزاءِ مِنهُ داخِلٌ في العَدْلِ، والتَكْمِيلُ الزائِدُ عَلى حَدِّ الإجْزاءِ داخِلٌ في الإحْسانِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فِيما حَكى الطَبَرِيُّ: العَدْلُ: لا إلَهَ إلّا اللهُ، والإحْسانُ: أداءُ الفَرائِضِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا القِسْمِ الأخِيرِ نَظَرٌ؛ لَأنَّ أداءَ الفَرائِضِ هي الإسْلامُ حَسْبَ ما فَسَّرَهُ رَسُولُ اللهِ  في حَدِيثِ سُؤالِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، وذَلِكَ هو العَدْلُ، وإنَّما الإحْسانُ: التَكْمِيلاتُ والمَندُوبُ إلَيْهِ حَسْبَ ما يَقْتَضِيهِ تَفْسِيرُ النَبِيِّ  لِسُؤالِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ بِقَوْلِهِ: « "أنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ"،» فَإنْ صَحَّ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فَإنَّما أرادَ أداءَ الفَرائِضِ مُكَمَّلَةً.

﴿ وَإيتاءِ ذِي القُرْبى ﴾ لَفْظَةٌ تَقْتَضِي صِلَةَ الرَحِمِ، وتَعُمُّ جَمِيعَ إسْداءِ الخَيْرِ إلى القَرابَةِ.

وتَرَكُهُ مُبْهَمًا أبْلَغُ؛ لَأنَّ كُلَّ مَن وصَلَ في ذَلِكَ إلى غايَةٍ -وَإنْ عَلَتْ- يَرى أنَّهُ مُقَصِّرٌ، وهَذا المَعْنى المَأْمُورُ بِهِ في جانِبِ ذِي القُرْبى داخِلٌ تَحْتِ العَدْلِ والإحْسانِ، لَكِنَّهُ تَعالى خَصَّهُ بِالذِكْرِ اهْتِمامًا بِهِ وحَتْمًا عَلَيْهِ.

و"الفَحْشاءِ": الزِنى -قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - وغَيْرُهُ مِنَ المَعاصِي الَّتِي شُنْعَتُها ظاهِرَةٌ، وفاعِلُها أبَدًا مُتَسَتِّرٌ بِها، وكَأنَّهم خَصُّوها بِمَعانِي الفُرُوجِ و"المُنْكَرِ" أعَمُّ مِنهُ؛ لَأنَّهُ يَعُمُّ جَمِيعَ المَعاصِي والرَذائِلِ والإذاياتِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِها، و"البَغْيِ" هو إنْشاءُ ظُلْمِ الإنْسانِ والسِعايَةِ فِيهِ، وهو داخِلٌ تَحْتِ المُنْكَرِ، لَكِنَّهُ تَعالى خُصُّهُ بِالذِكْرِ اهْتِمامًا بِهِ لِشِدَّةِ ضَرَرِهِ بِالناسِ، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "لا ذَنْبَ أسْرَعُ عُقُوبَةً مِن بَغْيٍ"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "الباغِي مَصْرُوعٌ"،» وقَدْ وعَدَ اللهُ مِن بُغِيَ عَلَيْهِ بِالنَصْرِ، وفي بَعْضِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ: « "لَوْ بَغى جَبَلٌ عَلى جَبَلٍ لَجَعَلَ اللهُ الباغِيَ مِنهُما دَكًّا".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَغْيِيرُ المُنْكِرِ فَرْضٌ عَلى الوُلاةِ، إلّا أنَّ المُغَيِّرَ لا يَعِنُّ لِمَسْتُورٍ، ولا يَعْمَلُ ظَنًّا، ولا يَتَجَسَّسُ، ولا يُغَيِّرُ إلّا ما بَدَتْ صَفْحَتُهُ، ويَكُونُ أمْرُهُ ونَهْيُهُ بِمَعْرُوفٍ، وهَذا كُلُّهُ لِغَيْرِ الوُلاةِ ألْزَمُ، وفَرْضٌ عَلى المُسْلِمِينَ عامَّةً، ما لَمْ يَخَفِ المُغَيِّرُ إذايَةً أو ذُلًّا، ولا يُغَيِّرُ المُؤْمِنُ بِيَدِهِ ما وجَدَ سُلْطانًا، فَإنَّ عَدِمَهُ غَيَّرَ بِيَدِهِ، إلّا أنَّهُ لا يَصِلُ إلى نَصْبِ القِتالِ والمُداراةِ وإعْمالِ السِلاحِ إلّا مَعَ الرِياسَةِ والإمامِ المُتَّبَعِ، ويَنْبَغِي لِلنّاسِ أنْ يُغَيِّرَ المُنْكِرَ مِنهم كُلُّ أحَدٍ مِنهُمْ، تَقِيٌّ وغَيْرُ تَقِيٍّ، ولَوْ لَمْ يُغَيِّرْ إلّا تَقِيٍّ لَمْ يَتَغَيَّرْ مُنْكِرٌ في الأغْلَبِ، وقَدْ ذَمَّ اللهُ تَعالى قَوْمًا بِأنَّهم لَمْ يَتَناهَوْا عنهُ، وكُلُّ مُنْكَرٍ فِيهِ مُدْخَلٌ لِلنَّظَرِ فَلا مَدْخَلَ لِغَيْرِ حَمَلَةِ العِلْمِ فِيهِ، فَهَذِهِ نُبْذَةٌ مِنَ القَوْلِ في تَغْيِيرِ المُنْكِرِ تَضَمَّنَتْ ثَمانِيَةَ شُرُوطٍ، ورُوِيَ أنَّ جَماعَةً مِنَ الصَحابَةِ رَفَعَتْ عَلى عامِلِها إلى أبِي جَعْفَرٍ المَنصُورِ، فَحاجَّها العامِلُ وغَلَبَها بِأنَّهم لَمْ يُثْبِتُوا عَلَيْهِ كَبِيرَ ظُلْمٍ ولا جَوْرَهُ في شَيْءٍ.

فَقامَ فَتًى مِنَ القَوْمِ فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إنَّ اللهَ أمَرَ بِالعَدْلِ والإحْسانِ، وإنَّهُ عَدَلَ ولَمْ يُحْسِنْ، قالَ: فَعَجِبَ أبُو جَعْفَرٍ مِن إصابَتِهِ وعَزَلَ العامِلَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأوفُوا بِعَهْدِ اللهِ إذا عاهَدْتُمْ ﴾ الآيَةُ.

يَتَضَمَّنُ قَوْلُهُ: ﴿ إنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ ﴾ الآيَةُ الَّتِي قَبْلَها: "افْعَلُوا كَذا وانْتَهُوا عن كَذا"، فَعَطَفَ عَلى ذَلِكَ التَقْدِيرِ قَوْلَهُ: "وَأوفُوا"، و"عَهْدُ اللهِ" لَفْظٌ لِجَمِيعِ ما يُعْقَدُ بِاللِسانِ ويَلْزَمُهُ الإنْسانُ، مِن بَيْعٍ أو صِلَةٍ أو مُواثَقَةٍ في أمْرٍ مُوافِقٍ لِلدِّيانَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَلا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها ﴾ خَصَّ في هَذِهِ الآيَةِ الألْفاظَ المَعْهُودَةَ الَّتِي يُقْرَنُ بِها أيْمانٌ تَهَمُّمًا بِها وتَنْبِيهًا عَلَيْها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ فِيما كانَ الثُبُوتُ فِيهِ عَلى اليَمِينِ طاعَةً لِلَّهِ تَعالى وما كانَ الِانْصِرافُ عنهُ أصْوَبَ في الحَقِّ فَهو الَّذِي قالَ فِيهِ رَسُولَ اللهِ  : « "مِن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ فَرَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَلْيُكَفِّرْ عن يَمِينِهِ ولْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ"،» ويُقالُ: تَوْكِيدٌ وتَأْكِيدٌ، ووَكَّدَ وَأكَّدَ، وهُما لُغَتانِ، وقالَ الزَجّاجُ: الهَمْزَةُ مُبْدَلَةٌ مِنَ الواوِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا غَيْرُ بَيِّنٍ؛ لَأنَّهُ لَيْسَ في وُجُودِ تَصْرِيفِهِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.

و"كَفِيلًا" مَعْناهُ: مُتَكَفِّلًا بِوَفائِكُمْ، وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ في ضِمْنِ خَبَرٍ بِعِلْمِ اللهِ تَعالى بِأفْعالِ عِبادِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الَّذِينَ بايَعُوا رَسُولَ اللهِ  عَلى الإسْلامِ، رَواهُ أبُو لَيْلى عن بِرَيْدَةَ، وقالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ فِيما كانَ مِن تَحالُفِ الجاهِلِيَّةِ في أمْرٍ بِمَعْرُوفٍ أو نَهْيٍ عن مُنْكَرٍ، فَزادَها الإسْلامُ شِدَّةً.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَما قالَ  : « "لا حِلْفَ في الإسْلامِ وما كانَ مِن حِلْفٍ في الجاهِلِيَّةِ فَلَمْ يَزِدْهُ الإسْلامُ إلّا شِدَّةً"،» وهَذا حَدِيثُ مَعْنى، وإنَّ كانَ السَبَبُ بَعْضَ هَذا الأشْياءِ فَألْفاظُ الآيَةِ عامَّةٌ عَلى جِهَةِ مُخاطَبَةِ العالَمِينَ أجْمَعِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما أمر الله المؤمنين بملاك المصالح ونهاهم عن ملاك المفاسد بما أومأ إليه قوله: ﴿ يعظكم لعلكم تذكرون ﴾ [سورة النحل: 90].

فكان ذلك مناسبة حسنة لهذا الانتقال الذي هو من أغراض تفنّن القرآن، وأوضح لهم أنهم قد صاروا إلى كمال وخير بذلك الكتاب المبيّن لكل شيء.

لا جرم ذكرهم الوفاء بالعهد الذي عاهدوا الله عليه عندما أسلموا، وهو ما بايعوا عليه النبي مما فيه: أن لا يعصوه في معروف.

وقد كان النبي يأخذ البيعة على كل من أسلم من وقت ابتداء الإسلام في مكّة.

وتكررت البيعة قبيل الهجرة وبعدها على أمور أخرى، مثل النّصرة التي بايع عليها الأنصار ليلة العقبة، ومثل بيعة الحديبية.

والخطاب للمسلمين في الحفاظ على عهدهم بحفظ الشريعة، وإضافة العهد إلى الله لأنهم عاهدوا النبي على الإسلام الذي دعاهم الله إليه، فهم قد عاهدوا الله كما قال: ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ﴾ [سورة الفتح: 10]، وقال: ﴿ من المؤمنين رجال صَدقوا ما عاهدوا الله عليه ﴾ [سورة الأحزاب: 23].

والمقصود: تحذير الذين كانوا حديثي عهد بالإسلام من أن ينقضوا عهد الله.

و ﴿ إذا ﴾ لمجرّد الظرفية، لأنّ المخاطبين قد عاهدوا الله على الإيمان والطاعة، فالإتيان باسم الزمان لتأكيد الوفاء.

فالمعنى: أن من عاهد وجب عليه الوفاء بالعهد.

والقرينة على ذلك قوله: ﴿ ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً ﴾ [سورة النحل: 91] والعهد: الحلف.

وتقدّم في قوله تعالى: الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه } .

وكذلك النقض تقدم في تلك الآية، ونقض الأيمان: إبطال ما كانت لأجله.

فالنقض إبطال المحْلوف عليه لا إبطال القسم، فجُعِل إبطال المحلوف عليه نقضاً لليمين في قوله: ﴿ ولا تنقضوا الأيمان ﴾ تهويلاً وتغليظاً للنّقض لأنه نقض لحرمة اليمين.

و ﴿ بعد توكيدها ﴾ زيادة في التحذير، وليس قيْداً للنّهي بالبعدية، إذ المقصود أيمان معلومة وهي أيمان العهد والبيعة، وليست فيها بعدية.

و ﴿ بعد ﴾ هنا بمعنى (مع)، إذ البعدية والمعيّة أثرهما واحد هنا، وهو حصول توثيق الأيمان وتوكيدها، كقول الشميذر الحارثي: بني عمّنا لا تذكروا الشعر بعدما *** دفنتم بصحراء الغُمَيْر القوافيا أي لا تذكروا أنّكم شعراء وأن لكم شعراً، أو لا تنطقوا بشعر مع وجود أسباب الإمساك عنه في وقعة صحراء الغُمير، وقوله تعالى: ﴿ بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ﴾ [سورة الحجرات: 11]، وقوله: الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه.

والتّوكيد: التوثيق وتكرير الفتل، وليس هو توكيد اللفظ كما توهّمه بعضهم فهو ضدّ النقض.

وإضافته إلى ضمير الأيمان } ليس من إضافة المصدر إلى فاعله ولا إلى مفعوله إذ لم يقصد بالمصدر التجدّد بل الاسم، فهي الإضافة الأصلية على معنى اللام، أي التوكيد الثابت لها المختصّ بها.

والمعنى: بعد ما فيها من التوكيد، وبيّنه قوله: ﴿ وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً ﴾ .

والمعنى: ولا تنقضوا الأيمان بعد حلفها.

وليس في الآية إشعار بأن من اليمين ما لا حرج في نقضه، وهو ما سمّوه يمين اللّغو، وذلك انزلاق عن مهيع النظم القرآني.

ويؤيّد ما فسرناه قوله: ﴿ وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً ﴾ الواقع موقع الحال من ضمير ﴿ لا تنقضوا ﴾ ، أي لا تنقضوا الأيمان في حال جعلكم الله كفيلاً على أنفسكم إذا أقسمتم باسمه، فإن مدلول القسم أنه إشهاد الله بصدق ما يقوله المقسم: فيأتي باسم الله كالإتيان بذات الشاهد.

ولذلك سُمّيَ الحلف شهادة في مواضع كثيرة، كقوله: ﴿ فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ﴾ [سورة النور: 6].

والمعنى أن هذه الحالة أظهر في استحقاق النّهي عنها.

والكفيل: الشاهد والضامن والرقيب على الشيء المراعى لتحقيق الغرض منه.

والمعنى: أن القسم باسم الله إشهاد لله وكفالة به.

وقد كانوا عند العهد يحلفون ويشهدون الكفلاء بالتنفيذ، قال الحارث بن حلّزة: واذكروا حلف ذي المجاز وما قُ *** دّم فيه العهود والكفلاء و ﴿ عليكم ﴾ متعلّق ب ﴿ جعلتم ﴾ لا ب ﴿ كفيلاً ﴾ أي أقمتموه على أنفسكم مقام الكفيل، أي فهو الكفيل والمكفول له من باب قولهم: أنت الخصم والحكم، وقوله تعالى: ﴿ وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ﴾ [سورة التوبة: 118].

وجملة ﴿ إن الله يعلم ما تفعلون ﴾ معترضة.

وهي خبر مراد منه التحذير من التساهل في التمسّك بالإيمان والإسلام لتذكيرهم أن الله يطّلع على ما يفعلونه، فالتوكيد ب ﴿ إن ﴾ للاهتمام بالخبر.

وكذلك التأكيد ببناء الجملة بالمسند الفعلي دون أن يقال: إن الله عليم، ولا: قد يعلم الله.

واختير الفعل المضارع في ﴿ يعلم ﴾ وفي ﴿ تفعلون ﴾ لدلالته على التجدّد، أي كلما فعلوا فعلاً فالله يعلمه.

والمقصود من هذه الجمل كلها من قوله: ﴿ وأوفوا بعهد الله ﴾ إلى هنا تأكيد الوصاية بحفظ عهد الأيمان.

وعدم الارتداد إلى الكفر، وسدّ مداخل فتنة المشركين إلى نفوس المسلمين، إذ يصدّونهم عن سبيل الإسلام بفنون الصدّ، كقولهم: ﴿ نحن أكثر أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذبين ﴾ [سورة سبأ: 35]، كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ وكذلك فتنّا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين ﴾ وقد تقدم ذلك في سورة الأنعام (53).

ولم يذكر المفسّرون سبباً لنزول هذه الآية، وليست بحاجة إلى سبب.

وذكروا في الآية الآتية وهي قوله: ﴿ من كفر بالله من بعد إيمانه ﴾ [سورة النحل: 106] أن آية ﴿ وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ﴾ إلى آخرها نزلت في الذين رجعوا إلى الكفر بعد الإيمان لما فتنهم المشركون كما سيأتي، فجعلوا بين الآيتين اتصالاً.

قال في «الكشاف»: كأن قوماً ممن أسلم بمكة زَيّنَ لهم الشيطان لجزعهم ما رأوا من غلبة قريش واستضعافهم المسلمين وإيذائهم لهم، ولِمَا كانوا يَعِدونهم إن رجعوا من المواعيد أن ينقضوا ما بايعوا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فثبّتهم الله ا ه.

يريد أن لهجة التحذير في هذا الكلام إلى قوله: ﴿ إنما يبلوكم الله به ﴾ [سورة النحل: 92] تنبئ عن حالة من الوسوسة داخلت قلوب بعض حديثي الإسلام فنبّأهم الله بها وحذّرهم منها فسلموا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ النُّذُورُ.

الثّانِي: ما عاهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ مِن عَهْدٍ في طاعَةِ اللَّهِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ التِزامُ أحْكامِ الدِّينِ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ.

﴿ وَلا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا تَنْقُضُوها بِالِامْتِناعِ بَعْدَ تَوْكِيدِها بِالِالتِزامِ.

الثّانِي: لا تَنْقُضُوها بِالعُذْرِ بَعْدَ تَوْكِيدِها بِالوَفاءِ.

الثّالِثُ: لا تَنْقُضُوها بِالحِنْثِ بَعْدَ تَوْكِيدِها بِالبِرِّ.

وَفي هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في بَيْعَةِ النَّبِيِّ  .

الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في الحِلْفِ الَّذِي كانَ في الجاهِلِيَّةِ بَيْنَ أهْلِ الشِّرْكِ، فَجاءَ الإسْلامُ بِالوَفاءِ بِهِ.

الثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في كُلِّ عَقْدِ يَمِينٍ عَقَدَهُ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ مُخْتارًا يَجِبُ عَلَيْهِ الوَفاءُ بِهِ ما لَمْ تَدْعُ ضَرُورَةٌ إلى حَلِّهِ.

وَقَوْلُ النَّبِيِّ  : « (فَلْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ)» مَحْمُولٌ عَلى الضَّرُورَةِ دُونَ المُباحِ.

وَأهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ.

وَكَّدْتُ هَذِهِ اليَمِينَ تَوْكِيدًا، وأهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ أكَّدْتُها تَأْكِيدًا.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثًا ﴾ وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِمَن نَقَضَ عَهْدَهُ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَنى الحَبْلَ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالغَزْلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّهُ عَنى الغَزْلَ حَقِيقَةً.

﴿ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِن بَعْدِ إبْرامٍ.

قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّ القُوَّةَ ما غُزِلَ عَلى طاقٍ ولَمْ يُثْنَ.

﴿ أنْكاثًا ﴾ يَعْنِي أنْقاضًا، واحِدُهُ نَكْثٌ، وكُلُّ شَيْءٍ نُقِضَ بَعْدَ الفَتْلِ أنْكاثٌ.

وَقِيلَ أنَّ الَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ قُوَّةٍ امْرَأةٌ بِمَكَّةَ حَمْقاءُ، قالَ الفَرّاءُ: إنَّها رَيْطَةُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ، سُمِّيَتْ جَعْدَةَ لِحُمْقِها، كانَتْ تَغْزِلُ الصُّوفَ ثُمَّ تَنْقُضُهُ بَعْدَما تُبْرِمُهُ، فَلَمّا كانَ هَذا الفِعْلُ لَوْ فَعَلْتُمُوهُ سَفَهًا تُنْكِرُونَهُ كَذَلِكَ نَقْضُ العَهْدِ الَّذِي لا تُنْكِرُونَهُ.

﴿ تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلا بَيْنَكُمْ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الدَّخَلَ الغُرُورُ.

الثّانِي: أنَّ الدَّخَلَ الخَدِيعَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الغِلُّ والغِشُّ.

الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ داخِلُ القَلْبِ مِنَ الغَدْرِ غَيْرَ ما في الظّاهِرِ مِن لُزُومِ الوَفاءِ.

الخامِسُ: أنَّهُ الغَدْرُ والخِيانَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.

السّادِسُ: أنَّهُ الحِنْثُ في الأيْمانِ المُؤَكَّدَةِ.

﴿ أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أرْبى مِن أُمَّةٍ ﴾ أنَّ أكْثَرَ عَدَدًا وأزْيَدَ مَدَدًا، فَتَطْلُبُ بِالكَثْرَةِ أنْ تَغْدِرَ بِالأقَلِّ بِأنْ تَسْتَبْدِلَ بِعَهْدِ الأقَلِّ عَهْدَ الأكْثَرِ.

وَأرْبى: أفْعَلُ الرِّبا، قالَ الشّاعِرُ: ؎ وأسْمَرَ خَطِّيًّا كَأنَّ كُعُوبَهُ نَوى القَسْبِ أوْ أرْبى ذِراعًا عَلى عَشْرِ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن مزيدة بن جابر في قوله: ﴿ وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ﴾ قال: نزلت هذه الآية في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم، كان من أسلم بايع على الإسلام فقال: ﴿ وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ﴾ فلا تحملنكم قلة محمد وأصحابه وكثرة المشركين أن تنقضوا البيعة التي بايعتم على الإسلام.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ﴾ قال: تغليظها في الحلف: ﴿ وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً ﴾ قال: وكيلاً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله: ﴿ ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ﴾ يقول: بعد تشديدها وتغليظها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ﴾ يعني، بعد تغليظها وتشديدها ﴿ وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً ﴾ يعني في العهد شهيداً، والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ ﴾ قال المفسرون وأهل العلم: العهد الذي يجب الوفاء به فهو الذي يحسن فعله، فإذا عاهد يجب الوفاء به (١) (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ﴾ قال مجاهد: يعني تغليظ الحلف (٤) (٥) (٦) قال أبو إسحاق: يقال: وَكَّدتُ وأَكَّدْتُ لغتان جيدتان، والأصل الواوُ والهمزة بدل منها (٧) وقوله تعالى: ﴿ وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ﴾ هذه واو الحال؛ أي لا تنقضوها، وقد جعلتم الله كفيلًا عليكم بالوفاء، وذلك أن من حلف بالله تعالى فكأنه أكفل الله تعالى بالوفاء بما حلف عليه (٨) ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ قال ابن عباس: يريد لا يخفى عليه شيء (٩) (١) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 433 بنصه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 484، بنصه.

(٢) انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 106، بنصه، وبلا نسبة في "تفسير ابن الجوزي" 4/ 484.

(٣) انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 107، بنصه، وأبي حيان 5/ 530.

(٤) "تفسير مجاهد" ص 424، بنحوه، أخرجه الطبري 14/ 164، بنحوه من طريقين، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 101، بنحوه، و"الدر المنثور" 4/ 242، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٥) ورد غير منسوب في "تفسير السمرقندي" 2/ 249، وهود الهواري 2/ 384، والثعلبي 2/ 162 أ، والبغوي 5/ 39، وابن الجوزي 4/ 484، وأخرجه الطبري 14/ 164 بلفظه عن قتادة، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 242، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة.

(٦) نقله الفخر الرازي والقرطبي بنصه بدون عزو.

انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 107، و"تفسير القرطبي" 10/ 170.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 217، بنصه.

(٨) نقله الفخر الرازي بنصه تقريبًا بدون عزو.

انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 108.

(٩) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 433، بنصه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلاَ تَنقُضُواْ الأيمان ﴾ هذا في الأيمان التي في الوفاء بها خير، وأما ما كان تركه أولى، فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير منه، كما جاء في الحديث، أو تكون الأيمان هنا ما يحلفه الإنسان في حق غيره، أو معاهدة لغيره ﴿ وَقَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كَفِيلاً ﴾ أي رقيباً ومتكفلاً بوفائكم بالعهد، وقيل: إن هذه الآية نزلت في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: فيما كان بين العرب من حلف في الجاهلية ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كالتي نَقَضَتْ غَزْلَهَا ﴾ شبّه الله من يحلف ولم يفِ بيمينه بالمرأة التي تغزل غزلاً قوياً ثم تنقضه.

ورُوي أنه كان بمكة امرأة حمقاء تسمى ريطة بنت سعد، كانت تفعل ذلك وبها وقع التشبيه، وقيل إنما شبه بامرأة غير معينة ﴿ أنكاثا ﴾ جمع نكث، وهو ما ينكث أن ينقض، وانتصابه على الحال ﴿ تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ ﴾ الدخل الدغل، وهو قصد الخديعة ﴿ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أربى مِنْ أُمَّةٍ ﴾ أن في موضع المفعول من أجله: أي بسبب أن تكون أمة، ومعنى أربى: أكثر عدداً أو أقوى، ونزلت الآية في العرب الذين كانت القبيلة منهم تحالف الأخرى، فإذا جاءها قبيلة أقوى منها وغدرت بالأولى وحالفت الثانية، وقيل: الإشارة بالأربى هنا إلى كفّار قريش؛ إذ كانوا حينئذٍ أكثر من المسلمين.

﴿ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ الله بِهِ ﴾ الضمير للأمر بالوفاء، أو لكون أمة أربى من أمة، فإن ذلك يظهر من يحافظ على الوفاء أولاً.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولنجزين ﴾ بالنون: ابن كثير وعاصم ويزيد وعباس والنقاش عن ابن ذكوان.

الآخرون بالياء.

﴿ قرأت القرآن ﴾ مثل ﴿ أنشأنا ﴾ .

الوقوف: ﴿ يستعتبون ﴾ ه ﴿ ولا هم ينظرون ﴾ ه ﴿ من دونك ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع الفاء ﴿ لكاذبون ﴾ ه ج للعطف مع أنه رأس آية ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ يفسدون ﴾ ه ﴿ على هؤلاء ﴾ ط لواو الاستئناف ﴿ للمسلمين ﴾ ه ﴿ والبغي ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ تذكرون ﴾ ه ط ﴿ كفيلاً ﴾ ه ط ﴿ تفعلون ﴾ ه ﴿ أنكاثاً ﴾ ط بناء على أن التقدير أتتخذون ﴿ من أمة ﴾ ط ﴿ به ﴾ ط ﴿ تختلفون ﴾ ه ﴿ ويهدي من يشاء ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ عن سبيل الله ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ باق ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ طيبة ﴾ ج للعدول عن الوحدان إلى الجمع مع أنهما ضميراً من ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ يتوكلون ﴾ ه ﴿ مشركون ﴾ ه.

التفسير: لما بين من حال القوم أنهم عرفوا نعمة الله ثم أنكروها وأن أكثرهم كافرون أتبعه أصناف وعيد يوم القيامة والتقدير ﴿ و ﴾ اذكر ﴿ يوم نبعث من كل أمة شهيداً ﴾ أو يوم وقعوا فيما وقعوا فيه.

وشهيد كل أمة نبيها يشهد لهم وعليهم بالإيمان والتصديق والكفر والتكذيب ﴿ ثم لا يؤذن للذين كفروا ﴾ أي في الاعتذار إذ لا حجة لهم ولا عذر، أو في كثرة الكلام، أو في الرجوع إلى دار الدنيا، أو إلى التكليف ليظهر لهم كونهم آيسين من رحمة الله  ، أو المراد أن يسكت أهل الجمع كلهم حتى يشهد الشهود.

﴿ ولا هم يستعتبون ﴾ لأن العتاب إنما بطلب لأجل العود إلى الرضا، فإذا كان على عزم السخط فلا فائدة في العتاب فلهذا قيل: إذا ذهب العتاب فليس ود *** ويبقى الود ما بقي العتاب وقال في الكشاف: أي لا يقال لهم أرضوا ربكم لأن الآخرة ليست بدار عمل.

ومعنى "ثم" أن المنع من الكلام أصعب من شهادة الأنبياء عليهم.

﴿ وإذا رأى الذين ظلموا ﴾ وهم المشركون ﴿ العذاب ﴾ بعينهم وثقل عليهم ﴿ فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون ﴾ ليتوبوا فإن التوبة هناك غير موجودة أو غير مقبولة وفيه أنت عذابهم خالص عن النفع دائم كما يقوله المتكلمون.

﴿ وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم ﴾ وهي الأصنام أو الشياطين الذين دعوا الكفار إلى الكفر وكانوا قرناءهم في الغي.

قاله الحسن.

﴿ قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا ﴾ أي نعبدهم من دونك.

قال أبو مسلم الأصبهاني: مقصود المشركين إحالة هذا الذنب على تلك الأصنام ظناً منهم أن ذلك ينجيهم من عذاب الله أو ينقص منه، وزيفه القاضي بأن الكفار يعلمون في الآخرة علماً ضرورياً أن العذاب ينزل بهم ولا نصرة ولا شفاعة فما الفائدة في هذا القول؟

والإنصاف أن الغريق يتعلق بكل شيء والمبهوت قد يقول ما لا فائدة فيه، على أن العلم الضروري الذي ادعاه القاضي ممنوع.

وقيل: إن المشركين يقولون هذا الكلام تعجباً من حضور تلك الأصنام مع أنه لا ذنب لها واعترافاً بأنهم كانوا خاطئين في عبادتها.

﴿ فألقوا إليهم القول ﴾ أي قال الأصنام أو الشياطين للكفار ﴿ إنكم لكاذبون ﴾ فإن قيل: إن المشركين أشاروا إلى الأصنام أن هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوهم من دونك وقد كانوا صادقين في ذلك فكيف كذبتهم الأصنام؟

فالجواب أن المراد من قولهم: ﴿ هؤلاء شركاؤنا ﴾ هؤلاء شركاء الله في المعبودية فكذبتهم الأصنام في إثبات هذه الشركة وفي قولهم إنها تستحق العبادة.

قال جار الله: إن أراد بالشركاء الشياطين جاز أن يكونوا كاذبين في قوله: ﴿ إنكم لكاذبون ﴾ كما يقول الشيطان { ﴿ إني كفرت بما أشركتموني من قبل  ﴾ .

﴿ وألقوا إلى الله يومئذ السلم ﴾ عن الكلبي: استسلم العابد والمعبود وأقروا لله الربوبية والبراءة من الشركاء والأنداد.

وقال آخرون: الضمير اللذين ظلموا.

وإلقاء السلم والاستسلام لأمر الله بعد الإباء في الدنيا ﴿ وضل ﴾ أي غاب ﴿ عنهم ما كانوا يفترون ﴾ من أن لله شريكاً أو أن آلهتهم تشفع لهم حين كذبوهم وتبرأوا منهم.

﴿ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ﴾ قيل: معناه الصد عن المسجد الحرام والأصح العموم ﴿ زدناهم عذاباً ﴾ لأجل الإضلال.

﴿ فوق العذاب ﴾ الذي استحقوه للضلال.

وأيضاً عذاب الاستنان "من سن سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها".

ومن المفسرين من فصل تلك الزيادة؛ فعن ابن عباس: هي خمسة أنهار من نار تسيل من تحت العرش يعذبون بها، ثلاثة على مقدار الليل واثنان على مقدار النهار.

وقيل: حيات أمثال البخت وعقارب أشباه البغال أنيابها كالنخل الطوال تلسع إحداهن اللسعة فيجد صاحبها حمتها أربعين خريفاً.

وقيل: يخرجون من النار إلى الزمهرير فيبادرون من شدة برده إلى النار.

ثم علل زيادة عذابهم بكونهم مفسدين أمور الناس بالصد والإضلال فيعلم منه أن من دعا إلى الدين القويم باليد واللسان فإنه يزيده الله  أجراً على أجر.

ثم أعاد حكاية بعث الشهداء لما نيط بها من زيادة فائدتين: إحداهما كون الشهداء من أنفسهم لأن كل نبي فهو من جنس أمته، والأخرى أن الشيهد يكون وقتئذ في الأمة لا مفارقاً إياهم.

وفسر الأصم الشهيد في هذه الآية بأنه  ينطق عشرة من أعضاء الإنسان حتى تشهد عليه وهن: الأذنان والعينان والرجلان واليدان والجلد واللسان.

ولهذا ذكر لفظة "في" ووصف الشيهد بكونه من أنفسهم.

ثم شرف نبينا  بقوله: ﴿ وجئنا بك شهيداً على هؤلاء ﴾ أي على أمتك..

ولا ريب أن في تخصيصه بعد التعميم دلالة على فضله نظيره قوله في سورة النساء: ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً  ﴾ قال الإمام فخر الدين الرازي.

الأمة عبارة عن القرن والجماعة فيعلم من الآية أنه لا بد في كل عصر من أقوام تقوم الحجة بقولهم ويكونون شهداء على غيرهم وهم أهل الحل والعقد فيكون إجماعهم حجة.

ولقائل أن يقول: الأمة في الآية هي الجماعة الذين بعث النبي إليهم وإلى من سيوجد منهم إلى آخر زمان دينه، فيكون نبي تلك الأمة وحده شهيداً عليهم.

ولا دلالة للآية إلا على هذا القدر فمن أين حل لك أن إجماع أهل الحل والعقد في كل عصر حجة؟

ثم بين أنه أزاح علتهم فيما كلفوا فيه فلا حجة لهم ولا معذرة فقال: ﴿ ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء ﴾ أي بياناً له والتاء للمبالغة ونظيره من المصادر "التلقاء" ولم يأت غيرهما وقد مر في "الأعراف".

قال الفقهاء.

إنما كان القرآن بيان جميع الأحكام لأن الأحكام المستنبطة من السنة والإجماع والقياس والاجتهاد كلها تستند إلى الكتاب حيث أمر فيه باتباع رسول الله  وطاعته، وورد فيه: ﴿ ويتبع غير سبيل المؤمنين  ﴾ وجاء ﴿ فاعتبروا  ﴾ .

وقال آخرون: إن علم أصول الدين كلها في القرآن.

وأما علم الفروع فالأصل براءة الذمة إلا ما ورد به نص القرآن فإذن القرآن وافٍ ببيان جميع الأحكام، والقياس ضائع ولعل التبيان إنما هو للعلماء خاصة، والهدى لجميع الخلق في أوّل أحوالهم، والرحمة في وسطها وهو مدة العمر بعد الإسلام، والبشرى في أوان الأجل كما قال  : ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله  ﴾ إلى قوله: ﴿ وأبشروا  ﴾ والله أعلم بمراده.

وِلما ذكر أن في القرآن تبيان كل شيء ذكر عقيبه آية جامعة لأصول التكاليف كلها تصديقاً لذلك فقال: ﴿ أن الله يأمر ﴾ الآية، عن ابن عباس أن عثمان بن مظعون الجمحي قال: ما أسلمت أوّلاً إلا حياء من رسول الله  ولم يتقرر الإسلام في قلبي.

فحضرته ذات يوم فبينا هو يحدثني إذ رأيت بصره شخص إلى السماء ثم خفضه عن يمينه ثم عاد لمثل ذلك فسألته فقال: بينا أنا أحدثك إذا جبرائيل  نزل عن يميني فقال: يا محمد ﴿ إن الله يأمر بالعدل ﴾ الآية.

قال عثمان: فمن وقته استقر الإيمان في قلبي وأحببت محمداً  .

وعن ابن مسعود: هي أجمع آية في القرآن.

وعن قتادة: ليس من خلق حسن كان في الجاهلية يعمل ويستحسن إلا أمر الله  به في هذه الآية، وليس من خلق سيء إلا وقد نهى الله  عنه فيها.

قال المفسرون: العدل هو أداء الفرائض.

وعن ابن عباس: هو قول لا إله إلا الله ﴿ والإحسان ﴾ هو الإتيان بالمندوبات والمستحسنات شرعاً وعرفاً وأقربها صلة الرحم بالمال فلذلك أفردها بالذكر بقوله: ﴿ وإيتاء ذي القربى ﴾ والفحشاء هي الأمور المتزايدة في القبح فلذلك أفردها بالذكر وهي الكبائر.

وقد يخص بالزنا أو بالبخل والمنكر ما تنكره العقول ولا يعرف في شريعة ولا سنة والبغي هو الاستطالة.

قال جار الله: حين أسقطت من الخطب لعنة الملاعين على أمير المؤمنين علي  وعلى نبينا الصلاة والسلام أقيمت هذه الآية مقامها.

واعلم أن العدل عبارة عن الأمر المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط وأنه واجب الرعاية في جميع الأشياء ولنذكر له أمثلة: أما في الاعتقادات فالقول بنفي الإله تعطيل محض، وإثبات أكثر من إله واحد تشريك وتعجيز، والعدل هو قول: "لا إله إلا الله".

كما نقل عن ابن عباس، هذا ما اتفق عليه أرباب المذاهب.

ثم إن الأشعري يقول: القول بنفي الصفات عنه  تعطيل، والقول بإثبات المكان والأعضاء تشبيه، والعدل إثبات صفات الكمال من الحياة والعلم والقدرة والارادة والسمع والبصر والكلام ونفي غيرها.

وبوجه آخر.

نفي الصفات تعطيل، وإثبات الصفات الحادثة تشبيه، العدل إثبات صفات أزلية قديمة غير متغيرة.

وأيضاً القول بأن العبد لا قدرة له أصلاً جبر محض، والقول بأنه مستقل في التصرف قدر محض وتفويض، والعدل أمر بين الأمرين وهو أن العبد يفعل الأفعال ولكن بواسطة قدرة وداعية يخلقها الله  فيه.

وأيضاً القول بأن الله لا يؤاخذ عبده بشيء من الذنوب مساهلة عظيمة، والقول بأنه يخلد في النار عبده العارف به بالمعصية الواحدة تشديد عظيم، والعدل أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من الإيمان.

والمعتزلي يقول: العدل في هذه الأصول بنوع آخر وقد مر مراراً.

وأما رعاية العدل فيما يتعلق بأفعال الجوارح فإن قوماً من نفاة التكليف يقولون: لا يجب على العبد الاشتغال بشيء من الطاعات ولا الاحتراز عن شيء من المعاصي.

وقال: قوم من الهند وطائفة من المانوية: يجب على الإنسان أن يجتنب عن أكل الطيبات ويبالغ في تعذيب نفسه، وأن يحترز عن كل ما يميل الطبع إليه حتى التزوّج، والأولى بالمرء أن يختصي فهذان الطريقان مذمومان والوسط هو ما جاء به محمد  لأن التشديد غالب في دين موسى فليس في شرعه على القاتل إلا القصاص ويحرم مخالطة الحائض، والتساهل في دين عيسى غالب فلا قصاص على القاتل ولا يحرم وطء الحائض، والعدل ما حكم به شرعنا من جواز العفو وأخذ الدية وحرمة وطاء الحائض دون مخالطتها، ولذلك قال: ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً  ﴾ ، وقال: ﴿ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً  ﴾ ولما بالغ رسول الله  في العبادات قيل له: ﴿ طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى  ﴾ ولما أخذ قوم في المساهلة نزل: ﴿ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً ﴾ \[المؤمنون: 115\] والمراد رعاية الوسط في كل الأمور وقد ورد في شرعنا الختان فقال بعض العقلاء: الحكمة فيه أن رأس ذلك العضو جسم شديد الحس فإذا قطعت تلك الجلدة بقي رأسه عارياً فيصلب بكثرة ملاقاة الثياب وغيرها فيضعف حسه ويقل شعوره فتقل لذة الوقاع فتقل الرغبة فيه.

فالاختصاء وقطع الآلات كما ذهب إليه المانوية مذموم، وإبقاء تلك الجلدة مبالغة في تقوية تلك اللذة مذموم، والوسط العدل هو الختان.

هذا ما قيل.

وعندي أن الحكمة في الختان بعد التعبد هو التنظيف وسهولة غسل الحشفة وإلا فلعل اللذة بعد الختان أكثر لملاقاة الحاس والمحسوس بلا حائل.

ومن الكلمات المشهورة قولهم: "بالعدل قامت السموات والأرضون".

ومعناه أن مقادير العناصر لو لم تكن معادلة مكافية بحسب الكمية والكيفية لا ستولى الغالب على المغلوب وتنقلب الطبائع كلها إلى طبيعة الجرم الغالب، ولو كان بعد الشمس من الأرض أقل مما هو الآن لاحتراق كل ما في هذا العالم، وإن كان أكثر استولى البرد والجمود، وكذا القول في مقادير حركات الكواكب ومراتب سرعتها وإبطائها فإن كلاً منها مقدر على ما يليق بنظام العالم وقوامه وقيامه.

فهذه إشارة مختصرة إلى تحقيق العدل.

وأما الإحسان فهو المبالغة في أداء الطاعات بحسب الكمية وبحسب الكيفية ومن هنا قال: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه" فكأن المبالغ المخلص في أداء الطاعات يوصل الفعل الحسن إلى نفسه وبالحقيقة يدخل في الإحسان أنواع التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله، وأشرف أنواع الإشفاق صلة الرحم بالمال فلا جرم أفرد بالذكر كما مر.

ثم إنه تعالى أودع في النفس البشرية قوى أربعاً: الشهوية البهيمية والغضبية السبعية والوهمية الشيطانية والعقلية الملكية.

وهذه الأخيرة لا تحتاج إلى التهذيب لأنها من نتائج الأرواح القدسية، وأما الثلاث الأول فتحتاج إلى التأديب والتهذيب بمقتضى الشريعة وقانون العقل والطريقة.

والنهي عن الفحشاء عبارة عن المنع من تحصيل اللذات الشهوية الخارجة عن إذن الشريعة، والنهي عن المنكر عبارة عن الإفراط الحاصل في آثار القوة الغضبية من إيذاء الناس وإيصال الشر إليهم من غير ما استحقاق، والنهي عن البغي إشارة إلى المنع من إفراط القوة الوهمية كالاستعلاء على الناس والترفع وحب الرياسة والتقدم ممن ليس أهلاً لذلك، واخس هذه المراتب عند العقلاء القوة الشهوانية، وأوسطها الغضبية، وأعلاها الوهمية فلهذا بدأ  بالفحشاء ثم بالمنكر ثم بالبغي، ولأن أصول الأخلاق والتكاليف كلها مذكورة في الآية لا جرم ختمها بقوله: ﴿ يعظكم لعلكم تذكرون ﴾ لأنها كافية في باب العظة والتذكر والارتقاء من حضيض عالم البشرية إلى ذروة عالم الأرواح المقدسة.

قال الكعبي: في الآية دلالة على أنه  لا يخلق الجور والفحشاء وإلا فكيف ينهاهم عما يخلقها فيهم؟

وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً.

واعلم أنه لا يلزم من إرادة الله تذكر العبد - والتذكر من فعل الله بالاتفاق لا من فعل العبد - أن يطلب الله منه التذكر فإن طلب ما ليس في وسعه محال.

فمعنى ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ إرادة أن تكونوا على حالة التذكر لا إرادة أن تحصلوا التذكر.

ثم خص من جملة المأمورات الوفاء بالعهد فقال: ﴿ وأوفوا بعهد الله ﴾ خصصه جار الله بالبيعة لرسول الله  لقوله: ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله  ﴾ .

وقال الأصم: المراد منه الجهاد وما فرض الله في الأموال من حق الشرائع.

وقيل: هو اليمين والأصح العموم وهو كل عهد يلتزمه الإنسان باختياره بدليل قوله: ﴿ إذا عاهدتم ﴾ وقوله من قال: العهد هو اليمين يلزم منه أن يكون قوله  : ﴿ ولا تنقضوا الأَيمان بعد توكيدها ﴾ أي بعد توثيقها باسم الله تكراراً.

وأكد ووكد لغتان فصيحتان.

قال الزجاج: الأصل الواو والهمزة بدل.

وفي الآية دلالة على الفرق بين الأيمان المؤكدة وبين لغو اليمين كقولهم "لا والله" و "بلى والله".

وأيضاً الآية من العمومات التي دخلها التخصيص لما روي أنه  قال: "من حلف على يمين ورأى غيرها خيراً منها فليأت بالذي هو خير ثم ليكفر" .

وقد مر بحث الأيمان في "البقرة" وفي "المائدة" في قوله: ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم  ﴾ الآية.

﴿ وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً ﴾ أي شاهداً ورقيباً لأن الكفيل مراع لحال المكفول به.

﴿ إن الله يعلم ما تفعلون ﴾ فيجازيكم بحسب ذلك خيراً وشراً.

وفيه ترغيب وترهيب.

ثم أكد وجوب الوفاء وتحريم النقض بقوله: ﴿ ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوّة ﴾ أي من بعد قوّة الغزل بإمرارها وفتلها.

قال الزجاج: انتصب ﴿ أنكاثاً ﴾ على المصدر لأن معنى نقضت نكثت.

وزيف بأن ﴿ أنكاثاً ﴾ ليس مصدراً وإنما هو جمع نكث بكسر النون وهو ما ينكث فتله.

وقال الواحدي: هو مفعول ثان كما تقول كسره أقطاعاً وفرقه أجزاء أي جعله أقطاعاً وأجزاء فكذا ههنا أي جعلت غزلها أنكاثاً.

قلت: ويحتمل أن يكون حالاً مؤكدة.

قال ابن قتيبة: هذه الآية متصلة بما قبلها والتقدير: وأوفوا بعهد الله ولا تنقضوا الأيمان فإنكم إن فعلتم ذلك كنتم مثل امرأة غزلت غزلاً وأحكمته ثم جعلته أنكاثاً.

فعلى هذا المشبه به امرأة غير معينة، ولا حاجة في التشبيه إلى أن يكون للمشبه به وجود في الخارج.

وقيل: المراد امرأة معينة من قريش ريطة بنت سعد بن تيم وكانت خرقاء، اتخذت مغزلاً قدر ذراع وصنارة مثل أصبع وهي الحديدة في رأس المغزل وفلكة عظيمة على قدرها، وكانت تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر ثم تأمرهن فينقضن ما غزلن.

قال جار الله: ﴿ تتخذون ﴾ حال و ﴿ دخلاً ﴾ مفعول ثان لتتخذ أي لا تنقضوا أيمانكم متخذيها دخلاً بينكم أي مفسدة ودغلاً.

وقال الواحدي: أي غشاً وخيانة.

وقال الجوهري: أي مكراً وخديعة.

وقال غيره: الدخل ما أدخل في الشيء على فساد.

وقوله: ﴿ أن تكون ﴾ أي لأن تكون ﴿ أمة ﴾ يعني جماعة قريش هي أربى أزيد وأوفر عدداً ومالاً ﴿ من أمة ﴾ هي جماعة المؤمنين.

قال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء ثم يجدون من كان أعز منهم وأشرف فينقضون حلف الأولين ويحالفون الذين هم أعز وأمنع.

﴿ إنما يبلوكم الله به ﴾ أي بما يأمركم وينهاكم.

وقد تقدم ذكر الأمر والنهي.

وقال جار الله: الضمير لقوله: ﴿ أن تكون ﴾ لأنه في معنى المصدر أي يختبركم بكونهم أربى لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء مع قلة المؤمنين وفقرهم أم تغترون بكثرة قريش وثروتهم.

ثم حذرهم من مخالفة ملة الإسلام وأنذرهم بقوله: ﴿ وليبينن لكم يوم القيامة ﴾ بإظهار الدرجات والكرامات للأولياء وتعيين الدركات والبليات للأشقياء.

﴿ ما كنتم فيه تختلفون ﴾ حيث تدعون أنكم على الحق والمؤمنون على الباطل فتنقضون عهودهم.

ثم بين أنه  قادر على أن يجمع المؤمنين والكافرين على الوفاء وسائر أبواب الإيمان ولكنه بحكم الإلهية ﴿ يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﴾ والمعتزلة حملوا المشيئة على مشيئة الإلجاء بدليل قوله: ﴿ ولتسئلن عما كنتم تعملون ﴾ ولو كانت أعمال العباد بخلق الله تعالى لكان سؤالهم عبثاً.

أجابت الأشاعرة بأنه لا يسأل عما يفعل.

روى الواحدي أن عزيراً قال: يا رب خلقت الخلق فتضل من تشاء وتهدي من تشاء.

فقال: يا عزير أعرض عن هذا فأعاده ثانياً فقال: أعرض عن هذا وإلا محوت اسمك من النبوّة.

قال المفسرون: لما نهاهم عن نقض مطلق الأيمان أراد أن ينهاهم عن نقض أيمان مخصوصة أقدموا عليهاوهو نقض بيعة رسول الله  ، والدليل على هذا التخصيص قوله: ﴿ فتزلَّ قدم بعد ثبوتها ﴾ لأن هذا الوعيد لا يليق بنقض عهد قبيله وإنما يليق بنقض عهد النبي  .

قال جار الله: وحدت القدم ونكرت لاستعظام أن تزل قدم واحدة عن طريق الحق بعد أن ثبتت عليه فكيف بأقدام كثيرة.

وهذا مثل يضرب لمن وقع في بلاء بعد عافية، ولا ريب أن من نقض عهد الإسلام وزلت قدمه عن محجة الدين القويم فقد سقط من الدرجات العالية إلى الدركات الهاوية بيانه قوله: ﴿ وتذوقوا السوء ﴾ في الدنيا ﴿ بما صددتم ﴾ بصدودكم أو بصدكم غيركم ﴿ عن سبيل الله ﴾ لأن المرتد قد يقتدي به غيره.

﴿ ولكم عذاب عظيم ﴾ في الآخرة.

ويحتمل أن يراد أن ذلك السوء الذي تذوقونه هو عذاب عظيم.

قال جار الله: كان قوم أسلموا بمكة ثم زين لهم الشيطان نقض البيعة لكونهم مستضعفين هناك فأوعدهم الله على ذلك، ثم نهاهم عن الميل إلى ما كان يعدهم قريش من عرض الدنيا إن رجعوا عن الإسلام فقال: ﴿ ولا تشتروا ﴾ الآية.

ثم ذكر دليلاً قاطعاً على أن ما عند الله خير فقال: ﴿ ما عندكم ينفد وما عند الله ﴾ من خزائن رحمته ﴿ باق ﴾ وفيه دليل على أن نعيم الجنة باقٍ لأهلها لا ينقطع.

وقال جهم بن صفوان: إنه منقطع والآية حجة عليه ﴿ ولنجزين الذين صبروا ﴾ على ما التزموه من شرائع الإسلام ﴿ أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ﴾ أي بالواجبات والمندوبات لا بالمباحات فإنه لا ثواب على فعلها ولا عقاب، أو نجزيهم بجزاء أشرف وأوفر من عملهم كقوله: ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها  ﴾ .

ثم عمم الوعد على أي عمل صالح كان فقال: ﴿ من عمل صالحاً ﴾ ولا كلام في عمومه إلا أنه زاد قوله: ﴿ من ذكر أو أنثى ﴾ تأكيداً وإزالة لوهم التخصيص، والمبالغة في تقرير الوعد من أعظم دلائل الكرم.

ثم جعل الإيمان شرطاً في كون العمل الصالح منتجاً للثواب حيث قال: ﴿ وهو مؤمن ﴾ فاستدل به على أن الإيمان مغاير للعمل الصالح فإن شرط الشيء مغاير لذلك الشيء.

واختلف في الحياة الطيبة فقيل: هي في الجنة.

عن الحسن وسعيد بن جبير وقتادة، لأن الإنسان في الدنيا لا يخلو من مشقة وأذية ومكروه لقوله  : ﴿ يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه  ﴾ بيّن أن هذا الكدح - وهو التعب في العمل - باقٍ إلى أن يصل إلى ربه، وأما بعد ذلك فحياة بلا موت وغنى بلا فقر وصحة بلا مرض وملك بلا زوال وسعادة بلا انتقال.

وقال السدي: إن هذه الحياة في القبر.

والأكثرون على أنها في الدنيا لقوله بعد ذلك ﴿ ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كان يعملون ﴾ وعلى هذا فما سبب طيب الحياة قيل: هو الرزق الحلال.

وقيل: عبادة الله مع أكل الحلال.

وقيل: القناعة أو رزق يوم كان النبي  يدعو: "اللَّهم اجعل رزق آل محمد كفافاً" .

قال المحققون: وهذا هو المختار لأن المؤمن الذي صلح عمله إن كان موسراً فذاك، وإن كان معسراً فمعه من القنوع والعفة والرضا بالقضاء ما يطيب عيشه.

لأنه الكافر والفاجر فإن الحرص لا يدعه أن يتهنأ بعيشه أبداً ويعظم أسفه على ما يفوته لأنه عانق الدنيا معانقة العاشق لمعشوقه، بخلاف المؤمن المنشرح قلبه بنور المعرفة والجمال فإنه قلما ينزع لحب الدنيا مالها وجاهها ويستوي عنده وجودها وفقدها وخيرها وشرها ونفعها وضرها.

وبركة الصلاح والقنوع مما لا ينكرها عاقل اللَّهم اجعلنا من أهلها.

ثم إن ظاهر الآية يقتضي أن العلم الصالح إنما يفيد الأثر المخصوص بشرط الإيمان وظاهر قوله: ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره  ﴾ يدل على أن العمل الخير مطلقاً يفيد أثراً مطلقاً فلا منافاة بينهما.

ثم ذكر الاستعاذة التي هي من جملة الأعمال الصالحة وبها تخلص الأعمال عن الوساوس فقال: ﴿ وإذا قرأت القرآن ﴾ أي أردت قراءته إطلاقاً لاسم المسبب على السبب.

وقد مر بحث الاستعاذة مستوفى في أول هذا الكتاب.

﴿ إنه ليس له سلطان ﴾ تسلط وولاية ﴿ على الذين آمنوا على ربهم يتوكلون ﴾ وهذا معنى الاستعاذة.

فإن معناها بالحقيقة راجع إلى التبري عما سوى الله والتوجه بالكلية إليه والاعتماد في جميع الأمور عليه.

﴿ إنما سلطانه على الذين يتولونه ﴾ عن ابن عباس: أي يطيعونه.

يقال: توليته أي أطعته.

وتوليت عنه أي أعرضت عنه.

أما الضمير الواحد في قوله: ﴿ والذين هم به مشركون ﴾ فقيل: راجع إلى الرب.

وقيل: إلى الشيطان أي بسببه.

التأويل: ﴿ ويوم نبعث ﴾ فيه إشارة إلى أن لأرواح الأنبياء إشرافاً على أممهم في حال حياتهم وبعد وفاتهم، وفيه أن الدينا مزرعة الآخرة فلا يقبل في القيامة اعتذار ﴿ وإذا رأى الذين ظلموا ﴾ أي وضعوا الكفر وأعمال الطبيعة موضع الإيمان وأعمال الشريعة ﴿ فلا يخفف ﴾ عن أرواحهم أثقال الأخلاق المذمية ﴿ ولا هم ينظرون ﴾ لتبديل مذمومها بمحمودها ﴿ وإذا رأى الذين أشركوا ﴾ وهم عبدة الدنيا والهوى ﴿ إنكم لكاذبون ﴾ في أنا دعوناكم إلى عبادتنا فإنا كنا مشغولين بتسبيح الله  وطاعته ﴿ وصدوا عن سبيل الله ﴾ منعوا الأرواح والقلوب عن طلب الله ﴿ زدناهم ﴾ عذاب الحرمان عن الكمال فوق خسران النسيان بإفساد الاستعداد الفطري.

﴿ وجئنا بك شهيداً ﴾ لأن روحه شاهد على جميع الأرواح والقلوب والنفوس لقوله: "أول ما خلق الله روحي" ﴿ تبياناً لكل شيء ﴾ يحتاج إليه السالك في أثناء سلوكه ﴿ إن الله يأمر بالعدل ﴾ وهو وضع الآلات وأسباب تحصيل الكمال في مواضعها بحيث يؤدي إلى مقام الوصال والكمال ﴿ والإحسان ﴾ وهو أن تحسن إلى الخلق بما أعطاك الله كقوله: ﴿ وأحسن كما أحسن الله إليك  ﴾ .

وفي قوله: ﴿ وإيتاء ذي القربى ﴾ إشارة إلى أن من جملة العدالة رعاية حال الأقرب فالأقرب.

فيبدأ بتكميل نفسه ثم بما هو أقرب إليه قرباً معنوياً لا صورياً ﴿ وينهى عن الفحشاء ﴾ وهو صرف ما آتاه الله في غير مصرفها ﴿ والمنكر ﴾ وهو ضد المعروف وهو أن لا يحسن إلى غيره ﴿ والبغي ﴾ وهو أن لا يراعي الترتيب المذكور في باب الإرشاد والتكميل.

﴿ وأوفوا بعهد الله ﴾ يوم الميثاق.

﴿ وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً ﴾ بجزاء وفائكم ﴿ ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها ﴾ فيه إشارة إلى حال المريد المرتد ﴿ أن تكون أمة ﴾ هي أهل الدنيا في الدنيا أعلى حالاً من أمتهم أهل الآخرة.

﴿ ولا تتخذا أيمانكم ﴾ عهودكم مع المشايخ شبكة تصطادون بها الدنيا.

وقبول الخلق فتزل أقدامكم عن صراط الطلب ﴿ من ذكر أو أنثى ﴾ هما القلب والنفس.

والعمل الصالح من النفس استعمال الشريعة والطريقة، ومن القلب التوجه إلى الله بالكلية، والحياة الطيبة للنفس أن تصير مطمئنة مستعدة لقبول فيض ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ وللقلب أن يصير فانياً عن أنانيته باقياً بشهود الحق وجماله، وحينئذ يطيب عن دنس الاثنينية ولوث الحدوث.

﴿ فاستعذ بالله ﴾ الخطاب للنبي  وآله ظاهراً وبالحقيقة هو لأمته، لأن شيطانه أسلم على يده فلم يحتج إلا الاستعاذة من شياطنه بل هو وخواص أمته كقوله: ﴿ إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا  ﴾ وفيه أن الشيطان ليس له تسلط على أولياء الله إلا بالوسوسة، وفيها صلاح المؤمن فإن إبريز إخلاص قلبه لا يتخلص عن غش صفات نفسه إلا بنار الوسوسة، لأن المؤمن يطلع على بقايا صفات نفسه.

بما تكون الوسوسة من جنسه فيزيد في الرياضة وملازمة الذكر حتى تنمحي تلك البقايا والله  أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ...

﴾ إلى آخر ما ذكر.

قال الحسن: قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ﴾ فيما بين الناس، أي: يأمر بالحكم فيها بينهم بالعدل، ﴿ وَٱلإحْسَانِ ﴾ : هو ما كلفهم بالطاعة له، أو أن يكون الأمر بالإحسان إلى أنفسهم أو إلى الناس، وجَائز أن يكون الأمر بالعدل فيما بينه وبين الله، والإحسان فيما بينه وبين الخلق، أي: يعامل ربه بالعدل؛ لأن العدل هو وضع الشيء موضعه، وهو لا يقدر على المجاوزة عن العدل حتى يكون في حد الإحسان فيما بينه وبين ربه، ويقدر أن يصنع إلى خلقه أكثر مما يصنعون هم إليه؛ فيكون محسناً إليهم، وأما إلى الله فلا يكون محسناً.

﴿ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ .

أي: إعطاء ذي القربى الصدقة من غير الزكاة المفروضة.

﴿ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ ﴾ .

هي المعاصي، أي: نهى عن المعاصي كلها.

وقال أبو بكر الأصم: ﴿ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ﴾ ، أي: بالحق الذي له عليهم، والإحسان: هو ما تعبدهم من العبادات والطاعات التي جعل بسبب عطف بعضهم على بعض.

﴿ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ .

صلة القرابة والأرحام.

﴿ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ ﴾ .

قال ابن عباس ومقاتل وقتادة وهؤلاء: قوله: ﴿ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ﴾ : بالتوحيد، ﴿ وَٱلإحْسَانِ ﴾ ، أي: أداء الفرائض، وهو قول ابن عباس وقتادة.

وقال مقاتل: قوله: ﴿ وَٱلإحْسَانِ ﴾ : هو فيما بينهم، يحسن بعضهم إلى بعض، ﴿ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ : صلة الأرحام، ﴿ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ ﴾ ، أي: الزنى، ﴿ وَٱلْمُنْكَرِ ﴾ ، أي: السكر، ﴿ وَٱلْبَغْيِ ﴾ مظالم الناس.

وقال بعضهم: المنكر: ما لا يعرف في الشرائع والسنن.

ويقال: المنكر: ما أوعد الله عليه النار، والبغي: الاستطالة، والظلم، ثم يجب [أن نقرر] حقيقة العدل: ما هو؟

فهو - والله أعلم -: وضع كل شيء موضعه؛ فيدخل فيه كل شيء: التوحيد وغيره؛ بجعل الربوبيّة والألوهيةِ لله لا شريك فيها غيره، ولا يصرفها إلى غيْره، ولا يضيف، بل ينسب الرّبوبيّة والألوهية إلى الله، والعبودية إلى العباد، ولا يضاف العبودية إلى الله، ولا الربوبية والألوهية إلى العباد؛ فذلك العدل ووضع كل شيء موضعه: الربوبية في موضعها، والعبودية في موضعها، هذا - والله أعلم - معنى العدل.

وأمّا الإحسان: فهو ما قال النبي  : "إن جبريل سأله عن الإحسانِ حين سأله عن الإيمان والإسلام؛ فقال ما الإحسان؟

فقال: أَنْ تَعْمَلَ لِلَّهِ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ" .

ومن يعمل لآخر بحيث يراه وينظر إليه يكون أبداً طالب رضاه في ذلك العمل، وإخلاصه له وطلب مرضاته فيه؛ فهو يحتمل وجوهاً ثلاثة - أعني الإحسان -: أحدها: ما ذكر أنه يعمل له كأنه يراه، وذلك فيما بينه وبين ربه.

والثاني: فيما بينه وبين الخلق، وهو أن يحب لهم كما يحب لنفسه فيما أذن له في ذلك، أو نقول على الإطلاق يحب لهم كما يحب لنفسه.

فإن عورض بالقتال والحروب التي بيننا وبين أهل الحرب، وذلك بالذي لا نحب لأنفسنا ونحب لهم - قيل: في ذلك طلب نجاتهم وتخليصهم من الهلاك والعذاب الدائم الأبدي، وذلك ما نحبه نحن لأنفسنا: أن يسعى أحد في نجاة أحدنا من المهلكة؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ  ﴾ وليس [في القتال] في الظاهر رحمة، لكن في الحقيقة رحمةٌ، حيث يحملهم القتال على الإسلام؛ إذ كان قبل نصب القتال والحروب معهم لم يسلم إلا قليل منهم؛ فلما نصب الحروب معهم والقتال دخلوا في الإسلام أفواجاً أفواجاً؛ فصار ذلك في الحقيقة رحمة، وإن كان في رأي العين في الظاهر ليس برحمة.

وكذلك هذه المصائب والبلايا التي تحل بالخلق، هي في الحقيقة نعمة ورحمة؛ ولذلك عدها وسماها بعض الناس؛ لما تعقب من الثواب والنعمة إذا صبر عليها، ورأى ذلك منه حقّاً وعدلاً، ورأى حال الضراء والسراء منه؛ فهو بطيب نفسه في جميع الأحوال تنصرف به من الشدة والضيق، فإذا رأى نعمة، لما تعقب من الخير والنفع في العاقبة - فمن هذه الجهة يجوز أن يقال: ذلك نعمة ورحمة، وأمّا في ظاهر الحال فلا؛ وذلك أن كل بلاء ينزل بأحدٍ، فصبر عليهِ كان في ذلك خصال أربعة: أحدها: تكفير ما كان ارتكب من المعاصي.

والثاني: معرفة العبودة وملك غيره عليه.

والثالث: ما يعقب من الثواب والنعيم الدائم.

والرابع: معرفة النعم من الشدة؛ [لأنه بالشدة] يعرف النعم.

وأمّا الإحسان إلى نفسه: فهو أن يحفظها عما فيه هلاكها.

وقوله: ﴿ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ ﴾ .

هو ما يكبر ويفحش من الشيء.

﴿ وَٱلْمُنْكَرِ ﴾ .

هو الشيء الغريب الذي لا يعرف؛ ألا ترى إلى قول إبراهيم: ﴿ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ  ﴾ ؛ سماهم منكرين لما لم يعرفهم؛ فالمنكر: ما يفعل من هو معروف بالخير والصلاح من الزلات لما يكون ذلك منهم غريباً؛ إذ لم يعرفوا بذلك، فذلك منهم [منكر].

﴿ وَٱلْفَحْشَآءِ ﴾ .

ما يكون من أهل الفساد والشرور، وذلك مما يكبر ويفحش ذلك منهم.

﴿ وَٱلْبَغْيِ ﴾ .

هو الظلم، ويحتمل أن يكون هذا كله المنكر والفحشاء والبغي وكله واحد: الفحشاء هو المنكر، والفحشاء هي البغي، والمنكر هو الفحشاء والبغي، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَعِظُكُمْ ﴾ .

قال بعضهم: أي: ينهاكم عما ذكر كله.

﴿ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ .

وتنتهون عنه، وقال بعضهم: الموعظة هي التي تلين القلوب القاسية، وتصرفها إلى طاعة الله، وقد ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ﴾ .

يحتمل أمره بوفاء العهد، العهود التي يُعطي بعضهم لبعض، أمرهم بوفاء ذلك، ونهاهم عن نقضها، ويلزمهم وفاء عهد الله وإن لم يعاهدوا في ذلك، لكنه ذكر وفاء العهد إذا عاهدوا ونهى عن النقض؛ لأن ترك وفاء ما عاهدوا، ونقض ما أعطوا على ذلك شرطاً أقبح وأفحش مما لم يعاهدوا، وهو كقوله: ﴿ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا  ﴾ ؛ ترك الوفاء ونقضه بعد قولهم: ﴿ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا  ﴾ : أفحش، وأفحش من نقضه إذا لم يكن لهم عهد سابق وشرط متقدم، وهذا - والله أعلم - معنى أمره بوفاء العهد إذا عاهدوا، وإن كان وفاء العهد لازماً لهم، وإن لم يعاهدوا؛ إذ جعل الله البشر بحيث يقبلون الحكمة والمحنة، وجعل بنيتهم وخلقتهم بحيث يقدرون على القيام بذلك، كقوله: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا...

﴾ الآية [الأحزاب: 72]، أي: أبي خلقتهم وبنيتهم، أي: لم يجعل خلقة هذه الأشياء وبنيتها [بحيث] تحتمل ذلك، ﴿ وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ  ﴾ ، أي خلقته وبنيته تحتمل ذلك والقيام بها، وتحتمل أن تكون العهود التي أمر بوفائها إذا عاهدوا على الأيمان التي يقيمون بها، حيث قال: ﴿ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ﴾ : ذكر الأيمان ونهى عن نقضها، ثم لا يحتمل أن يكون النهي عن النقض في الأيمان التي يأثم بها المرء إذا حلف؛ لأنه نهى عن نقضها، ولو كان يأثم بعقدها لكان لا ينهى عن نقضها؛ لأن الأيمان التي يأثم بها المرء إذا حلف [يؤمر] بنقضها أو لا يؤمر بوفائها وحفظها، ثم ذكر فيه بعد توكيدها، ولم يسغ نقض اليمين، وإن لم يؤكدها إذا لم يكن في الوفاء بها إثم، لكنه ذكر التوكيد؛ لأن النقض بعد ذلك أقبح وأفحش من النقض على غير التوكيد؛ على ما ذكر من القبح والفحش في بعض العهود بعد ما عاهدوا.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ﴾ هو حَلِفُهم بالله؛ لأن مشركي العرب كانوا لا يقسمون بالله إلا ما يعظم من الأمر ويجل، وذلك آخر أقسامهم؛ ولذلك قال بعض أهل التأويل في قوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ  ﴾ : يقول: جهد أيمانهم هو قسمهم بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً ﴾ .

قيل: كانوا يحلفون فيما بينهم على جعل الله كفيلاً عليهم، وقيل: الكفيل: هو الشهيد الحافظ، وهكذا يؤخذ الكفيل فيما يؤخذ؛ ليحفظ المال أو النفس.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ .

من الوفاء بما عاهدوا أو النقض، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ﴾ .

اختلف في تأويل الآية: قال بعضهم: الآية نزلت في مخالفة أهل الكفر بعضهم بعضاً، وهو أن يرث بعضهم بعضاً، وينصر ويعين بعضهم بعضاً، ويحلفون على ذلك ويقسمون؛ فإن هلكوا في ذلك - أي: في نصر بعضهم بعضاً [وإعانة بعضهم بعضا] - ثم إذا رأوا الكثرة والغلبة مع غير الذين خالفوهم - نقضوا ذلك، ورجعوا إلى الذين معهم الكثرة والغلبة؛ فنهوا عن ذلك.

وقال بعضهم: الآية في الذين يكونون بعد رسول الله وأصحابه لما علم أنه يكون خوارج وأهل اختلاف في الدّين، فربما كانت الكثرة والغلبة لهم على أهل العدل؛ فنهى من عاهد أهل العدل وبايعهم - أن يترك بكثرتهم وغلبتهم الكون مع أهل العدل، وإعانتهم، ونقض ما عاهدوا؛ ولذلك قال: ﴿ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِ ﴾ .

وقال: هذا يدل أنه في أهل الإسلام.

وقال بعضهم: الآية في أهل النفاق؛ أنهم كانوا يقسمون بالله إنهم ينصرون رسول الله وأصحابه، ويقولون: إنا معكم، كقوله: ﴿ وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ...

﴾ الآية [التوبة: 56] كانوا يُرُون من أنفسهم الموافقة لهم، والنصر، والعون لهم على أعدائهم ويحلفون على ذلك، ثم إذا رأوا الكثرة مع الكفرة والغلبة، وقلة المؤمنين - تحولوا إلى أولئك، ونقضوا أيمانهم، وكانوا معهم، كقوله: ﴿ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ...

﴾ الآية [النساء: 141].

ويحتمل قوله: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ...

﴾ أي: لا تكونوا في نقض العهود والمواثيق كالمرأة التي تنقض غزلها من بعد قوة، وجائز أن يكون غير هذا.

يقول: ولا تظنوا في الله أن يكون في إنشاء الخلق كالمرأة التي نقضت غزلها من بعد قوة؛ فلو لم يكن بعث لكان يكون في إنشاء الخلق كالمرأة التي نقضت غزلها من بعد قوة، وقد عرفتم قبح ذلك؛ فعلى ذلك: إنشاء الخلق إذا لم يكن بعث يكون في القبح ما ذكر.

ثم ضرب الله مثل من أعطى العهد والمواثيق ووكد الأيمان في ذلك، ثم نقض ذلك بامرأة تغزل ثم تنقض ذلك الغزل من بعد قوة أنكاثاً؛ يقول - والله أعلم -: كما لم تنتفع هذه المرأة بغزلها إذا نقضته من بعد إبرامها إياه؛ كذلك لا ينتفع ولا يوثق بمن أعطى العهد، ثم نقضه.

يقول: فلا هي تركت الغزل تنتفع به، ولا هي تركت القطن والكتان كما هو؛ فكذلك الذي يعطي العهد ثم ينقضه فلا هو حين أعطاه وفي به، ولا هو ترك [العهد] فلم يعطه ونحوه.

ثم اختلف في تلك المرأة: قال بعضهم: هي امرأة من قريش حمقاء بمكة، كانت إذا غزلت نقضته.

وقال بعضهم: هذا على التمثيل؛ يقول - والله أعلم -: أي لو سمعتم بامرأة نقضت غزلها من بعد إبرامه - لقلتم: ما أحمق هذه!!

فعلى ذلك من أعطى العهد والميثاق، ثم نقض - فهو كذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ ﴾ .

قال أبو بكر الأصم: الدخل: الذي لا يصحّ ولا يستقيم؛ يقال: هذا مدخول، أي: غير صحيح.

وقال غيره: ﴿ دَخَلاً ﴾ ، أي: خديعة ومكراً يخدع بعضكم بعضاً، وهو قول أبي عوسجة أيضاً.

وقال القتبي: ﴿ دَخَلاً بَيْنَكُمْ ﴾ ، أي: خيانة ودغلاً بينكم.

﴿ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ ﴾ .

أي: فريق.

﴿ أَرْبَىٰ ﴾ .

من فريق.

وقال أبو عوسجة: ﴿ أَنكَاثاً ﴾ : هي جمع "نِكْثٍ"، والنكث - من الحبل - خيوط تنكث ثم تطرق وتصير صوفاً، ثم من بعد ذلك تفتل.

قال: والمِطْرَق: قضيب يضرب به الصوف حتى ينفش ويلين كما يُنْدَف القطن، يقال: طرقت الصوف - أطرقه طرقاً - أي: ضربته، ويقال: نفشته - أنفشه نفشاً - أي: فرقت بينه فتفرق، ومنه قوله: ﴿ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ  ﴾ .

ويقال: حبل مَثْنِي: إذا كان طاقين، ومثلوث، ومربوع، ومخموس ومسدوس [ومسبوع] ومثمون ومتسوع، ومعشور.

وقال القتبي: الأنكاث: ما نقض من غزل الشعر وغيره، واحدها: نكث.

يقول: لا تؤكدوا على أنفسكم الأيمان والعهود ثم تنقضوا ذلك وتحنثوا؛ فتكونوا كامرأة غزلت ونسجت ثم نقضت ذلك فجعلته أنكاثاً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ .

قال الحسن: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ ﴾ المشيئة - هاهنا - مشيئة القهر والقسر، أي: لو شاء لجبرهم وقهرهم على الإيمان فآمنوا جميعاً.

فهذا فاسد؛ لأنه لا يكون بالقهر والجبر إيمان؛ لأنه لا صنع للعبد في حال القهر والجبر؛ فيبطل تأويله؛ إذ لا يجوز أن يثبت إيمان في تلك الحال.

وقال أبو بكر: تأويله قوله: لو شاء لأنزل لهم آية حتى يؤمنوا جميعاً بتلك الآية، كقوله: ﴿ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ  ﴾ : أخبر أنه لو أنزل آية [يكونون] لها خاضعين، لكن عندنا أنهم ليسوا يؤمنون ويخضعون للآية، ولكن بما شاء لهم ذلك، ولا يحتمل أن تحملهم الآية على الإيمان، شاءوا أو أبوا؛ ألا ترى أنهم يكذبون يوم الحشر عند معاينتهم الآيات، وهو قوله: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ : أخبر أنهم يكذبون وقد عاينوا الآيات، وليست الآية التي تنزل عليهم في الدنيا بأعظم من الآيات التي يعاينونها يوم القيامة، ثم لم يمنعهم ذلك عن الكذب؛ دلّ أن الآية ليست تحملهم على الإيمان، ولا تضطرهم عليه، ولكن لو شاء لآمنوا بالاختيار فيبطل تأويله.

ثم الآية تحتمل عندنا وجهين: أحدهما: قوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ بظاهر السبب الذي إذا أعطاهم لآمنوا له، ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً...

﴾ الآية [الزخرف: 33]: أخبر أنه لو ما يرغب الناس في الكفر فيكونون كفاراً كلهم، وإلا جعل سقف أهل الكفر ومعارجهم من فضة؛ فلو أنه جعل ذلك بعينه لأهل الإسلام وفي أيديهم لآمنوا - أيضاً - كلهم؛ لأنه لا يحتمل أن يكون ذلك في أيدي الكفرة؛ فيحمل أهل الإسلام على الكفر، وإذا كان ذلك بعينه لأهل الإسلام - لا يحمل أهل الكفر على ترك الكفر والدخول في الإسلام.

والوجه الثاني: لو شاء لجعلهم أمّة واحدة بلطف منه: يشرح صدره للإسلام من غير أن يعلم أن أحداً ألقى ذلك في قلبه، من نحو ما مكّن للشيطان عدو الله؛ حتى يقذف في قلوب الخلق ويلقي وساوس، من غير أن يعلموا أن أحداً دعا إلى ذلك وألقى إلى قلوبهم؛ ألا ترى أن إبليس لما وسوس إلى آدم -  - ليتناول من الشجرة التي نهى عنها ربّه لو علم أنه إبليس لما أجابه؛ وكذلك ما مكن للملائكة من تثبيت قلوب الذين آمنوا، وإلقاء أشياء في قلوبهم، ويلهمونهم، وهو قوله: ﴿ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ  ﴾ من غير أن يعلموا [أنَّ] أحداً دعاهم إلى ذلك، أو ألقى أحد ذلك في قلوبهم؛ فمن ملك تمكين عدوه وملائكته على ما ذكرنا يملك شرح الصّدر للإسلام والدعاء إلى ذلك من غير أن يعلموا أن أحداً فعل ذلك.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ ﴾ .

على قول الحسن: على الحكم لذلك.

وقال أبو بكر الأصم: يضل بالنهي من نهى، ويهدي بالأمر.

لكن هذا فاسد؛ لأنه لو كان بالنهي مضلاًّ وبالأمر هادياً - لكان مضلاًّ للأنبياء والرسل؛ لأنه قد نهاهم بمناهٍ؛ فيكون مضلاًّ لهم.

فإن قيل: لم يصر ما ذكرت؛ لأنهم لم يرتكبوا المناهي - قيل: الارتكاب فعلهم؛ فلا يحتمل أن يكون بفعلهم ذلك؛ فدل أن ما ذكرنا فاسد، وعلى قولهم يكون بالنهي عاصياً مضلاًّ، وعندنا قوله: ﴿ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ ﴾ أي: يخلق فعل الضلال منهم، أو يضل من علم أنه يختار الضلال على الهدى ويخذلهم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ .

هو ظاهر.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ ﴾ .

قد ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا ﴾ .

قال أبو بكر: دلّ قوله: ﴿ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا ﴾ أن الآيات التي تقدم ذكرها في أهل الإسلام؛ لأنه أخبر أنه تزل قدم بعد ثبوتها، وهو الكفر بعد الإسلام.

وعندنا هو ما ذكرنا أن قوله: ﴿ فَتَزِلَّ قَدَمٌ ﴾ بالخوف، ﴿ بَعْدَ ثُبُوتِهَا ﴾ أي: بعدما كانوا آمنين؛ لأنهم بأيمانهم كانوا يأمنون، وبنقضهم العهود والأيمان يخافون، فيكون قوله: ﴿ فَتَزِلَّ قَدَمٌ ﴾ كناية عن الخوف، والثبوت كناية عن الأمن، أي صاروا خائفين بنقضهم العهود والأيمان بعدما كانوا آمنين [بها]، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَتَذُوقُواْ ٱلْسُّوۤءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ .

على هذا التأويل: يذوقون ذلك في الدنيا؛ بالقتل والقهر، ويحتمل في الآخرة؛ بما صدّوا الناس عن دين الله، واستبدلوا به الكفر بعد الإيمان.

﴿ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ .

وقوله - عزّ وجل -: ﴿ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ .

قال بعضهم: عهد الله: دين الله.

وقال بعضهم: عهد الله الذي عهد إليهم.

ويحتمل عهد الله: ما أعطوا من العهد والأيمان، أي: ينقضوها بشيء يسير؛ إنما عند الله هو خير لكم دائم باقٍ، وهذا زائِل فانٍ، أو ما يجزي بوفاء ما عهدوا خير لكم من هذا، أي: يجزيكم بوفاء ما ذكر من العهد - خير لكم من غيره، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ ﴾ .

أي: ما أخذتم من الأموال واكتسبتم بنقض العهود والأيمان ينفد ويفنى، وما عند الله من الجزاء والثواب بوفاء العهد باقٍ.

﴿ وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوۤاْ أَجْرَهُمْ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ صَبَرُوۤاْ ﴾ على ما أمروا به، ونهوا عنه، وصبروا على وفاء العهد.

﴿ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ بِأَحْسَنِ ﴾ ، أي: الجزاء الذي يجزيهم على الصّبر أحسن من وفاء العهد، أو يجزيهم بأحسن ما عملوا، أي: يجعل سيئاتهم حسنات؛ كقوله: ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ  ﴾ ، وقوْله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجل -: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ .

اختلف أهل التأويل [في قوله]: ﴿ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ : قال بعضهم: قوله: ﴿ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ في الآخرة، وهي الجنة.

وقال بعضهم: ﴿ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ في الدنيا.

فمن قال: الحياة الطيبة هي الجنّة، في الآخرة، يكون تأويله: من يكن عمله في الدنيا صالحاً فليحيينه الله في الآخرة حياة طيبة؛ وإلا ظاهر قوله: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً ﴾ إنما هو على عمل واحد، وكذلك قوله: ﴿ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً  ﴾ : ظاهره على حسنة واحدة، لكن الوجه فيه ما ذكرنا: من يكن عمله في الدنيا صالحاً فيفعل ما ذكر.

وقوله: ﴿ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً  ﴾ ، أي: ما تؤتينا في الدنيا آتنا حسنة، أو أن يكون على الختم به، أي: من ختم بالعمل الصالح فيحييه الله حياة طيبة في الجنة، كقوله: من جاء بالحسنة فله كذا.

وقال الحسن: الحياة الطيبة هي الجنة؛ لأن في الدنيا ما ينغص حياته.

وقال بعضهم: الحياة الطيبة في الدنيا؛ فتأويله: من يكن همه وجهده في الدنيا العمل الصالح فلنحيينّه حياة [طيبة]، أي: نوفقه ونيسّره الخيرات والعمل الصالح والطاعات، وهو ما روي أنه قال: "كُلُّ مُيَسّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ" ، وكقوله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ  وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ  فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا  ﴾ ونحوه؛ فذلك هو الحياة الطيّبة في الدنيا؛ حيث يسّر عليه العمل الصالح، ووفق للطاعات والخيرات.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ ﴾ ، أي: قنع في الدنيا بما قسم الله له ورزقه، ورضي به، ﴿ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ مما أزال عنه هم طلب الفضل، وغمهُ، وذلّه وحرصه عليه؛ لأن أكثر هموم الناس في الدنيا وذلهم؛ لما لم يرضوا بما قسم الله لهم، ولم يقنعوا به؛ فهو يحيا حياة طيّبة لما عصم من ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ ﴾ .

أي: في الآخرة.

﴿ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .

على تأويل من قال: الحياة الطيّبة في الدّنيا.

وقال بعضهم - وهو قول أبي بكر -: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ : في الدنيا، ما ذكر هؤلاء.

وقال بعضهم: ﴿ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ الرزق الحلال.

وقوله: ﴿ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ : وقد ذكرنا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأوفوا بكل عهد عاهدتم الله أو عاهدتم الناس عليه، ولا تنقضوا الأيمان بعد تغليظها بالحلف بالله، وقد جعلتم الله شهيدًا عليكم بالوفاء بما حلفتم عليه، إن الله يعلم ما تفعلون، لا يخفى عليه شيء منه، وسيجازيكم عليه.

<div class="verse-tafsir" id="91.V3zkv"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.5 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
لا إله إلا الله