الإسلام > القرآن > سور > سورة 20 طه > الآية ١٢٨ من سورة طه
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 90 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ١٢٨ من سورة طه من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
قول تعالى : ( أفلم يهد ) لهؤلاء المكذبين بما جئتهم به : يا محمد ، كم أهلكنا من الأمم المكذبين بالرسل قبلهم ، فبادوا فليس لهم باقية ولا عين ولا أثر ، كما يشاهدون ذلك من ديارهم الخالية التي خلفوهم فيها ، يمشون فيها ، ( إن في ذلك لآيات لأولي النهى ) أي : العقول الصحيحة والألباب المستقيمة ، كما قال تعالى : ( أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) [ الحج : 46 ] ، وقال في سورة " الم السجدة " : ( أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون ) [ السجدة : 26 ] .
القول في تأويل قوله تعالى : أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُولِي النُّهَى (128) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: أفلم يهد لقومك المشركين بالله، ومعنى يهد: يبين.
يقول: أفلم يبين لهم كثرة ما أهلكنا قبلهم من الأمم التي سلكت قبلها التي يمشون في مساكنهم ودورهم، ويرون آثار عقوباتنا التي أحللناها بهم سوء مغبة ما هم عليه مقيمون من الكفر بآياتنا، ويتعظوا بهم، ويعتبروا، وينيبوا إلى الإذعان، ويؤمنوا بالله ورسوله، خوفا أن يصيبهم بكفرهم بالله مثل ما أصابهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ ) لأن قريشا كانت تتجر إلى الشأم، فتمر بمساكن عاد وثمود ومن أشبههم، فترى آثار وقائع الله تعالى بهم، فلذلك قال لهم: أفلم يحذّرهم ما يرون من فعلنا بهم بكفرهم بنا نـزول مثله لهم، وهم على مثل فعلهم مقيمون ، وكان الفرّاء يقول: لا يجوز في كم في هذا الموضع أن يكون إلا نصبا بأهلكنا، وكان يقول: وهو وإن لم يكن إلا نصبا، فإن جملة الكلام رفع بقوله ( يَهْدِ لَهُمْ ) ويقول: ذلك مثل قول القائل: قد تبين لي أقام عمرو أم زيد في الاستفهام، وكقوله سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ ويزعم أن فيه شيئا يرفع سواء لا يظهر مع الاستفهام، قال: ولو قلت: سواء عليكم صمتكم ودعاؤكم تبين ذلك الرفع الذي في الجملة، وليس الذي قال الفرّاء من ذلك، كما قال: لأن كم وإن كانت من حروف الاستفهام فإنها لم تجعل في هذا الموضع للاستفهام، بل هي واقعة موقع الأسماء الموصوفة، ومعنى الكلام ما قد ذكرنا قبل وهو: أفلم يبين لهم كثرة إهلاكنا قبلهم القرون التي يمشون في مساكنهم، أو أفلم تهدهم القرون الهالكة، وقد ذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله ( أفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ مَنْ أهْلَكْنا) فكم واقعة موقع من في قراءة عبد الله، هي في موضع رفع بقوله ( يَهْدِ لَهُمْ ) وهو أظهر وجوهه، وأصحّ معانيه، وإن كان الذي قاله وجه ومذهب على بعد.
وقوله ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأولِي النُّهَى ) يقول تعالى ذكره: إن فيما يعاين هؤلاء ويرون من آثار وقائعنا بالأمم المكذّبة رسلها قبلهم، وحلول مثلاتنا بهم لكفرهم بالله (لآيات) يقول: لدلالات وعبرا وعظات (لأولي النهى) يعني: لأهل الحجى والعقول، ومن ينهاه عقله وفهمه ودينه عن مواقعة ما يضره.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( لأولِي النُّهَى ) يقول: التقى.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأولِي النُّهَى ) أهل الورع.
قوله تعالى : أفلم يهد لهم يريد أهل مكة ؛ أي أفلم يتبين لهم خبر من أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إذا سافروا وخرجوا في التجارة طلب المعيشة ، فيرون بلاد الأمم الماضية ، والقرون الخالية خاوية ؛ أي أفلا يخافون أن يحل بهم مثل ما حل بالكفار قبلهم .
وقرأ ابن عباس والسلمي وغيرهما ( نهد لهم ) بالنون وهي أبين .
ويهد بالياء مشكل لأجل الفاعل ؛ فقال الكوفيون ( كم ) الفاعل ؛ النحاس : وهذا خطأ لأن ( كم ) استفهام فلا يعمل فيها ما قبلها .
وقال الزجاج المعنى أولم يهد لهم الأمر بإهلاكنا من أهلكنا .
وحقيقة يهد على الهدى ؛ فالفاعل هو الهدى تقديره أفلم يهد الهدى لهم .
قال الزجاج : كم في موضع نصب ب أهلكنا .
أي: أفلم يهد هؤلاء المكذبين المعرضين، ويدلهم على سلوك طريق الرشاد، وتجنب طريق الغي والفساد، ما أحل الله بالمكذبين قبلهم، من القرون الخالية، والأمم المتتابعة، الذين يعرفون قصصهم، ويتناقلون أسمارهم، وينظرون بأعينهم، مساكنهم من بعدهم، كقوم هود وصالح ولوط وغيرهم، وأنهم لما كذبوا رسلنا، وأعرضوا عن كتبنا، أصبناهم بالعذاب الأليم؟
فما الذي يؤمن هؤلاء، أن يحل بهم، ما حل بأولئك؟
{ أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر* أم يقولون نحن جميع منتصر } لا شيء من هذا كله، فليس هؤلاء الكفار، خيرا من أولئك، حتى يدفع عنهم العذاب بخيرهم، بل هم شر منهم، لأنهم كفروا بأشرف الرسل وخير الكتب، وليس لهم براءة مزبورة وعهد عند الله، وليسوا كما يقولون أن جمعهم ينفعهم ويدفع عنهم، بل هم أذل وأحقر من ذلك، فإهلاك القرون الماضية بذنوبهم، من أسباب الهداية، لكونها من الآيات الدالة على صحة رسالة الرسل الذين جاءوهم، وبطلان ما هم عليه، ولكن ما كل أحد ينتفع بالآيات، إنما ينتفع بها أولو النهى، أي: العقول السليمة، والفطر المستقيمة، والألباب التي تزجر أصحابها عما لا ينبغي.
( أفلم يهد لهم ) يبين لهم القرآن ، يعني : كفار مكة ، ( كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم ) ديارهم ومنازلهم إذا سافروا .
والخطاب لقريش كانوا يسافرون إلى الشام فيرون ديار المهلكين من أصحاب الحجر وثمود وقريات لوط .
( إن في ذلك لآيات لأولي النهى ) لذوي العقول .
«أفلم يهد» يتبين «لهم» لكفار مكة «كم» خبرية مفعول «أهلكنا» أي كثيرا إهلاكنا «قبلهم من القرون» أي الأمم الماضية بتكذيب الرسل «يمشون» حال من ضمير لهم «في مساكنهم» في سفرهم إلى الشام وغيرها فيعتبروا، وما ذكر من أخذ إهلاك من فعله الخالي عن حرف مصدري لرعاية المعنى لا مانع منه «إنَّ في ذلك لآيات» لعبراً «لأولي النهى» لذوي العقول.
أفلم يدل قومك - أيها الرسول - على طريق الرشاد كثرة مَن أهلكنا من الأمم المكذبة قبلهم وهم يمشون في ديارهم، ويرون آثار هلاكهم؟
إن في كثرة تلك الأمم وآثار عذابهم لَعبرًا وعظاتٍ لأهل العقول الواعية.
ثم وبخ - سبحانه - أولئك الذين لم ينتفعوا بآياته فقال : ( أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ القرون يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ .
.
.
) .والهمزة للاستفهام الإنكارى التوبيخى ، والفاء للعطف على مقدر .
.
.والمعنى : أبلغت الغفلة والجهالة بهؤلاء المشركين ، أنهم لم يتبين لهم ، أننا أهلكنا كثيرا من أهل القرون الماضية ، الذين كانوا يمشون آمنين لاهين فى مساكنهم .
.
.وكان إهلا كنا لهم بسبب إيثارهم الكفر على الإيمان ، والغى على الرشد ، والعمى على الهدى .
.
.فالآية الكريمة تقريع وتوبيخ لكفار مكة الذين لم يعتبروا بما أصاب أمثالهم من الأمم السابقة ، كقوم نوح وعاد وثمود .
.
.قال الآلوسى : وقوله : ( يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ ) حال من ( القرون ) أو من مفعول ( أَهْلَكْنَا ) أى : أهلكناهم وهم فى حال آمن وتقلب فى ديارهم .
واختار بعضهم كونه حالا من الضمير فى ( لَهُمْ ) مؤكدا للإنكار والعامل فيه ( يَهْدِ ) .
أى : أفلم يهد للمشركين حال كونهم ماشين فى مساكنهم من أهلكنا من القرون السالفة من أصحاب الحجر ، وثمود ، وقوم لوط ، مشاهدين لآثار هلاكهم إذا سافروا إلى بلاد الشام وغيرها .وقوله - سبحانه - : ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النهى ) تذييل قصد به تعليل الإنكار ، أى : إن فى ذلك الذى أخبرناهم به ، وأطلعناهم عليه من إهلاك المكذبين السابقين ، ( لآيَاتٍ ) عظيمة ، وعبر كثيرة ، ودلائل واضحة لأصحاب العقول السليمة ، التى تنهى أصحابها عن القبائح والآثام .والنهى : جمع نُهية - بضم النون وإسكان الهاء - سمى العقل بها لنهيه عن القبائح .
اعلم أن على أول هذه الآية سؤالاً وهو أن قوله: ﴿ اهبطا ﴾ ، إما أن يكون خطاباً مع شخصين أو أكثر فإن كان خطاباً لشخصين فكيف قال بعده: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى ﴾ وهو خطاب الجمع وإن كان خطاباً لأكثر من شخصين فكيف قال: ﴿ اهبطا ﴾ وذكروا في جوابه وجوهاً: أحدها: قال أبو مسلم: الخطاب لآدم ومعه ذريته ولإبليس ومعه ذريته فلكونهما جنسين صح قوله: ﴿ اهبطا ﴾ ولأجل اشتمال كل واحد من الجنسين على الكثرة صح قوله: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم ﴾ قال صاحب الكشاف: لما كان آدم وحواء عليهما السلام أصلا للبشر والسبب اللذين منهما تفرعوا جعلا كأنهما البشر أنفسهم فخوطبا مخاطبتهم فقال: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم ﴾ على لفظ الجماعة، أما قوله: ﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ فقال القاضي: يكفي في توفية هذا الظاهر حقه أن يكون إبليس والشياطين أعداء للناس والناس أعداء لهم، فإذا انضاف إلى ذلك عداوة بعض الفريقين لبعض لم يمتنع دخوله في الكلام، وقوله: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّي هُدًى فَمَنِ اتبع هُدَايَ ﴾ فيه دلالة على أن المراد الذرية، وقد اختلفوا في المراد بالهدى، فقال بعضهم: الرسل وبعضهم قال: الآخر والأدلة وبعضهم قال القرآن، والتحقيق أن الهدى عبارة عن الدلالة فيدخل فيه كل ذلك، وفي قوله: ﴿ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يشقى ﴾ دلالة على أن المراد بالهدى الذي ضمن الله على اتباعه ذلك اتباع الأدلة، واتباعها لا يتكامل إلا بأن يستدل بها وبأن يعمل بها، ومن هذا حاله فقد ضمن الله تعالى له أن لا يضل ولا يشقى، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة.
وثانيها: لا يضل ولا يشقى في الآخرة لأنه تعالى يهديه إلى الجنة ويمكنه فيها.
وثالثها: لا يضل ولا يشقى في الدنيا فإن قيل: المتبع لهدى الله قد يحلقه الشقاء في الدنيا، قلنا: المراد لا يضل في الدين ولا يشقى بسبب الدين فإن حصل الشقاء بسبب آخر فلا بأس، ولما وعد الله تعالى من يتبع الهدى أتبعه بالوعيد فيمن أعرض، فقال: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي ﴾ والذكر يقع على القرآن وعلى سائر كتب الله تعالى على ما تقدم بيانه ويحتمل أن يراد به الأدلة، وقوله: ﴿ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً ﴾ فالضنك أصله الضيق والشدة وهو مصدر ثم يوصف به فيقال: منزل ضنك، وعيش ضنك، فكأنه قال: معيشة ذات ضنك، واعلم أن هذا الضيق المتوعد به إما أن يكون في الدنيا أو في القبر أو في الآخرة أو في الدين أو في كل ذلك أو أكثره.
أما الأول: فقال به جمع من المفسرين وذلك لأن المسلم لتوكله على الله يعيش في الدنيا عيشاً طيباً كما قال: ﴿ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حياة طَيّبَةً ﴾ والكافر بالله يكون حريصاً على الدنيا طالباً للزيادة أبداً فعيشته ضنك وحالته مظلمة، وأيضاً فمن الكفرة من ضرب الله عليه الذلة والمسكنة لكفره قال تعالى: ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة وَبَاءوا بِغَضَبٍ مّنَ الله ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بآيات الله ﴾ وقال: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التوراة والإنجيل وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِمْ مّن رَّبّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى ءَامَنُواْ واتقوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بركات مّنَ السماء والأرض ﴾ وقال: ﴿ فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَٰلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّٰتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَٰرًا ﴾ وقال: ﴿ وَأَلَّوِ استقاموا عَلَى الطريقة لأسقيناهم مَّاء غَدَقاً ﴾ .
وأما الثاني: وهو عذاب القبر، فهذا قول عبد الله بن مسعود وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عباس ورفعه أبو هريرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن عذاب القبر للكافر قال والذي نفسي بيده إنه ليسلط عليه في قبره تسعة وتسعون تنيناً».
قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت الآية في الأسود بن عبد العزى المخزومي والمراد ضغطة القبر تختلف فيها أضلاعه.
وأما الثالث: وهو الضيق في الآخرة في جهنم، فإن طعامهم فيها الضريع والزقوم، وشرابهم الحميم والغسلين فلا يموتون فيها ولا يحيون وهذا قول الحسن وقتادة والكلبي.
وأما الرابع: وهو الضيق في أحوال الدين فقال ابن عباس رضي الله عنهما: المعيشة الضنك هي أن تضيق عليه أبواب الخير فلا يهتدي لشيء منها.
سئل الشبلي عن قوله عليه السلام: «إذا رأيتم أهل البلاء فاسألوا الله العافية» فقال أهل البلاء هم أهل الغفلات عن الله تعالى فعقوبتهم أن يردهم الله تعالى إلى أنفسهم وأي معيشة أضيق وأشد من أن يرد الإنسان إلى نفسه، وعن عطاء قال: المعيشة الضنك هي معيشة الكافر لأنه غير موقن بالثواب والعقاب.
وأما الخامس: وهو أن يكون المراد الضيق في كل ذلك أو أكثره فروي عن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عقوبة المعصية ثلاثة: ضيق المعيشة والعسر في الشدة، وأن لا يتوصل إلى قوته إلا بمعصية الله تعالى».
أما قوله تعالى: ﴿ وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القيامة أعمى ﴾ ففيه وجوه: أحدها: هذا مثل قوله: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمّا ﴾ وكما فسرت الزرقة بالعمى، ثم قيل: إنه يحشر بصيراً فإذا سيق إلى المحشر عمى والكلام فيه وعليه قد تقدم في قوله: ﴿ زُرْقاً ﴾ .
وثانيها: قال مجاهد والضحاك ومقاتل: يعني أعمى عن الحجة، وهي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال القاضي: هذا القول ضعيف لأن في القيامة لابد أن يعلمهم الله تعالى بطلان ما كانوا عليه حتى يتميز لهم الحق من الباطل، ومن هذا حاله لا يوصف بذلك إلا مجازاً، والمراد به أنه كان من قبل ذلك كذلك ولا يليق بهذا قوله: ﴿ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً ﴾ ولم يكن كذلك في حال الدنيا أقول ومما يؤكد هذا الاعتراض أنه تعالى علل ذلك العمى بما أن المكلف نسي الدلائل في الدنيا فلو كان العمى الحاصل في الآخرة بين ذلك النسيان لم يكن للمكلف بسبب ذلك ضرر، كما أنه ما كان له في الدنيا بسبب ذلك ضرر، واعلم أن تحقيق الجواب عن هذا الاعتراض مأخوذ من أمر آخر وهو أن الأرواح الجاهلة في الدنيا المفارقة عن أبدانها على جهالتها تبقى على تلك الجهالة في الآخرة وأن تلك الجهالة تصير هناك سبباً لأعظم الآلام الروحانية.
وبين هذه الطريقة وبين طريقة القاضي المبنية على أصول الاعتزال بون شديد.
وثالثها: قال الجبائي: المراد من حشره أعمى أنه لا يهتدي يوم القيامة إلى طريق ينال منه خيراً بل يبقى واقفاً متحيراً كالأعمى الذي لا يهتدي إلى شيء، أما قوله: ﴿ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعمى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كذلك أَتَتْكَ آياتنا فَنَسِيتَهَا وكذلك اليوم تنسى ﴾ ففي تقرير هذا الجواب وجهان: أحدهما: أنه تعالى إنما أنزل به هذا العمى جزاء على تركه اتباع الهدى والإعراض عنه.
والثاني: هو أن الأرواح البشرية إذا فارقت أبدانها جاهلة ضالة عن الاتصال بالروحانيات بقيت على تلك الحالة بعد المفارقة وعظمت الآلام الروحانية، فلهذا علل الله تعالى حصول العمى في الآخرة بالإعراض عن الدلائل في الدنيا، ومن فسر المعيشة الضنك بالضيق في الدنيا، قال إنه تعالى بين أن من أعرض عن ذكره في الدنيا فله المعيشة الضنك في الدنيا، والعمى في الآخرة، أما قوله: ﴿ وكذلك نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بئايات رَبّهِ ﴾ فقد اختلفوا فيه فبعضهم قال: أشرك وكفر، وبعضهم قال: أسرف في أن عصى الله وقد بين تعالى المراد بذلك بقوله: ﴿ وَلَمْ يُؤْمِن بئايات رَبّهِ ﴾ لأن ذلك كالتفسير لقوله: أسرف وبين أنه يجزي من هذا حاله بما تقدم ذكره من المعيشة الضنك والعمى وبين بعد ذلك أن: ﴿ عَذَابَ الآخرة أَشَدُّ وأبقى ﴾ أما الأشد فلعظمه، وأما الأبقى فلأنه غير منقطع.
<div class="verse-tafsir"
فاعل ﴿ لَّمْ يَهْدِ ﴾ الجملة بعده يريد: ألم يهد لهم هذا بمعناه ومضمونه ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الأخرين سلام على نُوحٍ فِي العالمين ﴾ [الصافات: 79] أي تركنا عليه هذا الكلام.
ويجوز أن يكون فيه ضمير الله أو الرسول، ويدل عليه القراءة بالنون.
وقرئ: ﴿ يَمْشُونَ ﴾ يريد أنّ قريشاً يتقلبون في بلاد عاد وثمود ويمشون ﴿ فِى مساكنهم ﴾ ويعاينون آثار هلاكهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ﴾ وقَدْ أمالَهُما حَمْزَةُ والكِسائِيُّ لِأنَّ الألِفَ مُنْقَلِبَةٌ مِنَ الياءِ، وفَرَّقَ أبُو عَمْرٍو بِأنَّ الأوَّلَ رَأْسُ الآيَةِ ومَحَلُّ الوَقْفِ فَهو جَدِيرٌ بِالتَّغْيِيرِ.
﴿ قالَ كَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ فَعَلْتَ ثُمَّ فَسَّرَهُ فَقالَ: ﴿ أتَتْكَ آياتُنا ﴾ واضِحَةً نَيِّرَةً.
﴿ فَنَسِيتَها ﴾ فَعَمِيتَ عَنْها وتَرَكْتَها غَيْرَ مَنظُورٍ إلَيْها.
﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ ومِثْلَ تَرْكِكَ إيّاها.
﴿ اليَوْمَ تُنْسى ﴾ تُتْرَكُ في العَمى والعَذابِ.
﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَن أسْرَفَ ﴾ بِالِانْهِماكِ في الشَّهَواتِ والإعْراضِ عَنِ الآياتِ.
﴿ وَلَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ ﴾ بَلْ كَذَّبَ بِها وخالَفَها.
﴿ وَلَعَذابُ الآخِرَةِ ﴾ وهو الحَشْرُ عَلى العَمى، وقِيلَ عَذابُ النّارِ أيْ ولَلنّارُ بَعْدَ ذَلِكَ أشَدُّ وأبْقى مِن ضَنْكِ العَيْشِ أوْ مِنهُ ومِنَ العَمى، ولَعَلَّهُ إذا دَخَلَ النّارَ زالَ عَماهُ لِيَرى مَحَلَّهُ وحالَهُ أوْ مِمّا فَعَلَهُ مِن تَرْكِ الآياتِ والكَفْرِ بِها.
<div class="verse-tafsir"
{أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ} أي الله بدليل قراءة زيد عن يعقوب بالنون {كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّنَ القرون يَمْشُونَ} حال من الضمير المجرور لهم {في مساكنهم} يريدان قريشاً يمشون في مساكن عاد وثمود وقوم لوط ويعانون آثار هلاكهم {إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَاتٍ لأِوْلِى النهى} لذوي العقول إذا تفكر واعلموا أن استئصالهم لكفرهم فلا يفعلون مثل ما فعلوا
﴿ أفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وكَذَلِكَ نَجْزِي ﴾ الآيَةَ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ التَّوْبِيخِيِّ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ.
واسْتِعْمالُ الهِدايَةِ بِاللّامِ إمّا لِتَنْزِيلِها مَنزِلَةَ اللّازِمِ فَلا حاجَةَ إلى المَفْعُولِ أوْ لِأنَّها بِمَعْنى التَّبْيِينِ والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ.
وأيًّا ما كانَ فالفاعِلُ ضَمِيرُهُ تَعالى وضَمِيرُ (لَهُمْ) لِلْمُشْرِكِينَ المُعاصِرِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ .
والمَعْنى أغْفَلُوا فَلَمْ يَفْعَلِ اللَّهُ تَعالى لَهُمُ الهِدايَةَ أوْ فَلَمْ يُبَيِّنْ عَزَّ وجَلَّ لَهُمُ العِبَرَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ ﴾ إمّا بَيانٌ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِتِلْكَ الهِدايَةِ أوْ كالتَّفْسِيرِ لِلْمَفْعُولِ المَحْذُوفِ، وقِيلَ: فاعِلُ (يَهْدِ) ضَمِيرُهُ ، وقِيلَ: ضَمِيرُ الإهْلاكِ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَمْ أهْلَكْنا ﴾ والجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ لَهُ، وقِيلَ: الفاعِلُ مَحْذُوفٌ أيِ النَّظَرُ والِاعْتِبارُ ونُسِبَ ذَلِكَ إلى المِبْرَدِ، وفِيهِ حَذْفُ الفاعِلِ وهو لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الفاعِلُ جُمْلَةُ ﴿ كَمْ أهْلَكْنا ﴾ إلَخْ ووُقُوعُ الجُمْلَةِ فاعِلًا مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ، والجُمْهُورُ عَلى خِلافِهِ لَكِنْ رُجِّحَ ذَلِكَ هُنا بِأنَّ التَّعْلِيلَ فِيما بَعْدُ يَقْتَضِيهِ.
ورُجِّحَ كَوْنُ الفاعِلِ ضَمِيرَهُ تَعالى شَأْنُهُ بِأنَّهُ قَدْ قَرَأ فِرْقَّةٌ مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّلَمِيُّ ( أفَلَمْ نَهْدِ ) بِالنُّونِ واخْتارَ بَعْضُهم عَلَيْهِ كَوْنَ الفِعْلِ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ اللّازِمِ وجُمْلَةُ ﴿ كَمْ أهْلَكْنا ﴾ بَيانًا لِتِلْكَ الهِدايَةِ، وبَعْضٌ آخَرُ كَوْنُهُ مُتَعَدِّيًا والمَفْعُولُ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ أيْ: أفَلَمْ يُبَيِّنِ اللَّهُ تَعالى لَهم مَضْمُونَ هَذا الكَلامِ، وقِيلَ: الجُمْلَةُ سادَّةٌ مَسَدَّ المَفْعُولِ والفِعْلُ مُعَلَّقٌ عَنْها، وتُعُقِّبَ بِأنَّ (كَمْ) هُنا خَبَرِيَّةٌ وهي لا تُعَلِّقُ عَنِ العَمَلِ وإنَّما الَّتِي تُعَلِّقُ عَنْهُ كَمِ الِاسْتِفْهامِيَّةُ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ لَكِنْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ إذا كانَ مَدارُ التَّعْلِيقِ الصَّدارَةَ كَما هو الظّاهِرُ فَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ هِشامٍ بِأنَّ لِكُلٍّ مِن كَمِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ وكَمِ الخَبَرِيَّةِ ما ذُكِرَ، ورَدَ في المُغْنِي قَوْلُ ابْنِ عُصْفُورٍ: أنَّ (كَمْ) في الآيَةِ فاعِلُ يَهْدِ بِأنَّ لَها الصَّدْرَ ثُمَّ قالَ: وقَوْلُهُ إنَّ ذَلِكَ جاءَ عَلى لُغَةٍ رَدِيئَةٍ حَكاها الأخْفَشُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ يَقُولُ: مَلَكْتَ كَمْ عَبِيدٍ فَيُخْرِجُها عَنِ الصَّدْرِيَّةِ خَطَأٌ عَظِيمٌ إذْ خَرَّجَ كَلامَ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ عَلى هَذِهِ اللُّغَةِ انْتَهى.
وهو ظاهِرٌ في أنَّهُ قائِلٌ بِأنَّ كَمْ هُنا خَبَرِيَّةٌ ولَها الصَّدْرُ.
نَعَمْ نَقَلَ الحُوفِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ رَدَّ القائِلَ بِالفاعِلِيَّةِ بِأنَّها اسْتِفْهامِيَّةٌ لا يَعْمَلُ ما قَبْلَها فِيها والظّاهِرُ خَبَرِيَّتُها وهي مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ لَأهْلَكْنا و ﴿ مِنَ القُرُونِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمُمَيِّزِها أيْ كَمْ قَرْنٍ كائِنٌ مِنَ القُرُونِ ﴿ يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ ﴾ حالٌ مِنَ (القُرُونِ) أوْ مِن مَفْعُولِ (أهْلَكْنا) أيْ أهْلَكْناهم وهم في حالِ أمْنٍ وتَقَلُّبٍ في دِيارِهِمْ.
واخْتارَ في البَحْرِ كَوْنَهُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (لَهُمْ) مُؤَكِّدًا لِلْإنْكارِ، والعامِلُ فِيهِ (يَهْدِ) أيْ أفَلَمْ يَهْدِ لِلْمُشْرِكِينَ حالَ كَوْنِهِمْ ماشِينَ في مَساكِنِ مَن أهْلَكْنا مِنَ القُرُونِ السّالِفَةِ مِن أصْحابِ الحِجْرِ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ مُشاهِدِينَ لِآثارِ هَلاكِهِمْ إذا سافَرُوا إلى الشّامِ وغَيْرِهِ، وتَوَهَّمَ بَعْضُهم أنَّ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلْقُرُونِ ولَيْسَ كَذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ (يُمَشُّونَ) بِالتَّشْدِيدِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ أيْ يُمَكَّنُونَ في المَشْيِ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ وتَقْرِيرٌ لِلْهِدايَةِ مَعَ عَدَمِ اهْتِدائِهِمْ.
و(ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى مَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ كَمْ أهْلَكْنا ﴾ إلَخْ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ وعُلُوِّ شَأْنِهِ في بابِهِ.
﴿ لآياتٍ ﴾ كَثِيرَةً عَظِيمَةً ظاهِراتِ الدَّلالَةِ عَلى الحَقِّ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ في تَجْرِيدِيَّةً كَما قِيلَ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ ، ﴿ لأُولِي النُّهى ﴾ أيْ لِذَوِي العُقُولِ النِّهايَةِ عَنِ القَبائِحِ الَّتِي مِن أقْبَحِها ما يَتَعاطاهُ هَؤُلاءِ المُنْكَرُ عَلَيْهِمْ مِنَ الكُفْرِ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى والتَّعامِي عَنْها وغَيْرُ ذَلِكَ مِن فُنُونِ المَعاصِي.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ، يعني: أمرنا آدم بترك أكل الشجرة من قبل، يعني: من قبل محمد .
فَنَسِيَ، يعني: فترك أمرنا وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً قال: حفظاً لما أمر به.
روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال: عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ- أي فترك أمرنا وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً أي حزما.
وقال قتادة: صبراً، وقال السدي مثله وقال عطية: وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً أي حفظاً بما أمر به.
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: عهد إلى آدم فنسي، فسمي الإنسان (١) ثم قال عز وجل: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى، أي: تعظم عن السجود، فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ يعني: إبليس عدو لك ولزوجك حواء، فاحذرا منه، فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى يعني: فتتعب وتتعنّى بعمل كفيك ولا تأكل إلا كداً بعد النعمة.
وقال سعيد بن جبير: لما هبط آدم من الجنة وكلّف العمل، فكان يمسح العرق عن جبينه، فذلك قوله: فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى، وهو العرق الذي مسحه من الجبين.
ثم قال عز وجل: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى، يعني: أن حالك ما دمت في الجنة لا تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تعرى من الثياب.
وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَؤُا فِيها، يعني: لا تعطش في الجنة، وَلا تَضْحى يعني: لا يصيبك الضحى، وهو حر الشمس.
قرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر: وَأَنَّكَ بالكسر على معنى الابتداء، وقرأ الباقون وَأَنَّكَ بالنصب على معنى البناء.
قوله عز وجل: فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ من أكل منها خلد ولم يمت وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلى؟
يعني: هل أدلك على ملك لا يفنى؟
فهو أكل الشجرة.
فَأَكَلا مِنْها، يعني: من الشجرة وقد ذكرنا تفسير الشجرة في سورة البقرة.
فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما، أي: ظهرت لهما عوراتهما، وَطَفِقا يعني: عمدا يَخْصِفانِ يعني: يلزقان عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ، يعني: ترك أمر ربّه بأكله من الشجرة، فَغَوى أخطأ ولم يصب بأكله ما أراد وما وعد له من الخلود.
ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ، يعني: اصطفاه ربه واختاره بالنبوة فَتابَ عَلَيْهِ، يعني: تجاوز عنه وقبل توبته، وَهَدى يعني: هداه الله تعالى للتوبة بكلمات تلقاها، أي آدم .
قوله عز وجل: قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً يعني: من الجنة آدم وحواء وإبليس والحية فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً يعني: يا ذرية آدم سيأتيكم مني الكتاب والرسل، خاطبه به وعنى ذريته.
فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ يعني: أطاع كتابي ورسلي فَلا يَضِلُّ باتباعه إياهما في الدنيا، وَلا يَشْقى في الآخرة.
وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: «من قرأ القرآن واتَّبع ما فيه، هداه الله عز وجل من الضلالة، ووقاه الله عز وجل يوم القيامة سوء الحساب، فذلك قوله تعالى: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى.
(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «أ» .
<div class="verse-tafsir"
ويعودُ عليه بفضله فيقول: نَسِيَ تقريباً، ولا يجوز لأحد مِنّا أن يطلق ذلك على آدمَ، أو يذكره إلاَّ في تلاَوة القرآن أو قول النبيّ صلى الله عليه وسلّم.
انتهى من «الأحكام» .
وقوله سبحانه: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى المعنى: إنّ لك يا آدمُ في الجنة نعمة تامة، لا يصيبك جوعٌ، ولاَ عُري، ولاَ ظَمأٌ/، ولا بروزٌ للشمس يؤذيك، وهو ١٤ أالضحاء.
وقوله: فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ص: عدّي هنا ب «إلى» على معنى أنهى الوسوسة إليه، وفي «الأعراف» باللام، فقال أبو البقاء: لأنه بمعنى ذكر لهما.
انتهى.
ثم أعلمهم سُبْحانه: أن من اتّبع هُدَاه فلا يضِلّ في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة، وأنَّ من أعرض عن ذِكْر الله، وكفر به فَإنَّ له معيشةً ضَنْكاً، و «الضَّنْك» : النكدُ الشاقّ من العيش والمنازل، ونحو ذلك.
وهل هذه المعيشةُ الضنك تكون في الدنيا، أو في البَرْزَخ، أو في الآخرة؟
أقوال.
ت: ويُحْتَمَلُ في الجميع، قال القرطبي: قال أبو سعيد الخُدْرِيّ، وابن مسعودٍ:
ضَنْكاً: عذاب القبر»
، وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «أتَدْرُونَ فِيمَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ: فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى» أَتَدْرُونَ مَا الْمَعِيشَةُ الضَّنك؟
قالوا: اللهُ ورَسُولُهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: عَذَابُ الكَافِرِ فِي الْقَبْرِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنَّهُ لَيُسَلَّطُ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ تِنِّيناً- وَهِيَ الحَيَّاتُ- لكُلِّ حَيَّةٍ تِسْعَةُ رُؤُوسٍ، ينفخن في جسمه، ويلسعنه
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ ﴾ ؛ أيْ: أمَرْناهُ وأوْصَيْناهُ أنْ لا يَأْكُلَ مِنَ الشَّجَرَةِ، ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ ؛ أيْ: مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ نَقَضُوا عَهْدِي وتَرَكُوا الإيمانَ بِي، وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهم في قَوْلِهِ: ﴿ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ ﴾ ، والمَعْنى: أنَّهم إنْ نَقَضُوا العَهْدَ، فَإنَّ آدَمَ قَدْ عَهِدْنا إلَيْهِ فَنَسِيَ.
وَفِي هَذا النِّسْيانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّرْكُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، والمَعْنى: تَرَكَ ما أُمِرَ بِهِ.
والثّانِي: أنَّهُ مِنَ النِّسْيانِ الَّذِي يُخالِفُ الذِّكْرَ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
وَقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( فَنُسِّيَ ) بِرَفْعِ النُّونِ وتَشْدِيدِ السِّينِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ﴾ العَزْمُ في اللُّغَةِ: تَوْطِينُ النَّفْسِ عَلى الفِعْلِ.
وفي المَعْنى أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لَمْ نَجِدْ لَهُ حِفْظًا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والمَعْنى: لَمْ يَحْفَظْ ما أُمِرَ بِهِ.
والثّانِي: صَبْرًا، قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ، والمَعْنى: لَمْ يَصْبِرْ عَمّا نُهِيَ عَنْهُ.
والثّالِثُ: حَزْمًا، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا لا يُخْرِجُ آدَمَ مِن أُولِي العَزْمِ، وإنَّما لَمْ يَكُنْ لَهُ عَزْمٌ في الأكْلِ فَحَسْبُ.
والرّابِعُ: عَزْمًا في العَوْدِ إلى الذَّنْبِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
وما بَعْدُ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [ البَقَرَة: ٣٤ ] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى ﴾ .
قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِهِ: نَصَبُ الدُّنْيا وتَعَبُها مِن تَكَلُّفِ الحَرْثِ والزَّرْعِ، والعَجْنِ والخَبْزِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أُهْبِطَ إلى آدَمَ ثَوْرٌ أحْمَرُ، فَكانَ يَعْتَمِلُ عَلَيْهِ ويَمْسَحُ العَرَقَ عَنْ جَبِينِهِ، فَذَلِكَ شَقاؤُهُ.
قالَ العُلَماءُ: والمَعْنى: فَتَشْقَيا، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: فَتَشْقَيا؛ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ آدَمَ هو المُخاطَبُ، فاكْتُفِيَ بِهِ، ومِثْلُهُ: ﴿ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ﴾ ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّانِي: أنَّهُ لَمّا كانَ آدَمُ هو الكاسِبُ، كانَ التَّعَبُ في حَقِّهِ أكْثَرَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ لَكَ ألا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى ﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ( لا تُجاعَ ولا تُعَرى ) بِالتّاءِ المَضْمُومَةِ والألِفِ.
﴿ وَأنَّكَ لا تَظْمَأُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( وأنَّكَ ) مَفْتُوحَةَ الألِفِ.
وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( وإنَّكَ ) بِكَسْرِ الألِفِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن فَتَحَ حَمَلَهُ عَلى أنَّ لَكَ أنْ لا تَجُوعَ، وأنَّ لَكَ أنْ لا تَظْمَأ، ومِن كَسَرَ اسْتَأْنَفَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَظْمَأُ فِيها ﴾ ؛ أيْ: لا تَعْطَشُ، يُقالُ: ظَمِئَ الرَّجُلُ ظَمَأً فَهو ظَمْآنُ؛ أيْ: عَطْشانُ.
ومَعْنى " لا تَضْحى ": لا تَبْرُزُ لِلشَّمْسِ فَيُصِيبُكَ حَرُّها؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الجَنَّةِ شَمْسٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ﴾ ؛ أيْ: عَلى شَجَرَةٍ مَن أكَلَ مِنها لَمْ يَمُتْ، ﴿ وَمُلْكٍ لا يَبْلى ﴾ جَدِيدُهُ ولا يَفْنى.
وما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في [ الأعْرافِ: ٢٢ ] .
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَغَوى ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ضَلَّ طَرِيقَ الخُلُودِ، حَيْثُ أرادَهُ مِن قَبْلِ المَعْصِيَةِ.
والثّانِي: فَسَدَ عَلَيْهِ عَيْشُهُ؛ لِأنَّ مَعْنى الغَيِّ: الفَسادُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَدْ غَلِطَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، فَقالَ مَعْنى ﴿ غَوى ﴾ : أكْثَرَ مِمّا أكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ حَتّى بَشِمَ، كَما يُقالُ: غَوى الفَصِيلُ: إذا أكْثَرَ مِن لَبَنِ أُمِّهِ فَبَشِمَ، فَكادَ يَهْلَكُ، وهَذا خَطَأٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لا يُقالُ مِنَ البَشَمِ: غَوى يَغْوِي، وإنَّما يُقالُ: غَوِيَ يَغْوى.
والثّانِي: أنَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُما لَمْ يُكْثِرا، ولَمْ تَتَأخَّرْ عَنْهُما العُقُوبَةُ حَتّى يَصِلا إلى الإكْثارِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَنَحْنُ نَقُولُ في حَقِّ آدَمَ: عَصى وغَوى، كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ولا نَقُولُ: آدَمُ عاصٍ وغاوٍ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ قَطَعَ ثَوْبَهُ وخاطَهُ: قَدْ قَطَعَهُ وخاطَهُ، ولا نَقُولُ: هَذا خَيّاطٌ، حَتّى يَكُونَ مُعاوِدًا لِذَلِكَ الفِعْلِ مَعْرُوفًا بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ ﴾ قَدْ بَيَّنّا الِاجْتِباءَ في ( الأنْعامِ: ٨٧ )، ﴿ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى ﴾ ؛ أيْ: هَداهُ لِلتَّوْبَةِ.
﴿ قالَ اهْبِطا ﴾ في المُشارِ إلَيْهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: آدَمُ وإبْلِيسُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: آدَمُ وحَوّاءُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ آدَمُ وذُرِّيَتُهُ، وإبْلِيسُ وذُرِّيَتُهُ، والحَيَّةُ أيْضًا، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في ( البَقَرَةِ: ٣٦ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ ﴾ ؛ أيْ: رَسُولِي وكِتابِي، ﴿ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن قَرَأ القُرْآنَ واتَّبَعَ ما فِيهِ، هَداهُ اللَّهُ مِنَ الضَّلالَةِ ووَقاهُ سُوءَ الحِسابِ، ولَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ لِمَنِ اتَّبَعَ القُرْآنَ أنْ لا يَضِلَّ في الدُّنْيا ولا يَشْقى في الآخِرَةِ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي ﴾ قالَ عَطاءٌ: عَنْ مَوْعِظَتِي.
وقالَ ابْنُ السّائِبِ: عَنِ القُرْآنِ، ولَمْ يُؤْمِن بِهِ، ولَمْ يَتَّبِعْهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: مَعِيشَةٌ ضَيِّقَةٌ، والضَّنْكُ يُوصَفُ بِهِ الأُنْثى والذَّكَرُ بِغَيْرِ هاءٍ، وكُلُّ عَيْشٍ، أوْ مَكانٍ، أوْ مَنزِلٍ ضَيِّقٍ، فَهو ضَنْكٌ، وأنْشَدَ: وإنْ نَزَلُوا بِضَنْكٍ فانْزِلْ وَقالَ الزَّجّاجُ: الضَّنْكُ أصْلُهُ في اللُّغَةِ: الضِّيقُ والشِّدَّةُ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِهَذِهِ المَعِيشَةِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها عَذابُ القَبْرِ، رَوى أبُو هُرَيْرَةَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: " أتُدْرُونَ ما المَعِيشَةُ الضَّنْكُ ؟
قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: عَذابُ الكافِرِ في قَبْرِهِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُسَلَّطُ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ تِنِّينًا يَنْفُخُونَ في جِسْمِهِ، ويَلْسَعُونَهُ ويَخْدِشُونَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ "» .
ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّهُ عَذابُ القَبْرِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: أنَّهُ ضَغْطَةُ القَبْرِ حَتّى تَخْتَلِفَ أضْلاعُهُ فِيهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: شِدَّةُ عَيْشِهِ في النّارِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.
قالَ ابْنُ السّائِبِ: وتِلْكَ المَعِيشَةُ مِنَ الضَّرِيعِ والزَّقُّومِ.
والرّابِعُ: أنَّ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ: كَسْبُ الحَرامِ، رَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: المَعِيشَةُ الضَّنْكُ: أنْ تُضَيَّقَ عَلَيْهِ أبْوابُ الخَيْرِ فَلا يُهْتَدى لِشَيْءٍ مِنها، ولَهُ مَعِيشَةٌ حَرامٌ يَرْكُضُ فِيها.
قالَ الضَّحّاكُ: فَهَذِهِ المَعِيشَةُ هي الكَسْبُ الخَبِيثُ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ.
والخامِسُ: أنَّ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ: المالُ الَّذِي لا يَتَّقِي اللَّهَ صاحِبُهُ فِيهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
فَخَرَجَ في مَكانِ المَعِيشَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: القَبْرُ.
والثّانِي: الدُّنْيا.
والثّالِثُ: جَهَنَّمُ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( أعْمى ) ( حَشَرْتَنِي أعْمى ) بِفَتْحِ المِيمَيْنِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِهِما.
وقَرَأ نافِعٌ بَيْنَ الكَسْرِ والفَتْحِ.
ثُمَّ في هَذا العَمى لِلْمُفَسِّرِينَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أعْمى البَصَرِ، رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إذا أُخْرِجَ مِنَ القَبْرِ خَرَجَ بَصِيرًا، فَإذا سِيقَ إلى المَحْشَرِ عَمِيَ.
والثّانِي: أعْمى عَنِ الحُجَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: فَلا حُجَّةَ لَهُ يَهْتَدِي بِها؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ ؛ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ كَما تَرى، ﴿ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها ﴾ ؛ أيْ: فَتَرَكْتَها ولَمْ تُؤْمِن بِها، وكَما تَرَكَتْها في الدُّنْيا تُتْرَكُ اليَوْمَ في النّارِ.
﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ ؛ أيْ: وكَما ذَكَرْنا ﴿ نَجْزِي مَن أسْرَفَ ﴾ ؛ أيْ: أشْرَكَ، ﴿ وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ ﴾ مِن عَذابِ الدُّنْيا ومِن عَذابِ القَبْرِ، ﴿ وَأبْقى ﴾ لِأنَّهُ يَدُومُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى ﴾ ﴿ قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى ﴾ ﴿ وَمَن أعْرَضَ عن ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ﴾ ﴿ قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى ﴾ "اجْتَباهُ" مَعْناهُ: تَخَيَّرَهُ واصْطَفاهُ، و"تابَ عَلَيْهِ" مَعْناهُ: رَجَعَ بِهِ مِن حالِ المَعْصِيَةِ إلى حالِ النَدَمِ وهَداهُ لِصَلاحِ الأقْوالِ والأعْمالِ، وأمْضى عُقُوبَتَهُ عَزَّ وجَلَّ في إهْباطِهِ مِنَ الجَنَّةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "اهْبِطا" مُخاطَبَةَ آدَمَ وحَوّاءَ، ثُمْ أخْبَرَهُما بِقَوْلِهِ: "جَمِيعًا" أنَّ إبْلِيسَ والحَيَّةَ يَهْبِطانِ مَعَهُما، وأنَّ العَداوَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ أنْسالِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، و"عَدُوٌّ" يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ والِاثْنانِ والجَمْعُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإمّا يَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ شَرْطٌ، وجَوابُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ ﴾ وما بَعْدَهُ إلى آخِرِ القِسْمِ الثانِي، والهُدى مَعْناهُ دَعْوَةُ شَرْعِي.
ثُمْ أعْلَمَهم أنَّ مَنِ اتَّبَعَ هَدّاهُ وآمَنَ بِهِ فَإنَّهُ لا يَضِلُّ في الدُنْيا ولا يَشْقى في الآخِرَةِ، وأنَّ مَن أعْرَضَ عن ذِكْرِ اللهِ وكَفَرَ بِهِ فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا، و"الضَنْكُ": النَكَدُ الشاقُّ مِنَ العَيْشِ في المَنازِلِ أو في مُواطِنِ الحَرْبِ ونَحْوِها، ومِنهُ قَوْلُ عنتَرَةَ: ...........................
وإنْ نَزَلُوا يَوْمًا بِضَنْكٍ أنْزِلُ يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ والجَمْعُ والمُؤَنَّثُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "ضَنْكى"، أُتْبِعَتْ بِالصِفَةِ لَفْظَةُ "المَعِيشَةِ".
واخْتَلَفَ الناسُ في المَعِيشَةِ الضَنْكِ، مَتى هو الوَقْتُ الَّذِي هي فِيهِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي الدُنْيا، ومَعْنى ذَلِكَ عِنْدَهم أنَّ الكافِرَ وإنْ كانَ مُتَّسِعَ الحالِ والمالِ فَمَعَهُ مِنَ الحِرْصِ والأمَلِ والتَعْذِيبِ بِأُمُورِ الدُنْيا والرَغْبَةِ واتِّساعِ صَفاءِ العَيْشِ بِذَلِكَ ما يَصِيرُ مَعِيشَتَهُ ضَنْكًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي ضَنْكٌ بِأكْلِ الحَرامِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلِ العِيشَةُ الضَنْكُ هي في البَرْزَخِ، وهو أنْ يَرى مَقْعَدَهُ مِنَ النارِ غُدُوًّا ورَواحًا، وبِالجُمْلَةِ عَذابُ القَبْرِ عَلى ما رُوِيَ فِيهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وحَمْلُ هَذِهِ الفِرْقَةِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ أنَّ لَفْظَ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ المَعِيشَةَ الضَنْكَ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى ﴾ ، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى ﴾ .
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلِ المَعِيشَةُ الضَنْكُ في الآخِرَةِ، وهي عَذابُهم في جَهَنَّمَ وأكْلُهُمُ الزَقُّومَ وغَيْرِهِ، وذَكَرَ اللهُ تَعالى ذَلِكَ مِن وعِيدٍ لَهُمْ، ثُمْ أخْبَرَ عن حالَةٍ أُخْرى هي أيْضًا في يَوْمِ القِيامَةِ وهي حَشْرُهم عُمْيًا، ثُمْ يَجِيءُ قَوْلُهُ: ﴿ وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى ﴾ مَعْنى هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ مِنَ المَعِيشَةِ الضَنْكِ والعَمى ونَحْوِهِ هو عَذابُهُ في الآخِرَةِ، وهو أشَدُّ وأبْقى مِن كُلِّ ما يَقَعُ عَلَيْهِ الظَنُّ والتَخَيُّلُ، فَكَأنَّهُ ذَكَرَ نَوْعًا مِن عَذابِ الآخِرَةِ ثُمْ ذَكَرَ أنَّ عَذابَ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَنَحْشُرُهُ" بِالنُونِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَيَحْشُرُهُ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَنَحْشُرُهُ" بِسُكُونِ الراءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أعْمى" بِفَتْحِ الألِفِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أعْمى" بِالإمالَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: العَمى هُنا هو عَمى البَصِيرَةِ عَنِ الحُجَّةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَوْ كانَ هَذا لَمْ يُحِسَّ الكافِرُ بِذَلِكَ، لِأنَّهُ ماتَ أعْمى البَصِيرَةِ ويُحْشَرُ كَذَلِكَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: العَمى عَمى البَصَرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو الأوجَهُ، مَعَ أنَّ عَمى البَصِيرَةِ حاصِلٌ في الوَجْهَيْنِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا ﴾ فَمَن رَآهُ "فِي العَيْنِ" فَلا بُدَّ أنْ يَتَأوَّلَها مَعَ هَذا إمّا أنَّها في طائِفَتَيْنِ وإمّا في مَوْطِنَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا ﴾ ، "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى العَمى الَّذِي حَلَّ بِهِ، أيْ مِثْلِ هَذا في الدُنْيا أنْ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها، و"النِسْيانُ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى التَرْكِ، ولا مَدْخَلَ لِلذُّهُولِ في هَذا المَوْضِعِ، و"تُنْسى" بِمَعْنى: تَتْرُكُ في العَذابِ، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في القُرَشِيِّ.
<div class="verse-tafsir"
تفريع على الوعيد المتقدم في قوله تعالى: ﴿ وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ﴾ [طه: 127].
جعل الاستفهام الإنكاري التعجيبي مفرعاً على الإخبار بالجزاء بالمعيشة الضنك لمن أعرض عن توحيد الله لأنه سبب عليه لا محالة، تعجيباً من حال غفلة المخاطبين المشركين عما حلّ بالأمم المماثلة لهم في الإشراك والإعراض عن كتب الله وآيات الرسل.
فضمائر جمع الغائبين عائدة إلى معروف من مقام التعريض بالتحذير والإنذار بقرينة قوله ﴿ يمشون في مساكنهم ﴾ ، فإنه لا يصلح إلا أن يكون حالاً لقوم أحياء يومئذ.
والهداية هنا مستعارة للإرشاد إلى الأمور العقلية بتنزيل العقلي منزلة الحسيّ، فيؤول معناها إلى معنى التبيين، ولذلك عُدي فعلها باللاّم، كما في قوله تعالى: ﴿ أو لم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها ﴾ في سورة الأعراف (100).
وجملة كم أهلكنا قبلهم من القرون } معلّقة فعل ﴿ يهدِ عن العمل في المفعول لوجود اسم الاستفهام بعدها، أي ألم يرشدهم إلى جواب كم أهلكنا قبلهم ﴾ أي كثرة إهلاكنا القرون.
وفاعل ﴿ يهد ضمير دل عليه السياق وهو ضمير الجلالة، والمعنى: أفلم يهد الله لهم جواب كم أهلكنا ﴾ .
ويجوز أن يكون الفاعل مضمون جملة ﴿ كم أهلكنا ﴾ .
والمعنى: أفلم يُبيّن لهم هذا السؤال، على أن مفعول وجملة يمشون في مساكنهم} حال من الضمير المجرور باللاّم، لأنّ عدم التبيين في تلك الحالة أشد غرابة وأحرى بالتعجيب.
والمراد بالقرون: عاد وثمود.
فقد كان العرب يمرون بمساكن عاد في رحلاتهم إلى اليمن ونجران وما جاورها، وبمساكن ثمود في رحلاتهم إلى الشام.
وقد مرّ النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون بديار ثمود في مسيرهم إلى تبوك.
وجملة ﴿ إن في ذلك لآيات لأولي النهى ﴾ في موضع التعليل للإنكار والتعجيب من حال غفلتهم عن هلاك تلك القرون.
فحرف التأكيد للاهتمام بالخبر وللإيذان بالتعليل.
والنُهى بضم النُون والقصر جمع نُهْيَة بضم النون وسكون الهاء: اسم العقل.
وقد يستعمل النُهى مفرداً بمعنى العقل.
وفي هذا تعريض بالذين لم يهتدوا بتلك الآيات بأنهم عديمو العقول، كقوله ﴿ إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً ﴾ [الفرقان: 44].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ ﴾ وعَمِلَ بِما فِيهِ ﴿ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى ﴾ لا يَضِلُّ في الدُّنْيا ولا يَشْقى.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ضَمِنَ اللَّهُ لِمَن يَقْرَأُ القُرْآنَ ويَعْمَلُ بِما فِيهِ ألّا يَضِلَّ في الدُّنْيا ولا يَشْقى في الآخِرَةِ.
﴿ وَمَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: كَسْبًا حَرامًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ عَيْشُهُ مُنَغَّصًا بِأنْ يُنْفِقَ مَن لا يُوقِنُ بِالخَلَفِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ عَذابُ القَبْرِ، قالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ وابْنُ مَسْعُودٍ وقَدْ رَفَعَهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ .
الرّابِعُ: أنَّهُ الطَّعامُ الضَّرِيعُ والزَّقُّومُ في جَهَنَّمَ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.
والضَّنْكُ في كَلامِهِمُ الضِّيقُ، قالَ عَنْتَرَةُ: إنَّ المَنِيَّةَ لَوْ تُمَثَّلُ مُثِّلَتْ مِثْلِي إذا نَزَلُوا بِضَنْكِ المَنزِلِ وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنْ يَكْسِبَ دُونَ كِفايَتِهِ.
﴿ وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أعْمى في حالٍ، وبَصِيرٌ في حالٍ.
الثّانِي: أعْمى عَنِ الحُجَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أعْمى عَنْ وُجْهاتِ الخَيْرِ لا يَهْتَدِي لِشَيْءٍ مِنها.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الطبراني والخطيب في المتفق والمفترق وابن مردويه عن أبي الطفيل، أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: ﴿ فمن اتبع هداي ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اتبع كتاب الله، هداه الله من الضلالة في الدنيا ووقاه سوء الحساب يوم القيامة» وذلك أن الله يقول: ﴿ فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ﴾ .
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان من طرق، عن ابن عباس قال: أجار الله تابع القرآن من أن يضل في الدنيا أو يشقى في الآخرة.
ثم قرأ: ﴿ فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ﴾ قال: لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة.
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور ومسدد في مسنده، وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في كتاب عذاب القبر، عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً في قوله: ﴿ معيشة ضنكا ﴾ قال: عذاب القبر.
ولفظ عبد الرزاق قال: يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه.
ولفظ ابن أبي حاتم عن ضمة القبر.
وأخرج البيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: إن المعيشة الضنك: أن يسلط عليه تسعة وتسعون تنيناً تنهشه في القبر.
وأخرج البزار وابن أبي حاتم عن أبي هريرة، «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ فإن له معيشة ضنكاً ﴾ قال: المعيشة الضنك التي قال الله: إنه يسلط عليه تسعة وتسعون حية تنهش لحمه حتى تقوم الساعة» .
وأخرج ابن أبي شيبة والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم من وجه آخر، عن أبي هريرة «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ فإن له معيشة ضنكاً ﴾ قال: عذاب القبر» .
وأخرج ابن أبي الدنيا في ذكر الموت والحكيم الترمذي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤمن في قبره في روضة خضراء، ويرحب له قبره سبعين ذراعاً، ويضيء حتى يكون كالقمر ليلة البدر...
هل تدرون فيما أنزلت ﴿ فإن له معيشة ضنكاً ﴾ ؟
قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: عذاب الكافر في قبره، يسلط عليه تسعة وتسعون تنيناً...
هل تدرون ما التنين؟
تسعة وتسعون حية، لكل حية سبعة رؤوس يخدشونه ويلسعونه وينفخون في جسمه إلى يوم يبعثون» .
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في كتاب عذاب القبر، عن ابن مسعود قال: إذا حدثتكم بحديث أنبأتكم بتصديق ذلك من كتاب الله، إن المؤمن إذا وضع في قبره أجلس فيه فيقال له: من ربك؟
وما دينك؟
ومن نبيك؟
فيثبته الله فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم.
فيوسع له في قبره ويروّح له فيه.
ثم قرأ عبد الله ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ فإذا مات الكافر أجلس في قبره فيقال له: من ربك؟
وما دينك؟
ومن نبيك؟
فيقول: لا أدري.
قال: فيضيق عليه قبره ويعذب فيه.
ثم قرأ: ﴿ ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ﴾ .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ معيشة ضنكاً ﴾ قال: الشقاء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ معيشة ضنكاً ﴾ قال: شدة عليه في النار.
وأخرج الطستي عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ معيشة ضنكاً ﴾ قال: الضنك، الشديد من كل وجه.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول: والخيل قد لحقت بنا في مارق ** ضنك نواحيه شديد المقدم وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن المنذر والطبراني والبيهقي، عن ابن مسعود في قوله: ﴿ فإن له معيشة ضنكاً ﴾ قال: عذاب القبر.
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن مسعود مثله.
وأخرج عبد بن حميد والبيهقي عن أبي صالح والربيع مثله.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن الحسن قال: المعيشة الضنك، خصم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ معيشة ضنكاً ﴾ قال: يقول: كل مال أعطيته عبداً من عبادي قلّ أو كثر لا يطيعني فيه فلا خير فيه، وهو الضنك في المعيشة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ معيشة ضنكاً ﴾ قال: ضيقة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ معيشة ضنكاً ﴾ قال: الضنك، من المعيشة إذا وسع الله على عبده أن يجعل معيشته من الحرام، فيجعله الله عليه ضيقاً في نار جهنم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مالك بن دينار في قوله: ﴿ معيشة ضنكاً ﴾ قال: يحول الله رزقه في الحرام، فلا يطعمه إلا حراماً حتى يموت فيعذبه عليه.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ معيشة ضنكاً ﴾ قال: العمل السيء والرزق الخبيث.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ معيشة ضنكاً ﴾ قال: في النار شوك وزقوم وغسلين والضريع، وليس في القبر ولا في الدنيا معيشة، ما المعيشة والحياة إلا في الآخرة.
وأخرج البيهقي عن مجاهد ﴿ معيشة ضنكاً ﴾ ضيقة يضيق عليه قبره.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ فإن له معيشة ضنكاً ﴾ قال: رزقاً ﴿ ونحشره يوم القيامة أعمى ﴾ قال: عن الحجة ﴿ قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً ﴾ قال: في الدنيا ﴿ قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى ﴾ قال: تترك في النار.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صالح في قوله: ﴿ ونحشره يوم القيامة أعمى ﴾ قال: ليس له حجة.
وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة في قوله: ﴿ ونحشره يوم القيامة أعمى ﴾ قال: عمي عليه كل شيء إلا جهنم.
وفي لفظ قال: لا يبصر إلا النار.
وأخرج هناد عن مجاهد في قوله: ﴿ لم حشرتني أعمى ﴾ قال: لا حجة له.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ أتتك آياتنا فنسيتها ﴾ يقول: تركتها أن تعمل بها.
﴿ وكذلك اليوم تنسى ﴾ قال: في النار.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ﴾ نبين لهم إذا نظروا يعني لكفار مكة ﴿ كَمْ أَهْلَكْنَا ﴾ قال الفراء: ( ﴿ كَمْ ﴾ في موضع نصب بأهلكنا، ومثله من الكلام: أو لم يتبين لكم من يعمل خيرًا يجز به، فجملة الكلام فيها معنى رفع، ومثله أن تقول: قد تبين لي أقام عبد الله أم زيد) (١) قال أبو إسحاق: (والمعنى أفلم يتبين لهم الأمر بإهلاك من قبلهم من القرون) (٢) وقوله تعالى: ﴿ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ ﴾ يعني: أهل مكة كان يتّجرون ويسيرون في مساكن عاد وثمود، وفيها علامات الإهلاك يقول: فلا يخافون أن يقع بهم مثل ما وقع بالذين رأوا مساكنهم (٣) (١) "معاني القرآن" للفراء 2/ 195.
قال ابن جرير الطبري في "تفسيره" 16/ 167 بعد أن ذكر قول الفراء: (وليس الذي قال الفراء من ذلك كما قال: لأن كم وإن كانت من حروف الاستفهام فإنها لم تجعل في هذا الموضع للإستفهام بل هي واقعة موقع الأسماء الموصوفة، ومعنى الكلام ما قد ذكر قبل وهو أفلم يتبين لهم كثرة إهلاكنا قبلهم القرون التي يمشون في مساكنهم، أو أفلم تهدهم القرون الهالكة، وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله: أفلم يهد لهم من أهلكنا، فكم واقعة موقع من في قراءة عبد الله هي في موضع رفع بقوله: يهد لهم، وهو أظهر وجوهه وأصح معانيه، وإن كان للذي قاله وجه ومذهب على بعد).
(٢) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 379.
(٣) "جامع البيان" 16/ 231، "معالم التنزيل" 5/ 352، "المحرر الوجيز" 10/ 111، "زاد المسير" 5/ 333، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 260.
ويشهد لهذا قوله سبحانه في سورة إبراهيم الآية رقم: (45): ﴿ وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ﴾ معناه: أفلم يتبين لهم، والضمير لقريش والفاعل بيهد مقدر تقديره: أو لم يهد لهم الهدى أو الأمر، وقال الزمخشري: الفاعل الجملة التي بعده، وقيل: الفاعل ضمير الله عز وجل، ويدل عليه قراءة ﴿ أفلم نهد ﴾ بالنون، وقال الكوفيون: الفاعل كم ﴿ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ ﴾ يريد أن قريشاً يمشون في مساكن عاد وثمود، ويعاينون آثار هلاكهم ﴿ لأُوْلِي النهى ﴾ أي ذوي العقول.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لا تخف دركاً ﴾ بالجزم: حمزة الباقون ﴿ لا تخاف ﴾ بالرفع ﴿ أنجيتكم ﴾ و ﴿ واعدتكم ﴾ و ﴿ رزقكم ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف ﴿ ووعدناكم ﴾ من الوعد.
أبو عمرو وسهل ويعقوب ﴿ فيحل ﴾ ﴿ ومن يحلل ﴾ بالضم فيهما: عليّ.
الآخرون بالكسر ﴿ يملكنا ﴾ بفتح الميم: أبو جعفر ونافع، وعاصم غير المفضل بضمها حمزة، وعلي وخلف بكسرها الباقون والمفضل ﴿ حملنا ﴾ بفتح الحاء والميم مخففة: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف سوى حفص.
الآخرون بضم الحاء وكسر الميم مشددة ﴿ تتبعني ﴾ بالياء الساكنة في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو عمرو ونافع غير إسماعيل في الوصل، وقرأ يزيد وإسماعيل بفتح الياء.
الباقون بحذفها.
﴿ يا ابن أم ﴾ بكسر الميم: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص.
﴿ لم تبصروا ﴾ بتاء الخطاب: حمزة وعلي وخلف الباقون على الغيبة ﴿ فنبذتها ﴾ مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف ويزيد وهشام وسهل ﴿ لن تخلفه ﴾ بكسر اللام: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب.
الآخرون بفتحها ﴿ لنحرقنه ﴾ بفتح النون وضم الراء: يزيد.
الآخرون من التحريق.
﴿ فلا يخف ﴾ بالجزم على النهي: ابن كثير ﴿ أن نقضي ﴾ النون مبنياً للفاعل ﴿ وحيه ﴾ بالنصب: يعقوب الباقون بالياء مضمومة وبفتح الضاد ﴿ وحيه ﴾ بالرفع.
الوقوف: ﴿ يبسا ﴾ ج لأن قوله ﴿ لا تخاف ﴾ يصلح صفة للطريق مع حذف الضمير العائد أي لا تخاف فيه، ويصلح مستأنفاً.
ومن قرأ ﴿ لا تخف ﴾ فوقفه أجوز لعدم العاطف ووقوع الحائل مع تعقب النهي الأمر إلا أن يكون جواباً للأمر فلا يوقف ﴿ ولا تخشى ﴾ ه ﴿ ما غشيهم ﴾ ط لأن التقدير وقد أضل من قبل على الحال الماضية دون العطف لأنه عندما عشيه لم يتفرغ للإضلال.
﴿ وما هدى ﴾ ه ﴿ والسلوى ﴾ ه ﴿ غضبي ﴾ ج ﴿ هوى ﴾ ه ﴿ اهتدى ﴾ ه ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ لترضى ﴾ ه ﴿ السامري ﴾ ه ﴿ أسفاً ﴾ ج لانتساق الماضي على الماضي بلا ناسق ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ موعدي ﴾ ه ﴿ السامري ﴾ ه لا ﴿ فنسي ﴾ ه ط ﴿ قولاً ﴾ لا للعطف ﴿ ولا نفعاً ﴾ ه ط ﴿ فتنتم به ﴾ ج للابتداء بأن مع اتصال العطف ﴿ أمري ﴾ ج ﴿ موسى ﴾ ه ﴿ أن لا تتبعن ﴾ ط ﴿ أمري ﴾ ه ﴿ برأسي ﴾ ج للابتداء (بأن) مع اتصال المعنى واتحاد القائل ﴿ قولي ﴾ ه ﴿ يا سامري ﴾ ه ﴿ نفسي ﴾ ه ﴿ لا مساس ﴾ ص ﴿ لن تخلفه ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ عاكفاً ﴾ ط للقسم المحذوف ﴿ نسفاً ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ علماً ﴾ ه ﴿ سبق ﴾ ج للإستئناف والحال ﴿ ذكرا ﴾ ج ه لأن الشرطية تصلح صفة للذكر وتصلح مبتدأ بها ﴿ وزراً ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ خالدين ﴾ حال من الضمير في ﴿ يحمل ﴾ وهو عائد إلى "من" ومن للجمع معنى ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ حملاً ﴾ ه لا لأن ﴿ يوم ينفخ ﴾ بدل من يوم القيامة.
﴿ زرقاً ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح للصفة وللاستئناف ﴿ عشراً ﴾ ه ﴿ يوماً ﴾ ه ﴿ نسفاً ﴾ ه لا ﴿ صفصفاً ﴾ ه لا ﴿ أمتا ﴾ ه ﴿ لا عوج له ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ همساً ﴾ ه ﴿ قولاً ﴾ ه ﴿ علماً ﴾ ه ﴿ القيوم ﴾ ط ﴿ ظلماً ﴾ ه ﴿ هضماً ﴾ ه ﴿ ذكراً ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ج ﴿ وحيه ﴾ ز لعطف الجملتين المتفقتين مع اعتراض الظرف وما أضيف إليه ﴿ علماً ﴾ ه.
التفسير: هذا شروع في قصة إنجاء بني إسرائيل وإهلاك عدوّهم وقد تقدم في "البقرة" وفي "الأعراف" وفي "يونس" ومعنى ﴿ فاضرب لهم طريقاً ﴾ إجعل لهم من قولهم "ضرب له في ماله سهماً وضرب اللبن عمله" أو أراد بين لهم طريقاً ﴿ في البحر ﴾ بالضرب بالعصا حتى ينفلق فعدي الضرب إلى الطريق، ثم بين أن جميع أسباب الأمن حاصلة في ذلك الطريق.
واليبس مصدر وصف به ومثله اليبس ونحوهما العدم والعدم ويوصف به المؤنث لذلك فيقال: ناقتنا يبس إذا جف لبنها.
والدرك.
والدرك اسمان من الإدراك أي لا يدركك فرعون وجنوده ولا يلحقونك.
وفي ﴿ لا تخشى ﴾ إذا قرىء ﴿ لا تخف ﴾ أوجه الاستئناف أي وأنت لا تخشى، وجوز في الكشاف أن يكون الألف للإطلاق من أجل الفاصلة كقوله ﴿ وتظنون بالله الظنونا ﴾ وأن يكون كقول الشاعر: كأن لم ترى قبلي أسيراً يمانياً *** أراد لم تر لأن ما قبله: وتضحك مني شيخة عبشمية *** قلت: لعل هذا إنما يجوز في الضرورة ولا ضرورة في الآية ﴿ فأتبعهم فرعون ﴾ الحق بهم جنوده أو تبعهم ومعه جنوده كما مر في "يونس" ﴿ فغشيهم ﴾ أي علاهم ورهقهم ﴿ من اليم ما غشيهم ﴾ وهذا من جملة ما علم في باب الإيجاز لدلالته على أنه غشيهم ما لا يعلم كنهه إلا الله، وقد سلف منه في السور المذكورة ما حكي في الأخبار وروي في الآثار.
ونسبة الإضلال إلى فرعون لا تنافي انتهاء الكل إلى إرادة الله ومشيئته.
وقوله ﴿ وما هدى ﴾ تأكيد للإضلال وفيه تهكم به في قوله ﴿ وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ﴾ ثم عدد ما أنعم به على بني إسرائيل، ويجوز أن يكون خطاباً لليهود المعاصرين لأن النعمة على الآباء نعمة في حق الأبناء ومثله قوله ﴿ وواعدناكم جانب الطور الأيمن ﴾ أي الواقع على يمين من انطلق من مصر إلى الشام لأن منفعة المواعدة عادت إليهم وإن كانت المواعدة لنبيهم فبكتب التوراة في ألواح قام شرعهم واستقام أمر معاشهم ومعادهم.
﴿ كلوا ﴾ من تتمة القول.
وطغيانهم في الرزق هو شغلهم باللهو والتنعم عن القيام بشكرها وتعدي حدود الله فيها بالإسراف والتقتير والغصب.
ومن قرأ ﴿ فيحل ﴾ بالكسر فبمعنى الوجوب من قولهم "حل الدين يحل" إذا وجب أداؤه، ومن قرأ بضم فبمعنى النزول ونزول الغضب نزول نتائجة من العقوبات والمثلات.
ومعنى ﴿ هوى ﴾ هلك وأصله السقوط من مكان عالٍ كالجبل.
وقيل: هوى أي وقع في الهاوية.
سؤال: كيف أثبت المغفرة في حق من استجمع التوبة والإيمان والعمل الصالح، والمغفرة إنما تتصور في حق من أذنب؟
وأيضاً ما معنى قوله ﴿ ثم اهتدى ﴾ بعد الأمور المذكور والاهتداء إنما يكون قبلها لا أقل من أن يكون معها؟
الجواب أراد وإني لغفار لمن تاب من الكفر وآمن وعمل صالحاً.
وفيه دليل لمن ذهب إلى وجوب تقديم التوبة من الكفر على الإيمان.
والحاصل أن الغفران يعود إلى الذنوب السابقة على هذه الأمور، ويجوز أن يراد أنه إذا تاب من الكفر وأقبل على الإيمان والعمل الصالح فإن الله يغفر الصغائر التي تصدر عنه في خلال ذلك كقوله ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ﴾ وأما الاهتداء فالمراد به الاستقامة والثبات على الأمور المذكورة كقوله ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ﴾ ومعنى "ثم" الدلالة على تباين المرتبتين، فإن المداومة على الخدمة أصعب من الشروع فيها كما قيل: لكل إلى شأو العلى حركات *** ولكن عزيز في الرجال ثبات ونظير هذا العطف قوله ﴿ أهلكناها فجاءها بأسنا ﴾ وقد مر البحث فيه.
ويروى أن موسى قد مضى مع النقباء السبعين إلى الطور على الموعد المضروب، ثم تقدمهم شوقاً إلى كلام ربه وتنجز ما وعد به بناء على اجتهاده وظنه أن ذلك أقرب إلى رضا الله فأنكر الله تقدمه قائلاً ﴿ وما أعجلك عن قومك ﴾ أيّ شيء عجل بك عنهم؟
فالمراد بالقوم النقباء لا جميع قومه على ما توهم بعضهم يؤكده قوله ﴿ هم أولاء على أثري ﴾ ولم يكن جميع قومه على أثره.
قال جار الله: قد تضمن ما واجهه به رب العزة شيئين: أحدهما إنكار العجلة في نفسها، والثاني السؤال عن سبب التقدم فكان أهم الأمرين إلى موسى تمهيد العذر من العجلة نفسها فاعتل بأنه لم يوجد مني إلا تقدم يسير وليس بيني وبينهم إلا مسافة يتقدم بمثلها الوفد رأسهم ومقدمهم، ثم عقبه بجواب السؤال عن السبب فقال ﴿ وعجلت إليك رب لترضى ﴾ أي طلبت دوم رضاك عني أو مزيد رضاك بناء على اجتهادي أن التعجيل إلى مقام المكالمة والحرص على ذلك يوجب مزيد الثواب والكرامة.
وقيل: لما أنكر عليه الاستعجال دهش خوفاً من العقاب فتحير في الجواب ﴿ قال فإنا قد فتنا قومك ﴾ يعني جميع قومه الذين خلفهم مع هارون وكانوا ستمائة ألف ما نجا من عبادة العجل إلا اثنا عشر ألفاً.
يروى أنهم أقاموا بعد مفارقته عشرين ليلة وحسبوها أربعين مع أيامها وقالوا: قد أكملنا العدة.
ثم كان أمر العجل بعد ذلك فسئل أنه تعالى كيف قال لموسى عنه مقدمه ﴿ إنا قد فتنا قومك ﴾ ؟
وأجيب بأنه على عادة الله في إخباره عن الأمور المترقبة بلفظ الماضي تحقيقاً للوقوع، أو أراد بدء الفتنة لأن السامري افترض غيبة موسى فعزم على إضلال قومه غب انطلاقه.
ولقائل أن يمنع كون هذه الأخبار عند مقدم موسى بل لعله عند رجوعه بدليل فاء التعقيب في قوله ﴿ فرجع موسى ﴾ قال جار الله إنه رجع بعدما استوفى الأربعين ذا القعدة وعشر ذي الحجة وأوتي التوراة.
وسامري منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل يقال لها السامرة.
وقيل: السامرة قوم من اليهود يخالفونهم في بعض دينهم.
وقيل: كان علجاً من كرمان واسمه موسى بن ظفر وكان منافقاً وكان من قوم يعبدون البقر.
قالت المعتزلة: الفتنة بمعنى الإضلال لا يجوز أن تنسب إلى الله لأنه يناقض قوله ﴿ وأضلهم السامري ﴾ وإنما الفتنة بمعنى الامتحان بتشديد التكليف ومنه "فتنت الذهب بالنار" وبيان ذلك أن السامريّ لما أخرج لهم العجل صاروا مكلفين بأن يستدلوا بحدوث جملة الأجسام على أن العجل لا يصلح للإلهية.
وقالت الأشاعرة: الشبهة في كون الشمس والقمر إلهاً أعظم من العجل الذي له خوار وهو جسد من الذهب وحينئذ لا يكون حدوث ذلك العجل تشديداً في التكليف، فلا يكون فتنة من هذا الوجه فوجب حمله على خلق الضلال فيهم.
وأجابوا عن إضافة الضلال إلى السامري بن جميع المسببات العادية تضاف إلى أسبابها في الظاهر وإن كان الموجد لها في الحقيقة هو الله .
قال بعضهم: الأسف المغتاظ، وفرق بين الاغتياظ والغضب لأن الغيظ تغير يلحق المغتاظ فلا يصح إلا على الأجسام، والغضب قد يراد به الإضرار بالمغضوب عليه فلهذا صح إطلاقه على الله .
ثم عاتب موسى قومه بأمور منها: قوله ﴿ ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً ﴾ كأنهم كانوا معترفين بالرب الأكبر لكنهم عبدوا العجل على التأويل الذي تذكر عبدة الأصنام أو على تأويل الحلول.
والوعد الحسن هو إنزال التوراة التي فيها هدى ونور.
وقيل: هو الثواب على الطاعات ومثله ما روي عن مجاهد أن العهد المذكور من قوله ﴿ ولا تطغوا فيه ﴾ إلى قوله ﴿ ثم اهتدى ﴾ وقيل: وعدهم إهلاك فرعون ووعدهم أرضهم وديارهم وقد فعل.
ومنها قوله ﴿ أفطال عليكم العهد ﴾ أي الزمان يريد مدة مفارقته لهم وعدوه أن يقيموا على أمره وما تركهم عليه من الإيمان فاخلفوا موعده بعبادتهم العجل.
وقيل: أراد عهدهم بنعم الله من الإنجاء وغيره.
والأكثرون على الأول لما روي أنه وعدهم ثلاثين كما أمر الله ﴿ وواعدنا موسى ثلاثين ليلة ﴾ فجاء بعد الأربعين لقوله ﴿ وأتممناها بعشر ﴾ ولما روي أنهم حسبوا العشرين أربعين ومنها قوله ﴿ أم أردتم أن يحل عليكم غضب ربكم ﴾ قالوا: هذا لا يمكن إجراؤه على الظاهر لأن أحداً لا يريد هلاك نفسه ولكن المعصية - وهو خلاف الموعد - لما كانت توجب ذلك صح هذا الكلام لأن مريد السبب مريد للمسبب بالعرض.
احتج العلماء بالآية وبما مر من قوله ﴿ فيحل عليكم غضبي ﴾ أن الغضب من صفات الأفعال لا من صفات الذات لأن صفة ذات الله لا تنزل في شيء من الأجسام.
وموعد موسى هو ما ذكرنا من أنهم وعدوه الإقامة على دينه إلى أن يرجع إليهم من الطور.
وقيل: وعدوه اللحاق به والمجيء على أثره ﴿ قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ﴾ بالحركات الثلاث أي بأن ملكنا أمرنا أي لو ملكنا أمرنا وخلينا ورأينا لما أخلفناه ولكن غلبنا من جهة السامري وكيده.
والظاهر أن القائلين هم عبدة العجل.
وقيل: إنهم الذين لم يعبدوا العجل وقد يضيف الرجل فعل قرينه إلى نفسه فكأنهم قالوا: الشبهة قويت على عبدة العجل فلم يقدر على منعهم ولم يقدروا أيضاً على مخالفتهم حذراً من التفرقة وزيادة الفتنة.
ثم إن القوم بينوا ذلك العذر المجمل فقالوا ﴿ ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم ﴾ أي أثقالاً من حلي القبط كما مر في "الأعراف".
وقيل: الأوزار الآثام وإنها في الحقيقة أثقال مخصوصة معنوية سموا بذلك لأن المغانم لم تحل حينئذ أو لأنهم كانوا مستأمنين في دار الحرب وليس للمستأمن أن يأخذ مال الحربي.
وقيل: إن تلك الحلي كان القبط يتزينون بها في مجامع الكفر ومجالس المعاصي فلذلك.
وصفت بأنها أوزار كما يقال في آلات المعاصي ﴿ فقذفناها ﴾ أي في الحفرة، كان هارون أمرهم بجمع الحلي انتظاراً لعود موسى، أو في موضع أمرهم السامري بذلك بعد أن أوقد النار ﴿ فكذلك ألقى السامري ﴾ مثل فعلنا أراهم أنه يلقي حلياً في يده مثل ما ألقوه.
وإنما ألقى التربة التي أخذها من موطىء حافر فرس جبريل كما يجيء في قوله ﴿ فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها ﴾ ﴿ فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار ﴾ قد مر في "الأعراف" ﴿ فقالوا ﴾ أي السامري ومن تبعه ﴿ هذا إلهكم وإله موسى فنسي ﴾ موسى أن يطلبه ههنا فذهب يطلبه عند الطور، أو فنسي السامري وترك ما كان عليه من الإيمان الظاهر، أو نسي الاستدلال على أن العجل لا يجوز أن يكون إلهاً بقوله ﴿ أفلا يرون أن لا يرجع ﴾ "أن" مخففة من الثقيلة ولهذا لم تعمل.
وقرىء بالنصب على أنها الناصبة.
قال العلماء: ظهور الخوارق على يد مدعي الإلهية جائز لأنه لا يحصل الالتباس، وههنا كذلك فوجب أن لا يمتنع خلق الحياة في صورة العجل.
وروى عكرمة عن ابن عباس أن هارون مر بالسامري وهو يصنع العجل فقال: ما تصنع؟
فقال: أصنع ما ينفع ولا يضر فادع لي.
فقال: اللهم أعطه ما سألك.
فلما مضى هارون قال السامري: اللهم إني أسألك أن يخور فخار.
وعلى هذا التقدير يكون معجزاً للنبي لا السامري.
ثم إنه أخبر أن هارون لم يأل نصحاً وإشفاقاً في شأن نفسه وفي شأن القوم قبل أن يقول لهم السامري ما قال.
أما شفقته على نفسه فهي أنه أدخلها في زمرة الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، أما الامتثال فإنه امتثل في نفسه وفي شأن القوم أمر أخيه حين قال لهم ﴿ يا قوم إنما فتنتم به ﴾ قال جار الله: كأنهم أول ما وقعت عليه أبصارهم حين طلع من الحفرة فتنوا به واستحسنوه فقبل أن ينطق السامري بادرهم هارون فزجرهم عن الباطل أولاً بأن هذا من جملة الفتن.
ثم دعاهم إلى الحق بقوله ﴿ وإن ربكم الرحمن ﴾ ومن فوائد تخصيص هذا الاسم بالمقام أنهم إن تابوا عما عزموا عليه لإن الله يرحمهم ويقبل توبتهم.
ثم بين أن الوسيلة إلى معرفة كيفية عبادة الله هو اتباع النبي وطاعته فقال ﴿ فاتبعوني وأطيعوا أمري ﴾ وهذا ترتيب في غاية الحسن.
واعلم أن الشفقة على خلق الله أصل عظيم في الدين وقاعدة متينة.
روى النعمان بن بشير عن النبي " مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" ويروى أن رسول الله بينا هو جالس إذا نظر إلى شاب على باب المسجد فقال: من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إليه.
فسمع الشاب ذلك فولى وقال: إلهي وسيدي هذا رسولك يشهد عليّ بأني من أهل النار وأنا أعلم أنه صادق، فإذا كان الأمر كذلك فأسألك أن تجعلني فداء أمة محمد وتشعل النار بي حتى يبر يمينه ولا تسفع النار أحداً.
فهبط جبريل وقال: يا محمد بشر الشاب بأني قد أنقدته من النار بتصديقه لك وفداء أمتك بنفسه وشفقته على الخلق.
قال أهل السنة ههنا: إن الشيعة تمسكوا بقوله "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" ثم إن هارون ما منعته التقية في مثل ذلك الجمع بل صعد المنبر وصرح بالحق ودعا الناس إلى متابعته، فلو كانت أمة محمد على الخطأ لكان يجب على عليّ كرم الله وجهه أن يفعل ما فعل هارون من غير تقية وخوف.
وللشيعة أن يقولوا: إن هارون صرح بالحق وخاف فسكت ولهذا عاتبه موسى بما عاتب فاعتذر بــ ﴿ إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني ﴾ وهكذا علي امتنع أولاً من البيعة فلما آل الأمر إلى ما آل أعطاهم ما سألوا.
وإنما قلت هذا على سبيل البحث لا لأجل التعصب.
ثم إن القوم قابلوا حسن موعظة هارون بالتقليد والجحود قائلين ﴿ لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ﴾ ولا يخفى ما في هذا الكلام من أنواع التوكيد من جهة النفي بـ"لن"، ومن لفظ البراح والعكوف، ومن صيغة اسم الفاعل، ومن تقديم الخبر.
ثم حكى ما جرى بين موسى وهارون بعد الرجوع وقوله ﴿ ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن ﴾ كقوله ﴿ ما منعك ألا تسجد ﴾ في أن "لا" هذه مزيدة أم لا؟.
وقد مر في "الأعراف".
وفي هذا الإتباع قولان: فعن ابن عباس ما منعك من إتباعي بمن أطاعك واللحوق بي وترك المقام بين أظهرهم.
وقال مقاتل: أراد الإتباع في وصيته كأنه قال: هلا قتلت من كفر بمن آمن ومالك لا تباشر الأمر كما كنت أباشره.
قال الأصوليون: في قوله ﴿ أفعصيت أمري ﴾ دلالة على أن تارك المأمور به عاصٍ والعاصي يستحق العقاب لقوله ﴿ ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم ﴾ فيعلم منه أن الأمر للوجوب.
واحتج الطاعنون في عصمة الأنبياء بأن موسى هل أمر هارون باتباعه أم لا؟
وعلى التقدير فهارون أتبعه أم لا؟
فإن لم يأمره أو أمره ولكن اتبعه فملامته لهارون من غير جرم تكون ذنباً، وإن أمره ولم يتبعه كان هارون عاصياً.
وأيضاً قوله ﴿ أفعصيت ﴾ بمعنى الإنكار.
فإما أن يكون موسى كاذباً في نسبة العصيان إلى هارون، وإما أن يكون هارون عاصياً.
وأيضاً أخذه بلحية هارون وبرأسه إن كان بعد البحث والتفتيش فهارون عاصٍ وإلا فموسى.
وأجيب بأن كل ذلك أمور اجتهادية جائزة الخطأ أو هي من باب الأولى وقد مر في أوائل "البقرة" في آدم ما يتعلق بهذه المسألة.
قوله: ﴿ ولم ترقب قولي ﴾ أي وصيتي لك بحفظ الدهماء واجتماع الشمل يؤيده قوله: ﴿ إني خشيت أن تقول فرقت ﴾ قال الإمام أبو القاسم الأنصاري: الهداية أنفع من الدلالة فإن السحرة ما رأوا إلا آية واحدة فآمنوا وتحملوا في الدين ما تحملوا، وأما قوم موسى فقد رأوا ذلك مع زيادة سائر الآيات التسع ومع ذلك اغتروا بصوت العجل وعكفوا على عبادته، فعرفنا أن الغرض لا يحصل إلا بهداية الله .
ولما فرغ موسى من عتاب هارون أقبل على السامري، ويمكن أن يكون بعيداً ثم حضر أو ذهب إليه موسى ليخاطبهقال جار الله: الخطب مصدر خطب الأمر إذا طلبه.
فإذا قيل: لمن يفعل شيئاً ما خطبك؟
فمعناه ما طلبك له والغرض منه الإنكار عليه وتعظيم صنيعه ﴿ قال ﴾ أي السامري} بصرت بما لم يبصروا به} قال ابن عباس ورواه أبو عبيدة: علمت بما لم يعلموا به من البصارة.
يعني العلم.
وقال الآخرون: رأيت بما لم تروه فالباء للتعدية، رجح العلماء قراءة الغيبة على الخطاب احترازاً من نسبة عدم البصارة إلى النبي .
والقبضة بالفتح مصدر بمعنى المفعول وهو المقبوض بجميع الكف.
عامة المفسرين على أن المراد بالرسول جبريل عليه السالم وأثره التراب الذي أخذه من موقع حافر دابته واسمها حيزوم فرس الحياة.
ومتى رآه؟
الأكثرون على أنه رآه يوم فلق البحر كان جبريل على الرمكة وفرعون على حصان وكان لا يدخل البحر، فتقدم جبريل فتبعه فرس فرعون.
وعن علي أن جبريل لما نزل ليذهب بموسى إلى الطور أبصره السامري من بين الناس وكان راكب حيزوم فقال: إن لهذا شأناً فقبض من تربة موطئه.
فمعنى الآية فقبضت من أثر فرس المرسل إليك يوم حلول الميعاد.
ثم من المفسرين من جوز أن السامري لم يعرف أنه جبريل ومنهم من قال: إنه عرفه.
عن ابن عباس: إنما عرفه لأنه رباه في صغره وحفظه من القتل حين أمر فرعون بقتل أولاد بني إسرائيل.
فكانت المرأة تلد وتطرح ولدها حيث لا يشعر به آل فرعون فتأخذ الملائكة الولدان فيربونهم حتى يترعرعوا ويختلطوا بالناس.
فكان السامري أخذه جبريل وجعل كف نفسه في فيه وارتضع منه العسل واللبن فلم يزل يختلف إليه حتى عرفه.
وقال أبو مسلم: إطلاق الرسول على جبريل في المقام من غير قرينة تكليف بعلم الغيب.
وأيضاً تخصيص السامري من بين الناس برؤية جبريل وبمعرفة خاصية تراب حافر دابته لا يخلو عن تعسف، ولو جاز اطلاع بعض الكفرة على تراب هذا شأنه فلقائل أن يقول: لعل موسى اطلع على شيء آخر لأجله قدره على الخوارق.
فالأولى أن يراد بالرسول موسى فقد يواجه الحاضر بلفظ الغائب كما يقال: ما قول الأمير في كذا؟
ويكون إطلاق الرسول منه على موسى نوعاً من التهكم لأنه كان كافراً به مكذباً.
وأراد بأثره سنته ورسمه من قولهم "فلان يقفو أثر فلان" أي عرفت أن الذي عليه ليس بحق وقد كنت قبضت شيئاً من سنتك فطرحتها.
فعلى قول العامة يكون قوله: ﴿ وكذلك سوّلت لي نفسي ﴾ إشارة إلى ما أوحي إليه وليه الشيطان أن تلك التربة إذا نبذت على الجماد صار حيواناً.
وعلى قول أبي مسلم يشير إلى أن اتباع أثرك كان من تسويلات النفس الأمارة فلذلك تركته.
ثم بين موسى أن له عقوبة في الدنيا وعقوبة في الآخرة.
يروى أنه أراد أن يقتله فمنعه الله من ذلك وقال: لا تقتله فإنه سخيّ.
وفي قوله: ﴿ لامساس ﴾ وجوه: الأوّل إنه حرم عليه مماسة الناس لأنه إذا اتفق أن هناك مماسة فأحدهم الماس والثاني الممسوس فلذلك إذا رأى أحداً صاح لا مساس.
ويقال: إن قومه باقٍ فيهم ذلك إلى الآن الثاني: أن المراد منع الناس من مخالطته.
قال مقاتل: إن موسى أخرجه من محلة بني إسرائيل وقال له: اخرج أنت وأهلك طريداً إلى البراري.
اعترض الواحدي عليه بأن الرجل إذا صار مهجوراً فلا يقول: هو لامساس.
وإنما يقال له ذلك.
وأجيب بأن هذا على الحكاية أي أجعلك يا سامري بحيث إذا أخبرت عن حالك لم تقل إلا لا مساس.
والثالث: قول أبي مسلم إن المراد انقطاع نسله وأن يخبر بأنه لا يمكن له مماسة المرأة أي مجامعتها.
وأما حاله في الآخرة فلذلك قوله: ﴿ وإن لك موعداً لن تخلفه ﴾ قال جار الله: من قرأ بكسر اللام فهو من أخلفت الموعد إذا وجدته خلفاً.
ثم بين مآل حال إلهه فقال: ﴿ وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفاً ﴾ أي ظللت فحذف إحدى اللامين تخفيفاً ﴿ لنحرقنه ﴾ من الإحراق ففيه دليل على أنه صار لحماً ودماً لأن الذهب لا يمكن إحراقه بالنار ونسفه في الميم.
قال السدي: أمر موسى بذبحه فسال منه الدم ثم أحرق ثم نسف.
والنسف النقض ومن جعله من الحرق أي لنبردنه بالمبرد ففيه دلالة على أنه لم ينقلب حيواناً إلا إذا أريد برد عظامه.
ومن جعله من التحريق فإنه يحتمل الوجهين والمراد إهدار السامري وإبطال كيده ومحق صنيعه والله خير الماكرين.
ثم ختم الكلام ببيان الدين الحق فقال: ﴿ إنما إلهكم ﴾ أي المستحق للعباد والتعظيم ﴿ الله الذي لا إله إلاَّ هو وسع كل شيء علماً ﴾ قد مر مثله في "الأنعام" قال مقاتل: أي يعلم من يعبده.
وحين فرغ من قصة موسى شرع في تثبيت رسولنا فقال: ﴿ كذلك ﴾ أي نحو اقتصصنا عليك قصة موسى وفرعون والسامري ﴿ نقص عليك من ﴾ سائر أخبار الرسل مع أممهم تكثيراً لمعجزاتك.
ثم عظم شأن القرآن بقوله: ﴿ وقد آتيناك من لدنا ذكراً ﴾ أي ما ذكر فيه كل ما يحتاج إليه المكلف في دينه وفي دنياه والوزر العقوبة الثقيلة التي تنقض ظهر صاحبها، أو المراد جزاء الوزر وهو الإثم ﴿ خالدين فيه ﴾ أي في ذلك الوزر أو في احتماله ﴿ وساء ﴾ فيه ضمير مبهم يفسره ﴿ حملاً ﴾ والمخصوص محذوف للقرينة أي ساء حملاً وزرهم.
واللام في ﴿ لهم ﴾ للبيان كما في ﴿ هيت لك ﴾ ويجوز أن يكون "ساء" بمعنى "قبح" ويكون فيه ضمير الوزر.
وانتصب ﴿ حملاً ﴾ على التمييز و ﴿ لهم ﴾ حال من ﴿ حملاً ﴾ ولا أدري لم أنكره صاحب الكشاف، اللَّهم إلا أن يمنع وقوع الحال من التمييز وفيه نظر.
قال ابن السكيت: الحمل بالفتح ما كان في بطن أو على رأس شجرة، وبالكسر ما كان على ظهر أو رأس: وفي الصور قولان: أشهرهما أنه القرن يؤيده قوله: ﴿ فإذا نقر في الناقور ﴾ وإنه يعرّف أمور الآخرة بأمثال ما شوهد في الدنيا ومن عادة الناس النفخ في البوقات عند الأسفار وفي العساكر فجعل الله النفخ في تلك الآلة علامة لخراب الدنيا ولإعادة الأموات.
وأقربهما من المعقول أن الصور جمع صورة يؤكده قراءة من قرأ بفتح الواو.
يقال: صورة وصور كدرة ودرر.
والنفخ نفخ الروح فيها ولكنه يرد عليه أن النفخ يتكرر لقوله : ﴿ ثم نفخ فيه أخرى ﴾ والإحياء لا يتكرر بعد الموت إلا ما ثبت من سؤال القبر وليس هو بمراد من النفخة الأولى بالاتفاق ﴿ ونحشر المجرمين ﴾ عن ابن عباس: هم الذين اتخذوا مع الله إلهاً آخر.
وقال المعتزلة: هم الكفار والعصاة.
وفي الزرق وجوه: قال الضحاك ومقاتل: إن الزرقة أبغض شيء من ألوان العيون إلى العرب، لأن الروم أعداؤهم وإنهم زرق العيون، ومن كلامهم في صفة العدوّ "أسود الكبد أصهب السبال أزرق العين".
وقال الكلبي: ﴿ رزقاً ﴾ أي عمياً.
قال الزجاج: يخرجون بصراء في أول أمرهم لقوله: ﴿ ليوم تشخص فيه الأبصار ﴾ ولقوله: ﴿ اقرأ كتابك ﴾ ثم يؤل حالهم إلى العمى وإن حدقة من يذهب نور بصرة تزرق.
وقيل ﴿ زرقاً ﴾ أي عطاشا لقوله: ﴿ ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً ﴾ فكأنهم من شدة العطش يتغير سواد عيونهم حكاه ثعلب عن ابن الأعرابي ﴿ يتخافتون ﴾ يتسارون ﴿ بينهم ﴾ من شدة خوفهم أو لأن صدورهم امتلأت رعباً، وهؤلاء يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا إما لأنها أيام سرورهم وهن قصار، وإما لأنها قد انقضت والذاهب قليل وإن طال ولا سيما بالنسبة إلى الأبد السرمدي كأن ظنينهم يقول: قدر لبثنا في الدنيا بالقياس إلى لبثنا في الآخرة كعشرة أيام.
فقال أعقلهم: بل كاليوم الواحد.
وإنما قال: ﴿ عشراً ﴾ لأن المراد عشر ليال.
وقال مقاتل: أراد عشر ساعات أي بعض يوم.
وعلى هذا فأفضلهم رد عليهم استقصارهم وتقالهم.
وقيل: المراد لبثهم في القبور.
قال أهل النظم: كأن سائلاً سأل: كيف يصح التخافت بين المجرمين والجبال حائلة مانعة؟
فلذلك قال: ﴿ ويسألونك عن الجبال ﴾ وقال الضحاك: إن مشركي مكة قالوا على سبيل الاستهزاء: يا محمد كيف يكون حال الجبال يوم القيامة؟
فنزلت.
ويحتمل أن يكون هذا جواب شبهة تمسك بها منكرو البعث - منهم جالينوس - زعم أن الأفلاك لا تفنى لأنها لو فنيت لابتدأت بالنقصان حتى تنتهي إلى البطلان، وكذا الجبال وغيرها من الأجرام الكلية، فأمر الله نبيه أن يبين لهم هذه المسألة الأصولية من غير تأخير ولهذا أدخل فاء التعقيب في الجواب.
والنسف القلع.
وقال الخليل: التطيير والإذهاب كأنه يجعلها كالرمل ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها.
وحاصل الجواب أن كل بطلاً لا يلزم أن يكون ذبولياً بل قد يكون رفعياً.
والضمير في ﴿ فيذرها ﴾ للمضاف المحذوف أي فيدع مقارها ومراكزها وهو للأرض للعلم بها كقوله: ﴿ ما ترك على ظهرها ﴾ والقاع المستوي من الأرض.
وقيل: المكان المطمئن.
وقيل: مستنقع الماء.
والصفصف الأرض الملساء المستوية.
وقيل: التي لا نبات فيها.
والأمت النتوّ اليسير.
وقيل: التلال الصغار.
قالوا: العوج بالكسر في المعاني وكأنه نفى العوج الذي يدق عن الإحساس ولا يدرك إلا بالقياس الهندسي.
وإذا كان هذا النوع من العوج الاعتباري منتفياً فكيف بالعوج الحسي!
وقد يستدل بالآية على أن الأرض يومئذ تكون كرة حقيقة إذ لو كانت مضلعة وقعت بين الأضلاع فصول مشتركة فيعوج الامتداد القائم عليها هناك.
ثم إنه وصف ذلك اليوم بأن الخلائق فيه ﴿ يتبعون الداعي ﴾ قيل: هو النفخ في الصور وقوله: ﴿ لا عوج له ﴾ أي لا يعدل عن أحد بدعائه بل يحشر الكل.
وقيل: إن إسرافيل أو ملكاً آخر يقوم على صخرة بيت المقدس ينادي: أيها العظام النخرة والأوصال المتفرقة واللحوم المتمزقة، قومي إلى ربك للحساب والجزاء فلا يعوج له مدعوّ بل يتبعون صوته من غير انحراف.
﴿ وخضعت الأصوات للرحمن ﴾ خفضت من شدة الفزع ﴿ فلا تسمع ﴾ أيها السامع ﴿ إلا همساً ﴾ وهو الصوت الخفي.
وذلك أن الجن والإنس علموا أن لا مالك لهم سواه، وحق لمن كان الله محاسبه أن يخشع طرفه ويضعف صوته ويختلط قوله ويطول غمه.
وعن ابن عباس والحسن وعكرمة وابن زيد الهمس وطء الأقدام إلى المحشر.
قوله: ﴿ إلا من أذن له الرحمن ﴾ يصلح أن يكون "من" منتصباً على المفعولية وأن يكون مرفوعاً على البدلية بتقدير حذف المضاف أي لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة من أذن له الرحمن ﴿ ورضي له ﴾ أي لأجله ﴿ قولاً ﴾ .
قال الإمام فخر الدين الرازي: الاحتمال الأول أولى لعدم التزام الإضمار، ولأن درجة الشافع درجة عظيمة فلا تصلح ولا تحصل إلا لمن أذن له فيها وكان عند الله مرضياً.
فلو حملنا الآية على ذلك كان من إيضاح الواضحات بخلاف ما لو حملت على المشفوع.
وأقول: الاحتمالان متقاربان متلازمان لأن المشفوع لا تقبل الشفاعة في حقه إلا إذا أذن الرحمن لأجله فيعود إلى الثاني.
قالت المعتزلة: الفاسق غير مرضي عند الله فوجب أن لا ينتفع بشفاعة الرسول.
وأجيب بأنه قد رضي لأجله قولاً واحداً من أقواله وهو كلمة الشهادة.
قالوا: هب أن الفاسق قد رضي الله قولاً لأجله، فلم قلتم إن الإذن حاصل للشافع في حقه؟
والجواب أنا أيضاً نمنع من أن الإذن غير حاصل في حقه على أنه قال في موضع آخر ﴿ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ﴾ فلم يعتبر إلا أحد القيدين.
ثم أخبر عن نهاية علمه بقوله: ﴿ يعلم ما بين أيديهم ﴾ .
الضمير للذين يتبعون الداعي أي يعلم ما يقدمهم من الأحوال وما يستقبلونه ﴿ ولا يحيطون ﴾ بمعلومه ﴿ علماً ﴾ .
وقال الكلبي ومقاتل: الضمير للشافعين من الملائكة والأنبياء كما مر في آية الكرسي.
وفيه تقريع لمن يعبد الملائكة ليشفعوا له أي يعلم ما كان قبل خلقهم وما كان منهم بعد خلقهم من أمر الآخرة والثواب العقاب وإنهم لا يعلمون شيئاً من ذلك فكيف يصلحون للمعبودية.
ثم ذكر غاية قدرته فقال: ﴿ وعنت الوجوه ﴾ أي زلت رقاب الممكنات منقادين لأمره كالأسارى.
عنا يعنو عنوّاً إذا صار أسيراً.
وقيل: أراد وجوه العصاة في القيامة كقوله: ﴿ سيئت وجوه الذي كفروا ﴾ ولعله خص الوجوه بالذكر لأن أثر الذل والانكسار فيها أبين وأظهر، قال جار الله: ﴿ وقد خاب ﴾ وما بعده اعتراض أي كل من ظلم فهو خائب خاسر.
ولأهل السنة أن يخصوا الظلم ههنا بالشرك أو يعارضوا هذا العموم بعمومات الوعد.
من قرأ ﴿ فلا يخاف ﴾ بالرفع فعلى الاستئناف أي فهو لا يخاف كقوله: ﴿ فينتقم الله منه ﴾ ومن قرأ ﴿ فلا يخف ﴾ فمعناه فليأمن له لأن النهي عن الخوف أمر بالأمن.
من فسر الظلم بأنه الأخذ فوق حقه بالنقص من حقه كصفة المطففين فيقدر مضافاً محذوفاً أي فلا يخاف جزاء ظلم ولا هضم لأنه لم يظلم ولم يهضم، ومن فسر الظلم بأنه العقاب لا على جريمة والهضم بأنه النقص من الثواب فلا يحتاج إلى تقدير المضاف.
قال أبو مسلم: الظلم أن ينقص من الثواب والهضم أن لا يوفى حقه من التعظيم لأن الثواب مع كونه من اللذات لا يكون ثواباً إلا إذا قارنه التعظيم.
قال جار الله: ﴿ وكذلك ﴾ عطف على قوله: ﴿ كذلك نقص ﴾ أي ومثل ذلك الإنزال وعلى نهجه، وكما أنزلنا عليك هؤلاء الآيات المضمنة للوعيد أنزلنا القرآن كله عربياً لأن العرب أصل وغيرهم تبع لأن النبي عربي.
﴿ وصرفنا فيه من الوعيد ﴾ كررناه وفصلناه ويدخل في ضمنه الفرائض والمحارم لأن الوعيد يتعلق بترك أحدهما وبفعل الآخر ﴿ لعلهم يتقون أن يحدث لهم ذكراً ﴾ حمل جار الله الأول على إرادة ترك المعاصي والثاني على فعل الخبر والطاعة، لأن الذكر قد يطلق على الطاعة والعبادة.
قلت: لا ريب أن القرآن ينفر عن السيئات ويبعث على الطاعات من حيث إن فهم معانيه يؤدّي إلى ذلك، وإنما قدم الأول على الثاني لأن التخلية مقدمة على التحلية.
ويحتمل أن تكون التقوى عبارة عن فعل الخيرات وترك المنكرات جميعاً.
والذكر يكون محمولاً على ضد النسيان أي إن نسوا شيئاً من التروك والأفعال أحدث لهم ذكراً إذا تأملوا معانية.
وكلمة "أو" على الأول للتخيير والإباحة لا للتنافي، وعلى الثاني يجوز أن تكون للتنافي.
وقيل: أراد أنزلنا القرآن ليتقوا فإن لم يحصل ذلك فلا أقل من أن يوجب القرآن لهم ذكراً أي شرفاً ومنصباً كقوله: ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك ﴾ وعلى التقديرين يكون في إنزال القرآن نفع.
ثم عظم شأن القرآن من وجه آخر وهو عظمة شأن منزلة قائلاً ﴿ فتعالى الله الملك الحق ﴾ ارتفع صفاته عن صفات المخلوقين أنزل القرآن ليحترزوا عما لا ينبغي وأنه منزه عن الانتفاء والتضرر بطاعاتهم ومعاصيهم.
ومعنى الحق قد مر في البسملة.
قال جار الله: فيه استعظام له ولما يصرّف عليه عباده من أوامره ونواهيه ووعده ووعيده والإدارة بين ثوابه وعقابه وغير ذلك كما يجري عليه أمر ملكوته.
قال أبو مسلم: إن قوله: ﴿ ويسئلونك عن الجبال ﴾ إلى ههنا كلام تام.
وقوله: ﴿ ولا تعجل ﴾ خطاب مستأنف.
وقال آخرون: إنه كان يخاف أن يفوته شيء فيقرأ مع الملك، فإنه حين شرح كيفية نفع القرآن للمكلفين وبين أنه متعال عن الانتفاع والتضرر بالطاعات والمعاصي.
وأنه موصوف بالملك الدائم والعز بالباقي، وكل من كان كذلك وجب أن يصون رسوله عن السهو والنسيان في أمر الوحي وما يتعلق بصلاح العباد في المعاش والمعاد.
قال: ﴿ ولا تعجل بالقرآن ﴾ لأنه حصل لك الأمان من السهو والنسيان ﴿ من قبل أن يقضي إليك وحيه ﴾ أي من قبل أن تتم قراءة جبريل ونحوه قوله ﴿ لا تحرّك به لسانك لتعجل به ﴾ قاله مقاتل والسدي وابن عباس في رواية عطاء.
وقال مجاهد وقتادة: أراد ولا تعجل بالقرآن فتقرأ على أصحابك من قبل أن يوحى إليك بيان معانية أي لا تبلغ ما كان مجملاً حتى يأتيك البيان.
وقال الضحاك: إن أهل مكة وأسقف نجران قالوا: يا محمد، أخبرنا عن كذا وكذا وقد ضربنا لك أجلاً ثلاثة أيام فأبطأ الوحي عليه وفشت المقالة أن اليهود قد غلبوا فنزلت هذه الآية.
أي لا تعجل بنزول القرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه من اللوح المحفوظ إلى إسرافيل ومن جبرائيل ومنه إليك.
وعن الحسن: أن امرأة أتت النبي فقالت: زوجي لطم وجهي فقال: بينكما القصاص فنزلت الآية فأمسك رسول الله عن القصاص.
وإنما نشأت هذه الأقوال لأن قوله: ﴿ ولا تعجل بالقرآن ﴾ يحتمل التعجيل بقراءته في نفسه، أو في تأديته إلى غيره، أو في اعتقاده ظاهره، أو في تعريف الغير ما يقتضيه الظاهر.
وقوله: ﴿ من قبل أن يقضى إليك وحيه ﴾ احتمل أن يراد من قبل أن يقضى إليك تمامه، أو من قبل أن يقضى إليك بيانه فقد يجوز أن يحصل عقيبه استثناء أو شرط أو غيرهما من المخصصات والمبينات ويؤكد هذه المعاني قوله: ﴿ وقل رب زدني علماً ﴾ لأن معرفة البيان علم زائد على معرفة الإجمال.
والظاهر أن هذا الاستعجال كان أمراً اجتهادياً وكان الأولى تركه فلذلك نهى عنه.
قال جار الله: هذا الأمر متضمن للتواضع لله والشكر له عندما علم من ترتيب التعلم أي علمتني يا رب لطيفة في باب التعلم وأدباً جميلاً ما كان عندي فزدنى علماً إلى علم.
ومن فضائل العلم أن النبي ما أمر بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم.
وفيه إشارة إلى أن أسرار القرآن غير متناهية، اللَّهم إن هذا العبد الضعيف معترف بقصوره ونقصانه فأسألك مما سألك به نبيك أن ترزقني بتبعيته علماً ينفعني في الدارين.
التأويل: ﴿ ولقد أوحينا إلى موسى ﴾ القلب ﴿ أن أسر بعبادي ﴾ وهم صفات القلب من الأخلاق الحميدة سر بهم من مصر البشرية إلى بحر الروحانية.
﴿ فاضرب لهم ﴾ بعصا الذكر ﴿ طريقاً يبساً ﴾ من ماء الهوى وطين الصفات الحيوانية وباقي التأويل كما مر في "يونس" ﴿ ونزلنا عليكم ﴾ منّ صفاتنا وسلوى أخلاقنا فاتصفوا بطيبات أخلاقنا ﴿ ولا تطغوا فيه ﴾ بإفشاء أسرار الربوبية إلى غيرنا كمن قال: أنا الحق وسبحاني.
فإن الحالات لا تصلح للمقاولات.
﴿ وإني لغفار لمن ﴾ رجع عن الطغيان ﴿ وآمن ﴾ بالربوبية ﴿ وعمل صالحاً ﴾ في مقام العبودية ﴿ ثم اهتدى ﴾ فتحقق أن حضرة الربوبية منزهة عن دنس الوهم والخيال ومقام الوصال مباين للقيل والقال.
﴿ وعجلت إليك ﴾ فيه أن الشوق إذا غلب انقطع العلائق وأن مطلوب السائل لا ينبغي أن يكون إلا رضا الله.
﴿ قد فتنّا قومك من بعدك ﴾ فيه أن فتنة الأمة والمريد مقرونة بالنبي والشيخ.
﴿ بملكنا ﴾ أي بإرادتنا ومشيئتنا ولكن بإرادة الله ومشيئته.
﴿ فكذلك ألقى السامري ﴾ من غير اختيار منه ولكن باضطرار من القدر ﴿ با ابن أم ﴾ قيل خاطبه بذلك ليذكره قول الملائكة: يا ابن النساء الحيض ما للتراب ورب الأرباب.
﴿ فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها ﴾ فيه أن الكرامة لأهل الكرامة كرامة ولأهل الغرامة استدراج وفتنة فيصرفونها في الباطل والطبيعة لا في الحق والحقيقة.
قوله: ﴿ لامساس ﴾ فيه معارضة بنقيض مقصود من أراد الجمعية والغلبة واتباع الناس إياه، فعدت بالتفرد والتوحش والنفار عن الخلق ﴿ زرقا ﴾ إن الوجه أشرف أعضاء الإنسان والعين أشرف أعضاء الوجه، وزرق العين دلالة على خروجها عن الاعتدال، وإذا كان أشرف الأعضاء خارجاً عن الاعتدال فما ظنك بغيرها؟
وكذا بالأخلاق التابعة للأمزجة.
﴿ وعنت الوجوه ﴾ أي كل جهة بها يستند الممكن إلى الواجب.
﴿ يتبعون الداعي ﴾ لأن كل ناس تدعى بإمامهم فيتبعونه ألبتة وأهل الله لا يفرون إلا إلى الله في قوله: ﴿ والله يدعوا إلى دار السلام ﴾ وعلى الله السمتعان.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ﴾ .
قال الحسن وعامة أهل التأويل: إن قوله: ﴿ فَنَسِيَ ﴾ ، أي: ضيع وترك، ليس نسيان السهو؛ لأنه عوتب عليه وعوقب به، ولا يعاتب المرء على ما هو حقيقة السهو والنسيان؛ فدل أنه على التضييع والترك، ليس على النسيان والسهو، إلى هذا يذهب هؤلاء، لكن يقبح هذا أن يقال في آدم، أو في نبي من أنبيائه، أو في رسول من رسله - صلوات الله عليهم -: إنه ضيع، والنسيان عندنا على قسمين: نسيان يكون عن غفلة منه وشغل، ما لولا ذلك الشغل منه والغفلة، لحفظه وذكره ولا ينساه، وجائز المعاتبة على هذا النسيان؛ إذ لو كان تكلف لكان لا ينساه ولا يقع فيه.
ونسيان آخر يقع فيه من غير سبب كان منه لا يملك دفعه، وذلك نسيان ما لا يعاتب عليه ولا يعاقب به، وهكذا الكلفة من الله والمحنة: أنه جائز أن يكلف ويمتحن من لا يعلم ولا يعقل الكلفة وقت تكليفه إياه بعد أن يحتمل عقله إدراك ذلك لو استعمله، فأما من كان عقله لا يحتمل إدراك ما كلفه وإن استعمله وأجهد نفسه فيه، فإنه لا يكلف ألبتة؛ فعلى ذلك النسيان الذي ذكر من آدم جائز أنه لو تكلف، حفظه وذكره؛ فإنما عوتب لذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ﴾ .
قال الحسن: أي: منعاً من الشيطان.
وقال بعضهم: حفظا لم يحفظ أمره.
وقال بعضهم: صبراً، ونحوه.
والعزم: حقيقة القصد والقطع على الشيء، وهو ضد النسيان الذي ذكر.
وقال بعضهم: العزم: هو المحافظة على أمر الله والتمسك به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ ﴾ .
أي: قال [بعضهم]: لولا قول أهل التأويل في سجود الملائكة لآدم إلى حقيقة السجود، وإلا جائز أن يصرف الأمر بالسجود إلى الخضوع له، والسجود: هو الخضوع؛ حيث قال: ﴿ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ ﴾ وقد يؤمر الإنسان بالخضوع لمن يتعلم منه العلم.
وقوله : ﴿ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ ﴾ .
قال أهل التأويل: ليس شقاء الدين، ولكن تعب النفس والنصب في العمل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ * وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَىٰ ﴾ .
أي: لا تصيبك الشمس.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَانُ قَالَ يٰآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ ﴾ .
أي: لا يفنى.
﴿ فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ ﴾ قد ذكرنا هذا فيما تقدم.
قال أبو عوسجة: قوله: ﴿ وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ ﴾ ، أي: ذلت، يقال: عنا يعنو عنوا، وقال: ﴿ وَلاَ هَضْماً ﴾ أي: ظلما، يقال: هضمته، أي: ظلمته، وأهضمته مثله.
وقال أبو عبيدة: الهضم: النقصان، وقال: ﴿ قَاعاً صَفْصَفاً ﴾ : القاع: الأرض التي يعلوها الماء، وهو قريب مما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - -: ﴿ وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ ﴾ .
كل من عصى ربه فقد غوى، العصيان والغواية واحد.
وقوله: ﴿ ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ ﴾ .
قوله: ﴿ ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ ﴾ يحتمل وجوها: أحدها: اجتباه للتوبة وهداه لها.
أو اجتباه ربه للرسالة وهداه لها.
أو اجتباه ربه للدين وهداه للتوحيد، وهذا جائز عندنا، للتوحيد والإيمان حكم التجدد والحدوث في كل وقت وكل ساعة؛ لأنه مأمور بترك الكفر ونفيه في كل وقت، فإذا كان مأموراً بترك الكفر في كل وقت منهيا عنه كان مأموراً بالإيمان والتوحيد، فإذا كان ما ذكرنا دل أن للإيمان والتوحيد حكم التجدد والحدوث في كل وقت، وإلا ظاهر قوله: ﴿ ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ ﴾ : أنه لم يكن يجتبيه قبل ذلك فاجتباه من بعد، لكن الوجه ما ذكرنا من اجتبائه إياه للرسالة، واجتبائه للتوحيد والطاعات والخيرات ونحوه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ .
قال الحسن: قوله: ﴿ ٱهْبِطَا ﴾ أي: آدم والشيطان، ﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ ، يعني: ذرية آدم وذرية إبليس بعضهم لبعض عدو.
وقال فيما قال: ﴿ ٱهْبِطُواْ ﴾ عنى: آدم وحواء وإبليس، والهبوط: ليس هو الانحدار والتسفل من المكان العالي المرتفع، إنما هو النزول في المكان، فجائز أن يكون قوله: ﴿ ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ أراد ذريتهما: ذرية آدم وذرية إبليس، وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى ﴾ يعني: الذرية، ﴿ فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ ﴾ وقت اتباعه الهدى، أو لا يضل ولا يشقى إذا ختم بالهدى، أو لا يضل طريق الجنة ولا يشقى في النار، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً ﴾ هو الشدة والضيق، ثم اختلفوا فيه.
قال بعضهم: ﴿ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً ﴾ في الدنيا، وإن كانت في الظاهر واسعة عليه؛ لأنهم ينفقون ولا يرون لنفقتهم خلفا ولا عاقبة، ويريدون الدنيا أنها تدوم، فذلك يمنعهم عن التوسيع في الإنفاق؛ خوفاً لنفاد ذلك المال وبقاء أنفسهم؛ لما ذكرنا أنهم لا يرون لنفقتهم خلفا ولا عوضاً ولا عاقبة لها، فذلك الضنك.
وقال بعضهم: ﴿ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً ﴾ ؛ لأنهم يعصون بما أعطوا من المال وأنعموا فيه؛ لأن توسعهم يكون في معصية، فنفى عنهم الانتفاع به كما نفى عنهم السمع والبصر واللسان باستعمالهم هذه الجوارح في المعصية على قيامها؛ لما ذهبت منافعها في الطاعة.
وقال بعضهم: ﴿ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً ﴾ في عذاب القبر، لكن لا يقال لمن في القبر: إن له معيشة ضنكا حتى يوصف بالضيق، وعذاب القبر سبيل معرفته السمع، فإن ثبت السمع وإلا فالترك أولى.
وقال قائلون: ذلك في الآخرة - والله أعلم - كقوله: ﴿ مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ ﴾ .
قال بعضهم: نحشره أعمى عن حججه في دينه، لكن متى كانت له الحجج في الدنيا حتى يعمى عنها في الآخرة؟!
وقال بعضهم: نحشره يوم القيامة أعمى: عمى الحقيقة؛ كقوله: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً ﴾ فهو على حقيقة عمى البصر، وهو أشبه، والله أعلم.
وقال مجاهد: قوله: ﴿ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ ﴾ قال: بلا حجة لي، ﴿ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً ﴾ في الدنيا لكن الأشبه هو ما ذكرنا من حقيقة ذهاب البصر؛ إذ لم يكن للكافر حجة في الدنيا حتى يقول: ﴿ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً ﴾ .
ثم اختلف فيه: قال بعضهم: ذلك بعد ما حوسبوا وسيقوا إلى النار - نعوذ بالله من النار - فعند ذلك يعمى عليه البصر.
وقال بعضهم: لا ولكن يبعثون من قبورهم ويحشرون عمياناً، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ كَذٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ ﴾ .
أي: كما أتتك آياتنا فصيرتها كالشيء المنسي، لم تكترث إليها ولم تنظر فيها ولم ترغب فيها، كذلك تصير في النار كالشيء المنسي عن رحمته، لا يكترث إليك ولا ينظر إليك.
أو أن يقول: كما ضيعت آياتنا التي أتتك لنجاتك كذلك تضيع أنت وتترك في النار لا نجاة لك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ ﴾ .
أي: كذلك نجزي كل من أسرف في الدنيا ولم يؤمن بآيات ربه، ليس أحد المخصوص بذلك دون غيره، ولكن كل من كان [هذا] صنيعه في الدنيا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ ﴾ .
كأنه قد سبق منه الوعيد لهم بعذاب، ثم قال: ﴿ وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ ﴾ من العذاب الذي أوعدتم، وإلا فعلى الابتداء لا يقال هذا.
<div class="verse-tafsir"
أفلم يتبيّن للمشركين كثرة الأمم التي أهلكناها من قبلهم، يمشون في مساكن تلك الأمم المُهْلَكة، ويعاينون آثار ما أصابهم؟
إن فيما أصاب تلك الأمم الكثيرة من الهلاك والدمار لعبرًا لأصحاب العقول.
<div class="verse-tafsir" id="91.1DOZo"