الإسلام > القرآن > سور > سورة 23 المؤمنون > الآية ٥١ من سورة المؤمنون
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 71 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥١ من سورة المؤمنون: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
أمر تعالى عباده المرسلين ، عليهم الصلاة والسلام أجمعين ، بالأكل من الحلال ، والقيام بالصالح من الأعمال ، فدل هذا على أن الحلال عون على العمل الصالح ، فقام الأنبياء ، عليهم السلام ، بهذا أتم القيام .
وجمعوا بين كل خير ، قولا وعملا ودلالة ونصحا ، فجزاهم الله عن العباد خيرا .
قال الحسن البصري في قوله : ( يا أيها الرسل كلوا من الطيبات ) قال : أما والله ما أمروا بأصفركم ولا أحمركم ، ولا حلوكم ولا حامضكم ، ولكن قال : انتهوا إلى الحلال منه .
وقال سعيد بن جبير ، والضحاك : ( كلوا من الطيبات ) يعني : الحلال .
وقال أبو إسحاق السبيعي ، عن أبي ميسرة بن شرحبيل : كان عيسى ابن مريم يأكل من غزل أمه .
وفي الصحيح : " ما من نبي إلا رعى الغنم " .
قالوا : وأنت يا رسول الله؟
قال : " نعم ، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة " .
وفي الصحيح : أن داود ، عليه السلام ، كان يأكل من كسب يده .
وفي الصحيحين : " إن أحب الصيام إلى الله صيام داود ، وأحب القيام إلى الله قيام داود ، كان ينام نصف الليل ، ويقوم ثلثه وينام سدسه ، وكان يصوم يوما ويفطر يوما ، ولا يفر إذا لاقى " .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع ، حدثنا أبو بكر بن أبي مريم ، عن ضمرة بن حبيب ، أن أم عبد الله ، أخت شداد بن أوس بعثت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بقدح لبن عند فطره وهو صائم ، وذلك في أول النهار وشدة الحر ، فرد إليها رسولها : أنى كانت لك الشاة؟
فقالت : اشتريتها من مالي ، فشرب منه ، فلما كان الغد أتته أم عبد الله أخت شداد فقالت : يا رسول الله ، بعثت إليك بلبن مرثية لك من طول النهار وشدة الحر ، فرددت إلي الرسول فيه؟
.
فقال لها : " بذلك أمرت الرسل ، ألا تأكل إلا طيبا ، ولا تعمل إلا صالحا " .
وقد ثبت في صحيح مسلم ، وجامع الترمذي ، ومسند الإمام أحمد واللفظ له من حديث فضيل بن مرزوق ، عن عدي بن ثابت ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا أيها الناس ، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا ، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فقال : ( يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم ) .
وقال : ( يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ) [ البقرة : 172 ] .
ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر ، ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وملبسه حرام ، وغذي بالحرام ، يمد يديه إلى السماء : يا رب ، يا رب ، فأنى يستجاب لذلك " .
وقال الترمذي : حسن غريب ، لا نعرفه إلا من حديث فضيل بن مرزوق .
يقول تعالى ذكره: وقلنا لعيسى: يا أيها الرسل كلوا من الحلال الذي طيبه الله لكم دون الحرام، ( وَاعْمَلُوا صَالِحًا ) تقول في الكلام للرجل الواحد: أيها القوم كفوا عنَّا أذاكم، وكما قال: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ ، وهو رجل واحد.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك: حدثني ابن عبد الأعلى بن واصل، قال: ثني عبيد بن إسحاق الضبيّ العطار، عن حفص بن عمر الفزاريّ، عن أبي إسحاق السبيعيّ، عن عمرو بن شرحبيل: ( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ) قال: كان عيسى ابن مريم يأكل من غزل أمه.
وقوله: ( إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) يقول: إني بأعمالكم ذو علم، لا يخفى عليّ منها شيء، وأنا مجازيكم بجميعها، وموفِّيكم أجوركم وثوابكم عليها، فخذوا في صالحات الأعمال واجتهدوا.
قوله تعالى : يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليمفيه ثلاث مسائل :الأولى : روى الصحيح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا ، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم - ثم ذكر - الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وملبسه حرام ، وغذي بالحرام ، فأنى يستجاب لذلك .الثانية : قال بعض العلماء : والخطاب في هذه الآية للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأنه أقامه مقام الرسل ؛ كما قال : الذين قال لهم الناس يعني نعيم بن مسعود .
وقال الزجاج : هذه مخاطبة للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، ودل الجمع على أن الرسل كلهم كذا أمروا ؛ أي كلوا من الحلال .
وقال الطبري : الخطاب لعيسى - عليه السلام - ؛ روي أنه كان يأكل من غزل أمه .
والمشهور عنه أنه كان يأكل من بقل البرية .
ووجه خطابه لعيسى ما ذكرناه من تقديره لمحمد - صلى الله عليه وسلم - تشريفا له .
وقيل : إن هذه المقالة خوطب بها كل نبي ؛ لأن هذه طريقتهم التي ينبغي لهم الكون عليها .
فيكون المعنى : وقلنا يا أيها الرسل كلوا من الطيبات ؛ كما تقول لتاجر : يا تجار ينبغي أن تجتنبوا الربا ؛ فأنت تخاطبه بالمعنى .
وقد اقترن بذلك أن هذه المقالة تصلح لجميع صنفه ، فلم يخاطبوا قط مجتمعين صلوات الله عليهم أجمعين ، وإنما خوطب كل واحد في عصره .
قال الفراء : هو كما تقول للرجل الواحد : كفوا عنا أذاكم .الثالثة : سوى الله تعالى بين النبيين والمؤمنين في الخطاب بوجوب أكل الحلال وتجنب [ ص: 120 ] الحرام ، ثم شمل الكل في الوعيد الذي تضمنه قوله تعالى : إني بما تعملون عليم صلى الله على رسله وأنبيائه .
وإذا كان هذا معهم فما ظن كل الناس بأنفسهم .
وقد مضى القول في الطيبات والرزق في غير موضع ، والحمد لله .
وفي قوله - عليه السلام - : يمد يديه دليل على مشروعية مد اليدين عند الدعاء إلى السماء ؛ وقد مضى الخلاف في هذا والكلام فيه والحمد لله .
وقوله - عليه السلام - : فأنى يستجاب لذلك على جهة الاستبعاد ؛ أي أنه ليس أهلا لإجابة دعائه لكن يجوز أن يستجيب الله له تفضلا ولطفا وكرما .
هذا أمر منه تعالى لرسله بأكل الطيبات، التي هي الرزق الطيب الحلال، وشكر الله، بالعمل الصالح، الذي به يصلح القلب والبدن، والدنيا والآخرة.
ويخبرهم أنه بما يعملون عليم، فكل عمل عملوه، وكل سعي اكتسبوه، فإن الله يعلمه، وسيجازيهم عليه أتم الجزاء وأفضله، فدل هذا على أن الرسل كلهم، متفقون على إباحة الطيبات من المآكل، وتحريم الخبائث منها، وأنهم متفقون على كل عمل صالح وإن تنوعت بعض أجناس المأمورات، واختلفت بها الشرائع، فإنها كلها عمل صالح، ولكن تتفاوت بتفاوت الأزمنة.
ولهذا، الأعمال الصالحة، التي هي صلاح في جميع الأزمنة، قد اتفقت عليها الأنبياء والشرائع، كالأمر بتوحيد الله، وإخلاص الدين له، ومحبته، وخوفه، ورجائه، والبر، والصدق، والوفاء بالعهد، وصلة الأرحام، وبر الوالدين، والإحسان إلى الضعفاء والمساكين واليتامى، والحنو والإحسان إلى الخلق، ونحو ذلك من الأعمال الصالحة، ولهذا كان أهل العلم، والكتب السابقة، والعقل، حين بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم، يستدلون على نبوته بأجناس ما يأمر به، وينهى عنه، كما جرى لهرقل وغيره، فإنه إذا أمر بما أمر به الأنبياء، الذين من قبله، ونهى عما نهوا عنه، دل على أنه من جنسهم، بخلاف الكذاب، فلا بد أن يأمر بالشر، وينهى عن الخير.
قوله عز وجل : ( يا أيها الرسل ) قال الحسن ومجاهد وقتادة والسدي والكلبي وجماعة : أراد به محمدا صلى الله عليه وسلم وحده على مذهب العرب في مخاطبة الواحد بلفظ الجماعة .
وقال بعضهم : أراد به عيسى .
وقيل : أراد به جميع الرسل عليهم السلام ، ( كلوا من الطيبات ) أي : الحلالات ، ( واعملوا صالحا ) الصلاح هو الاستقامة على ما توجبه الشريعة ، ( إني بما تعملون عليم )
«يا أيها الرسل كلوا من الطيبات» الحلالات «واعلموا صالحاً» من فرض ونفل «إني بما تعملون عليم» فأجازيكم عليه.
يا أيها الرسل كلوا من طيب الرزق الحلال، واعملوا الأعمال الصالحة، إني بما تعملون عليم، لا يخفى عليَّ شيء من أعمالكم.
والخطاب في الآية عام للرسل- عليهم السلام- وأتباعهم، وفي الآية دليل على أن أكل الحلال عون على العمل الصالح، وأن عاقبة الحرام وخيمة، ومنها رد الدعاء.
ثم ختم - سبحانه - الحديث عن هؤلاء الأنبياء ، بتوجيه خطاب إلى الرسل جميعاً ، أمرهم فيه بالأكل من الطيبات ، وبالتزود من العمل الصالح ، فقال - تعالى - : ( ياأيها الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات واعملوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) .ووجه - سبحانه - الخطاب إلى الرسل جميعاً ، مع أن الموجود منهم عند نزول الآية واحد فقط ، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم للدلالة على أن كل رسول أمر فى زمنه بالأكل من الطيبات التى أحلها - تعالى - وبالعمل الصالح .وفى اية غشارة إلى أن المداومة على الأكل من الطيبات التى أحلها الله ، والتى لا شبهة فيها ، له أثره فى مواظبة الإنسان على العمل الصالح .قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : يأمر الله - تعالى - عباده المرسلين بالأكل من الحلال ، والقيام بالصالح من الأعمال ، فدل هذاعلى أن الحلال عون على العمل الصاحل ، فقام الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بهذا أتم قيام ، وجمعوا بين كل خير .
قولاً وعملاً .
ودلالة ونصحاً .ثم ساق - رحمه الله - عدداً من الأحاديث فى هذا المعنى منها : أن أم عبد الله - بنت شداد بن أوس - " بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح لبن عند فطره وهو صائم ، وذلك مع طول النهار وشدة الحر .
فرد إليها رسولها : أنّى كانت لك الشاة؟
- أى : على أية حال تملكينها - فقالت : اشتريتها من مالى ، فشرب منه ، فلما كان من الغد أتته أم عبد الله فقالت له : يا رسول الله .
بعثتث إليك بلبن مرثية لك من طول النهار وشدة الحر ، فرددت إلىّ الرسول فيه؟
فقال لها : " بذلك أمرت الرسل .
أن لا تأكل إلا طيبًا ولا تعمل إلا صالحاً " " .ومنها : ما ثبت فى صحيح مسلم ، عن أبى هريرة - رضى الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا أيها الناس ، إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً ، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال : ( ياأيها الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات واعملوا صَالِحاً ) وقال : ( ياأيها الذين آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر ، ومطعمه من حرام .
ومشربه من حرام ، وملبسه من حرام ، وغذى بالحرام .
يمد يديه إلى السماء : يارب يا رب فأنى يستحاب لذلك " .وقوله - سبحانه - : ( إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) تحذير من مخالفة ما أمر به - تعالى .أى : إنى بما تعملون - أيها الرسل وأيها الناس - عليم فأجازيكم على هذا العمل بما تستحقون .
اعلم أن ظاهر قوله: ﴿ يا أيها الرسل ﴾ خطاب مع كل الرسل وذلك غير ممكن لأن الرسل إنما أرسلوا متفرقين في أزمنة متفرقة مختلفة فكيف يمكن توجيه هذا الخطاب إليهم، فلهذا الإشكال اختلفوا في تأويله على وجوه: أحدها: أن المعنى الإعلام بأن كل رسول فهو في زمانه نودي بهذا المعنى ووصى به ليعتقد السامع أن أمراً نودي له جميع الرسل ووصوا به حقيق بأن يؤخذ به ويعمل عليه.
وثانيها: أن المراد نبينا عليه الصلاة والسلام لأنه ذكر ذلك بعد انقضاء أخبار الرسل، وإنما ذكر على صيغة الجمع كما يقال للواحد أيها القوم كفوا عني أذاكم ومثله ﴿ الذين قَالَ لَهُمُ الناس ﴾ وهو نعيم بن مسعود كأنه سبحانه لما خاطب محمداً صلى الله عليه وسلم بذلك بين أن الرسل بأسرهم لو كانوا حاضرين مجتمعين لما خوطبوا إلا بذلك ليعلم رسولنا أن هذا التثقيل ليس عليه فقط، بل لازم على جميع الأنبياء عليهم السلام.
وثالثها: وهو قول محمد بن جرير أن المراد به عيسى عليه السلام لأنه إنما ذكر ذلك بعدما ذكر مكانه الجامع للطعام والشراب ولأنه روى أن عيسى عليه السلام كان يأكل من غزل أمه، والقول الأول أقرب لأنه أوفق للفظ الآية، ولأنه روي عن أم عبد الله أخت شداد بن أوس أنها بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح من لبن في شدة الحر عند فطره وهو صائم فرده الرسول إليها وقال من أين لك هذا؟
فقالت من شاة لي، ثم رده وقال: من أين هذه الشاة؟
فقالت اشتريتها بمالي فأخذه.
ثم إنها جاءته وقالت: يا رسول الله لم رددته؟
فقال عليه السلام: «بذلك أمرت الرسل أن لا يأكلوا إلا طيباً ولا يعملوا إلا صالحاً».
أما قوله تعالى: ﴿ مّنَ الطيبات ﴾ ففيه وجهان: الأول: أنه الحلال وقيل طيبات الرزق حلال وصاف وقوام فالحلال الذي لا يعصى الله فيه، والصافي الذي لا ينسى الله فيه والقوام ما يمسك النفس ويحفظ العقل والثاني: أنه المستطاب المستلذ من المأكل والفواكه فبين تعالى أنه وإن ثقل عليهم بالنبوة وبما ألزمهم القيام بحقها، فقد أباح لهم أكل الطيبات كما أباح لغيرهم.
واعلم أنه سبحانه كما قال المرسلين ﴿ يأَيُّهَا الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات ﴾ فقال للمؤمنين: ﴿ يأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رزقناكم ﴾ ، واعلم أن تقديم قوله: ﴿ كُلُواْ مِنَ الطيبات ﴾ على قوله: ﴿ واعملوا صالحا ﴾ كالدلالة على أن العمل الصالح لابد وأن يكون مسبوقاً بأكل الحلال، فأما قوله: ﴿ إِنّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ فهو تحذير من مخالفة ما أمرهم به وإذا كان ذلك تحذيراً للرسل مع علو شأنهم فبأن يكون تحذيراً لغيرهم أولى.
أما قوله: ﴿ وَإِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحدة وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فاتقون ﴾ فقد فسرناه في سورة الأنبياء وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المعنى أنه كما يجب اتفاقهم على أكل الحلال والأعمال الصالحة فكذلك هم متفقون على التوحيد وعلى الإتقاء من معصية الله تعالى.
فإن قيل لما كانت شرائعهم مختلفة فكيف يكون دينهم واحداً؟
قلنا المراد من الدين ما لا يختلفون فيه من معرفة ذات الله تعالى وصفاته، وأما الشرائع فإن الاختلاف فيها لا يسمى اختلافاً في الدين، فكما يقال في الحائض والطاهر من النساء إن دينهن واحد وإن افترق تكليفهما فكذا هاهنا، ويدل على ذلك قوله: ﴿ وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فاتقون ﴾ فكأنه نبه بذلك على أن دين الجميع واحد فيما يتصل بمعرفة الله تعالى واتقاء معاصيه فلا مدخل للشرائع، وإن اختلفت في ذلك.
المسألة الثانية: قرئ وإن بالكسر على الاستئناف وإن بمعنى ولأن وإن مخففة من الثقيلة وأمتكم مرفوعة معها.
أما قوله تعالى: ﴿ فَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً ﴾ فالمعنى فإن أمم الأنبياء عليهم السلام تقطعوا أمرهم بينهم وفي قوله: ﴿ فَتَقَطَّعُواْ ﴾ معنى المبالغة في شدة اختلافهم والمراد بأمرهم ما يتصل بالدين.
أما قوله: ﴿ زُبُراً ﴾ فقرئ زبراً جمع زبور أي كتباً مختلفة يعني جعلوا دينهم أدياناً وزبراً قطعاً استعيرت من زبر الفضة والحديد وزبراً مخففة الباء كرسل في رسل قال الكلبي ومقاتل والضحاك يعني مشركي مكة والمجوس واليهود والنصارى.
أما قوله تعالى: ﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ فمعناه أن كل فريق منهم مغتبط بما اتخذه ديناً لنفسه معجب به يرى المحق أنه الرابح، وأن غيره المبطل الخاسر، ولما ذكر الله تعالى تفرق هؤلاء في دينهم أتبعه بالوعيد، وقال: ﴿ فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ ﴾ حتى حين الخطاب لنبينا صلى الله عليه وسلم يقول: فدع هؤلاء الكفار في جهلهم والغمرة الماء الذي يغمر القامة فكأن ما هم فيه من الجهل والحيرة صار غامراً ساتراً لعقولهم، وعن علي عليه السلام: ﴿ فِى غمراتهم حتى حِينٍ ﴾ وذكروا في الحين وجوهاً: أحدها: إلى حين الموت.
وثانيها: إلى حين المعاينة.
وثالثها: إلى حين العذاب، والعادة في ذلك أن يذكر في الكلام، والمراد به الحالة التي تقترن بها الحسرة والندامة، وذلك يحصل إذا عرفهم الله بطلان ما كانوا عليه وعرفهم سوء منقلبهم، ويحصل أيضاً عند المحاسبة في الآخرة، ويحصل عند عذاب القبر والمساءلة فيجب أن يحمل على كل ذلك.
ولما كان القوم في نعم عظيمة في الدنيا جاز أن يظنوا أن تلك النعم كالثواب المعجل لهم على أديانهم، فبين سبحانه أن الأمر بخلاف ذلك، فقال: ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخيرات ﴾ قرئ يمدهم ويسارع بالياء والفاعل هو الله سبحانه وفي المعنى وجهان: أحدهما: أن هذا الإمداد ليس إلا استدراجاً لهم في المعاصي، واستجراراً لهم في زيادة الإثم وهم يحسبونه مسارعة في الخيرات وبل للاستدراك لقوله: ﴿ أَيَحْسَبُونَ ﴾ يعني بل هم أشباه البهائم لا فطنة لهم ولا شعور حتى يتفكروا في ذلك، أهو استدراج أم مسارعة في الخير، وهذه الآية كقوله: ﴿ وَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم وأولادهم ﴾ روي عن يزيد بن ميسرة: أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء أيفرح عبدي أن أبسط له الدنيا وهو أبعد له مني، ويجزع أن أقبض عنه الدنيا وهو أقرب له مني ثم تلا: ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ ﴾ وعن الحسن: لما أتى عمر بسوار كسرى فأخذه ووضعه في يد سراقة فبلغ منكبه.
فقال عمر اللهم إني قد علمت أن نبيك عليه الصلاة والسلام، كان يحب أن يصيب مالاً لينفقه في سبيلك، فزويت ذلك عنه نظراً.
ثم إن أبا بكر كان يحب ذلك، اللهم لا يكن ذلك مكراً منك بعمر.
ثم تلا: ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ ﴾ الوجه الثاني: وهو أنه سبحانه إنما أعطاهم هذه النعم ليكونوا فارغي البال، متمكنين من الاشتغال بكلف الحق، فإذا أعرضوا عن الحق والحالة هذه، كان لزوم الحجة عليهم أقوى، فلذلك قال: ﴿ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
هذا النداء والخطاب ليسا على ظاهرهما، وكيف والرسل إنما أرسلوا متفرّقين في أزمنة مختلفة.
وإنما المعنى: الإعلام بأنّ كلّ رسول في زمانه نودي لذلك ووصى به، ليعتقد السامع أنّ أمراً نودي له جميع الرسل ووصوا به، حقيق أن يؤخذ به ويعمل عليه.
والمراد بالطيبات: ما حلّ وطاب.
وقيل: طيبات الرزق حلال وصاف وقوام، فالحلال: الذي لا يعصى الله فيه، والصافي: الذي لا ينسى الله فيه، والقوام: ما يمسك النفس ويحفظ العقل.
أو أريد ما يستطاب ويستلذ من المآكل والفواكه.
ويشهد له مجيئه على عقب قوله: ﴿ وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين ﴾ [المؤمنون: 50] ويجوز أن يقع هذا الإعلام عند إيواء عيسى ومريم إلى الربوة، فذكر على سبيل الحكاية، أي: أويناهما وقلنا لهما هذا، أي: أعلمناهما أنّ الرسل كلهم خوطبوا بهذا، فكلا مما رزقناكما واعملا صالحاً اقتداء بالرسل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ ﴾ نِداءٌ وخِطابٌ لِجَمِيعِ الأنْبِياءِ لا عَلى أنَّهم خُوطِبُوا بِذَلِكَ دَفْعَةً لِأنَّهم أُرْسِلُوا في أزْمِنَةٍ مُخْتَلِفَةٍ بَلْ عَلى مَعْنى أنَّ كُلًّا مِنهم خُوطِبَ بِهِ في زَمانِهِ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ عِيسى دُخُولًا أوَّلِيًا ويَكُونُ ابْتِداءَ كَلامٍ ذُكِرَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ تَهْيِئَةَ أسْبابِ التَّنَعُّمِ لَمْ تَكُنْ لَهُ خاصَّةً، وأنَّ إباحَةَ الطَّيِّباتِ لِلْأنْبِياءِ شَرْعٌ قَدِيمٌ واحْتِجاجًا عَلى الرَّهْبانِيَّةِ في رَفْضِ الطَّيِّباتِ، أوْ حِكايَةً لِما ذُكِرَ لِعِيسى وأُمِّهِ عِنْدَ إيوائِهِما إلى الرَّبْوَةِ لِيَقْتَدِيا الرُّسُلَ في تَناوُلِ ما رُزِقا.
وقِيلَ النِّداءُ لَهُ ولَفْظُ الجَمْعِ لِلتَّعْظِيمِ والطَّيِّباتُ ما يُسْتَلَذُّ بِهِ مِنَ المُباحاتِ.
وَقِيلَ الحَلالُ الصّافِي القَوامِ فالحَلالُ ما لا يُعْصى اللَّهُ فِيهِ والصّافِي ما لا يُنْسى اللَّهُ فِيهِ والقَوامُ ما يُمْسِكُ النَّفْسَ ويَحْفَظُ العَقْلَ.
﴿ واعْمَلُوا صالِحًا ﴾ فَإنَّهُ المَقْصُودُ مِنكم والنّافِعُ عِنْدَ رَبِّكم.
﴿ إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ فَأُجازِيكم عَلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
{يا أيها الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات} هذا النداء والخطاب ليسا على ظاهرهما لأنهم أرسلوا متفرقين في أزمنة مختلفة وإنما المعنى الإعلام بأن كل رسول في زمانه نودي بذلك ووصى به ليعتقد السامع أن أمراً نودي له جميع الرسل ووصوابه حقيق أن يؤخذ به ويعمل عليه أو هو خطاب لمحمد عليه الصلاة والسلام لفضله وقيامه مقام الكل في زمانه وكان يأكل من الغنائم أو لعيسى عليه السلام لاتصال الآية بذكره وكان يأكل من غزل أمه وهو أطيب الطيبات والمراد بالطيبات ما حل والأمر للتكليف أو ما يستطاب ويستلذ والأمر للترفيه والإباحة {واعملوا صالحا} موافقاً للشريعة {إِنّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} فأجازيكم على أعمالكم
﴿ يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ ﴾ حِكايَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ عَلى وجْهِ الإجْمالِ لِما خُوطِبَ بِهِ كُلُّ رَسُولٍ في عَصْرِهِ جِيءَ بِها إثْرَ حِكايَةِ إيواءِ عِيسى وأُمِّهِ عَلَيْهِما السَّلامُ إلى الرَّبْوَةِ إيذانًا بِأنَّ تَرْتِيبَ مَبادِي النِّعَمِ لَمْ تَكُنْ مِن خَصائِصِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ إباحَةُ الطَّيِّباتِ شَرْعٌ قَدِيمٌ جَرى عَلَيْهِ جَمِيعُ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ووَصَّوْا بِهِ أيْ وقُلْنا لِكُلِّ رَسُولِ كُلْ مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلْ صالِحًا فَعَبَّرَ عَنْ تِلْكَ الأوامِرِ المُتَعَدِّدَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالرُّسُلِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ عِنْدَ الحِكايَةِ إجْمالًا لِلْإيجازِ أوْ حِكايَةً لِما ذُكِرَ لِعِيسى وأُمِّهِ عَلَيْهِما السَّلامُ عِنْدَ إيوائِهِما إلى الرَّبْوَةِ لِيَقْتَدِيا بِالرُّسُلِ في تَناوُلِ ما رُزِقا كَأنَّهُ قِيلَ آوَيْناهُما إلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ وقُلْنا أوْ قائِلِينَ لَهُما هَذا أيْ أعْلَمْناهُما أوْ مُعَلِّمِيهِما أنَّ الرُّسُلَ كُلَّهم خُوطِبُوا بِهَذا فَكُلا واعْمَلا اقْتِداءً بِهِمْ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ نِداءً لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأمْرًا لَهُ بِأنْ يَأْكُلَ مِنَ الطَّيِّباتِ، فَقَدْ جاءَ في حَدِيثٍ مُرْسَلٍ عَنْ حَفْصِ ابْنِ أبِي جَبْلَةَ عَنِ النَّبِيِّ «أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الرُّسُلُ ﴾ إلَخْ: ذاكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ كانَ يَأْكُلُ مِن غَزْلِ أُمِّهِ»، وعَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والسَّدِّيِّ والكَلْبِيِّ أنَّهُ نِداءٌ لِرَسُولِ اللَّهِ وخِطابٌ لَهُ والجُمَعُ لِلتَّعْظِيمِ واسْتَظْهَرَ ذَلِكَ النَّيْسابُورِيُّ، وما وقَعَ في شَرْحِ التَّلْخِيصِ تَبَعًا لِلرَّضِيِّ مِن أنَّ قَصْدَ التَّعْظِيمِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ في غَيْرِ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ لَمْ يَقَعْ في الكَلامُ القَدِيمِ خَطَأٌ لِكَثْرَتِهِ في كَلامُ العَرَبِ مُطْلَقًا بَلْ في جَمِيعِ الألْسِنَةِ وقَدْ صَرَّحَ بِهِ الثَّعالِبِيُّ في فِقْهِ اللُّغَةِ، والمُرادُ بِالطَّيِّباتِ عَلى ما اخْتارَهُ شَيْخُ الإسْلامِ وغَيْرُهُ ما يُسْتَطابُ ويُسْتَلَذُّ مِن مُباحاتِ المَأْكَلِ والفَواكِهِ، واسْتَدَلَّ لَهُ بِأنَّ السِّياقَ يَقْتَضِيهِ والأمْرُ عَلَيْهِ لِلْإباحَةِ والتَّرْفِيهِ وفِيهِ إبْطالٌ لِلرَّهْبانِيَّةِ الَّتِي ابْتَدَعَتْها النَّصارى، وقِيلَ المُرادُ بِالطَّيِّباتِ ما حَلَّ والأمْرُ تَكْلِيفِيٌّ، وأيَّدَ بِتَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واعْمَلُوا صالِحًا ﴾ أيْ عَمَلًا صالِحًا، وقَدْ يُؤَيِّدُ بِما أخْرَجَهُ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُويَهٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ «عَنْ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ أُخْتُ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّها بَعَثَتْ إلى النَّبِيِّ بِقَدَحِ لَبَنٍ عِنْدَ فِطْرِهِ وهو صائِمٌ فَرَدَّ إلَيْها رَسُولَها أنّى لَكِ هَذا اللَّبَنُ؟
قالَتْ: مِن شاةٍ لِي فَرَدَّ إلَيْها رَسُولُها أنّى لَكِ الشّاةُ؟
فَقالَتِ: اشْتَرَيْتُها مِن مالِي فَشَرِبَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلَمّا كانَ مِنَ الغَدِ أتَتْهُ أمُّ عَبْدِ اللَّهِ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ بَعَثْتُ إلَيْكَ بِلَبَنٍ فَرَدَدْتَ إلَيَّ الرَّسُولَ فِيهِ فَقالَ لَها: «بِذَلِكَ أُمِرَتِ الرُّسُلُ قَبْلِي أنْ لا تَأْكُلُ إلّا طَيَّبا ولا تَعْمَلُ إلّا صالِحًا»» وكَذا بِما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ «يا أيُّها النّاسُ إنَّ اللَّهَ تَعالى طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلّا طَيِّبًا وإنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِما أمَرَ بِهِ المُسْلِمِينَ فَقالَ: ﴿ يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا ﴾ وقالَ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أشْعَثَ أغْبَرَ ومَطْعَمُهُ حَرامٌ ومَشْرَبَهُ حَرامٌ ومَلْبَسُهُ حَرامٌ وغُذِّيَ بِالحَرامِ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ يا رَبِّ يا رَبِّ فَأنّى يُسْتَجابُ لِذَلِكَ»» وتَقْدِيمُ الأمْرِ بِأكْلِ الحَلالِ لِأنَّ أكْلَ الحَلالِ مُعِينٌ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ.
وجاءَ في بَعْضِ الأخْبارِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَقْبَلُ عِبادَةَ مَن في جَوْفِهِ لُقْمَةٌ مِن حَرامٍ، وصَحَّ «أيَّما لَحْمٍ نَبَتَ مِن سُحْتٍ فالنّارُ أوْلى بِهِ».
ولَعَلَّ تَقْدِيمَ الأمْرِ الأوَّلِ عَلى تَقْدِيرِ حَمْلِ الطَّيِّبِ عَلى ما يُسْتَلَذُّ مِنَ المُباحاتِ لِأنَّهُ أوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وآوَيْناهُما إلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ ﴾ وفي الأمْرِ بَعْدَهُ بِالعَمَلِ الصّالِحِ حَثَّ عَلى الشُّكْرِ.
﴿ إنِّي بِما تَعْمَلُونَ ﴾ مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ ﴿ عَلِيمٌ ﴾ فَأُجازِيكم عَلَيْهِ، وفي البَحْرِ أنَّ هَذا تَحْذِيرٌ لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في الظّاهِرِ والمُرادُ أتْباعُهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ، يعني: التوراة، لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ يعني: لكي يهتدوا، يعني: بني إسرائيل.
قوله تعالى: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً، يعني: عبرة وعلامة لبني إسرائيل، ولم يقل آيتين، وقد ذكرناه.
ثم قال: وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ، وذلك أنها لما ولدت عيسى هم قومها أن يرجموها، فخرجت من بيت المقدس إلى أرض دمشق، والربوة: المكان المرتفع.
ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ، يعني: أرضاً مستوية وَمَعِينٍ يعني: الماء الجاري الطاهر، وهو مفعول من العين، وأصله: معيون، كما يقال: ثوب مخيط.
وقال سعيد بن المسيب: الربوة هي دمشق، ويقال: هي بيت المقدس، لأنها أقرب إلى السموات من سائر الأرض.
ويقال: إنها الرملة وفلسطين.
قرأ ابن عامر وعاصم رَبْوَةٍ بنصب الراء، وقرأ الباقون بالضم، ومعناهما واحد.
قوله عز وجل: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ، يعني: محمدا .
وإنما خاطب به النبي وأراد به النبيّ وأمته، كما يجيء في مخاطبتهم.
كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ، يعني: من الحلالات.
قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا ابن صاعد قال: حدثنا أحمد بن منصور قال: حدثنا الفضل بن دكين قال: حدثنا الفضل بن مرزوق قال: أخبرني عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : «يَا أَيُّها النَّاسُ إنَّ الله طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلاَّ طَيِّبَاً، وَإنَّ الله تَعَالَى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ، فَقَالَ: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ [البقرة: 57] .
ثمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ، يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لذلك» (١) ، فقيل: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ وتضمن هذا الخطاب أن الرسل عليهم السلام جميعاً كذا أمروا.
قال: ويروى أن عيسى كان يأكل من غزل أمه، وكان رزق النبيّ من الغنيمة وأطيب الطيبات الغنائم.
ثم قال تعالى: وَاعْمَلُوا صالِحاً يعني: خالصاً.
إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ، يعني: قبل أن تعملوا.
قوله عز وجل: وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً، يعني: دينكم الذي أنتم عليه، يعني: ملة الإسلام دين واحد، عليه كانت الأنبياء عليهم السلام والمؤمنون.
وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ، يعني: أنا شرعته لكم فأطيعون.
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: أَن بنصب الألف وتشديد النون، وقرأ ابن عامر بنصب الألف وسكون النون، وقرأ الباقون بكسر الألف والتشديد على معنى الابتداء.
ثم قال عز وجل: فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ، يقول: فرقوا دينهم وتفرقوا في دينهم، ومعناه: أن دين الله تعالى واحد، فجعلوه أدياناً مختلفة زبراً.
قرأ ابن عامر: زُبُراً بنصب الباء، أي قطعاً وفرقاً، وقرأ نافع وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي زُبُراً.
بضم الباء، أي كتباً، معناه: جعلوا دينهم كتباً مختلفة، ويقال: فتقطعوا كتاب الله وحرفوه وغيروه.
كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ، يعني: بما هم عليه من الدين معجبون، راضون به.
(١) عزاه السيوطي 6/ 102 إلى أحمد ومسلم والترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الرُّسُلُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ في آخَرِينَ: يَعْنِي بِالرُّسُلِ هاهُنا: مُحَمَّدًا وحْدَهُ، وهو مَذْهَبُ العَرَبِ في مُخاطَبَةِ الواحِدِ خِطابَ الجَمِيعِ، ويَتَضَمَّنُ هَذا أنَّ الرُّسُلَ جَمِيعًا كَذا أُمِرُوا، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجُ، والمُرادُ بِالطَّيِّباتِ: الحَلالُ.
قالَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ: كانَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَأْكُلُ مِن غَزْلِ أُمِّهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: ( وأنَّ ) بِالفَتْحِ وتَشْدِيدِ النُّونِ.
وافَقَ ابْنُ عامِرٍ في فَتْحِ الألِفِ، لَكِنَّهُ سَكَّنَ النُّونَ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( وإنَّ ) بِكَسْرِ الألِفِ وتَشْدِيدِ النُّونِ.
قالَ الفَرّاءُ: مَن فَتَحَ عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ ، وبِأنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم، فَمَوْضِعُها خَفْصٌ؛ لِأنَّها مَرْدُودَةٌ عَلى " ما "، وإنْ شِئْتَ كانَتْ مَنصُوبَةً بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، كَأنَّكَ قُلْتَ: واعْلَمُوا هَذا، ومَن كَسَرَ اسْتَأْنَفَ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وأمّا ابْنُ عامِرٍ فَإنَّهُ خَفَّفَ النُّونَ المُشَدَّدَةَ، وإذا خُفِّفَتْ تَعَلَّقَ بِها ما يَتَعَلَّقُ بِالمُشَدَّدَةِ.
وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الآيَةِ والَّتِي بَعْدَها في ( الأنْبِياءِ: ٩٢ ) إلى قَوْلِهِ: ﴿ زُبُرًا ﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( زُبَرًا ) بِرَفْعِ الزّايِ وفَتْحِ الباءِ.
وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( زُبْرًا ) بِرَفْعِ الزّايِ وإسْكانِ الباءِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: ( زُبُرًا ) بِضَمِّ الباءِ، فَتَأْوِيلُهُ: جَعَلُوا دِينَهم كُتُبًا مُخْتَلِفَةً، جَمْعُ زَبُورٍ.
ومَن قَرَأ: ( زُبَرًا ) بِفَتْحِ الباءِ، أرادَ: قِطَعًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ ؛ أيْ: بِما عِنْدَهم مِنَ الدِّينِ الَّذِي ابْتَدَعُوهُ مُعْجَبُونَ، يَرَوْنَ أنَّهم عَلى الحَقِّ.
وَفِي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ الكِتابِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّهم أهْلُ الكِتابِ ومُشْرِكُو العَرَبِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ( في غَمَراتِهِمْ ) عَلى الجَمْعِ.
قالَ الزَّجّاجُ: في عَمايَتِهِمْ وحَيْرَتِهِمْ.
﴿ حَتّى حِينٍ ﴾ ؛ أيْ: إلى حِينِ يَأْتِيهِمْ ما وُعِدُوا بِهِ مِنَ العَذابِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي: كُفّارَ مَكَّةَ.
* فَصْلٌ وَهَلْ هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ أمْ لا ؟
فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
والثّانِي: أنَّ مَعْناها التَّهْدِيدُ فَهي مُحْكَمَةٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ ﴾ وقَرَأ عِكْرِمَةُ وأبُو الجَوْزاءِ: ( يُمِدُّهم ) بِالياءِ المَرْفُوعَةِ وكَسْرِ المِيمِ.
وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( نَمُدُّهم ) بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ المِيمِ.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أيَحْسَبُونَ أنَّ الَّذِي نَمُدُّهم بِهِ ﴿ مِن مالٍ وبَنِينَ ﴾ مُجازاةٌ لَهم ؟
إنَّما هو اسْتِدْراجٌ.
﴿ نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ ﴾ ؛ أيْ: نُسارِعُ لَهم بِهِ في الخَيْراتِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وأيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ: ( يُسارِعُ ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ وكَسْرِ الرّاءِ.
وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ وأبُو المُتَوَكِّلِ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُما فَتَحا الرّاءَ.
وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( يُسْرِعُ ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ وسُكُونِ السِّينِ ونُصْبِ الرّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ لا يَشْعُرُونَ ﴾ ؛ أيْ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ لَهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً وآوَيْناهُما إلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ ﴾ ﴿ يا أيُّها الرُسُلُ كُلُوا مِنَ الطَيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ "الكِتابُ" هو التَوْراةُ، و"لَعَلَّهُمْ" يُرِيدُ بَنِي إسْرائِيلَ لِأنَّ التَوْراةَ إنَّما نَزَلَتْ بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ والقَبَطَ، والتَرَجِّي في "لَعَلَّ" في حَيِّزِ البَشَرِ، أيْ: كانَ مِن فِعْلِنا مَعَهم ما يَرْجُو مَعَهُ ابْنُ آدَمَ إيمانَهم وهُداهُمْ، والقَضاءُ قَدْ حَكَمَ بِما حَكَمَ.
و "ابْنُ مَرْيَمَ" عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقِصَّتُهُما كُلُّها آيَةٌ عُظْمى بِمَجْمُوعِها، وهي آياتٌ مَعَ التَفْصِيلِ، وأخَذَها مِن كِلا الوَجْهَيْنِ مُتَمَكِّنٌ، و"آوى" مَعْناهُ: ضَمَّ، واسْتِعْمالُ اللَفْظَةِ في الأماكِنِ، أيْ: أقْرَرْناهُما، و "الرَبْوَةُ": المُرْتَفَعُ مِنَ الأرْضِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "رَبْوَةٍ"، وقَرَأ عاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِها، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ونَصْرٌ عن عاصِمْ بِكَسْرِها.
وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقِ: "رُباوَةٍ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ الشُهُبُ العَقِيلِيِّ بِفَتْحِها، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِكَسْرِها، وكُلُّها لُغاتٌ قُرِئَ بِها، و"القَرارُ": التَمَكُّنُ، فَمَعْنى هَذا أنَّها مُسْتَوِيَةٌ بَسِيطَةٌ لِلْحَرْثِ والغِراسَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- وقالَ قَتادَةُ: "القَرارُ" هُنا: الحُبُوبُ والثِمارُ.
ومَعْنى الآيَةِ أنَّها مِنَ البِقاعِ الَّتِي كَمُلَتْ خِصالُها فَهي أهْلٌ أنْ يَسْتَقِرَّ فِيها، وقَدْ يُمْكِنُ أنْ يَسْتَقِرَّ عَلى الكَمالِ في البِقاعِ الَّتِي ماؤُها آبارٌ، فَبَيَّنَ بَعْدُ أنَّ ماءَ هَذِهِ الرَبْوَةِ يُرى مُعَيَّنًا جارِيًا عَلى وجْهِ الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- وهَذا كَمالُ الكَمالِ.
و"المَعِينُ": الظاهِرُ الجَرْيَ لِلْعَيْنِ، فالمِيمُ زائِدَةٌ، وهو الَّذِي يُعايِنُ جَرْيَهُ، لا كالبِئْرِ ونَحْوِهُ، وكَذَلِكَ أدْخَلَ الخَلِيلُ هَذِهِ اللَفْظَةَ في بابِ (عَ، يَ، نَ)، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن قَوْلِهِمْ: "مَعُنَ الماءُ" إذا كَثُرَ، ومِنهُ قَوْلُهُمُ: المَعْنُ المَعْرُوفُ والجُودُ، فالمِيمُ فاءُ الفِعْلِ، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ عَلى هَذا قَوْلَ عَبِيدِ بْنِ الأبْرَصِ: واهِيَةٌ أو مُعِينٌ مُمْعِنٌ وهَضَبَةٌ دُونَها لُهُوبُ وقَدِ قالَ رَسُولُ اللهِ - -: «يَرْحَمُ اللهُ هاجَرَ لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ لَكانَتْ عَيْنًا مُعَيَّنًا».
وهَذا يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ، وهَذِهِ الرَبْوَةُ هي المَوْضِعُ الَّذِي فَرَّتْ إلَيْهِ مَرْيَمُ حِينَ اسْتَحْيَتْ في قِصَّةِ عِيسى -عَلَيْهِ السَلامُ- وهو الَّذِي قِيلَ لَها فِيهِ: ﴿ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ﴾ ، هَذا قَوْلُ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَوْضِعِ الرَبْوَةِ -فَقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ سَعِيدُ: هي الغُوطَةُ بِدِمِشْقَ - وهَذا أشْهَرُ الأقْوالِ لِأنَّ صِفَةَ الغُوطَةِ أنَّها ذاتُ قَرارٍ ومَعِينٍ عَلى الكَمالِ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عنهُ-: هي الرَمْلَةُ في فِلَسْطِينَ، وأسْنَدَهُ الطَبَرِيُّ عن كُرَيْبٍ، عن مُرَّةَ البَهْزِيِّ، عَنِ النَبِيِّ - - ويُعارِضُ هَذا القَوْلَ أنَّ الرَمَلَةَ لَيْسَ يَجْرِي بِها ماءٌ البَتَّةَ، وذَكَرُهُ الطَبَرِيُّ وضَعَّفَ القَوْلَ بِهِ، وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: الرَبْوَةُ بَيْتُ المَقْدِسِ، وزَعَمَ أنَّ في التَوْراةِ أنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ أقْرَبُ الأرْضِ إلى السَماءِ، وأنَّهُ يَزِيدُ عَلى أعْلى الأرْضِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَتَرَجَّحُ أنَّ الرَبْوَةَ في بَيْتِ لَحْمٍ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ لِأنَّ وِلّادَةَ عِيسى هُنالِكَ كانَتْ، وحِينَئِذٍ كانَ الإيواءُ، وقالَ أبُو زَيْدٍ: الرَبْوَةُ بِأرْضِ مِصْرَ، وذَلِكَ أنَّها رُبى يَجْرِي فَيْضُ النِيلِ إلَيْها فَيَمْلَأُ الأرْضَ ولا يَنالُ تِلْكَ الرُبى وفِيها القُرى وبِها نَجاتُها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُضَعِّفُ هَذا القَوْلَ أنَّهُ لَمْ يُرْوَ أنَّ عِيسى -عَلَيْهِ السَلامُ- ومَرْيَمَ كانا بِأرْضِ مِصْرَ ولا حُفِظَتْ لَهُما بِهِما قِصَّةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الرُسُلُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: وقُلْنا يا أيُّها الرُسُلُ، فَتَكُونُ هَذِهِ بَعْضُ القَصَصِ الَّتِي ذَكَرَ، وكَيْفَ كانَ قَوْلُ المَعْنى، فَلَمْ يُخاطَبُوا قَطُّ مُجْتَمَعَيْنِ وإنَّما خُوطِبَ كُلُّ واحِدٍ في عَصْرِهِ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: الخِطابَ بِقَوْلِهِ: ﴿ يا أيُّها الرُسُلُ ﴾ لِمُحَمَّدٍ - - ثُمُ اخْتَلَفَتْ -فَقالَ بَعْضُها: أقامَهُ مَقامَ الرُسُلِ، كَما قالَ: ﴿ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ الناسُ إنَّ الناسُ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهُمْ ﴾ وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا لا يَثْبُتُ مَعَ النَظَرِ.
والوَجْهُ في هَذا أنْ يَكُونَ الخُطّابُ لِمُحَمَّدٍ - - وخَرَجَ بِهَذِهِ الصِيغَةِ لِيُفْهِمْ وجِيزًا أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ قَدْ خُوطِبَ بِها كُلُّ نَبِيٍّ، أو هي طَرِيقَتُهُمُ الَّتِي يَنْبَغِي لَهُمُ الكَوْنُ عَلَيْها، وهَذا كَما تَقُولُ لِتاجِرٍ: يا تُجّارُ يَنْبَغِي أنَّ تُجانِبُوا الرِبا، فَأنْتَ تُخاطِبُهُ بِالمَعْنى، وقَدِ اقْتَرَنَ بِذَلِكَ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ تَصْلُحُ لِجَمِيعِ صِنْفِهِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: الخِطابُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الرُسُلُ ﴾ لِعِيسى -عَلَيْهِ السَلامُ- ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَأْكُلُ مِن غَزْلَ أُمِّهِ، والمَشْهُورُ أنَّهُ كانَ يَأْكُلُ مِن بَقْلِ البَرِّيَّةِ، ووَجْهُ خِطابِهِ لِعِيسى -عَلَيْهِ السَلامُ- ما ذَكَرْناهُ مِن تَقْدِيرٍ لِمُحَمَّدٍ - - و"الطَيِّباتُ" هُنا: الحَلالُ بِلَذَّةٍ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ تَنْبِيهٌ ما عَلى التَحَفُّظِ، وضَرْبٍ مِنَ الوَعِيدِ بِالمُباحَثَةِ -صَلّى اللهُ عَلى جَمِيعِ أنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ- وإذا كانَ هَذا مَعَهم فَما ظَنُّ كُلُّ الناسِ بِأنْفُسِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
يتعيَّن تقدير قول محذوف اكتفاء بالمقول، وهو استئناف ابتدائي، أي قلنا: يا أيها الرسل كلوا.
والمحكي هنا حكي بالمعنى لأن الخطاب المذكور هنا لم يكن موجهاً للرسل في وقت واحد بضرورة اختلاف عصورهم.
فالتقدير: قلنا لكل رسول مِمَّنْ مضَى ذكرُهم كُلْ من الطيبات واعمل صالحاً إني بما تعمل عليم.
وذلك على طريقة التوزيع لمدلول الكلام وهي شائعة في خطاب الجماعات.
ومنه: ركب القوم دوابَّهم.
والغرض من هذا بيان كرامة الرسل عند الله ونزاهتهم في أمورهم الجسمانيَّة والروحانيَّة، فالأكل من الطيبات نزاهة جسميَّة والعمل الصالح نزاهة نفسانيَّة.
والمناسبة لهذا الاستئناف هي قوله: ﴿ وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين ﴾ [المؤمنون: 50] وليحصل من ذلك الرد على اعتقاد الأقوام المعلّلين تكذيبهم رسلهم بعلة أنهم يأكلون الطعام كما قال تعالى في الآية السابقة ﴿ ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ﴾ [المؤمنون: 33]، وقال: ﴿ وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ﴾ [الفرقان: 7]، وليبطل بذلك ما ابتدعه النصارى من الرهبانيَّة.
وهذه فوائد من الاستدلال والتعليم كان لها في هذا المكان الوقع العظيم.
والأمر في قوله: ﴿ كلوا ﴾ للإباحة، وإن كان الأكل أمراً جبلِّياً للبشر إلا أن المراد به هنا لازمه وهو إعلام المكذبين بأن الأكل لا ينافي الرسالة وأن الذي أرسل الرسل أباح لهم الأكل.
وتعليق ﴿ من الطيبات ﴾ بكسب الإباحة المستفادة من الأمر شرط أن يكون المباح من الطيبات، أي أن يكون المأكول طيّباً.
ويزيد في الرد على المكذبين بأن الرسل إنما يجتنبون الخبائث ولا يجتنبون ما أحل الله لهم من الطيبات.
والطيبات: ما ليس بحرام ولا مكروه.
وعطف العمل الصالح على الأمر بأكل الطيبات إيماء إلى أن همة الرسل إنما تنصرف إلى الأعمال الصالحة، وهذا كقوله تعالى ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناحٌ فيما طَعمُوا إذا ما اتَّقَوْا وآمنوا وعملوا الصّالحات ﴾ [المائدة: 93] المراد به ما تناولوه من الخمر قبل تحريمها.
وقوله: ﴿ إني بما تعملون عليم ﴾ تحريض على الاستزادة من الأعمال الصالحة لأن ذلك يتضمن الوعد بالجزاء عنها وأنه لا يضيع منه شيء، فالخبر مستعمل في التحريض.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ: ﴿ وَإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: دِينُكم دِينٌ واحِدٌ، قالَهُ الحَسَنُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً وهَلْ يَأْتَمِنُ ذُو أُمَّةٍ وهو طائِعُ الثّانِي: جَماعَتُكم جَماعَةٌ واحِدَةٌ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الثّالِثُ: خَلُقُكم خُلُقٌ واحِدٌ.
قَوْلُهُ: ﴿ فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَفَرَّقُوا دِينَهم بَيْنَهم قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: انْقَطَعَ تَواصُلُهم بَيْنَهم.
وَهو مُحْتَمَلٌ.
﴿ زُبُرًا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما يَعْنِي قِطَعًا وجَماعاتٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ، وتَأْوِيلُ مَن قَرَأ بِفَتْحِ الباءِ.
الثّانِي: يَعْنِي، كُتُبًا، قالَهُ قَتادَةُ، وتَأْوِيلُ مَن قَرَأ بِضَمِّ الباءِ ومَعْناهُ، أنَّهم تَفَرَّقُوا الكُتُبَ، فَأخَذَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنهم كُتُابًا، آمَنَ بِهِ وكَفَرَ بِما سِواهُ.
﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: كُلُّ حِزْبٍ بِما تَفَرَّدُوا بِهِ مِن دِينٍ وكِتابٍ فَرِحُونَ.
والثّانِي: كُلُّ حِزْبٍ بِما لَهم مِن أمْوالٍ وأوْلادٍ فَرِحُونَ.
وَفي فَرَحِهِمْ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سُرُورُهم.
والثّانِي: أنَّها أعْمالُهم.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ ﴾ فِيها أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: في ضَلالَتِهِمْ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّانِي: في عَمَلِهِمْ، وهو قَوْلُ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ.
والثّالِثُ: في حَيْرَتِهِمْ، وهو قَوْلُ ابْنِ شَجَرَةَ.
والرّابِعُ: في جَهْلِهِمْ، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ.
﴿ حَتّى حِينٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: حَتّى المَوْتِ.
والثّانِي: حَتّى يَأْتِيَهم ما وُعِدُوا بِهِ، وهو يَوْمُ بَدْرٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ خارِجٌ مَخْرَجَ الوَعِيدِ كَما تَقُولُ لِلتَّوَعُّدِ: لَكَ يَوْمٌ، وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ ﴾ أيْ نُعْطِيهِمْ ونَزِيدُهم مِن أمْوالٍ وأوْلادٍ.
﴿ نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: نَجْعَلُهُ في العامِلِ خَيْرًا.
والثّانِي: أنَما نُرِيدُ لَهم بِذَلِكَ خَيْرًا.
﴿ بَلْ لا يَشْعُرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بَلْ لا يَشْعُرُونَ أنَّهُ اسْتِدْراجٌ.
والثّانِي: بَلْ لا يَشْعُرُونَ أنَّهُ اخْتِبارٌ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أحمد ومسلم والترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً ﴿ واعملوا صالحاً إني بما تعملون عليم ﴾ وقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ﴾ ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي من الحرام، يمد يديه إلى السماء، يا رب يا رب، فأنى يستجاب لذلك» .
وأخرج أحمد في الزهد وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه عن أم عبد الله أخت شداد بن أوس أنها «بعثت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بقدح لبن عند فطره وهو صائم، فرد إليها رسولها، أنى لك هذا اللبن؟
قالت: من شاة لي.
فرد إليها رسولها، انى لك الشاة؟
فقالت: اشتريتها من مالي.
فشرب منه.
فلما كان من الغد أتته أم عبد الله فقالت: يا رسول الله بعثت إليك بلبن فرددت إلي الرسول فيه فقال لها: بذلك أُمِرَتْ الرسل قبلي أن لا تأكل إلا طيباً ولا تعمل إلا صالحاً» .
وأخرج عبدان في الصحابة عن حفص بن أبي جبلة «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى ﴿ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات ﴾ الآية.
قال: ذاك عيسى ابن مريم يأكل من غزل أمه» مرسل حفص تابعي.
وأخرج سعيد بن منصور عن حفص الفزاري مثله موقوفاً عليه.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحيلة عن أبي ميسرة عن عمر بن شرحبيل في قوله: ﴿ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات ﴾ قال: كان عيسى ابن مريم عليه السلام يأكل من غزل أمه.
وأخرج البيهقي في الشعب عن جعفر بن سليمان عن ثابت بن عبد الوهاب بن أبي حفص قال: أمسى داود عليه السلام صائماً، فلما كان عند إفطاره أتى بشربة لبن فقال: من أين لكم هذا اللبن؟
قالوا: من شاتنا.
قال: ومن أين ثمنها؟
قالوا: يا نبي الله من أين تسأل؟
قال: إنا معاشر الرسل أُمِرْنا أن نأكل من الطيبات ونعمل صالحاً.
وأخرج الحكيم الترمذي عن حنظلة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما جاءني جبريل إلا أمرني بهاتين الدعوتين.
اللهم ارزقني طيباً، واستعملني صالحاً» .
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً ﴾ قال: هذه للرسل ثم قال للناس عامة و ﴿ إن هذه أمتكم أمة واحدة ﴾ [ الأنبياء: 92] يعني.
دينكم دين واحد.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا ﴾ اختلفوا في هذا الخطاب: فذهب قوم إلى أنه خطاب لجميع الرسل، كأنَّه إخبار عمل قيل لهم.
وهذا قول الضحاك، ومعنى قول ابن عباس- في رواية عطاء (١) ويدل على هذا حديث أبي هريرة عن النبي - - "وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ ﴾ وقال ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ الحديث (٢) وهذا يدل على أن الله تعالى عمَّ المرسلين بهذه الآية.
وقال الحسن، ومجاهد، وقتادة، والسدي، والكلبي (٣) (٤) - وحده.
واختاره الفراء، والقتيبي، والزَّجَّاج.
قال الفراء: أراد النبيَّ - - فجمع كما يقال في الكلام للرجل الواحد: أيها القوم كُفُّوا عنا أذاكم.
قال: ومثله ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ ﴾ (٥) (٦) (٧) وقال الزَّجَّاج: إنّما خوطب بهذا رسول الله - -، قيل: ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ ﴾ ، وتضمن هذا الخطاب أن الرسل جميعًا كذا أمروا (٨) وقال ابن قتيبة: خوطب به النبي - - وحده على مذهب العرب في مخاطبة الواحد مخاطبة الجميع (٩) وذهب أخرون إلى أن هذا إخبار عما قيل لعيسى - - وهذا الخطاب له (١٠) واختار محمد بن جرير هذا القول، واحتج بحديث أبي إسحاق السبيعي (١١) (١٢) (١٣) وروي هذا القول مرفوعًا أن النبي - - قال في هذه الآية: "ذاك عيسى ابن مريم كان يأكل من غزل أمه" (١٤) قوله: ﴿ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ ﴾ قال الضحّاك: أمرهم أن لا يأكلوا إلا حلالاً طيبًا (١٥) (١٦) والمعنى: كلوا من الحلال.
قاله ابن عباس.
قال الزَّخَّاج: وكل مأكول حلال مستطاب (١٧) ويقول قوم: إذا قلنا إنَّ هذا خطاب لمحمد - - فالمراد بالطيبات الغنائم وأنها ما أحلت إلا لرسول الله - - (١٨) قال الزَّجَّاج: وأطيب الطيبات الغنائم (١٩) ومضى الكلام في الطيبات عند قوله: ﴿ كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ (٢٠) قوله: ﴿ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ﴾ أي اعملوا (٢١) ﴿ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ لا يخفى عليَّ شيء من أعمالكم.
(١) ذكر البغوي 5/ 420، والرازي 23/ 104، والقرطبي 12/ 128 هذا القول من غير نسبة لأحد.
وهذا القول هو أقرب الأقوال، لأنَّه أوفق للفظ الآية.
قاله الرازي 23/ 104 ولدلالة الحديث الذي ساقه الواحدي.
وهو نداء خطاب لجميع الرسل باعتبار زمان كل واحد منهم، فدخل فيه محمد - - وهو القول الثاني- وعيسى - - وهو قول ابن جرير- دخولاً أوّليًّا.
وإنَّما ذكر أن الرسل نودوا بذلك ووصُّوا به، ليعتقد السامع أن أمرًا نودي له جميع الرسل ووصُّوا به حقيقٌ أن يؤخذ به ويعمل عليه.
قاله الزمخشري 3/ 34.
(٢) رواه الإمام أحمد في "مسنده" 2/ 328، ومسلم في "صحيحه" كتاب الزكاة - باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها 2/ 703، والترمذي في "جامعه" (كتاب التفسير- باب: ومن سورة البقرة 8/ 333 - 334.
(٣) ذكره الثعلبي 3/ 62 أعنهم سوى الكلبي.
وذكره ابن الجوزي 5/ 477 مثل الثعلبي وزاد ابن عباس ثم قال: في آخرين.
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" 2/ 31 أ.
(٥) آل عمران: 173.
(٦) في (أ): (وهم).
(٧) "معاني القرآن" للفراء 2/ 237.
وما ذكره الفراء من أن المراد بالناس في قوله (الذين قال لهم الناس) هو نعيم بن مسعود قول حكاه القرطبي 12/ 279 عن مجاهد وعكرمة ومقاتل والكلبي.
وأنَّ أبا سفيان بعد وقعة أحد جعل لنعيم بن مسعود جُعْلا على أنْ يأتي النبي - - فيخبره أن قريشًا قد اجتمعت وأقبلت لحربه هي ومن انضاف إليها.
ثم حكى القرطبي عن جماعة من أهل العلم: أن المراد بالناس: ركب عبد القيس، مرُّوا بأبي سفيان فدَسَّهم إلى المسلمين ليثبطوهم.
وقيل: الناس هنا: المنافقون.
وقيل: هم ناس من هذيل سألهم أصحاب رسول الله - - عن أبي سفيان فقالوا: "قد جمعوا لكم".
قال القرطبي 12/ 280: فالناس على هذه الأقوال على بابه من الجمع.
وقد صوَّب ابن عطية 3/ 298 - 299 القول بأن الناس هم ركب عبد القيس.
وعزاه للجمهور.
وضعف القول بأن لفظة "الناس" تطلق على رجل واحدإن هذه الآية، ووصف القول بأن الناس هو نعيم بن مسعود بالشذوذ.
وانظر: الطبري 7/ 405 - 413، وابن كثير 1/ 428 - 430.
(٨) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 15.
(٩) "غريب القرآن" لابن قتيبة 3/ 297.
(١٠) هذا قول الطبري 18/ 28، والثعلبي 3/ 62 أ.
(١١) هو: عمرو بن عبد الله، الهمداني، السبيعي، الكوفي، أبو إسحاق.
شيخ الكوفة، وعلامها، ومحدثها.
كان من العلماء العاملي، وقال علي بن المدينة: حفظ العلم على هذه الأمة ستة: ذكر منهم أبا إسحاق.
قال الذهبي ثقة، حجة بلا نزاع، كبر وتغير حفظه تغير السن ولم يختلط.
وقال ابن حجر: ثقة، عابد، اختلط بآخرة.
توفي سنة 127 هـ، وقيل: 128 هـ.
"طبقات ابن سعد" 9/ 313، "سير أعلام النبلاء" 5/ 392، "غاية النهاية" 1/ 602، "تهذيب التهذيب" 8/ 63، "تقريب التهذيب" 2/ 73، "طبقات الحفاظ" للسيوطي ص 43.
(١٢) في (أ): (عمرة)، وهو نصحيف.
(١٣) رواه الطبري في "تفسيره" 18/ 28 عن عمرو، به.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 100 وعزاه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
وقد تعقَّب ابن عطية في "المحرر" 10/ 365 هذه الرواية بقوله: والمشهور أنه كان يأكل من بقل البرية.
(١٤) رواه عبدان في الصحابة كما في "الدر المنثور" 6/ 102 عن حفص بن أبي جبلة مرفوعًا.
ثم قال السيوطي: مرسل، حفصٌ تابعي.
(١٥) (طيبا): ساقطة من (ظ).
(١٦) رواه عنه سعيد بن منصور في "تفسيره" (ل 157 أ) دون قوله: كلهم أمرهم بذلك.
(١٧) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 15 وتتمته: فهو داخل في هذا.
(١٨) لم أجده.
(١٩) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 15.
(٢٠) البقرة: 57، 172.
(٢١) (اعملوا): ساقطة من (أ).
<div class="verse-tafsir"
﴿ ياأيها الرسل ﴾ هذا النداء ليس على ظاهره، لأن الرسل كانوا في أزمنة متفرقة، وإنما المعنى أن كل رسول في زمانه خوطب بذلك، وقيل: الخطاب لسيدنا محد صلى الله عليه وآله وسلم، وأقامه مقام الجماعة وهذا بعيد ﴿ كُلُواْ مِنَ الطيبات ﴾ أي من الحلال، فالأمر على هذا للوجوب، أو من المستلذات فالأمر للإباحة.
<div class="verse-tafsir"
القراآت: ﴿ هيهات هيهات ﴾ بكسر التاء فيهما: يزيد والوقف بالتاء لا غير وهو الصحيح عنه: وروى ابن وردان عنه بالكسر والتنوين فيهما.
الباقون بفتح التاء فيهما في الحالين إلا الكسائي فإنه يقف بالهاء ﴿ تتراً ﴾ بالتنوين: ابن كثير وأبو عمرو ويزيد والوقف بالألف لا غير.
الباقون بالياء في الحالين ﴿ وأن هذه ﴾ بفتح الهمزة وسكون النون: ابن عامر ﴿ وإن ﴾ بالكسر والتشديد: عاصم وحمزة وعلي وخلف.
الآخرون ﴿ وأن ﴾ بالفتح والتشديد ﴿ زبراً ﴾ بفتح الباء: عباس.
الآخرون بضمها.
الوقوف: ﴿ آخرين ﴾ ه ج للآية مع الفاء واتصال المعنى ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ لا لأن ما بعده مقول القول ﴿ مثلكم ﴾ لا لأن ما بعده صفة بشر ﴿ تشربون ﴾ ه ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ مخرجون ﴾ ه ﴿ لما توعدون ﴾ ه ﴿ بمبعوثين ﴾ ه لأن الكل مقول الكفار وباب رخصة الضرورة وجواز إتيان الآية مفتوح ﴿ بمؤمنين ﴾ ه ط ﴿ بما كذبون ﴾ ه ﴿ نادمين ﴾ ج ه للآية مع حسن الوصل تصديقاً لقوله ﴿ عما ﴾ ﴿ غثاء ﴾ ط تفخيماً للكلمة التبعيدية بالابتداء مع فاء التعقيب.
﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ آخرين ﴾ ه ط لأن الجملة ليست بصفة لها لأن العجز عن سبق الأجل لا يختص بهم ﴿ يستأخرون ﴾ ه ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار.
﴿ تترا ﴾ ط منوناً قرئ أولاً للابتداء بكلما ﴿ أحاديث ﴾ ج لما ذكر في ﴿ غثاء ﴾ ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا لتعلق الجار ﴿ عالين ﴾ ه ج للآية مع الفاء ﴿ عابدون ﴾ ه ج لذلك ﴿ المهلكين ﴾ ه ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ ومعين ﴾ ه ﴿ صالحاً ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ وإن ﴾ بالكسر ﴿ فاتقون ﴾ ه ﴿ زبراً ﴾ ط ﴿ فرحون ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه ﴿ وبنين ﴾ ه لا لأن ﴿ نسارع ﴾ مفعول ثان للحسبان ﴿ الخيرات ﴾ ط ﴿ لا يشعرون ﴾ ه.
التفسير: عن ابن عباس وأكثر المفسرين أن هذه القرون هم عاد قوم هود لمجيء قصتهم على أثر قصة نوح في غير هذا الموضع ولقوله في الأعراف ﴿ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ﴾ وقيل: إنهم ثمود لأنهم أهلكوا بالصيحة وقد قال الله في هذه القصة ﴿ فأخذتهم الصيحة ﴾ ومعنى ﴿ فأرسلنا فيهم ﴾ جعلناهم موضع إرسال وإلا فلفظة أرسل لا تعدى إلا "بإلى" وضمن الإرسال معنى القول ولهذا جيء بأن المفسرة اي قلنا لهم على لسان الرسول ﴿ اعبدوا الله ﴾ قال بعضهم: قوله ﴿ افلا تتقون ﴾ غير موصول بما قبله وإنما قاله لهم بعد أن كذبوه وردّوا عليه الحجة.
والجمهور على أنه موصول لأنه دعاهم إلى الله وحذرهم عقابه إن لم يقبلوا قوله ولم يتركوا عبادة الأوثان.
قال جار الله: إنما قال في هذه السورة ﴿ وقال الملأ ﴾ بالواو وفي الأعراف ﴿ قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة ﴾ بغير واو ومثله في سورة هود ﴿ قالوا يا هود مَا جئتنا ببينة ﴾ لأنه بنى الأمر في ذينك الموضعين على تقدير سؤال سائل، وفي هذه السورة أراد أنه اجتمع في الحصول هذا الحق وهذا الباطل فعطف قولهم على قوله.
وقال السكاكي صاحب المفتاح: إنما قدم الجار والمجرور أعني قوله ﴿ من قومه ﴾ على وصف الملا وهم الذين كفروا لطول الصلة بالمعطوفات، ولأنه لو أخر لأوهم أن قوله ﴿ من قومه ﴾ متعلق بالدنيا.
ومعنى لقاء الآخرة لقاء ما فيها من الحساب والثواب والعقاب.
﴿ و ﴾ معنى ﴿ أترفناهم ﴾ أنعمناهم بحيث شغلوا بالدنيا عن الأخرى.
وقوله ﴿ مما تشربون ﴾ أي من الذي تشربونه فحذف الضمير أو حذف منه لدلالة ما قبله عليه.
ثم أكدوا شبهتهم أن الرسول لا يكون من جنس البشر بقولهم ﴿ ولئن أطعتم ﴾ "واذن" واقع في جزاء الشرط وجواب لقومهم اي إنكم إذا قبلتم قول مثلكم وأطعتموه خسرتم عقولكم وأبطلتم آراءكم إذ لا ترجيح لبعض البشر على بعض في معنى الدعوة إلى طريق مخصوص هذا بيان كفرهم.
ثم بين تكذيبهم بلقاء الآخرة وطعنهم في الحشر بقوله ﴿ أيعدكم ﴾ الآية.
قال جار الله: ثنى ﴿ أنكم ﴾ للتوكيد وحسن ذلك الفصل بالظرف و ﴿ مخرجون ﴾ خبر الأول أو ﴿ أنكم مخرجون ﴾ مبتدأ معناه إخراجكم وخبره ﴿ إذا متم ﴾ والجملة خبر الأول أو ﴿ أنكم مخرجون ﴾ في تقدير وقع إخراجكم وهذه الجملة الفعلية جواب "إذا" والجملة الشرطية خبر الأول وفي حرف ابن مسعود ﴿ ايعدكم إذا متم ﴾ ثم أكدوا الاستفهام الإنكاري بقولهم ﴿ هيهات ﴾ ومعناه بعد وهو اسم هذا الفعل، وفي التكرير تأكيد آخر وكذا في إضمار الفاعل وتبيينه بقوله ﴿ لما توعدون ﴾ قال جار الله: اللام لبيان المستبعد ما هو بعد التصويت بكلمة الاستبعاد كما جاءت اللام في ﴿ هيت لك ﴾ لبيان المهيت به.
وقال الزجاج: هو في تقدير المصدر أي البعد لما توعدون أو بعد لما توعدون فيمن نون.
ثم بين إترافهم بأنهم قالوا ﴿ إن هي إلا حياتنا ﴾ أي إلا هذه الحياة لأن "إن" النافية دخلت على "هي" العائدة إلى الحقيقة الذهنية فنفت ما بعدها نفي الجنس، وقد مر في "الأنعام".
وإنما زيد في هذه السورة قوله ﴿ نموت ونحيا ﴾ لأن هذه الزيادة لعلها وقعت في كلام هؤلاء دون كلام أولئك ولم يريدوا بهذا الكلام أنفس المتكلمين وحدهم بل أرادوا أنه يموت بعض ويولد بعض وينقرض قرن ويأتي قرن آخر، ولو أنهم اعتقدوا أنهم يحيون بعد الموت لم يتوجه عليهم ذم ولناقضه قولهم ﴿ وما نحن بمبعوثين ﴾ .
ثم حكى أنهم زعموا أن كل ما يدعيه هود من الاستنباء وحديث البعث وغيره افتراء على الله وأنهم لا يصدقونه ألبتة فلا جرم ﴿ قال ﴾ هو داعياً عليهم كما دعا نوح على قومه ﴿ رب انصرني بما كذبون ﴾ قال الله مجيباً له أي عما زمان قليل قصير ﴿ ليصبحن ﴾ جعل صيرورتهم ﴿ نادمين ﴾ دليلاً على إهلاكهم لأنه علم أنهم لا يندمون إلا عند ظهور سلطان العذاب ووقوع أماراته وذلك وقت إيمان الياس.
وزيادة "ما" لتوكيد قصر المدة و ﴿ الصيحة ﴾ صيحة جبريل كما سلف في الأعراف وفي "هود" ومعنى ﴿ بالحق ﴾ بالعدل كقولك "فلان يقضي بالحق" وعلى اصول الاعتزال بالوجوب لأنهم قد استوجبوا الهلاك.
والغثاء حميل السيل مما بلي واسودَّ من الأوراق والعيدان وغيرها، شبههم بذلك في دمارهم واحتقارهم أو في قلة الاعتناء بهم، وفي ضمن ذلك تشبيه استيلاء العذاب عليهم باستيلاء السيل على الغثاء يقلبه كيف يشاء.
ثم دعا عليه بالهلاك في الدارين بقوله ﴿ فبعداً للقوم الظالمين ﴾ كما مر في سورة هود.
وفيه وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم وعرف الظالمين لكونهم مذكورين صريحاً بخلاف ما يجيء من قوله ﴿ فبعداً لقوم لا يؤمنون ﴾ لأنهم غير مذكورين إلا بطريق الإجمال وذلك قوله ﴿ ثم أنشأنا من بعدهم قروناً آخرين ﴾ والظاهر أنهم قوم صالح ولوط وشعيب كما ورد في قصصهم على هذا الترتيب في "الأعراف" وفي "هود" وغيرهما.
وعن ابن عباس أنهم بنو اسرائيل.
والمعنى إنا بعد ما أخلينا الديار من المكلفين أنشأناهم وبلغناهم حد التكليف حتى قاموا مقام من كانوا قبلهم.
ثم بين كمال علمه وقدرته في شأن المكلفين بقوله ﴿ ما تسبق من أمة ﴾ اي كل طائفة مجتمعة في قرن لها آجال مكتوبة في الحياة وفي الموت بالهلاك أو الإهلاك، لا يتقدمها ولا يتأخر عنها، وفي أن المقتول ميت بأجله.
وقال الكعبي: معنى الاية أنهم لا يتقدمون وقت عذابهم إن لم يؤمنوا، ولا يتأخرون عنه ولا يستأصلهم إلا إذا علم منهم أنهم لا يزدادون إلا عناداً، وأنهم لا يلدون مؤمناً، وأنه لا نفع في بقائهم لغيرهم ولا ضرر على أحد في هلاكهم.
ثم بين أن رسل الله كانوا بعد هذه القرون متواترين وأن شأنهم في التكذيب كان واحداً، وكانت سنة الله فيهم باتباع بعضهم بعضاً في الإهلاك.
والتاء في ﴿ تترى ﴾ بدل من الواو في الوتر وهو الفرد أي أرسلناهم واحداً بعد واحد، والرسول يلابس المسرل والمرسل إليه جميعاً فلذلك جاء في القرآن "رسلنا" و "رسلهم" و"رسولها" وأحاديث يكون اسم جمع للحديث أو جمعاً له من غير لفظة، ومنه أحاديث الرسول ويكون جمعاً للأحدوثة من لفظها كالأضحوكة والأعجوبة وهو المراد من الآية أي جعلناهم أخباراً يسمعونها ويتعجب منها لأنهم استؤصلوا فلم يبق فيهم عين ولا أثر سوى الحكاية.
ثم ذكر طرفاً من قصة موسى .
عن الحسن ﴿ بآياتنا ﴾ أي بديننا كيلا يلزم منه تكرار لأن السلطان المبين هو المعجز، والأقرب قول ابن عباس أنها الآيات التسع لأن الآيات عند ذكر الرسل يراد بها المعجزات في عرف القرآن، والسلطان هو العصا لأنها كانت أم آياته وأقدمها فخصت بالذكر لشرفها وقوة دلالتها.
ويجوز أن يراد أنها آيات في أنفسها وحجة بينة بالنسبة إلى المتحدين بها، او يراد به تسلط موسى في الاستدلال على الصانع وأنه ما كان يقيم لهم وزناً.
ثم حكى عن فرعون وقومه صفتهم وشبهتهم.
أما الصفة فهي الاستكبار والعلو أي طلبوا الكبر وتكلفوه واستنكفوا عن قبول الحق وكانوا مع ذلك رفيعي الحال في أمور الدنيا غالبين قاهرين مستظهرين بالعدد والعدد، وأما الشبهة فهي إنكار كون الرسول من جنس البشر ولا سيما إذا كان قومهما وهم بنو إسرائيل خدماً وعيبداً لهم.
قال أبو عبيدة: العرب تسمي كل من دان لملك عابداً له، ويحتمل أن يقال: إنه كان يدعي الإلهية فادعى للناس العبادة وإن طاعتهم عبادة على الحقيقة والبشر يقع على ا لواحد وعلى الجمع.
والمثل يوصف به الاثنان والجمع والمذكر والمؤنث.
ويقال أيضاً: هما مثلاه وهم أمثاله.
ثم بين أنه لما خطرت هذه الشبهة ببالهم صرحوا بالتكذيب فأهلكوا لذلك وكانوا في حكم الله وعلمه كذلك.
ثم حكى ما جرى على قوم موسى بعد إهلاك عدوهم ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب ﴾ أي التوراة ﴿ لعلهم يهتدون ﴾ ومن الناس من ظن أن هذا الضمير راجع إلى فرعون وملئه.
والمعنى أنه خص موسى بالكتب لا للتكذيب ولكن يهتدوا به، فلما أصروا على الكفر مع البيان العظيم استحقوا الإهلاك وهو وهم لأن موسى لم يؤت التوراة إلا بعد إهلاك القبط بدليل قوله { ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى ﴾ وفي قوله في أول "البقرة" ﴿ وإذ نجيناكم من آل فرعون ﴾ إلى قوله ﴿ وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ﴾ والقصة مشهورة.
فالصحيح أنه ذكر موسى وأراد قومه كما يقال "هاشم وثقيف" ويراد قومهم نظيره ﴿ على خوف من فرعون وملئهم ﴾ وقد مر في آخر "يونس".
ثم أجمل قصة عيسى بقوله ﴿ وجعلنا ابن مريم وأمه آية ﴾ وقد مر بيانه في آخر الأنبياء في قوله ﴿ وجعلناها وابنها آية للعالمين ﴾ قال جار الله: لو قيل آيتين لجاز لأن مريم ولدت من غير مسيس، وعيسى روح من الله ألقى إليها وقد تكلم في المهد وكان يحيى الموتى مع معجزات أخر.
واللفظ محتمل للتثنية على تقدير: وجعلنا ابن مريم آية وأمه آية ثم حذفت الأولى لدلالة الثانية عليها.
والأقرب حمل اللفظ على وجه الذي لا يتم إلا بمجموعها وهو الولادة على الوجه العجيب الناقض للعادة.
والربوة بحركات الراء هي الأرض المرتفعة.
عن كعب وقتادة وأبي العالية: هي إيليا أرض بيت المقدس وأنها كبد الأرض وأقرب إلى السماء بثمانية عشر ميلاً.
وعن الحسن: فلسطين والرملة.
ومثله عن أبي هريرة قال: إلزموا هذه الرملة رملة فلسطين فإنها الربوة التي ذكرها الله.
وقال الكلبي وابن زيد: هي مصر.
والأكثرون على أنها دمشق وغوطتها والقرار المستقر من أرض منبسطة مستوية.
وعن قتادة: أراد ذات ثمار وماء يعني لأجل الثمار يستقر فيها ساكنوها والمعين الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض من عانه إذا أدركه بعينه فوزنه "معيون" على "مفعول" وقال الفراء والزجاج: إن شئت جعلته "فعيلاً" من الماعون وهو ما سهل على معطيه من أثاث البيت ومثله قول أبي علي: المعين السهل الذي ينقاد ولا يتعاصى.
وقال جار الله: ووجه من جعله "فعيلاً" أنه نفاع لظهوره وجريه من الماعون وهو المنفعة.
قال المفسرون: سبب الإيواء أنها قرت بابنها عيسى إلى الربوة وبقيت بها اثنتي عشرة سنة، وإنما ذهب بها ابن عمها يوسف ثم رجعت غلى أهلها بعد ما مات ملكهم.
قوله ﴿ يا ايها الرسل ﴾ ليس على ظاهره لأنهم أرسلوا في أزمنة مختلفة وفي تأويله وجوه: أحدها الإعلام بأن كل رسول في زمانه نودي بذلك ووصى به ليعتقد السامع أن أمراً نودي له جميع الرسل حقيق أن يؤخذ به ويعمل عليه، ويؤيد هذا التأويل ما روي " عن أم عبد الله أخت شداد بن أوس أنها بعثت إلى رسول الله بقدح من لبن في شدة الحر عند فطره وهو صائم فرده الرسول إليها وقال: من اين لك هذا؟
فقالت: من شاة لي ثم رده وقال: من أين هذه الشاة؟
فقالت: اشتريتها بمالي فأخذه.
ثم إنها جاءته وقالت: يا رسول الله لم رددته؟
فقال : بذلك أمرت الرسل أن لا تأكل إلا طيباً ولا تعمل إلا صالحاً" .
وثانيها وهو قول محمد بن جرير أن المراد به عيسى وقد خاطب الواحد خطاب الجمع لشرفه وكقوله ﴿ الذين قال لهم الناس ﴾ والمراد نعيم بن مسعود.
ووقع هذا الإعلام عند إيواء عيسى ومريم إلى الربوة فذكر على سبيل الحكاية أي آويناهما وقلنا لهما هذا أي أعلمناهما أن الرسل كلهم خوطبوا بهذا الكلام، فكلا مما رزقناكما واعملا عملاً صالحاً اقتداء بالرسل.
وثالثها وهو الأظهر عندي أن المراد نبينا لأنه ذكر ذلك بعد انقضاء أخبار الرسل.
ووجه اتصال الكلام بما بعده ظاهر كما نقرره، ووجه اتصاله بما قبله هو انتهاء الكلام إلى ذكر المستلذ وبالحقيقة المراد به الأمة كقوله ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ﴾ والطيب ما يستطاب ويستلذ من المآكل والفواكه أو هو الحلال.
وقيل: طيبات الرزق حلال لا يعصى الله فيه، وصاف لا ينسى الله فيه، وقوام يمسك النفس ويحفظ العقل.
وفي تقديم الأكل من الطيبات على الأمر بالعمل الصالح دليل على أن العمل الصالح لا بد أن يكون مسبوقاً بأكلالحلال.
وفي قوله ﴿ إني بما تعملون عليم ﴾ تحذير من مخالفة هذا الأمر.
وقال في سورة سبأ ﴿ إني بما تعملون بصير ﴾ وكلاهما من أسمائه إلا أنه ورد ههنا على الأصل لأن العلم أعلم وهناك راعى الفاصلة أو خصص لأن الخطاب مخصوص بآل داود.
ومن قرأ ﴿ وإن ﴾ بالكسر فعلى الاستئناف، ومن قرأ بالفتح مخففاً ومشدداً فعلى حذف لام التعليل والمعلل ﴿ فاتقون ﴾ ثم من قال: الخطاب لجميع الرسل فالمشار إليه بهذه هو أصول الأديان والشرائع التي لا خلاف فيها بين الرسل وجملتها تقوى الله كما ختم به الآية.
والضمير في ﴿ تقطعوا ﴾ راجع إلى أممهم.
قال الكلبي ومقاتل والضحاك: يعني مشركي مكة والمجوس واليهود والنصارى.
ومن قال: الخطاب لعيسى فهذه إشارة إلى ملته في وقتها.
وعلى القول الأظهر بل على جميع الأقوال المشار إليه ملة الإسلام كما مر مثله في آخر سورة الأنبياء، كأنه أمر هناك بالعبادة التي هي أعم ثم أمر بالتقوى التي هي أخص ولهذا قال ﴿ فتقطعوا ﴾ بالفاء ليتوجه الذم أتم فإن المأتي به كلما كان أبعد من المأمور به كان سبب الذم اقوى، فلا يكون ترتيب التقطع على التقوى كترتبه على العبادة ولهذا أكد التقطع بقوله ﴿ زبراً ﴾ بضم الباء جمع زبور اي حال كونه كتباً مختلفة يعني جعلوا دينهم أدياناً ومذاهب شتى.
ومنقرأ بفتح الباء فمعناه قطعاً استعيرت من زبر الفضة والحديد.
ثم أكد الذم بقوله ﴿ كل حزب بما ﴾ اي كل فريق منهم مغتبط بما اتخذه ديناً لنفسه معجب به يرى أنه المحق الرابح وغيره المبطل الخاسر.
ثم بالغ في الذم والتهديد بقوله ﴿ فذرهم في غمرتهم ﴾ وهذا الأمر مما يدل على أن المخاطب بقوله ﴿ يا أيها الرسل ﴾ هو نبينا وقد يطلق لفظ الجماعة على الواحد تعظيماً وتفخيماً كقوله ﴿ إنّ إبراهيم كان أمة ﴾ والغمرة الماء الذي يغمر القامة.
قال جار الله: ضربت مثلاً لما هم مغمورون فيه من جهلهم وغايتهم، أو شبهوا باللاعبين في غمرة الماء لما هم عليه من الباطل.
قلت: وأنت إذا تأملت فيما أسلفنا لك في المقدمة التاسعة من مقدمات الكتاب عرفت الفرق بين الوجهين.
قال في الكشاف ﴿ إلى حين ﴾ أي إلى أن يقتلوا أو يموتوا.
والتحقيق أنه الحالة التي يظهر عندها الحسرة والندامة وذلك إذا عرّفهم الله بطلان ما كانوا عليه وعرّفهم سوء منقلبهم فيشمل الموت والقبر والمحاسبة والنار، وفيه تسلية لرسول الله ونهي عن الجزع من تأخير عقابهم.
ثم إن القوم كانوا أصحاب نعمة ورفاهية فبين الله أن ذلك الذي جعله مدداً لهم وهو المال والبنون سبب لاستدراجهم إلى زيادة الإثم نظيره في آل عمران ﴿ إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ﴾ وما في ﴿ أنما ﴾ موصولة والرابط محذوف أي نسارع لهم فيه.
وفي قوله ﴿ بل لا يشعرون ﴾ أنهم اشباه البهائم لا فطنة لهم ولا شعور حتى يتفكروا أهو استدراج أم مسارعة في الخبر.
وفيه انه أعطاهم هذه النعم ليكونوا متمكنين بها من الاشتغال بطلب الحق وحين أعرضوا عن الحق كان لزوم الحجة عليهم أقوى.
التأويل: ﴿ يأكل مما تأكلون ﴾ لم يعلموا أنهم وإن كانوا يأكلون مما يأكلون ولكنهم لا يأكلون كما يأكلون.
"المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعه أمعاء" ﴿ والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام ﴾ وأهل الله يأكلون ويشربون من مقام "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ﴿ وقومهما لنا عابدون ﴾ اي في حال الطفولية كانت صفات الروح والقلب عون النفس وتربيتها وتربية صفاتها لاستكمال القالب إلى حد البلوغ، والاستعداد لتحمل أعباء تكاليف الشرع ﴿ وآويناهما ﴾ يعني مريم النفس وعيسى القلب ﴿ إلى ربوة ﴾ القالب الذي فيه قرارهما ويجري فيه ماء معين الحكمة من القلب على اللسان ﴿ يا أيها الرسل ﴾ أي القوى المرسلة إلى القالب.
<div class="verse-tafsir"
[قوله:] ﴿ ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ ﴾ .
قد ذكرناه.
﴿ فَٱسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً عَالِينَ ﴾ .
كقوله: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .
وقال بعضهم: متكبرين ومتجبرين.
قال أبو عوسجة: هو من العلوّ، ليس من التعالي، والتعالي لا يوصف به الخلق.
قال القتبي: ﴿ تَتْرَا ﴾ ، أي: تتابع بفترة بين كل رسولين، وهو من التواتر، والأصل: (وترى)، فقلبت الواو تاء؛ كما قلبوها في (التقوى) و (التخمة) و (التكلان).
وقال أبو عوسجة: ﴿ تَتْرَا ﴾ بعضهم على أثر بعضهم، وهو من المتابعة.
وفي قوله: ﴿ ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا ﴾ دلالة أن أهل الفترة، ومن كان فيما بين بعث الرسل - لا عذر لهم في شيء؛ لإبقاء الحجج والبراهين قبل أن يبعث آخر وحسن آثارهم وأعلامهم - أعني: آثار الرسل وأعلامهم - أخبر أنه أرسل الرسل تباعاً: بعضاً على [إثر] بعض، وإن كان بين بعثهم فترة؛ لما أبقى الحجج والبراهين وآثار الرسل وأعمالهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَقَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ ﴾ .
قال بعضهم: تعجب: نرفعهم بعد ما كنا غالبين عليهم؟!!
نجعلهم غالبين علينا وكانوا لنا عابدين؟!
أي: نرفعهم فوقنا ونكون تحتهم، ونحن اليوم فوقهم وهم تحتنا، كيف نصنع ذلك؟!
وذلك - والله أعلم - حين أتوهما بالرسالة.
﴿ فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ ٱلْمُهْلَكِينَ ﴾ : صاروا من المهلكين بالتكذيب.
وقوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ .
يشبه أن يكون حرف (لعل) لموسى، أي: آتينا موسى الكتاب؛ لعلهم يهتدون عنده، و (لعل) حرف رجاء وترج؛ لكن يستعمل مرة: على الإيجاب والإلزام، ومرة: على النهي؛ كقوله: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ ﴾ ، أي: لا تبخع نفسك، وقوله: ﴿ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ ﴾ أي: لا تترك بعض ما يوحى إليك، وذلك جار في اللغة؛ يقول الرجل لآخر: لعلك تفعل كذا، أي: لا تفعل، ونحوه، [و] (لعل) من الله يحتمل الإيجاب والإلزام والنهي، ومن الخلق: [يحمل] على النهي والترجي، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ﴾ .
خص - عز وجل - عيسى وأمه بأن جعلهما آية، وجميع البشر في معنى الآية واحد؛ إذ خلقوا جميعاً من نطفة، ثم حولت النطفة علقة، والعلقة مضغة، إلى آخر ما ينتهي إليه؛ فيصير إنساناً؛ فالآية والأعجوبة في خلق الإنسان من النطفة ومما ذكرنا إن لم تكن أكثر وأعظم لم تكن دون خلقه بلا أب ولا زوج وما ذكر، لكنه خصّهما بذكر الآية فيهما؛ لخروجهما عن الأمر المعتاد في الخلق، والعادة الظاهرة فيهم أن يخلقوا من النطفة والأب والتزاوج [والأسباب التي] جعلت للتوالد والتناسل الذي تجري فيما بينهم والأسباب التي جعل للتوالد في الخلق؛ لخروجهما عن الأمر المعتاد والعادة الظاهرة خصّهما بذكر الآية والأعجوبة في خلق البشر من النطفة، وما ذكر إن لم يكن أكثر وأعظم لم يكن دونه، وهو كما خصّ بني إسرائيل بالخطاب بالشكر؛ لما أنعم عليهم من المن والسلوى، ولما أنجاهم من آل فرعون بقوله: ﴿ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ ، وقال: ﴿ يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ ﴾ ، وقد كان عليهم من النعم ما هو أعظم وأكثر مما ذكر من المنّ والسلوى ونجاتهم من فرعون وآله، لكنه خصّهم بذكر المنّ والسلوى واستأدى منهم الشكر بذلك من بين سائر النعم؛ لأنها خرجت عن المعتاد من النعم المعروفة، وهم كانوا مخصوصين بهذا من بين غيرهم؛ فعلى ذلك عيسى وأمه: كانا خارجين عن الأمر المعتاد ومخصوصين بذلك؛ لذلك خصّهما بذكر الآية، والآية ما ذكر بعض أهل التأويل أنه خلق من غير أب، ولدته أمه من غير فعل أمثالها.
وقال بعضهم: الآية في عيسى: بأن كلم الناس في المهد صبيّاً، ونحوه: من إبراء الأكمه، والأبرص، وإحياء الموتى، ومثله.
وقوله: ﴿ وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ﴾ .
ذكر أنه آواهما إلى ربوة كما يؤوي الأب والأم الولد إلى مكان يتعيش به؛ إذ الربوة هي مكان التعيش فيه؛ ألا ترى أنه ذكر ﴿ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ﴾ هو المكان الذي يستقر فيه ويتعيش.
وقوله: ﴿ وَمَعِينٍ ﴾ ، المعين: هو الماء الجاري الظاهر الذي تأخذه العيون، وتقع عليه الأبصار.
وقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: إنما خاطب بهذا محمداً خاصّة، على ما يخاطب هو، والمراد منه: جميع أمته في ذلك.
ولكن جائز أن يقال: خاطب به جميع الرسل؛ لأنهم جميعاً مخاطبون بهذا كله: من أكل الطيبات، والعمل الصالح، هذا الخطاب فيه وفي غيرهم؛ إذ عمهم جميعاً بهذا.
ثم الطيبات يحتمل أن يراد بها الحلالات؛ كأنه قال: كلوا حلالا غير حرام؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً ﴾ ، أي: اعملوا صالحاً، ولا تعملوا سيئاً؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ ﴾ ، أي: كلوا حلالا ولا تأكلوا حراماً: ما خبث.
وفيه أنهم يمتحنون كما يمتحن غيرهم بالأمر والنهي.
ويحتمل - أيضاً - قوله: ﴿ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ ﴾ : ما طابت به أنفسكم وتلذذت، فإن كان على هذا فهو يخرج على الإباحة والرخصة، ليس على الأمر، معناه: لكم أن تأكلوا ما تطيب به أنفسكم، ولكم أن تؤثروا غيركم به على أنفسكم.
وإن كان على الأمر فهو على الأمر يخرج والنهي، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ .
ظاهر، وهو وعيد.
وقوله: ﴿ وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ .
جائز أن يكون قوله: ﴿ وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ : في الكتب المتقدمة، وعلى لسان الرسل السالفة؛ كقوله: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ ، أي: كنتم خير أمة في الكتب المتقدمة وفي الأمم الماضية؛ فعلى ذلك هذا.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ ، أي: دينكم دين واحد، وملتكم ملة واحدة، وهي الإسلام.
وقال بعضهم: لسانكم لسان واحد.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ : لا تختلفون في رسولكم إلى يوم القيامة، كما اختلف الأمم الذين من قبلكم في رسلهم؛ بل تجعلوا رسولكم رسولا على ما هو عليه، وأما سائر الأمم فإنهم قد فرطوا فيهم؛ حتى كان فيهم [من] جعل الرسول ابناً له؛ كقوله: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ ﴾ ، والنصارى، وأما هؤلاء فإنهم لا يزالون على أمر واحد، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ فَٱعْبُدُونِ ﴾ : جائز أن يكونا واحداً، وجائز أن يكون قوله: ﴿ فَٱتَّقُونِ ﴾ أي: مخالفتي، ﴿ فَٱعْبُدُونِ ﴾ ، أي: اعبدوني وأطيعوني.
وقوله: ﴿ فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ ﴾ و (قطعوا) واحد، وهما لغتان؛ [نحو]: تفرقوا وفرقوا.
﴿ زُبُراً ﴾ : برفع الباء، وزبرا بنصب الباء، قال أبو معاذ: من قرأ بالنصب: ﴿ زُبُراً ﴾ ؛ فمعناه: قطعا؛ كقوله: ﴿ آتُونِي زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ ﴾ ، و ﴿ زُبُراً ﴾ بالرفع، أي: كتبا؛ كقوله: ﴿ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ﴾ ، ونحوه.
وقال في حرف ابن مسعود وأبي: (وقطعوا الزبور بينهم).
قال أبو معاذ: (قطعوا) و (تقطعوا): لغتان؛ كَقيلِك: علقت الشيء وتعلقته، وحولت وتحولت، ووليت وتوليت، ونحوه كثير.
[وقوله:] ﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ .
راضون أو مسرورون بما لديهم من الدين، أو ما ذكرنا.
<div class="verse-tafsir"
يا أيها الرسل، كلوا مما أحللت لكم مما يُسْتَطاب أكله، واعملوا عملًا صالحًا موافقًا للشرع، إني بما تعملون من عمل عليم، يخفى عليَّ من أعمالكم شيء.
<div class="verse-tafsir" id="91.qgQXP"