الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٧٧ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 75 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٧٧ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال تعالى مخبرا عن ذلك إخبارا مقررا : ( إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان ) أي : استبدلوا هذا بهذا ( لن يضروا الله شيئا ) أي : ولكن يضرون أنفسهم ( ولهم عذاب أليم ) .
القول في تأويل قوله : إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالإيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (177) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه المنافقين الذين تقدَّم إلى نبيه صلى الله عليه وسلم فيهم: أن لا يحزنه مسارعتهم إلى الكفر، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: إن هؤلاء الذين ابتاعوا الكفر بإيمانهم فارتدوا عن إيمانهم بعد دخولهم فيه، (21) ورضوا بالكفر بالله وبرسوله، عوضًا من الإيمان، لن يضروا الله بكفرهم وارتدادهم عن إيمانهم شيئًا، بل إنما يضرون بذلك أنفسهم، بإيجابهم بذلك لها من عقاب الله ما لا قِبل لها به.
* * * وإنما حث الله جل ثناؤه بهذه الآيات من قوله: وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ إلى هذه الآية، عبادَه المؤمنين على إخلاص اليقين، ولانقطاع إليه في أمورهم، والرضى به ناصرًا وحدَه دون غيره من سائر خلقه= ورغَّب بها في جهاد أعدائه وأعداء دينه، وشجَّع بها قلوبهم، وأعلمهم أن من وليه بنصره فلن يخذل ولو اجتمع عليه جميعُ من خالفه وحادَّه، وأن من خذله فلن ينصره ناصرٌ ينفعُه نصرُه، ولو كثرت أعوانه ونصراؤه، (22) كما:- 8265 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان "، أي: المنافقين=" لن يضروا الله شيئًا ولهم عذاب أليم "، أي: موجع.
(23) 8266 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: هم المنافقون.
------------------------------ الهوامش: (21) انظر تفسير"الاشتراء" فيما سلف 1: 312 - 315 / 2: 341 ، 342 / 3: 228.
(22) في المطبوعة: "أو نصراؤه" ، والصواب ما في المخطوطة.
(23) الأثر: 8265 - سيرة ابن هشام: 3: 128 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8263.
وليس في سيرة ابن هشام تفسير"أليم".
قوله تعالى : إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب أليمقوله تعالى : إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان تقدم في البقرة لن يضروا الله شيئا كرر للتأكيد .
وقيل : أي من سوء تدبيره استبدال الإيمان بالكفر وبيعه به ; فلا يخاف جانبه ولا تدبيره .
وانتصب شيئا في الموضعين لوقوعه موقع المصدر ; كأنه قال : لن يضروا الله ضررا قليلا ولا كثيرا .
ويجوز انتصابه على تقدير حذف الباء ; كأنه قال : لن يضروا الله بشيء .
ثم أخبر أن الذين اختاروا الكفر على الإيمان، ورغبوا فيه رغبة من بذل ما يحب من المال، في شراء ما يحب من السلع { لن يضروا الله شيئا } بل ضرر فعلهم يعود على أنفسهم، ولهذا قال: { ولهم عذاب أليم } وكيف يضرون الله شيئا، وهم قد زهدوا أشد الزهد في الإيمان، ورغبوا كل الرغبة بالكفر بالرحمن؟!
فالله غني عنهم، وقد قيض لدينه من عباده الأبرار الأزكياء سواهم، وأعد له -ممن ارتضاه لنصرته- أهل البصائر والعقول، وذوي الألباب من الرجال الفحول، قال الله تعالى: { قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا } الآيات.
( إن الذين اشتروا ) استبدلوا ( الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا ) وإنما يضرون أنفسهم ، ( ولهم عذاب أليم )
«إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان» أي أخذوه بدله «لن يضروا الله» بكفرهم «شيئا ولهم عذاب أليم» مؤلم.
إن الذين استبدلوا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئًا، بل ضرر فِعْلِهم يعود على أنفسهم، ولهم في الآخرة عذاب موجع.
ثم أكد - سبحانه - هذا الحكم وقرره فقال : { إِنَّ الذين اشتروا الكفر بالإيمان لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .والاشتراء فى الآية الكريمة بمعنى الاستبدال على سبيل الاستعارة التمثيلية فقد شبه - سبحانه - الكافر الذى يترك الحق الواضح الذى قامت الأدلة على صحته ويختار بدله الضلال الذى قامت الأدلة على بطلانه ، بمن يكون فى يده سلعة ثمينة جيدة فيتركها ويأخذ فى مقابلها سلعة رديئة فاسدة .والمعنى أن الذين استبدلوا الكفر بالإيمان ، لن يضروا دين الله ولا رسوله ولا أولياءه بشىء من الضرر ، وإنما يضرون بفعلهم هذا أنفسهم ضررا بليغا ولهم فى الآخرة عذاب مؤلم شديد الإيلام ، بسبب إيثارهم الغى على الرشد ، والكفر على الإيمان ، والشر على الخير .
اعلم أنا لو حملنا الآية الأولى على المنافقين واليهود، وحملنا هذه الآية على المرتدين لا يبعد أيضا حمل الآية الأولى على المرتدين، وحمل هذه الآية على اليهود، ومعنى اشتراء الكفر بالايمان منهم، أنهم كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم ويؤمنون به قبل مبعثه ويستنصرون به على أعدائهم، فلما بعث كفروا به وتركوا ما كانوا عليه، فكأنهم أعطوا الايمان وأخذوا الكفر بدلا عنه كما يفعل المشتري من إعطاء شيء وأخذ غيره بدلا عنه، ولا يبعد أيضا حمل هذه الآية على المنافقين، وذلك لأنهم متى كانوا مع المؤمنين أظهروا الايمان، فاذا خلوا إلى شياطينهم كفروا وتركوا الايمان، فكان ذلك كأنهم اشتروا الكفر بالايمان.
واعلم أنه تعالى.
قال في الآية الأولى: ﴿ الذين يسارعون فِي الكفر إنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً ﴾ وقال في هذه الآية: ﴿ إِنَّ الذين اشتروا الكفر بالإيمان لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً ﴾ والفائدة في هذا التكرار أمور: أحدها: أن الذين اشتروا الكفر بالايمان لا شك أنهم كانوا كافرين أولا، ثم آمنوا ثم كفروا بعد ذلك، وهذا يدل على شدة الاضطراب وضعف الرأي وقلة الثبات، ومثل هذا الإنسان لا خوف منه ولا هيبة له ولا قدرة له البتة على إلحاق الضرر بالغير.
وثانيها: أن أمر الدين أهم الأمور وأعظمها، ومثل هذا مما لا يقدم الإنسان فيه على الفعل أو على الترك إلا بعد إمعان النظر وكثرة الفكر، وهؤلاء يقدمون على الفعل أو على الترك في مثل هذا المهم العظيم بأهون الأسباب وأضعف الموجبات، وذلك يدل على قلة عقلهم وشدة حماقتهم، فأمثال هؤلاء لا يلتفت العاقل اليهم.
وثالثها: ان أكثرهم إنما ينازعونك في الدين، لا بناء على الشبهات، بل بناء على الحسد والمنازعة في منصب الدنيا، ومن كان عقله هذا القدر، وهو أنه يبيع بالقليل من الدنيا السعادة العظيمة في الآخرة كان في غاية الحماقة، ومثله لا يقدر في إلحاق الضرر بالغير، فهذا هو الفائدة في إعادة هذه الآية، والله أعلم بمراده.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يسارعون فِي الكفر ﴾ يقعون فيه سريعاً ويرغبون فيه أشدّ رغبة، وهم الذين نافقوا من المتخلفين.
وقيل: هم قوم ارتدّوا عن الإسلام.
فإن قلت: فما معنى قوله: ﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ ﴾ ؟
ومن حق الرسول أن يحزن لنفاق من نافق وارتداد من ارتدّ؟
قلت: معناه لا يحزنوك لخوف أن يضرّوك ويعينوا عليك.
ألا ترى إلى قوله ﴿ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً ﴾ يعني أنهم لا يضرون بمسارعتهم في الكفر غير أنفسهم، وما وبال ذلك عائداً على غيرهم.
ثم بين كيف يعود وباله عليهم بقوله: ﴿ يُرِيدُ الله أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي الاخرة ﴾ أي نصيباً من الثواب ﴿ وَلَهُمْ ﴾ بدل الثواب ﴿ عَذَابٌ عظِيمٌ ﴾ وذلك أبلغ ما ضرّ به الإنسان نفسه.
فإن قلت: هلا قيل: لا يجعل الله لهم حظاً في الآخرة، وأيّ فائدة في ذكر الإرادة؟
قلت: فائدته الإشعار بأنّ الداعي إلى حرمانهم وتعذيبهم قد خلص خلوصاً لم يبق معه صارف قط حين سارعوا في الكفر، تنبيهاً على تماديهم في الطغيان وبلوغهم الغاية فيه، حتى أنّ أرحم الراحمين يريد أن لا يرحمهم ﴿ إِنَّ الذين اشتروا الكفر بالإيمان ﴾ إمّا أن يكون تكريراً لذكرهم للتأكيد والتسجيل عليهم بما أضاف إليهم.
وإمّا أن يكون عاماً للكفار، والأوّل خاصاً فيمن نافق من المتخلفين، أو ارتدّ عن الإسلام أو على العكس.
و ﴿ شَيْئاً ﴾ نصب على المصدر؛ لأن المعنى: شيئاً من الضرر وبعض الضرر ﴿ الذين كَفَرُواْ ﴾ فيمن قرأ بالتاء نصب و ﴿ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لاِنفُسِهِمْ ﴾ بدل منه: أي ولا تحسبنّ أنّ ما نملي للكافرين خير لهم، و (إن) مع ما في حيزه ينوب عن المفعولين، كقوله: ﴿ أم تحسب أنّ أكثرهم يسمعون ﴾ [الفرقان: 44] وما مصدرية، بمعنى: ولا تحسبنّ أنّ إملاءنا خير، وكان حقها في قياس علم الخط أن تكتب مفصولة.
ولكنها وقعت في الإمام متصلة فلا يخالف، وتتبع سنة الإمام في خط المصاحف.
فإن قلت: كيف صحّ مجيء البدل ولم يذكر إلا أحد المفعولين، ولا يجوز الاقتصار بفعل الحسبان على مفعول واحد؟
قلت: صحّ ذلك من حيث إنّ التعويل على البدل والمبدل منه في حكم المنحى، ألا تراك تقول: جعلت متاعك بعضه فوق بعض، مع امتناع سكوتك على متاعك.
ويجوز أن يقدّر مضاف محذوف على: ولا تحسبنّ الذين كفروا أصحاب أن الإملاء خير لأنفسهم.
أو ولا تحسبنّ حال الذين كفروا أن الإملاء خير لأنفسهم.
وهو فيمن قرأ بالياء رفع، والفعل متعلق بأن وما في حيزه.
والإملاء لهم: تخليتهم وشأنهم، مستعار من أملى لفرسه إذا أرخى له الطول ليرعى كيف شاء.
وقيل: هو إمهالهم وإطالة عمرهم.
والمعنى: ولا تحسبنّ أن الإملاء خير لهم من منعهم أو قطع آجالهم ﴿ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ ﴾ (ما) هذه حقها أن تكتب متصلة، لأنها كافة دون الأولى، وهذه جملة مستأنفة تعليل للجملة قبلها، كأنه قيل: ما بالهم لا يحسبون الإملاء خيراً لهم، فقيل: إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً.
فإن قلت: كيف جاز أن يكون ازدياد الإثم غرضاً لله تعالى في إملائه لهم؟
قلت: هو علة للإملاء، وما كل علة بغرض.
ألا تراك تقول: قعدت عن الغزو للعجز والفاقة، وخرجت من البلد لمخافة الشر، وليس شيء منها بغرض لك.
وإنما هي علل وأسباب، فكذلك ازدياد الإثم جعل علة للإمهال وسبباً فيه.
فإن قلت: كيف يكون ازدياد الإثم علة للإملاء كما كان العجز علة للقعود عن الحرب؟
قلت: لما كان في علم الله المحيط بكل شيء أنهم مزدادون إثماً، فكأن الإملاء وقع من أجله وبسببه على طريق المجاز.
وقرأ يحيى بن وثاب بكسر الأولى وفتح الثانية.
ولا يحسبنّ بالياء، على معنى: ولا يحسبنّ الذين كفروا أن إملاءنا لازدياد الإثم كما يفعلون، وإنما هو ليتوبوا ويدخلوا في الإيمان.
وقوله: ﴿ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لاِنفُسِهِمْ ﴾ اعتراض بين الفعل ومعموله.
ومعناه: أن إملاءنا خير لأنفسهم إن عملوا فيه وعرفوا إنعام الله عليهم بتفسيح المدّة وترك المعاجلة بالعقوبة.
فإن قلت: فما معنى قوله: ﴿ وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ على هذه القراءة؟
قلت: معناه: ولا تحسبوا إن إملاءنا لزيادة الإثم وللتعذيب، والواو للحال، كأنه قيل: ليزداودا إثماً معداً لهم عذاب مهين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ ﴾ يَقَعُونَ فِيهِ سَرِيعًا حِرْصًا عَلَيْهِ، وهُمُ المُنافِقُونَ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ، أوْ قَوْمٌ ارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ.
والمَعْنى لا يَحْزُنُكَ خَوْفُ أنْ يَضُرُّوكَ ويُعِينُوا عَلَيْكَ لِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ﴾ أيْ لَنْ يَضُرُّوا أوْلِياءَ اللَّهِ شَيْئًا بِمُسارَعَتِهِمْ في الكُفْرِ، وإنَّما يَضُرُّونَ بِها أنْفُسَهم.
وشَيْئًا يَحْتَمِلُ المَفْعُولَ والمَصْدَرَ وقَرَأ نافِعٌ يُحْزِنْكَ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ حَيْثُ وقَعَ ما خَلا قَوْلَهُ في الأنْبِياءِ لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ، فَإنَّهُ فَتَحَ الياءَ وضَمَّ الزّايَ فِيهِ والباقُونَ كَذَلِكَ في الكُلِّ.
﴿ يُرِيدُ اللَّهُ ألا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ ﴾ نَصِيبًا مِنَ الثَّوابِ في الآخِرَةِ، وهو يَدُلُّ عَلى تَمادِي طُغْيانِهِمْ ومَوْتِهِمْ عَلى الكُفْرِ، وفي ذِكْرِ الإرادَةِ إشْعارٌ بِأنَّ كُفْرَهم بَلَغَ الغايَةَ حَتّى أرادَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ أنْ لا يَكُونَ لَهم حَظٌّ مِن رَحْمَتِهِ، وإنَّ مُسارَعَتَهم في الكُفْرِ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يُرِدْ أنْ يَكُونَ لَهم حَظٌّ في الآخِرَةِ.
﴿ وَلَهم عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ مَعَ الحِرْمانِ عَنِ الثَّوابِ.
﴿ إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، أوْ تَعْمِيمٌ لِلْكَفَرَةِ بَعْدَ تَخْصِيصِ مَن نافَقَ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ، أوِ ارْتَدَّ مِنَ العَرَبِ.
<div class="verse-tafsir"
{إِنَّ الذين اشتروا الكفر بالإيمان} أي استبدلوه به {لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً} هو نصب على المصدر أي شيئاً من الضرر الآية الأولى فيمن نافق من المتخلفين أو ارتد عن الإسلام والثانية في جميع الكفار أو على العكس {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}
﴿ إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ ﴾ ، أيْ: أخَذُوا الكُفْرَ بَدَلًا مِنَ الإيمانِ رَغْبَةً فِيما أخَذُوا، وإعْراضًا عَمّا تَرَكُوا؛ ولِهَذا وضَعَ ”اشْتَرَوْا“ مَوْضِعَ ”بَدَّلُوا“ فَإنَّ الأوَّلَ أظْهَرُ في الرَّغْبَةِ، وأدُلُّ عَلى سُوءِ الِاخْتِيارِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ، وفِيهِ هُنا تَعْرِيضٌ ظاهِرٌ؛ بِاقْتِصارِ الضَّرَرِ عَلَيْهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: وإنَّما يَضُرُّونَ أنْفُسَهم، والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ هُنا ما أُرِيدَ مِنهُ هُناكَ، والتَّكْرِيرُ؛ لِتَقْرِيرِ الحُكْمِ وتَأْكِيدِهِ بِبَيانِ عِلَّتِهِ، بِتَغْيِيرِ عُنْوانِ المَوْضُوعِ فَإنَّ ما ذُكِرَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ؛ لِكَوْنِهِ عِلْمًا في الخُسْرانِ الكُلِّيِّ.
والحِرْمانُ الأبَدِيُّ صَرِيحٌ في لُحُوقِ ضَرَرِهِ بِأنْفُسِهِمْ، وعَدَمُ تَعَدِّيهِ إلى غَيْرِهِمْ أصْلًا، ودالٌّ عَلى كَمالِ سَخافَةِ عُقُولِهِمْ، ورَكاكَةِ آرائِهِمْ، فَكَيْفَ يَتَأتّى مِنهم ما يَتَوَقَّفُ عَلى قُوَّةِ الحَزْمَ ورَزانَةِ الرَّأْيِ ورَصانَةِ التَّدْبِيرِ مِن مُضارَةِ أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى الَّذِينَ تَكَفَّلَ سُبْحانَهُ لَهم بِالنَّصْرِ ؟
وهي أعَزُّ مِن جَلِيمَةَ وأمْنَعُ مِن لَهاةِ اللَّيْثِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالمَوْصُولِ هُنا عامٌّ، ويُرادَ بِهِ هُناكَ خاصٌّ، وهو ما عَدا ما ذَهَبَ إلَيْهِ الحَسَنُ فِيهِ، والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها؛ تَقْرِيرُ القَواعِدِ الكُلِّيَّةِ لِما انْدَرَجَ تَحْتَها مِن جُزْئِيّاتِ الأحْكامِ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ عامًّا لِلْكَفّارِ، وهَذا خاصًّا بِالمُنافِقِينَ، وأفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهم أشَدُّ مِنهم في الضَّرَرِ والكَيْدِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ إرادَةَ العامِّ هُناكَ مِمّا لا يَلِيقُ بِفَخامَةِ شَأْنِ التَّنْزِيلِ؛ لِما أنَّ صُدُورَ المُسارِعَةِ في الكُفْرِ بِالمَعْنى المَذْكُورِ، وكَوْنَها مَظِنَّةً لِإيراثِ الحُزْنِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما يُفْهَمُ مِنَ النَّهْيِ عَنْهُ إنَّما يُتَصَوَّرُ مِمَّنْ عُلِمَ اتِّصافُهُ بِها، وأمّا مَن لا يُعْرَفُ حالَهُ مِنَ الكَفَرَةِ الكائِنِينَ في الأماكِنِ البَعِيدَةِ، فَإسْنادُ المُسارِعَةِ المَذْكُورَةِ إلَيْهِمْ واعْتِبارُ كَوْنِها مِن مَبادِئِ حُزْنِهِ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما لا وجْهَ لَهُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ القائِلَ بِالعُمُومِ في الأوَّلِ لَمْ يُرِدْ بِالكُفّارِ مُقابِلَ المُؤْمِنِينَ حَيْثُ كانُوا، وعَلى أيِّ حالٍ وُجِدُوا، بَلْ ما يَشْمَلُ المُتَخَلِّفِينَ والمُرْتَدِّينَ مَثَلًا مِمَّنْ يُتَوَقَّعُ إضْرارُهم لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وحِينَئِذٍ لا يُرَدُّ هَذا الِاعْتِراضُ.
وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الأوَّلِ المُنافِقُونَ، أوْ مَنِ ارْتَدُّوا مِمّا هُنا اليَهُودُ، والمُرادُ مِنَ الإيمانِ إمّا الإيمانُ الحاصِلُ بِالفِعْلِ -كَما هو حالُ المُرْتَدِّينَ- أوْ بِالقُوَّةِ القَرِيبَةِ مِنهُ الحاصِلَةِ بِمُشاهَدَةِ دَلائِلِهِ في التَّوْراةِ، كَما شَأْنُ اليَهُودِ مَثَلًا، وإمّا الإيمانُ الِاسْتِعْدادِيُّ، الحاصِلُ بِمُشاهَدَةِ الوَحْيِ النّاطِقِ والدَّلائِلِ المَنصُوبَةِ في الآفاقِ والأنْفَسِ، كَما هو دَأْبُ جَمِيعِ الكَفَرَةِ مِمّا عَدا ذَلِكَ، وإمّا القَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ الجَمِيعِ كَما هو دَأْبُ الجَمِيعِ؛ فَتَفَطَّنْ.
﴿ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ أيْ: مُؤْلِمٌ والجُمْلَةُ مُبْتَدَأةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَمالِ فَظاعَةِ عَذابِهِمْ بِذِكْرِ غايَةِ إيلامِهِ بَعْدَ ذِكْرِ نِهايَةِ عِظَمِهِ، أوْ مُقَرِّرَةٌ لِلضَّرَرِ الَّذِي آذَنَتْ بِهِ الجُمْلَةُ الأُولى، قِيلَ: لَمّا جَرَتِ العادَةُ بِاغْتِباطِ المُشْتَرِي بِما اشْتَراهُ، وسُرُورِهِ بِتَحْصِيلِهِ عِنْدَ كَوْنِ الصَّفْقَةِ رابِحَةٌ، وبِتَألُّمِهِ عِنْدَ كَوْنِها خاسِرَةٌ وُصِفَ عَذابُهم بِالإيلامِ؛ مُراعاةً لِذَلِكَ، نَقَلَهُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا يعني اختاروا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً يقول لن ينقصوا من ملك الله شيئاً، وإنما أضروا بأنفسهم حيث استوجبوا لأنفسهم العذاب، وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في الآخرة.
<div class="verse-tafsir"
وأصحابه حِينَ حَمَّلَهُمْ أبُو سُفْيَانَ ذلكَ، «فالنَّاسُ» الأوَّلُ هُمُ الرَّكْبُ، و «النَّاسُ» الثَّانِي عَسْكَر قُرَيْش هذا قول/ الجمهورِ، وهو الصوابُ، وقولُ مَنْ قال: إن الآية نزلَتْ في خروجِ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى بدر الصّغرى لميعاد أبي سفيان، وإِنَّ النَّاسَ هنا هو نُعيْمُ بْنُ مسعودٍ- قولٌ ضعيفٌ، وعن ابنِ عَبَّاسٍ أنه قال: «حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ» قَالَهَا إبْرَاهِيمُ- عليه السلام-، حين ألقى في النّار، وقالها محمّد صلّى الله عليه وسلّم حِينَ قَالُوا: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، رواه مسلم.
والبخاريّ «١» .
انتهى.
وقوله سبحانه: إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ ...
الآية: إشارة إلى جميع ما جرى من أخبار الرَّكْب عن رسالة أبِي سُفْيَان، ومِنْ جَزَعِ مَنْ جَزِعَ من الخَبَر.
وقرأ الجمهورُ «٢» : «يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ» ، قالَ قوم: معناه: يخوِّف المنافقينَ، ومَنْ في قلبه مرضٌ، وحكى أبو الفَتْحِ بْنُ جِنِّي «٣» ، عن ابن عَبَّاس أنه قرأ «يُخَوِّفُكُمْ أَوْلِيَاءَهُ» ، فهذه قراءةٌ ظهر فيها المفعولانِ، وهي مفسِّرة لقراءة الجَمَاعة، وفي قراءة أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ:
«يُخَوِّفُكُمْ بِأَوْلِيَائِهِ» ، وفِي كتاب «القَصْد إلى اللَّه تعالى» للمحاسِبِيِّ «٤» ، قال: وكلما عَظُمَتْ هيبةُ اللَّه عزَّ وجلَّ في صدورِ الأولياء، لم يهابوا معه غيره حياءً منه عزَّ وجلّ أن يخافوا معه سواه.
انتهى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: المُنافِقُونَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا، وقَدْ سَبَقَ في (البَقَرَةِ) مَعْنى الِاشْتِراءِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّما ذَلِكُمُ الشَيْطانُ يُخَوِّفُ أولِياءَهُ فَلا تَخافُوهم وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللهَ ألا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ مُقْتَضى "إنَّما" في اللُغَةِ الحَصْرُ، هَذا مَنزَعُ المُتَكَلِّمِ بِها مِنَ العَرَبِ.
ثُمَّ إذا نُظِرَ عَقْلًا- وهَذا هو نَظَرُ الأُصُولِيِّينَ- فَهي تَصْلُحُ لِلْحَصْرِ ولِلتَّأْكِيدِ الَّذِي يُسْتَعارُ لَهُ لَفْظُ الحَصْرِ، وهي في هَذِهِ الآيَةِ حاصِرَةٌ، والإشارَةُ بِـ "ذَلِكُمُ" إلى جَمِيعِ ما جَرى مِن أخْبارِ الرَكْبِ العَبْدِيِّينَ، عن رِسالَةِ أبِي سُفْيانَ، ومِن تَحْمِيلِ أبِي سُفْيانَ ذَلِكَ الكَلامَ، ومِن جَزَعِ مَن جَزِعَ مِن ذَلِكَ الخَبَرِ مِن مُؤْمِنٍ أو مُتَرَدِّدٍ.
و"ذَلِكُمُ" في الإعْرابِ ابْتِداءٌ، و"الشَيْطانُ" مُبْتَدَأٌ آخَرُ، و"يُخَوِّفُ أولِياءَهُ" خَبَرٌ عَنِ الشَيْطانِ، والجُمْلَةُ خَبَرُ الِابْتِداءِ الأوَّلِ، وهَذا الإعْرابُ خَيْرٌ في تَناسُقِ المَعْنى مِن أنْ يَكُونَ "الشَيْطانُ" خَبَرَ "ذَلِكُمُ" لِأنَّهُ يَجِيءُ في المَعْنى اسْتِعارَةً بَعِيدَةً، و"يُخَوِّفُ" فِعْلٌ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، لَكِنْ يَجُوزُ الِاقْتِصارُ عَلى أحَدِهِما إذِ الآخَرُ مَفْهُومٌ مِن بِنْيَةِ هَذا الفِعْلِ، لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: خَوَّفْتُ زَيْدًا، فَمَعْلُومٌ ضَرُورَةً أنَّكَ خَوَّفْتَهُ شَيْئًا حَقُّهُ أنْ يُخافَ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "يُخَوِّفُ أولِياءَهُ" فَقالَ قَوْمٌ المَعْنى: يُخَوِّفُكم أيُّها المُؤْمِنُونَ أولِياءَهُ الَّذِينَ هم كُفّارُ قُرَيْشٍ، فَحُذِفَ المَفْعُولُ الأوَّلُ، وقالَ قَوْمٌ: المَعْنى يُخَوِّفُ المُنافِقِينَ ومَن في قَلْبِهِ مَرَضٌ، وهم أولِياؤُهُ، فَإذًا لا يَعْمَلُ فِيكم أيُّها المُؤْمِنُونَ تَخْوِيفُهُ، إذْ لَسْتُمْ بِأولِيائِهِ، والمَعْنى: يُخَوِّفُهم كُفّارَ قُرَيْشٍ، فَحُذِفَ هُنا المَفْعُولُ الثانِي واقْتُصِرَ عَلى الأوَّلِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما حَكى أبُو عَمْرٍو الدانِي: "يُخَوِّفُكم أولِياؤُهُ" المَعْنى: يُخَوِّفُكم قُرَيْشٌ ومَن مَعَهُمْ، وذَلِكَ بِإضْلالِ الشَيْطانِ لَهُمْ، وذَلِكَ كُلُّهُ مُضْمَحِلٌّ، وبِذَلِكَ قَرَأ النَخْعِيُّ.
وحَكى أبُو الفَتْحِ بْنُ جِنِّيٍّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: "يُخَوِّفُكم أولِياءَهُ" فَهَذِهِ قِراءَةٌ ظَهَرَ فِيها المَفْعُولانِ، وفَسَّرَتْ قِراءَةَ الجَماعَةِ: "يُخَوِّفُ أولِياءَهُ" وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "يُخَوِّفُكم بِأولِيائِهِ".
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "فَلا تَخافُوهُمْ" لِكُفّارِ قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ مِن أولِياءِ الشَيْطانِ، حَقَّرَ اللهُ شَأْنَهم وقَوّى نُفُوسَ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ، وأمَرَهم بِخَوْفِهِ هو تَعالى وامْتِثالِ أمْرِهِ مِنَ الصَبْرِ والجَلَدِ، ثُمَّ قَرَّرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ كَما تَقُولُ: إنْ كُنْتَ رَجُلًا فافْعَلْ كَذا.
وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ "يُحْزِنْكَ" بِضَمِّ الياءِ مِن أحْزَنَ، وكَذَلِكَ قَرَأ في جَمِيعِ القُرْآنِ، إلّا في سُورَةِ الأنْبِياءِ: "لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ" فَإنَّهُ فَتَحَ الياءَ، وقَرَأ الباقُونَ: "يَحْزُنْكَ" بِفَتْحِ الياءِ، مِن قَوْلِكَ: حَزَنْتُ الرَجُلَ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: يُقالُ حَزِنَ الرَجُلُ وفُتِنَ إذا أصابَهُ الحُزْنُ والفِتْنَةُ.
وحَزَنْتُهُ وفَتَنْتُهُ، إذا جَعَلْتُ فِيهِ وعِنْدَهُ حُزْنًا وفِتْنَةً، كَما تَقُولُ: دَهَنْتُ وكَحَّلْتُ، إذا جَعَلْتَ دُهْنًا وكُحْلًا، وأحْزَنْتُهُ وأفْتَنْتُهُ إذا جَعَلْتَهُ حَزِينًا وفاتِنًا، كَما تَقُولُ أدْخَلْتُهُ وأسْمَعْتُهُ، هَذا مَعْنى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ.
والمُسارَعَةُ في الكُفْرِ هي المُبادَرَةُ إلى أقْوالِهِ وأفْعالِهِ والجِدُّ في ذَلِكَ.
وقَرَأ الحُرُّ النَحْوِيُّ "يُسْرِعُونَ" في كُلِّ القُرْآنِ، وقِراءَةُ الجَماعَةِ أبْلَغُ، لِأنَّ مَن يُسارِعُ غَيْرَهُ أشَدُّ اجْتِهادًا مِنَ الَّذِي يُسْرِعُ وحْدَهُ، ولِذَلِكَ قالُوا: "كُلُّ مُجْرٍ بِالخَلاءِ يُسَرُّ".
وسَلّى اللهُ نَبِيَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ عن حالِ المُنافِقِينَ والمُجاهِدِينَ إذْ كُلُّهم مُسارِعٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا ﴾ خَبَرٌ في ضِمْنِهِ وعِيدٌ لَهم أيْ: إنَّما يَضُرُّونَ أنْفُسَهم.
والحَظُّ إذا لَمْ يُقَيَّدْ فَإنَّما يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ، ألا تَرى قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَما يُلَقّاها إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وما يُلَقّاها إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا ﴾ أطْلَقَ عَلَيْهِمُ الشِراءَ مِن حَيْثُ كانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِن قَبُولِ هَذا وهَذا فَجاءَ أخْذُهم لِلْواحِدِ وتَرْكُهم لِلْآخَرِ كَأنَّهُ تَرْكٌ لِما قَدْ أُخِذَ وحُصِّلَ، إذْ كانُوا مُمَكَّنِينَ مِنهُ، ولِمالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ مُتَعَلَّقٌ بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ شِراءِ ما تَخْتَلِفُ آحادُ جِنْسِهِ مِمّا لا يَجُوزُ التَفاضُلُ فِيهِ، في أنَّ مَنعَ الشِراءِ عَلى أنْ يَخْتارَ المُبْتاعُ، وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ كالمُتَقَدِّمِ.
<div class="verse-tafsir"
تكرير لجملة ﴿ إنهم لن يضروا الله شيئاً ﴾ قصد به، مع التأكيد، إفادةُ هذا الخبر استقلالاً للاهتمام به بعد أن ذكر على وجه التعليل لتسلية الرسول.
وفي اختلاف الصلتين إيماء إلى أنّ مضمون كل صلة منهما هو سبب الخبر الثابت لمَوصُولها، وتأكيد لقوله: ﴿ إنهم لن يضروا الله شيئاً ﴾ المتقدّم، كقول لبيد: كدُخان نارٍ سَاطِع أسْنَامُها *** بعد قوله: كدُخان مُشْعَلَةٍ يُشَبّ ضِرامُها *** مع زيادة بيان اشتهارهم هم بمضمون الصلة.
والاشتراء مستعار للاستبدال كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ﴾ في سورة [البقرة: 16].
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: هُمُ المُنافِقُونَ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وابْنِ إسْحاقَ.
والثّانِي: قَوْمٌ مِنَ العَرَبِ ارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ.
﴿ إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ ألا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ ﴾ في إرادَتِهِ لِذَلِكَ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنْ يَحْكُمَ بِذَلِكَ.
والثّانِي: مَعْناهُ أنَّهُ سَيُرِيدُ في الآخِرَةِ أنْ يَحْرِمَهم ثَوابَهم لِإحْباطِ إيمانِهِمْ بِكُفْرِهِمْ.
والثّالِثُ: يُرِيدُ أنْ يُحْبِطَ أعْمالَهم بِما اسْتَحَقُّوهُ مِن ذُنُوبِهِمْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ.
﴿ ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾ الطَّيِّبُ المُؤْمِنُونَ، والخَبِيثُ فِيهِ هَهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما المُنافِقُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: الكافِرُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.
واخْتَلَفُوا في الَّذِي وقَعَ بِهِ التَّمْيِيزُ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: بِتَكْلِيفِ الجِهادِ، وهَذا قَوْلُ مَن تَأوَّلَ الخَبِيثَ بِالمُنافِقِ.
والثّانِي: بِالدَّلائِلِ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِها عَلَيْهِمْ وهَذا قَوْلُ مَن تَأوَّلَهُ لِلْكافِرِ.
﴿ وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ ﴾ قِيلَ: إنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذا «أنَّ قَوْمًا مِنَ المُشْرِكِينَ قالُوا: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَلْيُخْبِرْنا مَن يُؤْمِنُ ومَن لا يُؤْمِنُ؟
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
» قالَ السُّدِّيُّ: ما أطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى الغَيْبِ، ولَكِنَّهُ اجْتَباهُ فَجَعَلَهُ رَسُولًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهم بَلْ هو شَرٌّ لَهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ أحَدُهُما: أنَّهم مانِعُو الزَّكاةِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والثّانِي: أنَّهم أهْلُ الكِتابِ وبَخِلُوا أنْ يُبَيِّنُوا لِلنّاسِ ما في كُتُبِهِمْ مِن نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: ألَمْ تَسْمَعْ أنَّهُ قالَ: ﴿ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ ﴾ ، أيْ يَكْتُمُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالكِتْمانِ.
﴿ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الَّذِي يُطَوَّقُونَهُ شُجاعٌ أقْرَعُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: أنَّهُ طَوْقٌ مِنَ النّارِ، وهَذا قَوْلُ إبْراهِيمَ.
<div class="verse-tafsir"
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ﴾ قال: هم المنافقون.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ﴾ قال: هم الكفار.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ إن الذين اشتروا الكفر بالإِيمان ﴾ قال: هم المنافقون.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ ﴾ تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، وقرئ بفتح الياء وضم الزاي حيث وقع مضارعاً من حزن الثاني، وهو أشهر في اللغة من أحزن ﴿ الذين يسارعون فِي الكفر ﴾ أي يبادرون إلى أقواله وأفعاله وهم المنافقون والكفار ﴿ إِنَّ الذين اشتروا ﴾ الآية: هم المذكورون قبل أو على العموم في جميع الكفار ﴿ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ ﴾ أي نمهلهم أن مفعول يحسبن، وما اسم أن فحقها أن تكتب منفصلة وخير خبر: ﴿ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ﴾ ما هنا كافة والمعنى ردّ عليهم أي أن الإملاء لهم ليس خيراً لهم إنما هو استدراج ليكتسبوا الإثم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ولا يحزنك ﴾ من الأفعال حيث كان إلا قوله: ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر ﴾ نافع ومثله ﴿ ليحزنني ﴾ و ﴿ ليحزن الذين آمنوا ﴾ وقرأ يزيد على ضده.
الباقون: بفتح الياء وضم الراء.
ولا خلاف في مثل ﴿ يحزنون ﴾ و ﴿ لا تحزن ﴾ مما هو لازم ﴿ ولا يحسبن ﴾ وثلاثة بعدها بالياء التحتانية مع ضم الباء في ﴿ تحسبنهم ﴾ أبو عمرو وابن كثير، وقرأ حمزة كلها بتاء الخطاب، وقرأ أبو جعفر ونافع وابن عامر ويعقوب كلها بالتحتانية إلا قوله: ﴿ فلاتحسبنهم ﴾ فإنها بالتاء وفتح الباء.
الباقون: الأولياء على الغيبة والأخريان بالخطاب.
/ ﴿ يميز ﴾ بالتشديد حيث كان: حمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب عياش مخير.
الباقون: خفيف بفتح الياء وكسر الميم.
﴿ يعملون خبير ﴾ بياء الغيبة: ابن كثير ويعقوب وأبو عمرو ﴿ لقد سمع ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وهشام.
﴿ سيكتب ﴾ بضم الياء وفتح التاء ﴿ وقتلهم ﴾ برفع اللام و ﴿ ويقول ﴾ على الغيبة: حمزة الباقون: بالنون فيهما على التكلم.
ونصب اللام في ﴿ وقتلهم ﴾ ﴿ وبالزبر ﴾ ابن عامر ﴿ وبالكتاب ﴾ الحلواني عن هشام.
الباقون: بغير إعادة الخافض فيهما ﴿ زحزع عن ﴾ مدغماً: شجاع وأبو شعيب من طريق العطار وابن مهران ﴿ ليبيننه ﴾ ﴿ ولا يكتمونه ﴾ بالياء فيهما لأنهم غيب: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب غير رويس وأبو بكر وحماد.
الباقون: بتاء الخطاب فيهما على حكاية مخاطبتهم.
الوقوف: ﴿ في الكفر ﴾ ج للابتداء بأن ولاحتمال إضمار اللام أو الفاء ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ في الآخرة ﴾ ج لعطف المختلفين مع اتحاج مقصود الكلام ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ج لما ذكر ﴿ في الآخرة ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ 5 ﴿ لأنفسهم ﴾ ط ﴿ إثما ﴾ ج لما ذكر أياَ ﴿ مهين ﴾ ه ﴿ من الطيب ﴾ ط ﴿ ورسله ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ خيراً لهم ﴾ ط ﴿ شراً لهم ﴾ ط ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ أغنياء ﴾ م لئلا يصير ما بعده من مقولهم، ومن قرأ بضم الياء فوقفه مطلق.
﴿ بغير حق ﴾ ج لمن قرأ ﴿ ويقول ﴾ بالياء لأن التقدير: ويقول الله أو يقول الزبانية فلا ينعطف على قوله: ﴿ سيكتب ﴾ مع اتساق المعنى.
﴿ الحريق ﴾ ه ﴿ للعبيد ﴾ ج ه لاحتمال الصفة وأن يكون المراد هم الذين، والوقف أولى لأنه لا يظلم العبيد ملطقاً لا العبيد الموصوفة.
نعم لو كان بدلاً من الذين قالوا إن الله فقير صح ﴿ تأكله النار ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ المنير ﴾ ه ﴿ الموت ﴾ ط ﴿ يوم القيامة ﴾ ط لابتداء شرط في أمر معظم.
﴿ فقد فاز ﴾ ط ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ كثيراً ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ ولا تكتمونه ﴾ ز لأن الجملتين وان اتفقتا لم يكن النبذ متصلاً بأخذ الميثاق فلم يضف إلى ظرف "إذ" ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ يشترون ﴾ ه ﴿ من العذاب ﴾ ج لما ذكر.
﴿ أليم ﴾ ه {والأ ﴿ ض ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.
التفسير: نزلت في كفار قريش وإنه جعل رسوله آمناً من شرهم وأتاح العاقبة له وإن جمعوا الجموع وجهزوا الجيوش حتى يظهر هذا الدين على الأديان كلها، وقيل في المنافقين ومسارعتهم هي أنهم كانوا يخوّفون المؤمنين بسبب واقعة أحد، ويؤيسونهم من النصر والظفر، وربما يقولون: إن محمداً لطالب ملك فتارة يكون الأمر له وتارة يكون عليه، ولو كان رسولاً ما غلبه أحد.
وقيل: إن قوماً من الكفار أسلموا ثم ارتدوا خوفاً من قريش، فاغتم النبي لذلك فبيّن الله أن ردتهم لا تؤثر في لحوق ضرر بك.
ونصر بعضهم هذا القول بأن المسارعة وهي شدة الرغبة في الكفر إنما تناسب من كفر بعد الإيمان / المستمر على الكفر، وبأن إرادته أن لا يجعل لهم حظاً في الآخرة إنما تليق بمن آمن فاستوجب الحظ ثم أحبط، وبأن الحزن إنما يكون على فوات أمر مقصود وذلك هو ما قدر النبي من الانتفاع بإيمانهم أو انتفاعهم بالإيمان فبيّن الله أنه لا يلحق بسبب فوات ذلك ضرر بالدين، وأن وبال ذلك يعود عليهم كما دل عليه بقية الآية.
فإن قيل: الحزن على كفر الكافر وعلى معصية العاصي طاعة، فكيف نهى نبي الله عن ذلك؟
فالجواب أنه نهي عن الإسراف في الحزن بحيث يأتي عليه ونظيره ﴿ لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين ﴾ أو المراد لا يحزنوك لخوف أن يضروك ويعينوا عليك ﴿ إنهم لن يضروا الله ﴾ أي دينه ﴿ شيئاً ﴾ من الضرر.
﴿ يريد الله ألا يجعل لهم حظاً في الآخرة ﴾ فيه دليل على أن إرادة الله تتعلق بالعدم، وتنصيص على أن الخير والشر والنفع والضر بإرادة الله، ومعنى قوله: ﴿ ولهم عذاب عظيم ﴾ أنه كما لاحظ لهم من منافع الآخرة فلهم حظ عظيم من مضارها.
وفي الإخبار عن إرادة عدم الجعل دون الإخبار عن عدم الجعل إشعار بأن استحقاقهم للحرمان بلغ إلى حد أراد أرحم الراحمين أن لا يرحمهم وأن الداعي إلى تعذيبهم خلص خلوصاً لم يبق معه صارف ألبتة.
ثم أنزل في اليهود خاصة وهو الأشبه أو في الكفار عامة ﴿ إن الذين اشتروا ﴾ الآية.
والغرض تأكيد تقوية قلب الرسول كأنه قيل: إن أكثرهم ينازعونك في الدين لا لأجل شبهة لهم بل بناء على الحسد والمنازعة في منصب الدنيا.
ومن كان عقله هذا القدر - وهو أن يبيع بالقليل من الدنيا السعادة الكثيرة في الآخرة - كان في غاية الحماقة، ومثله لا يقدر على إلحاق الضرر بالغير.
ولو قيل: إن الآية في المرتدين فالمعنى أن اختيار دين بعد دين ثم الارتداد على العقبين يدل على الاضطراب وضعف الرأي، والإنسان المضطرب الحال لا قدرة له على إيصال الضرر إلى الغير.
ثم بين أن بقاء المنافقين المتخلفين عن الجهاد والكفار الذين بقوا بعد شهداء أحد لا خير فيه فقال: ﴿ ولا يحسبن ﴾ من قرأ بالياء فقوله: ﴿ الذين كفروا ﴾ فاعل، و"أن" مع ما في حيزه ساد مسد مفعوليه.
ومن قرأ بتاء الخطاب فـ ﴿ الذين كفروا ﴾ مفعول أول و"أن" مع ما في حيزه بدل منه.
وصح الإبدال وإن لم يمض إلا أحد المفعولين لأن المبدل في حكم المنحي.
ألا تراك تقول: جعلت متاعك بعضه فوق بعض.
مع امتناع السكوت على متاعك؟
والتقدير: ولا تحسبن الذين كفروا أن إملائي خير لهم على أن "ما" مصدرية.
ويجوز أن يقدر مضافمحذوف أي لا تحسبنهم أصحاب أن الإملاء خير لهم، أو لا تحسبن حال الذين كفروا أن الإملاء خير لأنفسهم.
قال الأصمعي: يقال أملى عليه الزمان أي طال.
وأملى له أي طوّل له وأمهله.
قال أبو عبيدة: ومنه الملا للأرض الواسعة الطويلة، والملوان الليل والنهار.
ويقال: أقمت عنده ملاوة من الدهر أي حيناً وبرهة.
و ﴿ إثماً ﴾ نصب على التمييز.
وفي / وصف العذاب أوّلاً بالعظم ثم بالألم ثم بالإهانة تدرج من الأهون إلى الأشق، وفيه من الوعيد والسخط ما لا يخفى.
قالت الأشاعرة ههنا: إن إطالة المدة من فعل الله لا محالة.
والآية دلت على أنها ليست بخير ففيه دلالة على أنه فاعل الخير والشر.
وأيضاً إنه نص على أن الغرض من هذا الإملاء، أن يزدادوا إثماً، فإذن الكفر والمعاصي بإرادة الله.
وأيضاً أخبر عنهم أنه لا خير لهم فيه وأنهم لا يحصلون منه إلا على ازدياد الغي والإثم، والإتيان بخلاف خبر الله محال، فعلمنا أنهم مجبورون على ذلك في صورة مختارين.
أجابت المعتزلة بأن المراد أن هذا الإملاء ليس خيراً من موت الشهداء إذ الآية من تتمة قصة أحد، لا أنه ليس بخير مطلقاً.
وزيف بأن بناء المبالغة لا يجوز ذكره إلا مع المفضل عليه، لكنه لم يذكر فعلمنا أنه لنفي الخيرية لا لنفي كونه خيراً من شيء آخر، وعن الثاني أن ازدياد الإثم علة للإملاء وليس كل علة بغرض كقولك: قعدت عن الغزو للعجز والفاقة.
ومثله ﴿ وجعلو لله أنداداً ليضلوا ﴾ وهم ما فعلوا ذلك إلا ضلال.
ويقال: ما كانت موعظتي لك إلا للزيادة في تماديك في الغي إذا كانت عاقبة الموعظة ذلك.
ورد بأن حمل اللام على لام العاقبة عدول عن الظاهر، على أنا نعلم بالبرهان أن علمه بأنهم مزدادون إثماً على تقدير الإمهال علة فاعلية لازديادهم إثماً فكان فاعلاً للازدياد ومريداً له.
قالوا: في الكلام تقديم وتأخير وترتيبه: لا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً إنما نملي لهم خير لأنفسهم.
ويعضده قراءة يحيى بن وثاب بكسر "إن" الأولى وفتح الثانية.
وردّ بأن التقديم والتأخير خلاف الأصل، والقراءة الشاذة لا اعتداد بها مع أن الواحدي أنكرها.
ثم إنه أخبر أنه لا يجوز في حكمته أن يترك المؤمنين على ما هم عليه من اختلاط المخلص بالمنافق، ولكنه يعزل أحد الجنسين عن الآخر بإلقاء الحوادث وإبداء الوقائع كما في قصة أحد.
لله در النائبات فإنها *** صدأ اللئام وصيقل الأحرار فقال: ﴿ ما كان الله ليذر ﴾ اللام لتأكيد النفي والخطاب في ﴿ أنتم ﴾ للمصدقين جميعاً من أهل الإخلاص والنفاق.
خوطبوا بأنه ما كان في حكمة الله أن يترك المخلصين منكم على الحال التي أنتم عليها من اختلاط بعضكم ببعض.
وماز وميَّز لغتان.
مزت الشيء بعضه من بعض أميزه ميزاً، وميّزته تمييزاً.
وفي الحديث " "من ماز أذى عن الطريق فهو له صدقة وحجة " ولفظ الطيب والخبيث وإن كان مفرداً إلا أنه للجنس والمراد جميع / المنافقين من المؤمنين، وإنما قدم الخبيث على الطيب ليقع فعل الميز عليه ليعلم أنه المطرح من الشيئين الملقى لرداءته، فإن الميز يقع على الأدون والأهون.
وبم يحصل هذا الميز؟
قيل: بالمحن والمصائب كالقتل والهزيمة وكما دعاهم النبي إلى الخروج مع ما بهم من القروح، فبمثل ذلك يظهر الثابت من المتزلزل والساكن من المتقلقل.
وقيل: بإعلاء كلمة الدين وقلة شوكة المخالفين ليظهره على الدين كله.
وقيل: بالوحي إلى نبيه ولهذا أردفه بقوله: ﴿ وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكنّ الله يجتبي ﴾ أي يصطفي ويختار ﴿ من رسله من يشاء ﴾ وبناء الكلام على ثلاث مراتب: الأولى أن هذا المنصب الذي استأثر الله بعلمه لا يليق بكل منكم، وإنما هو مخصوص بالمصطفين من عيبده.
الثانية أن الرسول أيضاً لا يعلم المغيبات بأن يطلع عليها من تلقاء نفسه وبخاصية فيه، ولكنه إنما يعلم ذلك من طريق الوحي وإطلاع الله إياه عليه أن هذا مؤمن وذاك منافق.
الثالثة أن هذا أيضاً مختص ببعض الرسل وفي بعض الأوقات حسب مشيئته وإرادته.
﴿ فآمنوا بالله ورسله ﴾ ومن جملة الإيمان بالله أن تعتقدوه وحده علاماً للغيوب، ومن جملة الإيمان بالرسل أن تنزلوهم منازلهم بأن تعلموهم عبيداً مصطفين لا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله .
ووجه النظم على القول الأول: لا تظنوا أن هذا التمييز يحصل بأن يطلعكم الله على غيبه ويقول إن فلاناً مؤمن وفلاناً منافق، فإن سنة الله جارية بأنه لا يطلع العوام على غيبه ولا يكون لهم سبيل إلى معرفة الأمور إلا بالامتحان والقرائن المفيدة للظن الغالب، ولكنه يصطفي من رسله من يشاء، فيعلمهم أن هذا مؤمن وذاك منافق ويختارهم للرسالة ووضع التكاليف الشاقة التي بمثلها يتميز الفريقان ويخلص أهل الوفاء من أهل الجفاء.
أو المراد ما كان الله ليطلعكم كلكم عالمين بالغيب من حيث يعلم الرسول حتى تصيروا مستغنين عن الرسول، ولكنه يخص من يشاء بالرسالة ثم يكلف الباقين طاعة هؤلاء الرسل، فآمنوا بالله ورسله كلهم، لأن طريق ثبوت نبوّتهم واحد، فمن أقر بنبوّة واحد منهم لزمه الإقرار بنبوّة كلهم ثم اتبعه الوعد بالثواب فقال: ﴿ وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم ﴾ قال السدي: قال رسول الله : " "عرضت عليّ أمتي في صورها كما عرضت على آدم وأعلمت من يؤمن بي ومن يكفر " فبلغ ذلك المنافقين فاستهزؤا فقالوا: زعم محمد أنه يعلم من يؤمن به ومن يكفر ونحن معه ولا يعرفنا فأنزل الله ﴿ ما كان الله ليذر المؤمنين ﴾ .
وقال الكلبي: قالت قريش: تزعم يا محمد أن من خالفك فهو في النار والله عليه غضبان، وأن من اتبعك على دينك فهو من أهل الجنة والله عنه راض، فأخبرنا بمن يؤمن بك وبمن لا يؤمن بك فنزلت.
وقال أبو العالية: نزلت حين سأل المؤمنون أن يعطو علامة يفرقون بها بين المؤمن والمنافق.
/ ثم إنه عز من قائل لما بالغ في التحريض على بذل النفس في الجهاد، حرض على بذل المال في سبيل الله فقال: ﴿ ولا تحسبن الذين يبخلون ﴾ من قرأ بتاء الخطاب قدر مضافاً أي لا تحسبن بخل الذين يبخلون هو خيراً لهم، وكذا من قرأ بالياء وجعل فاعله ضمير النبي أو أحد.
ومن جعل الموصول فاعلاً فالمفعول الأول محذوف للدلالة.
التقدير: ولا تحسبن هؤلاء بخلهم هو خيراً وهو صيغة الفصل.
قال الواحدي: جمهور المفسرين على أن هذه الآية نزلت في مانعي الزكاة لترتب الوعيد عليه وسوق الكلام في معرض الذم، ولأن تارك التفضل لو عدّ بخيلاً لم يتخلص الإنسان من البخل إلا بإخراج جميع المال.
وفي حكم الزكاة سائر المصارف الواجبة كالإنفاق على النفس وعلى الأقربين الذين يلزمه مؤنتهم، وعلى المضطر، وفي الذب عن المسلمين إذا قصدهم عدوّ وتعين دفعهم بالمال.
وروى عطية عن ابن عباس أنها نزلت في أحبار اليهود الذين كتموا صفة محمد ونبوّته.
وأراد بالبخل كتمان العلم الذي آتاهم الله، وعلى هذا يكون عوداً إلى ما انجرّ منه الكلام إلى قصة أحد، وذلك هو شرح أحوال أهل الكتاب ويعضده أن كثيراً من آيات بقية السورة فيهم.
وعلى هذا التفسير فمعنى ﴿ سيطوّقون ﴾ أن الله يجعل في رقابهم طوقاً من النار كقوله : " من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجم بلجام من نار" والسر فيه أنهم لم ينطقوا بأفواههم وألسنتهم بما يدل على الحق.
وعلى التفسير الأول فإما أن يكون محمولاً على ظاهره وهو أن يجعل ما بخل به من الزكاة حية يطوّقها في عنقه تنهشه من قرنه إلى قدمه وتنقر رأسه ويقول: أنا مالك.
عن ابن مسعود عن النبي : " ما من رجل له مال لا يؤدي حق ماله إلا جعل طوقاً في عنقه شجاعاً أقرع يفر منه وهو يتبعه " ثم قرأ مصداقه من كتاب الله عز وجل ﴿ ولا تحسبن الذين يبخلون ﴾ الآية.
وعن ابن عمر قال: قال : " إن الذي لا يؤدي زكاة ماله يخيل إليه ماله يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان فيلزمه أي يطوّقه يقول: أن كنزك " وأما أن يكون على طريق التمثيل لا على أن ثمة أطواقاً أي سيلزمون إثمه في الآخرة إلزام الطوق.
وفي أمثالهم "يقلدها طوق الحمامة" إذا جاء بهنة يسب بها ويذم.
وقال مجاهد: معناه سيكلفون أن يأتوا بما بخلوا به يوم القيامة.
ونظيره ما روي عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ وعلى الذين يطوّقونه فدية ﴾ قال المفسرون: يكلفونه ولا يطيقونه أي يؤمرون بأداء ما منعوه حتى لا يمكنهم الإتيان به فيكون ذلك توبيخاً على معنى هلا فعلتم ذلك حين كان ممكناً؟
﴿ ولله ميراث السموات والأرض ﴾ وله ما فيهما مما يتوارثه أهلهما من مال وغيره.
فمالهم يبخلون عليه بملكه ولا ينفقونه في سبيله؟
ونظيره قوله: ﴿ وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ﴾ وقال كثير من المفسرين: المقصود أنه يبطل ملك جميع المالكين إلا ملك الله فيصير كالميراث.
قال ابن الأنباري: يقال ورث فلان علم فلان إذا تفرد به بعد أن كان مشاركاً له فيه.
ومثله ﴿ وورث سليمان داود ﴾ أي انفرد بذلك الأمر بعد أن كان داود مشاركاً له فيه أو غالباً عليه ﴿ والله بما تعملون خبير ﴾ من قرأ على الغيبة فظاهر، أي يجازيهم على منعهم الحقوق.
ومن قرأ على الخطاب فللالتفات وهي أبلغ في الوعيد لأن الغضب كأنه تناهى إلى حد أقبل على الخطاب وشافه بالعتاب.
ثم شرع في حكاية شبه الطاعنين في نبوة محمد .
وذلك أنه لما أمر بالإنفاق في سبيل الله قالوا: لو كان محمد صادقاً في أن الله يطلب منا المال فهو إذن فقير ونحن أغنياء، لكن الفقر على الله محال فمحمد غير صادق.
وأيضاً لو كان نبياً لكان إنما يطلب المال لأجل أن تجيء نار من السماء فتحرقه كما كان في الأزمنة السالفة، فلما لم يفعل ذلك عرفنا أنه ليس بنبي.
فهذا بيان النظم وليس في الآية تعيين القائلين إلا أن العلماء نسبوا هذا القول إلى اليهود لعنهم الله لقولهم في موضع آخر ﴿ يد الله مغلولة ﴾ عنوا أنه بخيل.
وذلك الجهل يناسب هذا الجهل، ولأن التشبيه غالب عليهم، والقائل بالتشبيه لا يمكنه إثبات كونه قادراً على كل المقدورات، وإذا عجز عن إثبات هذا الأصل عجز عن بيان أنه غني، ولما روي عكرمة ومحمد بن إسحق والسدي ومقاتل "أن رسول الله كتب مع أبي بكر إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى الإسلام وإلى إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا الله قرضاً حسناً.
فقال فنحاص عن عازوراء ـ وهو من علمائهم - أتزعم أن ربنا يستقرضنا أموالنا فهو إذن فقير ونحن أغنياء، فغضب أبو بكر ولطمه في وجهه وقال: لولا الذي بيننا وبينكم من العهد لضربت عنقك.
فذهب فنحاص إلى رسول الله وقال: يا محمد انظر ما صنع بي صاحبك.
فقال رسول الله صلى الله لأبي بكر: ما الذي حملك على ما صنعت؟
فقال: يا رسول الله إن عدوّ الله قال هكذا.
فجحد ذلك فنحاص فنزلت هذه الآية تصديقاً لأبي بكر" .
وأيضاً إن موسى لما طلب منهم الجهاد ببذل النفوس قالوا له: إذهب أنت وربك فقاتلا.
فلا يبعد أن محمداً لما طلب منهم الأموال قالوا له: لو كان الإله غنياً فأي حاجة إلى أموالنا.
ثم إن القائل لو كان فنحاصاً وحده فإنما / يستقيم قوله: ﴿ لقد سمع الله قول الذين قالوا ﴾ لأن أتباع الرجل والمقتدين به حكمهم حكمه.
ثم إنه لم يجبهم عن شبهتهم.
أما على قواعد أهل السنة فبأن يقول يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد، فلا يبعد أن يأمر عبيدة ببذل الأموال مع كونه أغنى الإغنياء.
وأما على قوانين المعتزلة فبأن في هذا التكليف فوائد منها: إزالة حب المال عن القلب، ومنها التوسل إلى الثواب المخلد، ومنها تسخير البعض للبعض فبذلك ترتبط أمور التمدن وتنتظم أحوال صلاح المعاش والمعاد وإنما لم يجب لكثرة ورودها في القرآن ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له اضعافاً كثيرة ﴾ ﴿ وما تنفقوا من خير فلأنفسكم ﴾ ولأن وجوب الوجود عبارة عن الغنى المطلق حتى لا يحتاج في ذاته ولا في شيء من صفاته ولا بجهة من جهاته إلى ما سوى ذاته.
فمن اعترف بوجوب وجوده ثم شك في كمال غناه في وجوده فقد عاد بالنقض على موضوعه فلا يستحق الجواب عند أولي الألباب، وإنما يستأهل صنوفاً من العتاب وضروباً من العذاب فلهذا قال على جهة الوعيد ﴿ سنكتب ما قالوا ﴾ في صحائف الحفظة، أو نستحفظه ونثبته في علمنا لا ننساه كما يثبت المكتوب فلا ينسى.
وفي التفسير الكبير: سنكتب عنهم هذا الجهل في القرآن حتى يبقى على لسان الأمة إلى يوم القيامة.
ثم عطف عليه قتلهم الأنبياء ليدل على أنهم كما لو يقدروا الله حق قدره حتى نسبوا إليه ما نسبوه، فكذلك لم يقضوا حقوق الأنبياء ففعلوا بهم ما فعلوا.
﴿ ونقول ذوقوا عذاب الحريق ﴾ وهو من أسماء جهنم.
"فعيل" بمعنى "مفعول" كالأليم بمعنى المؤلم.
أو سميت باسم صاحبها أي ذات حرقة.
والمعنى: ينتقم منهم فيقول لهم ذوقوا عذاب النار كما أذقتم المسلمين جرع الغصص.
وهذا القول يحتمل أن يقال عند الموت، أو عند الحشر، أو عند قراءة الكتب.
ويحتمل أن يكون كناية عن الوعيد وإن لم يكن ثمة قول ﴿ ذلك ﴾ العذاب أو الوعيد ﴿ بما قدمت أيديكم ﴾ من السب والقتل.
وذكر الأيدي لأن أكثر الأعمال يباشر باليد، فجعل كل عمل كالواقع بالأيدي على سبيل التغليب وإن كان بعضه باللسان أو بسائر الجوارح والآلات.
وإنما جمع لأن المخاطب جمع ولو كان مفرداً.
قيل: بما قدمت يداك مثنى كما في سورة الحج.
قال الجبائي: قوله: ﴿ وأن الله ﴾ أي وبأن الله ليس بظلام للعبيد، فيه دلالة على أن فعل العقاب بهم كان يكون ظلماً بتقدير أن لا يقع منهم الذنوب.
وفيه بطلان قول المجبرة أن الله يعذب الأطفال بغير جرم ويجوز أن يعذب البالغين بغير ذنب، ويدل على كون العبد فاعلاً وإلا لكان الظلم حاصلاً.
والجواب أنه لم ينف الظلم عن نفسه بمعنى أن الجزاء إنما كان مرتباً على الذنب الصادر بكسب العبد وفعله فلا ظلم، بل بمعنى / أنه مالك الملك، والمالك إذا تصرف في ملكه كيف شاء لم يكن ذلك ظلماً، فخلق ذلك الفعل فيهم وترتيب العذاب عليه لا يكون ظلماً.
قيل: إنه نفى الظلم الكثير عن نفسه وذلك يوهم ثبوت أصل الظلم له، أجاب القاضي بأن العذاب الذي توعد بأن يفعل بهم لو كان ظلماً لكان عظيماً، فنفاه على حد عظمه لو كان ثابتاً.
وهذا يؤكد ما ذكر أن إيصال العقاب إليهم كان يكون ظلماً عظيماً لو لم يكونوا مذنبين، أقو ل: إنه نفى حقيقة الظلم عنه في قوله: ﴿ وما ظلمناهم ﴾ ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ وبحقيقة ما ذكرناه أنه مالك الكل له أن يتصرف في ملكه كيف يشاء، ولكنه نفى ههنا كثرة الشر والظلم أن يصدر عنه كأنه قال: إن خُيِّلَ إليكم أن في الوجود شراً بناء على ما في ظنكم من أن الحكيم قد يصدر عنه الشر القليل بتبعية الخير الكثير، فاعلموا أني منزه عن صدور الشر الكثير مني، وأن هذا من الشر القليل الذي في ضمنه خير كثير.
ونقول: أراد نفي الشر القليل وأصل الظلم عنه، ولكن القليل من الظلم بالنسبة إلى رحمته الذاتية كثير، فلهذا عبر عنه بلفظ الكثرة والمبالغة.
ثم قرر الشبهة الأخرى لهم فقال: ﴿ الذين قالوا إن الله عهد إلينا ﴾ قال الكلبي: نزلت في كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف ووهب بن يهودا وزيد بن التابوت وفنحاص بن عازوراء وحيي بن أخطب، أتوا رسول الله فقالوا: تزعم أن الله بعثك إلينا رسولاً، وأنزل عليك الكتاب، وإن الله قد عهد إلينا في التوراة أن لا نؤمن لرسول يزعم أنه جاء من عند الله حتى يأتينا بقربان تأكله النار، فإن جئتنا به صدقناك فنزلت.
قال عطاء: كانت بنو إسرائيل يذبحون لله فيأخذون الثروب وأطايب اللحم فيضعونها في وسط بيت والسقف مكشوف، فيقوم النبي في البيت ويناجي ربه وبنو إسرائيل خارجون واقفون حول البيت، فتنزل نار بيضاء لها دوي وحفيف ولا دخان لها فتأكل ذلك القربان وهو البر الذي يتقرب به إلى الله.
وأصله مصدر كالكفران والرجحان.
ثم سمي به نفس المتقرب به إلى الله ومنه قوله لكعب بن عجرة: " "يا كعب، الصوم جنة والصلاة قربان" أي بها يتقرب إلى الله ويستشفع في الحاجة لديه.
وللعلماء فيما ادعاه اليهود قولان: قال السدي: إن هذا الشرط جاء في التوراة مع الاستثناء.
قال: من جاءكم يزعم أنه رسول الله فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار إلا المسيح ومحمداً.
فكانت هذه العادة جارية إلى مبعث المسيح ثم زالت.
وقيل: إنه افتراء لأن المعجزات كلها في كونها خارقة للعادة وآية لصحة النبوة سواء، فأي فائدة في تخصيصها؟
ولأنه إما أن يكون في التوراة أن مدعي / النبوة وإن جاء بجميع الآيات لا تقبلوا قوله إلا أن يجيء بهذه الآية المعينة، وحينئذٍ لا تكون سائر المعجزات دالة على الصدق، وإذا جاز الطعن فيها جاز في هذه.
وإما أن يكون فيها أن مدعي النبوة يطالب بالمعجزة أية كانت.
وحينئذٍ يكون طلب هذا المعجز المعين عبثاً فلهذا نسبهم الله إلى الجحود والعناد فقال: ﴿ قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم ﴾ أي بمدلوله ومؤدّاه ﴿ فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين ﴾ إنما الإيمان يجب عند الإتيان بالقربان.
وإنما ذكر مجيء الرسل بالبينات ولم يقتصر على مجيء القربان ليتم الإلزام.
وذلك أن القوم يحتمل أن يقولوا إن الإتيان بهذا القربان شرط للنبوة لا موجب لها، والشرط يلزم من عدمه عدم المشروط لكن لا يلزم من وجوده وجود المشروط.
فلو اكتفى بذكر القربان لم يتم الإلزام، وحيث أضاف إليه البينات ثبت أنهم أتوا بالموجب وبالشرط جميعاً، فكان الإقرار بالنبوة واجباً.
ثم سلى رسوله بقوله: ﴿ فإن كذبوك ﴾ في أصل الشريعة والنبوة أو في قولك إن الأنبياء الأقدمين جاؤهم بالبينات وبالقربان فقتلوهم ﴿ فقد كذب رسل من قبلك ﴾ وأي رسل والمصيبة إذا عمت طابت ﴿ جاؤا بالبينات ﴾ وهي الحجج الواضحات والمعجزات الباهرات.
والزبر هي الصحف جمع زبور بمعنى مزبور أي مكتوب.
وقال الزجاج: الزبور كل كتاب ذي حكمة فيشبه أن يكون من الزبر بمعنى الزجر عن خلاف الحق وبه سمي زبور داود لما فيه من الزواجر والمواعظ والكتاب المنير الموضح أو الواضح المستنير.
يعلم من عطف الزبور والكتاب على البينات، أن معجزاتهم كانت مغايرة لكتبهم، وأنها لم تكن معجزة لهم والإعجاز من خواص القرآن.
وعطف الكتاب المنير على الزبر لأن الكتاب بوصفه بالإثارة أو الاستنارة أشرف من مطلق الزبر فخص بعد العموم لشرفه مثل ﴿ وملائكته ورسله وجبريل وميكال ﴾ وقيل: المراد بالزبر الصحف، وبالكتاب المنير التوراة والإنجيل والزبور.
ثم أكد التسلية بقوله: ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ لأن تذكر الموت واستحضاره مما يزيل الغموم والأشجان الدنيوية، وكذا العلم بأن وراء هذه الدار داراً يتميز فيها المحسن عن المسيء، ويرى كل منهما جزاء عمله.
والمراد لكل نفس ذائقة الموت كل ذات.
فالقضية لا يمكن إجراؤها على عمومها لاستثناء الله منها ﴿ تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ﴾ وكذا كل الجمادات لأن لها ذوات.
ولقوله: ﴿ فصعق من في السموات و من في الأرض إلا من شاء الله ﴾ ولأنه لا موت لأهل الجنة ولأهل النار.
فالمراد المكلفون الحاضرون في دار التكليف، والملائكة عند من يجوّز الموت عليهم.
روي عن ابن عباس: لما نزل قوله : ﴿ كل من عليها فان ﴾ \[الرحمن: /26\] قالت الملائكة: مات أهل الأرض.
فلما نزل ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ قالت الملائكة: متنا.
وفي الآية دليل على أن المقتول ميت وعلى أن النفس باقية بعد البدن، لأن الذائق لا بد أن يكون باقياً حال حصول الذوق.
قالت الحكماء: الموت واجب الحصول عند هذه الحياة الجسمانية لأنها لا تحصل إلا بالرطوبة الغريزية والحرارة الغريزية، ثم إن الحرارة الغريزية تؤثر في تقليل الرطوبة الغريزية.
وإذا قلت: الرطوبة الغريزية ضعفت الحرارة الغريزية، ولا يزال تستمر هذه الحالة إلى أن تفنى الرطوبة الأصلية فتنطفىء الحرارة الغريزية ويحصل الموت، فبهذا الطريق كان الموت ضرورياً في هذه الحياة.
قالوا: والأرواح المجردة لا موت لها، وناقشهم المسلمون فيه ﴿ وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ﴾ في ذكر التوفية إشارة إلى أن بعض الأجور يعطى قبل ذلك اليوم كما قال : " القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار" .
﴿ فمن زحزح عن النار ﴾ الزح التنحية والإبعاد والزحزحة تكريره ﴿ فقد فاز ﴾ لم يقيد الفوز بشيء لأنه لا فوز وراء هذين الأمرين: الخلاص من العذاب والوصل إلى الثواب.
فمن حصل له هذان فقد فاز الفوز المطلق المتناول لكل ما يفاز به.
قال : " "من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه " فالأول رعاية حقوق الله، والثاني محافظة حقوق العباد.
ثم شبه الدنيا بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويغرّ حتى يشتريه ثم يتبين له فساده ورداءته، وذلك أن لذاتها تفنى وتبعاتها تبقى.
والغرور بالضم مصدر، الغار المدلس هو الشيطان.
عن علي بن أبي طالب: لين مسها قاتل سمها.
وعن بعضهم: الدنيا ظاهرها مظنة السرور وباطنها مطية الشرور.
وعن سعيد بن جبير: إنما هذا المن آثرها على الآخرة.
فأما من طلب الآخرة بها فإنها متاع بلاغ.
﴿ لتبلون في أموالكم ﴾ اللام جواب القسم المقدر، والنون دخلت مؤكدة، وضمت الواو للساكنين ولما كان يجب لما قبلها من الضم.
والمراد ما نالهم من الفقر والضر والقتل والجرح، والتكاليف الشاقة البدينة والمالية من الصلاة والزكاة والصوم والجهاد, والذي كانوا يسمعونه من الكفرة كالطعن في الدين الحنيف وأهليه، وإغراء المخالفين وتحريضهم عليهم وإغواء المنافقين وتنفيرهم عنهم ﴿ وإن تصبروا ﴾ على ما ابتلاكم الله به ﴿ وتتقوا ﴾ المخالفة أو تصبروا على أداء الواجبات وتتقوا ارتكاب المحظورات ﴿ فإن ذلك ﴾ الصبر والتقوى ﴿ من عزم الأمور ﴾ من معزوماتها الذي لا يترخص العاقل في تركه لكونه حميد العاقبة بين الصواب، أو هو من / عزائم الله ومما ألزمكم الأخذ به.
قال الواحدي: كان هذا قبل نزول آية القتال.
وقال القفال: الظاهر أنها نزلت بعد قصة أحد فلا تكون منسوخة بآية السيف.
والمراد الصبر على ما يؤذون به الرسول على طريق الأقوال الجارية فيما بينهم واستعمال مداراتهم من كثير من الأحوال.
والأمر بالقتال لا ينافي الأمر بالمصابرة على هذا الوجه.
عن كعب بن مالك "أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعراً وكان يهجو النبي ويحرض عليه كفار قريش في شعره، وكان النبي قدم المدينة وأهلها أخلاط - المسلمون والمشركون واليهود - فأراد النبي أن يستصلحهم كلهم.
فكان المشركون واليهود يؤذونه ويؤذون أصحابه أشد الأذى، فأمر الله نبيه بالصبر على ذلك فنزلت الآية" .
روي "أن رسول الله ركب على حمار وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحرث بن خزرج قبل وقعة بدر حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبي وذلك قبل أن يسلم عبد الله.
فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين واليهود، وفي المجلس عبد الله بن رواحة.
فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه وقال: لا تغبروا علينا.
فسلم رسول الله ثم وقف.
فنزل ودعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن.
فقال عبد الله بن أبي: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقاً فلا تؤذنا به في مجلسنا.
ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه.
فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك.
فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون.
فلم يزل النبي يخفضهم حتى سكنوا.
ثم ركب النبي دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة فقال له: يا سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب - يريد عبد الله بن أبي؟
قال: كذا وكذا.
فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله اعف عنه واصفح، فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي نزل عليك، وقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوّجوه ويعصبوه بالعصابة، فلما ردّ الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق بذلك فعفا عنه رسول الله " ، وأنزل الله هذه الآية.
ثم إنه عجب من حال اليهود أنه كيف يليق بحالهم إيراد الطعن في نبوته مع أن كتبهم ناطقة به- وأيضاً من جملة إيذائهم الرسول أنهم كانوا يكتمون من نعته وصفته فلهذا قال: ﴿ وإذا أخذ الله ﴾ بإضمار "اذكر" والضمير في ﴿ لتبيننه ﴾ قيل لمحمد لأنه معلوم وإن كان غير مذكور أي لتبينن حاله وهذا قول سعيد بن جبير والسدي.
وقال الحسن وقتادة: يعود إلى الكتاب كأنه أكد عليهم إيجاب بيان الكتاب واجتناب كتمانه كما يؤكد على الرجل إذا عزم عليه.
وقيل له الله لتفعلن ﴿ ولا يكتمونه ﴾ قيل: الواو للحال أي غير كاتمين.
ويحتمل أن تكون للعطف وإن لم يكن مؤكداً بالنون.
والأمر بالبيان يتضمن النهي عن الكتمان، لكنه صرح به للتأكيد ﴿ فنبذوه / وراء ظهورهم ﴾ جعلوه كالشيء المطروح المتروك.
وعن علي : ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا.
وقال قتادة: مثل علم لا يقال به كمثل كنز لا ينفق منه، ومثل حكمة لا تخرج كمثل صنم قائم لا يأكل ولا يشرب.
وطوبى لعالم ناطق ولمستمع واع، هذا علم علماً فبذله، وهذا سمع خيراً فوعاه.
ومعنى قوله: ﴿ واشتروا به ثمناً قليلاً ﴾ أنهم كتموا الحق ليتوسلوا به إلى وجدان حظ يسير من الدنيا ﴿ فبئس ما يشترون ﴾ هو ويدخل في الوعيد كل من كتم شيئاً من أمر الدين لغرض فاسد من تسهيل على الظلمة وتطييب لنفوسهم واستجلاب لمسارّهم واستجذاب لمبارّهم، أو لتقية من غير ضرورة، أو لبخل بالعلم وغيره أن ينسب إلى غيره.
ثم ذكر نوعاً آخر من إيذاء اليهود وأوعدهم عليه وسلى رسوله بذلك فقال: ﴿ لا تحسبن الذين يفرحون ﴾ من قرأ بتاء الخطاب وفتح الباب فالخطاب للرسول أو لكل أحد، وأحد المفعولين ﴿ الذين يفرحون ﴾ والثاني ﴿ بمفازة ﴾ .
وقوله: ﴿ فلاتحسبنهم ﴾ إعادة للعامل لطول الكلام وإفادة التأكيد.
ومن ضم الباء في الثاني مع تاء فالخطاب للمؤمنين، ومن ضمها مع ياء الغيبة فالضمير للذين يفرحون، والمفعول الأول محذوف أي لا يحسبن أنفسهم الذين يفرحون فائزين، والثاني للتأكيد.
ومعنى ﴿ بما أتوا ﴾ بما فعلوا.
وأتى وجاء يستعملان بمعنى فعل.
قال : ﴿ إنه كان وعده مأتياً ﴾ ﴿ لقد جئت شيئاً فرياً ﴾ .
ومعنى بمفازة من العذاب بمنجاة منه أي بمكان الفوز.
وقال الفراء: أي ببعد منه لأن الفوز التباعد عن المكروه.
في الصحيحين "أن مروان قال لرافع أبوابه: اذهب إلى ابن عباس وقل له: لئن كان كل امرىء منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذباً لنعذبن أجمعون.
فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه إنما دعا النبي يهوداً فسألهم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره، فأروه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه، ثم قرأ ابن عباس ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ﴾ الآيتين" .
وقال الضحاك: "كتب يهود المدينة إلى يهود العراق واليمن ومن بلغهم كتاب من اليهود في الأرض كلها أن محمداً ليس نبي الله فأثبتوا على دينكم واجمعوا كلمتكم على ذلك.
فاجتمعت كلمتهم على الكفر بمحمد والقرآن، ففرحوا بذلك وقالوا: الحمد لله الذي جمع كلمتنا ولم نتفرق ولم نترك ديننا ونحن أهل الصوم والصلاة، نحن أولياء الله.
فذلك قول الله ﴿ يفرحون بما أتوا ﴾ بما فعلوا ﴿ ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ﴾ / فأنزل الله هذه الآية" .
يعني بما ذكروا من الصوم والصلاة والعبادة.
وعن أبي سعيد الخدري "أن رجالاً من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله إلى الغزو تخلفوا عنه، فإذا قدم اعتذروا عنده وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا فأنزل الله هذه الآية" .
وهذه الوجوه كلها مشتركة في الإتيان بما لا ينبغي ومحبة / الحمد عليه ووصفه بسداد السيرة وحسن السريرة.
ونحن إذا أنصفنا من انفسنا وجدنا أكثر مجاري أمورنا على هذه الحالة، فنسأله العصمة والهداية.
ثم ختم الكلام بقوله: ﴿ ولله ملك السموات والأرض ﴾ ولغرض أنه كيف يرجو النجاة من كان معذبه هذا القادر الغالب؟
التأويل: ﴿ هو خيراً لهم بل هو شر لهم ﴾ كل واحد من صفتي البخل والسخاء بمنزلة الإكسير حتى يجعل الخير شراً وبالعكس.
﴿ سيطوّقون ﴾ شبه بالطوق لأنه يحيط بالقلب ومنه ينشأ معظم الصفات الذميمة كالحرص والحسد والحقد والعداوة والكبر والغضب والبخل "حب الدنيا رأس كل خطيئة" ﴿ ولله ميراث السموات والأرض ﴾ الإنسان ورث الدنيا والآخرة أولئك هم الوارثون.
والوارث إذا مات من غير وارث فميراثه لبيت المال.
فالإشارة فيه أن من غلب عليه هذه الصفات ومات قلبه فقد بطل استعداد وراثته فميراثه لله ﴿ إن الله فقير ونحن أغنياء ﴾ فيه أن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى، فيعكس القضايا فيصف الرب بصفات العبد والعبد بصفات الرب وذلك لغلبة الصفات الذميمة واستيلاء سلطان الهوى والشيطان، فيقول تارة: أنا ربكم الأعلى، وتارة إن الله فقير ونحن أغنياء.
﴿ بقربان تأكله النار ﴾ قالت يهود صفات النفس البهيمية والسبعية والشياطنية لا ننقاد لرسول أي لخاطر رحماني أو إلهام رباني حتى يأتينا بقربان هو الدنيا وما فيها يجعلها نسيكة لله عز وجل، تأكله نار الله الموقدة التي تقدح من زناد محبتهم،فإن كثيراً من الطالبين الصادقين يجعلون الدنيا وما فيها قرباناً لله فلا تأكله نار الله، قل يا وارد الحق ﴿ قد جاءكم رسل من قبلي ﴾ أي واردات الحق بالبينات بالحجج الباهرة ﴿ وبالذي قلتم ﴾ أي بجعل الدنيا قرباناً ﴿ فلم قتلتموهم ﴾ غلبتموهم ومحوتموهم حتى لم يبق أثر الواردات.
﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ كلهم مستعدون للفناء في الله، ولا بد لها من موت.
فمن كان موته بالأسباب تكون حياته بالأسباب، ومن كان فناؤه في الله يكون بقاؤه بالله.
﴿ لتبلون ﴾ بالجهاد الأكبر ﴿ ولتسمعن ﴾ من أهل العلم الظاهر ومن أهل الرياء ﴿ أذى كثيراً ﴾ بالغيبة والملامة والإنكار والاعتراض ﴿ وإن تصبروا ﴾ على جهاد النفس ﴿ وتتقوا ﴾ بالله عما سواه ﴿ فإن ذلك من عزم الأمور ﴾ أي من أمور أولي العزم ﴿ فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ﴾ والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ ﴾ يحتمل الآية وجهين: يحتمل: ولا يحزنك الذين ظاهروا غيرهم من المشركين عليكم، وقد ظاهر أهل مكة غيرهم من المشركين على رسول الله فيقول الله لرسوله: ﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ ﴾ مظاهرتهم عليك؛ فإن الله ينصرك؛ فيخرج هذا مخرج البشارة له بالنصر على أعدائه والغلبة عليهم.
ويحتمل - أيضاً - وجهاً آخر: وهو أن رسول الله كان يشتد عليه كفرهم بالله، ويحزن لذلك، كقوله - -: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ؛ فيخرج قوله: ﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ ﴾ مخرجَ تَسْكينِ الحزن، ودفْعِهِ عنه، والتسلِّي عن ذلك، لا مخرج النهي؛ إذ الحزن يأخذ الإنسان، ويأتيه من غير تكلف ولا صنع، وكقوله - -: ﴿ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا ﴾ : هو على مخرج التسكين والدفع عنه، لا على النهي؛ فكذلك الأول - والله أعلم - وكقوله - - لأم موسى - -: ﴿ وَلاَ تَحْزَنِيۤ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً ﴾ ، أي: لن يضروا أولياء الله - عز وجل - إنما ضرر ذلك عليهم؛ كقوله - -: ﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ ﴾ .
ويحتمل: ﴿ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً ﴾ ؛ لأنه ليس لله في فعلهم وعملهم نفع، ولا في ترك ذلك عليه ضرر؛ إنما المنفعة في عملهم لهم، والضرر في ترك عملهم عليهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ : هذه الآية تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأن الله - - يقول: أراد ألا يجعل لهم في الآخرة حظاً؛ المعتزلة يقولون: بل أراد أن يجعل لهم حظّاً في الآخرة؛ إذ يقولون: أراد لهم الإيمان، وبالإيمان يكون لهم الحظ في الآخرة، فثبت بالآية أنه لم يكن أراد لهم الإيمان، والآية في قوم خاص علم الله - - أنه لا يؤمنون أبداً؛ فأراد ألا يجعل لهم حظّاً في الآخرة، ولو كان على ما تقوله المعتزلة؛ بأنه أراد أن يجعل لهم حظّاً في الآخرة - لما أراد لهم أن يؤمنوا، ولكن لم يؤمنوا لكان حاصل قولهم: أراد الله ألا يجعل لمن أراد يؤمن في الآخرة، وذلك جور عندهم، وبالله التوفيق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ : وذكر مرة: ﴿ أَلِيمٌ ﴾ ومرة: ﴿ شَدِيدٌ ﴾ ؛ لأن التعذيب بالنار أشد العذاب في الشاهد وأعظمه؛ لذلك أوعد بها في الغائب، وجعل شرابهم وطعامهم ولباسهم منها، فنعوذ بالله من ذلك.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَانِ ﴾ : قد ذكرنا تأويل هذا فيما تقدم.
﴿ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً ﴾ ما ذكرنا أنه على الوجهين اللذين وصفتهما، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ ﴾ الآية: اختلف في قراءتها، قرأ بعضهم بالياء: وبعضهم بالتاء: فمن قرأ بالتاء صرف الخطاب إلى رسول الله ، فقال: لا تحسبن يا محمد أنما نملي لهم خير لهم؛ إنما نملي لهم ليزدادوا شرّاً.
ومن قرأ بالياء: صرف الخطاب إلى الكفرة، فقال: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ﴾ يكون خيراً لهم؛ بل إنما نملي لهم ليكون شرّاً وإثماً لهم؛ فالآية على المعتزلة، لكنهم تأولوا بوجهين: أحدهما: على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: "ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ليزدادوا إثما؛، إنما نملي لهم خير لأنفسهم"؛ فيقال [لهم]: لو جاز جعل الآية وصرفها على ما حملتم عليه وصرفتم إليه، جاز حمل جميع الآيات التي فيها وعد للمؤمنين، وصرفها إلى الكافرين، وما كان فيها وعيد للكافرين إلى المؤمنين؛ إذ لا فرق بين هذا وبين جعلكم الخير مكان الإثم، والإثمَ مكان الخير، وبين جعل الوعد في موضع الوعيد، والوعيد في موضع الوعد.
والوجه الثاني: قالوا: أخبر الله - - عما يئول أمرهم في العاقبة، لا أن كان في الابتداء كذلك؛ كقوله - -: ﴿ فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ﴾ ، ومعلوم أنهم لم يلتقطوا ليكون لهم عدواً وحزناً؛ ولكن إخبار عما آل أمره في العاقبة أن صار لهم عدواً وحزناً؛ وكذلك يقال للرجل: سرقت لتقطع، وقتلت لتقتل، وهو لم يسرق ليقطع، ولا قتل ليقتل؛ ولكن إخبار عما آل أمره وحاله في العاقبة؛ فكذلك هذا، لكن الإخبار عما يئول الأمر يخرج مخرج التنبيه عن السهو والغفلة في الابتداء، فالله - وتعالى - يتعالى عن ذلك؛ فخرج ذلك مخرج التحقيق في الابتداء، لا مخرج الإخبار عما يئول الأمر في العاقبة، وبالله التوفيق.
والثاني: أن من أراد أمراً يعلم أنه لا يكون فهو لجهل يريد ذلك أو لعبث، فالله - - يتعالى عن الجهل بالعواقب، أو العبث في الفعل؛ دلَّ أنه كان على ما أراد، لا ما لم يرد، ولو كان الله - وتعالى - لا يفعل بخلقه إلا ما هو أصلح لهم في الدِّين وأَخْيَرُ - لم يكن لنهي رسول الله عن الإعجاب بما أعطى الكفرة من الأموال والأولاد بقوله - وتعالى -: ﴿ فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ...
﴾ الآية؛ دلّ أنه قد يعطي ما ليس [هو] بأصلح في الدين ولا أَخْيَرَ، والله أعلم.
وقال الشيخ - رحمه الله -: في قوله: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً ﴾ ، وقولهِ - -: ﴿ فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا...
﴾ الآية [التوبة: 55] وقوله - -: ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ \[المؤمنون: 55-56\] ونحو ذلك من الآيات - فيها وجهان على المعتزلة: أحدهما: قولهم في الأصلح: إن الله - - لو فعل بالخلق شيئاً غيرُهُ أصلحُ لهم في الدين في حال المحنة - كان ذلك جَوْراً، ومعلوم أن الفعل بهم؛ ليزدادوا إثماً لا يبلغ في الصلاح في الدّين الفعلَ بهم؛ ليزدادوا به برّاً، ومعلوم أنه لو كان كذلك لم يكن ليجوز أن يحذر رسوله عن ذلك، فيقول: لا يعجبك كذا؛ فكأنه قال: لا يعجبك الذي هو صلاح في الدّين، ثم يؤكد ذلك بأنه جعل لهم ذلك ليعذبهم بها، ثم شهد على من حسب ما حسبته المعتزلة بأنهم لا يشعرون؛ فكان ذلك شهادة منه - عز وجل - على كل من وافق رأيُهُ رأيَ أولئك الكفرة: أنهم لا يشعرون، ومعلوم أن الجبابرة والفراعنة لو لم يجعل الله - - لهم تلك الحواشي والملك والقوة لم يكن ليجترئوا على دعوى الربوبية، ويبلغوا في المآثم ما بلغوا؛ فيكون فوت ذلك أصلح لهم في الدين، وقد قال الله - -: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ...
﴾ الآية [الزخرف: 33]، ثم كان معلوماً أنه إذا كان بما يجعل ذلك للفكرة يكفرون، فلو جعل للمؤمنين يؤمنون، ثم يجعل كذلك، [والله أعلم].
وأيّد ذلك قوله - -: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا...
﴾ الآية [التوبة: 55].
والثاني: أن الإرادة إذ هي صفة لكل فاعل مختار في الحقيقة، وقد أخبر لأي وجه أعطى؛ ثبت أنه أراد ذلك مع ما كان المتعالم من فعل كل أحد لا يخرج على ما أراده ولا يبلغ به ما لو فعل أنه يكون على جهل أو سفه.
فالأول: يكون فعله على ظن أن يكون ذلك فلا يكون.
والثاني: إذا علم ألا يكون؛ فيكون له به عابثاً سفيهاً، جلّ الله - - عن الوجهين، ثبت أن فعله لما علم أنه يكون لا لغيره ليلحقه به وصف جهل أو سفه؛ وبهما سقوط الربوبية.
ثم وجهت المعتزلة الآية إلى وجهين: أحدهما: على التقديم والتأخير بمعنى: ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ليزدادوا إثماً إنما نملي خير لأنفسهم.
وذلك فاسد لوجهين: أحدهما: لو كان جعل الخير شرّاً والشرّ خيراً بالتأويل، وصرف الآية على سياقها ونظمها - لجاز ذلك في كل وعد ووعيد، وأمر ونهي، وتحليل وتحريم؛ فيصير كل أمور الدنيا مقلوباً.
والثاني: أنه لو كان كذلك لكان يجب أن يعجب به رسول الله ؛ إذ على كل ذلك معجباً، ولكانوا فيما حسبوا أن ذلك ضرب لهم - يشعرون، لا ألا يشعرون، مع ما قيل: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ﴾ بالياء في بعض القراءة، ومتى كان يحسب الكفرة ذلك شرّاً حتى يعاتبوا على الحسبان؟!
والله الموفق.
والثاني: قالوا ذلك خبر عما يئول الأمر إليه؛ كقوله - -: ﴿ فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ﴾ ، وهم لا لذلك التقطوا، وكمن يقول للسارق: سرقت لتقطع يدك، وكما يقال: [من الوفر] ...
...
...
...
*** لدوا للموت وابنوا للخراب والذي قالوه إنما هو تنبيه وإيقاظ لقوم لا يذكرون عواقب الأمور، فيحرصون عليها عن غفلة بالعواقب، فأمّا الله - وتعالى - فمحال أن يكون أمره على ذلك ليكون فيما يذكره ذلك؛ ألا ترى أن أحداً لا يقول: ولدت للموت، أو بنيْتُ للخراب؛ لأنه لا لذلك يفعل، وإن كان إليه يئول، وإنما قول الواعظ لهم بما ذكرت؛ كذلك بطل هذا، وأمر قوم فرعون لم يقل: ليكون لهم عندهم؛ إنما هو ليكون لهم عند الله ، وبما أراد الله، وكان كذلك، ولا قوة إلا بالله.
وقد بيّنا ما في الحكمة تحقيقه من طريق الاعتبار - ولا قوة إلا بالله - والأصل في ذلك أن الله - - عالم بمن يؤثر عداوته ويعاند آياته، فإرادته ألا يكون منه ذلك حاجة إليه في موالاته، أو إيجاب غلبة عليه في بعض ما يريد، جل الله عن هذا الوصف.
<div class="verse-tafsir"
إن الذين استبدلوا الكفر بالإيمان لن يضروا الله أي شيء، إنما يضرون أنفسهم، ولهم عذاب أليم في الآخرة.
<div class="verse-tafsir" id="91.AL3nB"
المسارعة في الكفر هي المسارعة في نصرته والاهتمام بشؤونه والايجاف في مقاومة المؤمنين، وما كل كافر يسارع في الكفر فإن من الكافرين القاعد الذي لا يتحرك لنصرة كفره ولا لمقاومة المخالف له فيه.
والمسارعون المعنيون هنا هم أولئك النفر من المشركين كأبي سفيان ومن كان معه من صناديد قريش، وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بهم المنافقون ورووا في ذلك روايات في سبب النزول، وإنما يأتي هذا لو قال: "يسارعون إلى الكفر" ﴿ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ﴾ أي إنهم لا يحاربونك فيضروك بذلك وإنما يحاربون الله تعالى، ولا شك في ضعف قوتهم وعجزها عن مناوأة قوته فهم لا يضرون بذلك إلا أنفسهم.
﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآَخِرَةِ ﴾ أي إنهم على حالة من فساد الفطرة تقتضي حرمانهم من نعيم الآخرة بسنة الله وإرادته فلا نصيب لهم فيها ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ فوق عذاب الحرمان من نعيمها.
فإن كنت تحزن عليهم رحمة بهم وشفقة عليهم لأن النور بين أيديهم وهم لا يبصرون والهداية قد أُهديت إليهم وهم لا يقبلون، وتطمع في هدايتهم وترجوها، وكلما رأيت منهم حركة جديدة في الكفر حدث لك حزن جديد، فعليك أن لا تحزن أيضًا إن هؤلاء ممن طبع الله على قلوبهم، وختم على سمعهم وأبصارهم فلم يبق في نفوسهم استعداد ما للإيمان فلا مساغ للحزن من حالهم.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالإيمان لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ أعاد المعنى وعممه وأكده بهذه الآية، وهو في بادىء الرأي تكرار ليس فيه زيادة فائدة، ومن فقه الآيتين علم أن تلك في المسارعين في الكفر وهذه في الذين اشتروا الكفر بالإيمان، أي اختاروه ورضوا به كما يرضى المشتري بالسلعة بدلًا من الثمن ويراها بعد بذله فيها متاعًا ينتفع به، بل الشأن في المشتري أن يرى ما أخذه أنفع له مما بذله، فهذا الوصف أعم من الأول، كأنه يقول إن أولئك الكفار الذين تراهم يسارعون في نصرة الكفر وتعزيزه والدفاع دونه ومقاومة المؤمنين لأجله لا شأن لهم ولا يستحقون أن تهتم بأمرهم فإنهم إنما يحاربون الله ويغالبونه والله غالب على أمره، فلا يقدر أحد على ضره، ثم لا ينبغي أن تحزن عليهم أيضًا لأنهم محرومون من رضوان الله.
فلما بيَّن هذا كان مما يمكن أن يخطر في البال أنه حكم خاص بالذين يسارعون في الكفر فبيّن في هذه الآية أنه عام يشمل كل من آثر الكفر على الإيمان فاستبدله به، ففي إعادة العبارة بهذا الأسلوب فائدتان: إحداهما: أن فيها قسمًا من الكافرين لم يذكروا في الآية الأولى.
والثانية: أن فيها مع تأكيد عدم إضرارهم بالنبي بيانًا لحال من أحوالهم يدل على سخافتهم وضعف عقولهم إذ رضوا بالكفر واختاروه وحسبوه منفعة وفائدة فكأنه يقول إن هؤلاء لا قيمة لهم فيخاف منهم أو يحزن عليهم.
وقد يعرض لبعض الأفكار وهم في هذا المقام ويجول فيها صورة ما يتمتعون به من اللذات والقوة وإمكان نيلهم من المؤمنين إذا أذنبوا كما نالوا منهم يوم أُحد بذنبهم وتقصيرهم فيقول الواهم: آمنا وصدقنا أن هؤلاء سيعذبون في الآخرة ولا يكون لهم نصيب من نعيمها ولكن أليسوا الآن متمتعين بالدنيا؟
أليس لهم فيها القوة ما يمكنهم من الاعتداء علينا؟
وقد كشف هذا الوهم قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾ فبيّن لنا سنة حكيمة من سننه في الاجتماع البشري وهي أن الإنسان يبلغ الخير بعمله الحسن، ويقع في الضير بتقصيره في العمل الصالح وتشميره في عمل السيئات، والعبرة بالخواتيم، فكأنه قال: إن هذا الإملاء للكافرين ليس عناية من الله بهم، وإنما هو جري على سنته في الخلق، وهي أن يكون ما يصيب الإنسان من خير وشر هو ثمرة عمله.
ومن مقتضى هذه السنة العادلة أن يكون الإملاء للكافر علة لغروره، وسببًا لاسترساله في فجوره، فيوقعه ذلك في الإثم الذي يترتب عليه العذاب المهين.
﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾ ، كان الكلام مسترسلًا في بيان حال المؤمنين في واقعة أُحد وما بعدها، وجاء في السياق بيان حال من ظهر نفاقهم وضعفهم وبيان حال المجاهدين والشهداء ومن هم بمنزلة الشهداء، وحال الكفار المهدِّدين للمسلمين، وكون الإملاء لهم واستدراجهم بطول البقاء في الدنيا ليس خيرًا لهم، وقد كانت واقعة أُحد أشد واقعة أحس المسلمون عقبها بألم الغلب لأنهم لم يكونوا يتوقعونه بعد رؤية بوادر النصر في "بدر" ولأنه ظهر فيه حال المنافقين، وتبيّن ضعف نفوس بعض المؤمنين الصادقين، ولذلك كانت عناية الله تعالى ببيان فوائد المسلمين فيها عظيمة، ومنها ختمها بهذه الآية الكريمة، المبينة لسنة من السنن التي ذكرت في سياق تلك الآيات الحكيمة، والمعنى: ما كان من شأن الله تعالى ولا من سننه في عباده أن يذر المؤمنين على مثل الحال التي كان عليها المسلمون عند حدوث غزوة أُحد حتى يميز الخبيث من الطيب، وكيف كانوا؟.
كانوا يصلون ويمتثلون كل ما يأمرهم به النبي ومنه إرسال السرايا المعتاد مثلها، ولم تكن فيها مخاوف كبيرة على الإسلام وأهله، ولذلك كان يختلط فيها الصادق بالمنافق بلا تمييز، إذ التمايز لا يكون إلا بالشدائد، أما الرخاء واليسر وتكليف ما لا مشقة فيه كالصلاة والصدقة القليلة فكان يقبله المنافقون كالصادقين لما فيه من حسن الأحدوثة مع التمتع بمزايا الإسلام وفوائده، وربما خدع الشيطان المؤمن الموقن بترغيبه في الزيادة من أعمال العبادات السهلة ولا سيما إذا كان داخلًا في دين جديد لما في ذلك من الرياء والسمعة، والاستواء في الظاهر مدعاة الالتباس والاشتباه.
الشدائد تميز بين القوي في الإيمان والضعيف فيه فهي التي ترفع ضعيف العزيمة إلى مرتبة قويها، وتزيل الالتباس بين الصادقين والمنافقين، وفي ذلك فوائد كبيرة منها أن الصادق قد يفضي ببعض أسرار الملة إلى المنافق لما يغلب عليه من حسن الظن والانخداع بأداء المنافق للواجبات الظاهرة ومشاركته للصادقين في سائر الأعمال فإذا عرفه اتقى ذلك، ومنها أن تعرف الجماعة وزن قوتها الحقيقية لأنها بانكشاف حال المنافقين لها تعرف أنهم عليها لا لها، وبانكشاف حال الضعفاء الذين لم تربهم الشدة تعرف أنهم لا عليها ولا لها.
هذا بعض ما تكشفه الشدة للجماعة من ضرر الالتباس، وأما الأفراد فإنها تكشف لهم حجب الغرور بأنفسهم، فإن المؤمن الصادق قد يغتر بنفسه فلا يدرك ما فيها من الضعف في الاعتقاد والأخلاق لأن هذا مما يخفي مكانه على صاحبه حتى تظهره الشدائد.
فلما كان هذا اللبس ضارًا بالأفراد والجماعات ولم يكن من شأن الله ولا من حكمته أن يستبقي في عباده ما يضرهم مضت سنته بأن يميز الخبيث من الطيب فتظهر الخفايا وتبلى السرائر حتى يرتفع الالتباس، ويتضح المنهج السوي للناس.
قد يخطر في البال أن أقرب وسيلة لرفع اللبس هي أن يطلع الله المؤمنين على الغيب فيعرفوا حقيقة أنفسهم، وحقائق الناس الذين يعيشون معهم، ولكن الله تعالى أخبر أن هذا ليس من شأنه ولا من سنته، كما أن ترك الالتباس والاشتباه ليس من سنته فقال: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ ﴾ وإنما لم يكن من شأنه إطلاع الناس على الغيب لأنه لو فعل ذلك لأخرج الإنسان عن كونه إنسانًا فإنه تعالى خلق الإنسان نوعًا عاملًا يحصل جميع رغائبه ويدفع جميع مكارهه بالعمل الكسبي الذي ترشده إليه الفطرة وهدى النبوة، ولذلك جرت سنته بأن يزيل هذا اللبس، ويميز بين الخبيث والطيب بالابتلاء بالشدائد، وما تتقاضاه من بذل الأموال والأرواح في سبيله التي هي سبيل الحق والخير لا سبيل الهوى كما ابتلى المؤمنين في واقعة أُحد بجيش عظيم، وابتلاهم باختيار الخروج لمحاربته، وابتلى الرماة منهم بالمخالفة وإخلاء ظهور قومهم لعدوهم، ثم ابتلاهم بظهور العدو عليهم جزاء على ما ذكر حتى ظهر نفاق المنافقين، وزلزال ضعفاء المؤمنين، وثبات كملة الموقنين، ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾ أي يصطفيهم على ما شاء من الغيب وهو ما في تبليغه للناس مصلحة ومنفعة لهم في الإيمان كصفات الله تعالى واليوم الآخر وبعض شؤونه والملائكة.
وهذا هو الغيب الذي أمر المكلفون بالإيمان به ومدحوا عليه في مثل قوله تعالى: ﴿ الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"