تفسير الآية ٣٠ من سورة فاطر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 35 فاطر > الآية ٣٠ من سورة فاطر

لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ غَفُورٌۭ شَكُورٌۭ ٣٠

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 65 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٣٠ من سورة فاطر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٣٠ من سورة فاطر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله ) أي : ليوفيهم ثواب ما فعلوه ويضاعفه لهم بزيادات لم تخطر لهم ، ( إنه غفور ) أي : لذنوبهم ، ( شكور ) للقليل من أعمالهم .

قال قتادة : كان مطرف رحمه الله إذا قرأ هذه الآية يقول : هذه آية القراء .

قال الإمام أحمد : حدثنا أبو عبد الرحمن ، حدثنا حيوة ، حدثنا سالم بن غيلان أنه سمع دراجا أبا السمح يحدث عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله تعالى إذا رضي عن العبد أثنى عليه سبعة أصناف من الخير لم يعمله ، وإذا سخط على العبد أثنى عليه سبعة أصناف من الشر لم يعمله ، غريب جدا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله (لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ) يقول: ويوفيهم الله على فعلهم ذلك ثواب أعمالهم التى عملوها في الدنيا(وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ) يقول: وكي يزيدهم على الوفاء من فضله ما هو له أهل، وكان مطرف بن عبد الله يقول: هذه آية القراء.

حدثنا محمد بن بشار قال: ثنا عمرو بن عاصم قال: ثنا معتمر عن أبيه، عن قتادة قال: كان مطرف إذا مر بهذه الآية ( إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ ) يقول: هذه آية القراء.

حدثنا ابن المثنى قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة، عن يزيد، عن مطرف بن عبد الله أنه قال في هذه الآية ( إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ ...) إلى آخر الآية، قال: هذه آية القراء.

حدثنا بشر، قال : ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قال: كان مطرف بن عبد الله يقول: هذه آية القراء (لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ).

وقوله (إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ) يقول: إن الله غفور لذنوب هؤلاء القوم الذين هذه صفتهم شكور لحسناتهم.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ) إنه غفور لذنوبهم، شكور لحسناتهم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله قيل : الزيادة الشفاعة في الآخرة .

وهذا مثل الآية الأخرى : رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله إلى قوله ويزيدهم من فضله ، وقوله في آخر النساء : فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وهناك بيناه .

إنه غفور للذنوب .

شكور يقبل القليل من العمل الخالص ، ويثيب عليه الجزيل من الثواب .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وذكر أنهم حصل لهم ما رجوه فقال: { لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ } أي: أجور أعمالهم، على حسب قلتها وكثرتها، وحسنها وعدمه، { وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ } زيادة عن أجورهم.

{ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ } غفر لهم السيئات، وقبل منهم القليل من الحسنات.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ليوفيهم أجورهم ) جزاء أعمالهم بالثواب ( ويزيدهم من فضله ) قال ابن عباس : يعني سوى الثواب مما لم تر عين ولم تسمع أذن ( إنه غفور شكور ) قال ابن عباس : يغفر العظيم من ذنوبهم ويشكر اليسير من أعمالهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ليوفيهم أجورهم» ثواب أعمالهم المذكورة «ويزيدهم من فضله إنه غفور» لذنوبهم «شكور» لطاعتهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن الذين يقرؤون القرآن، ويعملون به، وداوموا على الصلاة في أوقاتها، وأنفقوا مما رزقناهم من أنواع النفقات الواجبة والمستحبة سرًّا وجهرًا، هؤلاء يرجون بذلك تجارة لن تكسد ولن تهلك، ألا وهي رضا ربهم، والفوز بجزيل ثوابه؛ ليوفيهم الله تعالى ثواب أعمالهم كاملا غير منقوص، ويضاعف لهم الحسنات من فضله، إن الله غفور لسيئاتهم، شكور لحسناتهم، يثيبهم عليها الجزيل من الثواب.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

واللام فى قوله : ( لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ .

.

) متعلقة بقوله ( لَّن تَبُورَ ) على معنى ، يرجون تجارة لن تكسد لأجل أن يفويهم أجورهم التى وعدهم بها ، ويزيدهم فى الدنيا والآخرة من فضله ونعمه وعطائه .أو متعلقة بمحذوف ، والتقدير : فعلوا ما فعلوا ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله ( إِنَّهُ ) - سبحانه - ( غَفُورٌ ) أى : واسع المغفرة ( شَكُورٌ ) أى : كثير العطاء لمن يطيعه ويؤدى ما كلفه به .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وقوله تعالى: ﴿ لِيُوَفّيَهُمْ أُجُورَهُمْ ﴾ أي ما يتوقعونه ولو كان أمراً بالغ الغاية ﴿ وَيَزِيدُهُمْ مِّن فَضْلِهِ ﴾ أي يعطيهم ما لم يخطر ببالهم عند العمل، ويحتمل أن يكون يزيدهم النظر إليه كما جاء في تفسير الزيادة ﴿ إِنَّهُ غَفُورٌ ﴾ عند إعطاء الأجور ﴿ شَكُورٌ ﴾ عند إعطاء الزيادة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ يَتْلُونَ كتاب الله ﴾ يداومون على تلاوته وهي شأنهم وديدنهم.

وعن مطرف رحمه الله: هي آية القرّاء.

عن الكلبي رحمه الله: يأخذون بما فيه.

وقيل: يعلمون ما فيه ويعملون به.

وعن السدي رحمه الله: هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم.

وعن عطاء: هم المؤمنون ﴿ يَرْجُونَ ﴾ خبر إن.

والتجارة: طلب الثواب بالطاعة.

و ﴿ لِيُوَفّيَهُمْ ﴾ متعلق بلن تبور، أي: تجارة ينتفي عنها الكساد وتنفق عند الله ليوفيهم بنفاقهم عنده ﴿ أُجُورَهُمْ ﴾ وهي ما استحقوه من الثواب ﴿ وَيَزِيدُهُمْ ﴾ من التفضل على المستحق.

وإن شئت جعلت ﴿ يَرْجُونَ ﴾ في موضع الحال على: وأنفقوا راجين ليوفيهم، أي فعلوا جميع ذلك من التلاوة وإقامة الصلاة والإنفاق في سبيل الله لهذا الغرض، وخبر إن قوله: ﴿ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ على معنى: غفور لهم شكور لأعمالهم.

والشكر مجاز عن الإثابة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ ﴾ يُداوِمُونَ عَلى قِراءَتِهِ أوْ مُتابَعَةِ ما فِيهِ حَتّى صارَتْ سِمَةً لَهم وعُنْوانًا، والمُرادُ بِكِتابِ اللَّهِ القُرْآنُ أوْ جِنْسُ كُتُبِ اللَّهِ فَيَكُونُ ثَناءً عَلى المُصَدِّقِينَ مِنَ الأُمَمِ بَعْدَ اقْتِصاصِ حالِ المُكَذِّبِينَ.

﴿ وَأقامُوا الصَّلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً ﴾ كَيْفَ اتَّفَقَ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلَيْهِما.

وقِيلَ السِّرُّ في المَسْنُونَةِ والعَلانِيَةُ في المَفْرُوضَةِ.

﴿ يَرْجُونَ تِجارَةً ﴾ تَحْصِيلَ ثَوابٍ بِالطّاعَةِ وهو خَبَرُ إنَّ.

﴿ لَنْ تَبُورَ ﴾ لَنْ تَكْسُدَ ولَنْ تَهْلَكَ بِالخُسْرانِ صِفَةٌ لِلتِّجارَةِ وقَوْلُهُ: ﴿ لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهُمْ ﴾ عِلَّةٌ لِمَدْلُولِهِ أيْ يَنْتَفِي عَنْها الكَسادُ وتُنْفَقُ عِنْدَ اللَّهِ لِيُوَفِّيَهم بِنَفاقِها أُجُورَ أعْمالِهِمْ، أوْ لِمَدْلُولِ ما عُدَّ مِنَ امْتِثالِهِمْ نَحْوَ فَعَلُوا ذَلِكَ لِيُوَفِّيَهم أوْ عاقِبَةً لِـ ( يَرْجُونَ ) .

﴿ وَيَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ ﴾ عَلى ما يُقابِلُ أعْمالَهم.

﴿ إنَّهُ غَفُورٌ ﴾ لِفُرُطاتِهِمْ.

﴿ شَكُورٌ ﴾ لِطاعاتِهِمْ أيْ مُجازِيهِمْ عَلَيْها، وهو عِلَّةٌ لِلتَّوْفِيَةِ والزِّيادَةِ أوْ خَبَرُ إنَّ و ( يَرْجُونَ ) حالٌ مِن واوِ ( وأنْفَقُوا ) .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ليوفيهم} متعلق بلن تَبُورَ أي ليوفيهم بنفاقها عنده أُجُورَهُمْ ثواب أعمالهم {وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ} بتفسيح القبور أو بتشفيعهم فيمن أحسن إليهم أو بتضعيف حسناتهم أو بتحقيق وعد لقائه أو يَرْجُونَ في موضع الحال أي راجين واللام في لِيُوَفّيَهُمْ تتعلق بيتلون وما بعده أى فعلوا جيمع ذلك من التلاوة وإقامة الصلاة والإنفاق لهذا الغرض وخبران إِنَّهُ {غَفُورٌ} لفرطاتهم {شَكُورٍ} أي غفورٌ لهم شكور لأعمالهم أي يعطي الجزيل على العمل القليل

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهُمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ عِنْدَ بَعْضٍ بِما دَلَّ عَلَيْهِ لَنْ تُعَلَّقَ ( بِنِعْمَةِ رَبِّكَ ) في قَوْلِهِ تَعالى: ما ﴿ أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ  ﴾ بِما دَلَّ عَلَيْهِ (ما) لا بِالحَرْفِ إذْ لا يَتَعَلَّقُ الجارُّ بِهِ عَلى المَشْهُورِ أيْ يَنْتَفِي الكَسادُ عَنْها وتُنْفَقُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لِيُوَفِّيَهم أُجُورَ أعْمالِهِمْ.

﴿ ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ ﴾ عَلى ذَلِكَ مِن خَزائِنِ رَحْمَتِهِ ما يَشاءُ، وعَنْ أبِي وائِلٍ زِيادَتُهُ تَعالى إيّاهم بِتَشْفِيعِهِمْ فِيمَن أحْسَنَ إلَيْهِمْ، وقالَ الضَّحّاكُ: بِتَفْسِيحِ القُلُوبِ، وفي الحَدِيثِ بِتَضْعِيفِ حَسَناتِهِمْ، وقِيلَ بِالنَّظَرِ إلى وجْهِهِ تَعالى الكَرِيمِ.

والظّاهِرُ أنَّ ﴿ مِن فَضْلِهِ ﴾ راجِعٌ لِما عِنْدَهُ فَفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ تَوْفِيَةَ أُجُورِهِمْ كالواجِبِ لِكَوْنِهِ جَزاءً لَهم بِوَعْدِهِ سُبْحانَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ راجِعًا إلَيْهِما أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ وهو ما عُدَّ مِن أفْعالِهِمُ المَرْضِيَّةِ، أيْ فَعَلُوا ذَلِكَ لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهم الخ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِما قَبْلَهُ عَلى التَّنازُعِ، وصَنِيعُ أبِي البَقاءِ يُشْعِرُ بِاخْتِيارِ تَعَلُّقِهِ بِ (يَرْجُونَ) وجَعْلِ اللّامِ عَلَيْهِ لامَ الصَّيْرُورَةِ، ويُعَقَّبُ بِأنَّهُ لا مانِعَ مِن جَعْلِها لامَ العِلَّةِ كَما هو الشّائِعُ الكَثِيرُ ولا يَظْهَرُ لِلْعُدُولِ عَنْهُ وجْهٌ.

ووَجَّهَ ذَلِكَ الطِّيبِيُّ بِأنَّ غَرَضَهم فِيما فَعَلُوا لَمْ يَكُنْ سِوى تِجارَةٍ غَيْرِ كاسِدَةٍ لِأنَّ صِلَةَ المَوْصُولِ هُنا عِلَّةٌ وإيذانٌ بِتَحَقُّقِ الخَبَرِ، ولَمّا أدّى ذَلِكَ إلى أنْ وفّاهُمُ اللَّهُ تَعالى أُجُورَهم أتى بِاللّامِ، وإنَّما لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ بَعْضُ الأجِلَّةِ كاَلزَّمَخْشَرِيِّ لِأنَّ هَذِهِ اللّامَ لا تُوجَدُ إلّا فِيما يَتَرَتَّبُ الثّانِي الَّذِي هو مُدْخُولُها عَلى الأوَّلِ ولا يَكُونُ مَطْلُوبًا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ التَّوْفِيَةِ والزِّيادَةِ عِنْدَ الكَثِيرِ أيْ غَفُورٌ لِفُرُطاتِ المُطِيعِينَ شَكُورٌ لِطاعاتِهِمْ، أيْ مُجازِيهِمْ عَلَيْها أكْمَلَ الجَزاءِ فَيُوَفِّي هَؤُلاءِ أُجُورَهم ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ لَهُمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هو الخَبَرُ بِتَقْدِيرِ العائِدِ وجُمْلَةُ ( يَرْجُونَ ) حالٌ مِن ضَمِيرِ ( أنْفَقُوا ) بِناءً عَلى أنَّ القَيْدَ المُتَعَقَّبَ لِأُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ يَخْتَصُّ بِالأخِيرِ كَما هو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أوْ عَلى أنَّ رَجاءَ التِّجارَةِ النّافِقَةِ أوْفَقُ بِالإنْفاقِ أوْ مِن مُقَدَّرٍ أيْ فَعَلُوا جَمِيعَ ذَلِكَ راجِينَ.

واسْتَظْهَرَهُ الطِّيبِيُّ، والجُمْلَةُ عَلَيْهِ مُعْتَرِضَةٌ فَلا يَرِدُ أنَّ فِيهِ الفَصْلَ بَيْنَ المُبْتَدَأِ وخَبَرِهِ بِأجْنَبِيٍّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ ( الَّذِينَ ) عَلى سَبِيلِ التَّنازُعِ، ولَمْ يَشْتَهِرِ التَّنازُعُ في الحالِ وأنا لا أرى فِيهِ بَأْسًا، واسْتَظْهَرَ بَعْضُ المُعاصِرِينَ جَعْلَ الجُمْلَةِ المَذْكُورَةِ حالًا مِن ضَمِيرِ ( أنْفَقُوا ) لِقُرْبِهِ وشَدَّةِ المُلاءَمَةِ بَيْنَ الإنْفاقِ ورَجاءِ تِجارَةٍ لَها نِفاقٌ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ قَدْ حُذِفَ فِيما تَقَدَّمَ نَظِيرُها لِدَلالَتِها عَلَيْهِ، وجَعْلَ ﴿ لِيُوَفِّيَهُمْ ﴾ مُتَنازِعًا فِيهِ لِلْأفْعالِ الثَّلاثَةِ المُتَعاطِفَةِ أوْ جَعْلَ الجُمْلَةِ حالًا مِن مُقَدَّرٍ كَما سَمِعْتَ آنِفًا ﴿ ولِيُوَفِّيَهُمْ ﴾ مُتَعَلِّقًا بِ (يَرْجُونَ)، وجُمْلَةُ ﴿ إنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ والرَّبْطُ مَحْذُوفٌ، وفي جُمْلَةِ ﴿ يَرْجُونَ ﴾ إلخ اِحْتِمالُ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ ولَوْ عَلى بُعْدٍ ولَمْ أرَ مَن أشارَ إلَيْهِ، فَتَدَبَّرْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فقال عز وجل: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء يعني: المطر فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها من الثمار الأحمر، والأصفر، والحلو، والحامض وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ يعني: خلق من الجبال جدداً يعني: جماعة الجدة.

والجدة هي الطريق التي في الجبل والجدد هي الطرائق.

فترى الطريق من البعد منها أبيض، وبعضها حمر.

وقال القتبي: الجدد الخطوط والطرق تكون في الجبال، فبعضها بيض وبعضها حمر، وبعضها غرابيب سود، وهو جمع غربيب وهو الشديد السواد.

ويقال: أسود غربيب وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ يعني: خلق من الناس والدواب وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ أي: كاختلاف الثمرات.

ثم استأنف فقال: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ وقال بعضهم: إنما يتم الكلام عند قوله: مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ.

ثم استأنف فقال: كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ يعني: هكذا يخشى الله من عباده العلماء.

يعني: إن العلماء يعلمون خلق الله تعالى ويتفكرون في خلقه، ويعملون ثوابه وعقابه فيخشونه، ويعلمون بالطاعة طمعاً لثوابه، ويمتنعون عن المعاصي خشية عقابه.

وقال مقاتل: أشد الناس خشية أعلمهم بالله تعالى.

فيها تقديم.

وروى سفيان عن بعض المشيخة، عن النبيّ  أنه سئل: يا رسول الله أينا أعلم؟

فقال: «أَخْشَاكُمْ لله تَعَالَى إنَّمَا يخشى الله من عباده العُلَمَاءُ» قالوا: يا رسول الله فأيُّ الأصحاب أفضل؟

قال: «الذي إذا ذكرت أَعَانَكَ، وإذا نَسِيتَ ذَكَّرَكَ» .

قالوا: فأي الأصحاب شر؟

قال: «الذي إذا ذكرت لَمْ يُعِنْكَ، وإذا أُنْسِيتَ لَمْ يُذَكِّرْكَ» .

قالوا: فأيُّ الناس شر؟

قال: «اللُّهُمَّ اغْفِرْ لِلعُلَمَاءِ.

وَالعَالِمُ إذا فَسَدَ فَسدَ النَّاسُ» .

ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ في ملكه غَفُورٌ لمن تاب.

قوله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ يعني: يقرءون القرآن.

ويقال: معناه يتبعون كتاب الله تعالى.

يقال: تلا يتلوا إذا تبعه كقوله تعالى: وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها (2) [الشمس: 2] وَأَقامُوا الصَّلاةَ يعني: أتموا الصلوات في مواقيتها وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ يعني: تصدقوا مما أعطيناهم من الأموال سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ يعني: لن تهلك ولن تخسر.

ومعناه: يَرْجُونَ تِجارَةً رابحة وهي الجنة مكان الحياة الدنيا.

ثم قال عز وجل: لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ يعني: يوفر ثواب أعمالهم وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ يعني: من رزقه من الجزاء، والثواب في الجنة.

ويقال: مِنْ فَضْلِهِ يعني: من تفضله إِنَّهُ غَفُورٌ لذنوبهم شَكُورٌ لأعمالهم اليسيرة.

والشكر على ثلاثة أوجه.

الشكر ممن يكون دونه الطاعة لأمره وترك مخالفته.

والشكر ممن هو شكله يكون الجزاء والمكافأة.

والشكر ممن فوقه يكون رضى منه باليسير.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الخبيرُ الصادقُ الخبر، ونَبَأَ بهذا فلا شك في وقوعه.

يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧) وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨)

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ الآية: آيةُ وعظٍ وتذكيرٍ، والإنسان فقيرٌ إلى الله- تعالى- في دقائقِ الأمورِ وجلائِلها لاَ يَسْتَغني عنه طرفة عين وهو به ٨٣ أمستغن عن كل أحدٍ، وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ/ الْحَمِيدُ أي: المحمود بالإطلاق.

وقوله: بِعَزِيزٍ أي: بمُمْتَنِعٍ وتَزِرُ تَحْمِلُ، وهذه الآية في الذنوب، وأُنِّثَتْ وازِرَةٌ لأنه ذهبَ بها مذهبَ النفسِ وعلى ذلك أُجريت مُثْقَلَةٌ، واسم كانَ مضمرٌ تقديره: ولو كان الداعي.

ثم أخبر تعالى نبيه أنه إنما ينذر أهل الخَشْيَةَ.

ثم حض على التزكي بأن رجَّى عليه غايةَ الترجية.

ثم توعد بعد ذلك بقوله: وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ.

قال ع «١» : وكلُّ عبارةٍ فهي مقصِّرة عن تفسير هذه الآيةِ، وكذلك كتابُ اللهِ كلُّه، ولكن يظهر الأمرُ لنا نحنُ في مواضعَ أكثر منه في مواضع بحسب تقصيرنا.

وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ (٢٠) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ (٢١) وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ (٢٣)

إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيها نَذِيرٌ (٢٤) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٢٦) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)

وقوله سبحانه: وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ الآية: مُضَمَّنٌ هذه الآية الطعنُ على الكفرة وتمثيلُهم بالعمي والظلماتِ وتمثيلُ المؤمنِينَ بإزائهم بالبُصَرَاءِ والأنوارِ.

والْحَرُورُ: شدة الحر.

قال الفراء وغيره: إن السُّمُومَ يختص بالنَّهار والْحَرُورُ يقالُ فِي حِرِّ الليلِ وحرٍّ النهار.

وتَأَوَّلَ قومٌ الظلَّ في هذه الآية الجنةَ والحرورَ جهنمَ، وشبَّه المؤمنين بالأحياء، والكَفَرَةَ بالأمْوَاتِ من حيثُ لا يفهمون الذكر ولا يُقْبلُون عليه.

وقوله سبحانه: وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ تمثيلٌ بما يُحِسُّه البشرُ ويَعْهَدُه جميعاً من أن الميتَ الشخصَ الذي في القبر لا يسمعُ، وأما الأرواحُ فلا نقول إنها في القبر، بل تَتَضَمَّنُ الأحاديثُ أن أرواح المؤمنين في شجر عند العرش، وفي قناديلَ وغير ذلك، وأن أرواح الكفرةِ في سجين، ويجوز في بعض الأحيان أن تكون الأرواح عند القبور فربما سمعت، وكذلك أهل قَلِيبِ بَدْرٍ إنما سمعت أرواحهم فلا تعارض بين الآيةِ وحديث القُليبِ.

وقوله تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ معناه: أن دعوةَ الله تعالى قد عمَّت جميعَ الخلق، وإنْ كان فيهم مَنْ لَمْ تُبَاشِرْه النِّذَارَةُ فهو ممن بلغته لأَن آدم بُعِثَ إلى بَنِيه، ثم لم تنقطع النذارة إلى زمن محمد صلى الله عليه وسلّم، وبِالْبَيِّناتِ وبِالزُّبُرِ وبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ: شيء واحد لكنه أكد أوصافَ بعضِها ببعضٍ.

وقوله تعالى: وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ ...

الآية: جمع «جُدَّة» وهي: الطريقةُ تكون من الأرض والجبلُ كالقطعة العظيمة المتصلة طولاً، وحكى أبو عبيدةَ في بعض كتبه: أنه يقال:

جُدَدٌ في جمع «جديد» ، ولا معنى لمدخلِ الجديد في هذه الآية، وقال الثعلبي: وقيل الجُدَدَ القِطَع جُدَدْتَ الشيء إذا قطعتَه، انتهى.

وقوله: وَغَرابِيبُ سُودٌ لفظان لمعنى واحدٍ، وقَدَّمَ الوصفَ الأبلغَ، وكان حقُّه أن يتأخرَ، وكذلك هو في المعنى لكنّ كلام العربِ الفصيحَ يأتي كثيراً عَلى هذا النحو، والمعنى: ومنها، أي: من الجبال سودَ غرابيبُ، وروي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلّم أنه قال: «إنَّ اللهَ يَبْغَضُ الشَّيْخَ الْغَرِبيبَ» «١» يعني: الذي يَخْضُبُ بالسَّوَادِ.

وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ، أي: خلق مختلِفَ ألوانهُ.

وقوله تعالى: كَذلِكَ يحتمل أن يكونَ من الكلامِ الأول فيجيءُ الوقْفُ عليهِ حَسَناً، وإلى هذا ذهب كثيرٌ من المفسرين.

ويحتملُ أنْ يكونَ مِن الكَلامِ الثَّانِي خَرَجَ مخرج السببِ كأنّه قال: كما جاءتْ القدرةُ في هذا كلِّه كذلك إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ

٨٣ ب الْعُلَماءُ، أي: المحصلون لهذه العبرَ، الناظرون فيها، / وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم: «١» «أعلمكم بالله أشدّكم له خشية» وقال صلى الله عليه وسلّم «رَأْسُ الحِكْمَة مَخَافَةُ الله» «٢» .

وقال الرَّبِيع بن أنس: مِنْ لم يخشَ الله فليسَ بعالمٍ «٣» ، وقال ابن عباس في تفسير هذه الآية: كفى بالزهدِ عِلما «٤» ، ويقال: إن فاتحةَ الزَّبور: «رأس الحكمة خشيةُ الله» وقال ابن مسعود «٥» : كفى بخشيةِ الله علماً، وبالاغترارِ به جهلاً.

وقال مجاهد والشعبي «٦» : إنما العالمَ مَنْ يخْشَى الله.

وإِنَّما في هذه الآية تحضيض لِلعلمَاء لاَ للحصر.

قال ابن عطاء الله في «الحِكم» : العلمْ النافعُ هُو الذي يَنْبَسِط في الصدر شعاعُه، ويُكْشَفُ به عن القلبِ قناعُه، خَيرُ العلم ما كانت الخشيةُ مَعَه والعلم إن قارَنَتْهُ الخشيةُ فَلَكَ وإلا فَعَلَيْكَ.

وقال في «التنوير» : اعلم أنَّ العلْمَ حيثُ ما تكرَّر في الكتابِ العزيز أو في السُّنَّة فإِنما المرادُ به العِلْمُ النافِعُ الذي تقارنُهُ الخشيةُ وتَكْتَنِفُه المخَافَةُ: قال تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ فبَيَّنَ سبحانه أنَّ الخشيةَ تُلازِمُ العلمَ، وفُهِمَ من هذا أن العلماءَ إنما هم أهل الخشية.

انتهى.

قال ابن عَبَاد في «شرح الحكم» : واعلم أن العلمَ النافعَ المتفقَ عليه فيما سلف وخلف إنما هو العلم الذي يؤدي صاحبَه إلى الخوفِ، والخشيةِ، وملازمةِ التَّواضُع، والذَّلَّةِ، والتخلُّقِ بأخلاق الإيمان، إلى ما يَتْبَعُ ذلك من بُغْضِ الدنيا، والزَّهَادَةِ فيها، وإيثارِ الآخرة عليها، ولزوم الأدَب بين يَدَيْ الله تعالى، إلى غير ذلك من الصفات العَلِيَّةِ والمَنَاحِي السَّنِيَّة.

انتهى.

وهذه المعاني كلها مُحَصَّلة في كتب الغزالي وغيره رضي الله عن جميعهم، ونفعنا ببركاتهم.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ ﴾ أيْ: ومِمّا خَلَقْنا مِنَ الجِبالِ جُدَدٌ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الجُدَدُ: الخُطُوطُ والطَّرائِقُ تَكُونُ في الجِبالِ، فَبَعْضُها بِيضٌ، وبَعْضُها حُمْرٌ، وبَعْضُها غَرابِيبُ سُودٍ، والغَرابِيبُ جَمْعُ غِرْبِيبٍ، وهو الشَّدِيدُ السَّوادِ، يُقالُ: أسْوَدُ غِرْبِيبٌ، وتَمامُ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ ، يَقُولُ: مِنَ الجِبالِ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ، ﴿ وَمِنَ النّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ كَذَلِكَ ﴾ أيْ: كاخْتِلافِ الثَّمَراتِ.

قالَ الفَرّاءُ: وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: وسُودٌ غَرابِيبُ، لِأنَّهُ يُقالُ: أسْوَدُ غِرْبِيبٌ، وَقَلَّما يُقالُ: غِرْبِيبٌ أسْوَدُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ومِنَ الجِبالِ غَرابِيبُ سُودٌ، وهي ذَواتُ الصَّخْرِ الأسْوَدِ.

وقالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الغِرْبِيبُ: الأسْوَدُ، أحْسَبُ أنَّ اشْتِقاقَهُ مِنَ الغُرابِ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالغَرابِيبِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: الطَّرائِقُ السُّودُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الأوْدِيَةُ السُّودُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: الجِبالُ السُّودُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿ إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ ﴾ يَعْنِي العُلَماءَ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: إنَّما يَخافُنِي مِن خَلْقِي مَن عَلِمَ جَبَرُوتِي وعِزَّتِي وسُلْطانِي.

وقالَ مُجاهِدٌ والشَّعْبِيُّ: العالِمُ مَن خافَ اللَّهَ.

وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: مَن لَمْ يَخْشَ اللَّهَ فَلَيْسَ بِعالِمٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا ألْوانُها ومِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ ﴾ ﴿ وَمِنَ الناسِ والدَوابِّ والأنْعامِ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ كَذَلِكَ إنَّما يَخْشى اللهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ إنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾ الرُؤْيَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "ألَمْ تَرَ" ﴾ رُؤْيَةُ القَلْبِ، وكُلُّ تَوْقِيفٍ في القُرْآنِ عَلى رُؤْيَةٍ فَهي رُؤْيَةُ القَلْبِ؛ لِأنَّ الحُجَّةَ بِها تَقُومُ، ولَكِنَّ رُؤْيَةَ القَلْبِ لا تَتَرَكَّبُ البَتَّةَ إلّا عَلى حاسَّةٍ، فَأحْيانًا تَكُونُ الحاسَّةُ البَصَرَ، وقَدْ تَكُونُ غَيْرَهُ، وهَذا يُعْرَفُ بِحَسْبِ الشَيْءِ المُتَكَلَّمِ فِيهِ، و"أنَّ" سادَّةٌ مُسَدَّ المَفْعُولَيْنِ الَّذِينَ لِلرُّؤْيَةِ، هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، لِأنَّ "أنَّ" مَعَ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ جُمْلَةٌ، ولا يَلْزَمُ ذَلِكَ في قَوْلِكَ: رَأيْتُ وظَنَنْتُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَكَ ذَلِكَ لَيْسَ بِجُمْلَةٍ كَما هي "أنَّ" ومَذْهَبُ الزَجّاجِ أنَّ المَفْعُولَ الثانِيَ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً حَقًّا؟

ورَجَعَ مِن خِطابٍ بِذِكْرِ الغائِبِ إلى المُتَكَلِّمِ بِنُونِ العَظَمَةِ لِأنَّها أهْيَبُ في العِبارَةِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "ألْوانُها" ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الصُفْرَةَ والحُمْرَةَ والبَياضَ والسَوادَ وغَيْرَ ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُ هَذا اطِّرادُ ذِكْرِ هَذِهِ الألْوانِ فِيما بَعْدُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الأنْواعَ، والمُعْتَبِرُ فِيهِ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - أكْثَرُ عَدَدًا.

و"جُدَدٌ" جَمْعُ جُدَّةٍ، وهي الطَرِيقَةُ تَكُونُ مِنَ الأرْضِ والجَبَلِ كالقِطْعَةِ العَظِيمَةِ المُتَّصِلَةِ طُولًا، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: كَأنَّ سَراتَهُ وجُدَّةَ ظَهْرِهِ ∗∗∗ كَنائِنُ يَجْرِي بَيْنَهُنَّ دَلِيصُ وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ في بَعْضِ كُتُبِهِ أنَّهُ يُقالُ: "جُدَدٌ" في جَمْعِ جَدِيدٍ، ولا مَدْخَلَ لِمَعْنى الجَدِيدِ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَرَأ الزُهْرِيُّ: [جَدَدٌ] بِفَتْحِ الجِيمِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَغَرابِيبُ سُودٌ ﴾ لَفْظانِ لِمَعْنىً واحِدٍ، وقالَ النَبِيُّ  : « "إنَّ اللهَ يُبْغِضُ الشَيْخَ الغِرْبِيبَ"،» أيِ الَّذِي يَخَضِبُ بِالسَوادِ، وقَدَّمَ الوَصْفَ الأبْلَغَ وكانَ حَقَّهُ أنْ يَتَأخَّرَ، وكَذَلِكَ هو في المَعْنى، لَكِنَّ كَلامَ العَرَبِ الفَصِيحَ يَأْتِي كَثِيرًا عَلى هَذا النَحْوِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ ﴾ قَبْلَهُ مَحْذُوفٌ إلَيْهِ يَعُودُ الضَمِيرُ، تَقْدِيرُهُ: "والأنْعامِ خَلْقٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ"، والدَوابُّ يَعُمُّ الناسَ، والأنْعامَ ولَكِنْ ذُكِرا تَنْبِيهًا مِنهُما.

وقَوْلُهُ: ﴿ "كَذَلِكَ" ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ فَيَجِيءُ الوَقْفُ عَلَيْهِ حَسَنًا، وإلى هَذا ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الكَلامِ الثانِي، يَخْرُجُ مَخْرَجَ السَبَبِ، كَأنَّهُ قالَ: كَما جاءَتِ القُدْرَةُ في هَذا كُلِّهِ إنَّما يَخْشى اللهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ، أيِ المُحَصِّلُونَ لِهَذِهِ العِبَرِ، الناظِرُونَ فِيها.

وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الخَشْيَةُ رَأْسُ العَلَمِ، وهَذِهِ عِبارَةٌ وعْظِيَّةٌ لا تَثْبُتُ عِنْدَ النَقْدِ، بَلِ الصَحِيحُ المُطَّرِدُ أنْ يُقالَ: العِلْمُ رَأْسُ الخَشْيَةِ وسَبَبُها، والَّذِي ورَدَ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "خَشْيَةُ اللهِ رَأسُ كُلِّ حِكْمَةٍ"،» وقالَ: « "رَأْسُ الحِكْمَةِ مَخافَةُ اللهِ"،» فَهَذا هو الكَلامُ المُنِيرُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "كَفى بِالزُهْدِ عِلْمًا"، وقالَ مَسْرُوقٌ: "كَفى بِالمَرْءِ عِلْمًا أنْ يَخْشى اللهَ"، وقالَ تَعالى: ﴿ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى  ﴾ ، وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "أعْلَمُكم بِاللهِ أشَدُّكم لَهُ خَشْيَةً"،» وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: "مَن لَمْ يُخْشَ اللهَ فَلَيْسَ بِعالِمٍ"، ويُقالُ: إنَّ فاتِحَةَ الزَبُورِ: "رَأْسُ الحِكْمَةِ خَشْيَةُ اللهِ" وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "كَفى بِخَشْيَةِ اللهِ عِلْمًا، وبِالِاغْتِرارِ بِهِ جَهْلًا"، وقالَ مُجاهِدٌ والشَعْبِيُّ: "إنَّما العالِمُ مَن يَخْشى اللهَ"، و[إنَّما] في هَذِهِ الآيَةِ لِتَخْصِيصِ العُلَماءِ لا لِلْحَصْرِ، وهي لَفْظَةٌ تَصْلُحُ لِلْحَصْرِ، وتَأْتِي أيْضًا دُونَهُ، وإنَّما يُعْلَمُ ذَلِكَ بِحَسْبِ المَعْنى الَّذِي جاءَتْ فِيهِ، فَإذا قُلْتَ: إنَّما الشُجاعُ عنتَرَةُ، وقُلْتَ: إنَّما اللهُ إلَهٌ واحِدٌ، بانٍ لَكَ الفَرْقُ فَتَأمَّلْهُ.

وهَذِهِ الآيَةُ بِجُمْلَتِها دَلِيلٌ عَلى الوَحْدانِيَّةِ والقُدْرَةِ، والقَصْدُ بِها إقامَةُ الحُجَّةِ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف لبيان جملة ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ [فاطر: 28] الآية، فالذين يتلون كتاب الله هم المراد بالعلماء، وقد تخلّص إلى بيان فوز المؤمنين الذين اتَّبعوا الذكر وخشوا الرحمان بالغيب فإن حالهم مضادّ لحال الذين لم يسمعوا القرآن وكانوا عند تذكيرهم به كحال أهل القبور لا يسمعون شيئاً.

فبعد أن أثنى عليهم ثناء إجمالياً بقوله تعالى: ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ ، وأجمل حسن جزائهم بذكر صفة ﴿ غفور ﴾ [فاطر: 28] ولذلك ختمت هذه الآية بقوله: ﴿ إنه غفور شكور ﴾ فُصِّل ذلك الثناء وذكرت آثاره ومنافعه.

فالمراد ب ﴿ الذين يتلون كتاب الله ﴾ المؤمنون به لأنهم اشتهروا بذلك وعُرفوا به وهم المراد بالعلماء.

قال تعالى: ﴿ بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ﴾ [العنكبوت: 49].

وهو أيضاً كناية عن إيمانهم لأنه لا يتلو الكتاب إلا من صدّق به وتلقاه باعتناء.

وتضمن هذا أنهم يكتسبون من العلم الشرعي من العقائد والأخلاق والتكاليف، فقد أشعر الفعل المضارع بتجدد تلاوتهم فإن نزول القرآن متجدد فكلما نزل منه مقدار تلقوه وتدارسوه.

وكتاب الله القرآن وعدل عن اسمه العلم إلى اسم الجنس المضاف لاسم الجلالة لما في إضافته إليه من تعظيم شأنه.

وأتبع ما هو علامة قبول الإِيمان والعلم به بعلامة أخرى وهي إقامة الصلاة كما تقدم في سورة البقرة (2) ﴿ الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ﴾ فإنها أعظم الأعمال البدنية، ثم أتبعت بعمل عظيم من الأعمال في المال وهي الإِنفاق، والمراد بالإِنفاق حيثما أطلق في القرآن هو الصدقات واجبها ومستحبها وما ورد الإِنفاق في السور المكية إلا والمراد به الصدقات المستحبة إذ لم تكن الزكاة قد فرضت أيامئذ؛ على أنه قد تكون الصدقة مفروضة دون نُصب ولا تَحديد ثم حدِّدت بالنصب والمقادير.

وجيء في جانب إقامة الصلاة والإِنفاق بفعل المضي لأن فرض الصلاة والصدقة قد تقرر وعملوا به فلا تجدد فيه، وامتثال الذي كلفوا به يقتضي أنهم مداومون عليه.

وقوله: مما رزقناهم} إدماج للامتنان وإيماء إلى أنه إنفاق شكر على نعمة الله عليهم بالرزق فهم يعطون منه أهل الحاجة.

ووقع الالتفات من الغيبة من قوله: ﴿ كتاب الله ﴾ إلى التكلم في قوله: ﴿ مما رزقناهم ﴾ لأنه المناسب للامتنان.

وانتصب ﴿ سراً وعلانية ﴾ على الصفة لمصدر ﴿ أنفقوا ﴾ محذوففٍ، أي إنفاق سر وإنفاق علانية والمصدر مبين للنوع.

والمعنى: أنهم لا يريدون من الإِنفاق إلا مرضاة الله تعالى لا يراءون به، فهم ينفقون حيث لا يراهم أحد وينفقون بمرأى من الناس فلا يصدهم مشاهدة الناس عن الإِنفاق.

وفي تقديم السر إشارة إلى أنه أفضل لانقطاع شائبة الرياء منه، وذكر العلانية للإِشارة إلى أنهم لا يصدهم مرأى المشركين عن الإِنفاق فهم قد أعلنوا بالإِيمان وشرائعه حبّ من حبّ أو كره من كره.

و ﴿ يرجون تجارة ﴾ هو خبر ﴿ إن ﴾ .

والخبر مستعمل في إنشاء التبشير كأنه قيل: لِيرجُوا تجارة، وزاده التعليلُ بقوله: ﴿ ليوفيهم أجورهم ﴾ قرينةً على إرادة التبشير.

والتجارة مستعارة لأعمالهم من تلاوة وصلاة وإنفاق.

ووجه الشبه مشابهة ترتب الثواب على أعمالهم بترتب الربح على التجارة.

والمعنى: ليرجوا أن تكون أعمالهم كتجارة رابحة.

والبوار: الهلاك.

وهلاك التجارة: خسارة التاجر.

فمعنى ﴿ لن تبور ﴾ أنها رابحة.

و ﴿ لن تبور ﴾ صفة ﴿ تجارة ﴾ .

والمعنى: أنهم يرجون عدم بوار التجارة.

فالصفة مناط التبشير والرجاء لا أصل التجارة لأن مشابهة العمل الفظيع لعمل التاجر شيء معلوم.

و ﴿ ليوفيهم ﴾ متعلق ب ﴿ يرجون ﴾ ، أي بشرناهم بذلك وقدَّرناه لهم لنوفيهم أجورهم.

ووقع الالتفات من التكلم في قوله: ﴿ مما رزقناهم ﴾ إلى الغيبة رجوعاً إلى سياق الغيبة من قوله: ﴿ يتلون كتاب الله ﴾ أي ليوفي الله الذين يتلون كتابه.

والتوفية: جعل الشيء وافِياً، أي تامّاً لا نقيصة فيه ولا غبن.

وأسْجلَ عليهم الفضل بأنه يزيدهم على ما تستحقه أعمالهم ثواباً من فضله، أي كرمه، وهو مضاعفة الحسنات الواردة في قوله تعالى: ﴿ كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ﴾ [البقرة: 261] الآية.

وذيل هذا الوعد بما يحققه وهو أن الغفران والشكران من شأنه، فإنّ من صفاته الغفور الشكور، أي الكثير المغفرة والشديد الشكر.

فالمغفرة تأتي على تقصير العباد المطيعين، فإن طاعة الله الحقّ التي هي بالقلب والعمل والخواطر لا يبلغ حق الوفاء بها إلا المعصوم ولكن الله تجاوز عن الأمة فيما حدّثت به أنفسها، وفيما همت به ولم تفعله، وفي اللمم، وفي محو الذنوب الماضية بالتوبة، والشكر كناية عن مضاعفة الحسنات على أعمالهم فهو شكر بالعمل لأن الذي يجازي على عمل المجزيّ بجزاء وافر يدل جزاؤه على أنه حمد للفاعل فعله.

وأكد هذا الخبر بحرف التأكيد زيادة في تحقيقه، ولما في التأكيد من الإِيذان بكون ذلك علة لتوفية الأجور والزيادة فيها.

وفي الآية ما يشمل ثواب قُرَّاء القرآن، فإنهم يصدق عنهم أنهم من الذين يتلون كتاب الله ويقيمون الصلاة ولو لم يصاحبهم التدبر في القرآن فإن للتلاوة حظها من الثواب والتنوّر بأنوار كلام الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ ﴾ يَعْنِي الجَنَّةَ، وفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: لَنْ تَفْسَدَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: لَنْ تَكْسُدَ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى والأوَّلُ أشْبَهُ لِقَوْلِ الشّاعِرِ يا رَسُولَ المَلِيكِ إنَّ لِسانِي راتِقٌ ما فَتَقْتُ إذا أنا بُورُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهُمْ ﴾ يَعْنِي ثَوابَ أعْمالِهِمْ.

﴿ وَيَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يُفْسَحُ لَهم في قُبُورِهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: يُشَفِّعُهم فِيمَن أحْسَنَ إلَيْهِمْ في الدُّنْيا، قالَهُ أبُو وائِلٍ.

الثّالِثُ: يُضاعِفُ لَهم حَسَناتِهِمْ، وهو مَأْثُورٌ.

الرّابِعُ: غَفْرُ الكَثِيرِ وشُكْرُ اليَسِيرِ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: يُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم عَلى فِعْلِ الطّاعاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ عَلى اجْتِنابِ المَعاصِي ﴿ إنَّهُ غَفُورٌ ﴾ لِلذَّنَبِ.

﴿ شَكُورٌ ﴾ لِلطّاعَةِ.

وَوَصْفُهُ بِأنَّهُ شَكُورٌ مَجازٌ ومَعْناهُ أنْ يُقابِلَ بِالإحْسانِ مُقابَلَةَ الشَّكُورِ لِأنَّهُ يُقابِلُ عَلى اليَسِيرِ بِأضْعافِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها ﴾ قال: أحمر وأصفر ﴿ ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها ﴾ أي جبال حمر ﴿ وغرابيب سود ﴾ والغرابيب السود يعني لونه كما اختلفت ألوان هذه الجبال، وألوان الناس والدواب والأنعام كذلك ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ قال: كان يقال كفى بالرهبة علماً.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ثمرات مختلفاً ألوانها ﴾ قال: الأبيض، والأحمر، والأسود وفي قوله: ﴿ ومن الجبال جدد بيض ﴾ قال: طرائق بيض يعني الألوان.

وأخرج البزار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أيصبغ ربك؟

قال: نعم.

صبغاً لا ينقض.

أحمر.

وأصفر.

وأبيض» .

وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ جدد ﴾ قال: طرائق.

طريقة بيضاء، وطريقة خضراء.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت الشاعر وهو يقول: قد غادر السبع في صفحاتها جدداً ** كأنها طرق لاحت على أكم وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن الجبال جدد بيض ﴾ قال: طرائق بيض ﴿ وغرابيب سود ﴾ قال: جبال سود.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الغرابيب الأسود الشديد السواد.

وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس في قوله: ﴿ مختلفاً ألوانها ﴾ قال: منها الأحمر والأبيض والأخضر والأسود، وكذلك ألوان الناس منهم الأحمر والأسود والأبيض، وكذلك الدواب، والأنعام.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن الجبال جدد ﴾ قال: طرائق تكون في الجبل بيض وحمر، فتلك الجدد ﴿ وغرابيب سود ﴾ قال: جبال سود ﴿ ومن الناس والدواب والأنعام...

﴾ .

قال: كذلك اختلاف الناس والدواب والأنعام، كاختلاف الجبال.

ثم قال: ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ فلا فضل لما قبلها.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ومن الجبال جدد بيض ﴾ قال: طرائق مختلفة، كذلك اختلاف ما ذكر من اختلاف ألوان الناس والدواب والأنعام، كذلك كما اختلفت هذه الأنعام تختلف الناس في خشية الله كذلك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: الخشية والايمان والطاعة والتشتت في الألوان.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ قال: العلماء بالله الذين يخافونه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ قال: الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن عدي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ليس العلم من كثرة الحديث، ولكن العلم من الخشية.

وأخرج ابن المنذر عن يحيى بن أبي كثير قال: العالم من خشي الله.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن صالح أبي الخليل رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ قال: أعلمهم بالله أشدهم له خشية.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سفيان عن أبي حيان التيمي عن رجل قال: كان يقال العلماء ثلاثة.

عالم بالله، وعالم بأمر الله، وعالم بالله ليس بعالم بأمر الله، وعالم بأمر الله ليس بعالم بالله.

فالعالم بالله وبأمر الله: الذي يخشى الله، ويعلم الحدود والفرائض.

والعالم بالله ليس بعالم بأمر الله: الذي يخشى الله ولا يعلم الحدود ولا الفرائض، والعالم بأمر الله ليس بعالم بالله: الذي يعلم الحدود والفرائض، ولا يخشى الله.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن عدي عن مالك بن أنس رضي الله عنه قال: إن العلم ليس بكثرة الرواية، إنما العلم نور يقذفه الله في القلب.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه قال: الإِيمان من خشي الله بالغيب، ورغب فيما رغب الله فيه، وزهد فيما أسخط الله.

ثم تلا ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن مسروق قال: كفى بالمرء علماً أن يخشى الله، وكفى بالمرء جهلاً أن يعجب بعمله.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وعبد بن حميد والطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كفى بخشية الله علماً، وكفى باغترار المرء جهلاً.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه قال: الفقيه من يخاف الله.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن العباس العمي قال: بلغني أن داود عليه السلام قال: سبحانك!

تعاليت فوق عرشك، وجعلت خشيتك على من في السموات والأرض، فأقرب خلقك إليك أشدهم لك خشية، وما علم من لم يخشك، وما حكمة من لم يطع أمرك.

وأخرج أحمد في الزهد عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ليس العلم بكثرة الرواية، ولكن العلم الخشية.

وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي والحاكم عن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العلم علمان: علم في القلب، فذاك العلم النافع.

وعلم على اللسان، فتلك حجة الله على خلقه» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة قال: بحسب المرء من العلم أن يخشى الله.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس يفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخلطون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وينبغي لحامل القرآن أن لا يكون صخاباً، ولا صياحاً، ولا حديداً.

وأخرج الخطيب في المتفق والمفترق عن وهب بن منبه قال: أقبلت مع عكرمة أقود ابن عباس رضي الله عنهما بعدما ذهب بصره حتى دخل المسجد الحرام، فإذا قوم يمترون في حلقة لهم عند باب بني شيبة فقال: أمل بي إلى حلقة المراء، فانطلقت به حتى أتاهم، فسلم عليهم، فارادوه على الجلوس، فأبى عليهم وقال: انتسبوا إليّ أعرفكم فانتسبوا إليه فقال: أما علمتم أن لله عباداً أسكتتهم خشيته من غير عي ولا بكم، إنهم لهم الفصحاء، النطقاء، النبلاء، العلماء بأيام الله، غير أنهم إذا ذكروا عظمة الله طاشت عقولهم من ذلك، وانكسرت قلوبهم، وانقطعت ألسنتهم، حتى إذا استقاموا من ذلك سارعوا إلى الله بالأعمال الراكية، فأين أنتم منهم؟

ثم تولى عنهم، فلم ير بعد ذلك رجلان.

وأخرج الخطيب فيه أيضاً عن سعيد بن المسيب قال: وضع عمر بن الخطاب رضي الله عنه للناس ثماني عشرة كلمة حكم كلها قال: ما عاقبت من عصى الله فيك مثل أن تطيع الله فيه، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يجيئك منه ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من مسلم شراً أنت تجد لها في الخير محملاً، ومن عرض نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء الظن به.

من كتم سره كانت الخيرة في يده، وعليك بإخوان الصدق تعش في أكنافهم فإنهم زينة في الرخاء، عدة في البلاء، وعليك بالصدق وإن قتلك، ولا تعرض فيما لا يعني، ولا تسأل عما لم يكن، فإن فيما كان شغلاً عما لم يكن، ولا تطلب حاجتك إلى من لا يحب نجاحها لك، ولا تهاون بالحلف الكاذب فيهلكك الله، ولا تصحب الفجار لتعلم من فجورهم، واعتزل عدوك، واحذر صديقك إلا الأمين، ولا أمين إلا من خشي الله، وتخشع عند القبور، وذل عند الطاعة، واستعصم عند المعصية، واستشر الذين يخشون الله، فإن الله تعالى يقول ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن مكحول قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العالم والعابد فقال: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم.

ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ ثم قال إن الله وملائكته، وأهل السماء، وأهل الأرض، والنون في البحر، ليصلون، على معلمي الخير» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ قال ابن عباس: سوى الثواب، ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر (١) ﴿ إِنَّهُ غَفُورٌ ﴾ للذنوب.

(شكور) لحسناتهم.

قاله مقاتل (٢) (٣) (١) لم أقف على هذا الأثر عن ابن عباس، ولكن ورد عن أبي هريرة في الصحيحين، في البخاري كتاب: التفسير، تفسير سورة تنزيل السجدة 4/ 1794 رقم الحديث (4501 - 4502) عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله -  - قال: قال الله تعالى: "أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر".

وبرقم (4503) عن أبي هريرة أيضًا.

وأخرجه مسلم في "صحيحه" كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها 4/ 2174 رقم الحديث (2824)، وعن سهل بن سعد الساعدي رقم (2825).

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 103 ب.

(٣) انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 367، وانظر: "الوسيط" 3/ 505، "تفسير البغوي" 3/ 570.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ كَذَلِكَ ﴾ يتعلق بما قبله فيتم الوقف عليه والمعنى: أن من الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه، مثل الجبال المختلف ألوانها، والثمرات المختلف ألوانها، وذلك كله استدلال على قدرة الله وإرادته.

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء ﴾ يعني العلماء بالله وصفاته وشرائعه علماً يوجب لهم الخشية من عذابه وفي الحديث: «أعلمكم بالله أشدكم له خشية» لأن العبد إذا عرف الله خاف من عقابه وإذا لم يعرفه لم يخف منه فلذلك خص العلماء بالخشية.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ غير الله ﴾ بالجر: يزيد وحمزة وعليّ.

الآخرون: بالرفع حملاً على المحل ﴿ فلا تذهب ﴾ من الإذهاب ﴿ نفسك ﴾ منصوباً: يزيد.

الآخرون: بفتح التاء والهاء من الذهاب ﴿ نفسك ﴾ مرفوعاً: ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف ﴿ ولا ينقص ﴾ بفتح الياء وضم القاف: روح وزيد.

الباقون: بالعكس.

﴿ من عمره ﴾ باختلاس الضمة: عباس ﴿ والذين يدعون ﴾ على الغيبة: قتيبة.

الوقوف: ﴿ ورباع ﴾ ط ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ لها ﴾ ج ﴿ بعده ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ عليكم ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ إلا هو ﴾ ز للاستفهام ولفاء التعقيب وإتحاد المعنى ﴿ تؤفكون ﴾ ه ﴿ قبلك ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ عدوّاً ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ط لأن ﴿ الذين ﴾ مبتدأ.

﴿ شديد ﴾ ه ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط لحذف الجواب ﴿ حسرات ﴾ ط ﴿ يصنعون ﴾ ه ﴿ موتها ﴾ ط ﴿ النشور ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ يرفعه ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ يبور ﴾ ه ﴿ أزواجاً ﴾ ط ﴿ بعلمه ﴾ ط ﴿ في كتاب ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ أجاج ﴾ ط ﴿ تلبسونها ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ الملك ﴾ ط ﴿ قطمير ﴾ ه ﴿ دعاءكم ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ بشرككم ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط لاتفاق الجملتين مع حسن الفصل بين وصفي الخالق والمخلوق ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ جديد ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ بعزيز ﴾ ه ﴿ أخرى ﴾ ط لاستئناف الشرط ﴿ قربى ﴾ ط ﴿ الصلاة ﴾ ط ﴿ لنفسه ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ والبصير ﴾ ه لا ﴿ ولا النور ﴾ ه لا ﴿ ولا الحرور ﴾ ه ج للطول والتكرار ﴿ الأموات ﴾ ط ﴿ يشاء ﴾ ج للعطف مع الإثبات إلى النفي مع اتفاق الجملتين ﴿ القبور ﴾ ه ﴿ إلا نذير ﴾ ه ﴿ ونذيراً ﴾ ط ﴿ نذير ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ المنير ﴾ ه ﴿ نكير ﴾ ه.

التفسير: لما بين في آخر السورة المتقدمة انقطاع رجاء الشاك وعدم قبول توبته في الآخرة ذكر في أوّل هذه السورة حال الموفق المؤمن وبشر بإرسال الملائكة إليهم مبشرين، وبين أنه يفتح لهم أبواب الرحمة.

و ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾ مبدعهما أو شاقهما لنزول الأرواح من السماء وخروج الأجساد من الأرض يؤيد التفسير الثاني قوله ﴿ جاعل الملائكة رسلاً ﴾ وقوله ﴿ وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون  ﴾ و ﴿ أولي أجنحة ﴾ اي أصحاب أجنحة أراد أن طائفة منهم أجنحة كل منهم اثنان اثنان، وبعضهم أجنحة ثلاثة ثلاثة لعل الثالث منها في وسط الظهر بين الجناحين يمدهما بقوة أو لعله لغير الطيران فلقد رأيت في بعض الكتب أن صنفاً من الملائكة لهم ستة أجنحة، فجناحان يلفون بهما أجسادهم، وجناحان يطيرون بهما في الأمر من أمور الله عز وجل، وجناحان مرخيان على وجوههم حياء من الله عز وجل.

وعن رسول الله  أنه رأى جبرائيل  ليلة المعراج وله ستمائة جناح.

وروي أن إسرافيل له اثنا عشر جناحاً، جناح منها بالمشرق، وجناح بالمغرب، وإن العرش على كاهله وإنه ليتضاءل لعظمة الله  وتعالى حتى يعود مثل الوصع وهو العصفور الصغير.

ويجوز أن يخالف حال الملائكة حال الطيور في الطيران كالحيوان الذي يدب بأرجل كثيرة، ويجوز أن يكون البعض للزينة، ويجوز أن يكون كل جناح ذا شعب.

قال الحكيم: الجناحان إشارة إلى جهتين: جهة الأخذ من ا لله، وجهة الإعطاء لمن دونهم بإذن الله كقوله ﴿ نزل به الروح الأمين على قلبك  ﴾ ﴿ علمه شديد القوى  ﴾ ﴿ فالمدبرات أمرا  ﴾ ومنهم من يفعل بواسطة فلهم ثلاث جهات أو أكثر على حسب الوسائط.

ثم بين كمال قدرته بقوله ﴿ ويزيد في الخلق ما يشاء ﴾ والظاهر أنه عام يتناول كل زيادة في كل أمر يعتبر في الصورة كحسن الوجه والخط والصوت ونحوهما، أو في المعنى كحصافة العقل وجزالة الرأي وسماحة النفس وذلاقة اللسان وغير ذلك من الأخلاق الفاضلة.

ثم أكد نفاذ أمره وجريان الأمور على وفق مشيئته بقوله ﴿ وما يفتح الله للناس ﴾ الآية.

وفيها دلالة على أن رحمته سبقت غضبه من جهة تقديم الرحمة ومن جهة بيان الضمير في القرينة الأولى بقوله ﴿ من رحمة ﴾ والإطلاق في قوله ﴿ وما يمسك ﴾ فيشمل إمساك الغضب وإمساك الرحمة.

ومن جهة قوله ﴿ من بعده ﴾ أي من بعد إمساكه فيفيد أن الرحمة إذ جاءته لم يكن لها انقطاع وإن ضدّها قد ينقطع وإن كان لا يقطعه إلا الله ولهذا لا يخرج أهل الجنة من الجنة وقد يخرج أهل النار من النار ﴿ وهو العزيز ﴾ الغالب على إرسال الرحمة وإمساكها ﴿ الحكيم ﴾ الذي لا يمسك ولا يرسل إلا عن علم كامل وصلاح شامل.

وحيث بين أن الحمد لله وبين بعض وجوه النعمة المستدعية للحمد على التفصيل أمر المكلفين بتذكر العمة على الإجمال لساناً وقلباً وعملاً، ومنه قول الرجل لمن أنعم عليه: اذكر أياديّ عندك يريد حفظها وشكرها والعمل بموجبها.

وعن ابن عباس: أن الناس أهل مكة أسكنهم حرمه ويتخطف الناس من حولهم.

وعنه أيضاً أنه اراد بالنعمة العافية، والظاهر تعميم النعمة والمنعم عليهم.

ثم اشار إلى نعمة الإيجاد بقوله ﴿ هل من خالق غير الله ﴾ وإلى نعمة الإبقاء بقوله ﴿ يرزقكم ﴾ وهو نعت خالق أو مستأنف أو تفسير لمضمر والتقدير: هل يرزقكم خالق يرزقكم؟

قال جار الله: إن جعلت ﴿ يرزقكم ﴾ كلاماً مستأنفاً ففيه دليل على أن الخالق لا يطلق إلا على الله عز وجل.

وأما على الوجهين الآخرين فلا، إذ لا يلزم مننفي خالق رازق غيره نفي خالق غيره مطلقاً.

وقوله ﴿ لا إله إلا هو ﴾ جملة مفصولة لا محل لها مثل ﴿ يرزقكم ﴾ في غير وجه الوصف إذ لو جعلت وصفاً لزم التناقض لأن قولك "هل من خالق آخر سوى الله" إثبات الله، ولو جعلت المنفية وصفاً صار تقدير الكلام: هل من خالق آخر سوى لا إله إلا ذلك الخالق فلزم نقض الإثبات المذكور مع أن الكلام في نفسه يكون غير مستقيم.

﴿ فأنى تؤفكون ﴾ أي وكيف تصرفون عن هذا الظاهر فتشركون المنعوت بمالك الملك والملكوت.

وحين بينّ الاصل الأول وهو التوحيد ذكر الأصل الثاني وهو الرسالة بقوله ﴿ وإن يكذبوك ﴾ الآية.

والمراد إن يكذبوك فتسل بهذا المعنى.

ثم بينت الأصل الثالث وهو الحشر بقوله ﴿ يا أيها الناس ﴾ وقد مرّ مثل الآية في آخر سورة لقمان.

وقد يسبق إلى الظن ههنا أن الغرور وهو الشيطان لأنه عقبه بقوله ﴿ إن الشيطان لكم عدّو فاتخذوه عدّواً ﴾ لأن الحازم لا يقبل قول العدوّ ولا يعتمد عليه.

ثم صرح بوجه اتخاذه وبعاقبة دعوته فقال ﴿ إنما يدعو حزبه ليكونوا من اصحاب السعير ﴾ ثم فصل مال حال حزبه وحزب الله بقوله ﴿ الذين كفروا ﴾ إلى قوله ﴿ وأجر كبير ﴾ عرض على العقول أنه لا سواء بين الحزبين والمعنى ﴿ أفمن زين له سوء عمله ﴾ من الفريقين كمن لم يزين له.

ولا ريب أن المزين لهم عملهم هم أهل الأهواء والبدع الذين لا مستند لهم في مأخذهم سوى التقليد واتباع الهوى.

ثم أنتج من ذلك قوله ﴿ فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﴾ وذلك أن الناس متساوية الأقدام في الإنسانية ومتفاوتة الأحوال في الأعمال، فتبين أنه لا استقلال، وأن أفعال العباد مستندة إلى إزادة مصرف القلوب والأحوال.

ثم رتب على عدم الاستقلال قوله ﴿ فلا تذهب ﴾ أي فلا تهلك ﴿ نفسك ﴾ و ﴿ عليهم ﴾ صلة تذهب كما تقول هذك عليه حباً أو هو بيان للمتحسر عليه ولا يتعلق بـ ﴿ ـ مجسرات ﴾ المفعول لأجله لأن المصدر لا يتقدم عليه صلته.

وجوّز جار الله أن يكون حالاً كأن كل نفسه صارت حسرات لفرط التحسر.

وعن الزجاج أن تقدير الآية: أمفن زين له سوء عمله ذهبت نفسك عليهم فحذف لدلالة المذكور وهو فلا تذهب عليه، أو أفمن زين له سوء عمله كمن هداه الله، فحذف لأن قوله ﴿ فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﴾ يدل عليه.

ثم بين أن حزنه إن كان لما بهم من الضلال فالله عالم بهم وبما يصنعون لو أراد منهم الإيمان لآمنوا وإن كان لما بهم منالإيذاء فالله عليم بفعلهم فيجازيهم بذلك.

ثم أكد كونه فاعلاً مختاراً قادراً قهاراً مبدئاً معيداً بقوله ﴿ والله الذي أرسل ﴾ وهو من الالتفات الموجب للتهويل والتعظيم.

وقوله ﴿ فتثير ﴾ بلفظ المستقبل تصوير لتلك الحالة العجيبة الشأن، عرف نفسه بفعل الإرسال ثم قال ﴿ فسقناه ﴾ كأنه قال: أنا الذي عرفتني بمثل هذه السياقة والصناعة وأنعمت عليك بهذه النعمة الشاملة.

ثم شبه البعث والنشور بالصنع المذكور ووجهه ظاهر.

وحين بين برهان الإيمان أشار إلى ما كان يمنع الكفار منه وهو العزة الظاهرة الت يكانوا يتوهمونها من حيث إن معبوديهم كانت تحت تسخيرهم والرسول كان يدعوهم إلى الإيمان لطاعة الله وطاعة أنبيائه فكنه قال: إن كنتم تطلبون حقيقة العزة ﴿ فلله العزة ﴾ خاصة كلها فلتطلبها من عنده ومن عند أوليائه نظيره قولك "من أراد النصيحة فهي عند الأبرار" يريد فليطلبها عندهم فاعتبر في هذه الآية حرف النهاية.

وأما في قوله ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين  ﴾ فاعتبر الوسائط فالعزة للمؤمنين بواسطة الرسول وله من رب العزة.

ثم إن الكفار كأنهم قالوا: نحن لا نعبد من لا نراه ولا نحضر عنده فإن البعد من الملك ذلة فقال ﴿ إليه يصعد ﴾ أي إن كنتم لا تصلون إليه فهو يسمع كلامكم ويقبل الطيب منها وذلك آية العزة، وأما هذه الأصنام فلا يتبين عندها الذليل من العزيز إذ لا حياة لها ولا شعور وهكذا العمل الصالح لا تراه هذه الأصنام فلا يمكن لها مجازاة الأنام.

وفاعل قوله ﴿ يرفعه ﴾ إن كان هو الله فظاهر، وإن كان الكلم أعني قوله "لا إله إلا الله" فمعناه أنه لا يقبل عمل إلا من موحد وإن كان هو العمل فالمعنى: أن الكلم وهو كل كلام فيه ذكر الله أو رضاه يريد الصعود إلى الله إلا أنه لا يستطيع الصعود ولا يقع موقع القبول إلا إذا كان مقروناً بالعمل الصالح.

عن النبي  "الكلم الطيب هو قول الرجل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر إذا قالها العبد عرج بها الملك إلى السماء فحيا بها وجه الرحمن فإذا لم يكن له عمل صالح لم يقبل منه" .

وعن ابن المقفع: قول بلا عمل كثريد بلا دسم، وسحاب بلا مطر، وقوس بلا وتر.

ولا تخفى أن القول هو الأصل والعمل مؤكده فلهذا قدم القول.

وحين بيّن حال العمل الصالح ذكر أن المكرات السيئات بائرة كاسدة لا حقيقة لها، ولعله أشار بها إلى مكرات قريش المذكورات في قوله ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك  ﴾ جمع الله مكراتهم فقلبها عليهم حين أوقعهم في قليب بدر.

ولما ذكر دليل الآفاق أكده بدليل الأنفس قائلاً ﴿ والله خلقكم من تراب ﴾ وفيه إشارة إلى خلق آدم ﴿ ثمن من نطفة ﴾ وفيه إشارة إلى خلق أولاده.

ومعنى ﴿ أزواجاً ﴾ أصنافاً أو ذكراناً وإناثاً.

ثم أشار إلى كمال علمه بقوله ﴿ وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ﴾ ثم بين نفوذ إرادته بقوله ﴿ وما يعمر من معمر ﴾ قال جار الله: معناه من أحد ولكنه سماه معمراً باعتبار ما يؤل إليه.

وليس المراد تعاقب التعمير وخلافه على شخص واحد وإنما المراد تعاقبهما على شخصين فتسومح في اللفظ تعويلاً على فهم السامع كقول القائل: ما تنعمت بكذا ولا اجتويته إلا قل فيه ثوائي.

وتأويل آخر وهو أن يراد لا يطول عمر إنسان ولا ينقص من عمر ذلك الإنسان بعينه ﴿ إلا في كتاب ﴾ وصورته أن يكتب في اللوح إن حج أو وصل الرحم فعمره أربعون سنة، وإن جمع بين الأمرين فعمره ستون، فإذا جمع بينهما فعمر ستين كان الغاية، وإذا أفرد فعمر أربعين فقد نقص من تلك الغاية.

وبهذا التأويل يستبين معنى ما روي عن النبي  أنه قال "إن الصدقة والصلة تعمران الديار وتزيدان في الأعمار" .

ويصح ما استفاض على الألسن "أطال الله بقاءك".

وعن سعيد بن جبير يكتب في الصحيفة أن عمره كذا سنة، ثم يكتب بعد ذلك في آخرها ذهب يوم ذهب يومان حتى تنقضي المدّة.

وعن قتادة: المعمر من بلغ ستين، والمنقوص من عمره من يموت قبل الستين.

وذلك في علم الله.

﴿ إن ذلك ﴾ الذي ذكر من خلق الإنسان من المادة المذكورة أو الزيادة في الأعمار أو النقصان منها ﴿ على الله يسير ﴾ .

ثم ضرب مثلاً للمؤمن والكافر وذكر ليلاً آخر على عظم قدرته فقال ﴿ وما يستوي البحران ﴾ الآية.

على الأوّل يكون قوله ﴿ ومن كل تأكلون ﴾ إلى آخر الآية تقريراً للنعمة على سبيل اللاستطراد، أو هو من تمام التشبيه كأنه شبه الجنسين بالبحرين.

ثم فضل البحر الأجاج على الكافر لأنه شارك العذب في استخراج السمك واللؤلؤ وجرى الفلك فيه، وأما الكافر فلا نفع فيه ألبتة فيكون كقوله في البقرة ﴿ ثم قست قلوبكم  ﴾ إلى آخر قوله و ﴿ وَإِنَّ مِنهَا لما يهبط من خشية الله  ﴾ والأشبه أن الآية تقرير دليل مستأنف كما مرّ في أوّل "النحل" يؤيده تعقيبه بدليل آخر وهو قوله ﴿ يولج الليل ﴾ إلى قوله ﴿ أجل مسمى ﴾ قد مرّ في آخر "لقمان" مثله، وفيه ردّ على عبدة الكواكب الذين ينسبون حوادث هذا العالم إلى الكواكب بالذات لا إلى تسخير مبدعها.

قوله ﴿ ذلكم الله ﴾ أي الذي فعل الأشياء المذكورة من فطر السموات والأرض وإرسال الرياح وخلق الإنسان من التراب وغير ذلك هو المعبود الحق.

وقوله ﴿ ربكم له الملك ﴾ خبران آخران، ويجوز أن يكون ﴿ الله ربكم ﴾ خبرين و ﴿ له الملك ﴾ جملة مبتدأه واقعة في طبقات.

قوله ﴿ والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير ﴾ وذلك أن المشركين كانوا معترفين بأن الأصنام ليسوا خالقين وإنما كانوا يقولون إنه  فوض أمور الأرضيات إلى الكواكب التي هذه الأصنام صورها وطوالعها، فأخبر الله  أنهم لا يملكون قطميراً وهو القشرة الرقيقة للنواة فضلاً عما قوفها.

قال جار الله: يجوز في حكم الإعراب إيقاع اسم الله  صفة لاسم الإشارة أو عطف بيان و ﴿ ربكم ﴾ خبراً لولا أن المعنى يأباه فقيل: لأن ذلك إشارة إلى معلوم سبق ذكره.

وكونه صفة أو عطف بيان يقتضي أن يكون فيما سبق ضرب إبهام.

قلت: وفيه نظر، أما أولاً فلأن اسم الله من قبيل الأعلام لا من قبيل أسماء الأجناس فكيف يجوز جعله صفة؟

وأما ثانياً فلأنه على تقدير التجويز يكون صفة مدح فلا ينافي كون المشار إليه معلوماً.

والوجه الصحيح في إباء المعنى هو أن الوصف إذا كان معرفة كان أمراً متحققاً في الخارج مسلماً عند السامع.

مثلاً إذا قلت: الرجل الكاتب جاءني.

تريد الرجل الذي تعرفه أيها السامع أنه كاتب جاءني لكن الخطاب ههنا مع الكفار وهم يجحدون المعبود الحق، أو يجحدون أن العبادة لا تصلح إلا له،ن فلا يصح إيقاع اسم الله وصفاً لذلكم والخطاب معهم.

ثم زاد في توبيخ الكفرة بقوله ﴿ إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ﴾ لأنهم جماد ولو فرض سماعهم ﴿ ما استجابوا لكم ﴾ لما مرّ من أنهم لا يملكون شيئاً ﴿ ويوم القيامة ﴾ ايضاً ﴿ يكفرون بشرككم ﴾ قائلين ما كنتم إيانا تعبدون ﴿ ولا ينبئك ﴾ أي لا يطلعك على حقيقة الحال أيها النبيّ أو أيها السامع ﴿ مثل خبير ﴾ ببواطن الأمور.

والمعنى أن هذا الذي أخبرتكم به من حال الأوثان هو الحق لأني خبير بما أخبرت به ولا يخبرك بالأمر مخبر هو مثل عالم به.

وفيه أنه الخبير بالأمر وحده، وفيه ن هذا الخبر مما لا يعرف بمجرد المعقول لولا إخبار الله  .

ثم بين أن نفع العبادة إنما يعود على المكلفين فقال ﴿ يأيها الناس أنتم الفقراء ﴾ ومعنى تعريف الخبر القصد إلى أنهم جنس الفقراء مبالغة، وذلك أن افتقار الإنسان إلى الله عاجلاً لأمور المعاش وآجلاً لنعيم الآخرة أبين من افتقار سائر المخلوقين إليه.

وقيل: إن كون الناس فقراء أمر ظاهر لا يخفى على أحد فلهذا عرف كقول القائل: الله ربنا ومحمد نبينا.

ثم بين أن فقرهم ليس إلا إلى الله فقابل الفقراء بقوله ﴿ والله هو الغنيّ ﴾ وقابل قوله ﴿ إلى الله ﴾ بقوله ﴿ الحميد ﴾ لأنه إذا أنعم عليهم استحق الحمد منهم.

ثم ذكر أنه غني عن وجودهم أيضاً لا يفتقر في ظهور أثر قدرته إليهم فقال ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ وقد مرّ في "النساء" وفي "إبراهيم".

وحين بين الحق بالدلائل الباهرة أراد أن يذكر ما يدعوهم إلى النظر فيه فقال ﴿ ولا تزر وازرة ﴾ يعني أن النفوس الوازرات لا ترى واحدة منهن إلا حاملة وزرها لا وزر غيرها.

ولا ينافي في هذا قوله ﴿ وليحملن أثقالَهُم وأثقالاً مع أثقالِهِم  ﴾ لأن وزر الإضلال هو وزر النفس الوزارة أيضاً، وفيه أن كل نفس وازرة مهمومة بهمّ وزرها متحيرة في أمرها.

ثم زاد في التهويل بقوله ﴿ وإن تدع مثقلة ﴾ أي نفس ذات حمل ﴿ لا يحمل منه شيء ﴾ فإن عدم قضاء الحاجة بعد السؤال أفظع.

ثم زاد التأكيد بقوله ﴿ ولو كان ﴾ أي المدعوّ ﴿ ذا قربى ﴾ فإِن عدم القضاء بعد السؤال من القريب من أب وولد أدل على شدّة الأمر فيعلم منه أن لا غياث يومئذ أصلاً.

ثم بين أن هذه الإنذارات إنما تفيد أهل الخشية والطاعة حال كونهم غائبين عن العذاب أو حال كون العذاب غائباً عنهم.

ثم لما بيّن أن الوزر لا يتعدى إلى الغير بيّن أن التظهر عن الذنوب لا يفيد إلا نفس المتزكي ﴿ وإلى الله المصير ﴾ لكل فيجزيهم على حسب ذلك.

ثم ضرب للكافر والمؤمن مثلاً فقال ﴿ وما يستوي الأعمى والبصير ﴾ وقيل: إنه مثل للصنم وللمعبود الحق.

ثم ذكر للكفر والإيمان مثلاً قائلاً ﴿ ولا الظلمات ولا النور ﴾ وإذا كان الإيمان نوراً والمؤمن بصيراً فلا يخفى عليه النور، وإذا كان الكفر ظلمة والكافر أعمى فله صادّ فوق صادّ.

ثم بيّن لمآلهما ومرجعهما مثلاً وهو الظل والحرور.

قال أهل اللغة: السموم يكون بالنهار والحرور أعم.

وقال بعضهم: الحرور يكون بالليل فالمؤمن بإيمانه كمن هو في ظل وراحة، والكافر في كفره كمن هو حرّ وتعب.

وههنا مسائل.

الأولى: ضرب أوّلاً مثلاً للكافر والمؤمن ثم أعاد مثلهما بقوله ﴿ وما يستوي الأحياء ولا الأموات ﴾ وهذا أبلغ لأن الأعمى والبصير قد يشتركان في إدراك أشياء ولا كذلك الحي والميت ولمكان هذه المبالغة أعاد الفعل.

الثانية: كرر "لا" النافية في الأمثال الأخيرة دون الأوّل، لأن المنافاة بين العمى والبصر ليست ذاتية كما في سائرهما وقد يكون شخص واحد بصيراً بإحدى العينين أعمى بالأخرى.

الثالثة: قدم الأشرف في مثلين وهو الظل والحيّ، وأخره في الآخرين فهم أهل الظاهر أن ذلك لرعاية الفواصل.

والمحققون قالوا: إنهم كانوا قبل البعث في ظلمة الضلال فصاروا إلى نور الإيمان في زمان محمد  ، فلهذا الترتيب قدّم مثل الكافر وكفره على مثل المؤمن وإيمانه.

ولما ذكر المآل والمرجع قدم ما يتعلق بالرحمة على ما يتعلق بالغضب لأن رحمته سبقت غضبه.

ثم إن الكافر المصرّ بعد البعثة صار أضلّ من الأعمى وشابه الأموات في عدم إدراك الحق فقال ﴿ وما يستوي الأحياء ﴾ أي المؤمن الذي آمن بما أنزل الله.

والأموات الذين تليت عليهم الآيات ولم تنجع فيهم البينات فأخرهم عن المؤمنين لوجود حياتهم قبل ممات الكافرين المعاندين.

الرابعة: إنما وحد الأعمى والبصير لأن المراد أن أحد الجنسين لا يساوي جنس الآخر من جهة العمى والبصر، ولعل فرداً من أحدهما قد يساوي الفرد الآخر من جهة أخرى وكذا الكلام في إفراد الظل والحرور.

وإنما جمع الظلمات ووحّد النور لما مرّ في أوّل "الأنعام" من تحقيق أن الحق واحد والشبهات كثيرة.

وإنما جمع الأحياء والأموات لأن المراد أن أحد الصنفين لا يساوي الآخر سواء قابلت الجنس بالجنس أو قابلت الفرد بالفرد.

الخامسة: لا يخفى أن هذه الواوات بعضها ضمت شفعاً إلى شفع وبعضها ضمت وتراً إلى وتر.

ثم سلى ورسوله بقوله ﴿ إن الله يسمع ﴾ الآية.

فقد مرّ نظيره في قوله ﴿ إنك لا تسمع الموتى  ﴾ وإنما اقتصر على قوله ﴿ إن أنت إلا نذير ﴾ وكذا في قوله ﴿ إلا خلا فيها نذير ﴾ لأن الكلام في معرض التهديد مع أن ذكر البشير يدل عليه بل ذكر النذير يدل على مقابله.

والمراد بالنذارة آثارها لثبوت زمان الفترة.

ثم زاد في التسلية بقوله ﴿ وإن يكذبوك ﴾ وقد مر مثله في آخر "آل عمران".

وإنما حذف الفاعل هناك لبناء الكلام هنالك على الاقتصار دليله أنه قال ﴿ وإن يكذبوك فقد كذب ﴾ فاقتصر على لفظ المضيّ ولم يسم الفاعل، ويحتمل أن يكون لفظ الماضي إشارة إلى وقوع التكذيب منهم فإن تلك السورة مدنية والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا ﴾ إلى آخر ما ذكر - فيه فوائد من الحكمة: أحدها: أنه جعل - عز وجل - طبع الماء مما يلائم ويوافق طباع هذه الثمرات على اختلاف جواهرها وألوانها؛ حتى يكون حياة كل شيء منها وقوامه بهذا الماء، وكذلك جعل طبع هذا الماء ملائماً موافقاً طباع جميع الخلائق من البشر والدواب والطير والوحش وجميع الحيوان، على اختلاف جواهرهم وأصنافهم وغذائهم، حتى صار هو غذاء وحياة لهم وقياما به؛ ليعلم أن من ملك هذا وقدر توفيق هذا - على اختلاف ما ذكرنا من الجواهر والأغذية - وتدبيرَهُ، لا يعجزه إنشاء شيء لا من شيء، ولا يخفى عليه شيء، وفي ذلك دلالة البعث: أن من بلغت قدرته وتدبيره وعلمه هذا المبلغ لا يعجزه شيء ولا يخفى عليه شيء.

والثاني: أنه أنشأ ما ذكر من مختلف الأشياء والجواهر بهذا الماء، وجعله سبباً لحياة ما ذكر من البشر والدواب وغيره، من غير أن يكون في ذلك الماء الذي أنشأ ذلك منه، وجعله سبباً لحياتهم من أثر ذلك فيه أو من جنسه؛ ليعلم أنه لم يكن أنشأ هذه الأشياء بهذا الماء، ولا جعله سبباً لها على الاستعانة به والتقوية، بل إعلاماً للخلق أسباب مطالب الغذاء والفضل لهم؛ إذ لو كان على الاستعانة وجعله سبباً له في إنشاء ذلك، لكان يكون تلك الأشياء المنشأة مشاكلة للماء مشابهة له؛ دل أنه جعل ذلك سبباً للخلق في الوصول إلى ما ذكرنا من الأغذية لهم من غير أن يروا أرزاقهم من تلك الأسباب والمكاسب ولكن من فضل الله.

والثالث: أنشأ هذه الفواكه والثمرات مختلفة ألوانها وطعمها؛ لما علم من البشر من الملالة والسآمة من نوع واحد ولون واحد؛ ليتم نعمه عليهم ليتأدّى بذلك الشكر عليها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ ﴾ .

قال بعضهم: أنشأ الجبال أيضاً مختلفة من بيض وحمر وغرابيب، كما أنشأ الثمرات والدواب والحيوان كلها مختلفة.

وقال بعضهم: ذلك وصف، وصفها بالسواد للطرق التي أنشأها في الجبال ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كاختلاف الجبال والثمار، وكذلك: ﴿ وَغَرَابِيبُ ﴾ جمع غربيب، وهو الشديد السواد، يقال: أسود غربيب؛ وهو [قول] القتبي وأبي عوسجة، ورجل غربيب الشعر، أي: أسود الشعر، ومأخذه من الغراب لأنه أسود، والجدد: الخطوط والطرائق في الجبال.

وقال أبو عوسجة: الجدة: الخطة، [و] الجدد: جميع الخطوط، يقال: جددت، أي: خططت، [و] يقال: ثوب جديد وثياب جدد، ﴿ وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ ﴾ أي: طرائق مختلفة ألوانها بعضها بيض وبعضها غرابيب وهي سود.

يذكر قدرته وتذكيره أن الجبال مع غلظها وشدتها وارتفاعها جعلها بحيث يتطرق منها في صعودها وهبوطها، فمن قدر على هذا لا يعجزه ولا يخفى عليه شيء.

أو يذكر نعمه عليهم حيث سخرها لهم؛ ليقضوا فيها حوائجهم فيما بعد عنهم وصعب عليهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ ﴾ .

هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: أن الذي يحقّ على العالم بالله أن يكون هو يخشاه؛ لما يعلم من سلطانه وهيبته وقدرته وجلاله.

والثاني: أن العالم بالبعث والمؤمن به هو يخشى مخالفة الله في أوامره ونواهيه؛ لما يعلم من نقمته وعذابه من خالفه وعصى أمره، فأمّا من [لم] يعلم بالبعث ولم يؤمن به فلا يخافه؛ كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا  ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ ﴾ \[المؤمنون: 57\] ونحوه.

أو أن يكون قوله: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ ﴾ عباده من جملة المؤمنين؛ يقول - والله أعلم -: إنما يخشى الله من عباده المؤمنون به، المصدقون عذابه ونقمته، فأمّا من لم يؤمن به فلا يخافه كما ذكرنا في قوله: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ  ﴾ إن في ذلك لآيات لكل مؤمن، ويكون الصبار والشكور كناية عن المؤمن؛ فعلى ذلك هذا محتمل.

وقال أهل التأويل: على التقديم والتأخير، أي: أشد الناس لله خشية أعلمهم بالله، والخشية: قال الحسن: هي الخوف الدائم اللازم في القلب غير مفارق له، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾ .

قال بعضهم: العزيز: المنتقم من أعدائه، والغفور لذنوب المؤمنين.

وقال بعضهم: عزيز في ملكه ومن دونه ذليل، غفور، أي: ستور على ذنوب المؤمنين.

وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ ٱللَّهِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ ﴾ .

يحتمل ما ذكر من تلاوة الكتاب هاهنا، ما ذكر في آية أخرى قال: ﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ  ﴾ وأقاموا فيها من الأمر بالصلاة والأمر بالزكاة.

أو أن يكون قوله: ﴿ يَتْلُونَ كِتَابَ ٱللَّهِ ﴾ أي: يتبعون كتاب الله فيما فيه مما لهم ومما عليهم، يتبعون كله من الإقدام على الحلال والاجتناب على الحرام، والمشفقون بكتاب الله هم الذين اتبعوا ما فيه من إقامة الصلاة وإنفاق ما رزقوا، فأما من تلا ولم يتبع ما فيه فكأنه لم يتل، وهو كما نفى عنهم هذه الحواس من البصر والسمع واللسان وغيره؛ لتركهم الانتفاع بها وإن كانت لهم تلك الحواس حقيقة، وأثبتها للمؤمن لما انتفع بها وإن لم تكن له تلك حقيقة؛ فعلى ذلك يحتمل الأول، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً ﴾ في كل حال وكل وقت لا يتركون الإنفاق على كل حال؛ كقوله: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ  ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ  ﴾ ، أي: ينفقون على كل حال.

ويحتمل: فلينفقوا مما رزقناهم ﴿ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً ﴾ ، أي: يتصدقون الصدقة ظاهراً وباطناً، أي: ما ظهر للناس وعلموا به، وما خفي عنهم واستتر؛ لما قصدوا بها وجه الله لا مراءاة الخلق، فمن كان قصده بالخيرات وجه الله لا مراءاة الخلق، فعلمهم به وجهلهم سواء، لا يمتنع عن ذلك أبداً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ ﴾ .

سمى ما يبذل العبد لله: تجارة، وإن كان ذلك له في الحقيقة لطفاً منه وإحساناً، وكذلك ما ذكر من إيفاء الأجر لهم على أعمالهم حيث قال: ﴿ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ ﴾ ، وذلك ليس في الحقيقة أجراً لما يستوجبون الأجر قبله بتلك الأعمال؛ لما عليهم من الشكر فيما أنعم عليهم من أنواع النعم، ومتى يفرغون عن شكر ما أنعم عليهم حتى يكون ذلك أجراً لهم، لكنه - عز وجل - بفضله وإنعامه وعد لهم الثواب والأجر على حسناتهم وأعمالهم الصالحات؛ إفضالا منه وإنعاماً منه، وسمى ذلك: تجارة كأن ليس ذلك له في الحقيقة؛ ترغيباً منه الخلق في ذلك وتحريضاً لهم على ذلك، والله أعلم.

﴿ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ﴾ على ذلك أيضاً.

وقوله: ﴿ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ غَفُورٌ ﴾ أي: ستور لمساويهم، ﴿ شَكُورٌ ﴾ أي: مظهر لحسناتهم بإدخاله إياهم الجنة؛ ليعلم أحد أنه كان محسناً لا مسيئاً.

أو ﴿ غَفُورٌ ﴾ : يتجاوز عن مساوئهم، ﴿ شَكُورٌ ﴾ : يقبل اليسير من العمل القليل منهم [و] يجزيهم على ذلك الجزيل من الثواب، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لَّن تَبُورَ ﴾ .

قال أبو عوسجة والقتبي: ﴿ لَّن تَبُورَ ﴾ أي: لن تفنى أو لن تكسد، يقال: بارت التجارة تبور فهي بائرة: إذا كسدت.

﴿ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ ﴾ : من الإيفاء، يقال: أوفيته حقه، أي: أعطيته [حقه] كله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ليوفيهم الله ثواب أعمالهم كاملة، ويزيدهم من فضله، فهو أهل لذلك، إنه سبحانه غفور لذنوب المتصفين بهذه الصفات، شكور لأعمالهم الحسنة.

من فوائد الآيات نفي التساوي بين الحق وأهله من جهة، وبين الباطل وأهله من جهة أخرى.

كثرة عدد الرسل عليهم السلام قبل رسولنا  دليل على رحمة الله وعناد الخلق.

إهلاك المكذبين سُنَّة إلهية.

صفات الإيمان تجارة رابحة، وصفات الكفر تجارة خاسرة.

<div class="verse-tafsir" id="91.NJG9A"

مزيد من التفاسير لسورة فاطر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله