الإسلام > القرآن > سور > سورة 35 فاطر > الآية ٣٦ من سورة فاطر
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 71 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٣٦ من سورة فاطر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
لما ذكر تعالى حال السعداء ، شرع في بيان مآل الأشقياء ، فقال : ( والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ) ، كما قال تعالى : ( لا يموت فيها ولا يحيا ) [ طه : 74 ] .
وثبت في صحيح مسلم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أما أهل النار الذين هم أهلها ، فلا يموتون فيها ولا يحيون " .
قال [ الله ] تعالى : ( ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون ) [ الزخرف : 77 ] .
فهم في حالهم ذلك يرون موتهم راحة لهم ، ولكن لا سبيل إلى ذلك ، قال الله تعالى : ( لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها ) ، كما قال تعالى : ( إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون ) [ الزخرف : 74 ، 75 ] ، وقال ( كلما خبت زدناهم سعيرا ) [ الإسراء : 97 ] ( فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا ) [ النبأ : 30 ] .
ثم قال : ( كذلك نجزي كل كفور ) أي : هذا جزاء كل من كفر بربه وكذب بالحق .
القول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36) يقول تعالى ذكره (وَالَّذِينَ كَفَرُوا) بالله ورسوله (لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ) يقول: لهم نار جهنم مخلدين فيها لا حظ لهم في الجنة ولا نعيمها.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ ) بالموت (فَيَمُوتُوا)، لأنهم لو ماتوا لاستراحوا( وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا ) يقول: ولا يخفف عنهم من عذاب نار جهنم بإماتتهم، فيخفف ذلك عنهم.
كما حدثني مطرَّف بن عبد الله الضَّبِّي قال: ثنا أَبو قتيبة قال ثنا أَبو هلال الراسبي عن قتادة عن أَبي السوداء قال: مساكين أهل النار لا يموتون، لو ماتوا لاستراحوا.
حدثني عقبة بن سنان القزاز قال: ثنا غسان بن مضر قال: ثنا سعيد بن يزيد وحدثني يعقوب قال: ثنا ابن علية عن سعيد بن يزيد، وحدثنا سَوَّار بن عبد الله قال: ثنا بشر بن المفضل، ثنا أَبو سلمة عن أَبي نضرة عن أَبي سعيد قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، لكنَّ ناسًا، أو كما قال، تُصيبهمُ النارُ بذنوبِهم، أو قال: بخطاياهم، فَيُمِيتُهم إماتةً حتى إذا صاروا فَحْمًا أذن في الشفاعة، فجيء بهم ضَبَائرَ ضَبَائرَ، فَبُثُّوا على أهل الجنة، فقال: يا أهلَ الجنة أفِيضُوا عليهم فَيَنْبُتُون كما تَنْبُتُ الحبة في حَمِيلِ السيل " فقال رجل من القوم حينئذٍ: كأن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قد كان بالبادية .
فإن قال قائل: وكيف قيل ( وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا ) وقد قيل في موضع آخر كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ؟
قيل: معنى ذلك: ولا يخفف عنهم من هذا النوع من العذاب.
وقوله ( كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ) يقول تعالى ذكره: هكذا يكافِئ كل جحود لنعم ربه يوم القيامة؛ بأن يدخلهم نار جهنم بسيئاتهم التي قدموها في الدنيا.
قوله تعالى : والذين كفروا لهم نار جهنم لما ذكر أهل الجنة وأحوالهم ومقالتهم ،[ ص: 315 ] ذكر أهل النار وأحوالهم ومقالتهم .
لا يقضى عليهم فيموتوا مثل : لا يموت فيها ولا يحيا .
ولا يخفف عنهم من عذابها مثل : كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب .
كذلك نجزي كل كفور أي كافر بالله ورسوله .وقرأ الحسن ( فيموتون ) بالنون ، ولا يكون للنفي حينئذ جواب ، ويكون ( فيموتون ) عطفا على ( يقضى ) تقديره لا يقضى عليهم ولا يموتون ; كقوله تعالى : ولا يؤذن لهم فيعتذرون .
قال الكسائي : ولا يؤذن لهم فيعتذرون بالنون في المصحف لأنه رأس آية لا يقضى عليهم فيموتوا لأنه ليس رأس آية .
ويجوز في كل واحد منهما ما جاز في صاحبه .
لما ذكر تعالى حال أهل الجنة ونعيمهم، ذكر حال أهل النار وعذابهم فقال: { وَالَّذِينَ كَفَرُوا } أي: جحدوا ما جاءتهم به رسلهم من الآيات، وأنكروا لقاء ربهم.{ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ } يعذبون فيها أشد العذاب، وأبلغ العقاب.
{ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ } بالموت { فَيَمُوتُوا } فيستريحوا، { وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا } فشدة العذاب وعظمه، مستمر عليهم في جميع الآنات واللحظات.{ كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ{
قوله تعالى : ( والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ) أي : لا يهلكون فيستريحوا كقوله - عز وجل - : " فوكزه موسى فقضى عليه " ( الشعراء - 15 ) ، أي : قتله .
وقيل : لا يقضى عليهم الموت فيموتوا ، كقوله : " ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك " ( الزخرف - 77 ) ، أي : ليقض علينا الموت فنستريح ( ولا يخفف عنهم من عذابها ) من عذاب النار ( كذلك نجزي كل كفور ) كافر ، قرأ أبو عمرو : " يجزى " بالياء وضمها وفتح الزاي ، " كل " رفع على غير تسمية الفاعل ، وقرأ الآخرون بالنون وفتحها وكسر الزاي ، " كل " نصب .
«والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم» بالموت «فيموتوا» يستريحوا «ولا يُخفف عنهم من عذابها» طرفة عين «كذلك» كما جزيناهم «يجزِى كلَّ كفورِ» كافر بالياء والنون المفتوحة مع كسر الزاي ونصب كل.
والذين كفروا بالله ورسوله لهم نار جهنم الموقدة، لا يُقْضى عليهم بالموت، فيموتوا ويستريحوا، ولا يُخَفَّف عنهم مِن عذابها، ومثل ذلك الجزاء يجزي الله كلَّ متمادٍ في الكفر مُصِرٍّ عليه.
وبعد هذا البيان البليغ يشرح الصدور لحسن عاقبة المفحلين ، ساقت السورة الكريمة حال الكافرين ، وما هم فيه من عذاب مهين ، فقال - تعالى - : ( والذين كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ .
.
.
بِذَاتِ الصدور ) .اى : ( والذين كَفَرُواْ ) فى الدنيا بكل ما يجب الإِيمان به ( لَهُمْ ) فى الآخرة ( نَارُ جَهَنَّمَ ) يعذبون فيها تعذيباً أليماً .ثم بين - سبحانه - حالهم فى جهنم فقال : ( لاَ يقضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا ) أى : لا يحكم عليهم فيما بالموت مرة أخرى كما ماتوا بعد انقضاء آجالهم فى الدنيا ، وبذلك يستريحون من العذب .
ولا يخفف عنهم من عذاب جهنم ، بل هى كلمات خبت أو هدأ لهيبها ، عادت مرة أخرى إلى شدتها ، وازدادت سعيرا .والمراد أنهم باقون فى العذاب الأليم بدون موت ، أو حياة يستريحون فيها .( كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ) أى : مثل هذا الجزاء الرادع الفظيع ، نجرى فى الآخرة ، كل شخص كان فى الدنيا شديد الجحود والكفران آيات ربه ، الدالة على وحدانيته وقدرته .
.
ثم قال تعالى: ﴿ والذين كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ ﴾ عطف على قوله: ﴿ إِنَّ الذين يَتْلُونَ كتاب الله ﴾ وما بينهما كلام يتعلق بالذين يتلون كتاب الله على ما بينا وقوله: ﴿ جنات عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا ﴾ قد ذكرنا أنه على بعض الأقوال راجع إلى ﴿ الذين يَتْلُونَ كتاب الله ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ ﴾ أي لا يستريحون بالموت بل العذاب دائم.
وقوله تعالى: ﴿ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ﴾ أي النار وفيه لطائف: الأولى: أن العذاب في الدنيا إن دام كثيراً يقتل فإن لم يقتل يعتاده البدن ويصير مزاجاً فاسداً متمكناً لا يحس به المعذب، فقال عذاب نار الآخرة ليس كعذاب الدنيا، إما أن يفنى وإما أن يألفه البدن بل هو في كل زمان شديد والمعذب فيه دائم الثانية: راعى الترتيب على أحسن وجه وذلك لأن الترتيب أن لا ينقطع العذاب، ولا يفتر فقال لا ينقطع ولا بأقوى الأسباب وهو الموت حتى يتمنون الموت ولا يجابون كما قال تعالى: ﴿ وَنَادَوْاْ يامالك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ﴾ أي بالموت الثالثة: في المعذبين اكتفى بأنه لا ينقص عذابهم، ولم يقل نزيدهم عذاباً.
وفي المثابين ذكر الزيادة بقوله: ﴿ وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ ﴾ ثم لما بين أن عذابهم لا يخفف.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الكتاب ﴾ القرآن.
ومن للتبيين أو الجنس.
و (من) للتبعيض ﴿ مُصَدّقاً ﴾ حال مؤكدة؛ لأنّ الحق لا ينفك عن هذا التصديق ﴿ لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ لما تقدّمه من الكتب ﴿ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ يعني أنه خبرك وأبصر أحوالك، فرآك أهلاً لأن يوحي إليك مثل هذا الكتاب المعجز الذي هو عيار على سائر الكتب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ والضَّمِيرُ لِلثَّلاثَةِ أوْ لِـ ( الَّذِينَ ) أوْ لِلْـ ( مُقْتَصِدٌ ) والـ ( سابِقٌ )، فَإنَّ المُرادَ بِهِما الجِنْسُ وقُرِئَ «جَنَّةُ عَدْنٍ» و «جَنّاتِ عَدْنٍ» مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ( يُدْخَلُونَها ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
﴿ يُحَلَّوْنَ فِيها ﴾ خَبَرٌ ثانٍ أوْ حالٌ مُقَدَّرَةٌ، وقُرِئَ ( يُحَلَّوْنَ ) مِن حَلِيَتِ المَرْأةُ فَهي حالِيَةٌ.
﴿ مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ﴾ ( مِن ) الأُولى لِلتَّبْعِيضِ والثّانِيَةُ لِلتَّبْيِينِ.
﴿ وَلُؤْلُؤًا ﴾ عُطِفَ عَلى ( ذَهَبٍ ) أيْ ( مِن ذَهَبٍ ) مُرَصَّعٍ بِاللُّؤْلُؤِ، أوْ ( مِن ذَهَبٍ ) في صَفاءِ اللُّؤْلُؤِ ونَصَبَهُ نافِعٌ وعاصِمٌ رَحِمَهُما اللَّهُ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ﴿ مِن أساوِرَ ﴾ .
﴿ وَلِباسُهم فِيها حَرِيرٌ ﴾ .
﴿ وَقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ ﴾ هَمَّهم مِن خَوْفِ العاقِبَةِ، أوْ هَمَّهم مِن أجْلِ المَعاشِ وآفاتِهِ أوْ مِن وسْوَسَةِ إبْلِيسَ وغَيْرِها، وقُرِئَ ( الحُزْنَ ) .
( وإنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ ) لِلْمُذْنِبِينَ.
﴿ شَكُورٌ ﴾ لِلْمُطِيعِينَ.
﴿ الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ ﴾ دارَ الإقامَةِ.
﴿ مِن فَضْلِهِ ﴾ مِن إنْعامِهِ وتَفَضُّلِهِ إذْ لا واجِبَ عَلَيْهِ.
﴿ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ ﴾ تَعَبٌ.
﴿ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ ﴾ كَلالٌ، إذْ لا تَكْلِيفَ فِيها ولا كَدَّ، أتْبَعَ نَفْيَ النَّصَبِ نَفْيَ ما يَتْبَعُهُ مُبالَغَةً.
<div class="verse-tafsir"
{والذين كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يقضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ} جواب النفي ونصبه بإضمار أن أي لا يقضى عليهم بموت ثانٍ فيستريحوا {وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مّنْ عَذَابِهَا} من عذاب نار جهنم كذلك مثل ذلك الجزاء {نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ} يجزى كُلَّ كَفُورٍ أبو عمرو
﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ لا يُحْكَمُ عَلَيْهِمْ بِمَوْتٍ ثانٍ ﴿ فَيَمُوتُوا ﴾ لِيَسْتَرِيحُوا بِذَلِكَ مِن عَذابِها بِالكُلِّيَّةِ، وإنَّما فُسِّرَ لا يُقْضى بِما ذُكِرَ دُونَ لا يَمُوتُونَ لِئَلّا يَلْغُوا فَيَمُوتُوا، ويُحْتاجُ إلى تَأْوِيلِهِ بِ يَسْتَرِيحُوا.
ونَصْبُ يَمُوتُوا في جَوابِ النَّفْيِ بِإضْمارِ أنْ، والمُرادُ اِنْتِفاءُ المُسَبَّبِ لِانْتِفاءِ السَّبَبِ أيْ ما يَكُونُ حُكْمٌ بِالمَوْتِ فَكَيْفَ يَكُونُ المَوْتُ.
وقَرَأ عِيسى والحَسَنُ «فَيَمُوتُونَ» بِالنُّونِ عَطْفًا كَما قالَ أبُو عُثْمانَ المازِنِيُّ عَلى ﴿ يُقْضى ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ ﴾ أيْ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ ولا يَمُوتُونَ ﴿ ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها ﴾ المَعْهُودِ لَهم بَلْ كُلَّما خَبَتْ زِيدَ إسْعارُها، والمُرادُ دَوامُ العَذابِ فَلا يُنافِي تَعْذِيبَهم بِالزَّمْهَرِيرِ ونَحْوِهِ، ونائِبُ فاعِلِ يُخَفَّفُ ﴿ عَنْهُمْ ﴾ و ﴿ مِن عَذابِها ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ ويَجُوزُ العَكْسُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مِن زائِدَةً فَيَتَعَيَّنُ رَفْعُ مَجْرُورِها عَلى أنَّهُ النّائِبُ عَنِ الفاعِلِ عَلى ما قالَ أبُو البَقاءِ وقَرَأ عَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو «ولا يُخَفَّفْ» بِإسْكانِ الفاءِ، شَبَّهَ المُنْفَصِلَ بِالمُتَّصِلِ كَقَوْلِهِ: فاليَوْمَ أشْرَبُ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ الفَظِيعِ ﴿ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ﴾ مُبالِغٍ في الكُفْرِ أوِ الكُفْرانِ لا جَزاءَ أخَفُّ وأدْنى مِنهُ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وأبُو حاتِمٍ عَنِ نافِعٍ «يُجْزى» بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ و«كُلُّ» بِالرَّفْعِ عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ وقُرِئَ «نُجازِي» بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ وألِفٍ بَعْدَ الجِيمِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: جَنَّاتُ عَدْنٍ يعني: لهم جنات عدن أي دار الإقامة يقال عدن يعدن إذا أقام قرأ أبو عمرو وابن كثير في إحدى الروايتين يَدْخُلُونَها بضم الياء، وفتح الخاء على معنى فعل ما لم يسم فاعله.
وقرأ الباقون يَدْخُلُونَها على معنى أن الفعل لهم يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ يعني: يلبسون الحلي من أساور مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً قرأ نافع وعاصم وَلُؤْلُؤاً بالنصب ومعناه: يحلون أساور ولؤلؤاً.
وقرأ الباقون بالكسر يعني: من ذهب ومن لؤلؤ.
ثم قال: وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ يعني: لباسهم في الجنة من حرير الجنة لا كحرير الدنيا.
قوله عز وجل: وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ يعني: حزن الموت وحزن خوف الخاتمة.
ويقال: همّ العيش.
ويقال: همّ المرور على الصراط إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ يغفر الذنوب شَكُورٌ يقبل اليسير من العمل ويعطي الجزيل عز وجل الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ يعني: الحمد لله الذي أنزلنا دار الخلود والمقامة.
والمقام بمعنى واحد يعني: الإقامة والدوام من فضله وكرمه لاَ يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ يعني: لا يصيبنا تعب وعناء وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ يعني: لا يصيبنا فيها من أعباء كما يصيبنا في الدنيا.
ثم بين حال المشركين في النار: <div class="verse-tafsir"
الرَّجُلُ عَلَى الرَّجُلِ فَيَقُولُ: أَمَا تَذْكُرُ يَوْمَ نَاوَلْتُكَ طَهُوراً؟
فَيَشْفَعُ لَهْ» ، قال ابن نُمَيْرٍ:
«وَيَقُولُ: يَا فُلاَنٌ أَما تَذْكُرُ يَوْمَ بعَثَتْنِي لِحَاجَةِ كَذَا وَكَذَا، فَذَهَبْتُ لَكَ؟
فَيَشْفَعُ لَهُ» «١» .
وخرجه الطحاوي وابن وضاح بمعناه، انتهى من «التذكرة» .
وقوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا ...
الآيةُ: أَوْرَثْنَا معناه:
أعطيناه فرقةً بعد موتِ فرقة، والْكِتابَ هنا يريد به: معانيَ الكتابِ، وعلمَه، وأحكامَه، وعقائدَه، فكأن اللهَ تعالى لمّا أعطى أمَة محمد صلى الله عليه وسلّم القرآنَ وهو قد تضمَّن معانيَ الكُتُبِ المنزَّلةِ قَبْلَه فكأنه وَرَّثَ أمَّة محمد الكتابَ الذي كان في الأمم قبلَها.
قال ابْنُ عَطَاءَ الله في «التنوير» : قال الشيخ أبو الحسنِ الشاذليُّ- رحمه الله تعالى-: أَكْرِمِ المؤمنين وإن كانوا عصاةً فاسقينَ، وَأَمْرُهُمْ بالمعروف، وانههم عن المنكر، واهجرهم رحمة بهم لا تعزُّزاً عليهم، فلو كُشِفَ عن نور المؤمن العاصي، لَطَبَّقَ السماء والأرض، فما ظنّك بنور المؤمن المطيع، ويكفيكَ في تعظيم المؤمنين- وإن كانوا عن الله غافلينَ- قولُ ربِّ العالمينَ: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ فانظر كيف أثبت لهم الاصطفاءَ مع وجود ظلمِهم، واعلم أنّه لا بد في مملكتِه من عبادٍ هُمْ نصيبُ الحِلْم، ومحلُّ ظهور الرحمة والمغفرة، ووقوع الشفاعة، انتهى.
والَّذِينَ اصْطَفَيْنا يريد بهم أمّة محمد صلى الله عليه وسلّم.
قاله ابن عباس وغيره «٢» .
واصْطَفَيْنا معناه: اخترنا وفضَّلنا، والعبادُ عامُّ في جميع العَالم، واخْتُلِفَ في عَوْدِ الضمير من قوله: فَمِنْهُمْ فقال ابن عباس وغيره ما مقتضاه: إن الضمير عائد على
الَّذِينَ اصْطَفَيْنا وإن الأصنَافَ الثلاثةَ هِي كلُّها في أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلّم «١» ، فالظالمُ لنفسِه:
العاصي المسرفُ، والمقتصدُ: متقي الكبائرِ، وَهُمْ جمهور الأمَّة، والسَّابق: المتقي على الإطلاق، وقالت هذه الفرقة: الأصناف الثلاثة في الجنة، وقاله أبو سعيد الخدري «٢» ، والضمير في يَدْخُلُونَها عائد على الأصناف الثلاثة، قالت عائشة- رضي الله عنها- وكعب- رضي الله عنه-: دخولها كلُّهمْ ورَبِّ الكَعْبَة «٣» ، وقال أبو إسحاق السبيعي: أما الذي سمعت منذ ستين سنة فكلُّهم «٤» ناجٍ.
وقال ابن مسعود: هذه الأمة يوم القيامة أثلاث: ثلثٌ: يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث: يحاسبون حساباً يسيراً ثم يدخلون الجنة، وثلث: يجيئون بذنوب عظام فيقول الله- عز وجل-: ما هؤلاء؟
- وهو أعلم بهم- فتقول الملائكة: هم مذنبون إلا أنهم لم يشركوا فيقول- عز وجل- أدخلوهم في سعة رحمتي «٥» .
وروى أسامة بن زيد أن النبيّ صلى الله عليه وسلّم قَرَأَ هذه الآيَةَ وَقَالَ: «كُلُّهُمْ في الجَنَّةِ» وقرأ عمر هذه الآية، ثم قال/: قال ٨٤ ب رسول الله صلى الله عليه وسلّم سابِقُنَا سَابِقٌ، ومُقْتَصِدُنَا نَاجٍ، وَظَالِمُنَا مَغْفُور له» «٦» وقال عكرمة والحسن وقتادة «٧» ما مقتضاه: أن الضمير في مِنْهُمْ عائدٌ على العباد، فالظَّالِم لنفسه: الكافرُ، والمقتصد: المؤمن العاصي، والسابق: التقي على الإطلاق «٨» .
وقالوا هذه الآية نظير قوله
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ ﴾ في " ثُمَّ " وجْهانِ؛ أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى الواوِ، والثّانِي: أنَّها لِلتَّرْتِيبِ.
والمَعْنى: أنْزَلْنا الكُتُبَ المُتَقَدِّمَةَ، ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ ﴿ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا ﴾ وفِيهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ وأتْباعُهُمْ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَفِي الكِتابِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ والمُرادُ بِهِ الكُتُبُ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا يُخَرَّجُ عَلى القَوْلَيْنِ.
فَإنْ قُلْنا: الَّذِينَ اصْطُفُوا أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، فَقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ اللَّهَ أوْرَثَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ كُلَّ كِتابٍ أنْزَلَهُ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: ومَعْنى ذَلِكَ: أوْرَثَهُمُ الإيمانَ بِالكُتُبِ كُلِّها- وجَمِيعُ الكُتُبِ تَأْمُرُ بِاتِّباعِ القُرْآنِ- فَهم مُؤْمِنُونَ بِها عامِلُونَ بِمُقْتَضاها؛ واسْتَدَلَّ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ: ﴿ والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ هو الحَقُّ ﴾ وأتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ ﴾ فَعَلِمْنا أنَّهم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، إذْ كانَ مَعْنى المِيراثِ: انْتِقالَ شَيْءٍ مِن قَوْمٍ، إلى قَوْمٍ ولَمْ تَكُنْ أُمَّةٌ عَلى عَهْدِ نَبِيِّنا انْتَقَلَ إلَيْهِمْ كِتابٌ مِن قَوْمٍ كانُوا قَبْلَهم غَيْرُ أُمَّتِهِ.
فَإنْ قُلْنا: هُمُ الأنْبِياءُ وأتْباعُهُمْ، كانَ المَعْنى: أوْرَثْنا كُلَّ كِتابٍ أُنْزِلَ عَلى نَبِيٍّ ذَلِكَ النَّبِيَّ وأتْباعَهُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ القُرْآنُ.
وَفِي مَعْنى ﴿ أوْرَثْنا ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أعْطَيْنا، لِأنَّ المِيراثَ عَطاءٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: أخَّرْنا، ومِنهُ المِيراثُ، لِأنَّهُ تَأخَّرَ عَنِ المَيِّتِ فالمَعْنى: أخَّرْنا القُرْآنَ عَنِ الأُمَمِ السّالِفَةِ وأعْطَيْناهُ هَذِهِ الأُمَّةَ، إكْرامًا لَها، ذَكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ المَعانِي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ صاحِبُ الصَّغائِرِ؛ رَوى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: " سابِقُنا سابِقٌ، ومُقْتَصِدُنا ناجٍ، وظالِمُنا مَغْفُورٌ لَهُ» " .
ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ: " كُلُّهم في الجَنَّةِ "» .
والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي ماتَ عَلى كَبِيرَةٍ ولَمْ يَتُبْ مِنها، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الكافِرُ، رَواهُ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَدْ رَواهُ ابْنُ عُمَرَ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ .
فَعَلى هَذا يَكُونُ الِاصْطِفاءُ لِجُمْلَةِ مَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ الكِتابُ، كَما قالَ: ﴿ وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ ﴾ أيْ: لَشَرَفٌ لَكُمْ، وكَمْ مِن مُكْرَمٍ لَمْ يَقْبَلِ الكَرامَةَ!
والرّابِعُ: أنَّهُ المُنافِقُ: حُكِيَ عَنِ الحَسَنِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: الظّالِمُ: الَّذِي تَرْجَحُ سَيِّئاتُهُ عَلى حَسَناتِهِ، والمُقْتَصِدُ: الَّذِي قَدِ اسْتَوَتْ حَسَناتُهُ وسَيِّئاتُهُ، والسّابِقُ: مَن رَجَحَتْ حَسَناتُهُ.
ورُوِيَ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ: سابِقُنا أهْلُ جِهادِنا، ومُقْتَصِدُنا أهْلُ حَضَرِنا، وظالِمُنا أهْلَ بَدْوِنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنهم سابِقٌ ﴾ وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: " سَبّاقٌ " مِثْلُ: فَعّالٍ ﴿ بِالخَيْراتِ ﴾ أيْ: بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ إلى الجَنَّةِ، أوْ إلى الرَّحْمَةِ ﴿ بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ أيْ: بِإرادَتِهِ وأمْرِهِ ﴿ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ ﴾ يَعْنِي إيراثَهُمُ الكِتابَ.
ثُمَّ أخْبَرَ بِثَوابِهِمْ، فَجَمَعَهم في دُخُولِ الجَنَّةِ فَقالَ: ﴿ جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: " يُدْخَلُونَها " بِضَمِّ الياءِ؛ وفَتَحَها الباقُونَ وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: (وَلُؤْلُؤًا) بِالنَّصْبِ.
ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ كانَ يَهْمِزُ الواوَ الثّانِيَةَ ولا يَهْمِزُ الأُولى؛ وفي رِوايَةٍ أُخْرى أنَّهُ كانَ يَهْمِزُ الأُولى ولا يَهْمِزُ الثّانِيَةَ.
والآيَةُ مُفَسَّرَةٌ في سُورَةِ (الحَجِّ: ٢٣) .
قالَ كَعْبٌ: تَحاكَّتْ مَناكِبُهم ورَبِّ الكَعْبَةِ، ثُمَّ أُعْطُوا الفَضْلَ بِأعْمالِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُمَّ أورَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللهِ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ ﴾ ﴿ جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ ﴾ ﴿ وَقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ ﴿ "أورَثْنا" ﴾ مَعْناهُ: أعْطَيْناهُ فِرْقَةً بَعْدَ مَوْتِ فِرْقَةٍ، والمِيراثُ - حَقِيقَةً أو مَجازًا - إنَّما يُقالُ فِيما صارَ لِإنْسانٍ بَعْدَ مَوْتِ آخَرَ، والكِتابُ هُنا يُرِيدُ بِهِ مَعانِيَ الكِتابِ وعِلْمِهِ وأحْكامِهِ وعَقائِدِهِ، فَكَأنَّ اللهَ تَعالى لَمّا أعْطى أُمَّةَ مُحَمَّدٍ القُرْآنَ - وهو قَدْ تَضَمَّنَ مَعانِيَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ قَبْلَهُ - فَكَأنَّهُ ورَّثَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ الكِتابَ الَّذِي كانَ في الأُمَمِ قَبْلَهم.
و ﴿ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا ﴾ يُرِيدُ بِهِمْ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ، وكَأنَّ اللَفْظَ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ مِن كُلِّ أُمَّةٍ إلّا أنَّ عِبارَةَ تَوْرِيثِ الكِتابِ لَمْ تَكُنْ إلّا لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ، والأُوَلُ لَمْ يُوَرَّثُوهُ.
و"اصْطَفَيْنا": اخْتَرْنا وفَضَّلْنا، و"العِبادُ" عامٌّ في جَمِيعِ العالَمِ، مُؤْمِنِهِمْ وكافِرِهِمْ.
واخْتَلَفَ الناسُ في عَوْدِ الضَمِيرِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمِنهُمْ ﴾ ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهم ما مُقْتَضاهُ أنَّ الضَمِيرَ عائِدٌ عَلى "الَّذِينَ"، والأصْنافُ الثَلاثَةُ هي كُلُّها في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَواتُ اللهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ، فـَ"الظالِمُ لِنَفْسِهِ": العاصِي المُسْرِفُ.
و"المُقْتَصِدُ": مُتَّقِي الكَبائِرِ، وهَوَ الجُمْهُورُ مِنَ الأُمَّةِ، و"السابِقُ": المُتَّقِي عَلى الإطْلاقِ، وقالَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ: والأصْنافُ الثَلاثَةُ في الجَنَّةِ، وقالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والضَمِيرُ في ﴿ "يَدْخُلُونَها" ﴾ عائِدٌ عَلى الأصْنافِ الثَلاثَةِ، قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنها: دَخَلُوا الجَنَّةَ كُلُّهُمْ، وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: اسْتَوَتْ مَناكِبُهم ورَبِّ الكَعْبَةِ وتَفاضَلُوا بِأعْمالِهِمْ، وفي رِوايَةٍ: تَحاكَّتْ مَناكِبُهُمْ، وقالَ أبُو إسْحَقٍ السَبِيعِيُّ: أمّا الَّذِي سَمِعَتُ مُذْ سِتِّينَ سَنَةٍ، فَكُلُّهم ناجٍ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَذِهِ الأُمَّةُ يَوْمَ القِيامَةِ أثْلاثٌ: ثُلْثٌ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ، وثُلُثٌ يُحاسِبُونَ حِسابًا يَسِيرًا ثُمَّ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، وثُلُثٌ يَجِيئُونَ بِذُنُوبٍ عِظامٍ، فَيَقُولُ اللهُ: ما هَؤُلاءِ؟
- وهو أعْلَمُ بِهِمْ - فَتَقُولُ المَلائِكَةُ: هم مُذْنِبُونَ إلّا أنَّهم لَمْ يُشْرِكُوا، فَيَقُولُ عَزَّ وجَلَّ: أدْخِلُوهم في سَعَةِ رَحْمَتِي، وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: السابِقُ مَن أُسَلَمَ قَبْلَ الهِجْرَةِ، والمُقْتَصِدُ مَن أسْلَمَ بَعْدَها، والظالِمُ نَحْنُ، وقالَ الحَسَنُ: السابِقُ مَن رَجَحَتْ حَسَناتُهُ، والمُقْتَصِدُ مَنِ اسْتَوَتْ بِسَيِّئاتِهِ، والظالِمُ مَن خَفَّتَ مَوازِينُهُ، وقالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: السابِقُ العالِمُ، والمُقْتَصِدُ المُتَعَلِّمُ، والظالِمُ الجاهِلُ.
وقالَ ذُو النُونِ: الظالِمُ الذاكِرُ لِلَّهِ بِلِسانِهِ فَقَطْ، والمُقْتَصِدُ الذاكِرُ بِقَلْبِهِ، والسابِقُ الَّذِي لا يَنْساهُ.
وقالَ الأنْطاكِيُّ: الظالِمُ صاحِبُ الأقْوالِ، والمُقْتَصِدُ صاحِبُ الأفْعالِ، والسابِقُ صاحِبُ الأحْوالِ، ورَوى أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ «أنَّ النَبِيَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وقالَ: "كُلُّهم في الجَنَّةِ"،»«وَقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ : "سابِقُنا سابِقٌ، ومُقْتَصِدُنا ناجٍ، وظالِمُنا مَغْفُورٌ لَهُ"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "أنا سابِقُ العَرَبِ، وسَلْمانُ سابِقُ الفُرْسِ، وصُهَيْبٌ سابِقُ الرُومِ، وبِلالٌ سابِقُ الحَبَشَةِ"،» أرادَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنَّ هَؤُلاءِ رُؤُوسُ السابِقِينَ، وقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "سابِقُنا أهْلُ جِهادٍ، ومُقْتَصِدُنا أهْلُ حَضَرِنا، وظالِمُنا أهُلَ بَدْوِنا، لا يَشْهَدُونَ جَماعَةً ولا جُمُعَةً".
وقالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والحُسْنُ، ما مُقْتَضاهُ أنَّ الضَمِيرَ في "مِنهُمْ" عائِدٌ عَلى "العِبادِ"، والظالِمُ لِنَفْسِهِ: الكافِرُ والمُنافِقُ، والمُقْتَصِدُ: المُؤْمِنُ العاصِي، والسابِقُ: التَقِيُّ عَلى الإطْلاقِ، قالُوا: وهَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً ﴾ والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "يَدْخُلُونَها" ﴾ - عَلى هَذا القَوْلِ - خاصٌّ عَلى الفِرْقَتَيْنِ: المُقْتَصِدُ والسابِقُ، والفِرْقَةُ الظالِمَةُ في النارِ، قالُوا: وبَعِيدٌ أنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُصْطَفى ظالِمٌ كَما يَقْتَضِي التَأْوِيلُ الأوَّلُ، ورُوِيَ هَذا القَوْلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: قَدَّمَ الظالِمَ لِأنَّهُ لا يَتَّكِلُ إلّا عَلى رَحْمَةِ اللهِ، والمُقْتَصِدُ هو المُعْتَدِلُ في أُمُورِهِ، لا يُسْرِفُ في جِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ، بَلْ يَلْزَمُ الوَسَطَ.
وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "خَيْرُ الأُمُورِ أوساطُها".» وقالَتْ فُرْقَةٌ - لا مَعْنى لِقَوْلِها -: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا ﴾ هُمُ الأنْبِياءُ، والظالِمُ لِنَفْسِهِ مِنهم مَن وقَعَ في صَغِيرَةٍ، وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ مِن غَيْرِ ما وجْهٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "سابِقٌ بِالخَيْراتِ"، ﴾ وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: "سَبّاقٌ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِإذْنِ اللهِ ﴾ مَعْناهُ: بِأمْرِهِ ومَشِيئَتِهِ فِيمَن أحَبَّ مِن عِبادِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ ﴾ إشارَةٌ إلى الِاصْطِفاءِ وما يَكُونُ عنهُ مِنَ الرَحْمَةِ.
وقالَ الطَبَرَيُّ: السُبُوقُ بِالخَيِّراتِ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ، قالَ في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: جَمَعَهم في دُخُولِ الجَنَّةِ لِأنَّهُ مِيراثٌ، والبارُّ والعاقُّ سَواءٌ في المِيراثِ مَعَ صِحَّةِ النَسَبِ، فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ مَعَ صِحَّةِ الإيمانِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "جَنّاتُ" بِالرَفْعِ عَلى البَدَلِ مِنَ "الفَضْلُ"، وقَرَأ الجَحْدَرَيُّ: [جَنّاتِ] بِالنَصْبِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ﴿ "يَدْخُلُونَها"، ﴾ وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ: "جَنَّةُ عَدْنٍ" عَلى الإفْرادِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "يُدْخَلُونَها" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَجْهُولِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الخاءِ.
و"أساوِرَ" جَمْعُ أسْوِرَةٍ، وأسْوِرَةٌ جَمْعُ سِوارٍ، بِضَمِّ السِينِ وكَسْرِها، وفي حِرَفِ أبِيٍّ [أساوِيرَ]، وهو جَمْعُ أسْوارٍ، وقَدْ يُقالُ ذَلِكَ في الحُلِيِّ، ومَشْهُورُ أسْوارٍ أنَّهُ الجَيِّدُ الرَمْيِ مِن جُنْدِ الفُرْسِ، و"يُحَلَّوْنَ" مَعْناهُ: نِساءً ورِجالًا، وقَرَأ عاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "وَلُؤْلُؤًا" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى "أساوِرَ"، وكانَ عاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - يَقْرَأُ: "وَلُولُؤًا" بِسُكُونِ الواوِ الأُولى دُونَ هَمْزٍ وبِهَمْزِ الثانِيَةِ، ورُوِيَ عنهُ ضِدُّ هَذا، وقَرَأ الباقُونَ: "وَلُؤْلُؤٍ" بِالهَمْزِ وبِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى ﴿ "أساوِرَ".
﴾ و"الحَزَنُ" في هَذِهِ الآيَةِ عامٌّ في جَمِيعِ أنْواعِ الأحْزانِ، وخَصَّصَ المُفَسِّرُونَ في هَذا هاهُنا، فَقالَ أبُو الدَرْداءِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: حَزَنُ أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ وما يُصِيبُ هُناكَ مِن ظَلَمِ نَفْسَهُ مِنَ الغَمِّ والحُزْنِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: حَزَنُ جَهَنَّمَ، وقالَ عَطِيَّةُ: حَزَنُ المَوْتِ، وقالَ قَتادَةُ: حُزْنُ الدُنْيا في الخَوْفِ ألّا تُتَقَبَّلَ أعْمالُهُمْ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا هو جُزْءٌ مِنَ الحُزْنِ، ولا مَعْنى لِتَخْصِيصِ شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأحْزانِ؛ لِأنَّ الحُزْنَ أجْمَعَ قَدْ ذَهَبَ عنهم.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ وصَفُوهُ بِأنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى يَغْفِرُ الذُنُوبَ، ويُجازِي عَلى القَلِيلِ مِنَ الأعْمالِ الصالِحَةِ بِالكَثِيرِ مِنَ الثَوابِ، وهَذا هو شُكْرُهُ لا رَبَّ سِواهُ.
<div class="verse-tafsir"
مقابلة الأقسام الثلاثة للذين أُورثوا الكتاب بذكر الكافرين يزيدنا يقيناً بأن تلك الأقسام أقسام المؤمنين، ومقابلة جزاء الكافرين بنار جهنم يوضح أن الجنة دار للأقسام الثلاثة على تفاوت في الزمان والمكان.
وفي قوله تعالى في الكفار: ﴿ ولا يخفف عنهم من عذابها ﴾ إيماء إلى أن نار عقاب المؤمنين خفيفة عن نار المشركين.
فجملة ﴿ والذين كفروا ﴾ معطوفة على جملة ﴿ جنات عدن يدخلونها ﴾ [فاطر: 33].
ووقع الإِخبار عن نار جهنم بأنها ﴿ لهم ﴾ بلام الاستحقاق للدلالة على أنها أعدت لجزاء أعمالهم كقوله تعالى: ﴿ فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين ﴾ في سورة البقرة (24) وقوله: ﴿ واتقوا النار التي أعدت للكافرين ﴾ في سورة آل عمران (131)، فنار عقاب عصاة المؤمنين نار مخالفة أو أنها أعدت للكافرين.
وإنما دخل فيها من أدخل من المؤمنين الذين ظلموا أنفسهم لاقترافهم الأعمال السيئة التي شأنها أن تكون للكافرين.
وقدم المجرور في لهم نار جهنم} على المسند إليه للتشويق إلى ذكر المسند إليه حتى إذا سمعه السامعون تمكن من نفوسهم تمام التمكن.
وجملة ﴿ لا يقضى عليهم ﴾ بدل اشتمال من جملة ﴿ لهم نار جهنم ﴾ ، والقضاء: حقيقته الحكم، ومنه قضاء الله حكمه وما أوجده في مخلوقاته.
وقد يستعمل بمعنى أماته كقوله تعالى: ﴿ فوكزه موسى فقضى عليه ﴾ [القصص: 15].
وهو هنا محتمل للحقيقة، أي لا يقدرُ الله موتهم، فقوله: ﴿ فيموتوا ﴾ مسبب على القضاء.
والمعنى: لا يقضى عليهم بالموت فيموتوا، ومحتمل للمجاز وهو الموت.
وتفريع ﴿ فيموتوا ﴾ على هذا الوجه أنهم لا يموتون إلا الإِماتة التي يتسبب عليها الموت الحقيقي الذي يزول عنده الإِحساس، فيفيد أنهم يُماتون مَوتاً ليس فيه من الموت إلا آلامه دون راحته، قال تعالى: ﴿ ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون ﴾ [الزخرف: 77] وقال تعالى: ﴿ كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب ﴾ [النساء: 56].
وضمير ﴿ عذابها ﴾ عائد إلى جهنم ليشمل ما ورد من أن المعذبين يعذبون بالنار ويعذبون بالزمهرير وهو شدة البرد وكل ذلك من عذاب جهنم.
ووقع ﴿ كذلك ﴾ موقع المفعول المطلق لقوله: ﴿ نجزي ﴾ أي نجزيهم جزاء كذلك الجزاء، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطا ﴾ في سورة البقرة (143).
وجملة كذلك نجزي كل كفور} تذييل.
والكفور: الشديد الكفر، وهو المشرك.
وقرأ الجمهور ﴿ نجزي ﴾ بنون العظمة ونصب ﴿ كل ﴾ .
وقرأه أبو عمرو وحده ﴿ يُجزَى ﴾ بياء الغائب والبناء للنائب ورفع ﴿ كل ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ ﴾ فِيهِ تِسْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ خَوْفُ النّارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ حَزَنُ المَوْتِ، قالَهُ عَطِيَّةُ.
الثّالِثُ: تَعَبُ الدُّنْيا وهُمُومُها، قالَهُ قَتادَةُ.
الرّابِعُ: حَزَنُ المِنَّةِ، قالَهُ سَمُرَةُ.
الخامِسُ: حَزَنُ الظّالِمِ لِما يُشاهِدُ مِن سُوءِ حالِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
السّادِسُ: الجُوعُ حَكاهُ النَّقّاشُ.
السّابِعُ: خَوْفُ السُّلْطانِ، حَكاهُ الكَلْبِيُّ.
الثّامِنُ: طَلَبُ المَعاشِ، حَكاهُ الفَرّاءُ.
التّاسِعُ: حَزَنُ الطَّعامِ، وهو مَأْثُورٌ.
وَيَحْتَمِلُ عاشِرًا: أنَّهُ حَزَنُ التَّباغُضِ والتَّحاسُدِ لِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ مُتَواصِلُونَ لا يَتَباغَضُونَ ولا يَتَحاسَدُونَ.
وَفي وقْتِ قَوْلِهِمْ لِذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عِنْدَ إعْطاءِ كُتُبِهِمْ بِأيْمانِهِمْ لِأنَّهُ أوَّلُ بِشاراتِ السَّلامَةِ، فَيَقُولُونَ عِنْدَها: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ ﴾ الثّانِي: بَعْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، وهو أشْبَهُ لِاسْتِقْرارِ الجَزاءِ والخَلاصِ مِن أهْوالِ القِيامَةِ فَيَقُولُونَ ذَلِكَ عِنْدَ أمْنِهِمْ شُكْرًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ مِن فَضْلِهِ ﴾ أيْ دارَ الإقامَةِ وهي الجَنَّةُ.
وَفي الفَرْقِ بَيْنَ المُقامَةِ بِالضَّمِّ والفَتْحِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها بِالضَّمِّ دارُ الإقامَةِ، وبِالفَتْحِ مَوْضِعُ الإقامَةِ.
الثّانِي: أنَّها بِالضَّمِّ المَجْلِسُ الَّذِي يُجْتَمَعُ فِيهِ لِلْحَدِيثِ.
﴿ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَعَبٌ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: وجَعٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ العَناءُ، قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ الإعْياءُ، قالَهُ قُطْرُبٌ وابْنُ عِيسى.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله: ﴿ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ﴾ قال: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
ورثهم الله كل كتاب أنزل، فظالمهم مغفور له، ومقتصدهم يحاسب حساباً يسيراً، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب.
وأخرج الطيالسي وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: في هذه الآية ﴿ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات ﴾ قال: هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة، وكلهم في الجنة» .
وأخرج الفريابي وأحمد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وابن مردويه والبيهقي عن أبي الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله تعالى ﴿ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات، بإذن الله ﴾ فأما الذين سبقوا، فأولئك يدخلون الجنة بغير حساب.
وأما الذين اقتصدوا، فأولئك الذين يحاسبون حساباً يسيراً، وأما الذين ظلموا أنفسهم، فأولئك يحبسون في طول المحشر، ثم هم الذين تلقاهم الله برحمة، فهم الذين يقولون ﴿ الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور، الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب ﴾ قال البيهقي: إن أكثر الروايات في حديث ظهر أن للحديث أصلاً» .
وأخرج الطيالسي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط والحاكم وابن مردويه عن عقبة بن صهبان قلت لعائشة: أرأيت قول الله: ﴿ ثم أورثنا الكتاب...
﴾ .
قالت: أما السابق، فقد مضى في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشهد له بالجنة.
وأما المقتصد، فمن اتبع أمرهم، فعمل بمثل أعمالهم حتى يلحق بهم.
وأما الظالم لنفسه، فمثلي ومثلك، ومن اتبعنا.
وكل في الجنة.
وأخرج الطبراني والبيهقي في البعث عن أسامة بن زيد رضي الله عنه ﴿ فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ﴾ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلهم من هذه الأمة، وكلهم في الجنة» .
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني عن عوف بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أمتي ثلاثة أثلاث: فثلث يدخلون الجنة بغير حساب.
وثلث يحاسبون حساباً يسيراً، ثم يدخلون الجنة.
وثلث يمحصون ويكسفون، ثم تأتي الملائكة فيقولون: وجدناهم يقولون: لا إله إلا الله وحده فيقول الله: أدخلوهم الجنة بقولهم لا إله إلا الله وحده، واحملوا خطاياهم على أهل التكذيب وهي التي قال الله: ﴿ وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم ﴾ وتصديقاً في التي ذكر الملائكة قال الله تعالى ﴿ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ﴾ فجعلهم ثلاثة أنواع ﴿ فمنهم ظالم لنفسه ﴾ فهذا الذي يكسف ويمحص ﴿ ومنهم مقتصد ﴾ وهو الذي يحاسب حساباً يسيراً ﴿ ومنهم سابق بالخيرات ﴾ فهو الذي يلج الجنة بغير حساب ولا عذاب باذن الله.
يدخلونها جميعاً لم يفرق بينهم ﴿ يحلون فيها من أساور من ذهب ﴾ إلى قوله: ﴿ لغوب ﴾ » .
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: هذه الآية ثلاثة أثلاث يوم القيامة.
ثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حساباً يسيراً، وثلث يحبسون بذنوب عظام إلا أنهم لم يشركوا.
فيقول الرب «أدخلوا هؤلاء في سعة رحمتي» ثم قرأ ﴿ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا...
﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي في البعث عن عمر بن الخطاب أنه كان إذا نزع بهذه الآية قال: الا أن سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له.
وأخرج العقيلي وابن لال وابن مردويه والبيهقي من وجه آخر عن عمر بن الخطاب.
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له» ، وقرأ عمر ﴿ فمنهم ظالم لنفسه...
﴾ .
وأخرج ابن النجار عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له» .
وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب.
والمقتصد برحمة الله، والظالم لنفسه، وأصحاب الأعراف يدخلون الجنة بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عثمان بن عفان: أنه نزع بهذه الآية قال: إن سابقنا أهل جهاد.
ألا وأن مقتصدنا ناج أهل حضرنا، ألا وأن ظالمنا أهل بدونا.
وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في البعث عن البراء بن عازب في قوله: ﴿ فمنهم ظالم لنفسه ﴾ قال: أشهد على الله أنه يدخلهم الجنة جميعاً.
وأخرج الفريابي وابن مردويه عن البراء قال: «قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ﴾ قال: كلهم ناج وهي هذه الأمة» .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: ﴿ ثم أورثنا الكتاب...
﴾ .
قال: هي مثل الذي في الواقعة ﴿ فأصحاب الميمنة ﴾ ﴿ وأصحاب المشئمة ﴾ ﴿ والسابقون ﴾ صنفان ناجيان، وصنف هالك.
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله: ﴿ فمنهم ظالم لنفسه...
﴾ .
قال: ﴿ الظالم لنفسه ﴾ هو الكافر ﴿ والمقتصد ﴾ أصحاب اليمين.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي عن كعب الأحبار أنه تلا هذه الآية ﴿ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ﴾ إلى قوله: ﴿ لغوب ﴾ قال: دخلوها ورب الكعبة، وفي لفظ قال: كلهم في الجنة.
ألا ترى على أثره ﴿ والذين كفروا لهم نار جهنم ﴾ فهؤلاء أهل النار فذكر ذلك للحسن فقال: أبت ذلك عليهم الواقعة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الجنة فقال: «مسوّرون بالذهب والفضة، مكللة بالدر وعليهم أكاليل من در وياقوت متواصلة، وعليهم تاج كتاج الملوك، جرد، مرد، مكحلون» .
وأخرج ابن مردويه والديلمي عن حذيفة، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يبعث الله الناس على ثلاثة أصناف، وذلك في قوله: ﴿ فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ﴾ فالسابق بالخيرات يدخل الجنة بلا حساب، والمقتصد يحاسب حساباً يسيراً، والظالم لنفسه يدخل الجنة برحمة الله» .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ثم أورثنا الكتاب ﴾ قال: جعل الله أهل الإِيمان على ثلاثة منازل كقوله: ﴿ أصحاب الشمال ما أصحاب الشمال ﴾ [ الواقعة: 41] ، ﴿ وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين ﴾ [ الواقعة: 27] ، ﴿ والسابقون السابقون ﴾ [ الواقعة: 10] ، ﴿ أولئك المقربون ﴾ [ الواقعة: 11] فهم على هذا المثال.
وأخرج ابن مردويه عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ فمنهم ظالم لنفسه ﴾ قال: الكافر.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ فمنهم ظالم لنفسه ﴾ قال: هذا المنافق ﴿ ومنهم مقتصد ﴾ قال: هذا صاحب اليمين ﴿ ومنهم سابق بالخيرات ﴾ قال: هذا المقرب قال قتادة: كان الناس ثلاث منازل عند الموت، وثلاث منازل في الدنيا، وثلاث منازل في الآخرة.
فأما الدنيا فكانوا: مؤمن، ومنافق، ومشرك.
وأما عند الموت فإن الله قال: ﴿ فأما إن كان من المقربين...
﴾ [ الواقعة: 88] ﴿ وأما إن كان من أصحاب اليمين...
﴾ [ الواقعة: 90] ﴿ وأما إن كان من المكذبين الضالين ﴾ [ الواقعة: 92] .
وأما الآخرة فكانوا أزواجاً ثلاثة ﴿ فأصحاب الميمنة ﴾ ﴿ وأصحاب المشئمة ﴾ ﴿ والسابقون السابقون أولئك المقربون ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد والبيهقي عن الحسن ﴿ فمنهم ظالم لنفسه ﴾ قال: هو المنافق سقط والمقتصد والسابق بالخيرات في الجنة.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والبيهقي عن عبيد بن عمير في الآية قال: كلهم صالح.
وأخرج عبد بن حميد عن صالح أبي الخليل قال: قال كعب يلومني أحبار بني إسرائيل إني دخلت في أمة فرقهم الله ثم جمعهم، ثم أدخلهم الجنة، ثم تلا هذه الآية ﴿ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ﴾ حتى بلغ ﴿ جنات عدن يدخلونها ﴾ قال: قال فادخلهم الله الجنة جميعاً.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال: العلماء ثلاثة: منهم عالم لنفسه ولغيره، فذلك أفضلهم وخيرهم.
ومنهم عالم لنفسه محسن.
ومنهم عالم لا لنفسه ولا لغيره، فذلك شرهم.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي مسلم الخولاني قال: قرأت في كتاب الله أن هذه الأمة تصنف يوم القيامة على ثلاثة أصناف: صنف منهم يدخلون الجنة بغير حساب.
وصنف يحاسبهم الله حساباً يسيراً ويدخلون الجنة.
وصنف يوقفون ويؤخذ منهم ما شاء الله، ثم يدركهم عفو الله وتجاوزه.
وأخرج عبد بن حميد عن كعب في قوله: ﴿ جنات عدن يدخلونها ﴾ قال: دخلوها ورب الكعبة، فأخبر الحسن بذلك فقال: أبت والله ذلك عليهم الواقعة.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عبدالله بن الحارث أن ابن عباس سأل كعباً عن قوله: ﴿ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا...
﴾ .
نجوا كلهم، ثم قال: تحاكت مناكبهم ورب الكعبة، ثم أعطوا الفضل بأعمالهم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن الحنفية قال: أعطيت هذه الأمة ثلاثاً لم تعطها أمة كانت قبلها ﴿ منهم ظالم لنفسه ﴾ مغفور له ﴿ ومنهم مقتصد ﴾ في الجنان ﴿ ومنهم سابق ﴾ بالمكان الأعلى.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ﴾ قال: هم أصحاب المشئمة ﴿ ومنهم مقتصد ﴾ قال: هم أصحاب الميمنة ﴿ ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ﴾ قال: هم السابقون من الناس كلهم.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ ذلك هو الفضل الكبير ﴾ قال: ذاك من نعمة الله.
وأخرج الترمذي والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري «أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله: ﴿ جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤ ﴾ فقال: إن عليهم التيجان.
ان أدنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين المشرق والمغرب» .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله أهل الجنة حين دخلوا الجنة ﴿ وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ﴾ قال: هم قوم كانوا في الدنيا يخافون الله، ويجتهدون له في العبادة سراً وعلانية، وفي قلوبهم حزن من ذنوب قد سلفت منهم، فهم خائفون أن لا يتقبل منهم هذا الاجتهاد من الذنوب التي سلفت.
فعندها ﴿ قالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور ﴾ غفر لنا العظيم، وشكر لنا القليل من أعمالنا.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ﴾ قال: حزن النار.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ الذي أذهب عنا الحزن ﴾ قال: ما كانوا يعملون.
وأخرج الحاكم وأبو نعيم وابن مردويه عن صهيب رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «المهاجرون هم السابقون الْمُدِلُّون على ربهم، والذي نفس محمد بيده انهم ليأتون يوم القيامة على عواتقهم السلاح، فيقرعون باب الجنة، فتقول لهم الخزنة، من أنتم؟
فيقولون: نحن المهاجرون فتقول لهم الخزنة: هل حوسبتم؟
فيجثون على ركبهم ويرفعون أيديهم إلى السماء فيقولون: أي رب أبهذه نحاسب؟!
قد خرجنا وتركنا الأهل والمال والولد، فيمثل الله لهم أجنحة من ذهب، مخوّصة بالزبرجد والياقوت، فيطيرون حتى يدخلوا الجنة فذلك قوله: ﴿ وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ﴾ إلى قوله: ﴿ ولا يمسنا فيها لغوب ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلهم بمنازلهم في الجنة أعرف منهم بمنازلهم في الدنيا» .
وأخرج ابن المنذر عن شمر بن عطية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حيث دخلوا الجنة ﴿ وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ﴾ قال: حزنهم هو الحزن» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن شمر بن عطية رضي الله عنه في قوله: ﴿ الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ﴾ قال: الجوع.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي رضي الله عنه في قوله: ﴿ الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ﴾ قال: طلب الخبز في الدنيا، فلا نهتم له كاهتمامنا له في الدنيا طلب الغداء والعشاء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن إبراهيم التيمي رضي الله عنه قال: ينبغي لمن يحزن أن يخاف أن لا يكون من أهل الجنة، لأنهم قالوا ﴿ الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ﴾ وينبغي لمن يشفق أن يخاف أن لا يكون من أهل الجنة، لأنهم ﴿ قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين ﴾ [ الطور: 26] .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن شمر بن عطية رضي الله عنه في قوله: ﴿ الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ﴾ قال: حزن الطعام ﴿ إن ربنا لغفور شكور ﴾ قال: غفر لهم الذنوب التي عملوها، وشكر لهم الخير الذي دلهم عليه، فعملوا به، فأثابهم عليه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي رافع رضي الله عنه قال: يأتي يوم القيامة العبد بدواوين ثلاثة: بديوان فيه النعم.
وديوان فيه ذنوبه.
وديوان فيه حسناته.
فيقال لأصغر نعمة عليه: قومي فاستوفي ثمنك من حسناته، فتقوم فتستوهب تلك النعمة حسناته كلها، وتبقي بقية النعم عليه وذنوبه كاملة.
فمن ثم يقول العبد إذا أدخله الله الجنة ﴿ إن ربنا لغفور شكور ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن ربنا لغفور شكور ﴾ يقول ﴿ غفور ﴾ لذنوبهم ﴿ شكور ﴾ لحسناتهم ﴿ الذي أحلنا دار المقامة من فضله ﴾ قال: أقاموا فلا يتحوّلون ولا يحوّلون ﴿ لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب ﴾ قال: قد كان القوم ينصبون في الدنيا في طاعة الله، وهم قوم جهدهم الله قليلاً، ثم أراحهم كثيراً فهنيئاً لهم.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث عن عبدالله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: قال رجل يا رسول الله إن النوم مما يُقِرُّ الله به أعيننا في الدنيا، فهل في الجنة من نوم؟
قال: «لا إن النوم شريك الموت، وليس في الجنة موت قال: يا رسول الله فما راحتهم؟
فأعظم ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ليس فيها لغوب، كل أمرهم راحة فنزلت ﴿ لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب ﴾ » .
وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ لا يمسنا فيها نصب ﴾ أي وجع.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ لغوب ﴾ قال: إعياء.
<div class="verse-tafsir"
فلما بلغ هذا الموضع انقطعت صفة أهل التوحيد، وهم أمة محمد - -، ثم قال في صفة الكفار (١) ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ﴾ قال أبو إسحاق: فيموتوا جواب النفي، المعنى: لا يقضي عليهم الموت فيموتوا (٢) ﴿ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ ﴾ (٣) (٤) ﴿ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا ﴾ طرفة عين كذلك يعن ما ذكر (٥) وقال ابن عباس ومقاتل: هكذا نجزي كل كفور كل كافر (٦) (١) في (ب): (الكافرين).
(٢) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 271 (٣) سورة القصص: آية 15.
(٤) في (أ): (بما)، وهو خطأ.
(٥) انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 367، وقد ذكره بعض المفسرين غير منسوب.= انظر: "بحر العلوم" 3/ 88، "المحرر الوجيز" 4/ 440، "البغوي" 3/ 573.
(٦) انظر: "تفسير مقاتل" 104 أ.
وانظر: المصادر السابقة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ دَارَ المقامة ﴾ هي الجنة والمقامة هي الإقامة، والموضع وإنما سميت الجنة دار المقامة، لأنهم يقومون فيها ولا يخرجون منها ﴿ نَصَبٌ ﴾ النصب تعب البدن، واللغوب تعب النفس، اللازم عن تعب البدن.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ غير الله ﴾ بالجر: يزيد وحمزة وعليّ.
الآخرون: بالرفع حملاً على المحل ﴿ فلا تذهب ﴾ من الإذهاب ﴿ نفسك ﴾ منصوباً: يزيد.
الآخرون: بفتح التاء والهاء من الذهاب ﴿ نفسك ﴾ مرفوعاً: ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف ﴿ ولا ينقص ﴾ بفتح الياء وضم القاف: روح وزيد.
الباقون: بالعكس.
﴿ من عمره ﴾ باختلاس الضمة: عباس ﴿ والذين يدعون ﴾ على الغيبة: قتيبة.
الوقوف: ﴿ ورباع ﴾ ط ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ لها ﴾ ج ﴿ بعده ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ عليكم ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ إلا هو ﴾ ز للاستفهام ولفاء التعقيب وإتحاد المعنى ﴿ تؤفكون ﴾ ه ﴿ قبلك ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ عدوّاً ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ط لأن ﴿ الذين ﴾ مبتدأ.
﴿ شديد ﴾ ه ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط لحذف الجواب ﴿ حسرات ﴾ ط ﴿ يصنعون ﴾ ه ﴿ موتها ﴾ ط ﴿ النشور ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ يرفعه ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ يبور ﴾ ه ﴿ أزواجاً ﴾ ط ﴿ بعلمه ﴾ ط ﴿ في كتاب ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ أجاج ﴾ ط ﴿ تلبسونها ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ الملك ﴾ ط ﴿ قطمير ﴾ ه ﴿ دعاءكم ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ بشرككم ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط لاتفاق الجملتين مع حسن الفصل بين وصفي الخالق والمخلوق ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ جديد ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ بعزيز ﴾ ه ﴿ أخرى ﴾ ط لاستئناف الشرط ﴿ قربى ﴾ ط ﴿ الصلاة ﴾ ط ﴿ لنفسه ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ والبصير ﴾ ه لا ﴿ ولا النور ﴾ ه لا ﴿ ولا الحرور ﴾ ه ج للطول والتكرار ﴿ الأموات ﴾ ط ﴿ يشاء ﴾ ج للعطف مع الإثبات إلى النفي مع اتفاق الجملتين ﴿ القبور ﴾ ه ﴿ إلا نذير ﴾ ه ﴿ ونذيراً ﴾ ط ﴿ نذير ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ المنير ﴾ ه ﴿ نكير ﴾ ه.
التفسير: لما بين في آخر السورة المتقدمة انقطاع رجاء الشاك وعدم قبول توبته في الآخرة ذكر في أوّل هذه السورة حال الموفق المؤمن وبشر بإرسال الملائكة إليهم مبشرين، وبين أنه يفتح لهم أبواب الرحمة.
و ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾ مبدعهما أو شاقهما لنزول الأرواح من السماء وخروج الأجساد من الأرض يؤيد التفسير الثاني قوله ﴿ جاعل الملائكة رسلاً ﴾ وقوله ﴿ وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون ﴾ و ﴿ أولي أجنحة ﴾ اي أصحاب أجنحة أراد أن طائفة منهم أجنحة كل منهم اثنان اثنان، وبعضهم أجنحة ثلاثة ثلاثة لعل الثالث منها في وسط الظهر بين الجناحين يمدهما بقوة أو لعله لغير الطيران فلقد رأيت في بعض الكتب أن صنفاً من الملائكة لهم ستة أجنحة، فجناحان يلفون بهما أجسادهم، وجناحان يطيرون بهما في الأمر من أمور الله عز وجل، وجناحان مرخيان على وجوههم حياء من الله عز وجل.
وعن رسول الله أنه رأى جبرائيل ليلة المعراج وله ستمائة جناح.
وروي أن إسرافيل له اثنا عشر جناحاً، جناح منها بالمشرق، وجناح بالمغرب، وإن العرش على كاهله وإنه ليتضاءل لعظمة الله وتعالى حتى يعود مثل الوصع وهو العصفور الصغير.
ويجوز أن يخالف حال الملائكة حال الطيور في الطيران كالحيوان الذي يدب بأرجل كثيرة، ويجوز أن يكون البعض للزينة، ويجوز أن يكون كل جناح ذا شعب.
قال الحكيم: الجناحان إشارة إلى جهتين: جهة الأخذ من ا لله، وجهة الإعطاء لمن دونهم بإذن الله كقوله ﴿ نزل به الروح الأمين على قلبك ﴾ ﴿ علمه شديد القوى ﴾ ﴿ فالمدبرات أمرا ﴾ ومنهم من يفعل بواسطة فلهم ثلاث جهات أو أكثر على حسب الوسائط.
ثم بين كمال قدرته بقوله ﴿ ويزيد في الخلق ما يشاء ﴾ والظاهر أنه عام يتناول كل زيادة في كل أمر يعتبر في الصورة كحسن الوجه والخط والصوت ونحوهما، أو في المعنى كحصافة العقل وجزالة الرأي وسماحة النفس وذلاقة اللسان وغير ذلك من الأخلاق الفاضلة.
ثم أكد نفاذ أمره وجريان الأمور على وفق مشيئته بقوله ﴿ وما يفتح الله للناس ﴾ الآية.
وفيها دلالة على أن رحمته سبقت غضبه من جهة تقديم الرحمة ومن جهة بيان الضمير في القرينة الأولى بقوله ﴿ من رحمة ﴾ والإطلاق في قوله ﴿ وما يمسك ﴾ فيشمل إمساك الغضب وإمساك الرحمة.
ومن جهة قوله ﴿ من بعده ﴾ أي من بعد إمساكه فيفيد أن الرحمة إذ جاءته لم يكن لها انقطاع وإن ضدّها قد ينقطع وإن كان لا يقطعه إلا الله ولهذا لا يخرج أهل الجنة من الجنة وقد يخرج أهل النار من النار ﴿ وهو العزيز ﴾ الغالب على إرسال الرحمة وإمساكها ﴿ الحكيم ﴾ الذي لا يمسك ولا يرسل إلا عن علم كامل وصلاح شامل.
وحيث بين أن الحمد لله وبين بعض وجوه النعمة المستدعية للحمد على التفصيل أمر المكلفين بتذكر العمة على الإجمال لساناً وقلباً وعملاً، ومنه قول الرجل لمن أنعم عليه: اذكر أياديّ عندك يريد حفظها وشكرها والعمل بموجبها.
وعن ابن عباس: أن الناس أهل مكة أسكنهم حرمه ويتخطف الناس من حولهم.
وعنه أيضاً أنه اراد بالنعمة العافية، والظاهر تعميم النعمة والمنعم عليهم.
ثم اشار إلى نعمة الإيجاد بقوله ﴿ هل من خالق غير الله ﴾ وإلى نعمة الإبقاء بقوله ﴿ يرزقكم ﴾ وهو نعت خالق أو مستأنف أو تفسير لمضمر والتقدير: هل يرزقكم خالق يرزقكم؟
قال جار الله: إن جعلت ﴿ يرزقكم ﴾ كلاماً مستأنفاً ففيه دليل على أن الخالق لا يطلق إلا على الله عز وجل.
وأما على الوجهين الآخرين فلا، إذ لا يلزم مننفي خالق رازق غيره نفي خالق غيره مطلقاً.
وقوله ﴿ لا إله إلا هو ﴾ جملة مفصولة لا محل لها مثل ﴿ يرزقكم ﴾ في غير وجه الوصف إذ لو جعلت وصفاً لزم التناقض لأن قولك "هل من خالق آخر سوى الله" إثبات الله، ولو جعلت المنفية وصفاً صار تقدير الكلام: هل من خالق آخر سوى لا إله إلا ذلك الخالق فلزم نقض الإثبات المذكور مع أن الكلام في نفسه يكون غير مستقيم.
﴿ فأنى تؤفكون ﴾ أي وكيف تصرفون عن هذا الظاهر فتشركون المنعوت بمالك الملك والملكوت.
وحين بينّ الاصل الأول وهو التوحيد ذكر الأصل الثاني وهو الرسالة بقوله ﴿ وإن يكذبوك ﴾ الآية.
والمراد إن يكذبوك فتسل بهذا المعنى.
ثم بينت الأصل الثالث وهو الحشر بقوله ﴿ يا أيها الناس ﴾ وقد مرّ مثل الآية في آخر سورة لقمان.
وقد يسبق إلى الظن ههنا أن الغرور وهو الشيطان لأنه عقبه بقوله ﴿ إن الشيطان لكم عدّو فاتخذوه عدّواً ﴾ لأن الحازم لا يقبل قول العدوّ ولا يعتمد عليه.
ثم صرح بوجه اتخاذه وبعاقبة دعوته فقال ﴿ إنما يدعو حزبه ليكونوا من اصحاب السعير ﴾ ثم فصل مال حال حزبه وحزب الله بقوله ﴿ الذين كفروا ﴾ إلى قوله ﴿ وأجر كبير ﴾ عرض على العقول أنه لا سواء بين الحزبين والمعنى ﴿ أفمن زين له سوء عمله ﴾ من الفريقين كمن لم يزين له.
ولا ريب أن المزين لهم عملهم هم أهل الأهواء والبدع الذين لا مستند لهم في مأخذهم سوى التقليد واتباع الهوى.
ثم أنتج من ذلك قوله ﴿ فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﴾ وذلك أن الناس متساوية الأقدام في الإنسانية ومتفاوتة الأحوال في الأعمال، فتبين أنه لا استقلال، وأن أفعال العباد مستندة إلى إزادة مصرف القلوب والأحوال.
ثم رتب على عدم الاستقلال قوله ﴿ فلا تذهب ﴾ أي فلا تهلك ﴿ نفسك ﴾ و ﴿ عليهم ﴾ صلة تذهب كما تقول هذك عليه حباً أو هو بيان للمتحسر عليه ولا يتعلق بـ ﴿ ـ مجسرات ﴾ المفعول لأجله لأن المصدر لا يتقدم عليه صلته.
وجوّز جار الله أن يكون حالاً كأن كل نفسه صارت حسرات لفرط التحسر.
وعن الزجاج أن تقدير الآية: أمفن زين له سوء عمله ذهبت نفسك عليهم فحذف لدلالة المذكور وهو فلا تذهب عليه، أو أفمن زين له سوء عمله كمن هداه الله، فحذف لأن قوله ﴿ فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﴾ يدل عليه.
ثم بين أن حزنه إن كان لما بهم من الضلال فالله عالم بهم وبما يصنعون لو أراد منهم الإيمان لآمنوا وإن كان لما بهم منالإيذاء فالله عليم بفعلهم فيجازيهم بذلك.
ثم أكد كونه فاعلاً مختاراً قادراً قهاراً مبدئاً معيداً بقوله ﴿ والله الذي أرسل ﴾ وهو من الالتفات الموجب للتهويل والتعظيم.
وقوله ﴿ فتثير ﴾ بلفظ المستقبل تصوير لتلك الحالة العجيبة الشأن، عرف نفسه بفعل الإرسال ثم قال ﴿ فسقناه ﴾ كأنه قال: أنا الذي عرفتني بمثل هذه السياقة والصناعة وأنعمت عليك بهذه النعمة الشاملة.
ثم شبه البعث والنشور بالصنع المذكور ووجهه ظاهر.
وحين بين برهان الإيمان أشار إلى ما كان يمنع الكفار منه وهو العزة الظاهرة الت يكانوا يتوهمونها من حيث إن معبوديهم كانت تحت تسخيرهم والرسول كان يدعوهم إلى الإيمان لطاعة الله وطاعة أنبيائه فكنه قال: إن كنتم تطلبون حقيقة العزة ﴿ فلله العزة ﴾ خاصة كلها فلتطلبها من عنده ومن عند أوليائه نظيره قولك "من أراد النصيحة فهي عند الأبرار" يريد فليطلبها عندهم فاعتبر في هذه الآية حرف النهاية.
وأما في قوله ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ﴾ فاعتبر الوسائط فالعزة للمؤمنين بواسطة الرسول وله من رب العزة.
ثم إن الكفار كأنهم قالوا: نحن لا نعبد من لا نراه ولا نحضر عنده فإن البعد من الملك ذلة فقال ﴿ إليه يصعد ﴾ أي إن كنتم لا تصلون إليه فهو يسمع كلامكم ويقبل الطيب منها وذلك آية العزة، وأما هذه الأصنام فلا يتبين عندها الذليل من العزيز إذ لا حياة لها ولا شعور وهكذا العمل الصالح لا تراه هذه الأصنام فلا يمكن لها مجازاة الأنام.
وفاعل قوله ﴿ يرفعه ﴾ إن كان هو الله فظاهر، وإن كان الكلم أعني قوله "لا إله إلا الله" فمعناه أنه لا يقبل عمل إلا من موحد وإن كان هو العمل فالمعنى: أن الكلم وهو كل كلام فيه ذكر الله أو رضاه يريد الصعود إلى الله إلا أنه لا يستطيع الصعود ولا يقع موقع القبول إلا إذا كان مقروناً بالعمل الصالح.
عن النبي "الكلم الطيب هو قول الرجل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر إذا قالها العبد عرج بها الملك إلى السماء فحيا بها وجه الرحمن فإذا لم يكن له عمل صالح لم يقبل منه" .
وعن ابن المقفع: قول بلا عمل كثريد بلا دسم، وسحاب بلا مطر، وقوس بلا وتر.
ولا تخفى أن القول هو الأصل والعمل مؤكده فلهذا قدم القول.
وحين بيّن حال العمل الصالح ذكر أن المكرات السيئات بائرة كاسدة لا حقيقة لها، ولعله أشار بها إلى مكرات قريش المذكورات في قوله ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ﴾ جمع الله مكراتهم فقلبها عليهم حين أوقعهم في قليب بدر.
ولما ذكر دليل الآفاق أكده بدليل الأنفس قائلاً ﴿ والله خلقكم من تراب ﴾ وفيه إشارة إلى خلق آدم ﴿ ثمن من نطفة ﴾ وفيه إشارة إلى خلق أولاده.
ومعنى ﴿ أزواجاً ﴾ أصنافاً أو ذكراناً وإناثاً.
ثم أشار إلى كمال علمه بقوله ﴿ وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ﴾ ثم بين نفوذ إرادته بقوله ﴿ وما يعمر من معمر ﴾ قال جار الله: معناه من أحد ولكنه سماه معمراً باعتبار ما يؤل إليه.
وليس المراد تعاقب التعمير وخلافه على شخص واحد وإنما المراد تعاقبهما على شخصين فتسومح في اللفظ تعويلاً على فهم السامع كقول القائل: ما تنعمت بكذا ولا اجتويته إلا قل فيه ثوائي.
وتأويل آخر وهو أن يراد لا يطول عمر إنسان ولا ينقص من عمر ذلك الإنسان بعينه ﴿ إلا في كتاب ﴾ وصورته أن يكتب في اللوح إن حج أو وصل الرحم فعمره أربعون سنة، وإن جمع بين الأمرين فعمره ستون، فإذا جمع بينهما فعمر ستين كان الغاية، وإذا أفرد فعمر أربعين فقد نقص من تلك الغاية.
وبهذا التأويل يستبين معنى ما روي عن النبي أنه قال "إن الصدقة والصلة تعمران الديار وتزيدان في الأعمار" .
ويصح ما استفاض على الألسن "أطال الله بقاءك".
وعن سعيد بن جبير يكتب في الصحيفة أن عمره كذا سنة، ثم يكتب بعد ذلك في آخرها ذهب يوم ذهب يومان حتى تنقضي المدّة.
وعن قتادة: المعمر من بلغ ستين، والمنقوص من عمره من يموت قبل الستين.
وذلك في علم الله.
﴿ إن ذلك ﴾ الذي ذكر من خلق الإنسان من المادة المذكورة أو الزيادة في الأعمار أو النقصان منها ﴿ على الله يسير ﴾ .
ثم ضرب مثلاً للمؤمن والكافر وذكر ليلاً آخر على عظم قدرته فقال ﴿ وما يستوي البحران ﴾ الآية.
على الأوّل يكون قوله ﴿ ومن كل تأكلون ﴾ إلى آخر الآية تقريراً للنعمة على سبيل اللاستطراد، أو هو من تمام التشبيه كأنه شبه الجنسين بالبحرين.
ثم فضل البحر الأجاج على الكافر لأنه شارك العذب في استخراج السمك واللؤلؤ وجرى الفلك فيه، وأما الكافر فلا نفع فيه ألبتة فيكون كقوله في البقرة ﴿ ثم قست قلوبكم ﴾ إلى آخر قوله و ﴿ وَإِنَّ مِنهَا لما يهبط من خشية الله ﴾ والأشبه أن الآية تقرير دليل مستأنف كما مرّ في أوّل "النحل" يؤيده تعقيبه بدليل آخر وهو قوله ﴿ يولج الليل ﴾ إلى قوله ﴿ أجل مسمى ﴾ قد مرّ في آخر "لقمان" مثله، وفيه ردّ على عبدة الكواكب الذين ينسبون حوادث هذا العالم إلى الكواكب بالذات لا إلى تسخير مبدعها.
قوله ﴿ ذلكم الله ﴾ أي الذي فعل الأشياء المذكورة من فطر السموات والأرض وإرسال الرياح وخلق الإنسان من التراب وغير ذلك هو المعبود الحق.
وقوله ﴿ ربكم له الملك ﴾ خبران آخران، ويجوز أن يكون ﴿ الله ربكم ﴾ خبرين و ﴿ له الملك ﴾ جملة مبتدأه واقعة في طبقات.
قوله ﴿ والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير ﴾ وذلك أن المشركين كانوا معترفين بأن الأصنام ليسوا خالقين وإنما كانوا يقولون إنه فوض أمور الأرضيات إلى الكواكب التي هذه الأصنام صورها وطوالعها، فأخبر الله أنهم لا يملكون قطميراً وهو القشرة الرقيقة للنواة فضلاً عما قوفها.
قال جار الله: يجوز في حكم الإعراب إيقاع اسم الله صفة لاسم الإشارة أو عطف بيان و ﴿ ربكم ﴾ خبراً لولا أن المعنى يأباه فقيل: لأن ذلك إشارة إلى معلوم سبق ذكره.
وكونه صفة أو عطف بيان يقتضي أن يكون فيما سبق ضرب إبهام.
قلت: وفيه نظر، أما أولاً فلأن اسم الله من قبيل الأعلام لا من قبيل أسماء الأجناس فكيف يجوز جعله صفة؟
وأما ثانياً فلأنه على تقدير التجويز يكون صفة مدح فلا ينافي كون المشار إليه معلوماً.
والوجه الصحيح في إباء المعنى هو أن الوصف إذا كان معرفة كان أمراً متحققاً في الخارج مسلماً عند السامع.
مثلاً إذا قلت: الرجل الكاتب جاءني.
تريد الرجل الذي تعرفه أيها السامع أنه كاتب جاءني لكن الخطاب ههنا مع الكفار وهم يجحدون المعبود الحق، أو يجحدون أن العبادة لا تصلح إلا له،ن فلا يصح إيقاع اسم الله وصفاً لذلكم والخطاب معهم.
ثم زاد في توبيخ الكفرة بقوله ﴿ إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ﴾ لأنهم جماد ولو فرض سماعهم ﴿ ما استجابوا لكم ﴾ لما مرّ من أنهم لا يملكون شيئاً ﴿ ويوم القيامة ﴾ ايضاً ﴿ يكفرون بشرككم ﴾ قائلين ما كنتم إيانا تعبدون ﴿ ولا ينبئك ﴾ أي لا يطلعك على حقيقة الحال أيها النبيّ أو أيها السامع ﴿ مثل خبير ﴾ ببواطن الأمور.
والمعنى أن هذا الذي أخبرتكم به من حال الأوثان هو الحق لأني خبير بما أخبرت به ولا يخبرك بالأمر مخبر هو مثل عالم به.
وفيه أنه الخبير بالأمر وحده، وفيه ن هذا الخبر مما لا يعرف بمجرد المعقول لولا إخبار الله .
ثم بين أن نفع العبادة إنما يعود على المكلفين فقال ﴿ يأيها الناس أنتم الفقراء ﴾ ومعنى تعريف الخبر القصد إلى أنهم جنس الفقراء مبالغة، وذلك أن افتقار الإنسان إلى الله عاجلاً لأمور المعاش وآجلاً لنعيم الآخرة أبين من افتقار سائر المخلوقين إليه.
وقيل: إن كون الناس فقراء أمر ظاهر لا يخفى على أحد فلهذا عرف كقول القائل: الله ربنا ومحمد نبينا.
ثم بين أن فقرهم ليس إلا إلى الله فقابل الفقراء بقوله ﴿ والله هو الغنيّ ﴾ وقابل قوله ﴿ إلى الله ﴾ بقوله ﴿ الحميد ﴾ لأنه إذا أنعم عليهم استحق الحمد منهم.
ثم ذكر أنه غني عن وجودهم أيضاً لا يفتقر في ظهور أثر قدرته إليهم فقال ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ وقد مرّ في "النساء" وفي "إبراهيم".
وحين بين الحق بالدلائل الباهرة أراد أن يذكر ما يدعوهم إلى النظر فيه فقال ﴿ ولا تزر وازرة ﴾ يعني أن النفوس الوازرات لا ترى واحدة منهن إلا حاملة وزرها لا وزر غيرها.
ولا ينافي في هذا قوله ﴿ وليحملن أثقالَهُم وأثقالاً مع أثقالِهِم ﴾ لأن وزر الإضلال هو وزر النفس الوزارة أيضاً، وفيه أن كل نفس وازرة مهمومة بهمّ وزرها متحيرة في أمرها.
ثم زاد في التهويل بقوله ﴿ وإن تدع مثقلة ﴾ أي نفس ذات حمل ﴿ لا يحمل منه شيء ﴾ فإن عدم قضاء الحاجة بعد السؤال أفظع.
ثم زاد التأكيد بقوله ﴿ ولو كان ﴾ أي المدعوّ ﴿ ذا قربى ﴾ فإِن عدم القضاء بعد السؤال من القريب من أب وولد أدل على شدّة الأمر فيعلم منه أن لا غياث يومئذ أصلاً.
ثم بين أن هذه الإنذارات إنما تفيد أهل الخشية والطاعة حال كونهم غائبين عن العذاب أو حال كون العذاب غائباً عنهم.
ثم لما بيّن أن الوزر لا يتعدى إلى الغير بيّن أن التظهر عن الذنوب لا يفيد إلا نفس المتزكي ﴿ وإلى الله المصير ﴾ لكل فيجزيهم على حسب ذلك.
ثم ضرب للكافر والمؤمن مثلاً فقال ﴿ وما يستوي الأعمى والبصير ﴾ وقيل: إنه مثل للصنم وللمعبود الحق.
ثم ذكر للكفر والإيمان مثلاً قائلاً ﴿ ولا الظلمات ولا النور ﴾ وإذا كان الإيمان نوراً والمؤمن بصيراً فلا يخفى عليه النور، وإذا كان الكفر ظلمة والكافر أعمى فله صادّ فوق صادّ.
ثم بيّن لمآلهما ومرجعهما مثلاً وهو الظل والحرور.
قال أهل اللغة: السموم يكون بالنهار والحرور أعم.
وقال بعضهم: الحرور يكون بالليل فالمؤمن بإيمانه كمن هو في ظل وراحة، والكافر في كفره كمن هو حرّ وتعب.
وههنا مسائل.
الأولى: ضرب أوّلاً مثلاً للكافر والمؤمن ثم أعاد مثلهما بقوله ﴿ وما يستوي الأحياء ولا الأموات ﴾ وهذا أبلغ لأن الأعمى والبصير قد يشتركان في إدراك أشياء ولا كذلك الحي والميت ولمكان هذه المبالغة أعاد الفعل.
الثانية: كرر "لا" النافية في الأمثال الأخيرة دون الأوّل، لأن المنافاة بين العمى والبصر ليست ذاتية كما في سائرهما وقد يكون شخص واحد بصيراً بإحدى العينين أعمى بالأخرى.
الثالثة: قدم الأشرف في مثلين وهو الظل والحيّ، وأخره في الآخرين فهم أهل الظاهر أن ذلك لرعاية الفواصل.
والمحققون قالوا: إنهم كانوا قبل البعث في ظلمة الضلال فصاروا إلى نور الإيمان في زمان محمد ، فلهذا الترتيب قدّم مثل الكافر وكفره على مثل المؤمن وإيمانه.
ولما ذكر المآل والمرجع قدم ما يتعلق بالرحمة على ما يتعلق بالغضب لأن رحمته سبقت غضبه.
ثم إن الكافر المصرّ بعد البعثة صار أضلّ من الأعمى وشابه الأموات في عدم إدراك الحق فقال ﴿ وما يستوي الأحياء ﴾ أي المؤمن الذي آمن بما أنزل الله.
والأموات الذين تليت عليهم الآيات ولم تنجع فيهم البينات فأخرهم عن المؤمنين لوجود حياتهم قبل ممات الكافرين المعاندين.
الرابعة: إنما وحد الأعمى والبصير لأن المراد أن أحد الجنسين لا يساوي جنس الآخر من جهة العمى والبصر، ولعل فرداً من أحدهما قد يساوي الفرد الآخر من جهة أخرى وكذا الكلام في إفراد الظل والحرور.
وإنما جمع الظلمات ووحّد النور لما مرّ في أوّل "الأنعام" من تحقيق أن الحق واحد والشبهات كثيرة.
وإنما جمع الأحياء والأموات لأن المراد أن أحد الصنفين لا يساوي الآخر سواء قابلت الجنس بالجنس أو قابلت الفرد بالفرد.
الخامسة: لا يخفى أن هذه الواوات بعضها ضمت شفعاً إلى شفع وبعضها ضمت وتراً إلى وتر.
ثم سلى ورسوله بقوله ﴿ إن الله يسمع ﴾ الآية.
فقد مرّ نظيره في قوله ﴿ إنك لا تسمع الموتى ﴾ وإنما اقتصر على قوله ﴿ إن أنت إلا نذير ﴾ وكذا في قوله ﴿ إلا خلا فيها نذير ﴾ لأن الكلام في معرض التهديد مع أن ذكر البشير يدل عليه بل ذكر النذير يدل على مقابله.
والمراد بالنذارة آثارها لثبوت زمان الفترة.
ثم زاد في التسلية بقوله ﴿ وإن يكذبوك ﴾ وقد مر مثله في آخر "آل عمران".
وإنما حذف الفاعل هناك لبناء الكلام هنالك على الاقتصار دليله أنه قال ﴿ وإن يكذبوك فقد كذب ﴾ فاقتصر على لفظ المضيّ ولم يسم الفاعل، ويحتمل أن يكون لفظ الماضي إشارة إلى وقوع التكذيب منهم فإن تلك السورة مدنية والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا ﴾ إلى آخر ما ذكر - فيه فوائد من الحكمة: أحدها: أنه جعل - عز وجل - طبع الماء مما يلائم ويوافق طباع هذه الثمرات على اختلاف جواهرها وألوانها؛ حتى يكون حياة كل شيء منها وقوامه بهذا الماء، وكذلك جعل طبع هذا الماء ملائماً موافقاً طباع جميع الخلائق من البشر والدواب والطير والوحش وجميع الحيوان، على اختلاف جواهرهم وأصنافهم وغذائهم، حتى صار هو غذاء وحياة لهم وقياما به؛ ليعلم أن من ملك هذا وقدر توفيق هذا - على اختلاف ما ذكرنا من الجواهر والأغذية - وتدبيرَهُ، لا يعجزه إنشاء شيء لا من شيء، ولا يخفى عليه شيء، وفي ذلك دلالة البعث: أن من بلغت قدرته وتدبيره وعلمه هذا المبلغ لا يعجزه شيء ولا يخفى عليه شيء.
والثاني: أنه أنشأ ما ذكر من مختلف الأشياء والجواهر بهذا الماء، وجعله سبباً لحياة ما ذكر من البشر والدواب وغيره، من غير أن يكون في ذلك الماء الذي أنشأ ذلك منه، وجعله سبباً لحياتهم من أثر ذلك فيه أو من جنسه؛ ليعلم أنه لم يكن أنشأ هذه الأشياء بهذا الماء، ولا جعله سبباً لها على الاستعانة به والتقوية، بل إعلاماً للخلق أسباب مطالب الغذاء والفضل لهم؛ إذ لو كان على الاستعانة وجعله سبباً له في إنشاء ذلك، لكان يكون تلك الأشياء المنشأة مشاكلة للماء مشابهة له؛ دل أنه جعل ذلك سبباً للخلق في الوصول إلى ما ذكرنا من الأغذية لهم من غير أن يروا أرزاقهم من تلك الأسباب والمكاسب ولكن من فضل الله.
والثالث: أنشأ هذه الفواكه والثمرات مختلفة ألوانها وطعمها؛ لما علم من البشر من الملالة والسآمة من نوع واحد ولون واحد؛ ليتم نعمه عليهم ليتأدّى بذلك الشكر عليها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ ﴾ .
قال بعضهم: أنشأ الجبال أيضاً مختلفة من بيض وحمر وغرابيب، كما أنشأ الثمرات والدواب والحيوان كلها مختلفة.
وقال بعضهم: ذلك وصف، وصفها بالسواد للطرق التي أنشأها في الجبال ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كاختلاف الجبال والثمار، وكذلك: ﴿ وَغَرَابِيبُ ﴾ جمع غربيب، وهو الشديد السواد، يقال: أسود غربيب؛ وهو [قول] القتبي وأبي عوسجة، ورجل غربيب الشعر، أي: أسود الشعر، ومأخذه من الغراب لأنه أسود، والجدد: الخطوط والطرائق في الجبال.
وقال أبو عوسجة: الجدة: الخطة، [و] الجدد: جميع الخطوط، يقال: جددت، أي: خططت، [و] يقال: ثوب جديد وثياب جدد، ﴿ وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ ﴾ أي: طرائق مختلفة ألوانها بعضها بيض وبعضها غرابيب وهي سود.
يذكر قدرته وتذكيره أن الجبال مع غلظها وشدتها وارتفاعها جعلها بحيث يتطرق منها في صعودها وهبوطها، فمن قدر على هذا لا يعجزه ولا يخفى عليه شيء.
أو يذكر نعمه عليهم حيث سخرها لهم؛ ليقضوا فيها حوائجهم فيما بعد عنهم وصعب عليهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ ﴾ .
هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: أن الذي يحقّ على العالم بالله أن يكون هو يخشاه؛ لما يعلم من سلطانه وهيبته وقدرته وجلاله.
والثاني: أن العالم بالبعث والمؤمن به هو يخشى مخالفة الله في أوامره ونواهيه؛ لما يعلم من نقمته وعذابه من خالفه وعصى أمره، فأمّا من [لم] يعلم بالبعث ولم يؤمن به فلا يخافه؛ كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ ﴾ \[المؤمنون: 57\] ونحوه.
أو أن يكون قوله: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ ﴾ عباده من جملة المؤمنين؛ يقول - والله أعلم -: إنما يخشى الله من عباده المؤمنون به، المصدقون عذابه ونقمته، فأمّا من لم يؤمن به فلا يخافه كما ذكرنا في قوله: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ إن في ذلك لآيات لكل مؤمن، ويكون الصبار والشكور كناية عن المؤمن؛ فعلى ذلك هذا محتمل.
وقال أهل التأويل: على التقديم والتأخير، أي: أشد الناس لله خشية أعلمهم بالله، والخشية: قال الحسن: هي الخوف الدائم اللازم في القلب غير مفارق له، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾ .
قال بعضهم: العزيز: المنتقم من أعدائه، والغفور لذنوب المؤمنين.
وقال بعضهم: عزيز في ملكه ومن دونه ذليل، غفور، أي: ستور على ذنوب المؤمنين.
وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ ٱللَّهِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ ﴾ .
يحتمل ما ذكر من تلاوة الكتاب هاهنا، ما ذكر في آية أخرى قال: ﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ ﴾ وأقاموا فيها من الأمر بالصلاة والأمر بالزكاة.
أو أن يكون قوله: ﴿ يَتْلُونَ كِتَابَ ٱللَّهِ ﴾ أي: يتبعون كتاب الله فيما فيه مما لهم ومما عليهم، يتبعون كله من الإقدام على الحلال والاجتناب على الحرام، والمشفقون بكتاب الله هم الذين اتبعوا ما فيه من إقامة الصلاة وإنفاق ما رزقوا، فأما من تلا ولم يتبع ما فيه فكأنه لم يتل، وهو كما نفى عنهم هذه الحواس من البصر والسمع واللسان وغيره؛ لتركهم الانتفاع بها وإن كانت لهم تلك الحواس حقيقة، وأثبتها للمؤمن لما انتفع بها وإن لم تكن له تلك حقيقة؛ فعلى ذلك يحتمل الأول، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً ﴾ في كل حال وكل وقت لا يتركون الإنفاق على كل حال؛ كقوله: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ ﴾ ، أي: ينفقون على كل حال.
ويحتمل: فلينفقوا مما رزقناهم ﴿ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً ﴾ ، أي: يتصدقون الصدقة ظاهراً وباطناً، أي: ما ظهر للناس وعلموا به، وما خفي عنهم واستتر؛ لما قصدوا بها وجه الله لا مراءاة الخلق، فمن كان قصده بالخيرات وجه الله لا مراءاة الخلق، فعلمهم به وجهلهم سواء، لا يمتنع عن ذلك أبداً، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ ﴾ .
سمى ما يبذل العبد لله: تجارة، وإن كان ذلك له في الحقيقة لطفاً منه وإحساناً، وكذلك ما ذكر من إيفاء الأجر لهم على أعمالهم حيث قال: ﴿ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ ﴾ ، وذلك ليس في الحقيقة أجراً لما يستوجبون الأجر قبله بتلك الأعمال؛ لما عليهم من الشكر فيما أنعم عليهم من أنواع النعم، ومتى يفرغون عن شكر ما أنعم عليهم حتى يكون ذلك أجراً لهم، لكنه - عز وجل - بفضله وإنعامه وعد لهم الثواب والأجر على حسناتهم وأعمالهم الصالحات؛ إفضالا منه وإنعاماً منه، وسمى ذلك: تجارة كأن ليس ذلك له في الحقيقة؛ ترغيباً منه الخلق في ذلك وتحريضاً لهم على ذلك، والله أعلم.
﴿ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ﴾ على ذلك أيضاً.
وقوله: ﴿ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ غَفُورٌ ﴾ أي: ستور لمساويهم، ﴿ شَكُورٌ ﴾ أي: مظهر لحسناتهم بإدخاله إياهم الجنة؛ ليعلم أحد أنه كان محسناً لا مسيئاً.
أو ﴿ غَفُورٌ ﴾ : يتجاوز عن مساوئهم، ﴿ شَكُورٌ ﴾ : يقبل اليسير من العمل القليل منهم [و] يجزيهم على ذلك الجزيل من الثواب، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لَّن تَبُورَ ﴾ .
قال أبو عوسجة والقتبي: ﴿ لَّن تَبُورَ ﴾ أي: لن تفنى أو لن تكسد، يقال: بارت التجارة تبور فهي بائرة: إذا كسدت.
﴿ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ ﴾ : من الإيفاء، يقال: أوفيته حقه، أي: أعطيته [حقه] كله.
<div class="verse-tafsir"
والذين كفروا بالله لهم نار جهنم خالدين فيها، لا يُقْضَى عليهم بالموت فيموتوا ويستريحوا من العذاب، ولا يُخَفَّف عنهم من عذاب جهنم شيء، مثل هذا الجزاء نجزي يوم القيامة كل جحود لنعم ربه.
<div class="verse-tafsir" id="91.pGBx3"