الآية ٨ من سورة المجادلة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 58 المجادلة > الآية ٨ من سورة المجادلة

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُوا۟ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا۟ عَنْهُ وَيَتَنَـٰجَوْنَ بِٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ وَيَقُولُونَ فِىٓ أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ ۚ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا ۖ فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 108 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨ من سورة المجادلة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨ من سورة المجادلة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله ( ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ) قال : اليهود وكذا قال مقاتل بن حيان ، وزاد : كان بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين اليهود موادعة ، وكانوا إذا مر بهم رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - جلسوا يتناجون بينهم ، حتى يظن المؤمن أنهم يتناجون بقتله - أو : بما يكره المؤمن - فإذا رأى المؤمن ذلك خشيهم ، فترك طريقه عليهم .

فنهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن النجوى ، فلم ينتهوا وعادوا إلى النجوى ، فأنزل الله : ( ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ) .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي ، حدثني سفيان بن حمزة ، عن كثير ، عن زيد ، عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري ، عن أبيه ، عن جده قال : كنا نتناوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نبيت عنده ; يطرقه من الليل أمر وتبدو له حاجة .

فلما كانت ذات ليلة كثر أهل النوب والمحتسبون حتى كنا أندية نتحدث ، فخرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " ما هذا النجوى ؟

ألم تنهوا عن النجوى ؟

" .

قلنا : تبنا إلى الله يا رسول الله ، إنا كنا في ذكر المسيح فرقا منه .

فقال : " ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي منه ؟

" .

قلنا : بلى يا رسول الله ، قال : " الشرك الخفي ، أن يقوم الرجل يعمل لمكان رجل " .

هذا إسناد غريب ، وفيه بعض الضعفاء وقوله : ( ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول ) أي : يتحدثون فيما بينهم بالإثم ، وهو ما يختص بهم ، والعدوان وهو ما يتعلق بغيرهم ، ومنه معصية الرسول ومخالفته ، يصرون عليها ويتواصون بها .

وقوله : ( وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ) قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا ابن نمير ، عن الأعمش ، عن مسلم عن مسروق ، عن عائشة قالت : دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يهود فقالوا : السام عليك يا أبا القاسم .

فقالت عائشة : وعليكم السام واللعنة قالت : فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا عائشة ، إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش " .

قلت : ألا تسمعهم يقولون : السام عليك ؟

فقال رسول الله : " أوما سمعت أقول : وعليكم ؟

" .

فأنزل الله : ( وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ) وفي رواية في الصحيح أنها قالت لهم : عليكم السام والذام واللعنة .

وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إنه يستجاب لنا فيهم ، ولا يستجاب لهم فينا " وقال ابن جرير : حدثنا بشر ، حدثنا يزيد ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينما هو جالس مع أصحابه ، إذ أتى عليهم يهودي فسلم عليهم ، فردوا عليه ، فقال نبي الله - صلى الله عليه وسلم - : " هل تدرون ما قال ؟

" .

قالوا : سلم يا رسول الله .

قال : " بل قال : سام عليكم ، أي : تسامون دينكم " .

قال رسول الله : " ردوه " .

فردوه عليه .

فقال نبي الله : " أقلت : سام عليكم ؟

" .

قال : نعم .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا سلم عليكم أحد من أهل الكتاب فقولوا : عليك " أي : عليك ما قلت وأصل حديث أنس مخرج في الصحيح ، وهذا الحديث في الصحيح عن عائشة بنحوه وقوله : ( ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول ) أي : يفعلون هذا ، ويقولون ما يحرفون من الكلام وإيهام السلام ، وإنما هو شتم في الباطن ، ومع هذا يقولون في أنفسهم : لو كان هذا نبيا لعذبنا الله بما نقول له في الباطن ; لأن الله يعلم ما نسره ، فلو كان هذا نبيا حقا لأوشك أن يعاجلنا الله بالعقوبة في الدنيا ، فقال الله تعالى : ( حسبهم جهنم ) أي : جهنم كفايتهم في الدار الآخرة ( يصلونها فبئس المصير ) وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، حدثنا حماد ، عن عطاء بن السائب ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو أن اليهود كانوا يقولون لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : سام عليك ، ثم يقولون في أنفسهم : ( لولا يعذبنا الله بما نقول ) ؟

، فنزلت هذه الآية : ( وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير ) إسناد حسن ولم يخرجوه وقال العوفي ، عن ابن عباس : ( وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ) قال : كان المنافقون يقولون لرسول الله إذا حيوه : " سام عليك " قال الله : ( حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (8) &; 23-238 &; يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ) من اليهود، (ثُمَّ يَعُودُونَ )، فقد نهى الله عز وجل إياهم عنها، ويتناجون بينهم بالإثم والعدوان ومعصية الرسول.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ) قال: اليهود.

قوله: (ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ ) يقول جلّ ثناؤه: ثم يرجعون إلى ما نهوا عنه من النجوى، (وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ ) يقول جلّ ثناؤه: ويتناجون بما حرّم الله عليهم من الفواحش والعدوان، وذلك خلاف أمر الله، ومعصية الرسول محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: (وَيَتَنَاجَوْنَ ) فقرأت ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين والبصريين (وَيَتَنَاجَوْنَ ) على مثال يتفاعلون، وكان يحيى وحمزة والأعمش يقرءون ( وَيَنْتَجُونَ ) على مثال يفتعلون.

واعتلّ الذين قرءوه (يَتَنَاجَوْنَ ) بقوله: إِذَا تَنَاجَيْتُمْ ولم يقل: إذا انتجيتم.

وقوله: (وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: وإذا جاءك يا محمد هؤلاء الذين نهوا عن النجوى، الذين وصف الله جلّ ثناؤه صفتهم، حيوك بغير التحية التي جعلها الله لك تحية، وكانت تحيتهم التي كانوا يحيونه بها، التي أخبر الله أنه لم يحيه بها فيما جاءت به الأخبار، أنهم كانوا يقولون: السام عليك.

ذكر الرواية الواردة بذلك: حدثنا ابن حُميد وابن وكيع قالا ثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة قالت: " جاء ناس &; 23-239 &; من اليهود إلى النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم، فقلت: السام عليكم، وفعل الله بكم وفعل، فقال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: يا عائشة إنَّ الله لا يُحِبُّ الفُحش، فقلت: يا رسول الله، ألست ترى ما يقولون؟

فقال: " ألست ترينني أرد عليهم ما يقولون؟

أقول: عليكم " وهذه الآية في ذلك نـزلت: (وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير ).

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة قالت: " كان اليهود يأتون النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فيقولون: السام عليكم، فيقول: عليكم، قالت عائشة: السام عليكم وغضب الله، فقال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " إنَّ الله لا يحبُّ الفاحشَ المُتَفحِّشَ"، قالت: إنهم يقولون: السام عليكم، قال: " إني أقول: عليكم "، فنـزلت: (وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ) قال: فإن اليهود يأتون النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فيقولون: السام عليكم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق (وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ) قال: كانت اليهود يأتون النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فيقولون: السام عليكم.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ) ...

إلى (فَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) قال: كان المنافقون يقولون لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إذا حيوه: سام عليكم، فقال الله: (حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) .

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح.

&; 23-240 &; عن مجاهد، في قوله: (وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ) قال: يقولون: سام عليكم، قال: هم أيضًا يهود.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: (حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ) قال: اليهود كانت تقول: سام عليكم.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهري أن عائشة فطنت إلى قولهم، فقالت: وعليكم السامة واللعنة، فقال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " مهلا يا عائشة إن الله يحِبُّ الرّفْقَ في الأمرِ كُلِّه "، فقالت: يا نبيّ الله ألم تسمع ما يقولون؟

قال: " أفلم تسمعي ما أردُّ عليهم؟

أقول: عليكم ".

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك أنّ نبي الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بينما هو جالس مع أصحابه، إذ أتى عليهم يهوديّ، فسلم عليهم، فردوا عليه، فقال نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " هَلْ تَدْرُونَ ما قَال؟

" قالوا: سلم يا رسول الله، قال: " بَلْ قَالَ: سأْمٌ عليْكُمْ، أي تسأمون دينكم، فقال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " أَقُلْتَ سَأمٌ عليْكُمْ؟

قَالَ: نعم، فقال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " إذا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ فَقُولُوا وَعَلَيْكَ": أي عليك ما قلت.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: (وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ) قال: هؤلاء يهود، جاء ثلاثة نفر منهم إلى باب النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فتناجوا ساعة، ثم استأذن أحدهم، فأذن له النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فقال: السام عليكم، فقال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " عَلَيْكَ"، ثُمَّ الثاني، ثُمَّ الثَالِثُ قال ابن زيد: السام: الموت.

وقوله جلّ ثناؤه: (وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ ) يقول جل ثناؤه: ويقول محيوك بهذه التحية من اليهود: هلا يعاقبنا الله بما نقول لمحمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فيعجل عقوبته لنا على ذلك، يقول الله: حَسْب &; 23-241 &; قائلي ذلك يا محمد جهنم، وكفاهم بها يصلونها يوم القيامة، فبئس المصير جهنم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصيرفيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه قيل : إن هذا في اليهود والمنافقين حسب ما قدمناه .

وقيل : في المسلمين .

قال ابن عباس : نزلت في اليهود والمنافقين ؛ كانوا يتناجون فيما بينهم ، وينظرون للمؤمنين ويتغامزون بأعينهم ، فيقول المؤمنون : لعلهم بلغهم عن إخواننا وقرابتنا من المهاجرين والأنصار قتل أو مصيبة أو هزيمة ، ويسوءهم ذلك ، فكثرت شكواهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فنهاهم عن النجوى فلم ينتهوا فنزلت .

وقال مقاتل : كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين اليهود موادعة ، فإذا مر بهم رجل من المؤمنين تناجوا بينهم حتى يظن المؤمن شرا ، فيعرج عن طريقه ، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينتهوا ؛ فنزلت .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : كان الرجل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيسأل الحاجة ويناجيه والأرض يومئذ حرب ، فيتوهمون أنه يناجيه في حرب أو بلية أو أمر مهم فيفزعون لذلك فنزلت .الثانية : روى أبو سعيد الخدري قال : كنا ذات ليلة نتحدث إذ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما هذه النجوى ألم تنهوا عن النجوى فقلنا : تبنا إلى الله يا رسول الله ، إنا كنا في ذكر المسيخ - يعني الدجال - فرقا منه .

فقال : ألا أخبركم بما هو أخوف عندي منه ؟

قلنا : بلى [ ص: 261 ] يا رسول الله ، قال : الشرك الخفي أن يقوم الرجل يعمل لمكان رجل ذكره الماوردي .وقرأ حمزة وخلف ورويس عن يعقوب " وينتجون " في وزن يفتعلون وهي قراءة عبد الله وأصحابه .

وقرأ الباقون " ويتناجون " في وزن يتفاعلون ، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم ، لقوله تعالى : إذا تناجيتم و تناجوا .

النحاس : وحكى سيبويه أن تفاعلوا وافتعلوا يأتيان بمعنى واحد ، نحو تخاصموا واختصموا ، وتقاتلوا واقتتلوا فعلى هذا يتناجون و " ينتجون " واحد .

ومعنى بالإثم والعدوان أي : الكذب والظلم .ومعصية الرسول أي : مخالفته .

وقرأ الضحاك ومجاهد وحميد " ومعصيات الرسول " بالجمع .الثالثة : قوله تعالى : وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله لا خلاف بين النقلة أن المراد بها اليهود ، كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيقولون : السام عليك .

يريدون بذلك السلام ظاهرا وهم يعنون الموت باطنا ، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم : عليكم في رواية ، وفي رواية أخرى : وعليكم .

قال ابن العربي : وهي مشكلة .

وكانوا يقولون : لو كان محمد نبيا لما أمهلنا الله بسبه والاستخفاف به ، وجهلوا أن الباري تعالى حليم لا يعاجل من سبه ، فكيف من سب نبيه .

وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا أحد أصبر على الأذى من الله ، يدعون له الصاحبة والولد وهو يعافيهم ويرزقهم فأنزل الله تعالى هذا كشفا لسرائرهم ، وفضحا لبواطنهم ، معجزة لرسوله صلى الله عليه وسلم .

وقد ثبت عن قتادة عن أنس أن يهوديا أتى على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه فقال : السام عليكم .

فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال : أتدرون ما قال هذا ؟

قالوا : الله ورسوله أعلم .

قال : قال : " كذا ردوه علي " فردوه ، قال : " قلت السام عليكم " قال : نعم .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك : إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا عليك ما قلت فأنزل الله تعالى : وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله .[ ص: 262 ] قلت : خرجه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح .

وثبت عن عائشة أنها قالت : جاء أناس من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : السام عليك يا أبا القاسم .

فقلت : السام عليكم وفعل الله بكم وفعل .

فقال عليه السلام : مه يا عائشة فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش فقلت : يا رسول الله ألست ترى ما يقولون ؟

فقال : ألست ترين أرد عليهم ما يقولون أقول وعليكم فنزلت هذه الآية بما لم يحيك به الله أي : إن الله سلم عليك وهم يقولون السام عليك ، والسام الموت .

خرجه البخاري ومسلم بمعناه .

وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم كذا الرواية " وعليكم " بالواو ، تكلم عليها العلماء ، لأن الواو العاطفة يقتضي التشريك فيلزم منه أن يدخل معهم فيما دعوا به علينا من الموت ، أو من سآمة ديننا وهو الملال .

يقال : سئم يسأم سآمة وسآما .

فقال بعضهم : الواو زائدة كما زيدت في قول الشاعر :فلما أجزنا ساحة الحي وانتحىأي : لما أجزنا انتحى ، فزاد الواو .

وقال بعضهم : هي للاستئناف ، كأنه قال : والسام عليكم .

وقال بعضهم : هي على بابها من العطف ولا يضرنا ذلك ، لأنا نجاب عليهم ولا يجابون علينا ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم .

روى الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : سلم ناس من يهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : السام عليك يا أبا القاسم ، فقال : وعليكم فقالت عائشة وغضبت : ألم تسمع ما قالوا ؟

قال : بلى قد سمعت فرددت عليهم ، وإنا نجاب عليهم ولا يجابون علينا خرجه مسلم .

ورواية الواو أحسن معنى ، وإثباتها أصح رواية وأشهر .وقد اختلف في رد السلام على أهل الذمة هل هو واجب كالرد على المسلمين ، وإليه ذهب ابن عباس والشعبي وقتادة ، للأمر بذلك .

وذهب مالك فيما روى عنه أشهب وابن وهب إلى أن ذلك ليس بواجب فإن رددت فقل : عليك .

وقد اختار ابن طاوس أن يقول في الرد عليهم : علاك السلام أي : ارتفع عنك .

واختار بعض أصحابنا : " السلام " بكسر السين ، يعني الحجارة .

وما قاله مالك أولى اتباعا للسنة ، والله أعلم .

وروى مسروق عن عائشة قالت : أتى النبي صلى الله عليه وسلم ناس من اليهود ، فقالوا : السام عليك يا أبا القاسم ، قال : وعليكم ، قالت عائشة : [ ص: 263 ] قلت : بل عليكم السام والذام .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عائشة لا تكوني فاحشة فقالت : ما سمعت ما قالوا ؟

فقال : أوليس قد رددت عليهم الذي قالوا قلت : وعليكم .

وفي رواية قال : ففطنت بهم عائشة فسبتهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مه يا عائشة فإن الله لا يحب الفحش والتفحش وزاد : فأنزل الله تبارك وتعالى : وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله إلى آخر الآية .

" الذام " بتخفيف الميم هو العيب ، وفي المثل ( لا تعدم الحسناء ذاما ) أي : عيبا ، ويهمز ولا يهمز ، يقال : ذأمه يذأمه ، مثل ذأب يذأب ، والمفعول " مذءوم " مهموزا ، ومنه مذءوما مدحورا ويقال : ذامه يذومه مخففا كرامه يرومه .قوله تعالى : ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول قالوا : لو كان محمد نبيا لعذبنا الله بما نقول فهلا يعذبنا الله .

وقيل : قالوا : إنه يرد علينا ويقول : وعليكم السام والسام الموت ، فلو كان نبيا لاستجيب له فينا ومتنا .

وهذا موضع تعجب منهم ؛ فإنهم كانوا أهل كتاب ، وكانوا يعلمون أن الأنبياء قد يغضبون فلا يعاجل من يغضبهم بالعذاب .حسبهم جهنم يصلونها أي : كافيهم جهنم عقابا غدا فبئس المصير أي : المرجع .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

النجوى هي: التناجي بين اثنين فأكثر، وقد تكون في الخير، وتكون في الشر.فأمر الله تعالى المؤمنين أن يتناجوا بالبر، وهو اسم جامع لكل خير وطاعة، وقيام بحق لله ولعباده والتقوى، وهي [هنا]: اسم جامع لترك جميع المحارم والمآثم، فالمؤمن يمتثل هذا الأمر الإلهي، فلا تجده مناجيا ومتحدثا إلا بما يقربه من الله، ويباعده من سخطه، والفاجر يتهاون بأمر الله، ويناجي بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، كالمنافقين الذين هذا دأبهم وحالهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم.قال تعالى { وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ } أي: يسيئون الأدب معك في تحيتهم لك، { وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ } أي: يسرون في أنفسهم ما ذكره عالم الغيب والشهادة عنهم، وهو قولهم: { لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ } ومعنى ذلك أنهم يتهاونون بذلك، ويستدلون بعدم تعجيل العقوبة عليهم، أن ما يقولون غير محذور، قال تعالى في بيان أنه يمهل ولا يهمل: { حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ } أي: تكفيهم جهنم التي جمعت كل شقاء وعذاب [عليهم]، تحيط بهم، ويعذبون بها { فَبِئْسَ الْمَصِيرُ } وهؤلاء المذكورون إما أناس من المنافقين يظهرون الإيمان، ويخاطبون الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الخطاب الذي يوهمون أنهم أرادوا به خيرا وهم كذبة في ذلك، وإما أناس من أهل الكتاب، الذين إذا سلموا على النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: \"السام عليك يا محمد\" يعنون بذلك الموت.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى"، نزلت في اليهود والمنافقين وذلك أنهم كانوا يتناجون فيما بينهم دون المؤمنين وينظرون إلى المؤمنين ويتغامزون بأعينهم ، يوهمون المؤمنين أنهم يتناجون فيما يسوءهم ، فيحزنون لذلك ويقولون ما نراهم إلا وقد بلغهم عن إخواننا الذين خرجوا في السرايا قتل أو موت أو هزيمة ، فيقع ذلك في قلوبهم ويحزنهم ، فلما طال ذلك عليهم وكثر شكوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمرهم أن لا يتناجوا دون المسلمين فلم ينتهوا عن ذلك وعادوا إلى مناجاتهم فأنزل الله " ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى " أي المناجاة ( ثم يعودون لما نهوا عنه ) أي يرجعون إلى المناجاة التي نهوا عنها ( ويتناجون ) قرأ الأعمش وحمزة : و " وينتجون " على وزن يفتعلون ، وقرأ الآخرون " يتناجون " لقوله : " إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول " وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قد نهاهم عن النجوى فعصوه ( وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ) وذلك أن اليهود كانوا يدخلون على النبي - صلى الله عليه وسلم - ( ويقولون ) السام عليك .

" والسام " : الموت ، وهم يوهمونه أنهم يقولون : السلام عليك ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يرد عليهم فيقول : عليكم ، فإذا خرجوا قالوا : ( في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول ) يريدون : لو كان نبيا حقا لعذبنا الله بما نقول ، قال الله - عز وجل - : ( حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير ) أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا عبد الوهاب ، حدثنا أبو أيوب عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة : " أن اليهود أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وقالوا : السام عليك قال : وعليكم ، فقالت عائشة : السام عليكم ولعنكم الله وغضب عليكم ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : مهلا يا عائشة عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش ، قالت : أولم تسمع ما قالوا ؟

قال : أولم تسمعي ما قلت ؟

رددت عليهم فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم في .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أم ترَ» تنظر «إلى الذين نُهوا على النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول» الريبة «وإذا جاءُوك حيوك» أيها النبي «بما لم يحيك به الله» وهو قولهم: السام عليك، أي الموت «ويقولون في أنفسهم لولا» هلا «يعذبنا الله بما نقول» من التحية وأنه ليس بنبي إن كان نبيا «حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير» هي.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ألم تر -أيها الرسول- إلى اليهود الذين نُهوا عن الحديث سرًّا بما يثير الشك في نفوس المؤمنين، ثم يرجعون إلى ما نُهوا عنه، ويتحدثون سرًّا بما هو إثم وعدوان ومخالفة لأمر الرسول؟

وإذا جاءك -أيها الرسول- هؤلاء اليهود لأمر من الأمور حيَّوك بغير التحية التي جعلها الله لك تحية، فقالوا: (السام عليك) أي: الموت لك، ويقولون فيما بينهم: هلا يعاقبنا الله بما نقول لمحمد إن كان رسولا حقًا، تكفيهم جهنم يدخلونها، ويقاسون حرها، فبئس المرجع هي.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم عجَّب الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - من حال قوم يؤثرون الغى على الرشد ، ويُنصحون فلا يستجيبون للنصيحة ، ويُنهون عن الشرور فيأبون إلا الانغماس فيها ، فقال - تعالى - : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نُهُواْ عَنِ النجوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بالإثم والعدوان وَمَعْصِيَتِ الرسول ) .قال الآلوسى : قال ابن عباس : نزلت فى اليهود والمنافقين ، كانوا يتناجون دون المؤمنين ، وينظرون إليهم ويتغامزون بأعينهم عليهم ، يوهمونهم عند أقاربه أنهم أصابهم شر ، فلما كثر ذلك منهم شكا المؤمنون إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فنهاهم عن التناجى دون المؤمنين ، فعادوا لمثل فعلهم .والخطاب للرسول - صلى الله عليه وسلم - والهمزة للتعجب من حالهم ، وصيغة المضارع للدلالة على تكرار فعلهم ، وتجدده ، واستحضار صورته الغريبة .والمعنى : إن شئت أن تعجب - أيها الرسول الكريم - فاعجب من حال هؤلاء اليهود والمنافقين الذين نهيتهم أنت عن التناجى فيما بينهم ، بما يقلق المؤمنين ويغيظهم .

.

ولكنهم لم يستجيبوا لنصحك ونهيك ، بل استمروا على تناجيهم بما هو إثم وعدوان ومعصية لك ، ولما جئتهم به من عند الله - تعالى - .وعبر بقوله - تعالى - : ( ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ) للإشعار بأنهم قوم لا تؤثر فيهم النصائح وإنما هم يستمعون إليها ، ثم يهجرون العمل بها .ويعودون إلى فجورهم وفسقهم .ووصف تناجيهم بأنه كان مشتملا على الإثم والعدوان ومعصية الرسول ، لا على الإثم فقط أو على العدوان فقط .

.

.

لبيان أن تناجيهم مشتمل على كل أنواع السوء والفحشاء ، فهم يتناجون بكلام هو إثم وشر فى ذاته ، وبأقوال مشتملة على ظلم المؤمنين والاعتداء على دينهم وعلى أعراضهم ، وبأفعال هى معصية للرسول - صلى الله عليه وسلم - ، لأنهم لم يستجيبوا لنهيه إياهم عن المناجاة بما يؤذى المؤمنين ويحزنهم .

.

.

بل استمروا فى طغيانهم يعمهون .والباء فى قوله : ( بالإثم ) للملابسة ، أى يتناجون متلبسين بالإثم وبالعدوان وبمعصية الرسول - صلى الله عليه وسلم - .ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المنافقين ومن لف لفهم من اليهود ، لم يكتفوا بتلك المناجاة القبيحة التى كانوا يديرونها فيما بينهم ، لإغاظة المؤمنين ، بل أضافوا إلى ذلك النطق أمام الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالكلام السيىء وبالعبارات التى تدل على سوء طويتهم ، فقال - تعالى - : ( وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ الله ) .أى : وإذا جاء هؤلاء المنافقين واليهود إلى مجلسك - أيها الرسول الكريم - ألقوا إليك بتحية ، هذه التحية لم يأذن بها الله - تعالى - ولم يخاطبك بها .وقد كان المافقون عندما يدخلون على الرسول - صلى الله عليه وسلم لا يقولون له كلمة : " السلام عليكم " - وهى تحية الإسلام ، إنما يقولون له : أنعم صباحا أو مساء .

.

.

متجنبين النطق بتحية الإسلام ، ومستعملين تحية الجاهلية .روى الشيخان عن عائشة : " أن ناسا من اليهود ، دخلوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : السام - أى : الموت - عليك يا أبا القاسم .

فقال - صلى الله عليه وسلم - " وعليكم " .قالت عائشة : وقلت : عليكم السام ولعنكم الله وغضب عليكم .فقال - صلى الله عليه وسلم - يا عائشة إن الله لا يحب الفاحش والمتفحش .فقلت : ألا تسمعهم يقولون : السام؟

فقال - صلى الله عليه وسلم - " أو سمعت قولى : عليكم " فأنزل الله - تعالى - ( وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ الله ) " .ثم بين - سبحانه - رذيلة أخرى من رذائلهم المتعددة فقال : ( وَيَقُولُونَ في أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا الله بِمَا نَقُولُ ) .والمراد بأنفسهم هنا : أى فيما بينهم وفى مجامعهم ، أو فيما يبنهم وبين أنفسهم .أى : إذا جاءك هؤلاء المنافقون ومن على شاكلتهم فى الضلال ، نطقوا أمامك بتحية لم يحيك بها الله - تعالى - ولا يكتفون بذلك ، بل يقولون فيما بينهم على سبيل التباهى والجحود للحق ( لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا الله بِمَا نَقُولُ ) أى : هلا يعذبنا الله بسبب ما قلناه لو كان محمدا - صلى الله عليه وسلم - رسولا من عنده - تعالى - أى : أنهم ينكرون نبوته - صلى الله عليه وسلم - لأنها - فى زعمهم لو كانت حقا ، لعذبهم الله - تعالى - بسبب إساءتهم إليه ، وإعراضهم عن نهيه لهم .وقد رد الله - تعالى - عليهم بما يكبتهم ، وبما يسلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ المصير ) .أى : لا تحزن - أيها الرسول الكريم - لمسالك هؤلاء المنافقين معك ومع أصحابك ، فإن هؤلاء المنافقين ومن لف لفهم ، كافيهم من العذاب جهنم يصلونها وياقسون حرها ، فبئس المصير جهنم لو كانوا يعلمون .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ثم إنه تعالى بين حال أولئك الذين نهوا عن النجوى فقال: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نُهُواْ عَنِ النجوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ﴾ واختلفوا في أنهم من هم؟

فقال الأكثرون: هم اليهود، ومنهم من قال: هم المنافقون، ومنهم من قال: فريق من الكفار، والأول أقرب، لأنه تعالى حكى عنهم فقال: ﴿ وَإِذَا جَاءوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيّكَ بِهِ الله ﴾ ، وهذا الجنس فيما روي وقع من اليهود، فقد كانوا إذا سلموا على الرسول عليه السلام قالوا: السام عليك، يعنون الموت، والأخبار في ذلك متظاهرة، وقصة عائشة فيها مشهورة.

ثم قال تعالى: ﴿ ويتناجون بالإثم والعدوان وَمَعْصِيَتِ الرسول وَإِذَا جَاءوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيّكَ بِهِ الله وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذّبُنَا الله بِمَا نَقُولُ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال المفسرون: إنه صح أن أولئك الأقوام كانوا يتناجون فيما بينهم ويوهمون المؤمنين أنهم يتناجون فيما يسوءهم، فيحزنون لذلك، فلما أكثروا ذلك شكا المسلمون ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرهم أن لا يتناجوا دون المسلمين، فلم ينتهوا عن ذلك وعادوا إلى مناجاتهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقوله: ﴿ ويتناجون بالإثم والعدوان ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن الإثم والعدوان هو مخالفتهم للرسل في النهي عن النجوى لأن الإقدام على المنهي يوجب الإثم والعدوان، سيما إذا كان ذلك الإقدام لأجل المناصبة وإظهار التمرد.

والثاني: أن الإثم والعدوان هو ذلك السر الذي كان يجري بينهم، لأنه إما مكر وكيد بالمسلمين أو شيء يسوءهم.

المسألة الثانية: قرأ حمزة وحده، (ويتنجون) بغير ألف، والباقون: ﴿ يتناجون ﴾ ، قال أبو علي: ينتجون يفتعلون من النجوى، والنجوى مصدر كالدعوى والعدوى، فينتجون ويتناجون واحد، فإن يفتعلون، ويتفاعلون، قد يجريان مجرى واحد، كما يقال: ازدوجوا، واعتوروا، وتزاوجوا وتعاوروا، وقوله تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا اداركوا فِيهَا  ﴾ وادركوا فادركوا افتعلوا، وادركوا تفاعلوا وحجة من قرأ: ﴿ يتناجون ﴾ ، قوله: ﴿ إِذَا ناجيتم الرسول  ﴾ ﴿ وتناجوا بالبر والتقوى  ﴾ فهذا مطاوع ناجيتم، وليس في هذا رد لقراءة حمزة: ينتجون، لأن هذا مثله في الجواز، وقوله تعالى: ﴿ ومعصية الرسول ﴾ قال صاحب الكشاف: قرئ (ومعصيات الرسول)، والقولان هاهنا كما ذكرناه في الإثم والعدوان وقوله: ﴿ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيّكَ بِهِ الله ﴾ يعني أنهم يقولون في تحيتك: السام عليك يا محمد والسام الموت، والله تعالى يقول: ﴿ وسلام على عِبَادِهِ الذين اصطفى  ﴾ و ﴿ يا أيها الرَّسُول ﴾ و ﴿ يا أيها النبي ﴾ ثم ذكر تعالى أنهم ﴿ يَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذّبُنَا الله بِمَا نَقُولُ ﴾ يعني أنهم يقولون في أنفسهم: إنه لو كان رسولاً فلم لا يعذبنا الله بهذا الاستخفاف.

ثم قال تعالى: ﴿ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ المصير ﴾ والمعنى أن تقدم العذاب إنما يكون بحسب المشيئة، أو بحسب المصلحة، فإذا لم تقتض المشيئة تقديم العذاب، ولم يقتض الصلاح أيضاً ذلك، فالعذاب في القيامة كافيهم في الردع عما هم عليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

كانت اليهود والمنافقون يتناجون فيما بينهم ويتغامزون بأعينهم إذا رأوا المؤمنين، يريدون أن يغيظوهم، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعادوا لمثل فعلهم، وكان تناجيهم بما هو إثم وعدوان للمؤمنين وتواص بمعصية الرسول ومخالفته.

وقرئ: ﴿ ينتجون بالإثم والعدوان ﴾ بكسر العين، ومعصيات الرسول ﴿ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ الله ﴾ يعني أنهم يقولون في تحيتك: السام عليك يا محمد؛ والسام: الموت؛ والله تعالى يقول: ﴿ وسلام على عِبَادِهِ الذين اصطفى ﴾ [النمل: 59] و ﴿ يا أيها الرسول ﴾ [المائدة: 41، 67] و ﴿ يا أيها النبي ﴾ [الأنفال: 64] ﴿ لَوْلاَ يُعَذّبُنَا الله بِمَا نَقُولُ ﴾ كانوا يقولون: ماله إن كان نبياً لا يدعو علينا حتى يعذبنا الله بما نقول، فقال الله تعالى: ﴿ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ ﴾ عذاباً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ ﴾ نَزَلَتْ في اليَهُودِ والمُنافِقِينَ كانُوا يَتَناجَوْنَ فِيما بَيْنَهم ويَتَغامَزُونَ بِأعْيُنِهِمْ إذا رَأوُا المُؤْمِنِينَ فَنَهاهم رَسُولُ اللَّهِ  ثُمَّ عادُوا لِمِثْلِ فِعْلِهِمْ.

﴿ وَيَتَناجَوْنَ بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَتِ الرَّسُولِ ﴾ أيْ بِما هو إثْمٌ وعُدْوانٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وتَواصٍ بِمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ، وقَرَأ حَمْزَةُ «وَيْنَتِجُونَ» وهو يَفْتَعِلُونَ مِنَ النَّجْوى ورُوِيَ عَنْ يَعْقُوبَ مِثْلُهُ.

﴿ وَإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ﴾ فَيَقُولُونَ السّامُ عَلَيْكَ، أوْ أنْعِمْ صَباحًا واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى.

﴿ وَيَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ ﴾ فِيما بَيْنَهم.

﴿ لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ ﴾ هَلّا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِذَلِكَ لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا.

﴿ حَسْبُهم جَهَنَّمُ ﴾ عَذابًا.

﴿ يَصْلَوْنَها ﴾ يَدْخُلُونَها.

﴿ فَبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ جَهَنَّمُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نُهُواْ عَنِ النجوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول} كانت اليهود والمنافقون يتناجون فيما بينهم ويتغامرون فيما بينهم ويتغامرون بأعينهم إذا رؤوا المؤمنين ويريدون ان يغيظوهم ويؤهموهم في نجواهم وتغامزهم غلبوا وأن أقاربهم قتلوا فنهاهم رسول

الله صلى الله عليه وسلم فعادوا لمثل فعلهم وكان تناجيهم بما هو إثم وعدوان للمؤمنين وتواص بمعصية الرسول ومخالفته وينجون حمزة وهو بمعنى الأول {وإذا جاؤوك حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيّكَ بِهِ الله} يعني أنهم يقولون في تحيتك السام عليك والسام الموت والله تعالى يقول وسلام على عباده الذين اصطفى يا أيها الرسول ويا أيها النبي {وَيَقُولُونَ فِى أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذّبُنَا الله بِمَا نَقُولُ} أي يقولون فيما بينهم لو كان نبينا لعاقبنا الله بما نقوله فقال الله تعالى {حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ} عذاباً {يَصْلَوْنَهَا} حال أي يدخلونها {فبئس المصير} المرجع جهنم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: نَزَلَتْ في اليَهُودِ والمُنافِقِينَ كانُوا يَتَناجَوْنَ دُونَ المُؤْمِنِينَ ويَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ ويَتَغامَزُونَ بِأعْيُنِهِمْ عَلَيْهِمْ يُوهِمُونَهم عَنْ أقارِبِهِمْ أنَّهم أصابَهم شَرٌّ فَلا يَزالُونَ كَذَلِكَ حَتّى تَقَدَّمَ أقارِبُهم فَلَمّا كَثُرَ ذَلِكَ مِنهم شَكا المُؤْمِنُونَإلى الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَنَهاهم أنْ يَتَناجَوْا دُونَ المُؤْمِنِينَ فَعادُوا لِمِثْلِ فِعْلِهِمْ، وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ.

وقالَ ابْنُ السّائِبِ: في المُنافِقِينَ، والخِطابُ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والهَمْزَةُ لِلتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ عَوْدِهِمْ وتَجَدُّدِهِ واسْتِحْضارِ صُورَتِهِ العَجِيبَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ويَتَناجَوْنَ بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَتِ الرَّسُولِ ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ داخِلٌ في حُكْمِهِ أيْ ويَتَناجَوْنَ بِما هو إثْمٌ في نَفْسِهِ ووَبالٌ عَلَيْهِمْ وتَعَدٍّ عَلى المُؤْمِنِينَ وتَواصٍ بِمُخالَفَةِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وذَكَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ بَيْنَ الخِطابَيْنِ المُتَوَجِّهَيْنِ - وإلَيْهِ  - لِزِيادَةِ تَشْنِيعِهِمْ واسْتِعْظامِ مَعْصِيَتِهِمْ.

وقَرَأ حَمْزَةُ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ ودُوَيْسٌ - ويَنْتَجُونَ - بِنُونٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ الياءِ وضَمِّ الجِيمِ مُضارِعَ انْتَجى، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ -العِدْوانِ - بِكَسْرِ العَيْنِ حَيْثُ وقَعَ، وقُرِئَ - مَعْصِيّاتِ - بِالجَمْعِ ونُسِبَتْ فِيما بَعْدُ إلى الضَّحّاكِ ﴿ وإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ﴾ صَحَّ مِن رِوايَةِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ وغَيْرِهِما عَنْ عائِشَةَ ««أنَّ ناسًا مِنَ اليَهُودِ دَخَلُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: السّامُ عَلَيْكَ يا أبا القاسِمِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: وعَلَيْكم، قالَتْ عائِشَةُ: وقُلْتُ: عَلَيْكُمُ السّامُ ولَعَنَكُمُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْكم»» وفي رِوايَةٍ ««عَلَيْكُمُ السّامُ والذّامُ واللَّعْنَةُ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: يا عائِشَةُ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفاحِشَ ولا المُتَفَحِّشَ، فَقُلْتُ: ألا تَسْمَعُهم يَقُولُونَ: السّامُ ؟

!

فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: أوَما سَمِعْتِ أقُولُ: وعَلَيْكم ؟

!» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ وإذا جاءُوكَ ﴾ » الآيَةَ.

وأخْرَجَ أحْمَدُ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سامٌ عَلَيْكَ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ شَتْمَهُ ثُمَّ يَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ: لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ وإذا جاءُوكَ ﴾ إلَخْ»، والسّامُ قالَ ابْنُ الأثِيرِ: المَشْهُورُ فِيهِ تَرْكُ الهَمْزِ ويَعْنُونَ بِهِ المَوْتَ، وجاءَ في رِوايَةٍ مَهْمُوزًا ومَعْناهُ أنَّكم تَسْأمُونَ دِينَكم، وصَرَّحَ الخَفاجِيُّ بِأنَّهُ بِمَعْنى المَوْتِ عِبْرانِيٌّ، ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الهَمْزَ وتَرْكَهُ.

وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: مَن قالَ: السّامُ المَوْتُ فَهو مِن سَأمَ الحَياةَ بِذَهابِها وهَذا إرْجاعٌ لَهُ إلى المَهْمُوزِ، وجَعَلَ البَيْضاوِيُّ مِنَ التَّحِيَّةِ الَّتِي لَمْ يُحَيِّهِ بِها اللَّهُ تَعالى تَحِيَّتَهم لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْعِمْ صَباحًا وهي تَحِيَّةُ الجاهِلِيَّةِ كَعِمْ صَباحًا ولَمْ نَقِفْ عَلى أثَرٍ في ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ويَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ ﴾ أيْ فِيما بَيْنَهم، وجُوِّزَ إبْقاؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ ﴿ لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ ﴾ أيْ هَلّا يُعَذِّبُنا اللَّهُ تَعالى بِسَبَبِ ذَلِكَ لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَبِيًّا - أيْ لَوْ كانَ نَبِيًّا عَذَّبَنا اللَّهُ تَعالى بِسَبَبِ ما نَقُولُ مِنَ التَّحِيَّةِ - أوْفَقُ بِالأوَّلِ لِأنَّ أنْعِمْ صَباحًا دُعاءٌ بِخَيْرٍ والعُدُولُ إلَيْهِ عَنْ تَحِيَّةِ الإسْلامِ الَّتِي حَيّا اللَّهُ تَعالى بِها رَسُولَهُ صَلى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأُشِيرَ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ  ﴾ ﴿ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى  ﴾ وما جاءَ في التَّشَهُّدِ ««السَّلامَ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيُّ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ»» لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ إثْمٍ يُتَوَقَّعُ مَعَهُ التَّعْذِيبُ الدُّنْيَوِيُّ حَتّى أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ إذا لَمْ يُعَذَّبُوا اللَّهُمَّ إلّا إذا انْضَمَّ إلَيْهِ أنَّهم قَصَدُوا بِذَلِكَ تَحْقِيرًا وإعْلانًا بِعَدَمِ الِاكْتِراثِ، ولَعَلَّ قائِلَ ذَلِكَ هُمُ المُنافِقُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ وهو أظْهَرُ مِن كَوْنِ قائِلِهِ اليَهُودُ، وحُكْمُ التَّحِيَّةِ بِهِ اليَوْمَ أنَّها خِلافُ السُّنَّةِ، والقَوْلُ بِالكَراهَةِ غَيْرُ بَعِيدٍ.

وفِي تُحْفَةِ المُحْتاجِ لا يَسْتَحِقُّ مُبْتَدى بِنَحْوِ صَبَّحَكَ اللَّهُ بِالخَيْرِ أوْ قَوّاكَ اللَّهُ جَوابًا ودُعاؤُهُ لَهُ في نَظِيرِهِ حَسَنٌ إلّا أنْ يَقْصِدَ بِإهْمالِهِ لَهُ تَأْدِيبَهُ لِتَرْكِهِ سُنَّةَ السَّلامِ.

انْتَهى، وأنْعِمْ صَباحًا نَحْوَ صَبَّحَكَ اللَّهُ بِالخَيْرِ، غايَةُ ما في البابِ أنَّهُ دُعاءٌ كانَ يُسْتَعْمَلُ تَحِيَّةً في الجاهِلِيَّةِ، نَعَمْ تَحِيَّتُهم بِهِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي قَصَدُوهُ حَرامٌ بِلا خِلافٍ ﴿ حَسْبُهم جَهَنَّمُ ﴾ عَذابًا ﴿ يَصْلَوْنَها ﴾ يَدْخُلُونَها أوْ يُقاسُونَ حَرَّها أوْ يَصْطَلُونَ بِها.

﴿ فَبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ أيْ جَهَنَّمُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يعني: يعادون، ويشاقون الله ورسوله، ويقال يشاقون أولياء الله ورسوله، يعني: الذين يشاقون أولياء الله، لأن أحداً لا يعادي الله، ولكن من عادى أولياء الله فقد عادى الله تعالى.

ثم قال: كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قال مقاتل: أخذوا كما أخذ الذين من قبلهم من الأمر ويقال: عذبوا كما عذب الذين من قبلهم، وقال أبو عبيد: أهلكوا ويقال: غيظوا كما غيظ الذين من قبلهم والكبت هو الغيظ، ويقال: أحزنوا، وقال الزجاج: أذلوا وغلبوا وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ يعني: القرآن فيه بيان أمره ونهيه ويقال: آيات واضحات وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ يهانون فيه، ثم قال: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً الأولين والآخرين يبعثهم الله من قبورهم فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا من خير أو شر ليعلموا وجوب الحجة عليهم أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ يعني: حفظ الله عليهم أعمالهم وهم نسوا أعمالهم ويقال: وَنَسُوهُ يعني: وتركوا العمل في الدنيا وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ يعني: شاهداً بأعمالهم ثم قال: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ يعني: ألم تعلم، اللفظ لفظ الاستفهام والمراد به التقرير يعني: أنك تعلم، ويقال: معناه إني أعلمتك أن الله يعلم.

ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ.

يعني: سر أهل السموات وسر أهل الأرض مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ يعني: لا يتناجى ثلاثة فيما بينهم، ولا يتكلمون فيما بينهم بكلام الشر إلا هو رابعهم، لأنه يعلم ما يقولون فيما بينهم.

وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ يعني: كان هو سادسهم، لأنه يعلم ما يقولون فيما بينهم.

وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ يعني: عالم بهم وبأحوالهم أَيْنَ ما كانُوا في الأرض.

ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يعني: يخبرهم بما عملوا يوم القيامة من خير أو شر.

وذلك أن نفراً كانوا يتناجون عند الكعبة قال بعضهم لبعض: لا ترفعوا أصواتكم حتى لا يسمع رب محمد  .

ويقال إن المنافقين واليهود كانوا يتناجون فيما بينهم دون المؤمنين، فامتنعوا من ذلك ثم عادوا إلى النجوى.

يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى يعني: عن قول السر فيما بينهم، ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ يعني: بالكذب وَالْعُدْوانِ يعني: بالجور والظلم، وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ يعني: خلاف أمر الله وأمر الرسول  .

قرأ حمزة وينتجون، والباقون وَيَتَناجَوْنَ وهما لغتان، يقال: تناجى القوم وانتجوا.

ثم قال: وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ يعني: إذا جاءك اليهود حيوك بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ، وذلك أنهم كانوا يقولون إذا دخلوا على رسول الله  : السام عليكم.

فيقول: وعليكم.

فقالت عائشة-  ا- وعليكم السام، لَعَنَكُم الله وَغَضِبَ عَلَيْكُمْ.

فقال النبي  : «مَهْلاً يا عَائِشَةُ، عَلَيْكِ بالرِّفْقِ.

وَإيَّاكِ وَالعُنْفَ وَالفُحْشَ» .

قالت: أو لم تسمع ما قالوا؟

قال: «أَوَ لَمْ تَسْمَعِي ما رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ؟

فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ وَلا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِيَّ» .

فقالت اليهود فيما بينهم: لو كان رسول الله  كما يقول، لا ستجيب دعاؤه علينا حيث قال: عليكم، فنزل وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ يعني: سلموا عليك بما لم يحيك به الله يعني: بما لم يأمرك به الله أن تحيي به، ويقال: بما لم يسلم عليك به الله.

وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ يعني: فيما بينهم.

لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ يعني: هلا يعذبنا الله بِما نَقُولُ لنبيه، يقول الله تعالى: حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يعني: مصيرهم إلى جَهَنَّمُ، يَصْلَوْنَها يعني: يدخلونها، فَبِئْسَ الْمَصِيرُ ما صاروا إليه.

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ قال مقاتل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا- باللسان دون القلب- إِذا تَناجَيْتُمْ فيما بينكم، فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وذلك أن النبيّ  كان إذا بعث سرية، كان المنافقون يتناجون فيما بينهم ليحزنوا المؤمنين.

وهذا الخطاب للمخلصين في قول بعضهم، لأن الله تعالى أمرهم أن لا يتناجوا بالإثم والعدوان، كفعل المنافقين يعني: بالعداوة والظلم وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ يعني: خلاف أمر الرسول أي: لا تخالفوا أمره وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى يعني: بالذي أمركم الله تعالى به، بالطاعة والتقى يعني: ترك المعصية.

ثم خَوّفهم فقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ يعني: اخشوا الله، فلا تتناجوا بمثل ما تتناجى اليهود والمنافقون.

الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ بعد الموت فيجازيكم بأعمالكم.

ثم قال عز وجل: إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ يعني: نجوى المنافقين من تزيين الشيطان.

قال قتادة: إذا رأى المسلمون المنافقين جاءوا متناجين، فشق عليهم، فنزل إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ نجوى المنافقين في المعصية من الشيطان.

لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا قرأ نافع لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا بضم الزاء، والباقون بالنصب، ومعناهما واحد.

ثم قال: وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً يعني: ليس نجوى المنافقين يضر شيئاً للمؤمنين، أي: لا يضرهم إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، إلا أن يشاء.

الله ثم أمر المؤمنين بأن يتوكلوا على الله، وهو قوله تعالى: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وفروع الظهار مُسْتَوفَاةً في كتب الفقه، فلا نطيل بذكرها.

وقوله سبحانه: ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ...

الآية: إشارة إلى الرخصة والتسهيل في النقل من التحرير إلى الصوم والإطعام، ثم شَدَّدَ سبحانه بقوله: وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ أي: فالتزموها، ثم تَوَعَّدَ الكافرين بقوله: وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ.

إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٥) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)

وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا ...

الآية: نزلت في قوم من المنافقين واليهود، كانوا يتربّصون برسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبالمؤمنين الدوائرَ، ويتمنَّون فيهم المكروهَ، ويتناجون بذلك وكُبِتَ الرجل: إذا بَقِيَ خَزْيَانَ يُبْصِرُ ما يكره، ولا يَقْدِرُ على دفعه، وقال قوم منهم أبو عبيدة: أصله كبدوا، أي: أصابهم داء في أكبادهم، فأُبْدِلَتِ الدَّالُ تاءً، وهذا غير قويّ، والَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ: منافقوا الأمم الماضية، ولفظ البخاريِّ:

كُبِتُوا: أُحْزِنُوا.

وقوله تعالى: وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ/ مُهِينٌ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ: العامل في يَوْمَ قوله: مُهِينٌ، ويحتمل أنْ يكون فعلاً مُضْمَراً تقديره: اذكر.

وقوله تعالى: إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ أي: بعلمه وإحاطته وقُدْرَتِهِ، وعبارة الثعلبيِّ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ: يعلم ويسمع نجواهم، يدل على ذلك افتتاح الآية وخاتمتُها، انتهى.

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠)

وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ ...

الآية، قال ابن

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: نَزَلَتْ في اليَهُودِ والمُنافِقِينَ، وذَلِكَ «أنَّهم كانُوا يَتَناجَوْنَ فِيما بَيْنَهم دُونَ المُؤْمِنِينَ، ويَنْظُرُونَ إلى المُؤْمِنِينَ، ويَتَغامَزُونَ بِأعْيُنِهِمْ، فَإذا رَأى المُؤْمِنُونَ نَجْواهم قالُوا: ما نَراهم إلّا قَدْ بَلَغَهم عَنْ أقْرِبائِنا وإخْوانِنا الَّذِينَ خَرَجُوا في السَّرايا، قَتْلٌ أوْ مَوْتٌ، أوْ مُصِيبَةٌ، فَيَقَعُ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ، ويُحْزِنُهُمْ، فَلا يَزالُونَ كَذَلِكَ حَتّى تُقْدِمَ أصْحابُهم.

فَلَمّا طالَ ذَلِكَ وكَثُرَ، شَكا المُؤْمِنُونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  ، فَأمَرَهم أنْ لا يَتَناجَوْا دُونَ المُسْلِمِينَ، فَلَمْ يَنْتَهُوا عَنْ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قالَ مُقاتِلٌ: «وَكانَ بَيْنَ اليَهُودِ وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ مُوادَعَةٌ، فَإذا رَأوْا رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ وحْدَهُ تَناجَوْا بَيْنَهُمْ، فَيَظُنُّ المُسْلِمُ أنَّهم يَتَناجَوْنَ بِقَتْلِهِ، أوْ بِما يَكْرَهُ، فَيَتْرُكُ الطَّرِيقَ مِنَ المَخافَةِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ  ، فَنَهاهم عَنِ النَّجْوى، فَلَمْ يَنْتَهُوا، وعادُوا إلَيْها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» وقالَ ابْنُ السّائِبِ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ.

والنَّجْوى: بِمَعْنى المُناجاةِ "ثُمَّ يَعُودُونَ" إلى المُناجاةِ الَّتِي نُهُوا عَنْها "وَيَتَناجَوْنَ" قَرَأ حَمْزَةُ، ويَعْقُوبُ إلّا زَيْدًا، ورُوحًا "وَيَتَنَجَّوْنَ" وقَرَأ الباقُونَ "وَيَتَناجَوْنَ" بِألِفٍ.

وفي مَعْنى تَناجِيهِمْ "بِالإثْمِ والعُدْوانِ" وجْهانِ.

أحَدُهُما: يَتَناجَوْنَ بِما يَسُوءُ المُسْلِمِينَ، فَذَلِكَ الإثْمُ والعُدْوانُ، ويُوصِي بَعْضُهم بَعْضًا بِمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ.

والثّانِي: يَتَناجَوْنَ بَعْدَ نَهْيِ الرَّسُولِ، ذَلِكَ هو الإثْمُ والعُدْوانُ ومَعْصِيَةُ الرَّسُولِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: نَزَلَتْ في اليَهُودِ.

قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «جاءَ ناسٌ مِنَ اليَهُودِ إلى رَسُولِ اللَّهِ  ، فَقالُوا: السّامُ عَلَيْكَ يا أبا القاسِمِ، فَقُلْتُ: السّامُ عَلَيْكُمْ، وفَعَلَ اللَّهُ بِكُمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : مَهْ يا عائِشَةُ، فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفُحْشَ، ولا التَّفَحُّشَ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ: تَرى ما يَقُولُونَ؟

فَقالَ: ألَسْتِ تَرَيْنِي أرُدُّ عَلَيْهِمْ ما يَقُولُونَ.

وأقُولُ: وعَلَيْكُمْ، قالَتْ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ذَلِكَ.» قالَ الزَّجّاجُ: والسّامُ: المَوْتُ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى "حَيَّوْكَ" سَلَّمُوا عَلَيْكَ بِغَيْرِ سَلامِ اللَّهِ عَلَيْكَ، وكانُوا يَقُولُونَ: سامٌ عَلَيْكَ.

فَإذا خَرَجُوا يَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ، أوْ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لَوْ كانَ نَبِيًّا عُذِّبْنا بِقَوْلِنا لَهُ ما نَقُولُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَناجَيْتُمْ ﴾ فِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، فالمَعْنى: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِزَعْمِهِمْ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ ومُقاتِلٍ.

والثّانِي: أنَّها في المُؤْمِنِينَ، والمَعْنى: أنَّهُ نَهاهم عَنْ فِعْلِ المُنافِقِينَ واليَهُودِ، وهَذا مَذْهَبُ جَماعَةٍ، مِنهُمُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَتَناجَوْا ﴾ هَكَذا قَرَأ الجَماعَةُ بِألِفٍ.

وقَرَأ يَعْقُوبُ وحْدَهُ "فَلا تَتَنَجَّوْا" .

فَأمّا "البِرُّ" فَقالَ مُقاتِلٌ: هو الطّاعَةُ، "والتَّقْوى" تَرْكُ المَعْصِيَةِ.

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ" "البِرُّ" الصِّدْقُ، و"التَّقْوى" تَرْكُ الكَذِبِ.

ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ ما يَفْعَلُهُ اليَهُودُ والمُنافِقُونَ، مِنَ الشَّيْطانِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ إنَّما النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ ﴾ أيْ: مِن تَزْيِينِهِ، والمَعْنى: إنَّما يُزَيِّنُ لَهم ذَلِكَ ﴿ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ وقَدْ بَيَّنّا اتِّقاءَ ما كانَ يُحْزِنُ المُؤْمِنِينَ مِن هَذِهِ النَّجْوى ﴿ وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئًا ﴾ أيْ: ولَيْسَ الشَّيْطانُ بِضارِّ المُؤْمِنِينَ شَيْئًا إلّا ﴿ بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ أيْ: بِإرادَتِهِ ﴿ وَعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ ﴾ أيْ: فَلْيَكِلُوا أُمُورَهم إلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عنهُ ويَتَناجَوْنَ بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَتِ الرَسُولِ وإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ ويَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنا اللهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهم جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ نَهاهم رَسُولُ اللهِ  عَنِ التَناجِي بِحَضْرَةِ المُؤْمِنِينَ وإظْهارِ ما يُسْتَرابُ مِنهُ مِن ذَلِكَ فَلَمْ يَنْتَهُوا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَزَلَتْ في اليَهُودِ والمُنافِقِينَ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "وَيَتَناجَوْنَ" عَلى وزْنِ "يَتَفاعَلُونَ"، وقَرَأ حَمْزَةُ والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ: "وَيُنْتِجُونَ" عَلى وزْنِ "يَفْتَعِلُونَ"، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ كَيَقْتَتِلُونَ ويَتَقاتَلُونَ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وَعِصْيانِ الرَسُولِ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ ﴾ الآيَةُ، يُرِيدُ بِذَلِكَ ما كانَتِ اليَهُودُ تَفْعَلُهُ مِن قَوْلِهِمْ في التَحِيَّةِ: السامُّ عَلَيْكَ يا مُحَمَّدُ، وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ «أنَّ اليَهُودَ كانَتْ تَأْتِي فَتَقُولُ: السامُّ عَلَيْكَ يا مُحَمَّدُ، والسامُّ: المَوْتُ، وإيّاهُ كانُوا يُرِيدُونَ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ  يَقُولُ: وعَلَيْكم، فَسَمِعَتْهم عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُا يَوْمًا فَقالَتْ: بَلْ عَلَيْكُمُ السامُّ واللَعْنَةُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ: مَهْلًا يا عائِشَةُ إنَّ اللهَ يَكْرَهُ الفُحْشَ والتَفَحُّشَ، قالَتْ: أما سَمِعْتَ ما قالُوا؟

قالَ: أما سَمِعْتِ ما قُلْتُ لَهُمْ؟

إنِّي قُلْتُ: وعَلَيْكم.» ثُمَّ كَشَفَ اللهُ تَعالى خُبْثَ طَوِيَّتِهِمْ والحُجَّةَ الَّتِي إلَيْها يَسْتَرْوِحُونَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ الآنَ نَلْقىمُحَمَّدًا بِهَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي تَسُوؤُهُ ولا يُصِيبُنا سُوءٌ، ولا يُعاقِبُنا اللهُ تَعالى بِذَلِكَ، ولَوْ كانَ نَبِيًّا لَهُلِكْنا بِهَذِهِ الأقْوالِ، وجَهِلُوا أنَّ أمْرَهم مُؤَخَّرٌ إلى عَذابِ جَهَنَّمَ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى بِذَلِكَ، وأنَّها كافِيَتُهُمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هَذِهِ الآيَةُ كُلُّها في المُنافِقِينَ، ويُشَبِّهُ أنَّ مِنَ المُنافِقِينَ مَن تَخَلَّقَ بِخُلُقِ اليَهُودِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ لَمْ تَرَ إِلَى الذين نُهُواْ عَنِ النجوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ويتناجون بالإثم والعدوان وَمَعْصِيَتِ الرسول ﴾ .

إن كانت هذه الآية والآيتان اللتان بعدها نزلت مع الآية التي قبلها حسبما يقتضيه ظاهر ترتيب التلاوة كان قوله تعالى: ﴿ نهوا عن النجوى ﴾ مؤذناً بأنه سبق نهي عن النجوى قبل نزول هذه الآيات، وهو ظاهر قول مجاهد وقتادة: نزلت في قوم من اليهود والمنافقين نهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التناجي بحضرة المؤمنين فلم ينتهوا، فنزلت، فتكون الآيات الأربع نزلت لتوبيخهم وهو ما اعتمدناه آنفاً.

وإن كانت نزلت بعد الآية التي قبلها بفترة كان المراد النهي الذي أشار إليه قوله تعالى: ﴿ ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة ﴾ [المجادلة: 7] كما تقدم، بأن لم ينتهوا عن النجوى بعد أن سمعوا الوعيد عليها بقوله تعالى: ﴿ ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة ﴾ ، فالمراد ب ﴿ الذين نهوا عن النجوى ﴾ هم الذين عنوا بقوله: ﴿ ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ﴾ [المجادلة: 7] الآية.

و ﴿ ثم ﴾ في قوله: ﴿ ثم يعودون ﴾ للتراخي الرتبي لأن عودتهم إلى النجوى بعد أن نهوا عنها أعظم من ابتداء النجوى لأن ابتداءها كان إثماً لما اشتملت عليه نجواهم من نوايا سيّئة نحو النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، فأما عودتهم إلى النجوى بعد أن نُهوا عنها فقد زادوا به تمرداً على النبي صلى الله عليه وسلم ومشاقّة للمسلمين.

فالجملة مُستأنفة استئنافاً ابتدائياً اقتضاه استمرار المنافقين على نجواهم.

والاستفهام في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ﴾ تَعجِيبي مراد به توبيخهم حين يسمعونه.

والرؤية بصرية بقرينة تعديتها بحرف ﴿ إلى ﴾ .

والتعريف في ﴿ النجوى ﴾ تعريف العهد لأن سياق الكلام في نوع خاص من النجوى.

وهي النجوى التي تحزن الذين آمنوا كما ينبئ عنه قوله تعالى: ﴿ إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا ﴾ [المجادلة: 10].

ويجوز أن يكون النهي عن جنس النجوى في أول الأمر يعمّ كل نجوى بمرأى من الناس سَدًّا للذريعة، قال الباجي في «المنتقى»: روي أن النهي عن تناجي اثنين أو أكثر دون واحد أنه كان في بَدء الإِسلام، فلما فشا الإِسلام وآمن الناس زال هذا الحكم لزوال سببه.

قال ابن العربي في «أحكام القرآن» عند قوله تعالى: ﴿ لا خير في كثير من نجواهم ﴾ الآية [114] في سورة النساء: إن الله تعالى أمر عباده بأمرين عظيمين: أحدهما: الإِخلاص وهو أن يستوي ظاهر المرء وباطنه، والثاني: النصيحة لكتاب الله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، فالنجوى خلاف هذين الأصلين وبعدَ هذا فلم يكن بد للخلق من أمر يختصون به في أنفسهم ويَخُص به بعضهم بعضاً فرخص في ذلك بصفة الأمر بالمعروف والصدقة وإصلاح ذات البين اه.

وفي الموطأ} حديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا كان ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون واحد " زاد في رواية مسلم " إلا بإذنه فإن ذلك يُحزنه " واختلف في محمل هذا النهي على التحريم أو على الكراهة، وجمهور المالكية على أنه للتحريم، قال ابن العربي في «القبس»: فإن كان قوله مخافة أن يُحزنه من قول النبي صلى الله عليه وسلم فقد انحسم التأويل، وإن كان من قول الراوي فهو أولى من تأويل غيره.

وقال ابن القاسم: سمعت مالكاً يقول: لا يتناجى أربعة دون واحد.

وأما تناجي الجماعة دون جماعة فإنه أيضاً مكروه أو محرم اه.

وحكى النّووي الإِجماع على جواز تناجي جماعة دون جماعة واحتج له ابن التِّين بحديث ابن مسعود قال: فأتيته (يعني النبي صلى الله عليه وسلم وهو في ملأٍ فساررته.

وحديثُ عائِشة في قصة فاطمة دالّ على الجواز.

وقال ابن عبد البر: لا يجوز لأحد أن يدخل على المتناجيين في حال تناجيهما.

وأُلْحِقَ بالتناجي أن يتكلم رجلان بلغة لا يعرفها ثالث معهما.

والقول في استعمال ﴿ ثم يعودون لما نهوا عنه ﴾ في معناه المجازي وتعديته باللام نظير القول في قوله تعالى: ﴿ ثم يعودون لما قالوا ﴾ [المجادلة: 3].

وكذلك القول في موقع ﴿ ثم ﴾ عاطفة الجملة.

وصيغة المضارع في ﴿ يعودون ﴾ دالة على التجدد، أي يكررون العدد بحيث يريدون بذلك العصيان وقلة الاكتراث بالنهي فإنهم لو عادوا إلى النجوى مرة أو مرتين لاحتمل حالهم أنهم نسوا.

و «ما نهوا عنه» هو النجوى، فعدل عن الإِتيان بضمير النجوى إلى الموصول وصلته لما تؤذن به الصلة من التعليل لما بعدها من الوعيد بقوله: {حسبهم جهنم على ما في الصلة من التسجيل على سفههم.

وقرأ الجمهور يتناجون } بصيغة التفاعل من نَاجى المزيد.

وقرأه حمزة ورويس ويعقوب و ﴿ يَنْتَجُون ﴾ بصيغة الإِفتعال من نَجا الثلاثي المجرد أي سَارَّ غيره، والافتعال يَرِد بمعنى المفاعلة مثل اختصموا واقتتلوا.

والإِثم: المعصية وهو ما يشتمل عليه تناجيهم من كلام الكفر وذم المسلمين.

و ﴿ العدوان ﴾ بضم العين: الظلم وهو ما يدبرونه من الكيد للمسلمين.

ومعصيةُ الرسول مخالفة ما يأمرهم به ومن جملة ذلك أنه نهاهم عن النجوى وهم يعودون لها.

والياء للملابسة، أي يتناجون ملابسين الإِثم والعدوان ومعصية الرسول وهذه الملابسة متفاوتة.

فملابسة الإِثم والعدوان ملابسة المتناجَى في شأنه لفعل المناجين.

وملابسة معصية الرسول صلى الله عليه وسلم ملابسة المقارنة للفعل، لأن نجواهم بعد أن نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عنها معصية وفي قوله: ﴿ نهوا عن النجوى ﴾ وقوله: ﴿ ومعصيت الرسول ﴾ دلالة على أنهم منافقون لا يهود لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان ينهَى اليهود عن أحوالهم.

وهذا يرد قول من تأول الآية على اليهود وهو قول مجاهد وقتادة، بل الحق ما في ابن عطية عن ابن عباس أنها نزلت في المنافقين.

﴿ الرسول وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ الله وَيَقُولُونَ فى أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا الله بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ﴾ .

بعد أن ذكر حالهم في اختلاء بعضهم ببعض ذكر حال نياتهم الخبيثة عند الحضور في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم يتتبعون سوء نياتهم من كلمات يتبادر منها للسامعين أنها صالحة فكانوا إذا دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم يخفتون لفظ «السلام عليكم» لأنه شعار الإِسلام ولما فيه من جمع معنى السلامة يَعدلون عن ذلك ويقولون: أَنْعِم صباحاً، وهي تحية العرب في الجاهلية لأنهم لا يحبون أن يتركوا عوائد الجاهلية.

نقله ابن عطية عن ابن عباس.

فمعنى ﴿ بما لم يحيك به الله ﴾ ، بغير لفظ السلام، فإن الله حيّاه بذلك بخصوصه في قوله تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً ﴾ [الأحزاب: 56].

وحيّاه به في عموم الأنبياء بقوله: ﴿ قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ﴾ [النمل: 59] وتحية الله هي التحية الكاملة.

وليس المراد من هذه الآية ما ورد في حديث: أن اليهود كانوا إذا حيّوا النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: السّامّ عليك، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرد عليهم بقوله: «وعليكم».

فإن ذلك وارد في قوم معروف أنهم من اليهود.

وما ذكر أول هذه الآية لا يليق حمله على أحوال اليهود كما علمت آنفاً ولو حمل ضمير ﴿ جاءوك ﴾ على اليهود لزم عليه تشتيت الضمائر.

أما هذه الآية ففي أحوال المنافقين، وهذا مثل ما كان بعضهم يقول للنبي صلى الله عليه وسلم ﴿ رَاعِنا ﴾ [البقرة: 104] تعلّموها من اليهود وهم يريدون التوجيه بالرعونة فأنزل الله تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم ﴾ [البقرة: 104] ولم يُرد منه نهي اليهود.

ومعنى ﴿ فإذا دخلتم بيوتاً فسلّموا عن أنفسكم ﴾ [النور: 61].

وقوله: ﴿ ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً ﴾ [النور: 12]، أي ظن بعضهم ببعض خيراً، أي يقول بعضهم لبعض.

ويجوز أن يكون المراد ب ﴿ أنفسهم ﴾ مجامعهم كقوله تعالى: ﴿ وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً ﴾ [النساء: 63]، أي قل لهم خالياً بهم ستراً عليهم من الافتضاح.

وتقدم في سورة النساء [63] و ﴿ لولا ﴾ للتحضيض، أي هلا يعذبنا الله بسبب كلامنا الذي نتناجى به من ذم النبي صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك، أي يقولون ما معناه لو كان محمد نبيئاً لعذبنا الله بما نقوله من السوء فيه ومن الذم وهو ما لخصه الله من قولهم بكلمهِ ﴿ لولا يعذبنا الله ﴾ فإن ﴿ لولا ﴾ للتحْضيض مستعملة كناية عن جحد نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم أي لو كان نبيئاً لغضب الله علينا فلعذبنا الآن بسبب قولنا له.

وهذا خاطر من خواطر أهل الضلالة المتأصلة فيهم، وهي توهمهم أن شأن الله تعالى كشأن البشر في إسراع الانتقام والاهتزاز مما لا يرضاه ومن المعاندة.

وفي الحديث: «لا أحد أصبر على أذىً يسمعه من الله، يدعون له نِدّاً وهو يرزقهم على أنهم لجحودهم بالبعث والجزاء يحسبون أن عقاب الله تعالى يظهر في الدنيا» وهذا من الغرور قال تعالى: ﴿ وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين ﴾ [فصلت: 23]، ولذلك قال تعالى رداً على كلامهم ﴿ حسبهم جهنم ﴾ أي كافيهم من العذاب جهنم فإنه عذاب.

وأصل ﴿ يصلونها ﴾ يصْلَون بها، فضمّن معنى يذوقونها أو يحسونها وقد تكرر هذا الاستعمال في القرآن.

وقوله: ﴿ فبئس المصير ﴾ تفريع على الوعيد بشأن ذم جهنم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ﴾ النَّجْوى السِّرارُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ جَرِيرٍ مِنَ النَّفْرِ البِيضِ الَّذِينَ إذا انْتَجَوْا أقَرَّتْ بِنَجْواهم لُؤَيُّ بْنُ غالِبٍ والنَّجْوى مَأْخُوذَةٌ مِنَ النَّجْوَةِ وهي ما لَهُ ارْتِفاعٌ وبُعْدٌ، لِبَعْدِ الحاضِرِينَ عَنْهُ، وفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ كُلَّ سِرارٍ نَجْوى، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: أنَّ السِّرارَ ما كانَ بَيْنَ اثْنَيْنِ، والنَّجْوى ما كانَ بَيْنَ ثَلاثَةٍ، حَكاهُ سُراقَةُ.

وَفي المَنهِيِّ عَنْهُ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ، كانُوا يَتَناجَوْنَ بِما بَيْنَ المُسْلِمِينَ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: أنَّهُمُ المُسْلِمُونَ.

رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ قالَ: «كُنّا ذاتَ لَيْلَةٍ نَتَحَدَّثُ إذْ خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ  فَقالَ: (ما هَذِهِ النَّجْوى ألَمْ تُنْهَوْا عَنِ النَّجْوى) .

فَقُلْنا تُبْنا إلى اللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا كُنّا في ذِكْرِ المَسِيحِ يَعْنِي الدَّجّالَ فَرَقًا مِنهُ، فَقالَ: (ألا أُخْبِرُكم بِما هو أخْوَفُ عَلَيْكم عِنْدِي مِنهُ؟) قالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: (الشِّرْكُ الخَفِيُّ أنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يَعْمَلُ لِمَكانِ الرَّجُلِ)» .

﴿ وَإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ﴾ «كانَتِ اليَهُودُ إذا دَخَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  قالُوا: السّامُّ عَلَيْكَ، وكانَ النَّبِيُّ  يَرُدُّ عَلَيْهِمْ فَيَقُولُ: وعَلَيْكم» ويُرْوى «أنَّ عائِشَةَ حِينَ سَمِعَتْ ذَلِكَ مِنهم قالَتْ: وعَلَيْكُمُ السّامُّ والذّامُّ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: (إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفُحْشَ والتَّفَحُّشَ» .

وفي السّامِّ الَّذِي أرادُوهُ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ المَوْتُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّهُ السَّيْفُ.

الثّالِثُ: أنَّهم أرادُوا بِذَلِكَ أنَّكم سَتَسْأمُونَ دِينَكم، قالَهُ الحَسَنُ، وكَذا مَن قالَ هو المَوْتُ لِأنَّهُ يَسْأمُ الحَياةَ.

وَحَكى الكَلْبِيُّ «أنَّ اليَهُودَ كانُوا إذا رَدَّ النَّبِيُّ  جَوابَ سَلامِهِمْ قالُوا: لَوْ كانَ هَذا نَبِيًّا لاسْتُجِيبَ لَهُ فِينا قَوْلُهُ وعَلَيْكم، يَعْنِي السّامَّ وهو المَوْتُ ولَيْسَ بِنا سامَّةٌ ولَيْسَ في أجْسادِنا فَتْرَةٌ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ ﴿ وَيَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ ﴾ الآيَةَ.

» وَفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ إنَّما النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما كانَ يَتَناجى بِهِ اليَهُودُ والمُنافِقُونَ مِنَ الأراجِيفِ بِالمُسْلِمِينَ.

الثّانِي: أنَّها الأحْلامُ الَّتِي يَراها الإنْسانُ في مَنامِهِ فَتُحْزِنُهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وعبد بن حميد عن مجاهد ﴿ يحادون ﴾ قال: يتشاقون.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ إن الذين يحادون الله رسوله ﴾ قال: يجادلون الله ورسوله ﴿ كبتوا كما كبت الذين من قبلهم ﴾ قال: خزوا كما خزي الذين من قبلهم.

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن الضحاك ﴿ ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ﴾ قال: هو الله على العرش وعلمه معهم.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ﴾ قال: اليهود.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: كان بين يهود وبين النبي صلى الله عليه وسلم موادعة فكانوا إذا مر بهم رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جلسوا يتناجون بينهم حتى يظن المؤمن أنهم يتناجون بقتله أو بما يكره المؤمن، فإذا رأى المؤمن ذلك خشيهم فترك طريقه عليهم فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن النجوى فلم ينتهوا، فأنزل الله: ﴿ ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ﴾ الآية.

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبزار وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان بسند جيد عن ابن عمرو رضي الله عنه أن اليهود كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: سام عليك، يريدون بذلك شتمه- ثم يقولون في أنفسهم: ﴿ لولا يعذبنا الله بما نقول ﴾ فنزلت هذه الآية ﴿ وإذا جاؤوك حيوك بما لم يحيك به الله ﴾ .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري والترمذي وصححه عن أنس «أن يهودياً أتى على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال: السام عليكم، فرد عليه القوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل تدرون ما قال هذا؟

قالوا: الله ورسوله أعلم يا نبي الله، قال: لا.

ولكنه قال: كذا وكذا، ردوه عليّ فردوه، قال: قلت السام عليكم، قال: نعم قال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: إذا سلم عليكم أحد من أهل الكتاب فقولوا عليك ما قلت، قال: ﴿ وإذا جاؤوك حيوك بما لم يحيك به الله ﴾ » .

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن عائشة قالت: «دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم، فقالت عائشة: وعليكم السام واللعنة، فقال: يا عائشة إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش، قلت: ألا تسمعهم يقولون السام عليك؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو ما سمعت ما أقول: وعليكم، فأنزل الله: ﴿ وإذا جاؤوك حيوك بما لم يحيك به الله ﴾ » .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في هذه الآية قال: كان المنافقون يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حيوه: سام عليك فنزلت.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ وإذا جاؤوك حيوك بما لم يحيك به الله ﴾ يقولون: سام عليك هم أيضاً يهود.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ﴾ قال المفسرون: إن المنافقين واليهود كانوا يتناجون فيما بينهم، ويوهمون المؤمنين أنهم يتناجون فيما يسوءهم فيحزنون لذلك، فلما طال ذلك وكثر، شكوا إلى رسول الله -  - فأمرهم أن لا يتناجوا دون المسلمين ولم ينتهوا عن ذلك وعادوا إلى مناجاتهم، فأنزل الله هذه الآية (١) قوله تعالى: ﴿ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن الإثم والعدوان مخالفتهم الرسول في النهي عن النجوى، فلما عادوا إلى ما نهاهم عنه لزمهم الإثم والعدوان وصاروا آثمين ظالمين.

والثاني: أن الإثم والعدوان ذلك السر الذي يجري بينهم، لأنه إما مكر وكيد بالمسلمين، أو شيء يسؤهم فهو إثم وعدوان (٢) وقراءة العامة ﴿ وَيَتَنَاجَوْنَ ﴾ من التفاعل لقوله: ﴿ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ ﴾ وقوله: ﴿ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ ﴾ ، وقرأ حمزة (وينتجون) (٣) ﴿ تَنَاجَيْتُمْ * وَتَنَاجَوْا ﴾ ردٌّ لقراءة حمزة، لأن الانتجاء في مساغه وجوازه مثل التناجي (٤) قوله تعالى: ﴿ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ ﴾ قال المقاتلان: وذلك أن الرسول -  - كان قد نهاهم عن النجوى فعصوه (٥) (٦) قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ﴾ .

قال المفسرون: يعني اليهود كانوا يأتون النبي -  - فيقولون: السام عليك والسام الموت (٧) ﴿ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ﴾ (٨) (٩) قوله: ﴿ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ ﴾ قال المقاتلان: قالت اليهود: إن كان هؤلاء لا يعلمون ما نقول لهم فإن الله يعلم ما نقول فلو كان نبيًا لعذبنا الله بما نقول، فهلا يعذبنا الله بما نقول لمحمد إن كان نبيًّا، فأنزل الله ﴿ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ (١٠) (١) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 78 ب، عن ابن عباس، و"أسباب النزول" للواحدي ص 474 عن ابن عباس، و"الجامع" 17/ 291.

(٢) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 266.

(٣) قرأ حمزة، ورويس (ينتجُون) بالنون، وضم الجيم من غير ألف على (يفتعلون).

وقرأ الباقون (يتناجون) بتاء ونون مفتوحتين وألف وفتح الجيم.

انظر: "حجة القراءات" ص 704، و"النشر" 2/ 385، و"إتحاف فضلاء البشر" ص 412.

(٤) انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 279 - 285، و"حجة القراءات": 754.

(٥) انظر: "تفسير مقاتل" 145 أ، و"الكشف والبيان" 12/ 79 أ، وأخرجه ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان، و"الدر" 6/ 184.

(٦) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 137.

(٧) انظر: "اللسان" 2/ 246 (سوم).

(٨) أخرج الإمام أحمد في "المسند" 2/ 455 والبيهقي في "شعب الإيمان" بسند جيد، و"الدر" 6/ 184، و"أسباب النزول" للواحدي ص 474 وأخرجه ابن أبي حاتم عن عائشة، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 323.

(٩) عند تفسيره الآية (86) سورة النساء.

(١٠) انظر: "تفسير مقاتل" 145 أ، و"الكشف" 79/ 12 أ، ب، و"معالم التنزيل" 4/ 308.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نُهُواْ عَنِ النجوى ﴾ نزل في قوم من اليهود كانوا يتناجون فيما بينهم ويتغامزون على المؤمنين فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فعادوا، وقيل: نزلت في المنافقين، والأول أرجح لقوله: ﴿ وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ الله ﴾ لأن هذا من فعل اليهود والأحسن أن المراد اليهود والمنافقين معاً لقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ الله عَلَيْهِم ﴾ [المجادلة: 14] فنزلت الآية في الطائفتين ﴿ وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ الله ﴾ «كانت اليهود يأتوت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون: السام عليك يا محمد بدلاً من السلام عليكم.

والسام: الموت.

وهو ما أرادوه بقولهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله لهم: وعليكم.

فسمعتهم عائشة يوماً فقالت: بل عليكم السام واللعنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مهلاً يا عائشة إن الله يكره الفحش والتفحش فقالت: أما سمعت ما قالوا؟

قال: أما سمعت ما قلت لهم إني قلت: وعليكم» ويريد بقوله: ﴿ لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ الله ﴾ قوله تعالى: ﴿ قُلِ الحمد لِلَّهِ وَسَلاَمٌ على عِبَادِهِ الذين اصطفى ﴾ [النمل: 59] ﴿ وَيَقُولُونَ في أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا الله بِمَا نَقُولُ ﴾ كانوا يقولون: لو كان نبياً لعذبنا الله بإذايته فقال: الله: ﴿ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ ﴾ أي يكفيهم ذلك عذاباً.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ يظاهرون ﴾ من المظاهرة: عاصم ﴿ يظهرون ﴾ بتشديد الظاء والهاء من الظهر وأصله " يتظهرون " أدغمت التاء في الظاء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.

والباقون ﴿ يظاهرون ﴾ بتشديد الظاء ويزادة الألف من التظاهر وأصله " يتظاهرون" ﴿ ما هن أمهاتهم ﴾ بالرفع: المفضل.

الآخرون: بكسر التاء على إعمال " ما " عمل ليس هذه هي الفصحى ﴿ ما تكون ﴾ بتاء التأنيث: يزيد وهو ظاهر.

الآخرون: على التذكير بناء على أن التقدير ما يقع شيء من نجوى.

﴿ ولا أكثر ﴾ بالرفع: يعقوب إما على الابتداء كقولك " لا حول ولا قوة" أو للعطف على محل ﴿ من نجوى ﴾ الباقون: بالنصب على أن " لا " لنفي الجنس أو على أنهما مجروران عطفاً على ﴿ نجوى ﴾ كأنه قيل: ما يكون من أدنى ولا أكثر إلا هو معهم.

أو عطفاً على العدد والتقدير: ما يكون من نجوى أكثر من ذلك ﴿ وتتناجوا ﴾ على باب الافتعال: حمزة ورويس ﴿ ولا تتناجوا ﴾ من الافتعال أيضاً.

رويس.

﴿ المجالس ﴾ على الجمع: عاصم ﴿ انشزوا ﴾ بضم الشين فيهما: أبو جعفر ونافع وأبن عامر وعاصم غير يحيى وحماد والهراز.

الآخرون: بالكسر فيهما وهما لغتان مثل ﴿ يعرشون ﴾ و ﴿ يعرشون ﴾ ﴿ ورسلي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ عشيراتهم ﴾ على الجمع: الشموني ﴿ كتب ﴾ مجهولاً الإيمان بالرفع: المفضل.

الوقوف: ﴿ تحاوركما ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ ما هن أمهاتهم ﴾ ط ﴿ ولدنهم ﴾ ط ﴿ وزوراً ﴾ ط ﴿ غفور ﴾ ه ﴿ يتماسا ﴾ ط ﴿ به ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ يتماسا ﴾ ج ﴿ مسكيناً ﴾ ط ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بينات ﴾ ق ﴿ مهين ﴾ ه ط لاحتمال تعلق الظرف بما قبله وكونه مفعولاً لاذكر ﴿ عملوا ﴾ ط ﴿ ونسوه ﴾ ط ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ه ﴿ كانوا ﴾ ج لأن " ثم " للعطف أو لترتيب الاخبار ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ الرسول ﴾ ز لعطف الجملتين المتفقتين معنى مع أن ﴿ جاؤك ﴾ فعل ماض لفظاً ﴿ به الله ﴾ لا لأن ما بعده حال أو عطف على ﴿ جاؤك ﴾ لمستقبل معنى ﴿ نقول ﴾ ط ﴿ جهنم ﴾ ط لاحتمال الحال وكونه مستأنفاً ﴿ يصلونها ﴾ ج ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ والتقوى ﴾ ج ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه ﴿ يفسح الله لكم ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع العطف ﴿ منكم ﴾ لا للعطف ﴿ درجات ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ صدقة ﴾ ط ﴿ وأطهر ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ صدقات ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ عيلهم ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الإخبار ﴿ منهم ﴾ لا بناء على أن ما بعده حاله والعامل معنى الفعل في الجار أي وهم يحلفون قاله السجاوندي ولا يبعد عندي أن يكون مستأنفاً فيحسن الوقف.

﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ شديداً ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ مهين ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ النار ﴾ ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ على شيء ﴾ ط ﴿ الكاذبون ﴾ ه ﴿ ذكر الله ﴾ ط ﴿ أولئك حزب الشيطان ﴾ ط ﴿ الخاسرون ﴾ ه ه ﴿ الأذلين ﴾ ه ﴿ رسلي ﴾ ط ﴿ عزيز ﴾ ه ﴿ عشيرتهم ﴾ ط ﴿ بروح منه ﴾ ط للعدول عن الماضي إلى المستقبل ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ عنه ﴾ ط ﴿ أولئك حزب الله ﴾ ط ﴿ المفلحون ﴾ ه.

التفسير: عن عائشة قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد كلمت المجادلة رسول الله  في جانب البيت وأنا عنده لا أسمع وقد سمع الله لها.

وعن عمر أن النبي  كان إذا دخلت عليه أكرمها وقال: قد سمع الله لها أي أجاب وهي خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت أخي عبادة.

ورآها وهي تصلي وكانت حسنة الجسم فلما سلمت راودها فأبت فغضب وكان به حدة فظاهر منها، فأتت رسول الله  فقالت: إن أوساً تزوّجني وأنا شابة مرغوب فيّ، فلما كبر سني ونثرت بطني أي كثر منه ولدي جعلني منه كأمه.

وفي رواية أنها قالت: إن لي صبية صغاراً إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إليّ جاعوا.

فقال  لها: ما عندي في أمرك شيء.

وروي أنه قال لها مراراً: حرمت عليه.

وهي تقول: أشكو إلى الله فاقتي ووجدي فنزلت.

ومعنى ﴿ في زوجها ﴾ في شأنه ومعنى " قد" في ﴿ قد سمع الله ﴾ التوقع لأن رسول الله  والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع الله عز وجل مجادلتها وشكواها وينزل في شأنها ما يفرج عنها.

والتحاور التراجع في الكلام وفي الآية دلالة على أن من انقطع رجاؤه عن الخلق كفاه الله همه.

"يروى أنه  أرسل إلى زوجها وقال: ما حملك على ما صنعت؟

فقال: الشيطان، فهل من رخصة؟

فقال  : نعم وقرأ عليه الآيات الأربع وقال  له: هل تستطيع العتق؟

فقال: لا والله.

فقال: فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكيناً؟

فقال: لا والله يا رسول الله إلا أن تعينني منك بصدقة فأعانه بخمسة عشر صاعاً وأخرج أوس من عنده مثله فتصدق به على ستين" .

وعلم أن الظهار كان من أشد طلاق الجاهلية لأنه في التحريم غاية فإن كان شرعاً متقدماً فالآية ناسخة له ولا سيما فيمن روى أنه  قال لها: حرمت عليه.

وإن كان عادة الجاهلية فلا نسخ لأن النسخ لا يوجد إلا في الشرائع.

ثم إنه  وبخ العرب أوّلاً بقوله ﴿ الذين يُظاهِرُونَ منكم ﴾ ثم بين الحكم العام في الآية الثانية ولهذا لم يورد لفظة منكم ونحن نبني تفسير الآية على أبحاث الأول في معنى الظهار وهو عبارة عن قول الرجل لامرأته "أنت عليّ كظهر أمي" فاشتقاقه من الظهر.

وقال صاحب النظم: ليس الظهر بذلك أولى في هذا المطلوب من سائر الأعضاء التي هي موضع التلذذ فهو مأخوذ من ظهر إذا علا وغلب وبه سمي المركوب ظهراً لأن راكبه يعلوه، وكذلك امرأة الرجل مركبه وظهر له.

والدليل على صحة هذا المعنى أن العرب تقول في الطلاق: نزلت عن امرأتي أي طلقتها.

وفي لفظ الظهار إضمار والتقدير: ظهرك عليّ أي علوي وركوبي عليك حرام علي كعلو أمي.

ثم لا مناقشة بين العلماء في الصلات فلو قال: أنت معي أو عندي أو مني أو لي كظهر أمي صح ظهاره.

وكذا لو ترك الصلات كلها وقال: أنت كظهر أمي كما أن قوله "أنت طالق" صريح وإن لم يقل "مني" أما إذا شبهها بغير الظهر فذهب الشافعي إلى أن ذلك العضو إن كان مشعراً بالإكرام كقوله أنت علي كروح أمي أو عين أمي صح ظهاره إن أراد الظهار لا الإكرام وإلا فلا.

وإن لم ينو شيئاً ففيه قولان، وإن لم يكن مشعراً بالكرامة كقوله أنت كرجل أمي أو كيدها أو بطنها ففي الجديد ظهار، وفي القديم لا، وقد يرجح هذا البراءة الأصلية.

وقال أبو حنيفة: إن شبهها بعضو من الأم يحل له النظر إليه كاليد أو الرأس لم يكن ظهاراً، وإن شبهها بعضو يحرم النظر إليه كالبطن والفخذ كان ظهاراً.

وفي التشبيه بالمحرمات الأخر من النسب أو الرضاع سوى الأم في الجديد وعليه أبو حنيفة أنه ظهار لعموم قوله ﴿ يظاهرون ﴾ ومن قصره على الأم احتج بقوله بعده ﴿ ما هنّ أمهاتهم ﴾ وبأن حرمة الأم أشد.

البحث الثاني في المظاهر وفيه مسائل: الأولى: قال الشافعي: كل من صح طلاقه صح ظهاره وإن كان خصياً أو مجبوباً، ويتفرع عليه أن ظهار الذمي صحيح.

حجة الشافعي عموم قوله  ﴿ والذين يظاهرون ﴾ وأيضاً تأثير الظهار في التحريم والذمي أهل لذلك بدليل صحة طلاقه.

وأيضاً إيجاب الكفارة للزجر عن هذا الفعل الذي هو منكر من القول وزور وهذا المعنى قائم في حق الذمي.

وقال أبو حنيفة ومالك: لا يصح ظهاره.

واحتج أبو بكر الرازي لهما بأن قوله ﴿ والذين يظاهرون منكم ﴾ خطاب للمؤمنين.

وأيضاً من لوازم الظهار تصحيح وجوب الصوم على العائد العاجز عن الإعتاق وإيجاب الصوم على الذمي ممتنع لأنه مع الكفر باطل، وبعد الإسلام غير لازم لأنه يجب ما قبله.

وأجيب عن الأول بأن قوله ﴿ منكم ﴾ خطاب للحاضرين فلم قلتم: إنه يختص بالمؤمنين؟

على أن التخصيص بالذكر عندكم لا يدل على نفي ما عداه.

وأيضاً العام عندكم إذا أورد بعد الخاص كان ناسخاً للخاص.

وعن الثاني أن من لوازم الظهار أيضاً أنه حين عجز عن الصوم اكتفي منه بالإطعام فهو ههنا إن تحقق العجز وجب أن يكتفي فيه بالإطعام، وإن لم يتحقق العجز زال السؤال.

وأيضاً الصوم بدل عن الإعتاق والبدل أضعف عن المبدل.

ثم إن العبد عاجز عن الإعتاق مع أنه يصح ظهاره بالاتفاق فإذا كان فوات أقوى اللازمين لا يوجب منع الظهار ففوات الأضعف كيف يمنع؟

وقال القاضي حسين من أصحاب الشافعي في الجواب: نقول للذمي إن أردت الخلاص من التحريم فأسلم وصم قوله الإسلام يجب ما قبله.

قلنا: إنه عام والتكفير خاص والخاص مقدّم على العام.

الثانية قال مالك وأبو حنيفة والشافعي: لا يصح ظهار المرأة من زوجها وهو ظاهر ولو قال شهراً فقد قال أبو حنيفة والشافعي: بطل ظهاره بمضي المدة وكان قبل ذلك صحيحاً لام روي أن سلمة بن صخر ظاهر من امرأته حتى ينسلخ رمضان ثم وطئها في المدة فأمره النبي  بتحرير رقبة.

وأما بطلان ظهاره بعد المدة فلمقتضى اللفظ كما في الأيمان.

فإذا مضت المدة حل الوطء لارتفاع الظهار وبقيت الكفارة في ذمته.

وقال مالك وابن أبى ليلى: هو مظاهر أبداً.

البحث الثالث في المظاهر عنها.

ويصح الظهار عن الصغيرة والمجنونة والأمة المتزوّجة والذمية والرتقاء والحائض والنفساء، ولا يصح عن الأجنبية سواء أطلق أو علق بالنكاح فقال "إذا نكحتك فأنت عليّ كظهر أمي".

ويصح عن الرجعية ولا يصح عن الأمة وأم الولد عند أبي حنيفة والشافعي لأن قوله  ﴿ والذين يظاهرون من نسائهم ﴾ يتناول الحرائر دون الاماء كما في قوله ﴿ أو نسائهن  ﴾ بدليل أنه عطف عليه قوله ﴿ أو ما ملكت أيمانهن  ﴾ وقال مالك والأوزاعي: يصح لأن قوله ﴿ من نسائهم ﴾ يشمل ملك اليمين لغة.

وفي الآية سؤال وهو أن المظاهر شبّه الزوجة بالأم ولم يقل إنها أم فيكف أنكر الله عليه بقوله ﴿ ما هن أمهاتهم ﴾ وحكم بأنه منكر وزور؟

والجواب أن قوله " أنت عليّ كظهر أمي " إن كان إخباراً فهو كذب لأن الزوجة حلال والأم حرام وتشبيه المحللة بالمحرمة في وصف الحل والحرمة كذب، وإن كان إنشاء كان معناه أن الشرع جعله سبباً في حصول الحرمة، ولما لم يرد الشرع بهذا السبب كان الحكم به كذباً وزوراً ولهذا أوجب الله  الكفارة على صاحب القول بعد العود.

سؤال آخر قوله  ﴿ إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم ﴾ ظاهره يقتضي أنه لا أم إلا الوالدة لكنه قال في موضع آخر ﴿ وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم  ﴾ وقال ﴿ وأزواجه أمهاتهم  ﴾ أجاب في الكشاف بأنه يريد أن الأمهات على الحقيقة إنما هن الوالدات وغيرهن ملحقات بهن لدخولهن في حكمهن بسبب الإرضاع، أو لكونها زوجة النبي  الذي هو أبو الأمة.

وأما الزوجات فلسن من أحد القبيلين وكان قول المظاهر منكراً لمخالفة الحقيقة وزوراً لعدم موافقة الشرع.

قوله ﴿ ثم يعودون لما قالوا ﴾ قال الفراء: لا فرق في اللغة بين قولك عاد لما قال وإلى ما قال وفيما قال.

وقال أبو علي الفارسي: كلمة إلى واللام يتعاقبان قال الله  ﴿ الحمد لله الذي هدانا لهذا  ﴾ وقال ﴿ فاهدوهم إلى صراط الجحيم ﴾ } [الصافات: 23] وقال أهل اللغة: إذا قال قائل عاد لما فعل جاز أن يريد أنه فعله مرة أخرى وهذا ظاهر، وجاز أن يريد أن نقض ما فعل لأن التصرف في الشيء بالإعدام لا يمكن إلا بالعودة إليه، وإلى هذا ذهب أكثر المجتهدين إلا أن الشافعي قال: معنى العود لما قالوا السكوت عن الطلاق قعد الظهار زماناً يمكنه أن يطلقها فيه، وذلك أنه لما ظاهر فقد قصد التحريم فإن وصل ذلك بالطلاق فقد تمم ما شرع فيه من إيقاع التحريم ولا كفارة عليه، فإذا سكت عن الطلاق دل على أنه ندم على ما ابتدأه من التحريم فحينئذ تجب عليه الكفارة.

واعترض أبو بكر الرازي في أحكام القرآن عليه من وجهين: الأول أنه  قال ﴿ ثم يعودون ﴾ وكلمة " ثم " تقتضي التراخي.

وعلى قول الشافعي يكون المظاهر عائداً عقيب القول بلا تراخ وهذا خلاف مفهوم الآية.

الثاني أنه شبهها بالأم والأم لا يحرم إمساكها فلا يكون إمساك الزوجة نقضاً لما قال.

وأجيب عن الأول بأنه يوجب أن لا يتمكن المظاهر من العود إليها بهذا التفسير عقيب فراغه من التلفظ بلفظ الظهار حتى يحصل التراخي مع أن الأمة مجمعة على أن له ذلك.

والتحقيق أن العبرة بالحكم ونحن لا نحكم بالعود ما لم ينقض زمان يمكنه أن يطلقها فيه فقد تأخر كونه عائداً عن كونه مظاهراً بهذا القدر من الزمان وهذا يكفي في العمل بمقتضى كلمة " ثم ".

وعن الثاني أن المراد إمساكها على سبيل الزوجية واللفظ محتمل لهذا وإمساك الأم بهذا الوجه محرم.

وقال أبو حنيفة: معناه استباحة الوطء والملامسة والنظر إليها بالشهوة، وذلك أنه لام شبهها بالأم في حرمة هذه الأشياء ثم قصد استباحتها كان مناقضاً لقوله " أنت عليّ كظهر أمي".

وقال مالك: العود إليها عبارة عن العزم على جماعها، وضعف بأن العزم على جماعها لا يناقض كونها محرمة إنما المناقض لكونها محرمة هو القصد إلى استحلال جماعها فيرجع إلى قول أبي حنيفة.

ولا يرد عليه إلا أنه خص وجه التشبيه من غير دليل، والذي ذكره الشافعي أعم وأقل ما يطلق عليه اسم العود فكان أولى.

وعن طاوس والحسن أن العود إليها عبارة عن جماعها وخطىء لقوله ﴿ فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ﴾ وإذا كان التكفير قبل الجماع والتكفير لا يثبت إلا بعد العود فالعود غير الجماع.

وأما الاحتمال الأول وهو أن العود لما فعل هو فعلة مرة أخرى ففيه أيضاً وجوه: الأول: قول الثوري: إن العود هو الإتيان بالظهار في الإسلام وزيف بأنه يرجع حاصل المعنى إلى قوله ﴿ والذين ﴾ كانوا ﴿ يظاهرون من نسائهم ﴾ في الجاهلية ﴿ ثم يعودون لما قالوا ﴾ في الإسلام ﴿ فكفارته ﴾ كذا وكذا وهذا إضمار من غير دليل مع أنه خلاف الأصل.

الثاني قال أبو العالية: إذا كرر لفظ الظهار فهو عود وإلا فلا.

وضعف بحديث أوس وحديث سلمة بن صخر قال رسول الله  : لزمهما الكفارة مع أنهما لم يكررا الظهار.

الثالثة: قال أبو مسلم الأصفهاني: العود هو أن يحلف على ما قال أوّلاً من لفظ الظهار فإذا لم يحلف لم تلزمه الكفارة قياساً على ما لو قال في بعض الأطعمة " إنه حرام عليّ كلحم الآدمي " فإنه لا يلزمه الكفارة إلا إذا حلف عليه.

ورد بأن الكفارة قد تجب بالإجماع في المناسك ولا يمين.

وعندي أن هذا الرد مردود لأنه لا يلزم من وجوب الكفارة في الصورتين من غير يمين وجوبها في كل صورة بلا يمين.

نعم يرد على أبي مسلم أن تفسير العود بالحلف إثبات اللغة بالقياس، ولا يخفى أن العود لما قالوا على هذا الاحتمال ظاهر لأنه أريد بالقول اللفظ.

وأما الاحتمال الآخر فيحتاج إلى تأويل القول بالمقول فيه وهو ما حرموه على أنفسهم بلفظ الظهار كما مر في قوله ﴿ ونرثه ما يقول  ﴾ أي المال والواو للحال.

مسائل: الأولى: الجديد وأبو حنيفة أن الظهار يحرم جميع جهات الاستمتاعات لأن قوله  ﴿ من قبل أن يتماسا ﴾ يعم جميع ضروب المس من المس بيد وغيرها.

"وروى عكرمة أن رجلاً ظاهر من امرأته ثم واقعها قبل أن يكفر فأتى النبي  فأخبره بذلك فقال: اعتزلها حتى تكفِّر" .

الثانية: اختلفوا فيمن ظاهر مراراً فقال أبو حنيفة والشافعي: لكل ظهار كفّارة إلا أن يكون في مجلس واحد وأراد التكرار للتأكيد.

وقال مالك: من ظاهر من امرأته في مجالس متفرقة فليس عليه إلا كفّارة واحدة.

وحجتهما أنه  رتب الكفّارة على التلفظ بكلمة الظهار والمعلول يتكرر بتكرر العلة، ويتفرع عليه أنه لو كانت تحته أربع نسوة وقال لهن: أنتن عليّ كظهر أمي لزمه أربع كفارات لأن الحكم يتكرر ويتعدّد المحل.

حجته أنه رتب الكفارة على مطلق الظهار والمطلق شامل للمتعدد، ونوقض باليمين فإن الكفارة لازمة في كل يمين.

الثالثة: دلت على إيجاب الكفارة قبل التماس فإن جامع قبل أن يكفر لم يجب عليه إلا كفارة واحدة وهو قول أكثر أهل العلم كمالك وأبي حنيفة والشافعي وسفيان وأحمد وإسحق، لأن سلمة بن صخر قال لرسول الله  : ظاهرت من امرأتي ثم أبصرت خلخالها في ليلة قمراء فواقعتها.

فقال عليه الصلاة والسلام: استغفر ربك ولا تعد حتى تكفّر.

وقال بعضهم ومنهم بعد الرحمن بن مهدي: إذا واقعها قبل أن يكفر فعليه كفارتان.

الرابعة: لا ينبغي للمرأة أن تدع الزوج يقربها حتى يكفّر فإن تهاون حال الإمام بينهما ويجبره على التكفير وإن كان بالضرب حتى يوفيها حقها من الجماع.

قال الفقهاء: ولا شيء من الكفارات يجبر عليه ويحبس إلا كفارة الظهار لأن ترك التكفير إضرار بالمرأة وامتناع من إيفاء حقها.

الخامسة: قد ذكرنا أن الاستمتاعات محرمة عليه إلى أن يكفّر وذلك صريح في تحرير الربة وفي الصيام والآن نقول: إن التكفير بالإطعام أيضاً كذلك وإن لم يتعرض للتماس في قوله ﴿ فإطعام ستين مسكيناً ﴾ حملاً للمطلق على المقيد عند اتحاد الواقعة، وللأقل وهو صورة واحدة على الأكثر وهذه من فصاحات القرآن.

السادسة: مذهب أبي حنيفة أن هذه الرقبة تجزي وإن كانت كافرة لإطلاق الآية.

وقال الشافعي: لا بد أن تكون مؤمنة قياساً على كفارة القتل.

والجامع أن الإعتاق إنعام والمؤمن أولى به، ولأن المشركين نجس وكل نجس خبيث بالإجماع.

وقال الله  ﴿ ولا تيمموا الخبيث  ﴾ ولا تجزي أم الولد ولا المكاتب عند الشافعي لضعف الملكية فيه ولا يحصل الجزم بالخروج عن العهدة.

وقال أبو حنيفة: إن أعتقه قبل أن يؤدي شيئاً جاز عن الكفارة لأنه رقبة بدليل قوله ﴿ وفي الرقاب  ﴾ وإن أعتقه بعد أن يؤدي شيئاً لم يجز.

والمدبر يجزي عند الشافعي ولا يجزي عند أبي حنيفة.

السابعة: يعتبر في الرقبة بعد الإيمان على خلاف فيه السلامة عن العيوب لا التي يثبت بها الرد في البيع ولكن التي تخل بالعمل والاكتساب لأن المقصود هناك المالية وههنا تكميل حاله ليتفرغ للعبادات والوظائف المخصوصة بالأحرار، فلا يجزي مقطوع اليدين أو الرجلين أو إحداهما ولا المجنون، ويجزي الأعور والأصم والأخرس ومقطوع الأذنين أو الأنف أو أصابع الرجلين لا أصابع اليد لأن البطش والعمل يتعلق بها.

والعبد الغائب.

إن انقطع خبره لا يجزي ولو أعتق بعده عن كفارته شرط أن يردّ ديناراًَ أو غيره لم يجز بل يجب أن يكون الإعتاق خالياً من شوائب العوض.

الثامنة: كفارة الظهار مرتبة على ما في الآية.

فإن كان في ملكه عبد فاضل عن حاجته فواجبه هو، وإن احتاج إلى خدمته لمرض أو كبر أو لأن منصبه يأبى أن يخدم نفسه لم يكلف صرفه إلى الكفارة، ولو وجد ثمن العبد فكالعبد.

والشرط أن يفضل عن حاجة نفقته وكسوته ونفقة عياله وكسوتهم وعن المسكن وما لا بدّ له من الأثاث ولو كانت له ضيعة أو رأس مال يتجر فيه ويفي ما يحصل منهما بكفايته بلا مزيد ولو باعهما لارتدّ إلى حد المساكين لم يكلف صرفه إلى الكفارة.

ولو وجد ثمن العبد فكالعبد والشرط بيعها وإن كان ماله غائباً أو لم يجد الرقبة في الحال لم يجز العدول إلى الصوم بل يصبر، وإن كان يتضرر بامتناع الابتياع لأنه  قال ﴿ فمن لم يجد ﴾ وهو واجد.

أما من كان مريضاً في الحال ولا يقدر على الصوم فإنه ينتقل إلى الإطعام لأنه  قال ﴿ فمن لم يستطع ﴾ وهو غير مستطيع، والمآل غير معلوم ولا هو متعلق باختياره بخلاف إحضار المال أو تحصيل الرقبة فإن ذلك قد يمكنه.

التاسعة: لو أطعم مسكيناً واحداً ستين مرة لا يجزي عند الشافعي لظاهر الآية، ولأن إدخال السرور في قلب ستين أجمع وأقرب من رضا الله.

وقال أبو حنيفة: يجزي.

العاشرة: الشبق المفرط والغلمة عذر عند الأكثرين في الانتقال إلى الإطعام كما في قصة الأعرابي وهل أتيت إلا من قبل الصوم فأمره النبي  وقال: أطعم.

وحمله آخرون على خاصة الأعرابي.

ولنكتف بهذا القدر من المسائل الفقهية في تفسير آية الظهار.

قال الزجاج ﴿ ذلكم توعظون ﴾ أي ذلك التغليظ وعظ لكم حتى تتركوا الظهار.

وحين ذكر حكم الآية عقبه بقوله ذلك فيحتمل أن يعود إلى مطلق بيان كفارة الظهار، ويحتمل أن يعود إلى التخفيف والتوسيع لتصدقوا بالله ورسوله فإن التخفيف مناسب للتصديق والعمل بالشريعة ﴿ وللكافرين ﴾ الذين استمروا على أحكام الجاهلية ﴿ عذاب أليم ﴾ وإنما قال في الآية الثانية ﴿ عذاب مهين ﴾ ليناسب قوله ﴿ كبتوا ﴾ أي أخزوا وأهلكوا.

قيل: أريد كبتهم يوم الخندق.

وفي الحدود مع المحادة نوع من التجانس، والمحادّة المشاقة من الحد الطرف كأن كلاً من المتخاصمين في طرف آخر كالمشاقة من الشق.

وقال أبو مسلم: هي من الحديد كأن كلا منهما يكاد يستعمل الحديد أي السيف وهم المنافقون أو الكافرون على الإطلاق.

قوله ﴿ أحصاه الله ﴾ أي أحاط بما عمل كل منهم كماً وكيفاً وزماناً ومكاناً ﴿ ونسوه ﴾ لكثرته أو لقلة اكتراثهم بالمعاصي وإنما يحفظ معظمات الأمور.

ثم قرر كمال علمه بقوله ﴿ ما يكون من نجوى ثلاثة ﴾ نفر ويجوز أن يكون ثلاثة وصفاً للنجوى على حذف المضاف أي من أهل نجوى، أو لأنهم جعلوا نجوى مبالغة وكذلك كل مصدر وصف به.

قال الزجاج: هي مشتقة من النجوة المكان المرتفع لأن الكلام المذكور سراً يجل عن استماع الغير.

سؤال: لم ذكر الثلاثة والخمسة وأهمل ذكر الاثنين والاربعة؟

الجواب من وجوه أحدها: أن الآية نزلت في قوم من المنافقين اجتمعوا على التناجي مغايظة للمؤمنين وكانوا على هذين العددين فحص صورة الواقعة بالذكر.

عن ابن عباس أن ربيعة وحبيباً ابني عمرو وصفوان بن أمية كانوا يوماً مّا يتحدثون فقال أحدهم: أترى أن الله يعلم ما نقول.

فقال الآخر: يعلم بعضاً ولا يعلم بعضاً.

وقال الثالث: إن كان يعلم بعضاً فهو يعلم كله فنزلت.

قالت جماعة: الحق مع الثالث فلعل الآخر كان فلسفي الاعتقاد القائل بأنه  يعلم الكليات دون الجزئيات.

ثانيها أن العدد الفرد أشرف من الزوج لأن الله  وتر ولأن الزوج يحتاج إلى الوتر دون العكس كالواحد.

وثالثها أن المتشاورين الاثنين كالمتنازعين في النفي والإثبات، والثالث كالمتوسط الحكم وهكذا في كل زوج اجتمعوا للمشاورة فلا بد فيهم من واحد يكون حكماً فذكر  الفردين الأولين تنبيهاً على الأفراد الباقية.

ورابعها أن هذا إشارة إلى كمال المرحمة، وذلك أن الثلاثة إذا أخذ اثنان منهم في التناجي والمسارّة بقي الواحد ضائعاً وحيداً فيضيق قلبه فيقول الله  : أنا جليسك وأنيسك.

وكذا الخمسة إذا اجتمع اثنان اثنان منهم بقي الخامس فريداً فنفس الله  عنه ببشارة المعية.

وهذا التأويل لا يتأتى في الاثنين والأربعة فأهمل ذكرهما.

وفيه أن من انقطع عن الخلق لم يتركه الله ضائعاً.

وخامسها وهو من السوانح.

أنه  لما أراد تكميل الكلام بقوله ﴿ ولا أدنى من ذلك ولا أكثر ﴾ لم يكن بد من الابتداء بالثلاثة مع أنها عدد أكثري في التشاور، ثم بالخمسة ليكون لكل من العددين طرفا قلة وكثرة.

وفيه أيضاً من الفصاحة أنه لم يقع حروف الأربعة مكرراً إذ لو قال " ولا أربعة إلا وهو خامسهم " على ما وقع في مصحف عبد الله لكان في ذكر الرابع والأربعة شبه تكرار.

ولعل في الآية إشارة إلى التناجي لا ينبغي أن يكون إلا بين اثنين إلى ستة لتكون الزيادة على الخمسة بقدر احتمال النقصان على الثلاثة، ويعضده ما روي أن عمر بن الخطاب ترك الأمر شورى بين ستة ولم يتجاوز بها إلى سابع، وهذه من نكت القرآن زادنا الله اطلاعاً عليها.

قال أكثر المفسرين: كانت اليهود والمنافقون يتناجون فيما بينهم ويتغامزون بأعينهم إذا رأوا المؤمنين يريدون بذلك غيظهم، فنهاهم رسول الله  عن ذلك فعادوا لمثله وكان تناجيهم بما هو إثم وعدوان للمؤمنين وتواص بمحالفة الرسول  فنزل ﴿ ألم تر إلى الذين ﴾ الآية منهم من قال: هم المنافقون ومنهم من قال: فريق من الكفار.

والأول أقرب بدليل قوله ﴿ وإذا جاؤك حيوك بما لم يحيك ﴾ وذلك أنهم كانوا يقولون " السلام عليك يا محمد " والله  يقول ﴿ وسلام على عباده الذين اصطفى  ﴾ و " يا أيها الرسول " و " يا أيها النبي ".

وحديث عائشة مع اليهود في هذا المعنى مذكور مع شهرته وكانوا يقولون: ما له إن كان نبياً لا يدعو علينا حتى يعذبنا الله بما نقول، فأجاب الله  عن قولهم بأن جهنم تكفيهم.

قال أبو علي: التناجي والانتجاء بمعنى نحو اجتوروا واعتوروا في معنى تجاوروا وتعاوروا.

ثم نهى المؤمنين عن مثل تلك النجوى وهو ظاهر.

وقال جمع من المفسرين: وهو خطاب المنافقين الذين آمنوا باللسان دون مواطأة القلوب.

وأعلم أن المناجاة إذا كانت على طريقة البر والتقوى فقلما تقع الداعية إلى كتمانها فلا تكره النجوى ولا يتأذى بها أحد إذا عرفت سيرة المناجي فلهذا أمر الله  أن لا يقع التناجي إلا على وجه البر.

قوله ﴿ إنما النجوى ﴾ الألف واللام فيه لا يمكن أن تكون للاستغراق أو للجنس، فمن النجوى ما تكون ممدوحة لاشتمالها على مصلحة دينية أو دنيوية فهي إذن للعهد وهو التناجي بالإثم والعدوان زينة الشيطان لأجلهم ﴿ ليحزن ﴾ الشيطان، أو التناجي المؤمنين وكانوا يقولون ما نراهم متناجين إلا وقد بلغهم عن أقاربنا الذين خرجوا إلى الغزوات أنهم قتلوا أو هربوا.

ثم بين أن الشيطان أو الحزن لا يضر المؤمن أصلاً إلا بمشيئة الله وإرادته.

عن النبي  " إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه" وفي رواية " دون الثالث".

وحين نهى  عباده المؤمنين عما يكون سبباً للتباغض والتنافر حثهم على ما يوجب مزيد المحبة والألفة.

والتفسح في المجلس التوسع لله والمراد مجلس رسول الله  كانوا يتضامّون فيه تنافساً في القرب منه وحرصاً على استماع كلامه.

ومن قرأ على الجمع جعل لكل جالس مجلساً على حدة.

وقيل: هو المجلس من مجالس القتال أي مراكز القتال.

كان الرجل يأتي الصف فيقول: تفسحوا.

فيأبون حرصاً على الشهادة.

والقول الأول أصح.

قال مقاتل بن حيان: كان  يوم الجمعة في الصفة وفي المكان ضيق وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء ناس من أهل بدر وقد سبقوا إلى المجلس فقاموا حيال النبي  ينتظرون أن يوسع لهم، فعرف رسول الله  ما يحملهم على القيام وشق ذلك على الرسول فقال لمن حوله من غير أهل بدر: قم يا فلان قم يا فلان.

فلم يزل كذلك حتى أقعد النفر الذين هم قيام بين يديه فعرفت الكراهية في وجه من أقيم من مجلسه، وطعن المنافقون في ذلك قالوا: والله ما عدل على هؤلاء وإن قوماً أخذوا مجالسهم وأحبوا القرب منه فأقامهم فأجلس من أبطأ عنه فنزلت ﴿ وإذا قيل انشزوا ﴾ أي انهضوا للتوسعة على المقبلين فانشزوا ولا تملوا رسول الله  بالارتكاز فيه ﴿ يرفع الله الذين آمنوا منكم ﴾ أيها الممتثلون والعالمين منهم خاصة ﴿ درجات ﴾ قال بعض أهل العلم: المراد به الرفعة في مجلس النبي  وهو مناسب للمقام لقوله "ليليني منكم أولو الأحلام والنهي" " والمشهور أنه الرفعة في درجات ثواب الآخرة وقد أطنبنا في فضيلة العلم في أوائل البقرة عند قوله ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها  ﴾ والأمر يقتضي أن يقتدى بالعالم في كل شيء ولا يقتدى بالجاهل في شيء، وذلك أنه يعلم من كيفية الاحتراز عن الحرام والشبهات ومحاسبة النفس ما لا يعرفه الغير، ويعلم من كيفية التوبة وأوقاتها وصفاتها ما لا خبر فيه عند غيره، ويتحفظ فيما يلزمه من الحقوق ما لا يتحفظ غيره ولكنه كما تعظم منزلته عند الطاعة ينبغى أن يعظم عتابه عند التقصيرات حتى كاد تكون الصغيرة بالنسبة إليه كبيرة، واللهم ثبتنا على صراطك المستقيم ووفقنا للعمل بما فهمنا من كتابك الكريم.

قال ابن عباس: كان المسلمون أكثروا المسائل على رسول الله  حتى شقوا عليه وأراد الله أن يخفف عن نبيه، فلما نزلت آية النجوى شح كثير من الناس فكفوا عن المسئلة.

وقال مقاتل بن حيان: إن الأغنياء غلبوا الفقراء في مجلس النبي  وأكثروا مناجاته فأمر الله بالصدقة عند المناجاة فازدادت درجة الفقراء وانحطت رتبة الأغنياء وتميز محب الآخرة عن محب الدنيا.

قال بعضهم: هذه الصدقة مندوبة لقوله ﴿ ذلك خير لكم ﴾ ولأنه أزيل العمل به بكلام متصل وهو قوله ﴿ أأشفقتم ﴾ والأكثرون على أنها كانت واجبة لظاهر الأمر , والواجب قد يوصف بكونه خيراً ولا يلزم من اتصال الآيتين في القراءة اتصالهما في النزول.

وقد يكون الناسخ متقدماً على المنسوخ كما مر في آية الاعتداد بالحول في البقرة.

واختلفوا في مقدار تأخرها: فعن الكلبي ما بقى ذلك التكليف إلا ساعة من نهار.

وعن مقاتل بقي عشرة أيام.

وعن علي  : لما نزلت الآية دعاني رسول الله  فقال: ما تقول في دينار؟

قلت: لا يطيقونه.

قال: كم؟

قلت: حبة أو شعيرة.

قال: إنك لزهيد أي إنك لقليل المال فقدرت على حسب مالك.

وعنه  : إن في كتاب الله آية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي.

كان لي دينار فاشتريت به عشرة دراهم فكنت إذا ناجيته تصدّقت بدرهم.

قال الكلبي: تصدق به في عشر كلمات سألهن رسول الله  .

قال القاضي: هذا لا يدل على فضله على أكابر الصحابة لأن الوقت لعله لم يتسع للعمل بهذا الفرض.

وقال فخر الدين الرازي: سلمنا أن الوقت قد وسع إلا أن الاقدام على هذا العمل مما يضيق قلب الفقير الذي لا يجد شيئاً وينفر الرجل الغني ولم يكن في تركه مضرة.لأن الذي يكون سبباً للألفة أولى مما يكون سبباً للوحشة.

وأيضاً الصدقة عند المناجاة واجبة: أما المناجاة فليست بواجبة ولا مندوبة بل الأولى ترك المناجاة لما بيّنا من أنها كانت سبباً لسآمة النبي  .

قلت: هذا الكلام لا يخلو عن تعصب مّا.

ومن أين يلزمنا أن نثبت مفضولية علي  في كل خصلة، ولم لا يجوز أن يحصل له فضيلة لم توجد لغيره من أكابر الصحابة.

فقد روي عن ابن عمر كان لعلي  ثلاث لو كانت لي واحدة منهن كانت أحب إليّ من حمر النعم: تزويجه فاطمة  ا وإعطاؤه الراية يوم خيبر وآية النجوى.

وهل يقول منصف إن مناجاة النبي  نقيصة على أنه لم يرد في الآية نهي عن المناجاة وإنما ورد تقديم الصدقة على المناجاة فمن عمل بالآية حصل لهالفضيلة من جهتين: سدّ خلة بعض الفقراء، ومن جهة محبة نجوى الرسول  ففيها القرب منه وحل المسائل العويصة وإظهار أن نجواه أحب إلى المناجي من المال والظاهر أن الآية منسوخة بما بعدها وهو قوله ﴿ أأشفقتم ﴾ إلى آخرها.

قاله ابن عباس.

وقيل: نسخت بآية الزكاة.

أما أبو مسلم الذي يدعي أن لا نسخ في القرآن فإنه يقول: كان هذا التكليف مقدراً بغاية مخصوصة ليتميز الموافق من المنافق والمخلص من المرائي، وانتهاء أمد الحكم لا يكون نسخاً له.

ومعنى الآية أخفتم تقديم الصدقات لما فيه من الإنفاق المنقص للمال الذي هو أحب الأشياء إليكم ﴿ فإذا لم تفعلوا ﴾ ما أمرتم به ﴿ وتاب الله عليكم ﴾ ورخص لكم في أن لا تفعلوا فلا تفرطوا في الصلاة والزكاة وسائر الطاعات.

ومن زعم أن العمل بآية النجوى لم يكن من الطاعات قال: إنه لا يمتنع أن الله  علم ضيق صدر كثير منهم عن إعطاء الصدقة في المستقبل لو دام الوجوب فقال: إذا كنتم تائبين راجعين إلى الله وأقمتم الصلاة وأتيتم الزكاة فقد كفاكم هذا التكليف.

قال المفسرون: كان عبد الله بن نبتل المنافق يجالس رسول الله  ثم يرفع حديثه إلى اليهود.

فبينا رسول الله  في حجرة من حجراته إذ قال: يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعين شيطان، فدخل ابن نبتل وكان أزرق فقال له النبي  : علام تشتمني أنت وأصحابك؟

فحلف بالله ما فعل.

فقال رسول الله  : بل فعلت.

فانطلق فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه فنزل ﴿ ألم تر إلى الذين تولوا ﴾ أي وادّوا ﴿ قوماً غضب الله عليهم ﴾ وهم اليهود ﴿ ما هم منكم ﴾ لأنهم ليسوا مسلمين بالحقيقة ﴿ ولا منهم ﴾ لأنهم كانوا مشركين في الأصل ﴿ ويحلفون على الكذب ﴾ وهو ادعاء الإسلام.

وفي قوله ﴿ وهم يعلمون ﴾ دلالة على إبطال قول الجاحظ إن الخبر الكذب هو الذي يكون مخالفاً للمخبر عنه مع أن المخبر يعلم المخالفة وذلك أنه لو كان كما زعم لم يكن لقوله ﴿ وهم يعلمون ﴾ فائدة بل يكون تكراراً صرفاً.

قال بعض المحققين: العذاب الشديد هو عذاب القبر، العذاب المهين الذي يجيء عقيبه هو عذاب الآخرة.

وقيل: الكل عذاب الآخرة لقوله ﴿ الذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله زدناهم عذاباً فوق العذاب  ﴾ قال جار الله: معنى قوله ﴿ إنهم ساء ما كانوا يعملون ﴾ إنهم كانوا في الزمان الماضي المتطاول مصرين على سور العمل، أو هي حكاية ما يقال لهم في الآخرة.

ومعنى الفاء في ﴿ فصدوا ﴾ أنهم حين دخلوا في حماية الايمان بالأيمان الكاذبة وأمنوا على النفس والمال اشتغلوا بصدّ الناس عن الدخول في الإسلام بإلقاء الشبهات وتقبيح حال المسلمين.

ويروى أن رجلاً منهم قال: لننصرن يوم القيامة بأنفسنا وأموالنا وأولادنا فنزل ﴿ لن تغني عنهم ﴾ الآية.

ثم أخبر عن حالهم العجيبة الشأن وهو أنهم يحلفون يوم المحشر لعلام الغيوب كما يحلفون لكم في الدنيا وأنتم بشر يخفى عليكم السرائر ﴿ ويحسبون أنهم على شيء ﴾ من النفع.

والمراد أنهم كما عاشوا على النفاق والحلف الكاذب يموتون ويبعثون على ذلك الوصف.

قال القاضي والجبائي: إن أهل الآخرة لا يكذبون.

ومعنى الآية أنهم يحلفون في الآخرة إما ما كنا كافرين عند أنفسنا.

وقوله ﴿ ألا أنهم هم الكاذبون ﴾ في الدنيا.

ولا يخفى ما في هذا التأويل من التعسف وقد مر البحث في قوله ﴿ والله ما كنا مشركين  ﴾ ثم بين أن الشيطان هو الذي زين لهم ذلك.

ومعنى استحوذ استولى وغلب ومنه قول عائشة في حق عمر: كان أحوذياً أي سائساً غالباً على الأمور وهو أحد ما جاء على الأصل نحو " استصوب واستنوق" احتج القاضي به في خلق الأعمال بأن ذلك النسيان لو حصل بخلق الله لكانت إضافتها إلى الشيطان كذباً، ولكانوا كالمؤمنين في كونهم حزب الله لا حزب الشيطان.

والجواب ظاهر مما سلف مراراً فإن الكلام في الانتهاء لا في الوسط.

قوله ﴿ أولئك في الأذلين ﴾ قال أهل المعنى: إن ذل أحد الخصمين تابع لعز الخصم الآخر.

ولما كانت عزة أولياء الله  غير متناهية فذل أعدائه لا نهاية له فهم إذن أذل خلق الله.

ثم قرر سبب ذلهم بقوله ﴿ كتب الله ﴾ في اللوح ﴿ لأغلبن أنا ورسلي ﴾ إما بالحجة وحدها أو بها وبالسيف.

قال مقاتل: إن المسلمين قالوا: إنا لنرجو أن يظهرنا الله على فارس والروم.

فقال عبد الله بن أبيّ: أتظنون أن فارس والروم كبعض القرى التي غلبتموهم عليها؟

كلا والله إنهم أكثر عدداً وعدّة فنزلت الآية.

ثم بين أن الجمع بين الإيمان الخالص وموادّة من حادّ الله ورسوله غير ممكن ولو كان المحادّون بعض الأقربين.

وقال جار الله: هذا من باب التمثيل والغرض أنه لا ينبغي أن يكون وحقه أن يمتنع ولا يوجد.

قلت: لو اعتبر كل من الأمرين من حيث الحقيقة كان بينهما أشد التباين ولا حاجة إلى هذا التكلف إلا أن يحمل أحدهما على الحقيقة والآخر على الظاهر فحينذ قد يجتمعان كما في حق أهل النفاق، وكما يوجد بعض أهل الإيمان يخالط بعض الكفرة ويعاشرهم لأسباب دنيوية ضرورية.عن النبي  " "لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي نعمة فإني أجد فيما أوحي إليّ" ﴿ لا تجد قوماً ﴾ يروى أنها نزلت في أبي بكر، وذلك أن أبا قحافة سب رسول الله  فصكه صكة سقط منها فقال له رسول الله  : أو قد فعلته؟

قال: نعم.

قال: لا تعد.

قال: والله لو كان السيف قريباً مني لقتلته.

وقيل: في أبي عبيدة بن الجراح فقتل أباه عبد الله بن الجراح يوم أحد، وفي كثير من أكابر الصحابة أعرضوا عن عشائرهم وعادوهم لحب الله ورسوله.

فذهب جمع من المفسرين إلى أنها نزلت في حاطب ابن أبي بلتعة وإخباره أهل مكة بمسير النبي  إليهم عام الفتح وسيجيء في الممتحنة.

والأظهر عندي نزولها في المؤمنين الخلص لقوله ﴿ أولئك كتب ﴾ أي أثبت ﴿ في قلوبهم الإيمان ﴾ إثبات المكتوب في القرطاس.

وقيل: معناه جمع.

والتركيب يدور عليه أي استكلموا أجزاء الإيمان بحذافيرها ليسوا ممن يقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض.

قوله ﴿ وأيدهم بروح منه ﴾ قال ابن عباس: أي نصرهم على عدوّهم.

وسمي النصرة روحاً لأن الأمر يحيا بها.

ويحتمل أن يكون الضمير للإيمان على أنه في نفسه روح فيه حياة القلوب والباقي ظاهر والله أعلم وإليه المصير وبيده التوفيق والإتمام بالصواب.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ .

قال بعض أهل الأدب: المحاد هو الذي يجعل نفسه في حد غير الحد الذي أمره الله ورسوله، وكذلك قوله: يشاقون الله، أي: يكونون في شق غير الشق الذي عليه رسول الله، أو كلام نحوه.

ومنهم من قال: حددته عن طريقه، أي: عدلته عنه، وبعضه قريب من بعض.

وأصله ما ذكر: ﴿ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ ، أي: يمانعون الناس ويزجرونهم عن الطريق؛ لئلا يأتوا محمداً  ويتبعوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُبِتُواْ كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ .

قيل: غلبوا وردوا بغير حاجتهم كما غلب ورد الذين كانوا من قبلهم.

وقيل: أهلكوا كما أهلك الذين من قبلهم.

وقيل: أخزوا كما أخزي الذين كانوا من قبلهم.

وكله قريب بعضه من بعض.

ثم يخرج تأويله على وجهين: أحدهما: أي: كبت هؤلاء الذين منعوا الناس عن اتباع رسول الله  من أهل مكة، كما كبت من قبلهم.

أو كبت هؤلاء الذين مانعوا الناس عن رسول الله  بالمدينة، كما كبت الذين ما نعوهم عنه بمكة؛ لأن هذه السورة مدنية، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ﴾ .

أي: آيات تبين حدود الله من غير حدوده، أو ما يبين الحق من الباطل، والرسول من غيره، أو المحاد من غير المحاد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ .

أي: للكافرين كلهم عذاب يهينهم؛ كا أهانوا المؤمنين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً ﴾ .

أي: الأولين والآخرين، والمحادين والموافقين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوۤاْ أَحْصَاهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُ ﴾ .

أي: ليبعثهم الله جميعاً، فينبئهم بما عملوا من خير أو شر، أحصى الله ما علموا، وإن طال ذلك أوكثر، ونسوا هم تلك الأعمال.

خرج هذا على الوعيد، وفيه دلالة رسالته؛ إذ أخبر أنه الله -  - يحصي ذلك عليهم، وأنهم نسوا؛ فلم يتهيأ لهم أن ينكروا عليه أنهم لم ينسوا؛ دل أنه بالله علم ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ .

أي: على كل شيء من الإحصاء والحفظ وغير ذلك شهيد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ ﴾ .

فإن كان هذا الخطاب لرسول الله  يكون في دلالة رسالته أن أطلعه على ما أسروا فيما بينهم من المكر برسول الله  وأصحابه، وتناجوا بينهم من الكيد والخداع، أطعل الله -  - رسوله على ذلك؛ ليعلم أنه بالله علم ذلك.

والثاني: بشارة له بالنصر والمعونة، وهو كقوله -  - لموسى وهارون - عليهما السلام -: ﴿ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ  ﴾ ، أي: أسمع ماي قول لكما وما يجيب، أو أرى ما قصد بكما، وأدفع عنكما ما قصد بكما؛ فعلى ذلك ما ذكر له: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ ﴾ : فيطعلك على ما هموا بك وأسروا فيك، فينصرك ويدفع عنك كيدهم.

وجائز أن يكون الخطاب ليس لرسول الله  خاصة؛ ولكن لكل في نفسه؛ فيصير كأنه قال: ألم تر إلى عجائب ما أنشأ من السماوات والأرض قبل إنشاء أهلها فيهما، فإذا رأيت عجائب ما أنشأ من السماوات والأرض وأهلهما، وعلمت ذلك فاعلم أنه بما يكون من نجواهم، فيما ذكر عالم؛ فيخرج على التنبيه والزجر عن الإسرار والنجوى.

ثم قوله: ﴿ رَابِعُهُمْ ﴾ ، و ﴿ سَادِسُهُمْ ﴾ ، و ﴿ مَعَهُمْ ﴾ ونحوه يجب أن ينظر إلى المقدم من الكلام؛ فيصرف قوله: ﴿ هُوَ مَعَهُمْ ﴾ إلى ذلك، نحو قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ  ﴾ ، و ﴿ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ  ﴾ ونحوه - يكون معهم في التوفيق والمعونة لهم والنصر؛ فعلى ذلك ما ذكر من قوله: هو معهم في النجوى وما أسروا فيما بينهم، أي: شاهد معهم حافظ عليهم، يدفع عنكم كيدهم ومكرهم وينصركم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ .

أي: ينبئهم بما تناجوا وأسروا من الكيد يوم القيامة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ﴾ .

هذا الخطاب لرسول الله  يقول: أعلم أن الذين نهوا عن النجوى، ﴿ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ...

﴾ الآية.

وفيه دلالة إثبات الرسالة؛ لأنه أخبر أنهم عادوا إلى ما نهو عنه وهو النجوى، ومعلوم أنهم لا يعودون إلى مانهوا عنه بحضرة أصحاب رسول الله  ولكن عند غيبة منهم؛ دل أنه بالله علم.

ثم اختلف في سبب تلك النجوى: قال بعضهم: إنه كان بين اليهود وبين النبي  موادعة، فإذا [وجد] رجل من المسلمين وحده يتناجون بقتله بينهم، [أو] يظن المسلم أنهم يتنجاون بقتله أو بما يكره؛ فيترك الطريق من المخافة، فبلغ ذلك رسول الله  فنهاهم عن النجوى، فلم ينتهوا، وعادوا إلى النجوى؛ فنزل ما ذكر.

ومنهم من قال: إن أصحاب رسول الله  كانوا إذا خرجوا من عند رسول الله  قام أناس من اليهود وأناس من المنافقين يتناجون فيما بينهم دون المؤمنين، وينظرون نحو واحد منهم، فإذا رآهم ينظرون نحوه، قال: ما أظن هؤلاء إ لا قد بلغهم خبر أقربائي الذين بعثهم رسول الله  في السرايا من قتل أو موت؛ فيقع في قلبه من ذلك ما يحزنه، فلا يزال كذلك حتى يقدم حميمه من تلك السرية.

لكن الأولى عندنا السكوت عن ذكر هذا وأمثاله؛ لأنه خرج مخرج الاحتجاج وجعله آية عليهم؛ فيجوز أن يكون على خلاف ما ذكر؛ فيوجب الكذب في الخبر؛ فالإمساك عنه أحق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ ﴾ .

ذكر أنهم كانوا إذا أتوا رسول الله يقولون: السام عليك يا محمد؛ فيجيبهم النبي  ويرد عليهم ويقول: وعليكم.

ففيه دلالة رسالته؛ لأنهم حيوه شرّاً منه، فأطلعه الله -  - على ما أسروا، وكذلك ما قال: ﴿ وَيَقُولُونَ فِيۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ ﴾ : هلا يعذبنا الله بما نقول في السر فيه دلالة الرسالة؛ لأنه معلوم أنهم قالوا ذلك سرا في أنفسهم، فأطلع الله -  - رسوله على ما في أنفسهم، ففيه أنه بالله -  - عرف [ذلك].

ثم قوله - عز وجل - خبرا عنهم: ﴿ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ ﴾ .

جائز أن يكون من رسول الله  لهم وعيد بالتعذيب؛ لأجل التناجي الذي كان فيلما تأخر ذلك عنهم قالوا عند ذلك: إنه لو كان رسولاً على ما يقول لعذبنا على ما قال ووعد، لكن رسول الله  إن كان وعد لهم العذاب لم يبين متى يعذبون، فعذابهم ما ذكر حيث قال: ﴿ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ﴾ ، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون قولهم: ﴿ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ ﴾ إنما قالوا ذلك عند رد رسول الله صلى الله علهي وسلم عليهم بما حيوه حين قال: "وعليكم" يقولون: إنه دعا علينا بقوله: "وعليكم"، فإن كان رسولا لأجيب دعاؤه الذي دعا علينا، ولكن رسول الله  لم يدع عليهم؛ إنما رد قولهم عليهم ردّاً، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ألم تر -أيها الرسول- إلى اليهود الذين كانوا يتناجون إذا رأوا مؤمنًا، فنهاهم الله عن النجوى، ثم هم يرجعون إلى ما نهاهم الله عنه، ويتناجون فيما بينهم بما فيه إثم مثل اغتياب المؤمنين، وبما فيه عدوان عليهم، وبما فيه معصية للرسول، وإذا جاؤوك -أيها الرسول- حَيَّوْك بتحية لم يُحَيِّك الله بها؛ وهي قولهم: السَّام عليك يقصدون الموت، ويقولون تكذيبًا للنبي  : هلّا يعذبنا الله بما نقول، إذ لو كان صادقًا في دعواه أنَّه نبي لعذبنا الله بما نقول فيه!

كافيهم جهنم عقابًا على ما قالوه، يعانون حرّها، فقبح المصير مصيرهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.RoxpO"

مزيد من التفاسير لسورة المجادلة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر