الآية ١١٥ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١١٥ من سورة الأنعام

وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًۭا وَعَدْلًۭا ۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ١١٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 75 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١٥ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١٥ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا ) قال قتادة : صدقا فيما قال ، وعدلا فيما حكم .

يقول : صدقا في الأخبار وعدلا في الطلب ، فكل ما أخبر به فحق لا مرية فيه ولا شك ، وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه ، وكل ما نهى عنه فباطل ، فإنه لا ينهى إلا عن مفسدة ، كما قال : ( يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ) إلى آخر الآية [ الأعراف : 157 ] .

( لا مبدل لكلماته ) أي : ليس أحد يعقب حكمه تعالى لا في الدنيا ولا في الآخرة ، ( وهو السميع ) لأقوال عباده ، ( العليم ) بحركاتهم وسكناتهم ، الذي يجازي كل عامل بعمله .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وكملت =" كلمة ربك ", يعني القرآن .

* * * سماه " كلمة "، كما تقول العرب للقصيدة من الشعر يقولها الشاعر: " هذه كلمة فلان ".

(21) .

* * * =(صدقًا وعدلا)، يقول: كملت كلمة ربك من الصدق والعدل.

* * * و " الصدق " و " العدل " نصبا على التفسير للكلمة, كما يقال: " عندي عشرون درهما " .

(22) =(لا مبدِّل لكلماته)، يقول: لا مغيِّر لما أخبر في كتبه أنه كائن من وقوعه في حينه وأجله الذي أخبر الله أنه واقع فيه ، (23) وذلك نظير قوله جل ثناؤه يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ ،[سورة الفتح:15].

فكانت إرادتهم تبديل كلام الله، مسألتهم نبيَّ الله أن يتركهم يحضرون الحرب معه, وقولهم له ولمن معه من المؤمنين: ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ ، بعد الخبر الذي كان الله أخبرهم تعالى ذكره في كتابه بقوله: فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا الآية، [سورة التوبة: 83] , فحاولوا تبديل كلام الله وخبره بأنهم لن يخرجوا مع نبي الله في غَزاةٍ, ولن يقاتلوا معه عدوًّا بقولهم لهم: ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ ، فقال الله جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " يريدون أن يبدلوا "= بمسألتهم إياهم ذلك= كلامَ الله وخبره: قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ .

فكذلك معنى قوله: (لا مبدِّل لكلماته)، إنما هو: لا مغيِّر لما أخبرَ عنه من خبر أنه كائن، فيبطل مجيئه وكونه ووُقُوعه على ما أخبرَ جل ثناؤه، لأنه لا يزيد المفترون في كتب الله ولا ينقصون منها.

وذلك أن اليهود والنصارى لا شك أنهم أهلُ كتب الله التي أنـزلها على أنبيائه, وقد أخبر جل ثناؤه أنهم يحرِّفون غيرَ الذي أخبر أنَّه لا مبدِّل له .

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

* ذكر من قال ذلك: 13789- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (وتمت كلمة ربك صدقًا وعدلا لا مبدل لكلماته)، يقول: صدقًا وعدلا فيما حكَم .

* * * وأما قوله: (وهو السميع العليم)، فإن معناه: والله " السميع "، لما يقول هؤلاء العادلون بالله, المقسمون بالله جهد أيمانهم: لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها, وغير ذلك من كلام خلقه=" العليم "، بما تؤول إليه أيمانهم من برٍّ وصدق وكذب وحِنْثٍ، وغير ذلك من أمور عباده .

(24) ---------------- الهوامش : (21) انظر تفسير (( الكلمة )) فيما سلف 3 : 7 - 17 / 6 : 371 ، 410 - 412 / 8 : 432 / 9 : 410 / 10 : 129 ، 313 (22) (( التفسير )) ، هو (( التميز )) ، انظر فهارس المصطلحات فيما سلف .

(23) انظر تفسير (( التبديل )) فيما سلف 11 : 335 ، وفهارس اللغة ( بدل ) .

(24) انظر تفسير (( السميع )) و (( العليم )) فيما سلف من فهارس اللغة ( سمع ) و ( علم ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم قوله تعالى وتمت كلمة ربك قراءة أهل الكوفة بالتوحيد ، والباقون بالجمع .

قال ابن عباس : مواعيد ربك ، فلا مغير لها .

والكلمات ترجع إلى العبارات أو إلى المتعلقات من الوعد والوعيد وغيرهما .

قال قتادة : الكلمات هي القرآن لا مبدل له ، لا يزيد فيه المفترون ولا ينقصون .صدقا وعدلا أي فيما وعد وحكم ، لا راد لقضائه ولا خلف في وعده .

وحكى الرماني عن قتادة : لا مبدل لها فيما حكم به ، أي إنه وإن أمكنه التغيير والتبديل في الألفاظ كما [ ص: 65 ] غير أهل الكتاب التوراة والإنجيل فإنه لا يعتد بذلك .

ودلت الآية على وجوب اتباع دلالات القرآن ; لأنه حق لا يمكن تبديله بما يناقضه ، لأنه من عند حكيم لا يخفى عليه شيء من الأمور كلها .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا } أي: صدقا في الأخبار، وعدلا في الأمر والنهي.

فلا أصدق من أخبار الله التي أودعها هذا الكتاب العزيز، ولا أعدل من أوامره ونواهيه { لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ } [حيث حفظها وأحكمها بأعلى أنواع الصدق، وبغاية الحق، فلا يمكن تغييرها، ولا اقتراح أحسن منها] { وَهُوَ السَّمِيعُ } لسائر الأصوات، باختلاف اللغات على تفنن الحاجات.

{ الْعَلِيمُ } الذي أحاط علمه بالظواهر والبواطن، والماضي والمستقبل.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( وتمت كلمة ربك ) قرأ أهل الكوفة ويعقوب " كلمة " على التوحيد ، وقرأ الآخرون ( كلمات ) بالجمع ، وأراد بالكلمات أمره ونهيه ووعده ووعيده ، ( صدقا وعدلا ) أي : صدقا في الوعد والوعيد ، وعدلا في الأمر والنهي ، قال قتادة ومقاتل : صادقا فيما وعد وعدلا فيما حكم ، ( لا مبدل لكلماته ) قال ابن عباس : لا راد لقضائه ولا مغير لحكمه ولا خلف لوعده ، ( وهو السميع العليم ) قيل : أراد بالكلمات القرآن لا مبدل له ، لا يزيد فيه المفترون ولا ينقصون .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وتمت كَلِمَاتُ ربَك» بالأحكام والمواعيد «صدقا وعدلا» تمييز «لا مبدِّل لكلماته» بنقص أو خلف «وهو السميع» لما يقال «العليم» بما يفعل.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وتمت كلمة ربك -وهي القرآن- صدقًا في الأخبار والأقوال، وعدلا في الأحكام، فلا يستطيع أحد أن يبدِّل كلماته الكاملة.

والله تعالى هو السميع لما يقول عباده، الحليم بظواهر أمورهم وبواطنها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أن هذا الكتاب كامل من حيث ذاته بعد أن بين كماله من حيث إضافته إليه - تعالى - بكونه منزلا منه بالحق فقال - تعالى - : { وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً } وقرىء ( كلمات ربك ) .والمراد بها - كما قال قتادى وغيره - القرآن .أى : كمل كلامه - تعالى - وهو القرآن ، وبلغ الغاية فى صدق أخباره ومواعيده ، وفى عدل أحكامه وقضاياه .وصدقا وعدلا مصدران منصوبان على الحال من { رَبِّكَ } أو من { كَلِمَتُ } وقيل : هما منصوبان على التمييز .وجملة { لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ } مستأنفة لبيان فضل هذه الكلمات على غيرها أثر بيان فضلها فى ذاتها .

أى : لا مغير لها بخلف فى الأخبار ، أو نقض فى الأحكام ، أو تحريف أو تبديل كما حدث فى التوراة والإنجيل ، وهذا ضمان من الله - تعالى - لكتابه بالحفظ والصيانة ، قال - تعالى - { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } ثم ختمت الآية بقوله { وَهُوَ السميع العليم } أى : هو - سبحانه - السميع لكل ما من شأنه أن يسمع ، العليم بكل ما يسرون وما يعلنون .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة والكسائي: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ ﴾ بغير ألف على الواحد، والباقون ﴿ كلمات ﴾ على الجمع، قال أهل المعاني، الكلمة والكلمات، معناهما ما جاء من وعد ووعيد وثواب وعقاب، فلا تبديل فيه ولا تغيير له كما قال: ﴿ مَا يُبَدَّلُ القول لَدَىَّ  ﴾ فمن قرأ ﴿ كلمات ﴾ بالجمع قال: لأن معناها الجمع فوجب أن يجمع في اللفظ، ومن قرأ على الوحدة فلأنهم قالوا: الكلمة، قد يراد بها الكلمات الكثيرة إذا كانت مضبوطة بضابط واحد، كقولهم: قال زهير في كلمته: يعني قصيدته، وقال قس في كلمته، أي خطبته، فكذلك مجموع القرآن كلمة واحدة في كونه حقاً وصدقاً ومعجزاً.

المسألة الثانية: أن تعلق هذه الآية بما قبلها أنه تعالى بين في الآية السابقة أن القرآن معجز، فذكر في هذه الآية أنه تمت كلمة ربك، والمراد بالكلمة القرآن أي تم القرآن في كونه معجزاً دالاً على صدق محمد عليه السلام، وقوله: ﴿ صِدْقاً وَعَدْلاً ﴾ أي تمت تماماً صدقاً وعدلاً، وقال أبو علي الفارسي: ﴿ صِدْقاً وَعَدْلاً ﴾ مصدران ينصبان على الحال من الكلمة تقديره صادقة عادلة، فهذا وجه تعلق هذه الآية بما قبلها.

المسألة الثالثة: اعلم أن هذه الآية تدل على أن كلمة الله تعالى موصوفة بصفات كثيرة.

فالصفة الأولى: كونها تامة وإليه الإشارة بقوله: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ ﴾ وفي تفسير هذا التمام وجوه: الأول: ما ذكرنا أنها كافية وافية بكونها معجزة دالة على صدق محمد عليه الصلاة والسلام، والثاني: أنها كافية في بيان ما يحتاج المكلفون إليه إلى قيام القيامة عملاً وعلماً، والثالث: أن حكم الله تعالى هو الذي حصل في الأزل، ولا يحدث بعد ذلك شيء، فذلك الذي حصل في الأزل هو التمام، والزيادة عليه ممتنعة، وهذا الوجه هو المراد من قوله صلى الله عليه وسلم: «جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة».

الصفة الثانية: من صفات كلمة الله كونها صدقاً، والدليل عليه أن الكذب نقص والنقص على الله محال، ولا يجوز إثبات أن الكذب على الله محال بالدلائل السمعية، لأن صحة الدلائل السمعية موقوفة على أن الكذب على الله محال، فلو أثبتنا امتناع الكذب على الله بالدلائل السمعية لزم الدور وهو باطل.

واعلم أن هذا الكلام كما يدل على أن الخلف في وعد الله تعالى محال فهو أيضاً يدل على أن الخلف في وعيده محال بخلاف ما قاله الواحدي في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا  ﴾ إن الخلف في وعيد الله جائز، وذلك لأن وعد الله ووعيده كلمة الله، فلما دلت هذه الآية على أن كلمة الله يجب كونها موصوفة بالصدق على أن الخلف كما أنه ممتنع في الوعد فكذلك ممتنع في الوعيد.

الصفة الثالثة: من صفات كلمات الله كونها عدلاً وفيه وجهان: الأول: أن كل ما حصل في القرآن نوعان، الخبر والتكليف.

أما الخبر فالمراد كل ما أخبر الله عن وجوده أو عن عدمه ويدخل فيه الخبر عن وجود ذات الله تعالى وعن حصول صفاته أعني كونه تعالى عالماً قادراً سميعاً بصيراً، ويدخل فيه الأخبار عن صفات التقديس والتنزيه كقوله: ﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ  ﴾ وكقوله: ﴿ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ  ﴾ ويدخل فيه الخبر عن أقسام أفعال الله وكيفية تدبيره لملكوت السموات والأرض وعالمي الأرواح والأجسام، ويدخل فيه كل أمر عن أحكام الله تعالى في الوعد والوعيد والثواب والعقاب، ويدخل فيه الخبر عن أحوال المتقدمين، والخبر عن الغيوب المستقبلة، فكل هذه الأقسام داخلة تحت الخبر، وأما التكليف فيدخل فيه كل أمر ونهي توجه منه سبحانه على عبده سواء كان ذلك العبد ملكاً أو بشر أو جنياً أو شيطاناً وسواء كان ذلك في شرعنا أو في شرائع الأنبياء عليهم السلام المتقدمين، أو في شرائع الملائكة المقربين الذين هم سكان السموات والجنة والنار والعرش وما وراءه مما لا يعلم أحوالهم إلا الله تعالى.

وإذا عرفت انحصار مباحث القرآن في هذين القسمين فنقول: قال تعالى: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ صِدْقاً ﴾ إن كان من باب الخبر ﴿ وَعَدْلاً ﴾ إن كان من باب التكاليف، وهذا ضبط في غاية الحسن.

والقول الثاني: في تفسير قوله: ﴿ وَعَدْلاً ﴾ أن كل ما أخبر الله تعالى عنه من وعد ووعيد وثواب وعقاب فهو صدق لأنه لابد وأن يكون واقعاً، وهو بعد وقوعه عدل لأن أفعاله منزهة عن أن تكون موصوفة بصفة الظلمية.

الصفة الرابعة: من صفات كلمة الله قوله: ﴿ لاَ مُبَدّلَ لكلماته ﴾ وفيه وجوه: الأول: أنا بينا أن المراد من قوله: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ ﴾ أنها تامة في كونها معجزة دالة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم.

ثم قال: ﴿ لاَّ مُبَدّلَ لكلماته ﴾ والمعنى أن هؤلاء الكفار يلقون الشبهات في كونها دالة على صدق محمد عليه الصلاة والسلام إلا أن تلك الشبهات لا تأثير لها في هذه الدلائل التي لا تقبل التبديل البتة لأن تلك الدلالة ظاهرة باقية جلية قوية لا تزول بسبب ترهات الكفار وشبهات أولئك الجهال.

والوجه الثاني: أن يكون المراد أنها تبقى مصونة عن التحريف والتغيير كما قال تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون  ﴾ .

والوجه الثالث: أن يكون المراد أنها مصونة عن التناقض كما قال: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً  ﴾ .

والوجه الرابع: أن يكون المراد أن أحكام الله تعالى لا تقبل التبديل والزوال لأنها أزلية والأزلي لا يزول.

واعلم أن هذا الوجه أحد الأصول القوية في إثبات الجبر، لأنه تعالى لما حكم على زيد بالسعادة وعلى عمرو بالشقاوة، ثم قال: ﴿ لاَ مُبَدّلَ لِكَلِمَات الله ﴾ يلزم امتناع أن ينقلب السعيد شقياً وأن ينقلب الشقي سعيداً، فالسعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ أي تمّ كل ما أخبر به، وأمر ونهى، ووعد وأوعد ﴿ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلَ لكلماته ﴾ لا أحد يبدّل شيئاً من ذلك مما هو أصدق وأعدل.

وصدقاً وعدلاً.

نصب على الحال.

وقرئ: ﴿ كلمة ربك ﴾ ، أي ما تكلم به.

وقيل: هي القرآن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ بَلَغَتِ الغايَةَ أخْبارُهُ وأحْكامُهُ ومَواعِيدُهُ.

﴿ صِدْقًا ﴾ في الأخْبارِ والمَواعِيدِ.

﴿ وَعَدْلا ﴾ في الأقْضِيَةِ والأحْكامِ ونَصْبُهُما يَحْتَمِلُ التَّمْيِيزَ والحالَ والمَفْعُولَ لَهُ.

﴿ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ﴾ لا أحَدَ يُبَدِّلُ شَيْئًا مِنها بِما هو أصْدَقُ وأعْدَلُ، أوْ لا أحَدَ يَقْدِرُ أنْ يُحَرِّفَها شائِعًا ذائِعًا كَما فُعِلَ بِالتَّوْراةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِها القُرْآنُ، فَيَكُونُ ضَمانًا لَها مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالحِفْظِ كَقَوْلِهِ: ﴿ وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ ﴾ أوْ لا نَبِيَّ ولا كِتابَ بَعْدَها يَنْسَخُها ويُبَدِّلُ أحْكامَها.

وقَرَأ الكُوفِيُّونَ ويَعْقُوبُ كَلِمَةُ رَبِّكَ أيْ ما تَكَلَّمَ بِهِ أوِ القُرْآنُ.

﴿ وَهُوَ السَّمِيعُ ﴾ لِما يَقُولُونَ.

﴿ العَلِيمُ ﴾ بِما يُضْمِرُونَ فَلا يُهْمِلُهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وتمت كلمة رَبِّكَ} أي ما تكلم به كلمات رَبّكَ حجازى وشامى وأبو عمرو أى ثم كل ما أخبر به وأمر ونهي ووعد وأوعد {صِدْقاً} في وعده ووعيده {وَعَدْلاً} في أمره ونهيه وانتصبا على التمييز أو على الحال {لاَ مُبَدّلَ لكلماته} لا أحد يبدل شيئاً من ذلك {وَهُوَ السميع} لإقرار من أقر {العليم} بإصرار من أصر أو السميع لما يقولون العليم بما يضمرون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ كَمالِ القُرْآنِ مِن حَيْثُ ذاتِهِ إثْرَ بَيانِ كَمالِهِ مِن حَيْثُ إضافَتِهِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ بِكَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِنهُ سُبْحانَهُ بِالحَقِّ وتَحْقِيقُ ذَلِكَ بِعِلْمِ أهْلِ الكِتابَيْنِ بِهِ وتَمامُ الشَّيْءِ كَما قالَ الرّاغِبُ انْتِهاؤُهُ إلى حَدٍّ لا يَحْتاجُ إلى شَيْءٍ خارِجٍ عَنْهُ والمُرادُ بِالكَلِمَةِ الكَلامُ وأُرِيدَ بِهِ كَما قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ القُرْآنُ وإطْلاقُها عَلَيْهِ إمّا مِن بابِ المَجازِ المُرْسَلِ أوِ الِاسْتِعارَةِ وعَلاقَتُها تَأْبى أنْ تُطْلَقَ الكَلِمَةُ عَلى الجُمْلَةِ غَيْرِ المُفِيدَةِ وعَلاقَتُهُ لا لَكِنْ لَمْ يُوجَدْ في كَلامِهِمْ ذَلِكَ الإطْلاقُ واخْتِيرَ هَذا التَّعْبِيرُ لِما فِيهِ مِنَ اللَّطافَةِ الَّتِي لا تَخْفى عَلى مَن دَقَّقَ النَّظَرَ وقالَ البَعْضُ لَمّا أنَّ الكَلِمَةَ هي الأصْلُ في الِاتِّصافِ بِالصِّدْقِ والعَدْلِ وبِها تَظْهَرُ الآثارُ مِنَ الحُكْمِ وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ المُرادَ بِالكَلِمَةِ دِينُ اللَّهِ تَعالى كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا ﴾ .

وقِيلَ: المُرادُ بِها حُجَّتُهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى خَلْقِهِ والأوَّلُ هو الظّاهِرُ وقَرَأ بِالتَّوْحِيدِ عاصِمٌ وحَمْزَةُ وعَلِيٌّ وخَلَفٌ وسَهْلٌ ويَعْقُوبُ وقَرَأ الباقُونَ ( كَلِماتُ رَبِّكَ ): ﴿ صِدْقًا وعَدْلا ﴾ مَصْدَرانِ نُصِبا عَلى الحالِ مِن ( رَبِّكَ ) أوْ مِن ( كَلِمَةُ ) كَما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ نَصْبَهُما عَلى التَّمْيِيزِ وعَلى العِلَّةِ والصِّدْقِ في الأخْبارِ والمَواعِيدِ مِنها في المَشْهُورِ والعَدْلِ في الأقْضِيَةِ والأحْكامِ ﴿ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِفَضْلِها عَلى غَيْرِها إثْرَ بَيانِ فَضْلِها في نَفْسِها وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أخْبَرَ بِتَمامِ كَلِمَتِهِ وكانَ التَّمامُ يَعْقُبُهُ النَّقْصُ غالِبًا كَما قِيلَ.

إذا تَمَّ أمْرٌ بَدا نَقْصُهُ تَوَقَّعْ زَوالًا إذا قِيلَ تَمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ احْتِراسًا وبَيانًا لِأنَّ تَمامَها لَيْسَ كَتَمامِ غَيْرِها وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ﴿ تَمُتْ ﴾ عَلى أنَّ الظّاهِرَ مُغْنٍ عَنِ الضَّمِيرِ الرّابِطِ قالَ أبُو البَقاءِ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن رَبِّكَ لِئَلّا يُفْصَلُ بَيْنَ الحالِ وصاحِبِها بِأجْنَبِيٍّ وهو ﴿ صِدْقًا وعَدْلا ﴾ إلّا أنْ يُجْعَلا حالَيْنِ مِنهُ أيْضًا والمَعْنى لا أحَدَ يُبَدِّلُ شَيْئًا مِن كَلِماتِهِ بِما هو أصْدَقُ وأعْدَلُ مِنهُ ولا بِما هو مِثْلُهُ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ ابْتِغاءُ حُكْمِ غَيْرِهِ تَعالى والمُرادُ بِالأصْدَقِ الأبْيَنُ والأظْهَرُ صِدْقًا فَلا يَرِدُ أنَّ الصِّدْقَ لا يَقْبَلُ الزِّيادَةَ والنَّقْصَ لِأنَّ النِّسْبَةَ إنْ طابَقَتِ الواقِعَ فَصِدْقٌ وإلّا فَكَذِبٌ.

وذَكَرَ الكَرْمانِيُّ في حَدِيثِ «( أصْدَقِ الحَدِيثِ )» ..

إلَخْ.

أنَّهُ جَعَلَ الحَدِيثَ كَمُتَكَلِّمٍ فَوَصَفَ بِهِ كَما يُقالُ زَيْدٌ أصْدَقُ مِن غَيْرِهِ والمُتَكَلِّمُ يَقْبَلُ الزِّيادَةَ والنَّقْصَ في ذَلِكَ وقِيلَ: المَعْنى لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَحْرِفَها شائِعًا كَما فُعِلَ بِالتَّوْراةِ فَيَكُونُ هَذا ضَمانًا مِنهُ سُبْحانَهُ بِالحِفْظِ كَقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ ﴾ أوْ لا نَبِيَّ ولا كِتابَ بَعْدَها يُبَدِّلُها ويَنْسَخُ أحْكامَها وعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْمَلُ بَعْدَ النُّزُولِ بِها لا يَنْسَخُ شَيْئًا كَما حُقِّقَ في مَحَلِّهِ.

وقِيلَ: المُرادُ إنَّ أحْكامَ اللَّهِ تَعالى لا تَقْبَلُ التَّبَدُّلَ والزَّوالَ لِأنَّها أزَلِيَّةٌ والأزَلِيُّ لا يَزُولُ وزَعَمَ الإمامُ أنَّ الآيَةَ عَلى هَذا أحَدُ الأُصُولِ القَوِيَّةِ في إثْباتِ الجَبْرِ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ عَلى زَيْدٍ بِالسَّعادَةِ وعَلى عَمْرٍو بِالشَّقاوَةِ ثُمَّ قالَ: ﴿ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ﴾ يَلْزَمُ امْتِناعُ أنْ يَنْقَلِبَ السَّعِيدُ شَقِيًّا والشَّقِيُّ سَعِيدًا فالسَّعِيدُ مَن سَعِدَ في بَطْنِ أُمِّهِ والشَّقِيُّ مَن شَقِيَ في بَطْنِ أُمِّهِ وأنا أقُولُ لا يَخْفى أنَّ الشَّقِيَّ في العِلْمِ لا يَكُونُ سَعِيدًا والسَّعِيدَ فِيهِ لا يَكُونُ شَقِيًّا أصْلًا لِأنَّ العِلْمَ لا يَتَعَلَّقُ إلّا بِما المَعْلُومُ عَلَيْهِ في نَفْسِهِ وحُكْمُهُ سُبْحانَهُ تابِعٌ لِذَلِكَ العِلْمِ وكَذا إيجادُهُ الأشْياءَ عَلى طِبْقِ ذَلِكَ العِلْمِ ولا يُتَصَوَّرُ هُناكَ جَبْرٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ لِأنَّهُ عَزَّ شَأْنُهُ لَمْ يُفِضْ عَلى القَوابِلِ إلّا ما طَلَبَتْهُ مِنهُ جَلَّ وعَلا بِلِسانِ اسْتِعْدادِها كَما يُشِيرُ إلَيْهِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ﴾ نَعَمْ يُتَصَوَّرُ الجَبْرُ لَوْ طَلَبَتِ القَوابِلُ شَيْئًا وأفاضَ عَلَيْها عَزَّ شَأْنُهُ ضِدَّهُ واللَّهُ سُبْحانَهُ أجَلُّ وأعْلى مِن ذَلِكَ ﴿ وهُوَ السَّمِيعُ ﴾ لِكُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ السَّمِيعُ ﴿ العَلِيمُ ﴾ (115) بِكُلِّ ما يُمْكِنُ أنْ يُعْلَمَ فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ أقْوالُ المُتَحاكِمِينَ وأحْوالُهُمُ الظّاهِرَةُ والباطِنَةُ دُخُولًا أوَّلِيًّا.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَلى ما ذَكَرَ الإمامُ لَمّا أجابَ عَنْ شُبَهاتِ الكُفّارِ وبَيَّنَ بِالدَّلِيلِ صِحَّةَ النُّبُوَّةِ أرْشَدَ إلى أنَّهُ بَعْدَ زَوالِ الشُّبْهَةِ وظُهُورِ الحُجَّةِ لا يَنْبَغِي أنْ يَلْتَفِتَ العاقِلُ إلى كَلِماتِ الجُهّالِ فَقالَ سُبْحانَهُ: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً يعني: أعْبُدُ غير الله؟

ويقال: أأطلب القضاء من غير الله؟

وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا يعني: مبيناً فيه أمره ونهيه بلغة يعرفونها.

ويقال: مفرقاً سورة سورة وآية آية.

وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يعني: مؤمني أهل الكتاب يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ يعني: القرآن منزل من الله بالعدل.

قرأ ابن عامر وعاصم في رواية حفص مُنَزَّلٌ بتشديد الزاي، وقرأ الباقون بالتخفيف.

ثم قال: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ يعني: الشاكين في أنه الحق وأنه من الله تعالى.

خاطبه بذلك وأراد به غيره من المؤمنين لكي لا يشكوا فيه.

قوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ يقول وجب قول ربك بأنه ناصر محمد  وأن عاقبة الأمر به صِدْقاً وَعَدْلًا يعني: صِدْقاً فيما وعد الله له من النصرة وَعَدْلًا فيما حكم به لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ يقول: لا مغيّر لوعده كقوله لَنَنْصُرُ رُسُلَنا [غافر: 51] ويقال: لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ يعني: لا ينقض بعضها بعضاً ولا يشبه كلام البشر.

وروى أنس بن مالك عن رسول الله  أنه قال: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا قال: «هُوَ قَوْلُ لاَ إله إِلاَّ الله» وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ السَّمِيعُ بما سألوا الْعَلِيمُ بهم.

ثم قال: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يعني: أهل أرض مكة فيما يدعونه إلى ملة آبائه.

ويقال: وإن تطع أكثر من في الأرض يعني: الكفار لأن أكثر من في الأرض كانوا الكفار.

يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني: يصرفوك عن دين الإسلام إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ يعني: أن أكثرهم يتبعون أكابرهم بالظن، ويتبعونهم فيما لا يعلمون أنهم على الحق فإن قيل: كيف يعذبون وهم ظانون على غير يقين؟

قيل لهم: لأنهم اقتصروا على الظن والجهل، لأنهم اتبعوا أهواءهم ولم يتفكروا في طلب الحق.

ويقال: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ يعني في أكل الميتة واستحلالها وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ يعني: ما هم إلا كاذبون باستحلالهم الميتة، لأنهم كانوا يقولون: ما قتل الله فهو أولى بالحل وبأكله مما نذبحه بأيدينا.

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ يعني: عن دينه وعن شرائع الإسلام.

وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ لدينه قرأ أهل الكوفة عاصم وحمزة والكسائي وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ وقرأ الباقون كلمات بلفظ الجماعة.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال قتادة: كُلُّ «ذَرْ» في كتاب اللَّه- منسوخ بالقتال «١» .

وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣) أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)

وقوله سبحانه: وَلِتَصْغى: معناه: لِتَمِيلَ، قال «٢» الفَخْر: والضميرُ في قوله:

وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ- يعود على زُخْرفِ القولِ، وكذلك في قوله: وَلِيَرْضَوْهُ والاقترافُ: معناه الاكتساب.

وقال الزجّاج: ولِيَقْتَرِفُوا، أي: يختلقوا ويَكْذِبوا، والأول أفصحُ.

انتهى.

والقُرَّاء على كسر اللامِ في الثلاثةِ الأفعالِ على أنها لام كي معطوفة على غرورا وحَكَماً أبلغُ من حاكِمٍ إذ هي صيغةٌ للعَدْلِ من الحكام، والحاكم جَارٍ على الفعل، فقَدْ يقال للجائر، ومُفَصَّلًا: معناه: مزالُ الإشكال، والكتاب أولاً هو القرآن، وثانياً اسم جنسٍ للتوراةِ والإنجيلِ والزبورِ والصُّحُفِ.

وقوله تعالى: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ: تثبيتٌ ومبالغةٌ وطَعْنٌ على الممترين.

قلتُ: وقد تقدَّم التنبيه على أنه صلّى الله عليه وسلّم مَعْصُومٌ، وأنَّ الخطاب له، والمراد غيره ممَّنْ يمكن منه الشّكّ.

وقوله سبحانه: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا ...

الآية: تَمَّتْ في هذا الموضع: بمعنى: استمرت وصحَّتْ في الأزل صدقاً وعدلاً، وليس بتمامٍ مِنْ نقصٍ، ومثله ما وقَع في كتب «السِّيرة» مِنْ قولهم: وتَمَّ حَمْزَةُ على إسْلاَمِهِ، في الحديثِ مع أبي جهل، والكلمات: ما أنزل على عباده، ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ: معناه: في معانيها.

وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (١١٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧) فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨)

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ: "كَلِماتُ" عَلى الجَمْعِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ: "كَلِمَةُ" عَلى التَّوْحِيدِ؛ وقَدْ ذَكَرَتِ العَرَبُ الكَلِمَةَ، وأرادَتِ الكَثْرَةَ؛ يَقُولُونَ: قالَ قِسُّ في كَلِمَتِهِ، أيْ: في خُطْبَتِهِ، وزُهَيْرُ في كَلِمَتِهِ، أيْ: في قَصِيدَتِهِ.

وَفِي المُرادِ بِهَذِهِ الكَلِماتِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها القُرْآَنُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أقَضَيْتُهُ وعِداتُهُ.

والثّالِثُ: وعْدُهُ ووَعِيدُهُ، وثَوابُهُ وعِقابُهُ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ صِدْقًا وعَدْلا ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: صِدْقًا فِيما أخْبَرَ، وعَدْلًا فِيما قَضى وقَدَّرَ.

والثّانِي: صِدْقًا فِيما وعَدَ وأوْعَدَ، وعَدْلًا فِيما أمَرَ ونَهى.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا يَقْدِرُ المُفْتَرُونَ عَلى الزِّيادَةِ فِيها والنُّقْصانِ مِنها.

والثّانِي: لا خُلْفَ لَمَواعِيدِهِ، ولا مُغَيِّرَ لَحُكْمِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وهو السَمِيعُ العَلِيمُ ﴾ ﴿ وَإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ عن سَبِيلِ اللهِ إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَنَّ وإنْ هم إلا يَخْرُصُونَ ﴾ ﴿ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ مَن يَضِلُّ عن سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ ﴾ ﴿ "وَتَمَّتْ" ﴾ - في هَذا المَوْضِعِ - بِمَعْنى: "اِسْتَمَرَّتْ؛ وصَحَّتْ في الأزَلِ صِدْقًا؛ وعَدْلًا"؛ ولَيْسَ بِتَمامٍ مِن نَقْصٍ؛ ومِثْلُهُ ما وقَعَ في السِيرَةِ مِن قَوْلِهِمْ: "وَتَمَّ حَمْزَةُ عَلى إسْلامِهِ"؛ في الحَدِيثِ مَعَ أبِي جَهْلٍ.

و"اَلْكَلِماتُ": ما نَزَلَ عَلى عِبادِهِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "كَلِمَةُ"؛ بِالإفْرادِ؛ هُنا؛ وفي "يُونُسَ"؛ في المَوْضِعَيْنِ؛ وفي "حـم اَلْمُؤْمِنُ"؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ جَمِيعَ ذَلِكَ "كَلِماتُ"؛ بِالجَمْعِ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ هُنا فَقَطْ؛ "كَلِماتُ"؛ بِالجَمْعِ؛ وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّهُ القُرْآنُ؛ كَما يُقالُ: "كَلِمَةُ فُلانٍ"؛ في قَصِيدَةِ الشِعْرِ؛ والخُطْبَةِ البَلِيغَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا عِنْدِي بَعِيدٌ مُعْتَرَضٌ؛ وإنَّما القَصْدُ العِبارَةُ عن نُفُوذِ قَوْلِهِ تَعالى "صِدْقًا"؛ فِيما تَضَمَّنَهُ مِن خَبَرٍ؛ و"عَدْلًا"؛ فِيما تَضَمَّنَهُ مِن حُكْمٍ؛ وهُما مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: "نُصِبا عَلى التَمْيِيزِ"؛ وهَذا غَيْرُ صَوابٍ؛ و ﴿ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ﴾ ؛ مَعْناهُ: في مَعانِيها؛ بِأنْ يُبَيِّنَ أحَدٌ أنَّ خَبَرَهُ بِخِلافِ ما أخْبَرَ بِهِ؛ أو يُبَيِّنَ أنَّ أمْرَهُ لا يُنَفَّذُ؛ والمِثالُ مِن هَذا أنَّ اللهَ تَعالى قالَ لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ﴿ فَإنْ رَجَعَكَ اللهُ إلى طائِفَةٍ مِنهم فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ  ﴾ ؛ إلى: ﴿ الخالِفِينَ  ﴾ ؛ فَقالَ المُنافِقُونَ بَعْدَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ولِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿ "ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ"؛  ﴾ فَقالَ اللهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ﴿ يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذَلِكم قالَ اللهِ مِن قَبْلُ  ﴾ ؛ أو في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا  ﴾ ؛ لِأنَّ مُضَمَّنَهُ الخَبَرَ بِألّا يُباحَ لَهم خُرُوجٌ؛ وأمّا الألْفاظُ فَقَدْ بَدَّلَتْها بَنُو إسْرائِيلَ؛ وغَيَّرَتْها؛ هَذا مَذْهَبُ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهم إنَّما بَدَّلُوا بِالتَأْوِيلِ؛ والأوَّلُ أرْجَحُ؛ وفي حَرْفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ اَلْمَعْنى: "فامْضِ يا مُحَمَّدُ لِما أُمِرْتَ بِهِ؛ وانْفُذْ لِرِسالَتِكَ؛ فَإنَّكَ إنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ"؛ وذَكَرَ - سُبْحانَهُ -: "أكْثَرَ"؛ لِأنَّ أهْلَ الأرْضِ حِينَئِذٍ كانَ أكْثَرُهم كافِرِينَ؛ ولَمْ يَكُنِ المُؤْمِنُونَ إلّا قِلَّةً.

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "اَلْأرْضِ"؛ هُنا: اَلدُّنْيا؛ وحُكِيَ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُشْرِكِينَ جادَلُوا رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ في أمْرِ الذَبائِحِ؛ وقالُوا: تَأْكُلُ ما تَقْتُلُ؛ وتَتْرُكُ ما قَتَلَ اللهُ؟

فَنَزَلَتِ الآيَةُ؛ ووَصَفَهم - عَزَّ وجَلَّ - بِأنَّهم يَقْتَدُونَ بِظُنُونِهِمْ؛ ويَتَّبِعُونَ تَخَرُّصَهُمْ؛ و"اَلْخَرْصُ": اَلْحَزْرُ؛ والظَنُّ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَضِلُّ"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "يُضِلُّ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ ورَواهُ أحْمَدُ بْنُ أبِي شُرَيْحٍ عَنِ الكِسائِيِّ ؛ و"مَن" في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "مَن يَضِلُّ"؛ ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "يَعْلَمُ مَن"؛ وقِيلَ: في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ كَأنَّهُ قالَ: "أيٌّ يَضِلُّ عن سَبِيلِهِ"؛ ذَكَرَهُ أبُو الفَتْحِ؛ وضَعَّفَهُ أبُو عَلِيٍّ ؛ وقِيلَ: في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِإضْمارِ باءِ الجَرِّ؛ كَأنَّهُ قالَ: "بِمَن يَضِلُّ عن سَبِيلِهِ"؛ وهَذا ضَعِيفٌ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا هو المُرادُ؛ فَحُذِفَتْ باءُ الجَرِّ؛ ووَصَلَ "أعْلَمُ"؛ بِنَفْسِهِ؛ قالَ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ "أعْلَمُ"؛ مُضافًا إلى "مَن"؛ لِأنَّ أفْعَلَ التَفْضِيلِ بَعْضُ ما يُضافُ إلَيْهِ؛ وهَذِهِ الآيَةُ خَبَرٌ في ضِمْنِهِ وعِيدٌ لِلضّالِّينَ؛ ووَعْدٌ لِلْمُهْتَدِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذه الجملة معطوفة على جملة: ﴿ أفغير الله أبْتغي حَكَما ﴾ [الأنعام: 114] لأنّ تلك الجملة مَقولُ قول مقدّر، إذ التّقدير: قل أفغير الله أبتغي حكماً باعتبار ما في تلك الجملة من قوله: ﴿ وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصّلاً ﴾ [الأنعام: 114] فلمّا وصف الكتاب بأنّه منزّل من الله، ووصف بوضوح الدّلالة بقوله: ﴿ وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصّلاً ﴾ [الأنعام: 114] ثمّ بشهادة علماء أهل الكتاب بأنَّه من عند الله بقوله: ﴿ والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنّه منزل من ربّك ﴾ [الأنعام: 114]، أعلَم رسوله عليه الصلاة والسلام والمؤمنين بأنّ هذا الكتاب تامّ الدلالة، ناهض الحجّة، على كلّ فريق: من مؤمن وكافر، صادق وعدُه ووعيده، عادل أمره ونهيه.

ويجوز أن تكون معطوفة على جملة: ﴿ وجعلنا لكلّ نبيء عَدوّاً ﴾ وما بينهما اعتراض، كما سنبيّنه.

والمراد بالتمام معنى مجازي: إمّا بمعنى بلوغ الشّيء إلى أحسن ما يبلغه ممّا يراد منه، فإنّ التّمام حقيقته كون الشّيء وافراً أجزاءه، والنقصان كونه فاقدا بعض أجزائه، فيستعار لوفرة الصّفات التي تراد من نوعه؛ وإمّا بمعنى التّحقّق فقد يطلق التّمام على حصول المنتظر وتحقّقه، يقال: تَم ما أخبر به فلان، ويقال: أتم وعده، أي حقّقه، ومنه قوله تعالى: ﴿ وإذِ آبتلى إبراهيم رَبُّه بكلمات فأتَمَّهُن ﴾ [البقرة: 124] أي عمل بهنّ دون تقصير ولا ترخّص، وقوله تعالى: ﴿ وتمّت كلمة ربّك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ﴾ [الأعراف: 137] أي ظهر وعده لهم بقوله: ﴿ ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ﴾ [القصص: 5] الآية، ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ والله متمّ نوره ﴾ [الصف: 8] أي محقّق دينه ومثبتُه، لأنَّه جعل الإتمام في مقابلة الإطفاء المستعمل في الإزالة مجازاً أيضاً.

وقوله: ﴿ كلمات ربك ﴾ قرأه الجمهور بصيغة الجمع وقرأه عاصم، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف: كَلمة بالإفراد فقيل: المراد بالكلمات أو الكلمة القرآن، وهو قول جمهور المفسّرين، ونقل عن قتادة، وهو الأظهر، المناسب لجعْل الجملة معطوفة على جملة: ﴿ والذين آتيناهم الكتاب ﴾ [الأنعام: 114].

فأمّا على قراءة الإفراد فإطلاق الكلمة على القرآن باعتبار أنّه كتاب من عند الله، فهو من كلامه وقوله.

والكلمة والكلام يترادفان، ويقول العربُ: كلمة زهير، يعنون قصيدته، وقد أطلق في القرآن (الكلمات) على الكتب السّماوية في قوله تعالى: ﴿ فآمِنوا بالله ورسوله النّبيء الأمّي الذي يؤمن بالله وكلماته ﴾ [الأعراف: 158] أي كتبه.

وأمّا على قراءة الكلمات بالجمع فإطلاقها على القرآن باعتبار ما يشتمل عليه من الجمل والآيات.

أو باعتبار أنواع أغراضه من أمر، ونهي، وتبشير، وإنذار، ومواعظ، وإخبار، واحتجاج، وإرشاد، وغير ذلك.

ومعنى تمامها أنّ كلّ غرض جاء في القرآن فقد جاء وافياً بما يتطلّبه القاصد منه.

واستبعد ابن عطيّة أن يكون المراد من ﴿ كلمات ربك ﴾ بالجمع أو الإفراد القرآن، واستظهر أنّ المراد منها: قول الله، أي نفذ قوله وحكمه.

وقريب منه ما أُثر عن ابن عبّاس أنّه قال: كلمات الله وَعده.

وقيل: كلمات الله: أمره ونهيه، ووعده، ووعيده، وفسّر به في «الكشاف»، وهو قريب من كلام ابن عطيّة، لكنّ السّياق يشهد بأنّ تفسير الكلمات بالقرآن أظهر.

وانتصب ﴿ صدقاً وعدلاً ﴾ على الحال، عند أبي عليّ الفارسي، بتأويل المصدر باسم الفاعل، أي صادقة وعادلة، فهو حال من ﴿ كلمات ﴾ وهو المناسب لكون التّمام بمعنى التّحقّق، وجعلهما الطّبري منصوبين على التّمييز، أي تمييز النّسبة، أي تمّت من جهة الصّدق والعدل، فكأنّه قال: تَمّ صدقُها وعدلها، وهو المناسب لكون التمام بمعنى بلوغ الشّيء أحسنَ ما يطلب من نوعه.

وقال ابن عطيّة: هذا غير صواب.

وقلت: لا وجه لعدم تصويبه.

والصّدق: المطابقة للواقع في الإخبار: وتحقيق الخبر في الوعد والوعيد، والنّفوذ في الأمر والنّهي، فيشمل الصّدقُ كلّ ما في كلمات الله من نوع الإخبار عن شؤون الله وشؤون الخلائق.

ويطلق الصّدق مجازاً على كون الشّيء كاملاً في خصائص نوعه.

والعدل: إعطاء من يستحقّ ما يستحقّ، ودفع الاعتداء والظلممِ على المظلوم، وتدبير أمور النّاس بما فيه صلاحهم.

وتقدم بيانه عند قوله تعالى: ﴿ وإذا حكمتم بين النّاس أن تحكموا بالعدل ﴾ في سورة النّساء (58).

فيشمل العدل كلّ ما في كلمات الله: من تدبير شؤون الخلائق في الدّنيا والآخرة.

فعلى التّفسير الأوّل للكلمات أو الكلمة، يكون المعنى: أن القرآن بلغ أقصى ما تبلغه الكتب: في وضوح الدّلالة، وبلاغة العبارة، وأنّه الصّادق في أخباره، العادل في أحكامه، لا يُعثر في أخباره على ما يخالف الواقع، ولا في أحكامه على ما يخالف الحقّ؛ فذلك ضرب من التحدّي والاحتجاج على أحقّيّة القرآن.

وعلى التّفسيرين الثّاني والثّالث، يكون المعنى: نفذ ما قاله الله، وما وَعَدَ وأوْعَد، وما أمر ونهى، صادقاً ذلك كلُّه، أي غير متخلّف، وعادلاً، أي غير جائر.

وهذا تهديد للمشركين بأنْ سيحقُّ عليهم الوعيد، الّذي توعّدهم به، فيكون كقوله تعالى: ﴿ وتمَّت كلمة ربّك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ﴾ [الأعراف: 137] أي تَمّ ما وعدهم به من امتلاك مشارق الأرض ومغاربها الّتي بارك فيها، وقوله: ﴿ وكذلك حقّت كلمات ربّك على الذين كفروا أنّهم أصحاب النّار ﴾ [غافر: 6] أي حقّت كلمات وعيده.

ومعنى: ﴿ لا مبدل لكلماته ﴾ نفي جنس من يبدل كلمات الله، أي من يبطل ما أراده في كلماته.

والتّبديل تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ﴾ من سورة البقرة (61)، وتقدّم هناك بيان أنّه لا يوجد له فعل مجرّد، وأنّ أصل مادّته هو التّبديل.

والتّبديل حقيقته جعل شيء مكان شيء آخر، فيكون في الذّوات كما قال تعالى: ﴿ يوم تُبدّل الأرض غير الأرض ﴾ [إبراهيم: 48] وقال النّابغة: عهدتُ بها حيّاً كراماً فبُدّلت *** خنَاظِيل آجَاللِ النِّعَاج الجَوافل ويكون في الصّفات كقوله تعالى: ﴿ وليبدلنَّهم من بعد خوفهم أمنا ﴾ [النور: 55].

ويستعمل مجازاً في إبطال الشّيء ونقضه، قال تعالى: ﴿ يريدون أن يبدّلوا كلام الله ﴾ [الفتح: 15] أي يخالفوه وينقضوا ما اقتضاه، وهو قوله: ﴿ قُل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل ﴾ [الفتح: 15].

وذلك أنّ النقض يستلزم الإتيان بشيء ضدّ الشّيء المنقوض.

فكان ذلك اللّزوم هو علاقة المجاز.

وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ فمن بدّله بعد ما سمعه ﴾ في سورة البقرة (181).

وقد استعمل في قوله: لا مبدل لكلماته } مجازا في معنى المعارضة أو النقض على الاحتمالين في معنى التّمام من قوله: ﴿ وتمت كلمات ربك ﴾ ونفي المبَدّل كناية عن نفي التَبْديل.

فإن كان المراد بالكلمات القرآن، كما تقدّم، فمعنى انتفاء المبدّل لكلماته: انتفاء الإتيان بما ينقضه ويبطله أو يعارضه، بأن يُظهر أنّ فيه ما ليس بتمام.

فإن جاء أحد بما ينقضه كذباً وزوراً فليس ذلك بنقض.

وإنَّما هو مكابرة في صورة النقض، بالنّسبة إلى ألفاظ القرآن ونظمه، وانتفاءُ ما يبطل معانيَه وحقائقَ حكمته، وانتفاء تغيير ما شرعه وحكَم به.

وهذا الانتفاء الأخير كناية عن النّهي عن أن يخالفهُ المسلمون.

وبذلك يكون التّبديل مستعملاً في حقيقته ومجازه وكنايته.

ويجوز أن تكون جملة: ﴿ وتمت كلمات ربك ﴾ عطفاً على جملة: ﴿ جعلنا لكلّ نبيء عدوّا ﴾ [الأنعام: 112] وما بينهما اعتراضاً، فالكلمات مراد بها ما سنّه الله وقدّره: من جعل أعداءَ لكلّ نبي يزخرفون القول في التّضليل، لتصغى إليهم قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة، ويتبّعوهم، ويقترفوا السيئات، وأنّ المراد بالتّمام التّحقّق، ويكون قوله: ﴿ لا مبدل لكلماته ﴾ نفي أن يقدر أحد أن يغيّر سنّة الله وما قضاه وقدّره، كقوله: ﴿ فلن تجد لِسُنَّتتِ الله تبديلاً ولن تجد لِسُنَّتتِ الله تحويلاً ﴾ [فاطر: 43] فتكون هذه الآية في معنى قوله: ﴿ ولقد كُذّبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذّبوا وأوذوا حتّى أتاهم نصرنا ولا مبدّل لكلمات الله ﴾ [الأنعام: 34].

ففيها تأنيس للرسول صلى الله عليه وسلم وتطمين له وللمؤمنين بحلول النّصر الموعود به في إبَّانه.

وقوله: ﴿ وهو السميع العليم ﴾ تذييل لجملة: ﴿ وتمت كلمات ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته ﴾ أي: وهو المطّلع على الأقوال، العليم بما في الضّمائر، وهذا تعريض بالوعيد لمن يسعى لتبديل كلماته، فالسّميع العالم بأصوات المخلوقات، الّتي منها ما توحي به شياطين الإنس والجنّ، بعضهم إلى بعض، فلا يفوته منها شيء؛ والعالم أيضاً بمن يريد أن يبدّل كلمات الله، على المعاني المتقدّمة، فلا يخفى عليه ما يخوضون فيه: من تبييت الكيد والإبطال له.

والعليم أعمّ، أي: العليم بأحوال الخلق، والعليم بمواقع كلماته، ومَحَالّ تمامها، والمنظم بحكمته لتمامها، والموقت لآجال وقوعها.

فذكر هاتين الصّفتين هنا: وعيد لمن شملته آيات الذمّ السابقة، ووعد لمن أُمر بالإعراض عنهم وعن افترائهم، وبالتحاكم معهم إلى الله، والّذين يعلمون أنّ الله أنزل كتابه بالحقّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ هَلْ يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يَعْدِلَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ حَتّى أعْدِلَ عَنْهُ.

والثّانِي: هَلْ يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يَحْكُمَ مَعَ اللَّهِ حَتّى أحْتَكِمَ إلَيْهِ.

والفَرْقُ بَيْنَ الحَكَمِ والحاكِمِ، أنَّ الحَكَمَ هو الَّذِي يَكُونُ أهْلًا لِلْحُكْمِ فَلا يَحْكُمُ إلّا بِحَقٍّ، والحاكِمُ قَدْ يَكُونُ مِن غَيْرِ أهْلِهِ فَيَحْكُمُ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَصارَ الحَكَمُ مِن صِفاتِ ذاتِهِ، والحاكِمُ مِن صِفاتِ فِعْلِهِ، فَكانَ الحَكَمُ أبْلَغَ في المَدْحِ مِنَ الحاكِمِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلا ﴾ في المُفَصَّلِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: تَفْصِيلُ آياتِهِ لِتِبْيانِ مَعانِيهِ فَلا تُشْكِلُ.

والثّانِي: تَفْصِيلُ الصّادِقِ مِنَ الكاذِبِ.

والثّالِثُ: تَفْصِيلُ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ، والهُدى مِنَ الضَّلالِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: تَفْصِيلُ الأمْرِ مِنَ النَّهْيِ، والمُسْتَحَبِّ مِنَ المَحْظُورِ، والحَلالِ مِنَ الحَرامِ.

وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ قالُوا لِلنَّبِيِّ  : اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ حَكَمًا إنْ شِئْتَ مِن أحْبارِ اليَهُودِ وإنْ شِئْتَ مِن أحْبارِ النَّصارى، لِيُخْبِرَنا عَنْكَ بِما في كِتابِهِمْ مِن أمْرِكَ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ.

» قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلا ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، وفي تَمامِهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ مُحْتَمَلَةٍ: أحَدُها: تَمامُ حُجَجِهِ ودَلائِلِهِ.

والثّانِي: تَمامُ أحْكامِهِ وأوامِرِهِ.

والثّالِثُ: تَمامُ إنْذارِهِ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ.

والرّابِعُ: تَمامُ كَلامِهِ واسْتِكْمالُ صُوَرِهِ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ صِدْقًا وعَدْلا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: صِدْقًا في وعْدِهِ ووَعِيدِهِ، وعَدْلًا في أمْرِهِ ونَهْيِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

والثّانِي: صِدْقًا فِيما حَكاهُ، عَدْلًا فِيما قَضاهُ، وهو مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.

وَقَدْ مَضى تَفْسِيرُ ﴿ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ﴾ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً ﴾ قال: صدقاً فيما وعد، وعدلاً فيما حكم.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وأبو نصر السجزي في الابانة عن محمد بن كعب القرظي في قوله: ﴿ لا مبدل لكلماته ﴾ قال: لا تبديل لشيء.

قاله في الدنيا والآخرة، كقوله: ﴿ ما يبدل القول لدي ﴾ [ سورة ق: 29].

وأخرج ابن مردويه عن أبي اليمان جابر بن عبد الله قال: «دخل النبي صلى الله عليه وسلم المسجد الحرام يوم فتح مكة ومعه مخصرة ولكل قوم صنم يعبدونه، فنجعل يأتيها صنماً صنماً ويطعن في صدر الصنم بعصا ثم يعقره، كلما صرع صنماً أتبعه الناس ضرباً بالفؤوس حتى يكسرونه ويطرحونه خارجاً من المسجد، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول ﴿ وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه وابن النجار عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً ﴾ قال «لا إله إلا الله» .

وأخرج البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوّذُ الحسن والحسين رضي الله عنهما: أعيذكما بكلمات الله التامة من شيطان وهامة، ومن كل عين لامة، ثم يقول: كان أبوكم إبراهيم يعوّذ بها إسماعيل وإسحق» .

وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن خولة بن حكيم «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من نزل منزلاً فقال: أعوذ بكلمات الله التامات كلها من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك» .

وأخرج مسلم والنسائي والبيهقي عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة؟

قال: «أما إنك لو قلت حيث أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم تضرك» .

وأخرج أبو داود والنسائي وابن أبي الدنيا والبيهقي عن علي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول عند مضجعه «اللهم إني أعوذ بوجهك الكريم وكلماتك التامة من شر ما أنت آخذ بناصيته اللهم أنت تكشف المغرم والمأثم، اللهم لا يهزم جندك، ولا يخلف وعدك، ولا ينفع ذا الجد من الجد، سبحانك وبحمدك» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن محمد بن يحيى بن حبان «ان الوليد بن الوليد شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الأرق حديث النفس بالليل فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أويت إلى فراشك فقل: أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه، ومن شر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون، فإنه لن يضرك وحريٌّ أن لا يقربك» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن أبي التياح قال: قال رجل لعبد الرحمن بن خنبش: كيف صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كادته الشياطين؟

قال: نعم، تحدرت الشياطين من الجبال والأودية يريدون رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم شيطان معه شعلة من نار يريد أن يحرق بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم فزع منهم، وجاءه جبريل فقال: يا محمد قل.

قال: ما أقول؟

قال: قل «أعوذ بكلمات الله التامات اللاتي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وبرأ وذرأ، ومن شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض وما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن.

قال: فطفئت نار الشياطين وهزمهم الله عز وجل» .

وأخرج النسائي والبيهقي عن ابن مسعود قال: لما كان ليلة الجن أقبل عفريت من الجن في يده شعلة من نار، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن، فلا يزداد إلا قرباً فقال له جبريل: أَلاَ أعلمك كلمات تقولهن ينكب منها لفيه وتطفأ شعلته؟

قل «أعوذ بوجه الله الكريم، وكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يهرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض ومن شر ما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر طوارق الليل، ومن شر كل طارق إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن.

فقالها فانكب لفيه وطفئت شعلته» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن مكحول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة تلقته الجن بالشرر يرمونه، فقال جبريل: تعوّذ يا محمد.

فتعوّذ بهؤلاء فدحروا عنه فقال: «أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما نزل من السماء وما يعرج منها، ومن شر ما بث في الأرض وما يخرج منها، ومن شر الليل والنهار، ومن شر كل طارق إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ قال عطاء، عن ابن عباس: (يريد: مواعيد ربك لأوليائه، وأهل طاعته) (١) ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ أنه ناصر محمّد ببدرٍ) (٢) وقال الكلبي: ( ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ وجبَ قول ربك صدقًا لقوله وعدلًا منه) (٣) (٤) ﴿ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ  ﴾ والتقدير: وتمت ذوات الكلمات -أي: يخبر بها عنها- فمن قرأ (٥) (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ صِدْقًا وَعَدْلًا ﴾ قال ابن عباس: (يريد: لا خلف لمواعيده ولا في أهل طاعته (٨) (٩) (١٠) ﴿ صِدْقًا ﴾ فيما وعد ﴿ وَعَدْلًا ﴾ فيما حكم)، وقال بعض المفسرين (١١)  : "سبق القضاء وجف القلم (١٢) (١٣) ﴿ صِدْقًا وَعَدْلًا ﴾ مصدران ينتصبان علي الحال من الكلمة، تقديره: صادقة عادلة) (١٤) وقوله تعالى: ﴿ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ الله ﴾ قال ابن عباس: (يريد: لا راد لقضائه، ولا مغير لحكمه، ولا خلف لموعده) (١٥) ﴿ وَهُوَ السَّمِيعُ ﴾ لتضرع أوليائه ولقول أعدائه واستهزائهم ﴿ الْعَلِيمُ ﴾ بما في قلوب أوليائه من اليقين، وبما في قلوب أعدائه من الاستهزاء والشرك (١٦) (١) ذكره القرطبي في "تفسيره" 7/ 71، وذكر أبو حيان في "البحر" 4/ 209 نحوه عن ابن عباس.

(٢) "تفسير مقاتل" 1/ 585.

(٣) "تنوير المقباس" 2/ 54.

(٤) هذا قول أبي علي في "الحجة" 3/ 388، وذكره الرازي في "تفسيره" 13/ 160 عن أهل المعاني.

(٥) قرأ عاصم وحمزة والكسائي (وتمت كلمت) على التوحيد، وقرأ الباقون (وتمت كلمات) على الجمع.

انظر: "السبعة" ص 266، و"المبسوط" ص 174، و"الغاية" ص 248، و"التذكرة" 2/ 408، و"التيسير" ص 106، و"النشر" 2/ 262.

(٦) تقدمت ترجمته.

(٧) هذا كلام الفارسي في "الحجة" 3/ 388 - 390، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 381، و"الحجة" لابن خالويه ص 148، ولابن زنجلة ص 268، و"الكشف" 1/ 447.

(٨) جاء في (أ)، (ش): (ولا في أهل طاعته) بالواو، ولعله تحريف، والأثر ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 104.

(٩) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 9، وابن أبي حاتم 4/ 1374 بسند جيد، وذكره النحاس في "معانيه" 2/ 478، والبغوي في "تفسيره" 3/ 181.

(١٠) "تفسير مقاتل" 1/ 585.

(١١) ذكر هذا القول الثعلبي في "الكشف" 183 أ، والماوردي في "تفسيره" 2/ 160، وابن الجوزي 3/ 111 بدون ذكر الحديث.

(١٢) هنا في (ش): وقع اضطراب في ترتيب الأوراق، فجاء تكملة الحديث في 121 ب.

(١٣) الحديث بهذا اللفظ لم أقف عليه بعد طول بحث، وفي معناه عدة أحاديث في "مجمع الزوائد" 7/ 185 - 201، وأخرج البخاري في "صحيحه" (5076)، و"كتاب النكاح"، باب ما يكره من التبتل والخصاء، عن أبي هريرة  ، أن النبي  ، قال: "جف القلم بما أنت لاق".

وأخرج مسلم في "صحيحه" رقم (2648)، عن جابر  قال: (جاء سراقة بن مالك فقال: يا رسول الله!

بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن فِيمَ العمل اليوم؟

أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، أم فيما نستقبل؟

قال: "لا بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير" قال: ففيم العمل؟

قال: "كل عامل ميسر لعمله" اهـ.

(١٤) "الحجة" لأبي علي 3/ 388، وانظر: "إعراب النحاس" 2/ 93، و"المشكل" 1/ 226، و"البيان" 1/ 336، و"التبيان" 300، و"الفريد" 2/ 219، و"الدر المصون" 5/ 124.

(١٥) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 104، والبغوي في "تفسيره" 3/ 181.

(١٦) انظر: "تفسير الطبري" 8/ 9.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ ولتصغى ﴾ أي تميل وهو متعلق بمحذوف واللام لام الصيرورة ﴿ إِلَيْهِ ﴾ الضمير لوحيهم ﴿ وَلِيَقْتَرِفُواْ ﴾ يكتسبوا ﴿ أَفَغَيْرَ الله ﴾ معمول لقول محذوف أي: قل لهم ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ أي صحت والكلمات ما نزل على عباده من كتبه ﴿ صِدْقاً وَعَدْلاً ﴾ أي صدقاً فما أخبر وعدلاً فيما حكم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ قبلاً ﴾ بكسر القاف وفتح الباء: أبو جعفر ونافع وابن عامر.

الباقون: بضمتين.

﴿ منزل ﴾ بالتشديد: ابن عامر وحفص والمفضل.

﴿ كلمة ربك ﴾ عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب.

الباقون ﴿ كلمات ﴾ ﴿ من يضل ﴾ من الإضلال: الأصبهاني عن نصير، فصل على البناء للفاعل و ﴿ حرم ﴾ على البناء للمفعول: حمزة وخلف وعاصم غير حفص والمفضل، وقرأ أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب وحفص جميعاً بالفتح الباقون: على البناء للمفعول فيهما ﴿ ليضلون ﴾ بضم الياء: عاصم وحمزة وعلي وخلف، الباقون: بالفتح.

الوقوف: ﴿ يجهلون ﴾ ه ﴿ غروراً ﴾ ط ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ مفصلاً ﴾ ط ﴿ الممترين ﴾ ه ﴿ وعدلاً ﴾ ه ﴿ لكلماته ﴾ ج لابتداء الضمير المنفصل مع احتمال الواو الحال أي لا تبديل لكلماته وهو يسمع ويعلم، ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ يخرصون ﴾ ه ﴿ عن سبيله ﴾ ج ﴿ بالمهتدين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ بغير علم ﴾ ط ﴿ بالمعتدين ﴾ ه ﴿ وباطنه ﴾ ط ﴿ يقترفون ﴾ ه ﴿ لفسق ﴾ ط ﴿ ليجادلوكم ﴾ ج ﴿ لمشركون ﴾ ه.

التفسير: هذا شروع في تفصيل ما أجمله قوله ﴿ أنها إذا جاءت لا يؤمنون  ﴾ وكان المستهزؤن بالقرآن خمسة: الوليد بن المغيرة المخزومي والعاصي بن وائل السهمي والأسود بن عبد يغوث الزهري والأسود بن المطلب والحرث بن حنظلة، أتوا الرسول صلى الله عليه وآله في رهط من أهل مكة فقالوا: أرنا الملائكة يشهدون بأنك رسول الله  ، أو ابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم أحق ما تقول أم باطل، أو ائتنا بالله والملائكة قبيلاً أي كفيلاً على ما تدعيه، فنفى الله  عنهم الإيمان وإن أوتوا هذه المقترحات.

قال أبو زيد: يقال لقيت فلاناً قبلاً وقبلاً ومقابلة كلها بمعنى واحد وهو المواجهة رواه الواحدي، وقال أبو عبيدة والفراء والزجاج: قبلاً بكسر القاف معناه معاينة.

روي عن أبي ذر قال: قلت للنبي صلى الله عليه وآله: أكان آدم نبياً؟

قال: نعم، كان نبياً كلمه الله  قبلاً، وأما قبلاً بضمتين فقيل: إنه جمع قبيل ومعناه الجماعة تكون من الثلاثة فصاعداً من قوم شتى مثل الروم والزنج والعرب ولهذا قال الأخفش في تفسيره أي قبيلاً قبيلاً.

أو معناه الكفيل والعريف من قبل به يقبل قبالة، والمعنى لو حشرنا عليهم كل شيء فكفلوا بصحة ما يقول ما آمنوا، وموضع الإعجاز فيه أن الأشياء المحشورة منها ما ينطق ومنها ما لا ينطق، ومنها حي ومنها ميت، فإذا حشرها الله  على اختلاف طبائعها مجتمعة في موقف واحد ثم أنطقها وأطبقوا على قبول هذه الكفارة كان ذلك من أعظم المعجزات، أما قوله  : ﴿ ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ﴾ إيمانهم، فقد قالت الأشاعرة: فلما لم يؤمنوا دل على أنه  ما شاء إيمانهم، وقالت المعتزلة: لو لم يرد منهم الإيمان لما وجب عليهم الإيمان كما لو لم يأمرهم به لم يجب، ولو أراد الكفر من الكافر لكان الكافر في كفره مطيعاً لله لأنه لا معنى للطاعة إلا فعل المراد، ولو جاز من الله  أن يريد الكفر لجاز أن يأمر به، ولجاز أن يأمرنا بأن نريد الكفر.

فالمراد من الآية أنه شاء من الكل الإيمان الاختياري وما شاء الإيمان القهري.

والمعنى: ما كانوا ليؤمنوا إيماناً اختيارياً إلا أن يشاء الله مشيئة إكراه واضطرار فحينئذ يؤمنون، وزيف بأن الاختيار لا بد معه من حصول داعية يترجح بها أحد طرفي الممكن، ولا تحصل تلك الداعية إلا بتخليق الله  فكأنه لا اختيار.

قال الجبائي: قوله: ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ يدل على حدوث المشيئة إذ لو كانت قديمة وهي الشرط لزم من حصولها حصول المشروط.

وأجيب بأنها قديمة إلا أن تعلقها بأحداث المحدث في الحال إضافة حادثة.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ ولكن أكثرهم يجهلون ﴾ قالت الأشاعرة: أي لا يعلمون أن الكل بقضاء الله وبقدره.

وقالت المعتزلة: إنهم لا يدرون أنهم يبقون كفاراً عند ظهور الآية التي طلبوها والمعجزات التي اقترحوها فيقسمون بالله جهد أيمانهم على ما لا يشعرون من حال قلوبهم، أو ولكن أكثر المسلمين يجهلون أن هؤلاء لا يؤمنون إلا أن يضطرهم فيطمعون في إيمانهم الاختياري بمجيء الآيات المقترحات.

ثم قال: ﴿ وكذلك ﴾ قيل: إنه منسوق على قوله: ﴿ وكذلك زينا  ﴾ أي وكما زينا لكل أمة عملهم ﴿ جعلنا ﴾ وقيل: إن المشار إليه محذوف أي وكما خلينا بينك وبين أعدائك كذلك فعلنا بمن قبلك من الأنبياء وأعدائهم، لم نمنعهم من العداوة لما فيه من الامتحان الذي هو سبب ظهور الثبات والصبر وكثرة الثواب والأجر.

قالت الأشاعرة: لا شك أن تلك العداوة معصية وكفر، وأن جعلها شرفاً لآية تدل على أن خالق الخير والشر والطاعة والمعصية والإيمان والكفر هو الله.

قال الجبائي: المراد بهذا الجعل أنه حكم وبين فإن الرجل إذا حكم بكفر إنسان قيل إنه كفره، وإذا أخبر عن عدالته قيل عدله.

وقال الكعبي: إنه أمر الأنبياء.

لأن العداوة تكون من الجانبين.

أجاب أبو بكر الأصم بأنه لما أرسل محمداً إلى العالمين وخصه بتلك المعجزات صار ذلك التخصيص سبباً للحسد والعداوة أو للبغضاء فهذا هو المراد بجعلهم أعداء له.

وزيف بأن الأفعال مستندة إلى الدواعي وهي من الله  ، وبأن العداوة والمحبة متعلقة بالطبع لا بالإرادة والتكلف فلا يقدر عليها إلا الله  ، وانتصاب ﴿ الشياطين ﴾ كما مر في قوله: ﴿ وجعلوا لله شركاء الجن  ﴾ قال الزجاج وابن الأنباري: ﴿ عدوّا ﴾ في معنى الجمع، ولقائل أن يقول: لا حاجة إلى هذا التكلف لصحة قولنا: وكذلك جعلنا لكل واحد من الأنبياء عدوّاً واحداً: إذ ليس يجب أن يحصل لكل واحدة من الأنبياء أكثر من عدو واحد.

عن ابن عباس: كل عات متمرد من الجن والإنس فهو شيطان.

وقال مجاهد وقتادة والحسن: إن من الجن شياطين ومن الإنس شياطين، وإن شيطان الجن إذا أعياه المؤمن ذهب إلى متمرد من الإنس وهو شيطان الإنس فأغراه بالمؤمن ليعينه عليه.

"روي أن النبي  وآله قال لأبي ذر: هل تعوّذت بالله من شر شياطين الإنس والجن؟

قال: قلت: وهل للإنس من شياطين؟

قال: نعم، هم شر من شياطين الجن" .

وقيل: إن الجميع من ولد إبليس إلا أن الذي يوسوس للإنس يسمى شيطان الإنس، والذي يوسوس للجن يسمى شيطان الجن.

وزيف بأن المقصود من الآية الشكاية من سفاهة الكفار الذين هم الأعداء وهم الشياطين.

وعن مالك بن دينار أن شيطان الإنس أشدّ عليّ من شيطان الجن لأني إذا تعوّذت بالله ذهب شيطان الجن عني وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي عياناً.

ومعنى الإيحاء الإيمان أو القول السريع أي يوسوس شياطين الجن إلى شياطين الإنس، وكذلك بعض الجن إلى بعض، وبعض الإنس إلى بعض، وكأنه لا يتصوّر وسوسة الإنس إلى الجن إلا على تقدير القول بالتسخير.

و ﴿ زخرف القول ﴾ ما يزينه من القول والوسوسة والإغراء على المعاصي، والتحقيق فيه أن الإنسان ما لم يعتقد في أمر من الأمور خيرية أو نفعاً لم يرغب فيه.

ثم إن كان هذا الاعتقاد مطابقاً للواقع فهو الحق والصدق والإلهام وكان صادراً من الملك وإلا كان مزخرفاً أي يكون باطنه فاسداً وظاهره مزيناً، قال الواحدي: ﴿ غروراً ﴾ نصب على المصدر لأن إيحاء الزخرف من القول في معنى الغرور.

﴿ ولو شاء ربك ما فعلوه ﴾ استدلال الأشاعرة به ظاهر والمعتزلة يحملونه على مشيئة الإلجاء.

﴿ فذرهم وما يفترون ﴾ منصوب على أنه مفعول معه أو مفعول به أي وافتراءهم أو ما يفترونه.

قال ابن عباس: يريد ما زين لهم إبليس وغرهم به، وفيه تحذير من الكفر وترغيب في الإيمان وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وتنبيه له على ما أعد للكفرة من العقاب وله من الثواب بسبب صبره على سفاهتهم وتلطفه بهم.

الصغو في اللغة الميل.

يقال في المستمع إنه مصغ إذا مال بحاسته إلى ناحية الصوت.

وأصغى الإناء إذا أماله حتى انصب بعضه في بعض.

ويقال للقمر إذا مال إلى الغروب صغا وأصغى.

قال الجوهري: صغا يصغو ويصغي صغواً أي مال، وكذلك صغى بالكسر يصغي بالفتح صغى وصغياً، واللام في ﴿ ولتصغي ﴾ لا بد لها من متعلق فقالت الأشاعرة: التقدير وإنما جعلنا مثل ذلك الشخص عدوّاً للنبي لتميل ﴿ إليه ﴾ أو إلى قوله المزخرف ﴿ أفئدة ﴾ الكفار فيبعدوا بذلك السبب عن قبول دعوة النبي ﴿ وليرضوه ﴾ وليختاروه على أنفسهم ﴿ وليقترفوا ﴾ وليكتسبوا من الآثام ﴿ ما هم مقترفون ﴾ وقال الجبائي: إن هذا الكلام خرج مخرج الأمر ومعناه الزجر كقوله: ﴿ واستفزز من استطعت منهم بصوتك  ﴾ .

وزيف بأن حمل لام كي على لام الأمر تحريف.

وقال الكعبي: هي لام العاقبة تقديره: ولتميل إلى ما ذكر من عداوة الأنبياء ووسوسة الشياطين أفئدة الكفار جعلنا لكل نبي عدواً.

وعن أبي مسلم أنها معطوفة على موضع ﴿ غرور ﴾ والتقدير: يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ليغتروا بذلك ولتميل قلوب الكفار إلى المذاهب الباطلة.

وأورد عليه أن ميل القلوب إلى الآراء الفاسدة هو عين الاغترار فيلزم عطف الشيء على نفسه.

وههنا بحث وهو أن الأشاعرة قالوا: البنية ليست شرطاً للحياة، فالحي هو الجزء الذي قامت الحياة به، والعالم هو الجزء الذي قام العلم به.

وقالت المعتزلة: الحي والعالم هو الجملة لا ذلك الجزء.

حجة الأشاعرة أنه جعل الموصوف بالميل والرغبة في الآية هو القلب لا جملة الحي، وبمثله استدل من جعل المتعلق الأول للنفس هو القلب لا مجموع البدن.

ثم إنه  لما ذكر أنه لا فائدة لهم في إظهار الآيات التي اقترحوها بين بقوله: ﴿ أفغير الله أبتغي حكماً ﴾ الآية أن الدليل الدال على نبوته قد حصل وكمل والزائد على ذلك لا يجب الالتفات إليه، وإنما قلنا إن الدليل الدال على نبوته قد حصل لوجهين: الأول: أن الله  قد حكم بنبوته من حيث إنه أنزل عليه الكتاب المبين المشتمل على العلوم الكثيرة والفصاحة الكاملة وقد عجز الخلق عن معارضته وأشار إلى هذا الوجه بقوله: ﴿ أفغير الله أبتغي حكماً ﴾ يعني قل يا محمد إنكم تتحكمون في طلب سائر المعجزات، فهل يجوز في العقل أن يطلب غير الله حكماً فإن كل أحد يقول إن ذلك غير جائز.

الوجه الثاني: اشتمال التوراة والإنجيل على أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله حقاً، وعلى أن القرآن كتاب حق من عند الله وأشار إليه بقوله: ﴿ والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ﴾ ثم قال: ﴿ فلا تكونن من الممترين ﴾ والخطاب لكل أحد أي إذا ظهرت الدلائل فلا ينبغي أن يمتري فيه أحد.

وقيل: الخطاب للرسول في الظاهر والمراد به الأمة.

وقيل: الخطاب للرسول في الحقيقة والمراد التهييج والإلهاب كقوله: ﴿ ولا تكونن من المشركين  ﴾ والمراد فلا تكونن من الممترين في أن أهل الكتاب يعلمون أنه منزّل من ربك بالحق، ولا يريبك جحود أكثرهم.

قال الواحدي: الحكم والحاكم واحد عند أهل اللغة.

وقال بعض أهل التأويل: الحكم أكمل من الحاكم لأن الحاكم كل من يحكم والحكم هو الذي لا يحكم إلا بالحق.

ثم لما بين أن القرآن معجز قال: ﴿ وتمت كلمة ربك ﴾ أي القرآن.

وقوله: ﴿ صدقاً وعدلاً ﴾ مصدران منتصبان على الحال من الكلمة، ومعنى تمامها أنها وافية كافية في كونها معجزة دالة على صدق محمد، أو كافية في بيان ما يحتاج المكلفون إليه إلى القيامة علماً وعملاً، أو المراد بالتمام أنها أزلية ولا يحدث بعد ذلك شيء.

واعلم أن كل ما حصل في القرآن نوعان: الخبر والتكليف؛ فالخبر كل ما أخبر الله  عن وجوده أو عن عدمه كالخبر عن وجود ذاته وحصول صفاته أعني كونه  قادراً سميعاً بصيراً ويدخل فيه الخبر عن صفات التقديس والتنزيه كقوله  : ﴿ لم يلد ولم يولد  ﴾ ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم  ﴾ ويدخل فيه الخبر عن أقسام أفعال الله  وكيفية تدبيره لملكوته في السموات والأرض وفي عالم الأرواح والأجسام، ويدخل فيه الخبر عن أحكام الله  في الوعد والوعيد والثواب والعقاب، ويدخل فيه الخبر عن أقسام أسماء الله  والخبر عن النبوات وأقسام المعجزات، والخبر عن أحوال النشر والقيامة وصفات أهل الجنة والنار.

والخبر عن أحوال المتقدمين والخبر عن المغيبات.

وأما التكليف فيدخل فيه كل أمر ونهي توجه منه  على عبيده سواء كان ملكاً أو بشراً أو شيطاناً، وسواء كان ذلك في شرعنا أو في شرائع الأنبياء المتقدمين أو في مراسيم الملائكة المقربين الذين هم سكان السموات والجنة والنار والعرش وما وراءه مما لا يعلم أحوالهم إلا الله  .

فإذن المراد وتمت كلمات ربك صدقاً إن كان من باب الخبر وعدلاً إن كان من باب التكاليف وهذا ضبط حسن.

وقيل: إن كل ما أخبر الله  عنه من وعد ووعيد وثواب وعقاب فهو صدق لأنه لا بد أن يكون واقعاً، وهو بعد وقوعه عدل لأن أفعاله منزهة عن أن تكون بصفة الظلم.

ثم قال: ﴿ لا مبدل لكلماته ﴾ والمعنى أن هؤلاء الكفار يلقون الشبه في كون القرآن دالاً على صدق محمد إلا أن تلك الشبهات لا تأثير لها في هذه الدلالة ألبته لجلاء الدلالة ووضوحها.

أو المراد أن كلماته تبقى موصوفة بصفتها مصونة عن التحريف والتغيير كما قال: ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون  ﴾ أو الغرض أنها بريئة عن التناقض كما قال: ﴿ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً  ﴾ أو المعنى أن أحكام الله  لا تتغير ولا تتبدل لأنها أزلية والأزلي لا يزول، وهذا الوجه أحد الأصول القوية في إثبات الجبر إذ يلزم منه أن لا ينقلب السعيد شقياً وبالضد.

ثم لما أجاب عن شبه الكفار بيّن أن عند ظهور الحجة وتبين المحجة لا ينبغي للعاقل أن يلتفت إلى كلمات الجهال فقال: ﴿ وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ﴾ والمضل لا بد أن يكون ضالاً ويعني بهم الذين ينازعون النبي في الدين غير قاطعين بصحة مذاهبهم كالزنادقة وعبدة الكواكب والأصنام، وكالذين يحرمون البحائر والسوائب والوصائل ويحللون الميتة فيحكمون على الحق بأنه باطل وعلى الباطل بأنه حق.

ثم قال: ﴿ إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ﴾ يقدرون على أنهم على شيء أو يكذبون في أن الله أحل كذا وحرم كذا.

وأصل الخرص حزر ما على النخل من الرطب تمراً.

وليس لنفاة القياس تمسك بالآية من قبل توجه الذم على متبع الظن، لأن المذموم من اتباع الظن هو الذي لا يستند إلى أمارة كظن الكفار المستند إلى تقليد أسلافهم فقط، أما إذا كان الاعتقاد الراجح مستنداً إلى إمارة فلم يتم أنه كذلك.

ثم قال: ﴿ إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ﴾ والمراد أنك بعدما عرفت أن الحق ما هو والباطل ما هو فلا تكن في قيدهم بل فوض أمرهم إلى خالقهم لأن الله  عالم بأن المهتدي من هو والضال من هو فيجازي كل أحد بما يليق بعمله، أو المراد أن هؤلاء الكفار وإن أظهروا من أنفسهم ادعاء الجزم واليقين فهم كاذبون والله  عالم بأحوال قلوبهم وبواطنهم، ومطلع على تحيرهم في أودية الجهالة وتيه الضلال، قال النحويون: إن أفعل التفضيل لا يعمل في مظهر، ففي الكلام محذوف أي يعلم من يضل عن سبيله، فإن لم يقدر محذوف قوي بالباء كما في القلم { ﴿ إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين  ﴾ وهذا هو الأصل، وإنما خص هذه السورة بالحذف موافقة لقوله: ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته  ﴾ وعدل إلى لفظ المستقبل تنبيهاً على قطع الإضافة لأن أكثر ما يستعمل "أفعل من" يستعمل مع الماضي نحو "أعلم من دب ودرج" و "أحسن من قام وقعد" و "أفضل من حج واعتمر".

فلو لم يعدل إلى لفظ المستقبل التبس بالإضافة  عن ذلك.

وجوّز بعضهم أن يكون "من" للاستفهام كقوله: ﴿ لنعلم أي الحزبين أحصى  ﴾ ثم قال: ﴿ فكلوا ﴾ والفاء مسبب عن إنكار اتباع المضلين الذين يحلون الحرام ويحرّمون الحلال، وذلك أنهم كانوا يقولون للمسلمين: إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله فما قتله الله أحق أن تأكلوا مما قتلتم أنتم.

فقال الله  للمسلمين: إن كنتم محققين بالإيمان فكلوامما ذكر اسم الله عليه وهو المذكى ببسم الله.

فإن قيل: إن القوم كانوا يبيحون ما ذبح على اسم الله  ولا ينازعون فيه، وإنما النزاع في أكل الميتة فإنهم كانوا يبيحونها والمسلمون يحرمونها، فما الحكمة في إثبات الحكم في المتفق عليه وترك الحكم في المختلف فيه؟

فالجواب لعل القوم كانوا يحرمون أكل المذكاة ويبيحون أكل الميتة فرد الله  عليهم في الأمرين بقوله: ﴿ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ﴾ وبقوله: ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه  ﴾ أو نقول: المراد اجعلوا أكلكم مقصوراً على ما ذكر اسم الله عليه، وعلى هذا فيكون المراد تحريم الميتة فقط والله أعلم.

أما قوله: ﴿ وقد فصل لكم ﴾ فأكثر المفسرين قالوا: المراد به ما فصل في أول المائدة من قوله: ﴿ حرمت عليكم الميتة  ﴾ إلى آخر الآية، واعترض عليه بأن سورة الأنعام مكية والمائدة من آخر ما نزل بالمدينة، والآية تقتضي أن يكون المفصل مقدماً على هذا المجمل بل الأولى أن يقال: المراد قوله  بعد هذه الآية: ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً  ﴾ إلى آخرها.

فإن هذا القدر من التأخر غير ضائر.

وقوله: ﴿ إلا ما اضطررتم ﴾ أي دعتكم الضرورة إلى أكله بسبب شدّة المجاعة ﴿ وإن كثيراً ليضلون ﴾ المبالغة في قراءة ضم الياء أكثر لأن كل مضل فإنه يكون ضالاً، وقد يكون الضال غير مضل، قيل: إنه عمرو بن لحي فمن دونه من المشركين لأنه أول من غير دين إسماعيل واتخذ البحائر والسوائب وأكل الميتة.

وقوله: ﴿ بأهوائهم بغير علم ﴾ يريد أن عمرو بن لحي أقدم على هذه المذاهب عن الجهالة الصرفة، وقال الزجاج: المراد منه الذين يحللون الميتة ويناظرون في إحلالها، أو يحتجون عليها بقولهم إذ حل ما تذبحونه أنتم فلأن يحل ما يذبحه الله  أولى، وكذلك كل ما يضلون فيه من عبادة الأوثان والطعن في نبوّة محمد صلى الله عليه وآله.

وفي الآية دلالة على أن النزاع في الدين بمجرد التقليد حرام ﴿ إن ربك هو أعلم بالمعتدين ﴾ فيجازيهم عليها وفيه من التهديد ما فيه.

ثم ذكر آية جامعة فقال: ﴿ وذروا ظاهر الإثم وباطنه ﴾ فقيل: ظاهره الزنا في الحوانيت وباطنه الصديقة في السر.

قال الضحاك: كان أهل الجاهلية يرون الزنا حلالاً ما كان سراً.

والأصح أن النهي عام إذ لا دليل على تخصيصه.

ثم قيل: المراد ما أعلنتم وما أسررتم.

وقيل: ما عملتم وما نويتم.

وقال ابن الأنباري: يريد وذروا الإثم من جميع جهاته كما تقول: ما أخذت من هذا المال قليلاً ولا كثيراً أي ما أخذته بوجه من الوجوه.

وقريب منه قول من قال: المراد النهي عن الإثم مع بيان أنه لا يخرج عن كونه إنما بسبب إخفائه وكتمانه.

وقيل: المراد النهي عن الإقدام على الإثم.

ثم قال: ﴿ وباطنه ﴾ ليظهر بذلك أن الداعي له إلى ترك ذلك الإثم خوف الله لا خوف الناس.

وقيل: ظاهر الإثم أفعال الجوارح، وباطنه أفعال القلوب من الكبر والحسد والعجب وإرادة الشر للمسلمين، ويدخل فيه الاعتقاد والعزم والنظر والظن والتمني والندم على أفعال الخيرات، ومنه يعلم أن ما يوجد في القلب قد يؤاخذ به وإن لم يقترن به عمل ﴿ إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون ﴾ أي يكتسبون من الآثام ومنه الاعتراف يمحو الاقتراف كما يقال: التوبة تمحو الحوبة.

وظاهر النص يدل على أنه يعاقب المذنب ألبتة إلا أن المسلمين أجمعوا على أنه إذا تاب لم يعاقب.

وأهل السنة على أنه إذا لم يتب احتمل العفو ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ﴾ نقل عن عطاء أنه قال: كل ما لم يذكر اسم الله  عليه من طعام أو شراب فهو حرام تمسكاً بعموم الآية.

وأجمع سائر الفقهاء على تخصيص هذا العموم بالذبح، ثم اختلفوا فمالك: كل ذبح لم يذكر اسم الله  عليه فهو حرام، ترك الذكر عمداً أو نسياناً وهو قول ابن سيرين وطائفة من المتكلمين.

أبو حنيفة: إن ترك عمداً حرام وإن ترك نسياناً حل.

الشافعي: متروك التسمية عمداً وسهواً حلال إذا كان الذابح مسلماً لقوله  : ﴿ وإنه لفسق ﴾ والضمير عائد إلى الأكل الذي دل عليه الفعل أو إلى الموصول على أنه في نفسه فسق مثل "رجل عدل" أو على تقدير حذف المضاف أي وإن أكله لفسق.

وقد أجمع المسلمون على أنه لا يفسق بأكل ذبيحة المسلم الذي ترك التسمية ولقوله  : ﴿ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ﴾ وهذه المناظرة كانت في مسألة الميتة؛ وذلك أن المشركين قالوا: يا محمد أخبرنا عن الشاة من قتلها إذا ماتت؟

قال: الله قتلها، قالوا: فتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال، وما قتل الكلب والصقر حلال، وما قتله الله حرام؟

فأنزل الله الآية، فالمراد من الشياطين ههنا إبليس وجنوده وسوسوا إلى أوليائهم من المشركين ليخاصموا محمداً وأصحابه في أكل الميتة.

وقال عكرمة: وإن الشياطين - يعني مردة المجوس - ليوحون إلى أوليائهم من مشركي قريش.

وذلك أنه لما نزل تحريم الميتة سمعه المجوس من أهل فارس فكتبوا إلى قريش وكانت بينهم مكاتبة أن محمداً وأصحابه يزعمون أن ما يذبحونه حلال وأن ما يذبحه الله حرام، فوقع في أنفس ناس من المسلمين شيء فنزلت الآية.

ثم قال: ﴿ وإن أطعتموهم ﴾ يعني في استحلال الميتة ﴿ إنكم لمشركون ﴾ قال الزجاج: وفيه دليل على أن كل من أحل شيئاً مما حرم الله  أو حرم شيئاً مما أحل الله فهو مشرك لأنه أثبت حاكماً سوى الله  .

ثم قال الشافعي: الفسق في آية أخرى وهي، قوله: ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً  ﴾ إلى قوله: ﴿ أو فسقاً أهل لغير الله  ﴾ مفسر بما أهل به لغير الله فعلمنا أن الفسق في هذه الآية أيضاً مفسر به نزلنا عن هذا المقام وهو التمسك بالمخصصات، فلم قلتم إنه لم يوجد ذكر الله ههنا لما روي أنه صلى الله عليه وآله قال: "ذكر الله مع المسلم سواء قال أو لم يقل" فيحمل هذا الذكر على ذكر القلب.

أو نقول: هب أن هذا الدليل يوجب الحرمة إلا أن معنا ما يدل على الحل، وإذا تعارض الحل والحرمة فالحل راجح لأن الأصل في الأشياء الإباحة وللعمومات الدالة على الحل كقوله: ﴿ خلق لكم ما في الأرض جميعاً  ﴾ ﴿ وكلوا واشربوا  ﴾ ولأنه مستطاب وقد قال: ﴿ أحل لكم الطيبات  ﴾ ، ولأن الطبع يميل إليه وقد نهى عن إضاعة المال، هذا تقرير مذهب الشافعي ومع ذلك فالأولى بالمسلم أن يحترز عنه لقوة ظاهر النص.

قال الكعبي: في الآية دلالة على أن الإيمان اسم لجميع الطاعات لأنه  سمى مخالفته شركاً.

وأجيب بأنه لم لا يجوز أن يراد بالشرك ههنا اعتقاد أن لله شريكاً في الحكم.

التأويل: ﴿ وكلمهم الموتى ﴾ أي: قلوبهم الميتة ﴿ وحشرنا ﴾ أي أريناهم جميع الآيات المودعة في المكونات ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ فإن المشيئة تغير السجية والعناية الأزلية كفاية الأبدية ﴿ ولكن أكثرهم يجهلون ﴾ أن الهدى ليس بالمنى وأنه بمشيئة المولى، ثم أخبر أن البلايا للسائرين إلى الله هي المطايا فقال: ﴿ وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس ﴾ هي النفس الأمارة التي هي أعدى الأعداء.

﴿ والذين آتيناهم الكتاب ﴾ هديناهم بنور الكتاب إلى حضرة الجلال ﴿ فلا تكونن ﴾ نهى التكوين في الأزل ﴿ وتمت كلمة ربك ﴾ كلامه وقضاؤه في الأزل ﴿ صدقاً ﴾ فيما قال ﴿ وعدلاً ﴾ فيما حكم بالوجود والعدم والسعادة والشقاوة والرد والقبول والخير والشر والحسن والقبح والإيمان والكفر، وأحسن شيء خلقه هو الإنسان ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم  ﴾ وكذلك شر شيء هو الإنسان عند فساد استعداده ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين  ﴾ ولأهل الكمال ترقٍ في كمال الحسن إلى الأبد، ولأهل النقصان تسفل في القبح إلى الأبد أيضاً إظهاراً للقدرة الكاملة غير المتناهية ﴿ وهو السميع ﴾ لحاجة كل ذي حاجة ﴿ العليم ﴾ بما يستأهله كل موجود ﴿ وإن تطع أكثر من في الأرض ﴾ وهم أهل الأهواء وأقلهم أهل الحق ﴿ وإن هم إلا يخرصون ﴾ في دعوى طلب الحق.

فإن سبيل الحق لا يسلك بالهوى وإنما يسلك بالصدق والهدى.

﴿ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ﴾ فمن أمارات الإيمان أن يأكلوا الطعام بحكم الشرع لا على وفق الطبع ويذيبوه بذكر الله كما قال صلى الله عليه وآله "أذيبوا طعامكم بذكر الله" فالأكل على الغفلة والنسيان والاستعانة به على العصيان يورث موت الجنان والحرمان من الجنان.

﴿ وقد فصل لكم ﴾ يا أهل الله ﴿ ما حرم عليكم ﴾ وهو الدنيا وما فيها والآخرة ونعيمها ﴿ إلا ما اضطررتم إليه ﴾ من ضروريات البشر في الدارين بأمر المولى لا بالطبع والهوى ﴿ إن ربك هو أعلم بالمعتدين ﴾ الذين جاوزوا المولى وركنوا إلى الدنيا والعقبى ﴿ وذروا ظاهر الإثم ﴾ يعني الأعمال الطبيعية ﴿ وباطنه ﴾ يعني الأخلاق، الذميمة الردية ﴿ سيجزون بما كانوا يقترفون ﴾ لأن الأخلاق الظلمانية توجب صدأ مرآة القلب وتزيدها ريناً إلى أن يصير حجاباً بين العبد وبين الله  : ولا تأكلوا طعاماً إلا بأمر الله وعلى ذكر الله وفي طلب الله ليندفع بنور الذكر ظلمة الطعام وشهوته، ﴿ وإنه ﴾ يعني ظلام الطعام يؤدي إلى الفسق الذي هو الخروج من النور الروحاني إلى الكلمة النّفسانية.

﴿ وإن الشياطين ليوحون ﴾ فإن للشيطان مجالاً في الوسوسة إذا كانت النفوس في المجادلة مع القلوب لتدعوها إلى متابعة الهوى الله حسبي.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً ﴾ : كان أولئك الكفرة دعوا رسول الله  إلى حكم يحكم بينهم في منازعة وقعت بينهم؛ إما في الرسالة وإما في الكتاب، فقال رسول الله  : "أفغير الله أبتغي حكما" ثم بين فقال: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَابَ مُفَصَّلاً ﴾ كيف أبتغي حكما غير الله وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا، ما تعلمون أنه من عند الله نزل عجز الخلائق عن إتيان مثله.

ثم اختلف في قوله: ﴿ مُفَصَّلاً ﴾ \[قيل مفصلاً\] بالحجج والبراهين ما يعرف كل عاقل لم يكابر عقله أنه من عند الله نزل.

وقيل: مفصلا بالأمر، والنهي، والتحليل، والتحريم، فيقول [كيف] أبتغي حكما غير ما أنزل الله، وقد أنزل كتاباً مفصلا مبيناً، [فيه ما يحل وما يحرم، وما يؤتى وما يتقى، فلا حاجة تقع إلى غير الله.

وقيل: مفصلاً بالوعد والوعيد وما يكون له عاقبة؛ لأن العمل الذي يكون للعاقبة يكون فيه وعد ووعيد].

وقيل: مفصلا مفرقاً؛ أي: أنزله بالتفاريق لم ينزله مجموعاً جملة، ما يقع بمسامع كل أحد علم بذلك وبيانه، فأنى تقع بي الحاجة إلى حكم غيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ ﴾ اختلف فيه: قيل: الذين آتيناهم الكتاب أي: أهل التوراة، والإنجيل يعلمون أنه منزل من ربك بالحق.

وقيل: ﴿ وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ ﴾ ؛ يعني: من أعطى هذا الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق؛ لما عجزوا عن إتيان مثله وتأليفه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ﴾ .

يحتمل: [لا تكونن من الممترين]: أنهم قد غيروا ما في كتابهم من الأحكام ومن نعتك وصفتك.

ويحتمل: فلا تكونن من الممترين: أنه من عند الله نزل، مع علمه أن رسوله لا يكون من الممترين؛ ليعلم الخلق أنه إذا نهى رسوله عن مثل هذا، فغيره أحق.

أو أن يخاطب من طلب حكم غيره، ويقول: لا تكونن من الممترين أنه من عند الله نزل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً ﴾ .

قيل: صدقا في الأنباء والوعد، وعدلا في الأحكام.

تمت أنباؤه بالصدق وأحكامه بالعدل؛ حتى يعرف كل أحد صدق أنبائه وعدلَ أحكامه.

وقيل: وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلا بالحجج والبراهين؛ لما يعرف كل من تأمل فيها ونظر صدقها وعدلها: أنها من الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ ﴾ هذا تفسيرُ التمام: أنها تمت تماماً لا يردُ عليها النقص ولا الجور ولا الخلف، ليس ككلمات الخلقِ؛ أنها تبدل وتنقص وتمنع؛ لما يكون فيها من النقصان والفساد، فإنها تبدل وتنقص ويعجزون عن وفاء ما وعدوا، ويمنعون عن ذلك، فالله يتعالى عن أن يبدل كلماته، أو يمنع عن وفاء ما وعد وأنبأ؛ إذ يجوز في حكمه.

ويجوز أن يستدل بقوله: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً ﴾ لقول أصحابنا؛ حيث قالوا: من قال لامرأته: (أنت طالق أتم الطلاق وأعدل الطلاق) فإنه يقع بما وافق السنة، ليس يرجع ذلك إلى [التمام وإلى] العدد؛ لأنه أخبر أن تمت كلمته صدقاً وعدلا، والموافق للسنة هو الحق وهو العدل.

ويحتمل الاستبدال لكلماته ﴿ لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ ﴾ أي: لا مبدل لوعده ووعيده؛ يكونُ ما وعد وأوعد.

ويحتمل: لا مبدل لحججه وبراهينه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ﴾ أي: السميع بما ألقى الشياطين وأوحى بعضهم إلى بعض ﴿ ٱلْعَلِيمُ ﴾ بأفعال هؤلاء وإجابتهم إياهم وأهل التأويل يصرفونه إلى خاص من القول؛ وبعضهم يقولون: إن قوله: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً ﴾ هو قوله: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ  ﴾ .

وقال آخرون: إن رسول الله  دعاه أهل الكفر إلى عبادة الأوثان.

ولكن هو يرجع - والله أعلم - إلى كل نبأ ووعد ووعيد وكل خبر يخبر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ في الآية دلالة أن أكثر أهل الأرض كانوا ضلالا، [وعباد الأوثان، والأصنام]؛ لأنه قال: ﴿ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُضِلُّوكَ ﴾ لأنهم إلى الضلال كانوا يدعونه.

ثم الخطاب وإن كان لرسول الله في الظاهر، فهو لكل مؤمن؛ إذ معلوم أن رسوله لا يطيعهم فيما [يدعونه إلى عبادة الأوثان في الأرض].

وفيه أن في الأرض كان من يعبد الله وكان على دين الأنبياء والرسل.

وقوله: ﴿ وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ ذكر في القصة أن أهل الكفر دعوا رسول الله  إلى عبادة الأوثان، ويقولون: إنهم يعبدون الله في الحقيقة؛ كقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ويقولون ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ كأنهم يعبدون الأوثان ويرتكبون الفواحش ويقولون الله أمرنا بها فأخبر رسوله: أنك لو أطعت هؤلاء إلى ما يدعونك من عبادة هذه الأصنام [أضلوك عن سبيل الله؛ لأنهم لا يعبدون هذه الأصنام] إلا ظنّاً يظنون؛ كقوله: ﴿ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ ﴾ أي: (ما يتبعون إلا الظن) ﴿ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ﴾ ما هم إلا يكذبون على الله في قولهم: إن ذلك يقربهم إلى الله زلفى، وقولهم: ﴿ وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ ﴾ يعلم من يزيغ ويضل عن سبيله ﴿ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ ﴾ ، ويعلم من يهتدي به.

وفي قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ ﴾ .

دلالة [على أنه] على علم منه بالضلال والتكذيب بعث الرسل إليهم وأرسل الكتب، لا عن جهل منه، لكن صار بعث ما بعث من الرسل والكتب إليهم حكمة على علم منه بما يكون منهم؛ لأنه إنما يبعث لمكان المرسل إليهم ولحاجتهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وبَلَغَ القرآنُ غاية الصدق في الأقوال والأخبار، لا مُغيِّر لكلماته، وهو السميع لأقوال عباده، العليم بها، فلا يخفى عليه شيء منها، وسيجازي من يسعى لتبديل كلماته.

<div class="verse-tafsir" id="91.0nXwZ"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله