الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٥٢ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 164 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٢ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ) أي : لا تبعد هؤلاء المتصفين بهذه الصفة عنك ، بل اجعلهم جلساءك وأخصاءك ، كما قال : ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا ) [ الكهف : 28 ] .
وقوله ( يدعون ربهم ) أي : يعبدونه ويسألونه ( بالغداة والعشي ) قال سعيد بن المسيب ومجاهد والحسن وقتادة : المراد بذلك الصلوات المكتوبات .
وهذا كقوله [ تعالى ] ( وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ) [ غافر : 60 ] أي : أتقبل منكم .
وقوله : ( يريدون وجهه ) أي : يبتغون بذلك العمل وجه الله الكريم ، فهم مخلصون فيما هم فيه من العبادات والطاعات .
وقوله : ( ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء ) كما قال نوح ، - عليه السلام - ، في جواب الذين قالوا : ( أنؤمن لك واتبعك الأرذلون ) [ قال ] ( وما علمي بما كانوا يعملون إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون ) [ الشعراء : 112 ، 113 ] ، أي : إنما حسابهم على الله ، عز وجل ، وليس علي من حسابهم من شيء ، كما أنه ليس عليهم من حسابي من شيء .
وقوله : ( فتطردهم فتكون من الظالمين ) أي : إن فعلت هذا والحالة هذه .
قال الإمام أحمد : حدثنا أسباط - هو ابن محمد - حدثنا أشعث ، عن كردوس ، عن ابن مسعود قال : مر الملأ من قريش على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وعنده : خباب وصهيب وبلال وعمار .
فقالوا : يا محمد ، أرضيت بهؤلاء؟
فنزل فيهم القرآن : ( وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ) إلى قوله : ( أليس الله بأعلم بالشاكرين ) ورواه ابن جرير ، من طريق أشعث ، عن كردوس ، عن ابن مسعود قال : مر الملأ من قريش برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وعنده : صهيب وبلال وعمار وخباب ، وغيرهم من ضعفاء المسلمين ، فقالوا : يا محمد ، أرضيت بهؤلاء من قومك؟
أهؤلاء الذين من الله عليهم من بيننا؟
ونحن نكون تبعا لهؤلاء؟
اطردهم عنك ، فلعلك إن طردتهم أن نتبعك ، فنزلت هذه الآية : ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ) ( وكذلك فتنا بعضهم ببعض ) إلى آخر الآية وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان ، حدثنا عمرو بن محمد العنقزي ، حدثنا أسباط بن نصر ، عن السدي ، عن أبي سعيد الأزدي - وكان قارئ الأزد - عن أبي الكنود ، عن خباب في قول الله ، عز وجل : ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ) قال : جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري ، فوجدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع صهيب وبلال وعمار وخباب قاعدا في ناس من الضعفاء من المؤمنين فلما رأوهم حول النبي - صلى الله عليه وسلم - حقروهم ، فأتوه فخلوا به ، وقالوا : إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا به العرب فضلنا ، فإن وفود العرب تأتيك فنستحيي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد ، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا ، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت .
قال : " نعم " .
قالوا : فاكتب لنا عليك كتابا ، قال : فدعا بالصحيفة ودعا عليا ليكتب ، ونحن قعود في ناحية ، فنزل جبريل فقال : ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم [ بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين ] ) فرمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالصحيفة ، ثم دعانا فأتيناه .
ورواه ابن جرير ، من حديث أسباط ، به .
وهذا حديث غريب ، فإن هذه الآية مكية والأقرع بن حابس وعيينة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر .
وقال سفيان الثوري ، عن المقدام بن شريح ، عن أبيه قال : قال سعد : نزلت هذه الآية في ستة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، منهم ابن مسعود ، قال : كنا نسبق إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وندنو منه ونسمع منه ، فقالت قريش : يدني هؤلاء دوننا ، فنزلت : ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ) رواه الحاكم في مستدركه من طريق سفيان ، وقال : على شرط الشيخين .
وأخرجه ابن حبان في صحيحه من طريق المقدام بن شريح ، به
القول في تأويل قوله : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52) قال أبو جعفر: ذكر أن هذه الآية نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، في سبب جماعة من ضعفاء المسلمين، قال المشركون له: لو طردت هؤلاء عنك لغشيناك وحضرنا مجلسك!
* ذكر الرواية بذلك: 13255 - حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا أبو زبيد, عن أشعث, عن كردوس الثعلبي, عن ابن مسعود قال: مرّ الملأ من قريش بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، وعنده صهيب وعمار وبلال وخبّاب، ونحوهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء من قومك؟
هؤلاء الذين منّ الله عليهم من بيننا؟
أنحن نكون تبعًا لهؤلاء؟
اطردهم عنك!
فلعلك إن طردتهم أن نتّبعك!
فنـزلت هذه الآية : " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه " = وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ، إلى آخر الآية.
(33) 13256- .........حدثنا جرير, عن أشعث, عن كردوس الثعلبي, عن عبد الله قال: مرّ الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم ذكر نحوه .
(34) 13257 - حدثني أبو السائب قال، حدثنا حفص بن غياث, عن أشعث, عن كردوس, عن ابن عباس قال: مرّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ملأ من قريش, ثم ذكر نحوه.
(35) 13258 - حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي قال، حدثنا أبي قال، حدثنا أسباط, عن السدي, عن أبي سعد الأزدي = وكان قارئ الأزد =، عن أبي الكنود, عن خبّاب, في قول الله تعالى ذكره: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه " إلى قوله: " فتكون من الظالمين "، قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاريّ, فوجدوا النبيّ صلى الله عليه وسلم قاعدًا مع بلال وصهيب وعمار وخباب, في أناس من الضعفاء من المؤمنين.
(36) فلما رأوهم حوله حَقَروهم , فأتوه فقالوا: إنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسًا تعرف لنا العرب به فضلَنا, فإنّ وفود العرب تأتيك فنستحيي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبُد, فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا, فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت!
قال: نعم!
قالوا: فاكتب لنا عليك بذلك كتابًا.
قال: فدعا بالصحيفة, ودعا عليًّا ليكتب.
قال: ونحن قعود في ناحية, إذ نـزل جبريل بهذه الآية: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين " , ثم قال: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ , ثم قال: وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ، فألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيفةَ من يده, ثم دعانا فأتيناه وهو يقول: سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ !
فكنا نقعد معه, فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا, فأنـزل الله تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، [سورة الكهف: 28].
قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد معنا بعد, فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها، قمنا وتركناه حتى يقوم.
(37) 13259- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي, عن أبي سعيد الأزدي, عن أبي الكنود, عن خباب بن الأرت = بنحو حديث الحسين بن عمرو، إلا أنه قال في حديثه: فلما رأوهم حوله نفّروهم, فأتوه فخلَوا به.
وقال أيضًا: " فتكون من الظالمين ", ثم ذكر الأقرع وصاحبه فقال: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ الآية.
وقال أيضًا: فدعانا فأتيناه وهو يقول: سَلامٌ عَلَيْكُمْ ، فدنونا منه يومئذ حتى وَضعنا ركبنا على ركبتيه = وسائر الحديث نحوه.
(38) 13260- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة = وحدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة والكلبي: أنّ ناسًا من كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن سرَّك أن نتبعك، فاطرد عنا فلانًا وفلانًا، ناسًا من ضعفاء المسلمين!
فقال الله تعالى ذكره: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه ".
13261 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ" إلى قوله: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ الآية، قال: وقد قال قائلون من الناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد، إن سرك أن نتبعك فاطرد عنا فلانًا وفلانًا = لأناس كانوا دونهم في الدنيا، ازدراهم المشركون، فأنـزل الله تعالى ذكره هذه الآية إلى آخرها.
13262 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي" ، بلال وابن أم عبد، كانا يجالسان محمدًا صلى الله عليه وسلم, فقالت قريش محقِّرتهما: لولاهما وأمثالهما لجالسناه!
فنُهي عن طردهم, حتى قوله : أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ، قال: " قل سلام عليكم "، فيما بين ذلك، في هذا.
13263 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا سفيان, عن المقدام بن شريح, عن أبيه قال، قال سعد: نـزلت هذه الآية في ستة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم, منهم ابن مسعود، قال: كنا نسبق إلى النبي صلى الله عليه وسلم وندنو منه ونسمع منه, فقالت قريش: يدني هؤلاء دوننا!
فنـزلت: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي".
(39) 13264 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج, عن ابن جريج, عن عكرمة في قوله: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ الآية، قال: جاء عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، ومطعم بن عديّ، والحارث بن نوفل، وقرظة بن عبد عمرو بن نوفل، في أشراف من بني عبد مناف من الكفار، إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب، لو أن ابن أخيك يطرد عنه موالينا وحلفاءَنا, فإنما هم عبيدنا وعُسَفاؤنا, (40) كان أعظم في صدورنا، وأطوع له عندنا، وأدنى لاتّباعنا إياه، وتصديقنا له!
قال: فأتى أبو طالب النبي صلى الله عليه وسلم فحدثه بالذي كلموه به, فقال عمر بن الخطاب: لو فعلتَ ذلك، حتى تنظر ما الذي يريدون، وإلام يصيرون من قولهم؟
فأنـزل الله تعالى ذكره هذه الآية: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ إلى قوله: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ، قال: وكانوا: بلال، وعمارُ بن ياسر، وسالم مولى أبي حذيفة، وصبيح مولى أسيد (41) = ومن الحلفاء: ابن مسعود, والمقداد بن عمرو, ومسعود بن القاريّ, وواقد بن عبد الله الحنظلي, وعمرو بن عبد عمرو ذو الشمالين, ومرثد بن أبي مرثد = وأبو مرثد، من غنيّ، حليفُ حمزة بن عبد المطلب = وأشباههم من الحلفاء.
ونـزلت في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا الآية.
فلما نـزلت، أقبل عمر بن الخطاب فاعتذر من مَقالته, فأنـزل الله تعالى ذكره: وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ، الآية.
(42) 13265 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: إني أستحيي من الله أن يرَاني مع سلمان وبلال وذَوِيهم, (43) فاطردهم عنك، وجالس فلانًا وفلانًا!
قال فنـزل القرآن: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه " فقرأ، حتى بلغ: " فتكون من الظالمين "، ما بينك وبين أن تكون من الظالمين إلا أن تطردهم .
ثم قال: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ .
ثم قال: وهؤلاء الذين أمروك أن تطردهم، فأبلغهم منّي السلام، وبشرهم وأخبرهم أني قد غفرت لهم!
وقرأ: وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ، فقرأ حتى بلغ: وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ، قال: لتعرفها.
* * * واختلف أهل التأويل في الدعاء الذي كان هؤلاء الرَّهط، الذين نهى الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم عن طردهم، يدعون ربّهم به.
فقال بعضهم: هي الصلوات الخمس.
(44) * ذكر من قال ذلك: 13266 - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ"، يعني: يعبدون ربّهم =" بالغداة والعشيّ", يعني: الصلوات المكتوبة .
13267- حدثنا المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد, عن أبي حمزة, عن إبراهيم في قوله: " يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه " ، قال: هي الصلوات الخمس الفرائض.
ولو كان ما يقول القُصَّاص، (45) هلك من لم يجلس إليهم.
13268 - حدثنا هناد بن السري وابن وكيع قالا حدثنا ابن فضيل, عن الأعمش, عن إبراهيم: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه " ، قال: هي الصلاة .
13269 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي"، الصلاة المفروضة، الصبح والعصر.
13270 - حدثني محمد بن موسى بن عبد الرحمن الكندي قال، حدثنا حسين الجعفي قال، أخبرني حمزة بن المغيرة, عن حمزة بن عيسى قال: دخلت على الحسن فسألته فقلت: يا أبا سعيد, أرأيت قول الله: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ [سورة الكهف: 28] ، أهم هؤلاء القُصّاص؟
قال: لا ولكنهم المحافظون على الصلوات في الجماعة.
(46) 13271 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, وحدثني الحارث قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا ورقاء = جميعًا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: " الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي"، قال: الصلاة المكتوبة .
13272 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " يدعون ربهم بالغداة والعشي"، قال: يعبدون ربّهم =" بالغداة والعشي"، يعني الصلاة المفروضة .
13273 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ [سورة الكهف: 28] ، هما الصلاتان: صلاة الصبح وصلاة العصر .
13274 - حدثني ابن البرقي قال، حدثنا ابن أبي مريم قال، حدثنا يحيى بن أيوب قال، حدثنا محمد بن عجلان , عن نافع, عن عبد الله بن عمر في هذه الآية: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ الآية, أنهم الذين يشهدون الصلوات المكتوبة.
(47) 13275 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن منصور, عن مجاهد وإبراهيم: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ، قالا الصلوات الخمس.
13276-حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى, عن سفيان, عن منصور, عن مجاهد, مثله .
13277- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي"، قال: المصلين المؤمنين، بلال وابن أم عبد = قال ابن جريج، وأخبرني عبد الله بن كثير, عن مجاهد قال: صليت الصبح مع سعيد بن المسيب, فلما سلّم الإمام ابتدر الناس القاصَّ, فقال سعيد: ما أسرعَ بهم إلى هذا المجلس!
(48) قال مجاهد: فقلت يتأولون ما قال الله تعالى ذكره.
قال: وما قال؟
قلت: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي"، قال: وفي هذا ذَا ؟
إنما ذاك في الصلاة التي انصرفنا عنها الآن, إنما ذاك في الصلاة.
13278 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا وكيع, عن أبيه, عن منصور, عن عبد الرحمن بن أبي عمرة قال: الصلاة المكتوبة.
(49) 13279 - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا وكيع, عن إسرائيل, عن جابر, عن عامر قال: هي الصلاة .
13280- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا وكيع, عن أبيه, عن إسرائيل, عن عامر قال: هي الصلاة .
13281- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه "، يقول: صلاة الصبح وصلاة العصر.
13282 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن منصور, عن مجاهد قال: صلى عبد الرحمن بن أبي عمرة في مسجد الرسول, فلما صلى قامَ فاستند إلى حجرة النبي صلى الله عليه وسلم, فانثال الناس عليه, فقال: يا أيها الناس، إليكم!
فقيل: يرحمك الله, إنما جاؤوا يريدون هذه الآية : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ [سورة الكهف: 28].
فقال: وهذا عُنِي بهذا!
إنما هو في الصلاة.
(50) وقال آخرون: هي الصلاة، ولكن القوم لم يسألوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم طردَ هؤلاء الضعفاء عن مجلسه، ولا تأخيرهم عن مجلسه, وإنما سألوه تأخيرهم عن الصفّ الأول، حتى يكونوا وراءهم في الصفّ .
* ذكر من قال ذلك: 13283 - حدثني محمد بن سعد, حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ الآية, فهم أناس كانوا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم من الفقراء, فقال أناس من أشراف الناس: نؤمن لك, وإذا صلينا فأخِّر هؤلاء الذين معك فليصلُّوا خلفنا!
* * * وقال آخرون: بل معنى " دعائهم " كان، ذكرُهم الله تعالى ذكره .
* ذكر من قال ذلك: 13284 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي = وحدثنا هناد قال، حدثنا وكيع = عن سفيان, عن منصور, عن إبراهيم قوله: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي"، قال: أهل الذكر.
13285 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن منصور: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي"، قال: هم أهل الذكر.
13286- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن منصور, عن إبراهيم: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي"، قال: لا تطردهم عن الذكر.
* * * وقال آخرون: بل كان ذلك، تعلمهم القرآن وقراءته.
* ذكر من قال ذلك: 13287 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا وكيع, عن إسرائيل, عن جابر, عن أبي جعفر قوله: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ [سورة الكهف: 28]، قال: كان يقرئهم القرآن، من الذي يَقُصُّ على النبي صلى الله عليه وسلم؟!
(51) * * * وقال آخرون: بل عنى بدعائهم ربّهم، عبادتهم إياه.
* ذكر من قال ذلك: 13288 - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " يدعون ربهم بالغداة والعشي"، قال: يعني: يعبدون, ألا ترى أنه قال: لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ [سورة غافر: 43] ، يعني: تعبدون.
(52) * * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره نهى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يطرُد قومًا كانوا يدعون ربّهم بالغداة والعشي، و " الدعاء لله "، يكون بذكره وتمجيده والثناء عليه قولا وكلامًا = وقد يكون بالعمل له بالجوارح الأعمالَ التي كان عليهم فرضُها، وغيرُها من النوافل التي ترضي عن العامل له عابدَه بما هو عامل له.
(53) وقد يجوز أن يكون القوم كانوا جامعين هذه المعاني كلها, فوصفهم الله بذلك بأنهم يدعونه بالغداة والعشي, لأن الله قد سمى " العبادة "،" دعاء ", فقال تعالى ذكره: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ، [سورة غافر: 60].
وقد يجوز أن يكون ذلك على خاصّ من الدعاء.
ولا قول أولى بذلك بالصحة، من وصف القوم بما وصفهم الله به: من أنهم كانوا يدعون ربهم بالغداة والعشي، فيعمُّون بالصفة التي وصفهم بها ربهم، ولا يخصُّون منها بشيء دون شيء.
فتأويل الكلام إذًا: يا محمد، أنذر القرآن الذي أنـزلته إليك, الذين يعلمون أنهم إلى ربهم محشورون = فهم من خوف ورودهم على الله الذي لا شفيع لهم من دونه ولا نصير, في العمل له دائبون (54) = إذ أعرض عن إنذارك واستماع ما أنـزل الله عليك المكذبون بالله واليوم الآخر من قومك، استكبارًا على الله = ولا تطردهم ولا تُقْصِهم, فتكون ممن وضع الإقصاء في غير موضعه، فأقصى وطرد من لم يكن له طرده وإقصاؤه, وقرّب من لم يكن له تقديمه بقربه وإدناؤه، فإن الذين نهيتُك عن طردهم هم الذين يدعون ربهم فيسألونه عفوه ومغفرته بصالح أعمالهم، وأداء ما ألزمهم من فرائضه، ونوافل تطوّعهم، وذكرهم إياه بألسنتهم بالغداة والعشي, يلتمسون بذلك القربة إلى الله، والدنوّ من رضاه =" ما عليك من حسابهم من شيء " ، يقول: ما عليك من حساب ما رزقتهم من الرزق من شيء = وما عليهم من حساب ما رزقتك من الرزق من شيء =" فتطردهم "، حذارَ محاسبتي إياك بما خوّلتهم في الدنيا من الرزق.
* * * وقوله: " فتطردهم "، جواب لقوله: " ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء ".
وقوله: " فتكون من الظالمين " جواب لقوله: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم ".
* * * --------------- (33) الأثر: 13255 -"أبو زبيد" هو: "عبثر بن القاسم الزبيدي" ، ثقة ، مضى برقم: 12336 ، 12402 ، وكان في المطبوعة"أبو زيد" خالف المخطوطة وأخطأ.
و"أشعث" ، هو"أشعث بن سوار" ، ثقة ، مضى مرارًا و"كردوس الثعلبي" ، هو"كردوس بن العباس الثعلبي" ، تابعي ثقة ، مترجم في التهذيب ، والكبير 4/1/242 ، 243 ، وابن أبي حاتم 3/2/175 ، وفيها الاختلاف في اسم أبيه ، وفي نسبته"التغلبي" بالتاء والغين ، و"الثعلبي" ، كما جاءت في رواية أبي جعفر.
وهذا الخبر رواه أبو جعفر بثلاثة أسانيد ، هذا واللذان يليانه .
.
.
وأخرجه أحمد في مسنده رقم: 3985 ، من طريق أسباط ، عن أشعث ، عن كردوس ، عن ابن مسعود ، بمثله مختصرًا وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ، وقال: "رواه أحمد والطبراني = وذكر زيادة الطبراني ، وهي موافقة لما في التفسير = ورجال أحمد رجال الصحيح ، غير كردوس ، وهو ثقة".
وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3: 12 ، وزاد نسبته لابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه ، وأبي نعيم في الحلية.
(34) الأثر: 13256 - وضعت نقطًا في صدر هذا الإسناد ، فإن أبا جعفر لا يدرك أن يروي عن"جرير بن عبد الحميد الضبي" ، وإنما يروى عنه شيوخه ، مثل"محمد بن حميد الرازي" ، كما في الأثر رقم: 10 ، وغيره.
(35) الأثر: 13257 - في المطبوعة والمخطوطة: "عن كردس ، عن ابن عباس" وهو خطأ لا شك فيه ، فإن هذا الخبر لم يرو عن غير ابن مسعود ، وكردوس لم يذكر أنه روى عن ابن عباس ، والخبر لم ينسبه أحد في الكتب إلى غير عبد الله بن مسعود ، وكردوس ، هو"كردوس بن عباس الثعلبي" كما سلف في التعليق رقم: 13255 ، وفي المخطوطة كتب"عن" بين"كردوس بن عباس" ، من فوق ، فكأنه زيادة من الناسخ.
وهذا الخبر رواه أبو جعفر ، غير مرفوع إلى عبد الله بن مسعود ، فلا أدري أوهم الناسخ وأسقط ، أم هكذا الرواية.
(36) في المطبوعة: "من ضعفاء المؤمنين" ، غير ما في المخطوطة.
(37) الأثر: 13258 -"الحسن بن عمرو بن محمد العنقري" ، ضعيف لين ، مضى برقم: 1625 ، 1883 ، 6139 ، 8035.
وأبوه"عمرو بن محمد العنقري" ، ثقة جائز الحديث ، مضى برقم: 6139.
و"أسباط" ، هو"أسباط بن نصر الهمداني" ، ضعفه أحمد ، ورجح أخي توثيقه ، كما مضى في التعليق على الأثر رقم: 168.
وأما "السدي" ، فهو"إسمعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدي" ، وهو ثقة ، مضى أيضًا برقم: 168.
و"أبو سعيد الأزدي" ، قارئ الأزد ، فهو"أبو سعد الأرحبي" ، أو "أبو سعيد الأرحبي" ، كما سيأتي في الأثر التالي ، ذكره ابن حبان في الثقات ، مضى برقم: 8700 ، وكان في المطبوعة هنا"أبو سعيد" ، وأثبت ما في المخطوطة.
و"أبو الكنود الأزدي" ، مختلف في اسمه ، قيل"عبد الله بن عامر" ، وقيل"عبد الله بن عمران" ، وغير ذلك.
ذكره ابن حبان في الثقات ، ولم يرو له غير ابن ماجه من أصحاب الكتب الستة ، روى له هذا الخبر نفسه.
مترجم في التهذيب.
وهذا الخبر رواه ابن ماجه من هذه الطريق نفسها ، مع زيادة يسيرة في لفظه ، في سننه ص1382 ، رقم: 4127.
وقال في الزوائد: "إسناده صحيح ، ورجاله ثقات ، وقد روى مسلم ، والنسائي ، والمصنف بعضه من حديث سعد بن أبي وقاص و".أما ابن كثير ، فقد قال في تفسيره ، وذكر الخبر من تفسير ابن أبي حاتم من هذه الطريق نفسها (3: 315 ، 316): "وهذا حديث غريب ، فإن هذه الآية مكية ، والأقرع بن حابس ، وعيينة ، إنما أسلما بعد الهجرة بدهر".
وهذا هو الحق إن شاء الله.
وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3: 13 ، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة ، وأبي يعلى ، وأبي نعيم في الحلية ، وابن المنذر ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل.
(38) الأثر: 13259 -"أبو سعيد الأزدي" ، هو"أبو سعيد الأرحبي" ، وهو الذي سلف في الأثر السابق ، وهو"أبو سعد" هناك ، ولكنه هنا"أبو سعيد" ، وكلاهما صواب كما أسلفت.
(39) الأثر: 13263 -"سفيان" ، هو الثوري.
"المقدام بن شريح بن هانئ بن يزيد الحارثي".
ثقة.
مترجم في التهذيب.
وأبوه"شريح بن هانئ بن يزيد الحارث" ، أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يره ، وروى عن أبيه ، وعمر ، وعلي ، وبلال ، وسعد ، وأبي هريرة ، ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة.
مترجم في التهذيب.
و"سعد" هو"سعد بن أبي وقاص" ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان في المطبوعة والمخطوطة: "سعيد" ، وهو خطأ.
وهذا الخبر رواه مسلم في صحيحه 15: 187 من طريقين ، من طريق سفيان ، عن المقدام ابن شريح = وعن طريق إسرائيل ، عن المقدام.
ورواه ابن ماجه في سننه ص 1383 رقم: 4128 ، من طريق قيس بن الربيع ، عن المقدام بن شريح ، بمثله ، بغير هذا اللفظ.
وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3: 13 ، وزاد نسبته لأحمد ، والفريابي ، وعبد بن حميد ، والنسائي ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن حبان ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه ، والحاكم ، وأبو نعيم في الحلية ، والبيهقي في الدلائل.
(40) "العسفاء" جمع"عسيف" ، وهو العبد ، والأجير المستهان به.
(41) في المطبوعة: "وكانوا بلالا .
.
.
وسالما .
.
.
وصبيحا" ، بالنصب ، كما في الدر المنثور ، وابن كثير ، ولكن الذي في المخطوطة هو الصواب الجيد.
هذا إن صح أن هذه الرواية هي الصواب ، وإلا فإني وجدت في الإصابة ، في ترجمة"صبيح" هذا وفيه: "عن حجاج ، عن ابن جريج ، وفيه: كانوا ثلاثة ، عمار بن ياسر ، وسالم مولى أبي حذيفة ، وصبيح".
فإن صح هذا ، كان خطأ قوله"بلال" ، وإنما صوابه"ثلاثة" ، ولكنني لا أستطيع أن أرجح ذلك الآن.
(42) الأثر: 13264 -"مسعود بن القاري" ، هو"مسعود بن ربيعة بن عمرو القاري" ، نسبة إلى"القارة" ، وهو حليف بني زهرة.
و"واقد بن عبد الله الحنظلي التميمي" ، حليف بني عدي بن كعب.
و"عمرو بن عبد عمرو بن فضلة الخزاعي" ، "ذو الشمالين" ، حليف بني زهرة.
وقد روي أن عمارًا قال: "كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة كلهم أضبط: ذو الشمالين ، وعمر بن الخطاب ، وأبو ليلى" ، و"الأضبط": الذي يعمل بيديه جميعًا.
(43) قوله: "وذويهم" يعني: أصحابهم وأشباههم ، وقد أسلفت في الجزء 3: 261 ، تعليق: 2 ، أن للنحاة كلامًا كثيرًا ، ودعوى أن إضافة"ذو" إلى الضمير ، يكون في ضرورة الشعر ، وقلت إنه أتى في النثر قديمًا ، وهذا الخبر من أدلة ما قلت.
(44) في المطبوعة: "الصلوات المكتوبة" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(45) كان في المطبوعة والمخطوطة: "ولو كان يقول القصاص" بإسقاط"ما" وهو خطأ.
"القصاص" جمع"قاص" ، وهو الذي يتصدر في مسجد أو غيره ، ثم يأخذ يعظ الناس ، ويذكرهم بأخبار الماضين ، فربما دخل قصصه الزيادة والنقصان ، ولذلك جاء في الحديث: "القاص ينتظر المقت".
وفي الحديث: "إن بني إسرائي لما قصوا هلكوا" ، يعني: لما تزيدوا في الخبر والحديث وكذبوا ، وهذا من شر الفعل ، ولكن ما دخلت فيه بنو إسرائيل فعذبهم الله وأهلكهم به ، ودخلناه نحن سعيًا ، فعاقبنا الله بشتات أمرنا ، وضعف علمائنا ، وذهاب هيبتنا من صدور أعدائنا.
فاللهم اهدنا سواء سبيلك.
ثم انظر الأثر التالي رقم: 13270 ، والأثر: 132277 ، 13282 (46) الأثر: 13270 -"محمد بن موسى بن عبد الرحمن الكندي" ، شيخ الطبري ، لم أجد له ذكرًا.
وكان في المطبوعة هنا"موسى بن عبد الرحمن الكندي" ، غير ما في المخطوطة ، وحذف"محمد بن" ، وهذا تصرف معيب قبيح.
و"حسين الجعفي" هو"حسين بن علي بن الوليد الجعفي" ، مضى مرارًا كثيرة ، وكان في المطبوعة: "حسن الجعفي" ، وهو خطأ محض.
و"حمزة بن المغيرة بن نشيط المخزومي" العابد ، مضى برقم: 184.
وأما "حمزة بن عيسى" ، فلم أجد في الرواة من يسمى بذلك ، وأرجح أن الناسخ أخطأ ، فأعاد كتابة"حمزة" ، فاختلط الاسم ، فلا يصححه إلا أن يوجد في مكان آخر.
(47) الأثر: 13274 - خرجه السيوطي في الدر المنثور 4: 219 ، وزاد نسبته إلى ابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه.
وهذا إسناد صحيح.
(48) في المطبوعة: "ما أسرعهم إلى هذا المجلس" ، وفي المخطوطة: "ما أسرع إلى هذا المجلس" ، فرأيت أن يكون الصواب ما أثبت.
(49) الأثر: 13278 -"عبد الرحمن بن أبي عمرة بن محصن بن ثعلبة الأنصاري" ، روى عن أبيه ، وعثمان بن عفان ، وعبادة بن الصامت.
قال ابن سعد: "كان ثقة كثير الحديث" مترجم في التهذيب.
وسيأتي هذا الأمر مطولا برقم: 13282.
(50) الأثر: 13282 هو مطول الأثر السالف رقم: 13278.
وقوله: "انثال عليه الناس": تتابعوا عليه وتقاطروا من كل ناحية.
وهذا الخبر ، دليل على صحة معرفة أئمتنا السالفين بحق دينهم ، وحق كتابهم المنزل عليهم من ربهم = ودليل أيضًا على فساد ما وقع فيه علماؤنا وكتابنا ، ومن تعرض منا لكتاب الله بالهوى ، حتى صار هذا المرفوض الذي رفضه الأئمة ، حجة يستدل بها الجهال من الصوفية وأهل المخرقة بالولايات وادعاء الكرامات.
فاللهم باعد بيننا وبين الجهالة ، واحملنا على سواء السبيل .
* * * هذا وهذه الأخبار التي ذكرها هنا ، وفسر فيها آية سورة الكهف: 28 ، لم يرو أكثره في تفسير"سورة الكهف" ، وهذا باب من أبواب اختصار أبي جعفر تفسيره هذا.
(51) في المطبوعة: "قال كان يقرئهم القرآن النبي صلى الله عليه وسلم" حذف من المخطوطة.
ما أثبته: "من الذي يقص على" ، ثم وصل الكلام ، فأساء وخان وأفسد!!
وهذا الكلام جملتان منفصلتان ، الأولى: "كان يقرئهم القرآن" والأخرى الاستفهام: "من الذي يقص على النبي صلى الله عليه وسلم" ، وكلتاهما رد على من تأول الآية ، على أنها مراد بها القصاص وهم الوعاظ ، كما يظهر من الآثار: 13267 ، 13270 ، 13277 ، 13282 ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرئ هؤلاء القرآن ، فأمر أن يصبر نفسه معهم.
ولو كان مرادًا بالآية القصاص ، لكان النبي صلى الله عليه وسلم مأمورًا أن يصبر نفسه مع من يجلس يعظه ويذكره بالله - بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم!
فلذلك قال: "من الذي يقص على النبي صلى الله عليه وسلم!" ، أي: من هذا الذي يعظ رسول الله ويذكره بالله وبأيام الله؟!
وهذه حجة مبينة في فساد من تأول الآية على غير الوجه الصحيح الذي أجمعت عليه الحجة.
(52) هكذا جاءت الآية في المخطوطة والمطبوعة ، وأنا أكاد أقطع بأن ذلك خطأ ، من سهو راو أو سهو من أبي جعفر نفسه ، وأرجح أنه أراد آية"سورة غافر: 66 {قُلْ إنّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدُ الذِّيِنَ تَدْعُونَ مِنْ دُون اللهِ} أما الآية التي استبدل بها ، فلا يستقيم أن يكون الدعاء فيها بمعنى العبادة.
(53) في المطبوعة: والمخطوطة التي ترضى والعامل له عابده" ، وهو لا يستقيم ، وكأن الصواب ما أثبت.
(54) في المطبوعة والمخطوطة: "دائمون" ، وأرجح أن الذي أثبت هو الصواب.
قوله تعالى : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين .قوله تعالى : ولا تطرد الذين يدعون ربهم الآية .
قال المشركون : ولا نرضى بمجالسة أمثال هؤلاء - يعنون سلمان وصهيبا وبلالا وخبابا - فاطردهم عنك ; وطلبوا أن يكتب لهم بذلك ، فهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، ودعا عليا ليكتب ; فقام الفقراء وجلسوا ناحية ; فأنزل الله الآية .
ولهذا أشار سعد بقوله في الحديث الصحيح : فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع ; وسيأتي ذكره .
وكان النبي صلى الله عليه وسلم إنما مال إلى ذلك طمعا في إسلامهم ، وإسلام قومهم ، ورأى أن ذلك لا يفوت أصحابه شيئا ، ولا ينقص لهم قدرا ، فمال إليه فأنزل الله الآية ، فنهاه عما هم به من الطرد لا أنه أوقع الطرد .
روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر ، فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم : اطرد هؤلاء عنك لا يجترئون علينا ; قال : وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما ، فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع ، فحدث نفسه ، فأنزل الله عز وجل ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه .
قيل : المراد بالدعاء المحافظة على الصلاة المكتوبة في الجماعة ; قاله ابن عباس ومجاهد والحسن .
وقيل : الذكر وقراءة القرآن .
ويحتمل أن يريد الدعاء في أول النهار وآخره ; ليستفتحوا يومهم بالدعاء رغبة في التوفيق .
ويختموه بالدعاء طلبا للمغفرة .
يريدون وجهه أي : طاعته ، والإخلاص فيها ، أي : يخلصون في عبادتهم وأعمالهم لله ، ويتوجهون بذلك إليه لا لغيره .
وقيل : يريدون الله الموصوف بأن له الوجه كما قال : ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام وهو كقوله : والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم .
وخص الغداة والعشي بالذكر ; لأن الشغل غالب فيهما على الناس ، ومن كان في وقت الشغل مقبلا على العبادة كان في وقت الفراغ من الشغل أعمل .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يصبر نفسه معهم كما أمره الله في قوله : واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم ، فكان لا يقوم حتى يكونوا هم الذين يبتدئون [ ص: 339 ] القيام ، وقد أخرج هذا المعنى مبينا مكملا ابن ماجه في سننه عن خباب في قول الله عز وجل : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي إلى قوله : فتكون من الظالمين قال : جاء الأقرع بن حابس التميمي ، وعيينة بن حصن الفزاري فوجدا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صهيب وبلال وعمار وخباب ، قاعدا في ناس من الضعفاء من المؤمنين ; فلما رأوهم حول النبي صلى الله عليه وسلم حقروهم ; فأتوه فخلوا به وقالوا : إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا به العرب فضلنا ، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد ، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنك ، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت ; قال : ( نعم ) قالوا : فاكتب لنا عليك كتابا ; قال : فدعا بصحيفة ودعا عليا - رضي الله عنه - ليكتب ونحن قعود في ناحية ; فنزل جبريل عليه السلام فقال : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين ثم ذكر الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن ; فقال : وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين ثم قال : وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة قال : فدنونا منه حتى وضعنا ركبنا على ركبته ; وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس معنا فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا ; فأنزل الله عز وجل واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تجالس الأشراف ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا يعني عيينة والأقرع ، واتبع هواه وكان أمره فرطا ، أي : هلاكا .
قال : أمر عيينة والأقرع ; ثم ضرب لهم مثل الرجلين ومثل الحياة الدنيا .
قال خباب : فكنا نقعد مع النبي صلى الله عليه وسلم فإذا بلغنا الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم ; رواه عن أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان ، حدثنا عمرو بن محمد العنقزي ، حدثنا أسباط ، عن السدي ، عن أبي سعيد الأزدي ، وكان قارئ الأزد ، عن أبي الكنود ، عن خباب ; وأخرجه أيضا عن سعد ، قال : نزلت هذه الآية فينا ستة ، في وفي ابن مسعود وصهيب وعمار والمقداد وبلال ; قال : قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إنا لا نرضى أن نكون أتباعا لهم فاطردهم ، قال : فدخل قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك ما شاء الله أن يدخل ; فأنزل الله عز وجل : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي الآية .
وقرئ ( بالغدوة ) وسيأتي بيانه في ( الكهف ) إن شاء الله .[ ص: 340 ] قوله تعالى : ما عليك من حسابهم من شيء أي : من جزائهم ولا كفاية أرزاقهم ، أي : جزاؤهم ورزقهم على الله ، وجزاؤك ورزقك على الله لا على غيره .
من الأولى للتبعيض ، والثانية زائدة للتوكيد .
وكذا وما من حسابك عليهم من شيء المعنى وإذا كان الأمر كذلك فأقبل عليهم وجالسهم ولا تطردهم مراعاة لحق من ليس على مثل حالهم في الدين والفضل ; فإن فعلت كنت ظالما .
وحاشاه من وقوع ذلك منه ، وإنما هذا بيان للأحكام ، ولئلا يقع مثل ذلك من غيره من أهل السلام ; وهذا مثل قوله : لئن أشركت ليحبطن عملك وقد علم الله منه أنه لا يشرك ولا يحبط عمله .
فتطردهم جواب النفي .
فتكون من الظالمين نصب بالفاء في جواب النهي ; المعنى : ولا تطرد الذين يدعون ربهم فتكون من الظالمين ، وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم ، على التقديم والتأخير .
والظلم أصله وضع الشيء في غير موضعه .
وقد تقدم في البقرة مستوفى ، وقد حصل من قوة الآية والحديث النهي عن أن يعظم أحد لجاهه ولثوبه ، وعن أن يحتقر أحد لخموله ولرثاثة ثوبيه .
{ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } أي: لا تطرد عنك، وعن مجالستك، أهل العبادة والإخلاص، رغبة في مجالسة غيرهم، من الملازمين لدعاء ربهم، دعاء العبادة بالذكر والصلاة ونحوها، ودعاء المسألة، في أول النهار وآخره، وهم قاصدون بذلك وجه الله، ليس لهم من الأغراض سوى ذلك الغرض الجليل، فهؤلاء ليسوا مستحقين للطرد والإعراض عنهم، بل مستحقون لموالاتهم ومحبتهم، وإدنائهم، وتقريبهم، لأنهم الصفوة من الخلق وإن كانوا فقراء، والأعزاء في الحقيقة وإن كانوا عند الناس أذلاء.
{ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ } أي: كلٌّ له حسابه، وله عمله الحسن، وعمله القبيح.
{ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ } وقد امتثل صلى الله عليه وسلم هذا الأمر، أشد امتثال، فكان إذا جلس الفقراء من المؤمنين صبر نفسَه معهم، وأحسن معاملتهم، وألان لهم جانبه، وحسن خلقَه، وقربهم منه، بل كانوا هم أكثر أهل مجلسه رضي الله عنهم.
وكان سبب نزول هذه الآيات، أن أناسا من قريش، أومن أجلاف العرب قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أردت أن نؤمن لك ونتبعك، فاطرد فلانا وفلانا، أناسا من فقراء الصحابة، فإنا نستحيي أن ترانا العرب جالسين مع هؤلاء الفقراء، فحمله حبه لإسلامهم، واتباعهم له، فحدثته نفسه بذلك.
فعاتبه الله بهذه الآية ونحوها.
( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ) قرأ ابن عامر " بالغدوة " بضم الغين وسكون الدال وواو بعدها ، هاهنا وفي سورة الكهف ، وقرأ الآخرون : بفتح العين والدال وألف بعدها .
قال سلمان وخباب بن الأرت : فينا نزلت هذه الآية ، جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري وذووهم من المؤلفة قلوبهم ، فوجدوا النبي صلى الله عليه وسلم قاعدا مع بلال وصهيب وعمار وخباب في ناس من ضعفاء المؤمنين ، فلما رأوهم حوله حقروهم ، فأتوه فقالوا : يا رسول الله لو جلست في صدر المجلس ونفيت عنا هؤلاء وأرواح جبابهم - وكان عليهم جباب صوف لم يكن عليهم غيرها - لجالسناك وأخذنا عنك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهم : " ما أنا بطارد المؤمنين " قالوا فإنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف به العرب فضلنا ، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبد ، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا ، فإذا فرغنا فاقعد معهم إن شئت ، قال : نعم ، قالوا : اكتب لنا عليك بذلك كتابا ، قال : فدعا بالصحيفة ودعا عليا ليكتب ، قالوا ونحن قعود في ناحية إذ نزل جبريل بقوله : ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ) إلى قوله : ( بالشاكرين ) فألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيفة من يده ، ثم دعانا فأثبته ، وهو يقول : ( سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة ) ، فكنا نقعد معه فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا فأنزل الله عز وجل : ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ) ( الكهف ، 28 ) ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد معنا بعد وندنو منه حتى كادت ركبنا تمس ركبته ، فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم ، وقال لنا : " الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي ، معكم المحيا ومعكم الممات " .
وقال الكلبي : قالوا له اجعل لنا يوما ولهم يوما ، فقال : لا أفعل ، قالوا : فاجعل المجلس واحدا فأقبل إلينا وول ظهرك عليهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية : ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ) قال مجاهد : قالت قريش : لولا بلال وابن أم عبد لبايعنا محمدا ، فأنزل الله هذه الآية : ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ) قال ابن عباس : يعني يعبدون ربهم بالغداة والعشي ، يعني : صلاة الصبح وصلاة العصر ، ويروى عنه : أن المراد منه الصلوات الخمس ، وذلك أن أناسا من الفقراء كانوا مع النبي عليه السلام ، فقال ناس من الأشراف : إذا صلينا فأخر هؤلاء فليصلوا خلفنا ، فنزلت الآية .
وقال مجاهد : صليت الصبح مع سعيد بن المسيب ، فلما سلم الإمام ابتدر الناس القاص ، فقال سعيد : ما أسرع الناس إلى هذا المجلس!
قال مجاهد : فقلت يتأولون قوله تعالى ( يدعون ربهم بالغداة والعشي ) قال : أفي هذا هو ، إنما ذلك في الصلاة التي انصرفنا عنها الآن ، وقال إبراهيم النخعي : يعني يذكرون ربهم ، وقيل المراد منه : حقيقة الدعاء ، ( يريدون وجهه ) أي : يريدون الله بطاعتهم ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : يطلبون ثواب الله فقال : ( ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء ) أي : لا تكلف أمرهم ولا يتكلفون أمرك ، وقيل : ليس رزقهم عليك فتملهم ، ( فتطردهم ) ولا رزقك عليهم ، قوله ( فتطردهم ) جواب لقوله ( ما عليك من حسابهم من شيء ) وقوله : ( فتكون من الظالمين ) جواب لقوله ( ولا تطرد ) أحدهما جواب النفي والآخر جواب النهي .
«ولا تطرد الذين يدعون ربَّهم بالغداة والعشي يريدون» بعبادتهم «وجهه» تعالى لا شيئا من أعراض الدنيا وهم الفقراء، وكان المشركون طعنوا فيهم وطلبوا أن يطردهم ليجالسوه وأراد النبي صلي الله عليه وسلم ذلك طمعا في إسلامهم «ما عليك من حسابهم من» زائدة «شيء» إن كان باطنهم غير مرضي «وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم» جواب النفي «فتكون من الظالمين» إن فعلت ذلك.
ولا تُبْعد -أيها النبي- عن مجالستك ضعفاء المسلمين الذين يعبدون ربهم أول النهار وآخره، يريدون بأعمالهم الصالحة وجه الله، ما عليك من حساب هؤلاء الفقراء من شيء، إنما حسابهم على الله، وليس عليهم شيء من حسابك، فإن أبعدتهم فإنك تكون من المتجاوزين حدود الله، الذين يضعون الشيء في غير موضعه.
ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقرب فقراء المسلمين من مجلسه لأنهم مع فقرهم أفضل عند الله من كثير من الأغنياء .فقال تعالى :{ وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } .أى : لا تبعد أيها الرسول الكريم عن مجالسك هؤلاء المؤمنين الفقراء الذين يدعون ربهم صباح مساء ، ويريدون بعملهم وعبادتهم وجه الله وحده بل اجعلهم جلساءك وأخصاءك فهم أفضل عند الله من الأغنياء المتغطرسين والأقوياء الجاهلين .وقد روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما جاء عن ابن مسعود قال : مر الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وعنده خباب وصهيب وبلال وعمار فقالوا : يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك؟
أهؤلاء الذين من الله عليهم من بيننا؟
أنحن نصير تبعاً لهؤلاء؟
لا أطردهم فلعلك إن طردتهم نتبعك؟
فنزلت هذه الآية .ففى الآية الكريمة نهى النبى صلى الله عليه وسلم عن أن يطرد هؤلاء الضعفاء من مجلسه .
لأنه وإن كان صلى الله عليه وسلم يميل إلى تأليف قلوب الأقوياء للاسلام لينال بقوتهم قوة ، إلا أن الله تعالى بين له أن القوة فى الإيمان والعمل الصالح ، وأن هؤلاء الضعفاء من المؤمنين قد وصفهم خالقهم بأنهم يتضرعون إليه فى كل أوقاتهم ولا يقصدون بعبادتهم إلا وجه الله ، فكيف يطردون من مجالس الخير؟ثم قال تعالى : { مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظالمين } .أى : إن الله تعالى هو الذى سيتولى حسابهم وجزاءهم ولن يعود عليك من حسابهم شىء ، كما أنه لا يعود عليهم من حسابك شىء ، فهم مجزبون بأعمالهم ، كما أنك أنت يا محمد مجزى بعملك ، فإن طردتهم استجابة لرضى غيرهم كنت من الضالين .
إذ انهم لم يصدر عنهم ما يستوجب ذلك ، وحاشا للرسول صلى الله عليه وسلم أن يطرد قوما تلك هى صفاتهم .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : أما كفى قوله { مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ } حتى ضم إليه { وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ } ؟
قلت : قد جعلت الجملتان بمنزلة جملة واحدة وقصد بهما مؤدى واحد وهو المعنى فى قوله :{ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى } ولا يستقل بهذا المعنى إلا الجملتان جميعاً كأنه قيل : لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه .وقيل : الضمير للمشركين .
والمعنى : لا يؤاخذون بحسابك ولا أنت بحسابهم حتى يهمك إيمانهم ويحركك الحرص عليه إلى أن تطرد المؤمنين .وهنا تخريج آخر لقوله : { مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ } بأن المعنى : ما عليك شىء من حساب رزقهم إن كانوا فقراء ، وما من حسابك فى الفقر والغنى عليهم من شىء ، أى أ ، ت مبشر ومنذر ومبلغ للناس جميعاً سواء منهم الفقير والغنى ، فكيف تطرد فقيراً لفقره ، وتقرب غنيا لغناه؟
إنك إن فعلت ذلك كنت من الظالمين ، ومعاذ الله أن يكون ذلك منك .وقوله { فَتَكُونَ مِنَ الظالمين } جواب للنهى عن الطرد ، وقوله { فَتَطْرُدَهُمْ } جواب لنفى الحساب .
فيه مسائل: المسألة الأولى: روي عن عبدالله بن مسعود أنه قال: مر الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده صهيب وخباب وبلال وعمار وغيرهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء عن قومك؟
أفنحن نكون تبعاً لهؤلاء؟
أطردهم عن نفسك، فلعلك إن طردتهم اتبعناك، فقال عليه السلام: «ما أنا بطارد المؤمنين» فقالوا فأقمهم عنا إذا جئنا، فإذا أقمنا فأقعدهم معك إن شئت، فقال نعم طمعاً في إيمانهم.
وروي أن عمر قال له: لو فعلت حتى ننظر إلى ماذا يصيرون، ثم ألحوا وقالوا للرسول عليه السلام: أكتب لنا بذلك كتاباً فدعا بالصحيفة وبعلي ليكتب فنزلت هذه الآية، فرمى الصحيفة، واعتذر عمر عن مقالته، فقال سلمان وخباب: فينا نزلت، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد معنا وندنو منه حتى تمس ركبتنا ركبته، وكان يقوم عنا إذا أراد القيام، فنزل قوله: ﴿ واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم ﴾ فترك القيام عنا إلى أن نقوم عنه وقال: «الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن اصبر نفسي مع قوم من أمتي معكم المحيا ومعكم الممات».
المسألة الثانية: احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية من وجوه: الأول: أنه عليه السلام طردهم والله تعالى نهاه عن ذلك الطرد، فكان ذلك الطرد ذنباً.
والثاني: أنه تعالى قال: ﴿ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظالمين ﴾ وقد ثبت أنه طردهم، فيلزم أن يقال: إنه كان من الظالمين.
والثالث: أنه تعالى حكى عن نوح عليه السلام أنه قال: ﴿ وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ الذين ءامَنُواْ ﴾ ثم إنه تعالى أمر محمداً عليه السلام بمتابعة الأنبياء عليهم السلام في جميع الأعمال الحسنة، حيث قال: ﴿ أُوْلَئِكَ الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده ﴾ فبهذا الطريق وجب على محمد عليه السلام أن لا يطردهم، فلما طردهم كان ذلك ذنباً.
والرابع: أنه تعالى ذكر هذه الآية في سورة الكهف، فزاد فيها فقال: ﴿ تُرِيدُ زِينَةَ الحياة ﴾ ثم إنه تعالى نهاه عن الالتفات إلى زينة الحياة الدنيا في آية أخرى فقال: ﴿ ا وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أزواجا مّنْهُمْ زَهْرَةَ الحياة الدنيا ﴾ فلما نهى عن الالتفات إلى زينة الدنيا، ثم ذكر في تلك الآية أنه يريد زينة الحياة الدنيا كان ذلك ذنباً.
الخامس: نقل أن أولئك الفقراء كلما دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الواقعة فكان عليه السلام يقول: «مرحباً بمن عاتبني ربي فيهم» أو لفظ هذا معناه، وذلك يدل أيضاً على الذنب.
والجواب عن الأول: أنه عليه السلام ما طردهم لأجل الاستخفاف بهم والاستنكاف من فقرهم وإنما عين لجلوسهم وقتاً معيناً سوى الوقت الذي كان يحضر فيه أكابر قريش فكان غرضه منه التلطف في إدخالهم في الإسلام ولعلّه عليه السلام كان يقول هؤلاء الفقراء من المسلمين لا يفوتهم بسبب هذه المعاملة أمر مهم في الدنيا وفي الدين، وهؤلاء الكفار فإنه يفوتهم الدين والإسلام فكان ترجيح هذا الجانب أولى فأقصى ما يقال إن هذا الاجتهاد وقع خطأ إلا أن الخطأ في الاجتهاد مغفور.
وأما قوله ثانياً: إن طردهم يوجب كونه عليه السلام من الظالمين.
فجوابه: أن الظلم عبارة عن وضع الشيء في غير موضعه، والمعنى أو أولئك الضعفاء الفقراء كانوا يستحقون التعظيم من الرسول عليه السلام فإذا طردهم عن ذلك المجلس كان ذلك ظلمأْ، إلا أنه من باب ترك الأولى والأفضل لا من باب ترك الواجبات وكذا الجواب عن سائر الوجوه فإنا نحمل كل هذه الوجوه على ترك الأفضل والأكمل والأولى والأحرى، والله أعلم.
المسألة الثالثة: قرأ ابن عامر ﴿ بالغداة والعشى ﴾ بالواو وضم الغين وفي سورة الكهف مثله والباقون بالألف وفتح الغين.
قال أبو علي الفارسي الوجه قراءة العامة بالغدة لأنها تستعمل نكرة فأمكن تعريفها بإدخال لام التعريف عليها.
فأما (غدوة) فمعرفة وهو علم صيغ له، وإذا كان كذلك، فوجب أن يمتنع إدخال لام التعريف عليه، كما يمتنع إدخاله على سائر المعارف.
وكتبة هذه الكلمة بالواو في المصحف لا تدل على قولهم، ألا ترى أنهم كتبوا الصلوة بالواو وهي ألف فكذا هاهنا.
قال سيبويه غدوة وبكرة جعل كل واحد منهما اسماً للجنس كما جعلوا أم حبين اسماً لدابة معروفة.
قال وزعم يونس عن أبي عمرو أنك إذا قلت لقيته يوماً من الأيام غدوة أو بكرة وأنت تريد المعرفة لم تنون.
فهذه الأشياء تقوي قراءة العامة، وأما وجه قراءة ابن عامر فهو أن سيبويه قال زعم الخليل أنه يجوز أن يقال أتيتك اليوم غدوة وبكرة فجعلهما بمنزلة ضحوة، والله أعلم.
المسألة الرابعة: في قوله: ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشى ﴾ قولان: الأول: أن المراد من الدعاء الصلاة، يعني يعبدون ربهم بالصلاة المكتوبة، وهي صلاة الصبح وصلاة العصر وهذا قول ابن عباس والحسن ومجاهد.
وقيل: المراد من الغداة والعشى طرفا النهار، وذكر هذين القسمين تنبيهاً على كونهم مواظبين على الصلوات الخمس.
والقول الثاني: المراد من الدعاء الذكر قال إبراهيم: الدعاء هاهنا هو الذكر والمعنى يذكرون ربهم طرفي النهار.
المسألة الخامسة: المجسمة تمسكوا في إثبات الأعضاء لله تعالى بقوله: ﴿ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾ وسائر الآيات المناسبة له مثل قوله: ﴿ ويبقى وَجْهُ رَبّكَ ﴾ .
وجوابه أن قوله: ﴿ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ﴾ يقتضي الوجدانية التامة، وذلك ينافي التركيب من الأعضاء والأجزاء، فثبت أنه لابد من التأويل، وهو من وجهين: الأول: قوله: ﴿ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾ المعنى يريدونه إلا أنهم يذكرون لفظ الوجه للتعظيم، كما يقال هذا وجه الرأي وهذا وجه الدليل، والثاني: أن من أحب ذاتاً أحب أن يرى وجهه، فرؤية الوجه من لوازم المحبة، فلهذا السبب جعل الوجه كناية عن المحبة وطلب الرضا وتمام هذا الكلام تقدم في قوله: ﴿ وَلِلَّهِ المشرق والمغرب فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَيء وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مّن شَيء ﴾ اختلفوا في أن الضمير في قوله: ﴿ حِسَابِهِمْ ﴾ وفي قوله: ﴿ عَلَيْهِمْ ﴾ إلى ماذا يعود؟
والقول الأول: أنه عائد إلى المشركين، والمعنى ما عليك من حساب المشركين من شيء ولا حسابك على المشركين وإنما الله هو الذي يدبر عبيده كما يشاء وأراد.
والغرض من هذا الكلام أن النبي صلى الله عليه وسلم يتحمل هذا الاقتراح من هؤلاء الكفار، فلعلّهم يدخلون في الإسلام ويتخلصون من عقاب الكفر، فقال تعالى: لا تكن في قيد أنهم يتقون الكفر أم لا فإن الله تعالى هو الهادي والمدبر.
القول الثاني: أن الضمير عائد إلى الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، وهم الفقراء، وذلك أشبه بالظاهر.
والدليل عليه أن الكناية في قوله: ﴿ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظالمين ﴾ عائدة لا محالة إلى هؤلاء الفقراء، فوجب أن يكون سائر الكنايات عائدة إليهم، وعلى هذا التقدير فذكروا في قوله: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَيء ﴾ قولين: أحدهما: أن الكفار طعنوا في إيمان أولئك الفقراء وقالوا يا محمد إنهم إنما اجتمعوا عندك وقبلوا دينك لأنهم يجدون بهذا السبب مأكولاً وملبوساً عندك، وإلا فهم فارغون عن دينك، فقال الله تعالى إن كان الأمر كما يقولون، فما يلزمك إلا اعتبار الظاهر وإن كان لهم باطن غير مرضي عند الله، فحسابهم عليه لازم لهم، لا يتعدى إليك، كما أن حسابك عليك لا يتعدى إليهم، كقوله: ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى ﴾ .
فإن قيل: أما كفى قوله: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَيء ﴾ حتى ضم إليه قوله: ﴿ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مّن شَيء ﴾ قلنا: جعلت الجملتان بمنزلة جملة واحدة قصد بهما معنى واحد وهو المعنى في قوله: ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى ﴾ ولا يستقل بهذا المعنى إلا الجملتان جميعاً، كأنه قيل لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه.
القول الثاني: ما عليك من حساب رزقهم من شيء فتملهم وتطردهم، ولا حساب رزقك عليهم، وإنما الرازق لهم ولك هو الله تعالى، فدعهم يكونوا عندك ولا تطردهم.
وأعلم أن هذه القصة شبيهة بقصة نوح عليه السلام إذ قال له قومه ﴿ أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الأرذلون ﴾ فأجابهم نوح عليه السلام و ﴿ قَالَ وَمَا عِلْمِى بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّى لَوْ تَشْعُرُونَ ﴾ وعنوا بقولهم: ﴿ الأرذلون ﴾ الحاكة والمحترفين بالحرف الخسيسة، فكذلك هاهنا.
وقوله: ﴿ فَتَطْرُدَهُمْ ﴾ جواب النفي ومعناه، ما عليك من حسابهم من شيء فتطردهم، بمعنى أنه لم يكن عليك حسابهم حتى أنك لأجل ذلك الحساب تطردهم، وقوله: ﴿ فَتَكُونَ مِنَ الظالمين ﴾ يجوز أن يكون عطفاً على قوله: ﴿ فَتَطْرُدَهُمْ ﴾ على وجه التسبب لأن كونه ظالماً معلول طردهم ومسبب له.
وأما قوله: ﴿ فَتَكُونَ مِنَ الظالمين ﴾ ففيه قولان: الأول: ﴿ فَتَكُونَ مِنَ الظالمين ﴾ لنفسك بهذا الطرد.
الثاني: أن تكون من الظالمين لهم لأنهم لما استوجبوا مزيد التقريب والترحيب كان طردهم ظلماً لهم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ذكر غير المتقين من المسلمين وأمر بإنذارهم ليتقوا، ثم أردفهم ذكر المتقين منهم وأمره بتقريبهم وإكرامهم، وأن لا يطيع فيهم من أراد بهم خلاف ذلك، وأثنى عليهم بأنهم يواصلون دعاء ربهم أي عبادته ويواظبون عليها، والمراد بذكر الغداة والعشي: الدوام.
وقيل معناه: يصلون صلاة الصبح والعصر، ووسمهم بالإخلاص في عبادتهم بقوله: ﴿ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾ والوجه يعبر به عن ذات الشيء وحقيقته.
روي: أن رؤوساً من المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو طردت عنا هؤلاء الأعبد يعنون فقراء المسلمين، وهم عمار وصهيب وبلال وخباب وسلمان وأضرابهم رضوان الله عليهم- وأرواح جبابهم- وكانت عليهم جباب من صوف جلسنا إليك وحادثناك، فقال عليه الصلاة والسلام: ما أنا بطارد المؤمنين.
فقالوا: فأقمهم عنا إذا جئنا، فإذا قمنا فأقعدهم معك إن شئت.
فقال: نعم، طمعاً في إيمانهم.
وروي: أن عمر رضي الله عنه قال: لو فعلت حتى ننظر إلى ما يصيرون.
قال فاكتب بذلك كتاباً، فدعا بصحيفة وبعليّ رضي الله عنه ليكتب.
فنزلت.
فرمى بالصحيفة، واعتذر عمر من مقالته.
قال سلمان وخباب: فينا نزلت فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد معنا ويدنو منا حتى تمس ركبتنا ركبته.
وكان يقوم عنا إذا أراد القيام فنزلت: ﴿ واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم ﴾ فترك القيام عنا إلى أن نقوم عنه وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمّتي.
معكم المحيا ومعكم الممات و ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَيْء ﴾ كقوله: ﴿ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ على رَبّى ﴾ [الشعراء: 113] وذلك أنهم طعنوا في دينهم وإخلاصهم، فقال: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَيْء ﴾ بعد شهادته لهم بالإخلاص وبإرادة وجه الله في أعمالهم على معنى: وإن كان الأمر على ما يقولون عند الله، فما يلزمك إلا اعتبار الظاهر والاتسام بسيمة المتقين وإن كان لهم باطن غير مرضي فحسابهم عليهم لازم لهم لا يتعدّاهم إليك، كما أن حسابك عليك لا يتعدّاك إليهم، كقوله: ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى ﴾ [الزمر: 7] .
فإن قلت: أما كفى قوله: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَيْء ﴾ حتى ضم إليه ﴿ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مّن شَيْء ﴾ ؟
قلت: قد جعلت الجملتان بمنزلة جملة واحدة، وقصد بهما مؤدى واحد وهو المعنيّ في قوله: ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى ﴾ [الزمر: 7] ولا يستقل بهذا المعنى إلا الجملتان جميعاً، كأنه قيل: لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه.
وقيل: الضمير للمشركين.
والمعنى: لا يؤاخذون بحسابك ولا أنت بحسابهم، حتى يهمك إيمانهم ويحرّك الحرص عليه إلى أن تطرد المؤمنين ﴿ فَتَطْرُدَهُمْ ﴾ جواب النفي ﴿ فَتَكُونَ مِنَ الظالمين ﴾ جواب النهي.
ويجوز أن يكون عطفاً على ﴿ فَتَطْرُدَهُمْ ﴾ على وجه التسبيب، لأن كونه ظالماً مسبب عن طردهم.
وقرئ: ﴿ بالغدوة والعشي ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ ﴾ بَعْدَ ما أمَرَهُ بِإنْذارِ غَيْرِ المُتَّقِينَ لِيَتَّقُوا أمْرَهُ بِإكْرامِ المُتَّقِينَ وتَقْرِيبِهِمْ وأنْ لا يَطْرُدَهم تَرْضِيَةً لِقُرَيْشٍ.
رُوِيَ أنَّهم قالُوا: لَوْ طَرَدْتَ هَؤُلاءِ الأعْبُدَ يَعْنُونَ فُقَراءَ المُسْلِمِينَ كَعَمّارٍ وصُهَيْبٍ وخَبّابٍ وسَلْمانَ.
جَلَسْنا إلَيْكَ وحادَثْناكَ فَقالَ: «ما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ»، قالُوا: فَأقِمْهم عَنّا إذا جِئْناكَ قالَ «نَعَمْ» .
وَرُوِيَ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ لَهُ: لَوْ فَعَلْتَ حَتّى نَنْظُرَ إلى ماذا يَصِيرُونَ فَدَعا بِالصَّحِيفَةِ وبِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِيَكْتُبَ فَنَزَلَتْ.
والمُرادُ بِذِكْرِ الغَداةِ والعَشِيِّ الدَّوامُ، وقِيلَ صَلاتا الصُّبْحِ والعَصْرِ.
وَقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالغَدْوَةِ هُنا وفي الكَهْفِ.
﴿ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ﴾ حالٌ مِن يَدْعُونَ، أيْ يَدْعُونَ رَبَّهم مُخْلِصِينَ فِيهِ قَيْدَ الدُّعاءِ بِالإخْلاصِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مَلاكُ الأمْرِ.
ورَتَّبَ النَّهْيَ عَلَيْهِ إشْعارًا بِأنَّهُ يَقْتَضِي إكْرامَهم ويُنافِي إبْعادَهم.
﴿ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ ﴾ أيْ لَيْسَ عَلَيْكَ حِسابُ إيمانِهِمْ فَلَعَلَّ إيمانَهم عِنْدَ اللَّهِ أعْظَمُ مِن إيمانِ مَن تَطْرُدُهم بِسُؤالِهِمْ طَمَعًا في إيمانِهِمْ لَوْ آمَنُوا، أوْ لَيْسَ عَلَيْكَ اعْتِبارُ بَواطِنِهِمْ وإخْلاصِهِمْ لِما اتَّسَمُوا بِسِيرَةِ المُتَّقِينَ وإنْ كانَ لَهم باطِنٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ كَما ذَكَرَهُ المُشْرِكُونَ وطَعَنُوا في دِينِهِمْ فَحِسابُهم عَلَيْهِمْ لا يَتَعَدّاهم إلَيْكَ، كَما أنَّ حِسابَكَ عَلَيْكَ لا يَتَعَدّاكَ إلَيْهِمْ.
وقِيلَ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِ رِزْقِهِمْ أيْ مِن فَقْرِهِمْ.
وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْمُشْرِكِينَ والمَعْنى: لا تُؤاخَذُ بِحِسابِهِمْ ولا هم بِحِسابِكَ حَتّى يَهُمَّكَ إيمانُهم بِحَيْثُ تَطْرُدُ المُؤْمِنِينَ طَمَعًا فِيهِ.
﴿ فَتَطْرُدَهُمْ ﴾ فَتُبْعِدَهم وهو جَوابُ النَّفْيِ ﴿ فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ ﴾ جَوابُ النَّهْيِ ويَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى فَتَطْرُدَهم عَلى وجْهِ التَّسَبُّبِ وفِيهِ نَظَرٌ.
<div class="verse-tafsir"
وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)
ولما أمر النبي عليه السلام بإنذار غير المتقين ليتقوا أمر بعد ذلك بتقريب المتقين ونهى عن طردهم بقوله {وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشي} وأثنى عليهم بأنهم يواصلون دعاء ربهم أي عبادته ويواظبون عليها والمراد بذكر الغداة والعشي الدوام أو معناه يصلون صلاة الصبح والعصر أو الصلوات الخمس بالغُدوة شامي ووسمهم بالإخلاص في عبادتهم بقوله {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} فالوجه يعبر به عن ذات الشئ وحقيقته نزلت في الفقراء بلال وصهيب وعمار وأضرابهم حين قال رؤساء المشركين لو طردت هؤلاء السقاط لجلسناك فقال عليه السلام ما أنا بطارد المؤمنين فقالوا اجعل لنا يوماً ولهم يوماً وطلبوا بذلك كتابا فدعا عليا رضى الله عنه ليكتب فقام الفقراء وجلسوا ناحية فنزلت فرمى عليه الصلاة والسلام بالصحيفة وأتى الفقراء فعانقهم {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ}
كقوله {إن حسابهم إلا على ربي} {وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مّن شَيْءٍ} وذلك أنهم طعنوا فى دينهم واخلاصهم فقال حسباهم عليهم لازم لهم لا يتعداهم إليك كما أن
حسابك عليك لا يتعداك إليهم {فَتَطْرُدَهُمْ} جواب النفي وهو مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم {فَتَكُونَ مِنَ الظالمين} جواب النهي وهو وَلاَ تَطْرُدِ ويجوز أن يكون عطفاً على فَتَطْرُدَهُمْ على وجه التسبيب لأن كونه ظالماً مسبب عن طردهم
﴿ ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ ﴾ لِما أمَرَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِإنْذارِ المَذْكُورِينَ لَعَلَّهم يَنْتَظِمُونَ في سَلْكِ المُتَّقِينَ نُهِيَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ كَوْنِ ذَلِكَ بِحَيْثُ يُؤَدِّي إلى طَرْدِهِمْ، ويُفْهَمُ مِن بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ الآيَتَيْنِ نَزَلَتا مَعًا ولا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنَ البَعْضِ الآخَرِ فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «مَرَّ المَلَأُ مِن قُرَيْشٍ عَلى النَّبِيِّ وعِنْدَهُ صُهَيْبٌ وعَمّارٌ وبِلالٌ وخَبّابٌ ونَحْوُهم مِن ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ رَضِيَتْ بِهَؤُلاءِ مِن قَوْمِكَ أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا أنَحْنُ نَكُونُ تَبَعًا لِهَؤُلاءِ اطْرُدْهم عَنْكَ فَلَعَلَّكَ إنْ طَرَدْتَهم أنْ نَتَّبِعَكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمُ القُرْءانَ ﴿ وأنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ واللَّهُ أعْلَمُ بِالظّالِمِينَ ﴾ » وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وغَيْرُهم عَنْ خَبّابٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «جاءَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ التَّمِيمِيُّ وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الفَزارِيُّ فَوَجَدا النَّبِيَّ مَعَ بِلالٍ وصُهَيْبٍ وعَمّارٍ وخَبّابٍ في أُناسٍ ضُعَفاءَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَلَمّا رَأوْهم حَوْلَهُ حَقَّرُوهم فَأتَوْهُ فَخَلَوْا بِهِ، فَقالُوا: نُحِبُّ أنْ تَجْعَلَ لَنا مِنكَ مَجْلِسًا تَعْرِفُ لَنا العَرَبُ لَهُ فَضْلَنا فَإنَّ وُفُودَ العَرَبِ تَأْتِيكَ فَنَسْتَحِي أنْ تَرانا قُعُودًا مَعَ هَؤُلاءِ الأعْبُدِ فَإذا نَحْنُ جِئْناكَ فَأقِمْهم عَنّا فَإذا نَحْنُ فَرَغْنا فاقْعُدْ مَعَهم إنْ شِئْتَ قالَ: نَعَمْ، قالُوا: فاكْتُبْ لَنا عَلَيْكَ بِذَلِكَ كِتابًا فَدَعا بِالصَّحِيفَةِ ودَعا عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ لِيَكْتُبَ ونَحْنُ قُعُودٌ في ناحِيَةٍ إذْ نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿ ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ ﴾ إلَخْ، ثُمَّ دَعانا فَأتَيْناهُ وهو يَقُولُ: ﴿ سَلامٌ عَلَيْكم كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ فَكُنّا نَقْعُدُ مَعَهُ فَإذا أرادَ أنْ يَقُومَ قامَ وتَرَكَنا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ﴾ إلَخْ فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ يَقْعُدُ مَعَنا بَعْدُ فَإذا بَلَغَ السّاعَةَ الَّتِي يَقُومُ فِيها يَقُومُ فِيها قُمْنا وتَرَكْناهُ حَتّى يَقُومَ،» وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «مَشى عُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ وقَرَظَةُ بْنُ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ نَوْفَلٍ والحارِثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ ومُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ في أشْرافِ الكُفّارِ مِن عَبْدِ مَنافٍ إلى أبِي طالِبٍ فَقالُوا: لَوْ أنَّ ابْنَ أخِيكَ طَرَدَ عَنّا هَؤُلاءِ الأعْبُدَ والحُلَفاءَ كانَ أعْظَمَ لَهُ في صُدُورِنا وأطْوَعَ لَهُ عِنْدَنا وأدْنى لِاتِّباعِنا إيّاهُ وتَصْدِيقِهِ فَذَكَرَ ذَلِكَ أبُو طالِبٍ لِلنَّبِيِّ فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لَوْ فَعَلْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ حَتّى نَنْظُرَ ما يُرِيدُونَ بِقَوْلِهِمْ: وما يَصِيرُونَ إلَيْهِ مِن أمْرِهِمْ فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وأنْذِرْ بِهِ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ ﴾ » وكانُوا بِلالًا وعَمّارَ بْنَ ياسِرٍ وسالِمًا مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ وصُبَيْحًا مَوْلى أُسَيْدٍ والحُلَفاءَ ابْنَ مَسْعُودٍ والمِقْدادَ بْنَ عَمْرٍو وواقِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الحَنْظَلِيَّ وعَمْرَو بْنَ عَبْدِ عَمْرٍو ومَرْثَدَ بْنَ أبِي مَرْثَدٍ وأشْباهَهم ونَزَلَ في أئِمَّةِ الكُفْرِ مِن قُرَيْشٍ والمَوالِي والحُلَفاءِ <div class="verse-tafsir"
قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ يعني: مفاتيح الرزق وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ يعني: متى ينزل العذاب بكم.
هذا جواب لقولهم: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ [الأنعام: 8] لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ [الأنعام: 37] وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ من السماء، إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ يعني: ما أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحى إِلَيَّ من القرآن قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ يعني: الكافر والمؤمن أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ في أمثال القرآن ومواعظه.
قوله تعالى: وَأَنْذِرْ بِهِ يعني: خوّف بالقرآن الَّذِينَ يَخافُونَ يعني: يعلمون أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ في الآخرة.
وإنما خصّ بالإنذار الذين يعلمون وإن كان منذراً لجميع الخلق، لأن الحجة عليهم وجبت لاعترافهم بالمعاندة وهم أهل الكتاب كانوا يقرون بالبعث.
ويقال: هم المسلمون يعلمون أنهم يبعثون يوم القيامة ويؤمنون به.
لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ يعني: يعلمون أنه ليس لَهُمْ مّن دُونِ الله.
يعني: من عذاب الله وَلِيٌّ في الدنيا وَلا شَفِيعٌ في الآخرة لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ يعني: أنذرهم لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ المعاصي.
ويقال: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ لكي يتقوا ويثبتوا على الإسلام.
فإنهم إن لم يثبتوا لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ قوله تعالى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ روي عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: نزلت هذه الآية في ستة من أصحاب النبي منهم عبد الله بن مسعود.
قالت قريش: تدني هؤلاء السفلة هم الذين يلونك أي: يصرونك.
فوقع في قلبه أن يطردهم فنزل: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ وروى أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس قال: كان رجال يستبقون إلى مجلس النبيّ فيهم بلال وصهيب، فيجيء أشراف من قومه وسادتهم فيجلسون ناحية فقالوا له: إنّا سادات قومك وأشرافهم فلو أدنيتنا؟
فهم أن يفعل فنزل وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ الآية.
ويقال: إن أبا جهل وأصحابه اختالوا ليطرد النبيّ أصحابه عن نفسه.
فقالوا: إن محمداً يتبعه الموالي والأراذل فلو طردهم لاتّبعناه.
فاستعانوا بعمر- - فأخبر عمر بذلك رسول الله بأن يفعل ذلك.
فنزل: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ يعني: يعبدون ربهم بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يعني: يصلون لله تعالى في أول النهار وآخره يُرِيدُونَ وَجْهَهُ يعني: يريدون بصلواتهم وجه الله تعالى مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ يعني: ما عليك من عملهم من شىء وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ يعني: الإثم ويقال: معناه: فما عليك إن لم يسلموا، فليس عليك من أوزارهم شيء.
ويقال: يعني به: الضعفة من المسلمين، فلا تطردهم لأنه ليس عليك من حسابهم من شيء أي: فليس عليك من أرزاقهم شيء لكن أرزاقهم على الله.
ثم قال: فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ يعني: لو طردتهم من مجلسك فتكون من الضارين بنفسك.
قرأ ابن عامر: بالغدوة وقرأ الباقون: بِالْغَداةِ وهما لغتان.
ثم قال: <div class="verse-tafsir"
قال الحَسَنُ بْنُ أبي الحَسَنِ: بَغْتَةً لَيْلاً، وجَهْرَةً»
: نهارا.
وقال مجاهد: بَغْتَةً فجاءة آمنين.
وجَهْرَةً: وهم ينظرون «٢» .
قال أبو حَيَّان «٣» : هَلْ يُهْلَكُ؟
«هل» حَرْفُ استفهام، معناه هنا النَّفْيُ، أي: ما يهلك ولذلك دخَلَتْ «إلاَّ» على ما بعدها.
انتهى.
وقوله سبحانه: وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ، أي: إلاَّ ليبشِّروا بإنعامنا وَرَحْمَتِنَا مَنْ آمن، ومُنْذِرِينَ بعذابنا وعِقَابنا مَنْ كَذَّب وكَفَر، قال أبو حَيَّان: مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ:
حالٌ فيها معنَى العِلِّيَّة، أي: أرسلناهم للتبشير والإنذار.
انتهى.
ثم وَعَدَ سبحانَهُ مَنْ سلَكَ طريقَ البِشَارة، فآمَنَ وأصْلَح في امتثال الطاعةِ، وأوعد الآخرين.
قُلْ لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠) وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١) وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)
وقوله تعالى: قُلْ لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ...
الآية: هذا مِنَ الرَّدِّ على القائلين: لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ [الأنعام: ٣٧] والطَّالِبِينَ أنْ ينزَّل ملَكٌ، أو تكونَ له جَنَّةٌ أو كَنْزٌ، ونَحْوُ هَذَا، والمعنى: إنما أنا بشر، وإنما أَتَّبِعُ ما يوحى إليَّ، وهو القرآنُ وسَائِرُ ما يأتيه مِنَ اللَّه سبحانه، أي: وفي ذلك عِبَرٌ وآياتٌ لمن تأمَّل.
وقوله سبحانه: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ، أي: هل يستوي المؤمِنُ المُفَكِّرُ في الآياتِ، معِ الكافِرِ المُعْرِضِ عَنِ النَّظَر أفلا تتفكَّرون، وجاء الأمر بالفِكْرة في عبارة العرض والتّحضيض/.
وقوله تعالى: وَأَنْذِرْ بِهِ، أي: وأنذر بالقرآن الذين هُمْ مَظِنَّةُ الإيمان، وأهْلٌ للاِنتفاعِ، والضميرُ في بِهِ عائدٌ على ما يوحى.
وقوله سبحانه: لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ: إخبارٌ من اللَّه سبحانه عَنْ صفة الحالِ يَوْمَ الحَشْرِ، قال الفَخْر «١» : قوله: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ: قال ابن عَبَّاس: معناه:
وأنذرهم لكَيْ يخافوا في الدنيا، وينتهوا عن الكُفْر والمعاصِي.
انتهى.
وقوله سبحانه: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ: المرادُ ب الَّذِينَ ضَعَفَةَ المُؤْمنين في ذلك الوَقْت في أمور الدُّنْيا كَبَلاَلٍ.
وصُهَيْبٍ، وعَمَّارٍ، وَخَبَّابٍ «٢» ، وصُبَيْحٍ، وذي الشِّمَالَيْنِ والمِقْدَادِ، ونحوِهِمْ، وسببُ الآية أنَّ بعض أشراف الكفّار قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: نَحْنُ لِشَرَفِنَا وأقْدَارِنَا لاَ يُمْكِنُنَا أنْ نختلطَ بهؤلاءِ، فلو طَرَدْتَّهم، لأتَّبَعْنَاكَ، وَرَدَ في ذلك حديثٌ عن ابْنِ مسعود، وظاهر الأمر أنهم أرادوا بذلك الخديعة، فنزلت الآية، ويَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ: قال الحَسَنُ بنُ أبي الحَسَن «٣» : المراد به صلاةُ مكَّة الَّتي كانَتْ مرَّتين في اليومِ بُكْرةً وعَشِيًّا، وقيل: قوله: بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ: عبارةٌ عن استمرار الفعْلِ، وأنَّ الزمان معمورٌ به، والمرادُ على هذا التأويل، قيل: الصلواتُ الخَمْس قاله ابنُ عَبَّاس وغيره «٤» ، وقيل: الدُّعاء، وذِكْرُ اللَّه، واللفظةُ على وجهها، وقيل: القُرآنُ وتعلُّمه قاله أبو جعفر «٥» ، وقيل: العبادة قاله الضّحّاك «٦» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ﴾ «رَوى سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ في سِتَّةِ: فِيَّ، وفي ابْنِ مَسْعُودٍ، وصُهَيْبٍ، وعَمّارٍ، والمِقْدادِ، وبِلالٍ، قالَتْ قُرَيْشٌ لِرَسُولِ اللَّهِ : إنّا لا نَرْضى أنْ نَكُونَ أتْباعًا لَهَؤُلاءِ، فاطْرُدْهم عَنْكَ.
فَدَخَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ مِن ذَلِكَ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَدْخُلَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ» «وَقالَ خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ: نَزَلَتْ فِينا، كُنّا ضُعَفاءَ عِنْدَ النَّبِيِّ ، يُعَلِّمُنا بِالغَداةِ والعَشِيِّ ما يَنْفَعُنا، فَجاءَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ، وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، فَقالا: إنّا مِن أشْرافِ قَوْمِنا، وإنّا نَكْرَهُ أنْ يَرَوْنا مَعَهم، فاطْرُدْهم إذا جالَسْناكَ.
قالَ: "نَعَمْ" .
فَقالُوا: لا نَرْضى حَتّى تَكْتُبَ بَيْنَنا كِتابًا، فَأتى بِأدِيمٍ ودَواةٍ، ودَعا عَلِيًّا لَيَكْتُبَ، فَلَمّا أرادَ ذَلِكَ، ونَحْنُ قُعُودٌ في ناحِيَةٍ، إذْ نَزَلَ جِبْرِيلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ ﴾ ، فَرَمى بِالصَّحِيفَةِ ودَعانا، فَأتَيْناهُ وهو يَقُولُ: ﴿ سَلامٌ عَلَيْكم كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ .
فَدَنَوْنا مِنهُ يَوْمَئِذٍ حَتّى وضَعْنا رُكَبَنا عَلى رُكْبَتِهِ.» «وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَرَّ المَلَأُ مِن قُرَيْشٍ عَلى رَسُولِ اللَّهِ وعِنْدَهُ خَبّابُ، وصُهَيْبٌ، وبِلالُ، وعَمّارُ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، رَضِيتَ بِهَؤُلاءِ، أتُرِيدُ أنْ نَكُونَ تَبَعًا لَهُمْ؟
فَنَزَلَتْ: ﴿ وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ﴾ » .
وقالَ عِكْرِمَةُ: «جاءَ عُتْبَةُ، وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ، ومُطْعَمُ بْنُ عَدِيٍّ، والحارِثُ بْنُ نَوْفَلٍ، في أشْرافِ بَنِي عَبْدِ مُنافٍ، إلى أبِي طالِبٍ فَقالُوا: لَوْ أنَّ ابْنَ أخِيكَ يَطْرُدُ عَنْهُ مَوالِينا وعَبِيدَنا كانَ أعْظَمَ في صُدُورِنا، وأدْنى لاتِّباعِنا إيّاهُ، فَأتاهُ أبُو طالِبٍ فَحَدَّثَهُ بِذَلِكَ، فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ حَتّى نَنْظُرَ ما الَّذِي يُرِيدُونَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَياتُ، فَأقْبَلَ عُمَرُ يَعْتَذِرُ مِن مَقالَتِهِ.» ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ هَذِهِ الآَياتِ نَزَلَتْ في المَوالِي، مِنهم بِلالٌ، وصُهَيْبٌ، وخَبّابٌ، وعَمّارٌ، ومِهْجَعٌ، وسَلْمانُ، وعامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، وسالِمٌ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ؛ وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَأنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ ﴾ نَزَلَتْ فِيهِمْ أيْضًا.
وقَدْ رَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ ناسًا مِنَ الأشْرافِ قالُوا لَلنَّبِيِّ : نُؤْمِنُ لَكَ، وإذا صَلَّيْنا فَأخِّرْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ مَعَكَ، فَلْيُصَلُّوا خَلْفَنا.» فَعَلى هَذا، إنَّما سَألُوهُ تَأْخِيرَهم عَنَ الصَّفِّ، وعَلى الأقْوالِ الَّتِي قَبْلَهُ، سَألُوهُ طَرْدَهم عَنْ مَجْلِسِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ﴾ في هَذا الدُّعاءِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الصَّلاةُ، المَكْتُوبَةُ قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هي الصَّلَواتُ الخَمْسُ؛ وفي رِوايَةٍ عَنْ مُجاهِدٍ، وقَتادَةُ قالا: يَعْنِي صَلاةَ الصُّبْحِ والعَصْرِ.
وزَعَمَ مُقاتِلٌ أنَّ الصَّلاةَ يَوْمَئِذٍ كانَتْ رَكْعَتَيْنِ بِالغَداةِ، ورَكْعَتَيْنِ بِالعَشِيِّ؛ ثُمَّ فُرِضَتِ الصَّلَواتُ الخَمْسُ بَعْدَ ذَلِكَ.
والثّانِي: أنَّهُ ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، وعَنْهُ كالقَوْلِ الأوَّلِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ عِبادَةُ اللَّهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والرّابِعُ: أنَّهُ تَعَلُّمُ القُرْآَنِ غَدْوَةً وعَشِيَّةً، قالَهُ أبُو جَعْفَرَ.
والخامِسُ: أنَّهُ دُعاءُ اللَّهِ بِالتَّوْحِيدِ، والإخْلاصِ لَهُ، وعِبادَتِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "بِالغَداةِ" وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ هاهُنا وفي [الكَهْفِ] أيْضًا: "بِالغَدْوَةِ" بِضَمِّ الغَيْنِ وإسْكانِ الدّالِ وبَعْدَها واوٌ.
قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ لا تُدْخِلُ الألِفَ واللّامَ عَلى "الغَدْوَةِ" لِأنَّها مَعْرِفَةٌ بِغَيْرِ ألِفٍ ولامٍ، ولا تُضِيفُها العَرَبُ، يَقُولُونَ: أتَيْتُكَ غَداةَ الخَمِيسِ، ولا يَقُولُونَ: غَدْوَةَ الخَمِيسِ، فَهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّها مَعْرِفَةٌ.
وَقالَ أبُو عَلِيٍّ: الوَجْهُ: الغَداةُ، لِأنَّها تُسْتَعْمَلُ نَكِرَةً، وتَتَعَرَّفُ بِاللّامِ؛ وأمّا غَدْوَةً، فَمَعْرِفَةٌ.
وَقالَ الخَلِيلُ: يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: أتَيْتُكَ اليَوْمَ غَدْوَةً وبَكْرَةً، فَجَعَلَها بِمَنزِلَةِ ضَحْوَةً، فَهَذا وجْهُ قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ.
فَإنْ قِيلَ: دُعاءُ القَوْمِ كانَ مُتَّصِلًا بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، فَلِماذا خَصَّ الغَداةَ والعَشِيَّ؟
فالجَوابُ: أنَّهُ نَبَّهَ بِالغَداةِ عَلى جَمِيعِ النَّهارِ، وبِالعَشِيِّ عَلى اللَّيْلِ، لِأنَّهُ إذا كانَ عَمَلُ النَّهارِ خالِصًا لَهُ، كانَ عَمَلُ اللَّيْلِ أصْفى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ يُرِيدُونَ اللَّهَ، فَيَشْهَدُ اللَّهُ لَهم بِصِحَّةِ النِّيّاتِ، وأنَّهم مُخْلِصُونَ في ذَلِكَ.
وَأمّا الحِسابُ المَذْكُورُ في الآَيَةِ، فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ حِسابُ الأعْمالِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: حِسابُ الأرْزاقِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ بِمَعْنى الكِفايَةِ؛ والمَعْنى: ما عَلَيْكَ مِن كِفايَتِهِمْ، ولا عَلَيْهِمْ كِفايَتُكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: عَظُمَ هَذا الأمْرُ عَلى النَّبِيِّ ، وخَوَّفَ بِالدُّخُولِ في جُمْلَةِ الظّالِمِينَ، لِأنَّهُ كانَ قَدْ هَمَّ بِتَقْدِيمِ الرُّؤَساءِ عَلى الضُّعَفاءِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهم فَتَكُونَ مِن الظالِمِينَ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مَنَّ بَيْنِنا ألَيْسَ اللهُ بِأعْلَمَ بِالشاكِرِينَ ﴾ اَلْمُرادُ بَـ "اَلَّذِينَ"؛ ضَعَفَةُ المُؤْمِنِينَ؛ في ذَلِكَ الوَقْتِ؛ في أُمُورِ الدُنْيا: بِلالٌ ؛ وعَمّارٌ ؛ وابْنُ أُمِّ عَبْدٍ؛ ومَرْثَدٌ الغَنَوِيُّ؛ وخَبّابٌ ؛ وصُهَيْبٌ ؛ وصُبَيْحٌ؛ وذُو الشِمالَيْنِ؛ والمِقْدادُ ؛ ونَحْوُهم.
وسَبَبُ الآيَةِ أنَّ الكُفّارَ قالَ بَعْضُهم لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "نَحْنُ لِشَرَفِنا؛ وأقْدارِنا؛ لا يُمْكِنُنا أنْ نَخْتَلِطَ بِهَؤُلاءِ؛ فَلَوْ طَرَدْتَهم لاتَّبَعْناكَ؛ وجالَسْناكَ"؛ ورَدَ في ذَلِكَ حَدِيثٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ وقِيلَ: إنَّما قالَ هَذِهِ المَقالَةَ أبُو طالِبٍ؛ عَلى جِهَةِ النُصْحِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ قالَ لَهُ: "لَوْ أزَلْتَ هَؤُلاءِ لاتَّبَعَكَ أشْرافُ قَوْمِكَ"؛ ورُوِيَ أنَّ مَلَأ قُرَيْشٍ اجْتَمَعُوا إلى أبِي طالِبٍ في ذَلِكَ؛ وظاهِرُ الأمْرِ أنَّهم أرادُوا بِذَلِكَ الخَدِيعَةَ؛ فَصَوَّبَ هَذا الرَأْيَ مِن أبِي طالِبٍ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - وغَيْرُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: إنَّ بَعْضَ الكُفّارِ إنَّما طَلَبَ أنْ يُؤَخَّرَ هَؤُلاءِ عَنِ الصَفِّ الأوَّلِ في الصَلاةِ؛ ويَكُونُوا هم مَوْضِعَهُمْ؛ ويُؤْمِنُوا إذا طَرَدَ هَؤُلاءِ مِنَ الصَفِّ الأوَّلِ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ؛ أسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى خَبّابِ بْنِ الأرَتِّ «أنَّ الأقْرَعَ بْنَ حابِسٍ؛ ومَن شابَهَهُ مِن أشْرافِ العَرَبِ؛ قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "اِجْعَلْ لَنا مِنكَ مَجْلِسًا لا يُخالِطُنا فِيهِ العُبُدُ؛ والحُلَفاءُ؛ واكْتُبْ لَنا كِتابًا"؛ فَهَمَّ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِذَلِكَ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ في نُزُولِ الآيَةِ؛ لِأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ؛ وهَؤُلاءِ الأشْرافُ لَمْ يَفِدُوا إلّا في المَدِينَةِ؛ وقَدْ يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ هَذا القَوْلُ مِنهُمْ؛ ولَكِنَّهُ إنْ كانَ وقَعَ فَبَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ بِمُدَّةٍ؛ اللهُمَّ إلّا أنْ تَكُونَ الآيَةُ مَدَنِيَّةً؛ قالَ خَبّابٌ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿ وَإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ فَكُنّا نَأْتِي فَيَقُولُ لَنا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "سَلامٌ عَلَيْكُمْ"؛ ونَقْعُدُ مَعَهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَإذا أرادَ أنْ يَقُومَ قامَ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وتَرَكَنا؛ فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى ﴿ واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ فَكانَ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَقْعُدُ مَعَنا؛ فَإذا بَلَغَ الوَقْتُ الَّذِي يَقُومُ فِيهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قُمْنا وتَرَكْناهُ حَتّى يَقُومَ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
و ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ ﴾ ؛ قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: اَلْمُرادُ بِهِ صَلاةُ مَكَّةَ؛ الَّتِي كانَتْ مَرَّتَيْنِ في اليَوْمِ؛ بُكْرَةً؛ وعَشِيًّا؛ وقِيلَ: بَلْ قَوْلُهُ: ﴿ بِالغَداةِ والعَشِيِّ ﴾ ؛ عِبارَةٌ عَنِ اسْتِمْرارِ الفِعْلِ؛ وأنَّ الزَمَنَ مَعْمُورٌ بِهِ؛ كَما تَقُولُ: "اَلْحَمْدُ لِلَّهِ بُكْرَةً وأصِيلًا"؛ فَإنَّما تُرِيدُ: "اَلْحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى في كُلِّ وقْتٍ"؛ والمُرادُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - قِيلَ: هو الصَلَواتُ الخَمْسُ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وإبْراهِيمُ؛ وقِيلَ: اَلدُّعاءُ؛ وذِكْرُ اللهِ تَعالى ؛ واللَفْظَةُ عَلى وجْهِها؛ وقالَ بَعْضُ القُصّاصِ: إنَّهُ الِاجْتِماعُ إلَيْهِمْ غُدْوَةً وعَشِيًّا؛ فَأنْكَرَ ذَلِكَ ابْنُ المُسَيِّبِ ؛ وعَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ أبِي عَمْرَةَ؛ وغَيْرُهُما؛ وقالُوا: إنَّما الآيَةُ في الصَلَواتِ في الجَماعَةِ؛ وقِيلَ: قِراءَةُ القُرْآنِ؛ وتَعَلُّمُهُ؛ قالَ أبُو جَعْفَرٍ: ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ ؛ وقِيلَ: اَلْعِبادَةُ؛ قالَهُ الضَحّاكُ.
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ ؛ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ ؛ والحَسَنُ ؛ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ ؛ وابْنُ عامِرٍ: "بِالغُدْوَةِ والعَشِيِّ"؛ ورُوِيَ عن أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ: "بِالغُدُوِّ"؛ بِغَيْرِ تاءٍ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "بِالغُدُواتِ والعَشِيّاتِ"؛ بِألِفٍ فِيهِما؛ عَلى الجَمْعِ؛ و"غُدْوَةٌ": مَعْرِفَةٌ؛ لِأنَّها جُعِلَتْ عَلَمًا لِوَقْتٍ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ بِعَيْنِهِ؛ وجازَ إدْخالُ الألِفِ واللامِ عَلَيْها؛ كَما حَكى أبُو زَيْدٍ: "لَقِيتُهُ فَيْنَةَ"؛ غَيْرَ مَصْرُوفٍ؛ و"اَلْفَيْنَةَ بَعْدَ الفَيْنَةِ"؛ فَألْحَقُوا لامَ المَعْرِفَةِ ما اسْتُعْمِلَ مَعْرِفَةً؛ وحَمْلًا عَلى ما حَكاهُ الخَلِيلُ أنَّهُ يُقالُ: "لَقِيتُهُ اليَوْمَ غَدْوَةً"؛ مُنَوَّنًا؛ ولِأنَّ فِيها مَعَ تَعْيِينِ اليَوْمِ إمْكانُ تَقْدِيرِ مَعْنى الشَياعِ؛ ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ.
و"وَجْهَهُ"؛ في هَذا المَوْضِعِ؛ مَعْناهُ: جِهَةَ التَزَلُّفِ إلَيْهِ؛ كَما تَقُولُ: "خَرَجَ فُلانٌ في وجْهِ كَذا"؛ أيْ: "فِي مَقْصِدٍ؛ وجِهَةٍ".
و ﴿ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ ﴾ ؛ مَعْناهُ: لَمْ تُكَلَّفْ شَيْئًا غَيْرَ دُعائِهِمْ؛ فَتُقَدِّمَ أنْتَ وتُؤَخِّرَ؛ ويَظْهَرُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "حِسابِهِمْ"؛ و"عَلَيْهِمْ"؛ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ أرادُوا طَرْدَ المُؤْمِنِينَ؛ أيْ: "ما عَلَيْكَ مِنهُمْ؛ آمَنُوا أو كَفَرُوا؛ فَتَطْرُدَ هَؤُلاءِ رَعْيًا لِذَلِكَ"؛ والضَمِيرُ في "فَتَطْرُدَهُمْ"؛ عائِدٌ عَلى الضَعَفَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ أنَّ ما بَعْدَ الفاءِ - أبَدًا - سَبَبُ ما قَبْلَها؛ وذَلِكَ لا يَبِينُ إذا كانَتِ الضَمائِرُ كُلُّها لِلْمُؤْمِنِينَ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ الحِسابَ؛ هُنا؛ إنَّما هو في رِزْقِ الدُنْيا؛ أيْ: "لا تَرْزُقُهُمْ؛ ولا يَرْزُقُونَكَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَعَلى هَذا تَجِيءُ الضَمائِرُ كُلُّها لِلْمُؤْمِنِينَ؛ وذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ؛ وذَكَرَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ مِن حِسابِ عَمَلِهِمْ؛ كَما قالَ الجُمْهُورُ؛ و"مِن"؛ اَلْأُولى لِلتَّبْعِيضِ؛ والثانِيَةُ زائِدَةٌ؛ مُؤَكِّدَةٌ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "فَتَطْرُدَهُمْ"؛ ﴾ جَوابُ النَفْيِ في قَوْلِهِ: ﴿ "ما عَلَيْكَ"؛ ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ "فَتَكُونَ"؛ ﴾ جَوابُ النَهْيِ في قَوْلِهِ: ﴿ "وَلا تَطْرُدِ"؛ ﴾ و ﴿ "مِنَ الظالِمِينَ"؛ ﴾ مَعْناهُ: "اَلَّذِينَ يَضَعُونَ الشَيْءَ غَيْرَ مَواضِعِهِ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: "فَتَنّا"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ مَعْناهُ: اِبْتَلَيْنا؛ فابْتِلاءُ المُؤْمِنِينَ بِالمُشْرِكِينَ هو ما يَلْقَوْنَ مِنهم مِنَ الأذى؛ وابْتِلاءُ المُشْرِكِينَ بِالمُؤْمِنِينَ هو أنْ يَرى الرَجُلُ الشَرِيفُ مِنَ المُشْرِكِينَ قَوْمًا لا شَرَفَ لَهم قَدْ عَظَّمَهم هَذا الدِينُ؛ وجَعَلَ لَهم عِنْدَ نَبِيِّهِ قَدْرًا ومَنزِلَةً؛ والإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ"؛ إلى ما ذُكِرَ مِن طَلَبِهِمْ أنْ يَطْرُدَ الضَعَفَةَ؛ و"لِيَقُولُوا"؛ مَعْناهُ: "لِيَصِيرَ بِحُكْمِ القَدَرِ أمْرُهم إلى أنْ يَقُولُوا..."؛ فَهي لامُ الصَيْرُورَةِ؛ كَما قالَ تَعالى ﴿ فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا ﴾ ؛ أيْ: لِيَصِيرَ مِثالُهُ أنْ يَكُونَ لَهم عَدُوًّا؛ وقَوْلُ المُشْرِكِينَ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ -: ﴿ أهَؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مَنَّ بَيْنِنا ﴾ ؛ هو عَلى جِهَةِ الِاسْتِخْفافِ والهَزْءِ؛ ويَحْتَمِلُ الكَلامُ مَعْنًى آخَرَ؛ وهو أنْ تَكُونَ اللامُ في "لِيَقُولُوا"؛ عَلى بابِها في لامِ "كَيْ"؛ وتَكُونَ المَقالَةُ مِنهُمُ اسْتِفْهامًا لِأنْفُسِهِمْ؛ ومُباحَثَةً لَها؛ وتَكُونَ سَبَبَ إيمانِ مَن سَبَقَ إيمانُهُ مِنهُمْ؛ فَمَعْنى الآيَةِ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ -: "وَكَذَلِكَ ابْتَلَيْنا أشْرافَ الكُفّارِ بِضُعَفاءِ المُؤْمِنِينَ؛ لِيَتَعَجَّبُوا في نُفُوسِهِمْ مِن ذَلِكَ؛ ويَكُونَ سَبَبَ نَظَرٍ لِمَن هُدِيَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أسْبَقُ؛ والثانِي يُتَخَرَّجُ؛ و"مَنَّ"؛ عَلى كِلا التَأْوِيلَيْنِ إنَّما هي عَلى مُعْتَقَدِ المُؤْمِنِينَ؛ أيْ: "هَؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ؛ بِزَعْمِهِمْ أنَّ دِينَهم مِنَّةٌ".
وقَوْلُهُ: ﴿ ألَيْسَ اللهُ بِأعْلَمَ بِالشاكِرِينَ ﴾ ؛ أيْ: "يا أيُّها المُسْتَخِفُّونَ - أوِ المُتَعَجِّبُونَ؛ عَلى التَأْوِيلِ الآخَرِ - لَيْسَ الأمْرُ أمْرَ اسْتِخْفافٍ؛ ولا تَعَجُّبٍ؛ فاللهُ تَعالى أعْلَمُ بِمَن يَشْكُرُ نِعْمَتَهُ؛ وبِالمَواضِعِ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ يُوضَعَ فِيها؛ فَجاءَ إعْلامُهم بِذَلِكَ في لَفْظِ التَقْدِيرِ؛ إذْ ذَلِكَ بَيِّنٌ؛ لا تُمْكِنُهم فِيهِ مُعانَدَةٌ".
<div class="verse-tafsir"
عطف على قوله: ﴿ وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربّهم ﴾ [الأنعام: 51] لأنّه في معنى أنذرهم ولازمهم وإن كره ذلك متكبّرو المشركين.
فقد أجريت عليهم هنا صلة أخرى هي أنسب بهذا الحكم من الصلة التي قبلها، كما أنّ تلك أنسبُ بالحكم الذي اقترنت معه منها بهذا، فلذلك لم يُسلك طريق الإضمار، فيقال: ولا تَطْردْهُم، فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم جاء داعياً إلى الله فأولى الناس بملازمته الذين هجيّراهم دعاء الله تعالى بإخلاص فكيف يطردهم فإنّهم أولى بذلك المجلس، كما قال تعالى: ﴿ إنّ أولى الناس بإبراهيم للّذين اتَّبعوه ﴾ [آل عمران: 68].
روى مسلم عن سعد بن أبي وقَّاص قال: كنَّا مع النَّبيء ستة نفر، فقال المشركون للنبيء: أطرد هؤلاء لا يَجْتَرئُون علينا.
قال: وكنت أنا، وابن مسعود، ورجل من هُذيل، وبلال، ورجلان، لست أسمِّيهما، فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع، فحدّث نفسه فأنزل الله تعالى: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربّهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ﴾ اه.
وسمّى الواحدي بقيّة الستَّة: وهم صهيب، وعمّار بن ياسر، والمقدادُ بن الأسود، وخبّاب بن الأرتّ.
وفي قول ابن مسعود «فوقع في نفس رسول الله ما شاء الله» إجمال بيِّنه ما رواه البيهقي أنّ رؤساء قريش قالوا لرسول الله: لو طردت هؤلاء الأعْبُدَ وأرواحَ جِبَابِهم (جمع جُبّة) جَلَسْنا إليك وحادثناك.
فقال: ما أنا بطارد المؤمنين.
فقالوا: فأقمهم عنّا إذا جئنا فإذا قمنا فأقعدهم معك إن شئت، فقال: نعم، طَعماً في إيمانهم.
فأنزل الله هذه الآية.
ووقع في «سنن» ابن ماجة عن خبَّاب أنّ قائل ذلك للنبيء صلى الله عليه وسلم الأقْرعُ بن حابس وعُبَيْنَةُ بن حِصْن، وأنّ ذلك سبب نزول الآية، وقال ابن عطية: هو بعيد لأنّ الآية مكية.
وعيينة والأقرع إنَّما وفَدا مع وفد بني تميم بالمدينة سنة الوفود.
اه.
قلت: ولعلّ ذلك وقع منهما فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الآية التي نزلت في نظير اقتراحهما.
وفي سنده أسباط بن نصر أو نضر، ولم يكن بالقوي، وفيه السديّ ضعيف.
وروي مثله في بعض التفاسير عن سلمان الفارسي، ولا يعرف سنده.
وسمّى ابنُ إسحاق أنَّهم المستضعفون من المؤمنين وهم: خبَّاب، وعمَّار، وأبُو فُكيهة، يسار مَولى صفوان بن أمية بن مُحرّث، وصهيب وأشباههم، وأنّ قريشاً قالوا: ﴿ أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا ﴾ [الأنعام: 53] وذكر الواحدي في «أسباب النزول»: أنّ هذه الآية نزلت في حياة أبي طالب.
فعن عكرمة قال: جاء عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، ومُطعِم بن عدي، والحارثُ بن نوفل، في أشراف بني عبد مناف إلى أبي طالب فقالوا: لو أنّ ابن أخيك محمداً يَطرد عنه موالينا وعبيدنا وعتقاءنا كان أعظم من صدورنا وأطمع له عندنا وأرجى لاتِّبَاعِنا إيَّاه وتصديقنا له.
فأتى أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحدّثه بالذي كلَّموه، فقال عمر بن الخطاب: لو فعلت ذلك حتَّى ننظر ما الذي يريدون وإلامَ يصيرون من قولهم، فأنزل الله هذه الآية.
فلمّا نزلت أقبل عمر يعتذر.
والمعنى أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لحرصه على إيمان عظماء قريش ليكونوا قدوة لقومهم ولعلمه بأنّ أصحابه يحرصون حرصه ولا يوحشهم أن يقاموا من المجلس إذا حضره عظماء قريش لأنّهم آمنوا يريدون وجه الله لا للرياء والسمعة ولكن الله نهاه عن ذلك.
وسمَّاه طرداً تأكيداً لمعنى النهي، وذلك لحكمة: وهي كانت أرجح من الطمع في إيمان أولئك، لأنّ الله اطّلع على سرائرهم فعلم أنّهم لا يؤمنون، وأراد الله أن يظهر استغناء دينه ورسوله عن الاعتزاز بأولئك الطغاة القساة، وليظهر لهم أنّ أولئك الضعفاء خير منهم، وأنّ الحرص على قربهم من الرسول صلى الله عليه وسلم أولى من الحرص على قرب المشركين، وأنّ الدين يرغب الناس فيه وليس هو يرغب في الناس كما قال تعالى: ﴿ يمنّون عليك أنْ أسلموا قُل لا تَمنُوا عليّ إسلامكم بلْ اللّهُ يَمُنّ عَلَيْكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين ﴾ [الحجرات: 17].
ومعنى ﴿ يدعون ربّهم ﴾ يعلنون إيمانهم به دون الأصنام إعلاناً بالقول، وهو يستلزم اعتقاد القائل بما يقوله، إذ لم يكن يومئذٍ نفاق وإنَّما ظهر المنافقون بالمدينة.
والغداة: أوّل النهار.
والعشيّ من الزوال إلى الصباح.
والباء للظرفية.
والتعريف فيهما تعريف الجنس.
والمعنى أنّهم يدعون الله اليوم كلّه.
فالغداة والعشي قصد بهما استيعاب الزمان والأيام كما يقصد بالمشرق والمغرب استيعاب الأمكنة.
وكما يقال: الحمد لله بكرة وأصيلاً، وقيل: أريد بالدعاء الصلاة.
وبالغداة والعشي عموم أوقات الصلوات الخمس.
فالمعنى ولا تطرد المصلّين، أي المؤمنين.
وقرأ الجمهور ﴿ بالغَداة ﴾ بفتح الغين وبألف بعد الدال.
وقرأه ابن عامر بضمّ الغين وسكون الدال وبواو ساكنة بعد الدال وهي لغة في الغَدَاة.
وجملة ﴿ يريدون وجهه ﴾ حال من الضمير المرفوع في ﴿ يدعون ﴾ ، أي يدعون مخلصين يريدون وجه الله، أي لا يريدون حظاً دنيوياً.
والوجه حقيقة الجزء من الرأس الذي فيه العينان والأنف والفم.
ويطلق الوجه على الذات كلّها مجازاً مرسلاً.
والوجه هنا مستعار للذات على اعتبار مضاف، أي يريدون رضى الله، أي لا يريدون إرضاء غيره.
ومنه قوله تعالى: ﴿ إنّما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً ﴾ [الإنسان: 9]، وقوله: ﴿ فأينما تولّوا فثمّ وجهُ الله ﴾ ، وتقدّم في سورة [البقرة: 115].
فمعنى ﴿ يريدون وجهه ﴾ أنَّهم آمنوا ودعوا الله لا يريدون بذلك عرضاً من الدنيا.
وقد قيل: إنّ قريشاً طعنوا في إيمان الضعفاء ونسبوهم إلى النفاق، إلاّ أنّ هذا لم يرد به أثر صحيح، فالأظهر أنّ قوله ﴿ يريدون وجهه ﴾ ثناء عليهم بكمال إيمانهم، وشهادة لهم بأنَّهم مجرّدون عن الغايات الدنيوية كلّها، وليس المقصود به الرّدّ على المشركين.
وجملة ﴿ ما عليك من حسابهم من شيء ﴾ تعليل للنهي عن طردهم، أو إبطال لعلّة الهَمّ بطردهم، أو لعلَّة طلب طردهم.
فإنّ إبطال علَّة فعل المنهي عنه يؤول إلى كونه تعليلاً للنهي، ولذا فصلت هذه الجملة.
والحسابُ: عَدّ أفراد الشيء ذي الأفراد ويطلق على إعمال النظر في تمييز بعض الأحوال عن بعض إذا اشتبهت على طريقة الاستعارة بتشبيه تتبّع الأحوال بعَدّ الأفراد.
ومنه جاء معنى الحِسْبةَ بكسر الحاء، وهي النظر في تمييز أحوال أهل السوق من استقامة وضدّها.
ويقال: حاسبَ فلاناً على أعماله إذا استقراها وتتبّعها.
قال النابغة: يُحاسِبُ نفسه بِكَمْ اشتراها *** فالحساب هنا مصدر حاسب.
والمراد به تتبّع الأعمال والأحوال والنظر فيما تقابل به من جزاء.
وضمير الجمع في قوله: ﴿ من حسابهم ﴾ وقوله ﴿ وما من حسابك عليهم ﴾ يجوز أن يكونا عائدين إلى ﴿ الذين يَدْعون ربّهم ﴾ وهو مَعَاد مَذْكور، وهو المناسب لتناسق الضمائر مع قوله ﴿ فتطردهم ﴾ .
فالمعنى أنَّهم أهل الحقّ في مجلسك لأنَّهم مؤمنون فلا يطردون عنه وما عليك أن تحسب ما عدا ذلك من الأمور العارضة لهم بزعم المشركين، وأنّ حضور أولئك في مجلسك يصدّ كبراء المشركين عن الإيمان، أي أنّ ذلك مدحوض تجاه حقّ المؤمنين في مجلس رسولهم وسماع هديه.
وقيل معنى: ﴿ ما عليك من حسابهم ﴾ أنّ المشركين طعنوا في إخلاص هؤلاء النفر، قالوا: يا محمد إنّ هؤلاء إنّما اجتمعوا عندك وقبلوا دينك لأنَّهم يجدون مأكولاً وملبوساً عندك، فقال الله تعالى: ما يلزمك إلاّ اعتبار ظاهرهم وإن كان لهم باطن يخالفه فحسابهم على الله، أي إحصاء أحوالهم ومناقشتهم عليها على نحو قول نوح ﴿ إنْ حسابُهم إلاّ على ربِّي لو تَشعرون ﴾ [الشعراء: 113].
فمعنى حسابهم على هذا الوجه تمحيص نياتهم وبواطنهم.
والقصد من هذا تبكيتُ المشركين على طريقة إرخاء العنان، وليس المراد استضعاف يقين المؤمنين.
و ﴿ حسابهم ﴾ على هذا الوجه من إضافة المصدر إلى مفعوله.
ويجوز أن يكون الضميران عائدين إلى غير مذكور في الكلام ولكنّه معلوم من السياق الذي أشار إليه سبب النزول، فيعود الضميران إلى المشركين الذين سألوا طَرد ضعفاء المؤمنين من مجلس النبي صلى الله عليه وسلم فيكون ضمير ﴿ فتطردهم ﴾ عائداً إلى المؤمنين.
ويختلف معاد الضميرين اعتماداً على ما يعيِّنه سياق الكلام، كقوله تعالى: ﴿ وعَمَرُوها أكثر ممَّا عمروها ﴾ [الروم: 9]، وقول عباس بن مرداس في وقعة حنين: عُدْنَا ولولا نَحْنُ أحْدَقَ جَمعُهم *** بالمسلمين وأَحرَزُوا ما جَمَّعُوا أي أحرز المشركون ما جمعه المسلمون من الغنائم.
والمعنى: ما عليك من حساب المشركين على الإيمان بِك أو على عدم الإيمان شيء، فإنّ ذلك موكول إليّ فلا تظلم المؤمنين بحرمانهم حقّاً لأجل تحصيل إيمان المشركين، فيكون من باب قوله تعالى: ﴿ إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أوْلَى بهما فلا تتَّبعوا الهوى أن تعدلوا ﴾ [النساء: 135].
وعلى هذا الوجه يجوز كون إضافة ﴿ حسابهم ﴾ من إضافة المصدر إلى مفعوله، أي محاسبتك إيّاهم.
ويجوز كونها من إضافته إلى فاعله، أي من حساب المشركين على هؤلاء المؤمنين فقرَهم وضعفهم.
و ﴿ عليك ﴾ خبر مقدّم.
و(على) فيه دالّة على معنى اللزوم والوجوب لأنّ الرسول عليه الصلاة والسلام همّ أو كان بحيث يهمّ بإجابة صناديد قريش لما سألوه، فيكون تنبيهاً على أنّ تلك المصلحة مدحوضة.
و (منْ) في قوله: ﴿ من شيء ﴾ زائدة لتوكيد النفي للتنصيص على الشمول في سياق النفي، وهو الحرف الذي بتقديره بُني اسم (لا) على الفتح للدلالة على إرادة نفي الجنس.
وتقديم المسنَدَين على المسند إليهما في قوله ﴿ ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء ﴾ تقديم غير واجب لأنّ للابتداء بالنكرتين هنا مسوّغاً، وهو وقوعهما في سياق النفي، فكان تقديم المجرورين هنا اختيارياً فلا بدّ له من غرض.
والغرض يحتمل مجرّدَ الاهتمام ويحتمل الاختصاص.
وحيث تأتّى معنى الاختصاص هنا فاعتباره أليق بأبلغ كلام، ولذلك جرى عليه كلام «الكشاف».
وعليه فمعنى الكلام قصر نفي حسابهم على النبي صلى الله عليه وسلم ليفيد أنّ حسابهم على غيره وهو الله تعالى.
وذلك هو مفاد القصر الحاصل بالتقديم إذا وقع في سياق النفي، وهو مفاد خِفي على كثير لقلّة وقوع القصر بواسطة التقديم في سياق النفي.
ومثالُه المشهور قوله تعالى: ﴿ لا فيها غوْل ﴾ [الصافات: 47] فإنَّهم فسّروه بأنّ عدم الغول مقصور على الاتِّصاف بفِي خمور الجنَّة، فالقصر قصر قلب.
وقد اجتمع في هذا الكلام خمسة مؤكِّدات.
وهي (مِنْ) البيانية، و(مِنْ) الزّائدة، وتقديم المعمول، وصيغة الحصر في قوله: ﴿ ما عليك من حسابهم من شيء ﴾ ، والتأكيدُ بالتَّتميم بنفي المقابل في قوله: ﴿ وما من حسابك عليهم من شيء ﴾ ، فإنَّه شبيه بالتوكيد اللفظي.
وكلّ ذلك للتنصيص على منتهى التبرئة من محاولة إجابتهم لاقتراحهم.
ويُفيد هذا الكلام التعريضَ برؤساء قريش الذين سألوا إبعاد الفقراء عن مجلس الرسول عليه الصلاة والسلام حين ما يحضرون وأوهموا أنّ ذلك هو الحائل لهم دون حضور مجلس الرسول عليه الصلاة والسلام والإيمان به والكون من أصحابه، فخاطب الله رسوله بهذا الكلام إذ كان الرسول هو المسؤول أن يقضي أصحابَه عن مجلسه ليعلم السائلون أنّهم سألوه ما لا يقع ويعلموا أنّ الله أطْلَع رسوله صلى الله عليه وسلم على كذبهم، وأنّهم لو كانوا راغبين في الإيمان لما كان عليهم حساب أحوال الناس ولاشتغلوا بإصلاح خُوَيْصتِهم، فيكون الخطاب على نحو قوله تعالى: ﴿ لئن أشركتَ ليحبطنّ عَمَلُك ﴾ [الزمر: 65].
وقد صرّح بذلك في قوله بعدُ ﴿ ولتستبين سبيل المجرمين ﴾ [الأنعام: 55].
وإذ كان القصر ينحلّ على نسبتي إثبات ونفي فالنسبة المقدّرة مع القصر وهي نسبة الإثبات ظاهرة من الجمع بين ضمير المخاطب وضمير الغائبين، أي عدم حسابهم مقصور عليك، فحسابهم على أنفسهم إذ كلّ نفس بما كسبت رهينة.
وقد دلّ على هذا أيضاً قوله بعده ﴿ ومَا من حسابك عليهم من شيء ﴾ فإنّه ذُكر لاستكمال التعليل، ولذلك عطف على العلّة، لأنّ مجموع مدلول الجملتين هو العلّة، أي حسابهم ليس عليك كما أنّ حسابك ليس عليهم بل على نفسك، إذ كلّ نفس بما كسبت رهينة، ولا تزر وازرة وزْر أخرى.
فكما أنّك لا تنظُر إلاّ إلى أنَّهم مؤمنون، فهم كذلك لا يطلب منهم التفريط في حق من حقوق المؤمنين لتسديد رغبة منك في شيء لا يتعلّق بهم أو لتحصيل رغبة غيرهم في إيمانه.
وتقديم المسند على المسند إليه هنا كتقديمه في نظيره السابق.
وفي قوله: ﴿ وما من حسابك عليهم من شيء ﴾ تعريض بالمشركين بأنَّهم أظهروا أنّهم أرادوا بطرد ضعفاء المؤمنين عن مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم النصح له ليكتسب إقبال المشركين عليه والإطماع بأنَّهم يؤمنون به فيكثر متَّبعوه.
ثم بهذا يظهر أن ليس المعنى: بل حسابهم على الله وحسابك على الله، لأنّ هذا غير مناسب لسياق الآية، ولأنَّه يصير به قوله: ﴿ وما من حسابك عليهم من شيء ﴾ مستدركاً في هذا المقام، ولذلك لم يتكرّر نظير هذه الجملة الثانية مع نظير الجملة الأولى فيما حكى الله عن نوح ﴿ إن حسابهم إلاّ على ربِّي ﴾ في سورة [الشعراء: 113] لأنّ ذلك حكي به ما صدر من نوح وما هنا حكي به كلام الله تعالى لرسوله، فتنبّهْ.
ويجوز أن يكون تقديم المسند في الموضعين من الآية لمجرّد الاهتمام بنفي اللزوم والوجوب الذي دلّ عليه حرف (على) في الموضعين لا سيما واعتبار معنى القصر في قوله وَمَا مِن حسابك عليهم من شيء } غيرُ واضح، لأنَّنا إذا سلَّمنا أن يكون للرسول عليه الصلاة والسلام شِبْه اعتقاد لزوممِ تتَّبع أحوالهم فقُلب ذلك الاعتقاد بالقصر، لا نجد ذلك بالنسبة إلى ﴿ الذين يدعون ربَّهم بالغداة والعشي ﴾ إذ لا اعتقاد لهم في هذا الشأن.
وقدّم البيان على المبيَّن في قوله: ﴿ وما من حسابك عليهم من شيء ﴾ لأنّ الأهمّ في المقامين هو ما يختصّ بالمخاطب المعرِّضُ فيه بالذين سألوه الطرد لأنَّه المقصود بالذات، وإنَّما جيء بالجملة الثانية لاستكمال التعليل كما تقدّم.
وقوله: ﴿ فتطردهم ﴾ منصوب في جواب النهي الذي في قوله: ﴿ ولا تطرُد الذين يدعون ربَّهم ﴾ .
وإعادة فعل الطرد دون الاقتصار على قوله: ﴿ فتكونَ من الظالمين ﴾ ، لإفادة تأكيد ذلك النهي وليبنى عليه قوله ﴿ فتكون من الظالمين ﴾ لوقوع طول الفصل بين التفريع والفرّع عليه.
فحصل بإعادة فعل ﴿ فتطردهم ﴾ غرضان لفظي ومعنوي.
على أنَّه يجوز أن يجعل ﴿ فتطردهم ﴾ منصوباً في جواب النفي من قوله: ﴿ ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء ﴾ ، أي لا تطردهم إجابة لرغبة أعدائهم.
وقوله: ﴿ فتكون من الظالمين ﴾ عطف على ﴿ فتطردهم ﴾ متفرّع عليه، أي فتكون من الظالمين بطردهم، أي فكونه من الظالمين منتف تبعاً لانتفاء سببه وهو الطرد.
وإنَّما جُعل طردهم ظلماً لأنَّه لما انتفى تكليفه بأن يحاسبهم صار طردهم لأجل إرضاء غيرهم ظلماً لهم.
وفيه تعريض بالذين سألوا طردهم لإرضاء كبريائهم بأنَّهم ظالمون مفطرون على الظلم؛ ويجوز أن يجعل قوله: ﴿ فتكون من الظالمين ﴾ منصوباً في جواب النهي، ويجعل قوله ﴿ فتطردهم ﴾ جيء به على هذا الأسلوب لتجديد ربط الكلام لطول الفصل بين النهي وجوابه بالظرف والحال والتعليل؛ فكان قوله ﴿ فتطردهم ﴾ كالمقدّمة لقوله ﴿ فتكون من الظالمين ﴾ وليس مقصودٌ بالذات للجوابية؛ فالتقدير: فتكون من الظالمين بطردهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الرِّزْقُ، أيْ لا أقْدِرُ عَلى إغْناءِ فَقِيرٍ، ولا إفْقارِ غَنِيٍّ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
والثّانِي: مَفاتِيحُ خَزائِنِ العَذابِ لِأنَّهُ خَوَّفَهم مِنهُ، فَقالُوا مَتى يَكُونُ هَذا؟
قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿ وَلا أعْلَمُ الغَيْبَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عِلْمُ الغَيْبِ في نُزُولِ العَذابِ عَلَيْهِمْ مَتى يَكُونُ؟
قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: عِلْمُ جَمِيعِ ما غابَ مِن ماضٍ ومُسْتَقْبَلٍ، إلّا أنَّ المُسْتَقْبَلَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ أوْ مَن أطْلَعَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى عِلْمِهِ مِن أنْبِيائِهِ، وأمّا الماضِي فَقَدْ يَعْلَمُهُ المَخْلُوقُونَ مَن أحَدِ الوَجْهَيْنِ: إمّا مِن مُعايَنَةٍ أوْ خَبَرٍ، فَإنْ كانَ الإخْبارُ عَنْ مُسْتَقْبَلٍ، فَهو مِن آياتِ اللَّهِ المُعْجِزَةِ، وإنْ كانَ عَنْ ماضٍ فَإنْ عَلِمَ بِهِ غَيْرُ المُخْبِرِ والمُخْبَرُ لَمْ يَكُنْ مُعْجِزًا، وإنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ أحَدٌ وعَلِمَ بِهِ المُخْبِرُ وحْدَهُ كانَ مُعْجِزًا، فَنَفى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ نَفْسِهِ عِلْمَ الغَيْبِ، لِأنَّهُ لا يَعْلَمُهُ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى، وإنَّ ما أخْبَرَ بِهِ مِن غَيْبٍ فَهو عَنِ اللَّهِ ووَحْيِهِ.
﴿ وَلا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يُرِيدُ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ما يَعْجِزُ عَنْهُ العِبادُ، وإنْ قَدَرَتْ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ أنَّهُ مِن جُمْلَةِ البَشَرِ ولَيْسَ بِمَلَكٍ، لِيَنْفِيَ عَنْ نَفْسِهِ غُلُوَّ النَّصارى في المَسِيحِ وقَوْلَهُمْ: إنَّهُ ابْنُ اللَّهِ.
ثُمَّ في نَفْيِهِ أنْ يَكُونَ مَلَكًا وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بَيَّنَ بِذَلِكَ فَضْلَ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ، لِأنَّهُ دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ مَنزِلَةً لَيْسَتْ لَهُ.
والثّانِي: أنَّهُ أرادَ إنِّي لَسْتُ مَلَكًا في السَّماءِ، فَأعْلَمُ غَيْبَ السَّماءِ الَّذِي تُشاهِدُهُ المَلائِكَةُ ويَغِيبُ عَنِ البَشَرِ، وإنْ كانَ الأنْبِياءُ أفْضَلَ مِنَ المَلائِكَةِ مَعَ غَيْبِهِمْ عَمّا تُشاهِدُهُ المَلائِكَةُ.
﴿ إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ أُخْبِرَكم إلّا بِما أخْبَرَنِي اللَّهُ بِهِ.
والثّانِي: أنْ أفْعَلَ إلّا ما أمَرَنِي اللَّهُ بِهِ.
﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: الجاهِلُ والعالِمُ.
والثّانِي: الكافِرُ والمُؤْمِنُ.
﴿ أفَلا تَتَفَكَّرُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: فِيما ضَرَبَهُ اللَّهُ مِن مَثَلِ الأعْمى والبَصِيرِ.
الثّانِي: فِيما بَيَّنَهُ مِن آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ وصِدْقِ رَسُولِهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ ﴾ رُوِيَ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ المَلَأ مِن قُرَيْشٍ أتَوُا النَّبِيَّ وعِنْدَهُ جَماعَةٌ مِن ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ مِثْلَ بِلالٍ، وعَمّارٍ، وصُهَيْبٍ، وخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ، وابْنِ مَسْعُودٍ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ اطْرُدْ عَنّا مَوالِيَنا وحُلَفاءَنا فَإنَّما هم عَبِيدُنا وعُتَقاؤُنا، فَلَعَلَّكَ إنْ طَرَدْتَهم نَتْبَعُكَ، فَقالَ عُمَرُ: لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ حَتّى نَعْلَمَ ما الَّذِي يُرِيدُونَ وإلامَ يَصِيرُونَ، فَهَمَّ رَسُولُ اللَّهِ بِذَلِكَ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وَنَزَلَ في المَلَإ مِن قُرَيْشٍ ﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ ﴾ الآيَةَ، فَأقْبَلَ عُمَرُ فاعْتَذَرَ مِن مَقالَتِهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿ وَإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ الآيَةَ.
» وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ﴾ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّهُ ذِكْرُ اللَّهِ، قالَهُ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ.
والثّالِثُ: تَعْظِيمُ القُرْآنِ، قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ عِبادَةُ اللَّهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يُرِيدُونَ بِدُعائِهِمْ، لِأنَّ العَرَبَ تَذْكُرُ وجْهَ الشَّيْءِ إرادَةً لَهُ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: هَذا وجْهُ الصَّوابِ تَفْخِيمًا لِلْأمْرِ وتَعْظِيمًا.
والثّانِي: مَعْناهُ يُرِيدُونَ طاعَتَهُ لِقَصْدِهِمُ الوَجْهَ الَّذِي وجَّهَهم إلَيْهِ.
﴿ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثُ أقْوالٍ: أحَدُها: يَعْنِي ما عَلَيْكَ مِن حِسابِ عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ.
﴿ وَما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ ﴾ يَعْنِي وما مِن حِسابِ عَمَلِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ، لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ مُؤاخَذٌ بِحِسابِ عَمَلِهِ دُونَ غَيْرُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: مَعْناهُ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِ رِزْقِهِمْ وفَقْرِهِمْ مِن شَيْءٍ.
والثّالِثُ: ما عَلَيْكَ كِفايَتُهم ولا عَلَيْهِمْ كِفايَتُكَ، والحِسابُ الكِفايَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَطاءً حِسابًا ﴾ أيْ تامًّا كافِيًا، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ ﴾ يَعْنِي لِاخْتِلافِهِمْ في الأرْزاقِ، والأخْلاقِ، والأحْوالِ.
وَفي إفْتانِ اللَّهِ تَعالى لَهم قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ابْتِلاؤُهم واخْتِبارُهم لِيَخْتَبِرَ بِهِ شُكْرَ الأغْنِياءِ وصَبْرَ الفُقَراءِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: تَكْلِيفُ ما يَشُقُّ عَلى النَّفْسِ مَعَ قُدْرَتِها عَلَيْهِ.
﴿ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا ﴾ وهَذا قَوْلُ المَلَإ مِن قُرَيْشٍ لِلضُّعَفاءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وفِيما مَنَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ اللُّطْفِ في إيمانِهِمْ.
والثّانِي: ما ذَكَرَهُ مِن شُكْرِهِمْ عَلى طاعَتِهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا ﴾ يَعْنِي بِهِ ضُعَفاءَ المُسْلِمِينَ وما كانَ مِن شَأْنِ عُمَرَ.
﴿ فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أمَرَ بِالسَّلامِ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: أنَّهُ أمَرَ بِالسَّلامِ عَلَيْهِمْ مِن نَفْسِهِ تَكْرِمَةً لَهم، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.
وَفي السَّلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ جَمَعَ السَّلامَةَ.
والثّانِي: أنَّهُ السَّلامُ هو اللَّهُ ومَعْناهُ ذُو السَّلامِ.
﴿ كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ أوْجَبَ اللَّهُ عَلى نَفْسِهِ.
والثّانِي: كَتَبَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ عَلى نَفْسِهِ.
وَ ﴿ الرَّحْمَةَ ﴾ يَحْتَمِلُ المُرادُ بِها هُنا وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: المَعُونَةُ.
والثّانِي: العَفْوُ.
﴿ أنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكم سُوءًا بِجَهالَةٍ ﴾ في الجَهالَةِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: الخَطِيئَةُ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.
والثّانِي: ما جُهِلَ كَراهِيَةُ عاقِبَتِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
وَيُحْتَمَلُ ثالِثًا: أنَّ الجَهالَةَ هُنا ارْتِكابُ الشُّبْهَةِ بِسُوءِ التَّأْوِيلِ.
﴿ ثُمَّ تابَ مِن بَعْدِهِ وأصْلَحَ ﴾ يَعْنِي تابَ مِن عَمَلِهِ الماضِي وأصْلَحَ في المُسْتَقْبَلِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن مسعود قال: مر الملأ من قريش على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده صهيب، وعمار، وبلال، وخباب، ونحوهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك منّ الله عليهم من بيننا، أو نحن نكون تبعاً لهؤلاء؟
أطردهم عنك فلعلك إن طردتهم أن نتبعك.
فأنزل فيهم القرآن ﴿ وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ﴾ إلى قوله: ﴿ والله أعلم بالظالمين ﴾ .
وأخرج أبن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال مشى عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وقرظة بن عبد، عمر، وابن نوفل، والحارث بن عامر بن نوفل، ومطعم بن عدي بن الخيار بن نوفل، في أشراف الكفار من عبد مناف إلى أبي طالب فقالوا: لو أن ابن أخيك طرد عنا هؤلاء الأعبد فانهم عبيدنا وعسفاؤنا كان أعظم له في صدورنا، وأطوع له عندنا، وأدنى لاتباعنا إياه وتصديقه، فذكر ذلك أبو طالب للنبي صلى الله عليه وسلم فقال عمر بن الخطاب: لو فلعت يا رسول الله حتى ننظر ما يريدون بقولهم وما يصيرون إليه من أمرهم، فأنزل الله: ﴿ وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ﴾ إلى قوله: ﴿ أليس الله بأعلم بالشاكرين ﴾ قالوا: وكانوا بلالاً، وعمار بن ياسر، وسالماً مولى أبي حذيفة، وصبحاً مولى أسيد، ومن الحلفاء ابن مسعود، والمقداد بن عمرو، وواقد بن عبد الله الحنظلي، وعمرو بن عبد عمر، وذو الشمالين، ومرثد بن أبي مرثد، وأشباههم ونزلت في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء ﴿ وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا ﴾ الآية.
فلما نزلت أقبل عمر بن الخطاب فاعتذر من مقالته، فأنزل الله: ﴿ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا ﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة وأبو يعلى وأبو نعيم في الحلية وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن خباب قال «جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري، فوجدا النبي صلى الله عليه وسلم قاعداً مع بلال، وصهيب، وعمار، وخباب، في أناس ضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حوله حقروهم فأتوه فخلوا به، فقالوا: انا نحب أن تجعل لنا منك مجلساً تعرف لنا العرب به فضلنا، فإن وفود العرب ستأتيك فنستحي أن ترانا العرب قعوداً مع هؤلاء الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فلتقعد معهم إن شئت.
قال: نعم.
قالوا: فاكتب لنا عليك بذلك كتاباً، فدعا بالصحيفة ودعا علياً ليكتب ونحن قعود في ناحية، إذ نزل جبريل بهذه الآية ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ إلى قوله: ﴿ فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة ﴾ فألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيفة من يده، ثم دعا فأتيناه وهو يقول ﴿ سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة ﴾ فكنا نقعد معه، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزل الله: ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه...
﴾ [ الكهف: 28] الآية.
قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد معنا بعد، فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها، تركناه حتى يقوم» .
وأخرج الزبير بن بكار في أخبار المدينة عن عمر بن عبد الله بن المهاجر مولى غفرة، أنه قال في أسطوان التوبة: كان أكثر نافلة النبي صلى الله عليه وسلم إليها، وكان إذا صلى الصبح انصرف إليها وقد سبق إليها الضعفاء، والمساكين، وأهل الضر، وضيفان النبي صلى الله عليه وسلم والمؤلفة قلوبهم، ومن لا مبيت له إلا المسجد.
قال: وقد تحلقوا حولها حلقاً بعضها دون بعض فينصرف إليهم من مصلاه من الصبح، فيتلو عليهم ما أنزل الله عليه من ليلته، ويحدثهم ويحدثونه حتى إذا طلعت الشمس جاء أهل الطول والشرف والغني فلم يجدوا إليه مخلصاً، فتاقت أنفسهم إليه وتاقت نفسه إليهم، فأنزل الله عز وجل ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه....
﴾ [ الكهف: 28] إلى منتهى الآيتين، فلما نزل ذلك فيهم قالوا: يا رسول الله لو طردتهم عنا ونكون نحن جلساءك وإخوانك لا نفارقك، فأنزل الله عز وجل ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ إلى منتهى الآيتين.
وأخرج الفربابي وأحمد وعبد بن حميد ومسلم والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الدلائل عن سعد بن أبي وقاص قال: لقد نزلت هذه الآية في ستة، أنا، وعبد الله بن مسعود، وبلال، ورجل من هذيل، واثنين، قالوا: يا رسول الله أطردهم فانا نستحي أن نكون تبعاً لهؤلاء، فوقع في نفس النبي صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع، فأنزل الله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ إلى قوله: ﴿ أليس الله بأعلم بالشاكرين ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ قال: المصلين بلال، وابن أم عبد، كانا يجالسان محمداً صلى الله عليه وسلم فقالت قريش تحقره لهما: لولاهما واشباههما لجالسناه، فنهى عن طردهم حتى قوله: ﴿ أليس الله بأعلم بالشاكرين ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس قال: كان رجال يستبقون إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم بلال، وصهيب، وسلمان، فيجيء أشراف قومه وسادتهم وقد أخذ هؤلاء المجلس فيجلسون ناحية فقالوا: صهيب رومي، وسلمان فارسي، وبلال حبشي، يجلسون عنده ونحن نجيء فنجلس ناحية، حتى ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انا سادة قومك وأشرافهم، فلو أدنيتنا منك إذا جئنا؟
قال: فهم إن فعل، فأنزل الله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم...
﴾ الآية.
وأخرج ابن عساكر عن مجاهد قال: كان أشراف قريش يأتون النبي صلى الله عليه وسلم وعنده بلال، وسلمان، وصهيب، وغيرهم مثل ابن أم عبد، وعمار، وخباب، فإذا أحاطوا به قال أشراف قريش: بلال حبشي، وسلمان فارسي، وصهيب رومي، فلو نحاهم لأتيناه، فأنزل الله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ يعني يعبدون ربهم بالغداة والعشي، يعني الصلاة المكتوبة.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ قال الصلاة المفروضة، الصبح والعصر.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن إبراهيم في قوله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ قال: هم أهل الذكر لا تطردهم عن الذكر قال سفيان: هم أهل الفقر.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ وكذلك فتنا بعضهم ببعض ﴾ يعني أنه جعل بعضهم اغنياء وبعضهم فقراء، فقال الأغيناء للفقراء ﴿ أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا ﴾ يعني هؤلاء هداهم الله، وإنما قالوا ذلك استهزاءً وسخرياً.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ وكذلك فتنا بعضهم ببعض ﴾ يقول: ابتلينا بعضهم ببعض.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا ﴾ لو كان بهم كرامة على الله ما أصابهم هذا من الجهد.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ وكذلك فتنا بعضهم ببعض...
﴾ الآية.
قال: هم أناس كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم من الفقراء، فقال أناس من أشراف الناس: نؤمن لك، فإذا صلينا معك فأخر هؤلاء الذين معك فليصلوا خلفنا.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد ومسدد في مسنده وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ماهان قال: أتى قوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: انا أصبنا ذنوباً عضاماً؟
فما رد عليهم شيئاً، فانصرفوا فأنزل الله: ﴿ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا...
﴾ الآية.
فدعاهم فقرأها عليهم.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جرير قال: أخبرت أن قوله: ﴿ سلام عليكم ﴾ قال: كانوا إذا دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم بدأهم فقال: سلام عليكم، وإذا لقيهم فكذلك أيضاً.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وكذلك نفصل الآيات ﴾ قال: نبين الآليات.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ ولتستبين سبيل المجرمين ﴾ قال: الذين يأمرونك بطرد هؤلاء.
قوله تعالى ﴿ قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين ﴾ أخرج ابن أبي شيبة والبخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن أبي حاتم عن هزيل بن شرحبيل قال: جاء رجل إلى أبي موسى وسلمان بن ربيعة فسألهما عن ابنة وابنة ابن وأخت؟
فقال: للابنة النصف، وللأخت النصف، وائت عبد الله فإنه سيتابعنا، فأتى عبد الله فأخبره فقال: ﴿ قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين ﴾ لأقضين فيها بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، للابنة النصف، ولابنة الابن السدس، وما بقي فللأخت.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ﴾ الآية.
أخبرنا الشيخ أبو بكر أحمد بن محمد الحارثي، أنبأ أبو محمد عبد الله بن محمد (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) وعنده صهيب (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) وقال خباب بن الأرت: (كنا مع النبي أنا وعمار، وصهيب، إذ جاء عيينة بن (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) إلى ذلك فقالا له: اكتب لنا بهذا على نفسك كتابًا فدعا بصحيفة وأحضر عليًّا - - ليكتب، فأنزلت هذه الآية وما بعدها، فنحّى رسول الله الصحيفة، وأقبل علينا، ودنونا منه) (١٨) قال ابن الأنباري: (عظم الأمر في هذا على النبي وخوف الدخول في جملة الظالمين؛ لأنه كان قد همّ بتقديم الرؤساء وأُولي الأموال على الضعفاء وذوي المسكنة، مقدّرًا أنه يستجر بإسلامهم إسلام قومهم وحلفائهم ومن يلوذ بهم، وكان لا يقصد في ذلك إلا قصد الخير، ولا ينوي ازدراء بالفقراء ولا احتقارًا، فأعلمه الله تبارك وتعالى أن ذلك غير جائز) (١٩) وأما التفسير فقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ﴾ (يعبدون ربهم بالصلاة المكتوبة يعني: صلاة الصبح وصلاة العصر) (٢٠) فالدعاء هاهنا العبادة في قول ابن عباس والحسن (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) وقال إبراهيم (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) وقرأ ابن عامر: (بِالْغُدْوةِ) (٢٩) (٣٠) ﴿ بِالْغَدَاوةِ ﴾ ؛ لأنها تستعمل نكرة وتتعرف (٣١) (٣٢) قال سيبويه: (غدوة وبكرة جُعل كل واحد منهما اسمًا للحين، كما جعلوا أم حُبين (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) وأيضاً فإن بعض أسماء الزمان جاء معرفة بغير ألف ولام ثم أجازوا دخول اللام فيه نحو ما حكاه أبو زيد من: (قولهم: لقيته فَيْنة (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) (٤٣) (٤٤) وجدنا الَولِيدَ بْنَ اليَزِيدِ مُبَارَكًا ...
شَدِيدًا بأعْبَاءِ الخِلاَفَةِ كَاهِلُهْ (٤٥) (٤٦) يا ليتَ أُمَّ العمرو (٤٧) ويدلك (٤٨) (٤٩) (٥٠) فإضافة الاسم يدل على أنه قد كان خلع عنه ما كان فيه من تعريفه وكساه التعريف بإضافته إياه إلى الضمير (٥١) وقوله تعالى: ﴿ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء عنه: (يطلبون ثواب الله ويعملون ابتغاء مرضاة الله، لا يعدلون بالله شيئًا) (٥٢) وقال أهل المعاني: (في هذا قولين: أحدهما: أن معناه: يريدون طاعته (٥٣) ﴿ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾ ، أي: (يريدون وجه الله عز وجل ويقصدون الطريق الذي أمرهم بقصده) (٥٤) ﴿ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾ - وعلى هذا ﴿ وَجْهَهُ ﴾ : جهته التي أمر بقصدها.
[و] (٥٥) ﴿ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ الله ﴾ أي: يريدونه إلا أنه يؤتى بلفظ الوجه للتعظيم بتفخيم الذكر، كما يقال: هذا وجه الرأي، وأشار أبو إسحاق إلى هذا المعنى فقال في سورة الكهف: (أي: لا يقصدون بعبادتهم إلا إياه) (٥٦) وقوله تعالى: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: (ما عليك من حساب المشركين من شيء ولا على المشركين من حسابك من شيء إنما الله الذي يثيب أولياءه ويعذب أعداءه، وأنت وأصحابك قد غفر الله لهم وصاروا إلى رحمته) (٥٧) ﴿ حِسَابِهِمْ ﴾ و ﴿ عَلَيْهِمْ ﴾ تعود إلى المشركين (٥٨) أن يطرد عنه الفقراء، ومعناه: الإبعاد بينه وبينهم، ونهي النبي عن استمالتهم بتقريبهم.
يقول: ليس عليك من حسابهم من شيء إن كفروا وكذبوا فتطرد الفقراء لتدني مجلسهم منك ﴿ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ ﴾ أي: ليس ثوابك عليهم حتى تلين لهم وهو معنى قول ابن عباس: (إنما الله الذي يثيب أولياءه ويعذب أعداءه) فهذا وجه، والمفسرون (٥٩) ﴿ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ﴾ وهم الفقراء وذلك أشبه بالظاهر؛ لأن الكناية في قوله: ﴿ فَتَطْرُدَهُمْ ﴾ عائدة على الفقراء لا محالة، فكذلك ما قبله من الكناية أشبه أن تعود عليهم، وعلى هذا ذكروا في قوله تعالى: ﴿ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ ﴾ \[قولين\] (٦٠) أحدهما: ما عليك من عملهم ومن حساب عملهم من شيء، وهذا يروى عن الحسن (٦١) (٦٢) قال أهل المعاني: (هذه القصة شبيهة بقصة (٦٣) إذ قال له قومه: ﴿ قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ ﴾ فأجابهم نوح: ﴿ قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (112) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ ﴾ ، وعنوا بقولهم: ﴿ الْأَرْذَلُونَ ﴾ الحاكة والمحترفين بالحرف الوضيعة، فقال نوح: ﴿ وَمَا عِلْمِى ﴾ بعملهم، أي: وجه مكاسبهم، [ما حساب] (٦٤) فازدراهم المشركون لفقرهم وحاجتهم إلى الأعمال الخسيسة لقوتهم، وهمّ النبي برفع المشركين عليهم في المجلس فقيل له: ﴿ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ ﴾ \[أي: لا يلزمك عار بعملهم ﴿ فَتَطْرُدَهُمْ ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ ﴾ \] (٦٥) (٦٦) القول الثاني: ما عليك من حساب رزقهم من شيء فتملهم وتطردهم، ﴿ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ ﴾ ، أي: ليس رزقك عليهم ولا رزقهم عليك وإنما يرزقك وإياهم الله الرازق، فدعهم يدنون منك ولا تطردهم (٦٧) وقوله تعالى: ﴿ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ جواب لقوله: ﴿ وَلَا تَطْرُدِ ﴾ في أول الآية (٦٨) (٦٩) وهذا الظُّلمُ معناه: النقصان، أي: ينقص ثوابك بطردهم لو طردتهم، والظلم بمعنى: النقص معروف في اللغة (٧٠) (٧١) ﴿ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ (لهم بطردهم)، وهذا قول حسن) أي: إنهم لم يستحقوا منك الطرد فإذا طردتهم فقد ظلمتهم (٧٢) (١) عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأنصاري أبو محمد الأصبهاني المعروف بأبي الشيخ، إمام ورع ثقة محدث مفسر له تصانيف جيدة توفي سنة 369 هـ.
وله 95 سنة.
انظر: "ذكر أخبار أصبهان" 2/ 90، و"سير أعلام النبلاء" 16/ 276، و"تذكرة الحفاظ" 3/ 945، و"غاية النهاية" 1/ 447، و"طبقات الداودي" 1/ 246.
(٢) عبد الرحمن بن محمد بن سَلْم الرازي أبو يحيى الأصبهاني، إمام ثقة كثير السماع، وهو إمام جامع أصبهان، وكان من أوعية العلم، صنف التفسير والمسند، وتوفي سنة 291 هـ.
وله نحو 80 سنة.
انظر: "طبقات المحدثين لأبي الشيخ" 3/ 530، وذكر "أخبار أصبهان" 2/ 112، و"سير أعلام النبلاء" 13/ 530، و"تذكرة الحفاظ " 2/ 690، و"طبقات الحافظ " ص 303، و"طبقات الداودي" 1/ 288.
(٣) في (أ): (ابن الدارمي).
وهو: بفتح الدال وسكون الألف وكسر الراء وبعدها ميم، نسبة إلى دارم بن مالك بطن كبير من تميم.
انظر: "اللباب" 1/ 484، ولم أجد من نسبه إلى ذلك، وقد جاء السند نفسه عند الواحدي في "أسباب النزول" ص 220، وفيه: (أبو يحيى الرازي عن سهل).
(٤) سَهْل بن عثمان بن فارس الكندي أبو مسعود العسكري نزيل الري، إمام حافظ ثقة كثير الفوائد وله غرائب.
توفي سنة 235 هـ وله نحو 80 سنة.
انظر: "الجرح والتعديل" 4/ 203، و"طبقات المحدثين" 2/ 119، و"أخبار أصبهان" 1/ 338، و"سير أعلام النبلاء" 11/ 454، و"تذكرة الحفاظ" 2/ 452، و "تهذيب التهذيب" 2/ 125.
(٥) أسباط بن محمد بن عبد الرحمن بن خالد القرشي أبو محمد الكوفي، إمام ثقة محدث، توفي سنة 200 هـ.
انظر: "طبقات ابن سعد" 6/ 393، و"الجرح والتعديل" 2/ 333، و"تاريخ بغداد" 5/ 46، و"سير أعلام النبلاء" 9/ 355، و"تهذيب التهذيب" 1/ 109.
(٦) أشعث بن سوار الكندي النجار القاص، أحد العلماء، على لين فيه، وقد ضعفه أكثر أئمة "الجرح والتعديل" توفي سنة 136 هـ انظر: "طبقات ابن سعد" 6/ 358، و"الجرح والتعديل" 2/ 271، و"سير أعلام النبلاء" 6/ 275، و"ميزان الاعتدال" 1/ 263، و"تهذيب التهذيب" 1/ 178.
(٧) كُرْدُوس بن عباس الثعلبي الكوفي القاص، اختلف في اسم أبيه، وهو تابعي مقبول، توفي بعد المائة.
انظر: "التاريخ الكبير للبخاري" 7/ 242، و"الجرح والتعديل" 7/ 175، و"تهذيب التهذيب" 3/ 467، و"تقريب التهذيب" 1734.
(٨) صُهَيْبُ بن سِنان بن مالك النَّمِري، أبو يحيى الرُّومي، صاحبي جليل، تقدم.
(٩) خَبَّابُ بن الأَرَتِّ بن جَندلة بن سعد التميمي، أبو عبد الله، نزيل الكوفة، صحابي جليل فاضل عابد ورع شجاع، شهد المشاهد، وكان من كبار السابقين البدريين والمعذبين بمكة، وفضله ومناقبه وثناء الأئمة عليه كثير، توفي سنة 37 هـ.
وله 73 سنة.
انظر: "طبقات ابن سعد" 3/ 164، و"الجرح والتعديل" 3/ 395، و"الاستيعاب" 2/ 21، و"سير أعلام النبلاء" 2/ 323، و"الإصابة" 1/ 416، و"تهذيب التهذيب" 1/ 539.
(١٠) بلال بن رباح التيمي أبو عبد الله الحبشي، صحابي جليل فاضل عابد ورع شجاع، شهد المشاهد، وكان من كبار السابقين البدريين والمعذبين بمكة، وفضله ومناقبه وثناء الأئمة عليه كثير، توفي سنة 17 هـ.
أو بعدها، وله أكثر من 60 سنة.
انظر: "للجرح والتعديل" 2/ 395، و"الاستيعاب" 1/ 258، و"سير أعلام النبلاء" 1/ 347، و"الإصابة" 1/ 165، و"تهذيب التهذيب" 1/ 253، و"تهذيب ابن عساكر" 3/ 304.
(١١) في (ش): (وخباب وعمار وبلال).
(١٢) في (ش): (نكون تبعًا لهؤلاء أهؤلاء الذين من الله عليهم).
(١٣) أخرجه أحمد في "المسند" 6/ 36 (3985)، تحقيق أحمد شاكر، والطبري 7/ 200، وابن أبي حاتم 4/ 1298، والواحدي في "أسباب النزول" ص 219 - 220، كلهم من هذا الطريق وصحح إسناده أحمد شاكر في "حاشية المسند"، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 21: (رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح، غير كردوس، وهو ثقة) ا.
هـ وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 25، وزاد نسبته إلى: (أبي الشيخ وابن مردويه، وأبي نعيم في "الحلية")، وانظر: "كشف الأستار للهيثمي" 3/ 48.
(١٤) في (ش): (ابن)، وهو تحريف.
(١٥) عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري أبو مالك من الأعراب الجفاة المؤلفة قلوبهم، أسلم قبل الفتح، وشهد فتح مكة وحنينا والطائف، وارتد وتبع طليحة الأسدي، وقاتل معه وأسر وحمل إلى أبي بكر الصديق ، فأسلم وترك فعاش إلى خلافة عثمان .
انظر: "الاستيعاب" 3/ 316، و"تهذيب الأسماء واللغات" 2/ 48، "الإصابة" 3/ 54.
(١٦) الأقرع بن حابس بن عقال بن محمد المجاشعي التميمي، واسمه فراس، والأقرع لقب لقرع في رأسه، وهو من المؤلفة قلوبهم، أسلم وحسن إسلامه وشهد فتح مكة وحنينًا والطائف واليمامة والعراق وكان من الأشراف وسادات العرب، استشهد في خراسان، نحو سنة 31 هـ.
انظر: "الاستيعاب" 1/ 193، و"تهذيب الأسماء واللغات" 1/ 124، و"الإصابة" 1/ 58، و"تهذيب ابن عساكر" 3/ 89، و"الأعلام" 2/ 5.
(١٧) في (ش): (إنا لا يحسن).
(١٨) أخرج ابن ماجه رقم (4127) كتاب: الزهد، باب: مجالسة الفقراء، والطبري في "تفسيره" 11/ 376 - 377، وابن أبي حاتم 3/ 72/ ب، وأبو نعيم في "الحلية" 1/ 146، والبيهقي في "الدلائل" 1/ 352 - 353، والواحدي في "الوسيط" 1/ 42 - 44، وفي "أسباب النزول" ص 221، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 25 وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وأبي يعلى وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه ا.
هـ.
وذكر الحديث ابن حجر في "المطالب العالية" 14/ 651، ونقل الأعظمي في "حاشيته" عن الإمام البوصيري أنه قال: (رواه ابن أبي شيبة وأبو يعلى بسند صحيح) ا.
هـ.
والسند هنا فيه أبو سعد الأزدي مقبول كما في "التقريب" ص 643 (8817)، وفيه أبو الكنود الأزدي مقبول أيضًا كما في "التقريب" ص 669 (8328)، وعليه يحتاج إلى متابعة، ولم أقف له على متابعة، وقد ذكره ابن عطية 5/ 207، وقال: (هذا تأويل بعيد في نزول الآية؛ لأنها مكية، وهؤلاء لم يفدوا إلا في المدينة، ويمكن أن يكون هذا وقع بعد نزول الآية بمدة، اللهم إلا أن تكون الآية مدنية) ا.
هـ.
بتصرف، وقال ابن كثير 2/ 151: (هذا حديث غريب، فالآية مكية والأقرع وعيينة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر) ا.
هـ.
وذكر قول ابن كثير الشيخ أحمد شاكر في "حاشية الطبري"، وقال: (هذا هو الحق إن شاء الله) ا.
هـ.
وأصل القصة ثابتة ولكن بدون تعيين الأقرع وعيينة، فقد أخرج مسلم (2413)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضل سعد بن أبي وقاص، ابن ماجه (4128)، والنسائي في "تفسيره" 1/ 469 - 470، و"الحاكم" 3/ 319، عن سعد بن أبي وقاص قال: (كنا مع النبي ستة نفرٍ، منهم أنا وابن مسعود وبلال، فقال المشركون: تدني هؤلاء، اطردهم لا يجنزون علينا فوقع في نفس رسول الله ما شاء أن يقع فحدث نفسه فنزلت الآية) ا.
هـ.
ملخصًا.
وانظر: "الدر المنثور" 3/ 274.
(١٩) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 46، وابن الجوزي في "المسير" 3/ 47، وانظر: هذا المعنى عند الرازي 12/ 235، والقرطبي 6/ 431.
(٢٠) ذكره الثعلبي في "الكشف" ص 178/ أ، والبغوي 3/ 46، والرازي 12/ 235، وأخرج الطبري 7/ 203، وابن أبي حاتم 4/ 1298 بسند جيد عن ابن عباس قال: (يعبدون ربهم بالصلاة المكتوبة)، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 26.
(٢١) أخرجه الطبري 7/ 203، بسند ضعيف، وذكره هود الهواري في "تفسيره" 1/ 527، والثعلبي ص 178/ أ، والرازي 12/ 235، والقرطبي 6/ 432، وابن كثير 2/ 151.
(٢٢) "تفسير مجاهد" 1/ 215، وأخرجه الطبري 11/ 7/ 203، وابن أبي حاتم 4/ 1298 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 26.
(٢٣) أخرجه الطبري 7/ 204 بسند جيد، وذكره ابن الجوزي 3/ 46، وابن كثير 2/ 151.
(٢٤) أخرجه الطبري 7/ 204، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1298.
(٢٥) إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي، تقدمت ترجمته.
(٢٦) أخرجه الطبري 7/ 205، وابن أبي حاتم 4/ 1298 بسند جيد وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 26.
(٢٧) أخرجه الطبري 7/ 204 بسند جيد وذكره الماوردي 2/ 117 وابن الجوزي 3/ 46.
(٢٨) أخرجه الطبري 7/ 203 - 204، بسند جيد عن عبد الله بن عمر وعن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري وعن عامر الشعبي وغيرهم، والظاهر عموم ذكر الله سبحانه وتعالى، وأول ذلك الصلاة المكتوبة والنوافل وذكره تعالى طرفي النهار، وهو اختيار الطبري 7/ 205 - 206، وابن عطية 5/ 209.
(٢٩) جاء في (أ): (بالغداة)، والرسم القرآني (بِالْغَدَوةِ) بالواو.
(٣٠) قرأ ابن عامر ﴿ بِالغُدْوةِ ﴾ بضم الغين وسكون الدال وواو بعدها من غير ألف، وقرأ الباقون بفتح الغين والدال وألف بعدها من غير واو.
انظر: "السبعة" ص 258، و"المبسوط" ص 168، و"التذكرة" 2/ 398، و"التيسير" ص 102، و"النشر" 2/ 258.
(٣١) في (ش): (ويتعرف)، ووضع عليها في (أ) طمس، والتصحيح من "الحجة" لأبي علي 3/ 319.
(٣٢) في (أ): (موضع)، وهو تحريف.
(٣٣) أم حُبين: دويبة على خلقة الحرباء، عريضة الصدر عظيمة البطن، وقيل: هي أنثى الحرباء.
انظر: "اللسان" 2/ 764 (حبن).
(٣٤) "الكتاب" 3/ 293، وفيه: (وهو قوله أيضًا وهو القياس ..
وكذلك تقول العرب) ا.
هـ.
(٣٥) "الكتاب" 3/ 294.
(٣٦) الضحوة -بفتح الضاد المشددة وسكون الحاء-: كعشية ارتفاع النهار، ولا تستعمل إلا ظرفًا إذا عنيتها من يومك فإن لم تعن بها ذلك صرفتها.
انظر: "اللسان" 5/ 2556 (ضحا).
(٣٧) الفينة -بفتح فسكون-: الحين، والساعة، والوقت من الزمان، عرف بالعلمية والألف واللام.
انظر: "اللسان" 6/ 3504 (فين).
(٣٨) "تهذيب اللغة" 3/ 2727 (فان).
(٣٩) في (ش): (كما يقدر ذلك فيه).
(٤٠) "الحجة" لأبي علي 3/ 319، 6/ 140، مجموع منهما بتصرف واختصار.
== وانظر: "معاني القراءات" 1/ 359، و"إعراب القراءات" 1/ 158، و"الحجة" لابن خالويه ص 140، ولابن زنجلة ص 251، و"الكشف" 1/ 432.
(٤١) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).
(٤٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).
(٤٣) في (ش): (ذلك).
(٤٤) ابن ميادة هو: الرَّمَّاح بن أَبْرَد بن ثَوْبَان بن سُرَاقَة المُرِّيُّ الغطفاني، أبو شُرَحْبِيل، مشهور بنسبته إلى أمه مَيَّادة، وهو شاعر مجيد هجَّاء.
عاصر الدولة الأموية والعباسية، ومدح الخلفاء، توفي سنة 149هـ أو قبلها.
انظر: "الشعر والشعراء" ص520، و"طبقات الشعراء" لابن المعتز ص 105، و"معجم الأدباء" 11/ 143، و"تهذيب ابن عساكر" 5/ 331، و"الأعلام" 3/ 31.
(٤٥) "ديوانه" ص 192، و"معاني الفراء" 2/ 408، وليس في "كلام العرب" لابن خالويه ص 71، و"سر صناعة الإعراب" 2/ 451، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 580، و"الإنصاف" 1/ 317، و"اللسان" 3/ 1898 (زيد)، وهو يمدح الوليد ابن يزيد بن عبد الملك، والأعباء جمع عبء بالكسر وسكون العين، وهو الثقل وأراد أمور الخلافة الشاقة، والكاهل ما بين الكتفين.
والشاهد: (الوليد - واليزيد) حيث أدخل (أل) فيهما للمح الأصل وتقدير التنكير، وهي في الحقيقة زائدة.
انظر: "شرح شواهد المغني" للسيوطي 1/ 164.
(٤٦) "إصلاح المنطق" ص 262، الشاهد لحميد بن ثور الهلالي، شاعر مخضرم، في "اللسان" 5/ 2569 (ضرب) وبلا نسبة في "تهذيب اللغة" 3/ 2106، و"الحلبيات" ص 288، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 366، و"المنصف" 3/ 234، وهو رجز آخره: مكان من أنشأ على الرَّكائب تمنى أن تكون مصاحبة له في سفره معينة في رفع الأحمال على الجمال، وأنشأ أي: ابتدأ السير، والركوب والركائب من الركْب أصحاب الإبل.
انظر شرحه في: "تهذيب إصلاح المنطق" 2/ 72.
(٤٧) في (ش): (أم عمر)، بالعين المهملة وكذلك في "المخصص" 1/ 168، 13/ 216، و"اللسان" 3/ 1563 (ربع) وفي "إصلاح المنطق والمخصص" 11/ 220: (أم الغَمْر) بالغين، قال ابن سيدة: (هكذا رواه ابن السكيت، وعليه لا شاهد فيه على زيادة أل) ا.
هـ وفي "أمالي القالي" 1/ 146: (أم الفَيْض) وأكثر المراجع السابقة (أم العمرو) بالعين المهملة، والشاهد دخول أل على عمرو، وهو علم.
(٤٨) في (ش): (ويدل).
(٤٩) في (أ): (العمروان).
(٥٠) الشاهد لزيد الطائي من ولد عروة بن زيد الخيل في "الكامل" للمبرد 3/ 157، وبلا نسبة في "البصريات" 2/ 414، و"الحلبيات" ص 298، و"سر صناعة الإعراب" 2/ 452، و"اللسان" 3/ 1898 (زيد)، و"مغني اللبيب" 1/ 52، والنقا: الرمل الكثيب، ويوم النقا: الوقعة التي كانت عند النقا، والأبيض: السيف، ويمان: == منسوب إلى اليمن.
والشاهد: زيدنا، زيدكم، حيث أجرى زيدًا مجرى النكرات فأضافه.
انظر: "شرح شواهد المغني للسيوطي" 1/ 165.
(٥١) ما تقدم قول ابن جني في "سر صناعة الإعراب" 2/ 450 - 452، بتصرف واختصار.
(٥٢) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 45، والبغوي 3/ 147، وأبو حيان في "البحر" 4/ 136، وفي "تنوير المقباس" 2/ 23، قال: (يريدون بذلك وجه الله ورضاه) ا.
هـ.
(٥٣) هنا وقع اضطراب في نسخة (ش) فوقع تفسير هذه الآية في 100 ب.
(٥٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 2/ 251.
(٥٥) لفظ: (الواو): ساقط من (أ).
(٥٦) "معاني القرآن" 3/ 281، وأكثرهم ذكر هذه الوجوه، قال الطبري 7/ 205: (أي: يلتمسون بذلك القربة إلى الله والدنو من رضاه) ا.
هـ.
وانظر: "تأويل مشكل القرآن" ص 254، والماوردي 2/ 118، والبغوي 3/ 147، وابن عطية 5/ 210، وابن الجوزي 3/ 47، والرازي 12/ 236، والقرطبي 6/ 432، وهذا مجاز وتأويل والأولى الحمل على الحقيقة، قال السمرقندي 1/ 487: (يعني: يريدون بصلواتهم وجه الله تعالى) ا.
هـ.
وقال ابن كثير 2/ 151: (أي: يريدون بذلك العمل وجه الله الكريم) ا.
هـ.
وقال ابن القيم في "مختصر الصواعق" 3/ 992 - 1023: (وجه الرب حيث ورد في الكتاب والسنة فليس بمجاز بل على الحقيقة، وصرفه عن هذا خروج عن الأصل والظاهر بلا موجب، وحمله على الثواب المنفصل من أبطل الباطل، فإن اللغة لا تحتمل ذلك، ولا يعرف أن الجزاء يسمى وجهًا للمُجازى) ا.
هـ ملخصًا، وانظر: المفسرون بين التأويل والإثبات في "آيات الصفات" للمغراوي ص 59 - 74.
(٥٧) لم أقف عليه.
(٥٨) انظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 487، و"الكشاف" 2/ 22، ابن عطية 5/ 210 ، ورجح عودة الضمير في: ﴿ حِسَابِهِمْ ﴾ و ﴿ عَلَيْهِمْ ﴾ على المشركين والضمير في == ﴿ فَتَطْرُدَهُمْ ﴾ على الضعفاء من المؤمنين، ويؤيده أن ما بعد الفاء سبب لما قبلها.
(٥٩) ورجح هذا القول الرازي 12/ 236، وأبو حيان في "البحر" 4/ 137، والسمين في "الدر" 4/ 644 - 645.
(٦٠) لفظ: (قولين) ساقط من (ش).
(٦١) ذكره ابن الجوزي 3/ 47، وذكره ابن عطية 5/ 211، وأبو حيان في "البحر" 4/ 136 عن الحسن والجمهور.
(٦٢) لم أقف عليه.
(٦٣) ذكره الزجاج في "معانيه" 2/ 251 - 252، وانظر: "تفسير الرازي" 12/ 237.
(٦٤) لفظ: (ما حساب) ساقط من (أ).
(٦٥) ما بين المعقوفين ساقط من أصل (أ)، وملحق بالهامش.
(٦٦) لم أقف عليه في "معانيه"، وفي "الكشاف" 2/ 22 نحوه.
(٦٧) هذا اختيار الطبري في "تفسيره" 7/ 206.
(٦٨) هذا قول الطبري في "تفسيره" 7/ 206، والزجاج في "معانيه" 2/ 252، والنحاس في "معانيه" 2/ 430، ومكي في "المشكل" 1/ 253، وانظر: "الدر المصون" 4/ 646.
(٦٩) "تنوير المقباس" 2/ 23.
(٧٠) الظلم في اللغة: وضع الشيء في غير موضعه المختص به إما بنقصان أو بزيادة وإما بعدول عن وقه أو مكانه.
والظلم: الميل عن القصد ومجاوزة الحق.
انظر: "العين" 8/ 162، و"الجمهرة" 2/ 934، و"تهذيب اللغة" 3/ 2248، و"الصحاح" 5/ 1977، و"مقاييس اللغة" 3/ 468، و"المجمل" 2/ 601، و"المفردات" ص 537، و"اللسان" 5/ 2756 (ظلم).
(٧١) أخرجه ابن أبي حاتم 4/ 1299 بسند جيد.
(٧٢) انظر: "تفسير الرازي" 12/ 237.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ﴾ الآية: نزلت في ضعفاء المؤمنين.
كبلال، وعمار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود، وخباب وصهيب، وأمثالهم، وكان بعض المشركين من قريش قد قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لا يمكننا أن نختلط مع هؤلاء لشرفنا فلو طردتهم لاتبعناك، فنزلت هذه الآية عبارة عن دوام الفعل، ويدعون هنا من الدعاء وذكر الله أو بمعنى العبادة ﴿ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾ إخبار عن إخلاصهم لله وفيه تزكية لهم ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم ﴾ الآية؛ قيل: الضمير في حسابهم للذين يدعون، وقيل: للمشركين، والمعنى على هذا لا تحاسب عنهم، ولا يحاسبون عنك، فلا تهتم بأمرهم حتى تطرد هؤلاء من أجلهم، والأوّل أرجح، لقوله: ﴿ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الذين آمنوا ﴾ [هود: 29] وقوله: ﴿ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ على رَبِّي ﴾ [الشعراء: 113]، والمعنى على هذا أنّ الله هو الذي يحاسبهم فلأي شيء تطردهم ﴿ فَتَطْرُدَهُمْ ﴾ هذا جواب النفي في قوله ما عليكم ﴿ فَتَكُونَ مِنَ الظالمين ﴾ هذا جواب النهي في قوله ولا تطرد أو عطف على فتطردهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ بالغدوة ﴾ مضموم الغين ساكن الدال مفتوح الواو وكذا في الكهف: ابن عامر الباقون: بفتح الغين والدال وبالألف ﴿ أنه ﴾ بالفتح ﴿ فإنه ﴾ بالكسر: أبو جعفر ونافع.
وقرأ ابن عامر وعاصم وسهل ويعقوب جميعاً بالفتح.
الباقون: بالكسر فيهما ﴿ وليستبين ﴾ بياء الغيبة: زيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل.
الباقون: بالتاء الفوقانية ﴿ سبيل ﴾ بالنصب: أبو جعفر ونافع وزيد.
الباقون: بالرفع ﴿ يقص ﴾ ابن كثير وأبو جعفر ونافع وعاصم.
الباقون ﴿ يقضي الحق ﴾ .
الوقوف: ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ وجهه ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ من بيننا ﴾ ط ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ الرحمة ﴾ ط لمن قرأ ﴿ أنه ﴾ بكس الألف ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ أهواءكم ﴾ لا لتعيين "إذا" بما قبله أي قد ضللت "إذا" اتبعت ﴿ المهتدين ﴾ ه ﴿ وكذبتم به ﴾ ط ﴿ تستعجلون به ﴾ ط ﴿ لله ﴾ ط ﴿ الفاصلين ﴾ ه ﴿ وبينكم ﴾ ط ﴿ بالظالمين ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ والبحر ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار مع اتحاد المقصود.
﴿ تعملون ﴾ ه.
التفسير: لما وصف الرسل بكونهم مبشرين ومنذرين أمر الرسول بالإنذار وهو الإعلام بموضع المخافة فقال له ﴿ وأنذر به ﴾ قال ابن عباس والزجاج: أي بالقرآن وهو المذكور هنا في قوله ﴿ إن أتبع إلا ما يوحى إليّ ﴾ وقال الضحاك: أي بالله.
قيل: والأول أولى لأن الإنذار والتخويف إنما يقع بالقول وفيه نظر، لأن الإنذار لا نزاع فيه أنه قول ولكن المنذر به قلما يكون قولاً لقوله ﴿ وأنذرهم يوم الآزفة ﴾ ﴿ فأنذرتكم ناراً تلظى ﴾ ولو زعم أن المراد وأنذرهم النار والعذاب بواسطة القرآن قلنا: فقدر مثله ههنا، والمعنى أنذرهم العذاب بقول ينبىء عن شدة سخط الله وعقوبته.
أما ﴿ الذين يخافون أن يحشروا ﴾ فقيل: إنهم الكافرون الذين سبق ذكرهم، فلعل ناساً من المشركين من حالهم أنهم يخافون إذا سمعوا بحديث البعث أن يكون حقاً فيهلكوا فهم ممن يرجى أن ينجع فيهم الإنذار فأمر أن ينذر هؤلاء دون المتمردين منهم.
ثم قال هذا القائل ولا يجوز حمله على المؤمنين لأنهم يعلمون أنهم يحشرون، والعلم خلاف الخوف والظن.
وضعف بأن الخوف شامل للناس كافة لعدم الجزم بالثواب وقبول الطاعة وإن كانوا مقرين بصحة الحشر والنشر فالظاهر أن الضمير يتناول الكل لأن العاقل لا بد أن يخاف الحشر سواء كان جازماً به أو شاكاً فيه.
وأيضاً إنه مأمور بتبليغ الكل فلا وجه للتخصيص.
وقيل: إنهم قوم مسلمون مفرطون في العمل فينذرهم بما أوحي إليه لعلهم يدخلون في زمرة أهل التقوى من المسلمين.
وقيل: هم أهل الكتاب لأنهم مقرون بالعبث.
ومعنى ﴿ إلى ربهم ﴾ إلى حكمه وقضائه فلا يلزم منه مكان ولا جهة.
أما قوله ﴿ ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع ﴾ فقال الزجاج: إن الجملة في موضع الحال من ضمير ﴿ يحشروا ﴾ أي يخافون أن يحشروا غير منصورين ولا مشفوعاً لهم.
فإن كان الضمير للكفار فظاهر، وإن كان للمؤمنين فشفاعة الملائكة والرسل إذا كانت بإذن الله فإنها تكون بالحقيقة من الله فصح أنه ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع، ولا بد من هذه الحال لأن الحشر مطلقاً ليس مخوفا وإنما المخوف هو الحشر على هذه الحالة لأنهم اعتقدوا أن لا ناصر ولا شفيع إلا الله وإذا لم يكن الله ناصراً وشفيعاً لزم أن لا يكون ناصراً أصلاً.
﴿ لعلهم يتقون ﴾ قال ابن عباس: لكي يخافوا في الدنيا وينتهوا عن الكفر والمعاصي.
قالت المعتزلة: فيه دلالة على أنه أراد من الكفار التقوى والطاعة.
وأجيب بأن الترجي راجع إلى العباد.
ولما أمر بإنذار عموم المكلفين ليتقوا أردفهم بذكر المتقين وأمر بتقريبهم وإكرامهم.
"روي عن ابن مسعود أن الملأ من قريش مروا على رسول الله - وعنده صهيب وبلال وخباب وعمار وغيرهم من ضعفاء المسلمين - فقالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء أتريد أن نكون تبعاً لهؤلاء؟
اطردهم عنك فلعلك إن طردتهم اتبعناك.
فقال : ما أنا بطارد المؤمنين.
فقالوا: فأقمهم عنا إذا جئنا فإذا قمنا فأقعدهم معك إن شئت.
فقال: نعم طمعاً في إيمانهم" .
وروي أن عمر قال له: لو فعلت حتى ننظر إلى ماذا يصيرون.
ثم إنهم قالوا للرسول : اكتب بذلك كتاباً، فدعا الصحيفة وبعلي ليكتب فنزلت ﴿ ولا تطرد ﴾ الآية.
فرمى بالصحيفة واعتذر عمر عن مقالته.
قال سلمان وخباب: فينا نزلت.
فكان رسول الله يقعد معنا وندنو منه حتى تمس ركبتنا ركبته، وكان يقوم عنا إذا أراد القيام فنزلت ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم ﴾ فترك القيام عنا إلى أن نقوم عنه.
وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي معكم المحيا ومعكم الممات، أثنى الله عليهم بأنهم يدعون ربهم بالغداة والعشي.
قال ابن عباس والحسن ومجاهد: أي يصلون صلاة الصبح والعصر.
وقيل: أي يذكرون ربهم طرفي النهار، والمراد بالغداة والعشي الدوام.
والغداة لغة ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، والعشي ما بين الزوال إلى الغروب.
قال الجوهري: غدوة بالتنوين نكرة وبدونه معرفة غير مصروفة كسحر.
ومحل ﴿ يريدون وجهه ﴾ نصب على الحال أو على الاستئناف كأنه قيل: ما أرادوا بالمواظبة على الدعاء؟
فأجيب بقوله ﴿ يريدون وجهه ﴾ ولا يثبت به لله عضو كما زعمت المجسمة ولكن المراد به التعظيم، فقد يعبر به عن ذات الشيء أو حقيقته كما يقال: هذا وجه الرأي وذاك وجه الدليل.
وأيضاً المحبة تستلزم طلب رؤية الوجه فلهذا السبب جعل الوجه كناية عن المحبة وطلب الرضا.
ثم علل النهي بقوله ﴿ ما عليك من حسابهم من شيء ﴾ قيل: الضمير عائد إلى المشركين أي لا يؤاخذوا بحسابك ولا أنت بحسابهم حتى يهمك إيمانهم ويدعوك ذلك إلى أن تطرد المؤمنين، والأولى أن يعود إلى الفقراء ليناسب قوله ﴿ فتطردهم ﴾ كما في قصة نوح ﴿ إن حسابهم إلا على ربي ﴾ وذلك أنهم طعنوا في دينهم وإخلاصهم كان الأمر على ما زعموا فيما يلزمك إلا اعتبار الظاهر إن كان لهم باطن غير مرضي فحسابهم لا يتعدى إليك كما أن حسابك لا يتعدى إليهم، فالجملتان لهما مؤدى واحد وهو المفهوم من قوله ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ كأنه قيل: لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه.
وقيل: ما عليك من حساب رزقهم من شيء ولا من حساب رزقك عليهم من شيء.
وإنما الرازق لك ولهم هو الله فدعهم يكونوا عندك، أما قوله ﴿ فتطردهم ﴾ فهو جواب النفي في ﴿ ما عليك ﴾ وفي انتصاب ﴿ فتكون ﴾ وجهان: أحدهما أنه جواب النهي، والثاني أنه عطف على ﴿ فتطردهم ﴾ على وجه التسبب، لأن كونه ظالماً معلوم من طردهم ومسبب عنه، فإن طرد من يستوجب التقريب والترحيب وضع للشيء في غير موضعه ومن هنا طعن بعض الناس في عصمة النبي قالوا: كان يقول كلما دخل أولئك الفقراء عليه بعد هذه الواقعة مرحباً بمن عاتبني ربي فيهم أو لفظ هذا معناه.
والجواب أنه ما طردهم لأجل الاستخفاف بهم والاستنكاف من فقرهم وإنما أفرد لهم مجلساً تألفاً لقلوبالمشركين وتكثيراً لسواد الإسلام مع علمه بأنه لا يفوت الفقراء بهذه المصالحة أمر مهم في الدنيا ولا في الدين، فغاية ذلك أنه يكون من باب تبرك الأولى والأفضل، ﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ذلك الفتن العظيم ﴿ فتنا ﴾ ابتلينا بعض الناس ببعض، فأحد الفريقين وهم الكفار يرى الآخر مقدماً عليه في المناصب الدينية فيقول ﴿ أهؤلاء ﴾ المسترذلون ﴿ منّ الله عليهم من بيننا ﴾ كقوله: ﴿ أألقي الذكر عليه من بيننا ﴾ والفريق الآخر يرى الأول مقدماً عليه في الخيرات العاجلة والخصب والسعة الراحة والدعة فيقول: أهذا هو الذي فضله الله علينا.
وأما المحققون فهم الذين يعلمون أن كل ما فعله الله فهو صواب، ولا اعتراض عليه بحكم المالكية وبحسب رعاية الأصلح.
وبالجملة فصفات الكمال غير محصورة ولا تجتمع في إنسان واحد ألبتة بل هي موزعة على الخلائق وكلها محبوبة لذاتها.
فكل إنسان يحسد صاحبه على ما آتاه الله من صفة الكمال، فمن عرف سر القدر رضي بنصيب نفسه وسكت عن التعرض لغيره وعاش عيشاً طيباً في الدنيا والآخرة.
قال هشام بن الحكم الافتتان الاختبار والامتحان، وفيه دليل على أنه لا يعلم الجزيئات إلا عن حدوثها.
والجواب أنه يعامل المكلف معاملة المختبر وقد مر مراراً.
وقالت الأشاعرة: في الآية دلالة على مسألة خلق الأعمال لأن تلك الفتنة التي ألقاها الله ليست إلا اعتراضهم على الله والاعتراض عليه كفر.
فهو خالق للكفر.
وأيضاً منة الله عليهم ليست إلا بالإيمان ومتابعة الرسول، فلو كان الموجد للإيمان هو العبد كان العبد هو المان على نفسه.
أجاب المعتزلة بأن معنى فتناهم ليقولوا خذلناهم حتى آل أمرهم إلى أن قالوا: فتكون اللام لام العاقبة، وزيف بأنه عدول عن الظاهر مع أنا ننقل الكلام إلى الخذلان فلا بد من الانتهاء إليه تعالى ﴿ أليس الله بأعلم بالشاكرين ﴾ بمن يصرف كل ما أنعم به عليه فيما أعطاه لأجله فيظهر أفعاله على حسب معلوم الله .
وقال في الكشاف: أي الله أعلم بمن يقع منه الإيمان والشكر فيوفقه للإيمان، وبمن يصمم على كفره فيخذله ويمنعه التوفيق.
﴿ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا ﴾ قال عكرمة: نزلت في الذين نهى الله نبيّه عن طردهم وكان إذا رآهم بدأهم بالسلام، وقال: "الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام" .
وقال ماهان الحنفي: أتى قوم النبي فقالوا: إنا أصبنا ذنوباً عظاماً، وأظهروا الندامة والأسف فما أخاله رد عليهم بشيء.
فلما ذهبوا وتولوا نزلت الآية.
قال في التفسير الكبير: الأقرب أن تحمل الآية على عمومها، فكل من آمن بآيات الله يدخل تحت هذا التشريف والإكرام ثم أبدى إشكالاً وهو أن المفسرين اتفقوا على أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يمكن أن يقال في كل واحدة من جميع آي هذه السورة إنها نزلت بسبب الأمر الفلاني؟
قلت: لا استبعاد في أن تنزل السورة دفعة وينزل الصحابة كل آية منها على واقعة تناسبها، كيف وهم أعرف بحقائق التنزيل وأعلم بدقائق التأويل لأنهم أهل مشاهدة الوحي وأرباب مزاولة الأمر والنهي؟!
واعلم أن ما سوى الله فهو آيات وجود الله،وأنها لا تكاد تنحصر فيجب على المكلف أن يكون مدة حياته كالسابح في تلك البحار والسائح في هذه القفار ليكون دائماً مترقياً في معارجها مترقباً أن تفيض عليه الأنوار من مدارجها فيستعد لبشارة ﴿ سلام عليكم ﴾ ويستأهل لكرامة ﴿ كتب ربكم على نفسه الرحمة ﴾ ﴿ فقل سلام عليكم ﴾ إما أن يكون أمراً بتبليغ سلام الله إليهم، وإما أن يكون أمراً بأن يبدأهم بالسلام إكراماً لهم.
قال الزجاج: ﴿ سلام ﴾ إما مصدر "سلمت سلاماً وتسليماً" مثل: كلمت كلاماً وتكليماً.
ومعناه الدعاء بأن يسلم من الآفات في نفسه ودينه، وإما أن يكون جمع سلامة.
وقيل: السلام هو الله أي الله عليكم أي على حفظكم ولعل هذا الوجه إنما يتأتى في المعرف لا في المنكر.
﴿ كتب ربكم ﴾ من جملة المقول لهم تبشيراً بسعة رحمة الله وقبوله التوبة.
ومعنى كتب على نفسه أوجب على ذاته إيجاب الكرم لا إيجاباً يستحق بتركه الذم.
وقالت المعتزلة: كونه عالماً بقبح القبائح وباستغنائه عنها يمنعه عن الإقدام عليها ولو فعل كان ظلماً، وإيجاب الرحمة ينافي القول بأنه منع الكافر من الإيمان ثم أمره حال ذلك المنع بالإيمان ثم يعذبه على ترك ذلك الإيمان، وأجيب بأنه فاعل لما يشاء ولا اعتراض عليه.
﴿ أنه من عمل ﴾ من قرأ بالفتح فعلى الإبدال من الرحمة، ومن قرأ بالكسر فعلى الاستئناف كأن الرحمة استفسرت فقيل: إنه من عمل ﴿ منكم سوءاً بجهالة ﴾ وهو في موضع الحال أي عمله وهو جاهل.
والمراد أنه فاعل فعل الجهال لأن من عمل ما يضره في العاقبة وهو عالم بذلك أو ظان فهو من أهل السفه لا من أهل الحكمة والتدبير، أو أنه جاهل بعاقبته ومن حق الحكيم أن لا يقدم على ما لا يعرف مآل حاله.
﴿ ثم تاب من بعده ﴾ بأن يندم على ما فعله ﴿ وأصلح ﴾ العمل في المستقبل ﴿ فأنه غفور ﴾ يزيل العقاب عنه ﴿ رحيم ﴾ يوصل الثواب إليه من قرأ بالكسر فعلى: أن الجملة جزاء للشرط، ومن قرأ بالفتحفعلى أن الخبر أو المبتدأ محذوف أي فغفرانه كائن أو فأمره أنه غفور.
قيل: إن الآية نزلتفي عمر حين أشار بإجابة الكفرة إلى ما طلبوا ولم يعلم أنها مفسدة.
﴿ وكذلك ﴾ أي كما فصلنا في هذه السورة دلائلنا على التوحيد والنبوة والقضاء والقدر ﴿ نفصل الآيات ﴾ ونميزها لك في تقرير كل حق ينكره أهل الباطل ﴿ وليستبين ﴾ معطوف على محذوف كأنه قيل: ليظهر الحق وليستبين، أو معلق بمحذوف أي وليستبين سبيل المجرمين فصلنا ذلك التفصيل البين.
من رفع "السبيل" قرأ ﴿ ليستبين ﴾ بالياء أو بالتاء لأن السبيل يذكر ويؤنث، ومن نصب السبيل قرأ ﴿ لتستبين ﴾ بتاء الخطاب مع الرسول يقال: استبان الأمر وتبين واستبنته وتبينته واستبانة سبيل المجرمين تستلزم استبانة طريق المحقين، فلذلك اقتصر على أحدهما كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر ﴾ ولم يذكر البرد.
وإنما ذكر المجرمين دون المحقين لأن طريق الحق واحد والمجرمون أصناف يشتبه أمرهم، فمنهم من هو مطبوع على قلبه، ومنهم من يرجى فيهم قبول الإسلام، ومنهم من دخل في الإسلام إلا أنه لا يحفظ حدوده فينبغي أن يستوضح سبيلهم ليعامل كلاً منهم بما يجب، ومن جملة ذلك أنه نهى عن عبادة معبوداتهم وذلك قوله ﴿ قل إني نهيت ﴾ أي صرفت بدلائل العقلية والسمعية ﴿ أن أعبد الذين تدعون ﴾ تعبدون ﴿ من دون الله قل لا أتبع أهواءكم ﴾ لأن عبادة المصنوع والمخلوف محض التقليد وعين الهواى ﴿ قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين ﴾ أثبت الضلال إذ ذاك ونفى الهدى مع أنهما متلازمان للتقرير والتأكيد، وفيه تعريض بهم أنهم كذلك.
ثم نبه على ما يجب اتباعه بقوله ﴿ قل إني على بينة من ربي ﴾ على حجة واضحة من مغفرة ربي وأنه لا معبود سواه ﴿ وكذبتم ﴾ أنتم به حيث أشركتم به غيره.
يقال: أنا على بينة من هذا الأمر وأنا على يقين منه إذا كان ثابتاً عنده بدليل.
وقيل: أي على حجة من جهة ربي وهي القرآن ﴿ وكذبتم به ﴾ أي بالبينة وذكر الضمير على تأويل القرآن أو البيان.
﴿ ما عندي ما تستعجلون به ﴾ يعني العذاب الذي استعجلوه في قولهم ﴿ إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ﴾ قال الكلبي: نزلت في النضر بن الحرث ورؤساء قريش كانوا يقولون: يا محمد آتنا بالعذاب الذي تعدنا به استهزاء منهم.
﴿ إن الحكم إلا لله ﴾ مطلق يتناول الكل.
فقال الأشاعرة: لا يقدر العبد على أمر من الأمور إلا إذا قضى الله فيمتنع منه فعل الكفر إلا بإرادة الله، واحتجت المعتزلة بقوله ﴿ يقضي الحق ﴾ أي كل ما قضى به فهو الحق، وهذا يقتضي أن لا يريد الكفر من الكافر ولا المعصية من العاصي لأن ذلك ليس بحق.
ويمكن أن يقال: إن جميع أحكامه حق وصدق ولا اعتراض لأحد عليه بحكم المالكية.
وانتصاب ﴿ الحق ﴾ على أنه صفة مصدر أي يقضي القضاء الحق، أو مفعول به من قولهم: قضى الدرع إذا صنعها أي يصنع الحق ويدبره.
ومثله من قرأ ﴿ يقصر الحق ﴾ كقوله ﴿ نحن نقص عليك أحسن القصص ﴾ أي يقول الحق أو يتبعه من قص أثره ﴿ وهو خير الفاصلين ﴾ أي القاضي، وإنما كتب ﴿ يقض ﴾ في المصاحف بغير ياء لأنها سقطت في اللفظ لالتقاء الساكنين، وليوافق قراءة ﴿ يقص ﴾ ﴿ قل لو أن عندي ﴾ أي في قدرتي وإمكاني ﴿ ما تستعجلون ﴾ من العذاب ﴿ لقضي الأمر ﴾ أمر الإهلاك ﴿ بيني وبينكم ﴾ عاجلاً غضباً لربي ﴿ والله أعلم بالظالمين ﴾ فيؤخر عقابهم إلى وقته وأنا لا أعلم ما يجب في الحكمة من وقت عقابهم ومقداره.
فإن قلت: أما يناقض هذا قوله ﴿ فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ﴾ فإن استعجال الهلاك ينافي الحرص على الإيمان، لأن من حرص على إيمان أحد حرص على طول حياته طمعاً في إيمانه.
قلت: لا، بل يؤكده لاشتراك كل من الحكمين في الاستعجال اللازم للبشرية في قوله ﴿ وكان الإنسان عجولا ﴾ ثم بين أعلميته بقوله على سبيل الاستعارة ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ أراد أن المتوصل إلى المغيبات وحده كمن عنده مفاتح أقفال المخازن ويعلم فتحها ولم يمنعه من ذلك مانع، والمفاتح جمع مفتح وهو المفتاح، أو جمع مفتح بفتح الميم وهو المخزن، قال الحكيم في بيانه: إن العلم بالعلة التامة يوجب العلم بالمعلول وكل ما سوى الواجب فإنه موجود بإيجاده وتكوينه بواسطة أو بوسائط، فعلمه بذاته يوجب العلم بجميع آثاره على ترتيبها المعتبر - كليات كانت أو جزيئات - وعلمه بذاته لم يحصل إلا لذاته فصح ان يقال: وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو.
وفيه أنه لا ضد له ولا ند إذ لو كان في الوجود واجب آخر لكانت مفاتح الغيب حاصلة أيضاً عنده فيبطل هذا الحصر، ولا يمكن أن تكون هذه المفاتح عند شيء من الممكنات لأن المحاط لا يحيط بمحيطه فلا يحيط ما دون الواجب بالواجب، فلا يكون المفتاح الأوّل للعلم بجميع المعلومات إلا عنده.
ثم إن قوله ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ قضية معقولة مجردة، والإنسان الذي يقوي على الإحاطة بمعنى هذه القضية نادر جداً والقرآن إنما نزل لينتفع به جميع الناس فذكر من الأمور المحسوسة الداخلة تحت تلك القضية الكلية أمثالاً لها ليعين الحس العقل فقال ﴿ ويعلم ما في البر والبحر ﴾ لأن ذكر هذا المحسوس يكشف عن حقيقة عظيمة لذلك المعقول، وقدم ذكر البر لأن الإنسان قد شاهد أحوال البر وكثرة ما فيه من المدن والقرى والجبال والتلال والمعادن والنبات والحيوان، وأما البحر فإحاطة الحس بأحواله أقل مع كثرة ما فيها من العجائب والغرائب أيضاً.
ثم أفرد من هذه المحسوسات قسماً فقال ﴿ وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ﴾ أي لا يتغير حال ورقة إلا والحق يعلمها.
ثم عدل عن التعجيب من كثرة المدركات إلى التعجيب من صغر المدرك وخفائه فقال ﴿ ولا حبة في ظلمات الأرض ﴾ وفي تخصيص الحبة والورقة تنبيه للمكلفين على أمر الحساب لأنه إذا كان بحيث لا يهمل أمر الأشياء التي ليس لها ثواب ولا عقاب فلأن لا يهمل أمر المكلفين أولى.
ثم عاد إلى ذكر القضية الكلية المجردة بعبارة أخرى فقال ﴿ ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ﴾ قال في الكشاف: ولا حبة ولا رطب ولا يابس عطف على ورقة وداخل في حكمها كأنه قيل: وما يسقط شيء من هذه الأشياء إلا وهو يعلمه.
وقوله ﴿ إلا في كتاب مبين ﴾ كالتكرير لقوله ﴿ إلا يعلمها ﴾ ومعنى ﴿ إلا في كتاب مبين ﴾ واحد.
والكتاب المبين علم الله أو اللوح.
قال علماء التفسير: يجوز أن يكون الله جل شأنه أثبت كيفية المعلومات في كتاب من قبل أن يخلق الخلق لتقف الملائكة على نفاذ علمه في المعلومات وأنه لا يغيب عنه شيء، فيكون في ذلك عبرة كاملة للملائكة الموكلين باللوح المحفوظ لأنهم يقابلون به ما يحدث في العالم فيجدونه موافقاً له.
أو لأنه إذا كتب أحوال جميع الموجودات في ذلك الكتاب على التفصيل التام امتنع تغيرها وإلا لزم الكذب أو الجهل فتصير كتبة جملة الأحوال في ذلك الكتاب سبباً تاماً في أنه يمتنع تقدم ما تأخر وتأخر ما تقدم.
ثم لما بين كمال علمه أردفه ببيان كمال قدرته بقوله ﴿ وهو الذي يتوفاكم ﴾ أي يتوفى أنفسكم التي بها تقدرون على الإدراك والتمييز.
وذلك أن الأرواح الجسمانية تغور حالة النوم من الظاهر إلى الباطن فتتعطل الحواس عن بعض الاعمال، وأما عند الموت فتصير جملة البدن معطلة عن كل الأعمال فلهذا كان النوم أخا الموت فصح إطلاق لفظ الوفاة على النوم من هذا الوجه ﴿ ويعلم ما جرحتم ﴾ أي ما كسبتم من العمل بالنهار ومنه الجوارح للأعضاء وللسباع ﴿ ثم يبعثكم فيه ﴾ أي يردّ إليكم أرواحكم بالنهار ﴿ ليقضي أجل مسمى ﴾ أي أعماركم المكتوبة.
وقضاء الأجل فصل مدة العمر من غيرها بالموت.
ثم لما ذكر أنه يميتهم أولاً ثم يوقظهم ثانياً كان ذلك جارياً مجرى الإحياء بعد الإماتة فلا جرم استدل بذلك على صحة البعث في القيامة فقال ﴿ ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون ﴾ في ليلكم ونهاركم وجميع أحوالكم وأوقاتكم.
واعلم أن في هذه الآية إشكالاً لأن قوله ﴿ ويعلم ما جرحتم بالنهار ﴾ كان ينبغي أن يكون بعد قوله ﴿ ثم يبعثكم فيه ﴾ فإن البعث في النهار مقدم على الكسب فيه بل على تعلق العلم بالكسب.
ويمكن أن يجاب بأن المراد ويعلم ما جرحتم في النهار الماضي بدليل قوله ﴿ جرحتم ﴾ دون "تجرحون" ثم يبعثكم في النهار الآتي.
والغرض بيان إحاطة علمه وقدرته بالزمانين المحيطين بالليل.
ولعل صاحب الكشاف لمكان هذا الإشكال عدل عن هذا التفسير إلى أن قال: ﴿ وهو الذي يتوفاكم بالليل ﴾ والخطاب للكفرة أي أنتم منسدحون الليل كالحيف.
والانسداح الانبطاح أو الاستلقاء ﴿ ويعلم ما جرحتم بالنهار ﴾ ما كسبتم من الآثام فيه ﴿ ثم يبعثكم ﴾ من القبور ﴿ فيه ﴾ أي في شأن ذلك الذي قطعتم به أعماركم من النوم بالليل وكسب الآثام في النهار ومن أجله كقولك: فيم دغوتني؟
فيقول: في أمر كذا ﴿ ليقضي أجل مسمى ﴾ وهو الأجل الذي سماه وضربه لبعث الموتى وجزائهم على أعمالهم ﴿ ثم إليه مرجعكم ﴾ وهو المرجع إلى موقف الحساب.
والأصوب عندي أن يقال: الخطاب عام، وكذا الكسب في النهار فينبغي أن لا يقيد بالآثام.
أما الضمير في ﴿ فيه ﴾ فيكون جارياً مجرى اسم الإشارة إلى الكسب.
والبعث هو البعث من القبور إلى آخر ما قال والله علم.
التأويل: ﴿ وأنذر به ﴾ أي بهذه الحقائق والمعاني ﴿ الذين يخافون ﴾ أي يرجون ﴿ أن يحشروا إلى ربهم ﴾ بجذبات العناية ويتحقق لهم أن ﴿ ليس لهم ﴾ في الوصول إلى الله ﴿ من دونه ولي ﴾ من الأولياء ﴿ ولا شفيع ﴾ يعني من الأنبياء، لأن الوصول لا يمكن إلا بجذبات الحق.
﴿ ولا تطرد الذين يدعون ﴾ أخبر عن الفقراء أنهم جلساؤه بالغداة والعشي كما قال "أنا جليس من ذكرني" فلا تطردهم عن مجالستك فإنهم يطلبوني في متابعتك لا يريدون الدنيا ولا الآخرة ولكن يريدون وجهه.
وكل له سؤل ودين ومذهب *** ووصلكم سؤلي وديني رضاكم قال المحققون: الإرادة اهتياج يحصل في القلب يسلب القرار من العبد حتى يصلإلى الله.
فصاحب الإرادة لا يهدأ ليلاً ولا نهاراً، ولا يجد من دون الوصول إلى الله سكوناً ولا قراراً ﴿ ما عليك من حسابهم من شيء ﴾ يعني الذي لنا معك في الحساب من المواصلة والتوحيد في الخلوة فإنهم ليسوا في شيء من ذلك ليكون عليك ثقلاً ﴿ وما من حسابك عليهم من شيء ﴾ أي الذي لنا معهم في الحساب من التفرد للوصول والوصال ليس لك إلى ذلك حاجة ليثقل عليهم ﴿ فتطردهم ﴾ فتكسر قلوبهم بالطرد ﴿ فتكون من الظالمين ﴾ بوضع الكسر مقام الجبر فإنك بعثت لجبر قلوبهم لا لكسر قلوبهم كقوله ﴿ واخفض جناحك للمؤمنين ﴾ ﴿ وكذلك فتنا بعضهم ببعض ﴾ ليشكر الفاضل وليصبر المفضول فيستويان في الفضل فلهذا قيل: لسليمان ولأيوب كليهما: نعم العبد.
مع قدرة سليمان على أسباب الطاعة وعجز أيوب عنها.
ومن فتنة الفاضل في المفضول رؤية فضله على المفضول أو تحقيره، ومنع حقه عنه في فضله، ومن فتنة المفضول في الفاضل حسده على فضله وسخطه عليه في منع حقه من فضله عنه، فإن المعطي والمانع هو الله.
ومنه أن لا يرىالفاضل مستحقاً للفضل ليقولوا ﴿ أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا ﴾ ﴿ فقل سلام عليكم ﴾ إنه من كمال فضله على الفقراء حملهم محمل الأكابر والملوك في الدنيا فقال لنبيه : "كن مبتدئاً بالسلام عليهم وفي الآخرة فألهم الملائكة أن يسلموا عليهم في الجنة" { ﴿ سلام عليكم طبتم ﴾ بل سلم بذاته عليهم ﴿ سلام قولاً من رب رحيم ﴾ وكل ذلك نتيجة سلامتهم من ظلمة الخلقة بإصابة رشاش النور في الأزل فلهذا قال ﴿ كتب ربكم على نفسه الرحمة ﴾ أي الرحمة الخاصة كما خص الخضر في قوله ﴿ وآتيناه رحمة من عندنا ﴾ والرحمة العامة كما في الحديث الرباني للجنة "إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي" ﴿ أنه من عمل منكم ﴾ أي من المؤمنين ﴿ سوءاً بجهالة ﴾ أي بجهالة الجهولية التي جبل الإنسان عليها لا بجهالة الضلالة التي هي نتيجة إخطاء النور فإن هذه لا توبة لها ﴿ ثم تاب من بعده ﴾ أي رجع إلى الله بقدم السير من بعد إفساد الاستعداد الفطري وأصلح الاستعداد بالأعمال الصالحة لقبول الفيض.
﴿ قل إني نهيت ﴾ في الأزل بإصابة النور المرشش.
﴿ ما عندي ما تستعجلون به ﴾ من عبادة الهوى ﴿ لقضي الأمر ﴾ يعني أمر القتال والخصومات ولاسترحت من أذيتكم لأن الشيء إنما ينفعل عن ضده لا عن شبيهه ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ يعني العلوم العقلية التي هي سبب فتح باب صور عالم الشهادة كالنقاش ينشيء الصور في ذهنه ثم يصوّرها في الخارج.
وإنما وحد الغيب وجمع المفاتح لأن عالم الغيب عالم التكوين وهو واحد في جميع الأشياء وفي الملكوت كثرة يعلم التكوين ﴿ ويعلم ما في البر ﴾ وهو عالم الشهادة ﴿ والبحر ﴾ وهو عالم الغيب ﴿ و ﴾ بهذا العلم ﴿ ما تسقط من ورقة ﴾ عن شجرة الوجود ﴿ إلا يعلمها ﴾ لأنه مكونها ومسقطها ﴿ ولا حبة ﴾ هي حبة الروح ﴿ في ظلمات ﴾ صفات أرض النفس، أو حبة المحبة في ظلمات أرض القلب ﴿ ولا رطب ولا يابس ﴾ الرطب المؤمن، واليابس ما سيصير موجوداً وما قد صار.
أو الرطب الروحانيات.
واليابس الجمادات.
أو الرطب المؤمن، واليابس الكافر.
أو الرطب العالم، واليابس الجاهل.
أو الرطب العارف، واليابس الزاهد.
أو الرطب أهل المحبة، واليابس أهل السلوة.
أو الرطب صاحب الشهود، اليابس صاحب الوجود.
أو الرطب الباقي بالله واليابس الباقي بنصيبه ﴿ وهو الذي يتوفاكم بالليل ﴾ ليل القضاء ﴿ ويعلم ما جرحتم بالنهار ﴾ نهار القدر أو الليل، ليل صفات البشرية والنهار نهار الشهود في عالم الوحدة.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ﴾ .
يعلم بالإحاطة أن هذا ونحوه خرج على الجواب لأسئلة كانت منهم لرسول الله لكن لسنا نعلم ما كانت تلك الأسئلة [التي] كانت من أولئك، حتى كان هذا جواباً لهم، فلا نفسر، ولكن نقف؛ مخافة الشهادة على الله.
ويحتمل: أن يكون جواباً لما ذكر في آية أخرى، وهو قولهم: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ ﴾ ، فقال: عند ذلك: ﴿ لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ ﴾ ، [وقال:] ﴿ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ ﴾ جواباً لسؤال [عن] وقت الساعة، أو وقت نزول العذاب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ﴾ جواب لقولهم: ﴿ أَوْ تَرْقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ فقال عند ذلك: لا أقول: إني أعلم الغيب؛ حتى أعلم وقت نزول العذاب أو قيام الساعة، ولا أقول: إني ملك حتى أرقى في السماء.
وقوله: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ .
أي: تعرفون أنتم أنه لا يستوي الأعمى، أي: من عمي بصره، والبصير: أي: من لم يعم بصره، فكيف لا تعرفون أنه لا يستوي من عمي عن الآيات ومن لم يعم عنها؟!
أو نقول: إذا لم يستو الأعمى والبصير، كيف يستوي من يتعامى عن الحق ومن لم يتعام؟!
﴿ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ أنهما لا يستويان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ .
في آيات الله وما ذكركم.
أو نقول: ﴿ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ في وعظكم، بالله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ ﴾ .
اختلف فيه: قال بعضهم: هو صلة قوله: ﴿ قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ...
﴾ الآية، أيئس الكفرة عما سألوا من الأشياء رسول الله ثم أمر بالإنذار الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم وهم المؤمنون، أي: يعلمون أنهم يحشرون إلى ربهم، وأن ليس لهم [ولي] يدفع عنهم ما يحل بهم، ولا شفيع يسأل لهم ما لم يعطوا.
وجائز أن يكون تخصيص الأمر بإنذار المؤمنين لما كان الإنذار ينفعهم ولا ينفع غيرهم، وليس فيه لا ينذر غيرهم؛ وهو كقوله: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ ﴾ ليس فيه أنه لا ينذر من لم يتبع الذكر ولا خشي الرحمن ولكن أنبأ أنه إنما ينفع هؤلاء؛ كقوله : ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أخبر أن الذكرى تنفع المؤمنين ولا تنفع أولئك، ينذر الفريقين: من اتبع، ومن لم يتبع، ومن انتفع، ومن لم ينتفع، ويكون قوله: ﴿ لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ ﴾ ، يعني: ليس لأولئك أولياء ولا شفعاء؛ لأنهم يقولون: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ ونحوه أخبر أن ليس لهم ولي ولا شفيع دونه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ...
﴾ .
يذكر في بعض القصة أن رجالا من أصحاب رسول الله كانوا يسبقون إلى مجلس رسول الله فيجلسون قريباً منه، فيجيء أشراف القوم وساداتهم، وقد أخذ أولئك المجلس فيجلس هؤلاء ناحية، فقالوا: نحن نجيء فنجلس ناحية، فذكروا ذلك لرسول الله فقالوا: إنا سادات قومك وأشرافهم، فلو أدنيتنا منك [في] المجلس، فهمّ أن يفعل ذلك، فأنزل الله هذه الآية يعاتب نبيه [بقوله]: ﴿ وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ ...
﴾ الآية.
وإلى هذا يذهب عامة أهل التأويل، لكنه بعيد؛ إذ ينسبون رسول الله إلى أوحش فعل وأفحشه ما لو كان فيه إسقاط نبوته ورسالته؛ إذ لا يحتمل أن يكون [النبي] يقرب أعداءه ويدني مجلسهم منه، ويبعد الأولياء، هذا لا يفعله سفيه فضلا أن يفعله رسول الله المصطفى على جميع بريته، أو يخطر بباله شيء من ذلك، وكان فيه ما يجد الكفرة فيه مطعنا يقولون: يدعو الناس إلى التوحيد والإيمان به والاتباع له، فإذا فعلوا ذلك وأجابوه طردهم وأبعد مجلسهم [منه]، هذا لعمري مدفوع في عقل كل عاقل، ولكن إن كان فجائز أن يكون منهم طلب ذلك طلبوا منه أن يدني مجلسهم ويبعد أولئك؛ هذا يحتمل، وأما أن يهم أن يفعل ذلك أو خطر بباله شيء من ذلك فلا يحتمل.
وجائز أن يكون هذا من الله ابتداء تأديباً وتعليماً؛ يعلم رسوله صحبة أصحابه ومعاملته معهم؛ كقوله: ﴿ وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ ﴾ ، ونهاه أن يمد عينه إلى ما متع أولئك؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ...
﴾ الآية [طه: 131] ويخبره عن عظيم قدرهم عند الله.
وقد ذكرنا أن العصمة لا تمنع النهي والحظر، بل العصمة تزيد في النهي والزجر، وأخبر أن ليس عليه من حسابهم من شيء، وما من حسابك عليهم من شيء، فإنما عليك البلاغ وعليهم الإجابة؛ وهو كقوله: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ ﴾ .
يشبه أن يكونوا يجتمعون إلى رسول الله في كل غداة ومساء، فيسمعون منه، ثم يفترقون على ما عليه أمر الناس من الاجتماع في كل غداة ومساء عند الفقهاء وأهل العلم.
وجائز أن يكون ذكر الغداة والعشي كناية عن الليل كله وعن النهار جملة؛ كقوله: ﴿ وَٱلضُّحَىٰ وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ ﴾ ليس يريد بـ ﴿ وَٱلضُّحَىٰ ﴾ الضحوة خاصة ولكن النهار كله.
ألا ترى أنه قال: ﴿ وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ ﴾ ذكر الليل دل أنه كان الضحى كناية عن النهار جملة؛ فعلى ذلك الغداة والعشي يجوز أن يكون كناية عن الليل والنهار جملة، والله أعلم.
وجائز أن يكون أصحاب الحرف والمكاسب، لا يتفرغون للاجتماع إلى رسول الله والاستماع منه في عامة النهار، ولكن يجتمعون إليه ويستمعون منه بالغداة والعشي، فكان ذكر الغداة والعشي لذلك أو لما ذكرنا.
وجائز أن يكون المراد بذكر الغداة والعشي صلاة الغداة، وصلاة العشاء؛ يقول: لا تطرد من يشهد هاتين الصلاتين، وإنما [كان] يشهدهما أهل الإيمان، وأما أهل النفاق: فإنهم [كانوا] لا يشهدون هاتين الصلاتين، ويحتمل [غير] ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .
[الظلم] على وجوه: ظلم كفر، وظلم شرك، وظلم يكون بدونه، وهو أن يمنع أحدا حقه أو أخذ منه حقا بغير حق؛ فهو كله ظلم.
والظلم - هاهنا والله أعلم -: يشبه أن يكون هو وضع الحكمة في غير أهلها؛ لأنه لو كان منه ما ذكر من [طرد أولئك وإدناء أولئك] لم يكن أهلا للحكمة، ويجوز أن يوصف واضع الحكمة في غير موضعها بالظلم؛ على ما روي في الخبر: "أن من وضع الحكمة في غير أهلها فقد ظلمها، ومن منعها عن أهلها فقد ظلمهم" وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ﴾ .
قوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ ﴾ لا يتكلم إلا على أمر سبق، فهو - والله أعلم - يحتمل أن يقول لما قالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء الأعبد من قومك، أفنحن نكون تبعاً لهؤلاء، ونحن سادة القوم وأشرافهم؟!
فقال عند ذلك: ﴿ وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ﴾ أي: كما فضلتكم على هؤلاء في أمر الدنيا فكذلك فضلتهم عليكم في أمر الدين، ويكونون هم المقربين إلى رسول الله والمدنين مجلسهم إليه، وأنتم أتباعهم في أمر الدين، وإن كانوا هم أتباعكم في أمر الدنيا؛ فكذلك امتحان بعضهم ببعض.
ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن يقال: كما كان له امتحان كل في نفسه ابتداء محنة؛ كقوله: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً ﴾ .
وكقوله: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ...
﴾ الآية [البقرة: 155].
فعلى ذلك له أن يمتحن بعضكم ببعض.
وأشد المحن أن يؤمر المتبوع ومن يرى لنفسه فضلا بالخضوع للتابع ومن هو دونه عنده، يشتد ذلك عليه ويتعذر؛ لما كانوا يرون هم لأنفسهم الفضل والمنزلة في أمر الدنيا، فظنوا أنهم كذلك يكونون في أمر الدين؛ وعلى ذلك يخرج امتحانه إبليس بالسجود لآدم لما رأى لنفسه فضلا عليه فقال: ﴿ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ ﴾ ولم ير الخضوع لمن دونه عدلا وحكمة، فصار ما صار؛ فعلى ذلك هؤلاء لم يروا أولئك الضعفة أن يكونوا متبوعين عدلا وحكمة، وظنوا أنهم لما كانوا مفضلين في أمر الدنيا، وكان لهؤلاء إليهم حاجة - يكونون في أمر الدين كذلك، ويقولون: ﴿ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ ﴾ ونحوه من الكلام.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّيَقُولوۤاْ أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ ﴾ .
قال بعضهم: هو موصول بالأول بقوله: ﴿ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِّيَقُولوۤاْ ﴾ يقول الكافر قول الكفر والمؤمن قول الإيمان.
ثم ابتدأ فقال: ﴿ أَهَـٰؤُلاۤءِ ﴾ أي: يقول الكفرة ﴿ أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ ﴾ ليس بمفصول من قوله ﴿ لِّيَقُولوۤاْ ﴾ ولكن موصول به ﴿ لِّيَقُولوۤاْ ﴾ يعني الكفرة ﴿ أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ ﴾ .
ثم يحتمل قوله ﴿ أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ ﴾ بالحظ بالتقريب والإدناء في المجلس وجعلهم متبوعين من بيننا بعد ما كانوا أتباعاً لنا فقال عند ذلك ﴿ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّٰكِرِينَ ﴾ أي: عرف هؤلاء نعمة الله ، ووجهوا شكر نعمه إليه وأنتم وجهتم شكر نعمه إلى غيره بعد ما عرفتم أنه هو المنعم عليكم والمسدي إليكم.
<div class="verse-tafsir"
ولا تُبْعِدْ -أيها الرسول- عن مجلسك فقراء المسلمين الذين هم في عبادة دائمة لله في أول النهار وآخره مخلصين له العبادة، لا تبعدهم لتستميل أكابر المشركين، ليس عليك من حساب هؤلاء الفقراء شيء، إنما حسابهم عند ربهم، وما عليهم من حسابك شيء، إنك إن أبعدتهم عن مجلسك فإنك تكون من المتجاوزين لحدود الله.
من فوائد الآيات الأنبياء بشر، ليس لهم من خصائص الربوبية شيء البتة، ومهمتهم التبليغ، فهم لا يملكون تصرفًا في الكون، فلا يعلمون الغيب، ولا يملكون خزائن رزق ونحو ذلك.
اهتمام الداعية باتباعه وخاصة أولئك الضعفاء الذين لا يبتغون سوى الحق، فعليه أن يقربهم، ولا يقبل أن يبعدهم إرضاء للكفار.
إشارة الآية إلى أهمية العبادات التي تقع أول النهار وآخره.
<div class="verse-tafsir" id="91.eKkEe"