الآية ٢٣ من سورة الإنسان

الإسلام > القرآن > سور > سورة 76 الإنسان > الآية ٢٣ من سورة الإنسان

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ تَنزِيلًۭا ٢٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 117 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٣ من سورة الإنسان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٣ من سورة الإنسان عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يمتن الله على رسوله صلى الله عليه وسلم بما أنزله عليه من القرآن العظيم تنزيلا.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

( فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ) يقول: اصبر لما امتحنك به ربك من فرائضه، وتبليغ رسالاته، والقيام بما ألزمك القيام به في تنـزيله الذي أوحاه إليك ( وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا ) يقول: ولا تطع في معصية الله من مشركي قومك آثما يريد بركوبه معاصيه، أو كفورا: يعنى جحودا لنعمه عنده، وآلائه قِبَلَه، فهو يكفر به، ويعبد غيره.

وقيل: إن الذي عني بهذا القول أبو جهل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا ) قال: نـزلت في عدوّ الله أبي جهل.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة أنه بلغه أن أبا جهل قال: لئن رأيت محمدًا يصلي لأطأنّ عنقه، فأنـزل الله: ( وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا ).

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا ) قال: الآثِم: المذنب الظالم والكفور، هذا كله واحد.

وقيل: ( أوْ كَفُورًا ) والمعنى: ولا كفورًا.

قال الفراء: " أو " هاهنا بمنـزلة الواو، وفى الجحد والاستفهام والجزاء تكون بمعنى " لا " .

فهذا من ذلك مع الجحد، ومنه قول الشاعر لا وَجْــدُ ثَكْــلَى كمـا وَجِـدَت وَلا وَجْــدُ عَجُــولٍ أضَلَّهــا رُبَــعُ &; 24-116 &; أوْ وَجْــدُ شَــيْخٍ أضَــلَّ ناقَتَــهُ يَــوْمَ تَــوَافَى الْحَجِـيجُ فـانْدَفَعُوا (10) أراد: ولا وجدُ شيخ، قال: وقد يكون في العربية: لا تطيعنّ منهم من أثم أو كفر، فيكون المعنى في أو قريبا من معنى الواو، كقولك للرجل: لأعطينك سألت أو سكتّ، معناه: لأعطينك على كلّ حال.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا ما افتريته ولا جئت به من عندك ، ولا من تلقاء نفسك ، كما يدعيه المشركون .

ووجه اتصال هذه الآية بما قبل أنه سبحانه لما ذكر أصناف الوعد والوعيد ، بين أن هذا الكتاب يتضمن ما بالناس حاجة إليه ، فليس بسحر ولا كهانة ولا شعر ، وأنه حق .

وقال ابن عباس : أنزل القرآن متفرقا : آية بعد آية ، ولم ينزل جملة واحدة ; فلذلك قال نزلنا وقد مضى القول في هذا مبينا والحمد لله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وقوله تعالى لما ذكر نعيم الجنة { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا } فيه الوعد والوعيد وبيان كل ما يحتاجه العباد، وفيه الأمر بالقيام بأوامره وشرائعه أتم القيام، والسعي في تنفيذها، والصبر على ذلك.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل: "إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلاً"، قال ابن عباس: متفرقاً آية بعد آية، ولم ينزل جملة واحدة.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إنا نحن» تأكيد لاسم إن أو فصل «نزلنا عليك القرآن تنزيلا» خبر إن أي فصلناه ولم ننزله جملة واحدة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إنا نحن نَزَّلْنا عليك -أيها الرسول- القرآن تنزيلا من عندنا؛ لتذكر الناس بما فيه من الوعد والوعيد والثواب والعقاب.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

جاء قوله - تعالى - : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ القرآن تَنزِيلاً ) مؤكدا بجملة من المؤكدات .

منها : إن ، ونحن ، وتنزيلا .

.

للرد على أولئك الجاحدين الذين أنكروا أن يكون القرآن من عند الله - تعالى - وقالوا فى شأنه : ( لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هذا إِنْ هاذآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأولين ) أى : إنا نحن - وحدنا - أيها الرسول الكريم - ، والذين نزلنا عليك القرآن تنزيلا محكما ، وفصلناه تفصيلا متقنا ، بأن أنزلناه على قلبك مفرقا على حسب مشيئتنا وحكمتنا .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه سبحانه بين في أول السورة أن الإنسان وجد بعد العدم بقوله: ﴿ هَلْ أتى عَلَى الإنسان حِينٌ مّنَ الدهر لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً  ﴾ ثم بين أنه سبحانه خلقه من أمشاج، والمراد منه إما كونه مخلوقاً من العناصر الأربعة أو من الأخلاط الأربعة أو من ماء الرجل والمرأة أو من الأعضاء والأرواح أو من البدن والنفس أو من أحوال متعاقبة على ذلك الجسم مثل كونه نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاماً، وعلى أي هذه الوجوه تحمل هذه الآية، فلذلك يدل على أنه لابد من الصانع المختار جل جلاله وعظم كبرياؤه.

ثم بين بعد ذلك أني ما خلقته ضائعاً عاطلاً باطلاً، بل خلقته لأجل الابتلاء والامتحان، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ نَّبْتَلِيهِ  ﴾ وهاهنا موضع الخصومة العظيمة القائمة بين أهل الجبر والقدر، ثم ذكر تعالى أني أعطيته جميع ما يحتاج إليه عند الابتلاء والامتحان، وهو السمع والبصر والعقل، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ فجعلناه سَمِيعاً بَصِيراً  ﴾ ولما كان العقل أشرف الأمور المحتاج إليها في هذا الباب أفرده عن السمع والبصر، فقال: ﴿ إِنَّا هديناه السبيل  ﴾ ثم بين أن الخلق بعد هذه الأحوال صاروا قسمين: منهم شاكر، ومنهم كفور، وهذا الإنقسام باختيارهم كما هو تأويل القدرية، أو من الله على ما هو تأويل الجبرية، ثم إنه تعالى ذكر عذاب الكفار على الاختصار، ثم ذكر بعد ذلك ثواب المطيعين على الاستقصاء، وهو إلى قوله: ﴿ وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً  ﴾ واعلم أن الاختصار في ذكر العقاب مع الإطناب في شرح الثواب يدل على أن جانب الرحمة أغلب وأقوى، فظهر مما بينا أن السورة من أولها إلى هذا الموضع في بيان أحوال الآخرة، ثم إنه تعالى شرع بعد ذلك في أحوال الدنيا، وقدم شرح أحوال المطيعين على شرح أحوال المتمردين.

أما المطيعون فهم الرسول وأمته، والرسول هو الرأس والرئيس، فلهذا خص الرسول بالخطاب.

واعلم أن الخطاب إما النهي وإما الأمر، ثم إنه تعالى قبل الخوض فيما يتعلق بالرسول من النهي والأمر، قدم مقدمة في تقوية قلب الرسول صلى الله عليه وسلم، وإزالة الغم والوحشة عن خاطره، وإنما فعل ذلك، لأن الاشتغال بالطاعة والقيام بعهدة التكليف لا يتم إلا مع فراغ القلب ثم بعد هذه المقدمة ذكر نهيه عن بعض الأشياء، ثم بعد الفراغ عن النهي، ذكر أمره ببعض الأشياء، وإنما قدم النهي على الأمر، لأن دفع الضرر أهم من جلب النفع، وإزالة مالا ينبغي مقدم على تحصيل ما ينبغي، ثم إنه تعالى ذكر بعد ذلك أحوال المتمردين والكفار على ما سيأتي تفصيل بيانه، ومن تأمل فيما ذكرناه علم أن هذه السورة، وقعت على أحسن وجوه الترتيب والنظام، فالحمد لله الذي نور عقل هذا المسكين الضعيف بهذه الأنوار، وله الشكر عليه أبد الآباد.

ولنرجع إلى التفسير، فنقول: أما تلك المقدمة فهي، قوله تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ القرءان تَنزِيلاً ﴾ واعلم أن المقصود من هذه الآية تثبيت الرسول وشرح صدره فيما نسبوه إليه من كهانة وسحر، فذكر الله تعالى أن ذلك وحي من الله، فلا جرم بالغ وكرر الضمير بعد إيقاعه اسماً، لأن تأكيداً على تأكيد أبلغ، كأنه تعالى يقول: إن كان هؤلاء الكفار يقولون: إن ذلك كهانة، فأنا الله الملك الحق أقول على سبيل التأكيد والمبالغة إن ذلك وحي حق وتنزيل صدق من عندي، وهذا فيه فائدتان: إحداهما: إزالة الوحشة المتقدمة الحاصلة بسبب طعن أولئك الكفار، فإن بعض الجهال وإن طعنوا فيه إلا أن جبار السموات عظمه وصدقه.

والثانية: تقويته على تحمل التكليف المستقبل، وذلك لأن الكفار كانوا يبالغون في إيذائه، وهو كان يريد مقاتلتهم فلما أمره الله تعالى بالصبر على ذلك الإيذاء وترك المقاتلة، وكان ذلك شاقاً عليه، فقال له: ﴿ إِنَا نَزَّلْنَا عَلَيْكَ القرءان تَنزِيلاً ﴾ فكأنه قال له: إني ما نزلت عليك هذا القرآن مفرقاً منجماً إلا لحكمة بالغة تقتضي تخصيص كل شيء بوقت معين، ولقد اقتضت تلك الحكمة تأخير الإذن في القتال، فاصبر لحكم ربك الصادر عن الحكمة المحضة المبرأ عن العيب والعبث والباطل.

ثم إنه تعالى لما قدم هذه المقدمة ذكر النهي فقال تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

تكرير الضمير بعد إيقاعه إسماً لانّ: تأكيد على تأكيد لمعنى اختصاص الله بالتنزيل، ليتقرّر في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه إذا كان هو المنزل لم يكن تنزيله على أي وجه نزل إلا حكمة وصواباً، كأنه قيل: ما نزّل عليك القرآن تنزيلاً مفرقاً منجماً إلا أنا لا غيري، وقد عرفتني حكيماً فاعلاً لكل ما أفعله بدواعي الحكمة؛ ولقد دعتني حكمة بالغة إلى أن أنزل عليك الأمر بالمكافة والمصابرة، وسأنزل عليك الأمر بالقتال والانتقام بعد حين ﴿ فاصبر لِحُكْمِ رَبّكَ ﴾ الصادر عن الحكمة وتعليقه الأمور بالمصالح، وتأخيره نصرتك على أعدائك من أهل مكة؛ ولا تطع منهم أحداً قلة صبر منك على أذاهم وضجراً من تأخر الظفر، وكانوا مع إفراطهم في العداوة والإيذاء له ولمن معه يدعونه إلى أن يرجع عن أمره ويبذلون له أموالهم وتزويج أكرم بناتهم إن أجابهم.

فإن قلت: كانوا كلهم كفرة، فما معنى القسمة في قوله ﴿ ءَاثِماً أوكَفُوراً ﴾ ؟

قلت: معناه ولا تطع منهم راكباً لما هو إثم داعياً لك إليه أو فاعلاً لما هو كفر داعياً لك إليه؛ لأنهم إما أن يدعوه إلى مساعدتهم على فعل هو إثم أو كفر، أو غير إثم ولا كفر، فنهى أن يساعدهم على الاثنين دون الثالث.

وقيل: الآثم عتبة؛ والكفور: الوليد؛ لأنّ عتبة كان ركاباً للمآثم، متعاطياً لأنواع الفسوق؛ وكان الوليد غالباً في الكفر شديد الشكيمة في العتوّ.

فإن قلت: معنى أو: ولا تطع أحدهما، فهلا جيء بالواو ليكون نهياً عن طاعتهما جميعاً؟

قلت: لو قيل: ولا تطعهما، جاز أن يطيع أحدهما؛ وإذا قيل: لا تطع أحدهما، علم أنَّ الناهي عن طاعة أحدهما: عن طاعتهما جميعاً أنهى.

كما إذا نهى أن يقول لأبويه: أف، علم أنه منهي عن ضربهما على طريق الأولى ﴿ واذكر اسم رَبّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾ ودم على صلاة الفجر والعصر ﴿ وَمِنَ اليل فاسجد لَهُ ﴾ وبعض الليل فصل له.

أو يعني صلاة المغرب والعشاء، وأدخل (من) على الظرف للتبعيض، كما دخل على المفعول في قوله: ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ ﴾ [نوح: 4] ، ﴿ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً ﴾ وتهجد له هزيعاً طويلا من الليل: ثلثيه، أو نصفه، أو ثلثه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلا ﴾ مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا لِحِكْمَةٍ اقْتَضَتْهُ، وتَكْرِيرُ الضَّمِيرِ مَعَ إنَّ مَزِيدٌ لِاخْتِصاصِ التَّنْزِيلِ بِهِ.

﴿ فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾ بِتَأْخِيرِ نَصْرِكَ عَلى كُفّارِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ.

﴿ وَلا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا ﴾ أيْ كُلَّ واحِدٍ مِن مُرْتَكِبِ الإثْمِ الدّاعِي لَكَ إلَيْهِ ومِنَ الغالِي في الكُفْرِ الدّاعِي لَكَ إلَيْهِ، وأوْ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُما سِيّانِ في اسْتِحْقاقِ العِصْيانِ والِاسْتِقْلالِ بِهِ والتَّقْسِيمِ بِاعْتِبارِ ما يَدْعُونَهُ إلَيْهِ، فَإنَّ تَرَتُّبَ النَّهْيِ عَلى الوَصْفَيْنِ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ لَهُما وذَلِكَ يَسْتَدْعِي أنْ تَكُونَ المُطاوَعَةُ في الإثْمِ والكُفْرِ.

فَإنَّ مُطاوَعَتَهُما فِيما لَيْسَ بِإثْمٍ ولا كُفْرٍ غَيْرُ مَحْظُورٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا} تكرير الضمير بعد إيقاهم اسما لأن تأكيد على تأكيد بمعنى اختصاص الله بالتنزيل ليستقر فين فس النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا كان هو المنزل لم يكن تنزيله مفرقاً إلا حكمة وصواباً ومن الحكمة الأمر بالمصابرة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أوَّلًا حالَ الإنْسانِ وقَسَّمَهُ إلى الطّائِعِ والعاصِي وأمْعَنَ جَلَّ شَأْنُهُ فِيما أعَدَّهُ لِلطّائِعِ مُشِيرًا إلى عِظَمِ سِعَةِ الرَّحْمَةِ ذَكَرَ ما شَرَّفَ بِهِ نَبِيَّهُ  إزالَةً لِوَحْشَتِهِ وتَقْوِيَةً لِقَلْبِهِ فَقالَ عَزَّ قائِلًا ﴿ إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلا ﴾ أيْ أنْزَلْناهُ مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا في نَحْوِ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً لِحِكَمٍ بالِغَةٍ مُقْتَضِيَةٍ لَهُ لا غَيْرُنا كَما يُعْرِبُ عَنْهُ تَكْرِيرُ الضَّمِيرِ مَعَ أنَّ سَواء ٌكانَ المُنْفَصِلُ تَأْكِيدًا أوْ فَصْلًا أوْ مُبْتَدَأً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ وهي كيزان مدققة الرأس، لا عرى لها كانَتْ قَوارِيرَا قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ يعني: في صفاء القارورة، وبياض الفضة.

وروي عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لو أخذت فضة من فضة الدنيا، فضربتها حتى جعلتها مثل جناح الذباب لم تر الماء من ورائه، ولكن قوارير الجنة من فضة في صفاء القوارير، كبياض الفضة.

قرأ نافع، وعاصم، والكسائي سلاسلاً وقواريراً، كلهن بإثبات الألف والتنوين.

وقرأ حمزة بإسقاط الألف كلها، وكان أبو عمرو يثبت الألف في الأولى من قوارير، ولا يثبتها في الثانية.

قال أبو عبيد: رأيت في مصحف عثمان،  الذي قال له مصحف الإمام قوارير بالألف، والثانية كان بالألف، فحكت ورأيت أثرها بيناً هناك، وأما السلاسل فرأيتها قد رست.

وقال بعض أهل اللغة: الأجود في العربية، أن لا ينصر فيه سلاسل وقوارير، لأن كل جمع يأتي بعد ألفه حرفان أو ثلاثة، أوسطها ساكن، فإنه لا ينصرف، فأما من صرفه ونون، فإنه رده إلى الأصل في الازدواج إذا وقعت الألف بغير تنوين ثم قال: قَدَّرُوها تَقْدِيراً يعني: على قدر كف الخدم، ويقال: على قدر كف المخدوم ولا يحجز، ويقال: على قدر ما يحتاجون إليه ويريدونه.

ويقال: على مقدار الذي لا يزيد ولا ينقص ليكون الري لشربهم وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً يعني: خمراً وشراباً كانَ مِزاجُها يعني: خلطها زَنْجَبِيلًا عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا وقال القتبي: والزنجبيل اسم العين، وكذلك السلسبيل ويقال: إن السلسبيل اللبن والزنجبيل طعمه، والعرب تضرب به المثل.

وقال مقاتل: إنما سمي السلسبيل، لأنها تسيل عليهم في الطريق وفي منازلهم، وقال أبو صالح: بلغني أن السلسبيل شديد الجرية.

وقال بعضهم: معناه كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا عيناً فيها تسمى سلسبيلاً يعني: عيناً تسمى الزنجبيل وتم الكلام ثم قال: سلسبيلاً يعني: سل الله تعالى السبيل إليها.

قوله تعالى: وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ يعني: لا يكبرون، ويكونون على سن واحدة إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً قال قتادة: كثرتهم وحسنهم، كاللؤلؤ المنثور وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً يعني: إذا رأيت هناك ما في الجنة، رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً يعني: على رؤوسهم التيجان، كما يكون على رأس ملك من الملوك.

ويقال: وَمُلْكاً كَبِيراً يعني: لا يدخل رسول رب العزة، إلا بإذنهم.

ثم قال عز وجل: عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ يعني: على ظهورهم ثياب سندس.

قرأ نافع، وحمزة بجزم الياء وكسر الهاء.

والباقون بنصب الياء وضم الهاء.

فمن قرأ بالجزم، فمعناه الذي يعلوهم، وهو اسم فاعل، من علا يعلو.

ومن قرأ بالنصب نصبه على الظرف، كما قال: فوقهم ثياب.

وروي عن ابن مسعود، أنه قرأ عاليتهم ثياب، يعني: الوجه الأعلى.

ثم قال: ثياب سندس، خضر بالكسر وَإِسْتَبْرَقٌ قرأ نافع، وعاصم في رواية حفص، خضر واستبرق كلاهما بالضم.

والباقون كلاهما بالكسر، فمن قرأ بالضم، لأنه نعت الثياب.

يعني: ثياباً خضراً.

ومن قرأ بالكسر، فهو نعت للسندس، ومن قرأ واستبرق بالضم، فهو نسق على الثياب.

ومعناه: عليهم سندس واستبرق، ومن قرأ بالكسر، يكون عليهم ثياب من هذين النوعين.

ثم قال عز وجل: وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وهو جمع السوار وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً يعني: الذي سقاهم خدمهم.

ويقال: الذين يشربون من قبل أن يدخلوا الجنة.

ثم قال: إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً يعني: الذي وصف لكم في الجنة، ثواباً لأعمالكم وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً يعني: عملكم مقبولاً.

يعني: يبشرون بهذا إذا أرادوا أن يدخلوا الجنة.

ثم قال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا يعني: أنزلنا عليك القرآن تنزيلاً، يعني: إنزالاً فالمصدر للتأكيد.

ثم قال عز وجل: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ يعني: استقم على أمر الله تعالى ونهيه.

ويقال: اصبر على أذى الكفار.

وقال: على تبليغ الرسالة وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً آثماً يعني: فاجراً وهو الوليد بن المغيرة، أو كفوراً يعني: ولا كفوراً، وهو عتبة بن ربيعة.

قال للنبي  : إن فعلت هذا لأجل المال، فارجع حتى أدفع إليك من المال، ما تصير به أكثر مالاً من أهل مكة.

فنزلت هذه الآية وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً.

ثم قال عز وجل: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ يعني: صلِ باسم ربك بُكْرَةً وَأَصِيلًا يعني: بكرة وعشياً يعني: صلاة الفجر، وصلاة الظهر والعصر وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ يعني: فصلِّ لله المغرب والعشاء وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا يعني: بعد المكتوبة، فهذا للنبي  خاصة.

ويقال له ولأصحابه: وهذا أمر استحباب، لا أمر وجوب.

ثم قال عز وجل: إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ يعني: يختارون الدنيا وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يعني: يتركون العمل لما هو أمامهم يَوْماً ثَقِيلًا يعني: ليوم ثقيل وقال مجاهد: وراءهم يعني: خلفهم.

قوله تعالى: نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ يعني: قوينا خلقهم ليطيعوني، فلم يطيعوني.

ويقال: شددنا مفاصلهم بالعصب، والعروق والجلد، لكي لا ينقطع المفاصل وقت تحريكها.

ويقال: شددنا أسرهم، أي: قبلهم ودبرهم، لكي لا يسيل البول والغائط، إلا عند الحاجة وَإِذا شِئْنا يعني: إذا أردنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا يعني: أي نخلق خلقاً أمثل منهم، وأطوع لله إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ يعني: هذه السورة عظة لكم.

ويقال: هذه الآيات فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا يعني: فمن شاء أن يتعظ فليتعظ، فقد بينا له الطريق.

ثم قال عز وجل: وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ يعني: إلا أن يشاء لكم فيوفقكم.

يعني: إن جاهدتم فيوفقكم كقوله: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ [العنكبوت: 69] الآية.

قرأ ابن كثير، وأبو عمرو وَمَا يشاؤن بالياء على معنى الخبر عنهم.

والباقون بالتاء على معنى المخاطبة.

ثم قال عز وجل: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً يعني: كان عليماً قبل خلقكم، من يتخذ السبيل، ولم يشرك ويوحد حَكِيماً حكم بالبداية لمن كان أهلاً لذلك.

قوله تعالى: يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ يعني: يكرم بالإسلام من كان أهلاً لذلك.

ويقال: يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِى رحمته، يعني: في نعمته وهي الجنة، في رحمته وفضله وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً يعني: يدخل الظالمين في عذاب أليم.

ويقال: يعذب الظالمين.

وقرئ في الشاذ والظالمون، وقراءة العامة والظالمين بالنصب.

ومعناه: ويعذب الظالمين، ويكون لهم عذاباً أليماً، تفسيراً لهذا المضمر.

والله أعلم.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وتعظيمُهم لهم، قال الثعلبيُّ: قَال محمد «١» بن علي الترمذي: يعني ملك التكوين إذا أرادوا شيئاً كان، انتهى.

ت: وجميع ما ذكر داخل في الملك/ الكبير، وقرأ نافع وحمزة: «عَالِيهِمْ» وقرأ الباقون «٢» : «عَالِيَهُمْ» بالنصب، والمعنى: فوقهم، قال الثعلبيُّ: وتفسير ابن عباس قال: أما رأيتَ الرجل عليه ثياب يعلوها أفضلُ منها «٣» ، انتهى، وقرأ حمزة والكسائيُّ:

«خُضْرٍ وَإسْتَبْرَقٍ» بالخفض فيهما «٤» ، وباقي الآية بيّن.

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً (٢٤) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً (٢٦)

وقوله سبحانه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ ...

الآية تثبيت للنبي صلّى الله عليه وسلّم وتقوية لنفسه على أذى قريش، والآثم هنا هو الكفور، واللفظ أيضاً يقتضي نهيَ الإمام عن طاعة آثم من العُصَاةِ أو كفور باللَّه، ثم أمره تعالى بذكر ربه دأباً بُكْرَةً وَأَصِيلًا وَمِنَ اللَّيْلِ:

بالسجود والتسبيح الذي هو الصلاة، ويحتمل أنْ يريد قول: سبحانَ اللَّهِ، قال ابن زيد وغيره: كان هذا فرضاً ثم نُسِخَ «٥» ، وقال آخرون: هو مُحْكَمٌ على وجه الندب، وقال ابن العربيِّ في «أحكامه» : أَمَّا قوله تعالى: وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا فإنَّهُ عبارة عن قيام الليل، وقد كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يفعله كما تقدم، وقد يحتمل أنْ يكون هذا خطابا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والمراد الجميعُ، ثم نُسِخَ عَنَّا، وبَقِيَ عليه صلّى الله عليه وسلّم، والأول أظهر، انتهى.

إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (٢٧) نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً (٢٨)

وقوله: إِنَّ هؤُلاءِ يعني كُفَّارَ قريشٍ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ يعني: الدنيا، واعلمْ أَنَّ حُبَّ الدنيا رأسُ كل خطيئة، وفي الحديث عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ازْهَدْ في الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ، وازهد فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ» «١» رواه ابن ماجه وغيره بأسانيدَ حَسَنَةٍ، قال ابن الفاكهانيِّ: قال القاضي أبو الوليد بن رشد: وأَمَّا الباعث على الزهد فخمسة أشياء:

أحدها: أنَّها فانية شاغلة للقلوب عن التفكر في أمر اللَّه تعالى.

والثاني: أَنَّها تنقص عند اللَّه/ درجات من ركن إليها.

والثالث: أَنَّ تركها قربة من اللَّه تعالى وعلُوُّ مرتبة عنده في درجات الآخرة.

والرابع: طول الحبس والوقوف في القيامة للحساب والسؤال عن شكر النعيم.

والخامس: رضوان اللَّه تعالى والأمن من سخطه، وهو أكبرها قال الله عز وجل:

وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [التوبة: ٧٢] قال ابن الفاكهاني: ولو لم يكن في الزهد في الدنيا إلاَّ هذه الخصلة التي هي رضوانُ اللَّه تعالى- لكان ذلك كافياً-، فنعوذ باللَّه من إيثار الدنيا على ذلك، وقد قيل: من سُمِّيَ باسم الزهد فقد سُمِّيَ بألف اسم ممدوح، هذا مع ما للزاهدين من راحة القلب والبدن في الدنيا والآخرة، فالزُّهَّادُ هم الملوك في الحقيقة، وهم العقلاء لإيثارهم الباقي على الفاني، وقد قال الشافعية: لو أوصى لأعْقَل الناس صُرِفَ إلى الزهاد، انتهى من «شرح الأربعين حديثاً» ، ولفظ أبي الحسن الماوردِيِّ: وقد قيل: العاقل مَنْ عقل من اللَّه أمره ونهيه حتَّى قال أصحاب الشافعيِّ فيمن أوصى بثلث ماله: لأَعْقَلِ الناس أَنَّه يكون مصروفاً للزُّهَّادِ لأنهم انقادوا للعقل، ولم يغتروا بالأمل، انتهى، والأَسْر الخلقة واتساق الأعضاء والمفاصل، وعبارة البخاريِّ: أَسْرَهُمْ: شِدَّةُ الخلق، وكل شيء شددته من قتب أو غبيط فهو مأسور، والغبيط شيء يركبه النساء شبه المحفة، انتهى قال ع «٢» : ومن اللفظة: الإسارُ، وهو القيد الذي يُشَدُّ به الأسير، ثم تَوَعَّدَهُم سبحانه بالتبديل، وفي الوعيد بالتبديل احتجاج على مُنْكِرِي البعث، أي: مَنْ هذه قدرته في الإيجاد والتبديل فكيف تتعذر عليه الإعادة؟!.

وقال الثعلبيُّ: بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا قال ابن عباس: يقول: أهلكناهم، / وجئنا بأطوعَ للَّهِ منهم، انتهى «٣» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ( إنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سُلاسِلًا ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، "سَلاسِلَ" بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، ووَقَفُوا بِألِفٍ.

ووَقَفَ أبُو عَمْرٍو بِألِفٍ.

قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ النَّحْوِيُّ: "سَلاسِلُ" و"قَوارِيرُ" أصْلُهُ أنْ لا يَنْصَرِفَ، ومَن صَرَفَهُ مِنَ القُرّاءِ، فَإنَّها لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ.

وقِيلَ: إنَّما صَرَفَهَ لِأنَّهُ وقَعَ في المُصْحَفِ بِالألِفِ، فَصَرَفَهُ لِاتِّباعِ خَطِّ المُصْحَفِ.

قالَ مُقاتِلٌ: السَّلاسِلُ في أعْناقِهِمْ، والأغْلالُ في أيْدِيهِمْ.

وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى "السَّعِيرِ" في [النِّساءِ: ١٠] .

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ إنَّ الأبْرارَ ﴾ واحِدُهم بَرٌّ، وبارٌّ، وهُمُ الصّادِقُونَ.

وقِيلَ: المُطِيعُونَ.

وقالَ الحَسَنُ: هُمُ الَّذِينَ لا يُؤْذُونَ الذَّرَّ ﴿ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ ﴾ أيْ: مِن إناءٍ فِيهِ شَرابٌ ﴿ كانَ مِزاجُها ﴾ يَعْنِي: مِزاجَ الكَأْسِ ﴿ كافُورًا ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الكافُورُ المَعْرُوفُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، فَعَلى هَذا في المُرادِ "بِالكافُورِ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: بَرْدُهُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: رِيحُهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: طَعْمُهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي أنَّهُ اسْمُ عَيْنٍ في الجَنَّةِ، قالَهُ عَطاءٌ، وابْنُ السّائِبِ.

والثّالِثُ أنَّ المَعْنى: مِزاجُها كالكافُورِ لِطِيبِ رِيحِهِ، أجازَهُ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَيْنًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: هي المُفَسِّرَةُ لِلْكافُورِ، وقالَ الأخْفَشُ: هي مَنصُوبَةٌ عَلى مَعْنى: أعْنِي عَيْنًا.

وقالَ الزَّجّاجُ: الأجْوَدُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مِن عَيْنٍ، "يَشْرَبُ بِها" فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: يَشْرَبُ مِنها.

والثّانِي: يَشْرَبُها، والباءُ صِلَةٌ.

والثّالِثُ: يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ الخَمْرَ يَمْزُجُونَها بِها.

وفي هَذِهِ العَيْنِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها الكافُورُ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ.

والثّانِي: التَّسْنِيمُ، "وَعِبادُ اللَّهِ" ها هُنا: أوْلِياؤُهُ ﴿ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: يَقُودُونَها إلى حَيْثُ شاؤُوا مِنَ الجَنَّةِ.

قالَ الفَرّاءُ: حَيْثُ ما أحَبَّ الرَّجُلُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَجَّرَها لِنَفْسِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: فِيهِ إضْمارُ "كانُوا" يُوفُونَ بِالنَّذْرِ.

وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ إذا نَذَرُوا في طاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ.

والثّانِي: يُوفُونَ بِما فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.

ومَعْنى "النَّذْرِ" في اللُّغَةِ: الإيجابُ.

فالمَعْنى: يُوفُونَ بِالواجِبِ عَلَيْهِمْ ﴿ وَيَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فاشِيًا.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فاشِيًا مُنْتَشِرًا.

يُقالُ: اسْتَطارَ الحَرِيقُ: إذا انْتَشَرَ، واسْتَطارَ الفَجْرُ إذا انْتَشَرَ الضَّوْءُ.

وانْشُدُوا لِلْأعْشى: فَبانَتْ وقَدْ أسْأرَتْ في الفُؤا دِ صَدْعًا عَلى نَأْيِها مُسْتَطِيرًا وَقالَ مُقاتِلٌ: كانَ شَرُّهُ فاشِيًا في السَّمَواتِ، فانْشَقَّتْ، وتَناثَرَتِ الكَواكِبُ، وفَزِعَتِ المَلائِكَةُ، وكُوِّرَتِ الشَّمْسُ والقَمَرُ في الأرْضِ، ونُسِفَتِ الجِبالُ، وغارَتِ المِياهُ، وتَكَسَّرَ كُلُّ شَيْءٍ عَلى وجْهِ الأرْضِ مِن جَبَلِ، وبِناءٍ، وفَشا شَرُّ يَوْمِ القِيامَةِ فِيها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ.

آجَرَ نَفْسَهُ لِيَسْقِيَ نَخْلًا بِشَيْءٍ مِن شَعِيرٍ لَيْلَةً حَتّى أصْبَحَ.

فَلَمّا قَبَضَ الشَّعِيرَ طَحَنَ ثُلُثَهُ، وأصْلَحُوا مِنهُ شَيْئًا يَأْكُلُونَهُ، فَلَمّا اسْتَوى أتى مِسْكِينٌ، فَأخْرَجُوهُ إلَيْهِ، ثُمَّ عَمِلَ الثُّلُثَ الثّانِيَ، فَلَمّا تَمَّ أتى يَتِيمٌ، فَأطْعَمُوهُ، ثُمَّ عَمِلَ الثُّلُثَ الباقِيَ، فَلَمّا اسْتَوى جاءَ أسِيرٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَأطْعَمُوهُ وطَوَوْا يَوْمَهم ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي الدَّحْداحِ الأنْصارِيِّ صامَ يَوْمًا، فَلَمّا أرادَ أنْ يُفْطِرَ جاءَ مِسْكِينٌ، ويَتِيمٌ، وأسِيرٌ، فَأطْعَمَهم ثَلاثَةَ أرْغِفَةٍ، وبَقِيَ لَهُ ولِأهْلِهِ رَغِيفٌ واحِدٌ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِي هاءِ الكِنايَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَلى حُبِّهِ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: تَرْجِعُ إلى الطَّعامِ، فَكَأنَّهم كانُوا يُؤْثِرُونَ وهم مُحْتاجُونَ إلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والزَّجّاجِ، والجُمْهُورِ.

والثّانِي: تَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الدّارانِيُّ.

وقَدْ سَبَقَ مَعْنى "المِسْكِينِ واليَتِيمِ" [البَقَرَةِ: ٨٣] .

وفي الأسِيرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ المَسْجُونُ مِن أهْلِ القِبْلَةِ، قالَهُ عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الأسِيرُ المُشْرِكُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

والثّالِثُ: المَرْأةُ، قالَهُ أبُو حَمْزَةَ الثَّمالِيُّ.

والرّابِعُ: العَبْدُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

* فَصْلٌ وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ الآيَةَ تَضَمَّنَتْ مَدْحَهم عَلى إطْعامِ الأسِيرِ المُشْرِكِ.

قالَ: وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

ولَيْسَ هَذا القَوْلُ بِشَيْءٍ، فَإنَّ في إطْعامِ الأسِيرِ المُشْرِكِ ثَوابًا، وهَذا مَحْمُولٌ عَلى صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ.

فَأمّا الفَرْضُ فَلا يَجُوزُ صَرْفُهُ إلى الكُفّارِ، ذَكَرَهُ القاضِي أبُو يَعْلى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ ﴾ أيْ: لِطَلَبِ ثَوابِ اللَّهِ.

قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: أما إنَّهم ما تَكَلَّمُوا بِهَذا، ولَكِنْ عَلِمَهُ اللَّهُ مِن قُلُوبِهِمْ، فَأثْنى بِهِ عَلَيْهِمْ لِيَرْغَبَ في ذَلِكَ راغِبٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ﴾ أيْ: بِالفِعْلِ ﴿ وَلا شُكُورًا ﴾ بِالقَوْلِ ﴿ إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا ﴾ أيْ: ما في يَوْمٍ ﴿ عَبُوسًا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: تَعْبَسُ فِيهِ الوُجُوهُ، فَجَعَلَهُ مِن صِفَةِ اليَوْمِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ  ﴾ ، أرادَ عاصِفِ الرِّيحِ.

فَأمّا "القَمْطَرِيرُ" فَرَوى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ الطَّوِيلُ.

ورَوى عَنْهُ العَوْفِيُّ أنَّهُ قالَ: هو الَّذِي يَقْبِضُ فِيهِ الرَّجُلُ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ.

فَعَلى هَذا يَكُونُ اليَوْمُ مَوْصُوفًا بِما يَجْرِي فِيهِ، كَما قُلْنا في "العَبُوسِ" لِأنَّ اليَوْمَ لا يُوصَفُ بِتَقْبِيضِ ما بَيْنَ العَيْنَيْنِ.

وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: "القَمْطَرِيرُ" الَّذِي يُقَلِّصُ الوُجُوهَ، ويَقْبِضُ الحَياةَ، وما بَيْنَ الأعْيُنِ مِن شِدَّتِهِ.

وقالَ الفَرّاءُ: هو الشَّدِيدُ.

يُقالُ: يَوْمٌ قَمْطَرِيرٌ، ويَوْمٌ قُماطِرُ.

وأنْشَدَنِي بَعْضُهُمْ: بَنِي عَمِّنا هَلْ تَذْكُرُونَ بَلاءَنا ∗∗∗ عَلَيْكم إذا ما كانَ يَوْمٌ قُماطِرُ وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَبُوسُ، والقَمْطَرِيرُ، والقُماطِرُ، والعَصِيبُ، والعَصَبْصَبُ: أشَدُّ ما يَكُونُ مِنَ الأيّامِ، وأطْوَلُهُ في البَلاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ ﴾ بِطاعَتِهِمْ في الدُّنْيا ﴿ وَلَقّاهم نَضْرَةً ﴾ أيْ: حُسْنًا وبَياضًا في الوُجُوهِ ﴿ وَسُرُورًا ﴾ لا انْقِطاعَ لَهُ.

وقالَ الحَسَنُ: النُّضْرَةُ في الوُجُوهِ، والسُّرُورُ في القُلُوبِ ﴿ وَجَزاهم بِما صَبَرُوا ﴾ عَلى طاعَتِهِ، وعَنْ مَعْصِيَتِهِ ﴿ جَنَّةً وحَرِيرًا ﴾ وهو لِباسُ أهْلِ الجَنَّةِ ﴿ مُتَّكِئِينَ فِيها ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، أيْ جَزاهم جَنَّةً في حالِ اتِّكائِهِمْ فِيها.

وَقَدْ شَرَحْنا هَذا في [الكَهْفِ: ٣١] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ﴾ فَيُؤْذِيهِمْ حَرُّها ولا ﴿ زَمْهَرِيرًا ﴾ وهو البَرْدُ الشَّدِيدُ.

والمَعْنى: لا يَجِدُونَ فِيها الحَرَّ والبَرْدَ.

وحُكِيَ عَنْ ثَعْلَبٍ أنَّهُ قالَ: الزَّمْهَرِيرُ: القَمَرُ، وأنْشَدَ: ولَيْلَةٍ ظَلامُها قَدِ اعْتَكَرْ ∗∗∗ قَطَعْتُها والزَّمْهَرِيرُ ما زَهَرْ أيْ: لَمْ يَطْلُعِ القَمَرُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَدانِيَةً ﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: وجَزاهم جَنَّةً، ﴿ وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها ﴾ ، أيْ: قَرِيبَةً مِنهم ظِلالُ أشْجارِها ﴿ وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا هَمَّ أنْ يَتَناوَلَ مِن ثِمارِها تَدَلَّتْ إلَيْهِ حَتّى يَتَناوَلَ ما يُرِيدُ.

وقالَ غَيْرُهُ: قُرِّبَتْ إلَيْهِمْ مُذَلَّلَةً كَيْفَ شاؤُوا، فَهم يَتَناوَلُونَها قِيامًا، وقُعُودًا، ومُضْطَجِعِينَ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُطُوفُها دانِيَةٌ  ﴾ .

فَأمّا "الأكْوابُ" فَقَدْ شَرَحْناها في [الزُّخْرُفِ: ٧١] ﴿ كانَتْ قَوارِيرا ﴾ أيْ: تِلْكَ الأكْوابُ هي قَوارِيرُ، ولَكِنَّها مِن فِضَّةٍ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَوْ ضَرَبْتَ فِضَّةَ الدُّنْيا حَتّى جَعَلْتَها مِثْلَ جَناحِ الذُّبابِ، لَمْ يُرَ الماءُ مِن ورائِها، وقَوارِيرُ الجَنَّةِ مِن فِضَّةٍ في صَفاءِ القارُورَةِ.

وقالَ الفَرّاءُ: وابْنُ قُتَيْبَةَ: هَذا عَلى التَّشْبِيهِ، المَعْنى: كَأنَّها مِن فِضَّةٍ، أيْ: لَها بَياضٌ كَبَياضِ الفِضَّةِ وصَفاءٌ كَصَفاءِ القَوارِيرِ.

وكانَ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ يَقْرَؤُونَ "قَوارِيرًا قَوارِيرًا" فَيَصِلُونَهُما جَمِيعًا بِالتَّنْوِينِ.

ويَقِفُونَ عَلَيْهِما بِالألِفِ.

وكانَ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ يَصِلانِهِما جَمِيعًا بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، ويَقِفانِ عَلَيْهِما بِغَيْرِ ألِفٍ.

وكانَ ابْنُ كَثِيرٍ يَصِلُ الأوَّلَ بِالتَّنْوِينِ، ويَقِفُ عَلَيْهِ بِالألْفِ، ويَصِلُ الثّانِي بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، ويَقِفُ بِغَيْرِ ألِفٍ.

ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ "سَلاسِلَ" و"قَوارِيرَ قَوارِيرَ" يَصِلُ الثَّلاثَةَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، ويَقِفُ عَلى الثَّلاثَةِ بِالألِفِ.

وكانَ أبُو عَمْرٍو يَقْرَأُ الأوَّلَ "قَوارِيرا" فَيَقِفُ عَلَيْهِ بِالألْفِ، ويَصِلُ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الِاخْتِيارُ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ أنْ لا يُصْرَفَ "قَوارِيرَ" لِأنَّ كُلَّ جَمْعٍ يَأْتِي بَعْدَ ألِفِهِ حَرْفانِ لا يَنْصَرِفُ.

ومَن قَرَأ "قَوارِيرًا" يَصْرِفُ الأوَّلَ عَلّامَةَ رَأْسِ آيَةٍ، وتَرَكَ صَرْفَ الثّانِي لِأنَّهُ لَيْسَ بِآخِرِ آيَةٍ.

ومَن صَرَفَ الثّانِيَ: أتْبَعَ اللَّفْظَ اللَّفْظَ، لِأنَّ العَرَبَ رُبَّما قَلَبَتْ إعْرابَ الشَّيْءِ لِتُتْبِعَ اللَّفْظَ اللَّفْظَ، كَما قالُوا: جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ.

وإنَّما الخَرِبُ مِن نَعْتِ الجُحْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ قَدَّرُوها تَقْدِيرًا ﴾ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وأبُو عِمْرانَ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ يَعْمَرَ "قُدِّرُوها" بِرَفْعِ القافِ، وكَسْرِ الدّالِ، وتَشْدِيدِها.

وقَرَأ حُمَيْدٌ، وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ ﴿ قَدَّرُوها ﴾ بِفَتْحِ القافِ، والدّالِ، وتَخْفِيفِها.

ثُمَّ في مَعْنى الآيَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: قَدَّرُوها في أنْفُسِهِمْ، فَجاءَتْ عَلى ما قَدَّرُوا، قالَهُ الحَسَنُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: جُعِلَ الإناءُ عَلى قَدْرِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ ويُرِيدُونَهُ عَلى تَقْدِيرِهِمْ.

والثّانِي: قَدَّرُوها عَلى مِقْدارٍ لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وقالَ غَيْرُهُ: قُدِّرَ الكَأْسُ عَلى قَدْرِ رِيِّهِمْ، لا يَزِيدُ عَنْ رِيِّهِمْ فَيُثْقِلُ الكَفَّ، ولا يَنْقُصُ مِنهُ فَيَطْلُبُ الزِّيادَةَ، وهَذا ألَذُّ الشَّرابِ.

فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ الضَّمِيرُ في "قَدَّرُوا" لِلسُّقاةِ والخَدَمِ.

وعَلى الأوَّلِ لِلشّارِبِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُسْقَوْنَ فِيها ﴾ يَعْنِي في الجَنَّةِ ﴿ كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلا ﴾ والعَرَبُ تَضْرِبُ المَثَلَ بِالزَّنْجَبِيلِ والخَمْرِ مَمْزُوجَيْنِ.

قالَ المُسَيَّبُ بْنُ عَلَسٍ يَصِفُ فَمَ امْرَأةٍ: فَكَأنَّ طَعْمَ الزَّنْجَبِيلِ بِهِ ∗∗∗ إذْ ذُقْتَهُ وسُلافَةُ الخَمْرِ وَقالَ آخَرُ: كَأنَّ القَرَنْفُلَ والزَّنْجَبِي ∗∗∗ لـَ باتا بِفِيها وأرْيًا مُشارا الأرْيُ: العَسَلُ.

والمُشارُ: المُسْتَخْرَجُ مِن بُيُوتِ النَّحْلِ.

قالَ مُجاهِدٌ: والزَّنْجَبِيلُ: اسْمُ العَيْنِ الَّتِي مِنها شَرابُ الأبْرارِ.

وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ قالَ: الزَّنْجَبِيلُ مُعَرَّبٌ.

وقالَ الدَّيْنُورِيُّ: يَنْبُتُ في أرْيافِ عَمّانَ، وهي عُرُوقٌ تَسْرِي في الأرْضِ، ولَيْسَ بِشَجَرَةٍ تُؤْكَلُ رُطَبًا، وأجْوَدُ ما يُحْمَلُ مِن بِلادِ الصِّينِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ فِيها طَعْمُ الزَّنْجَبِيلِ، والكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ السّابِقِ في الكافُورِ.

وقِيلَ: شَرابُ الجَنَّةِ عَلى بَرْدِ الكافُورِ، وطَعْمِ الزَّنْجَبِيلِ، ورِيحِ المِسْكِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَيْنًا فِيها ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يُسْقَوْنَ عَيْنًا.

وسَلْسَبِيلٌ: اسْمُ العَيْنِ، إلّا أنَّهُ صُرِفَ لِأنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ.

وهو في اللُّغَةِ: صِفَةٌ لِما كانَ في غايَةِ السَّلاسَةِ.

فَكَأنَّ العَيْنَ وُصِفَتْ وسُمِّيَتْ بِصِفَتِها.

وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ قالَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُسَمّى سَلْسَبِيلا ﴾ قِيلَ: هو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ نَكِرَةٌ، فَلِذَلِكَ انْصَرَفَ.

وقِيلَ: هو اسْمٌ مَعْرِفَةٌ، إلّا أنَّهُ أُجْرِيَ، لِأنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ.

وعَنْ مُجاهِدٍ قالَ: حَدِيدَةُ الجَرْيَةِ.

وقِيلَ: سَلْسَبِيلٌ: سَلِسٌ ماؤُها، مُسْتَقِيدٌ لَهم.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: السَّلْسَبِيلُ صِفَةٌ لِلْماءِ، لِسَلَسِهِ وسُهُولَةِ مَدْخَلِهِ في الحَلْقِ.

يُقالُ: شَرابٌ سَلْسَلٌ، وسَلْسالٌ، وسَلْسَبِيلٌ.

وحَكى الماوَرْدِيُّ: أنَّ عَلِيًّا قالَ: المَعْنى: سَلْ سَبِيلًا إلَيْها، ولا يَصِحُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ ﴾ قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الواقِعَةِ: ١٧] ﴿ إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا ﴾ أيْ: في بَياضِ اللُّؤْلُؤِ وحُسْنِهِ، واللُّؤْلُؤُ إذا نُثِرَ مِنَ الخَيْطِ عَلى البِساطِ كانَ أحْسَنَ مِنهُ مَنظَرًا.

وإنَّما شُبِّهُوا بِاللُّؤْلُؤِ المَنثُورِ، لِانْتِشارِهِمْ في الخِدْمَةِ.

ولَوْ كانُوا صَفًّا لَشَبَّهُوهُ بِالمَنظُومِ.

﴿ وَإذا رَأيْتَ ثَمَّ ﴾ يَعْنِي: الجَنَّةَ ﴿ رَأيْتَ نَعِيمًا ﴾ لا يُوصَفُ ﴿ وَمُلْكًا كَبِيرًا ﴾ أيْ: عَظِيمًا واسِعًا لا يُرِيدُونَ شَيْئًا إلّا قَدَرُوا عَلَيْهِ، ولا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ مَلَكٌ إلّا بِاسْتِئْذانٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عالِيَهُمْ ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ، وحَمْزَةُ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ بِإسْكانِ الياءِ، وكَسْرِ الهاءِ.

وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ، إلّا أنَّ الجُعْفِيَّ عَنْ أبِي بَكْرٍ قَرَأ "عالِيَتُهُمْ" بِزِيادَةِ تاءٍ مَضْمُومَةٍ.

وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ "عَلَيْهِمْ" بِفَتْحِ اللّامِ، وإسْكانِ الياءِ مِن غَيْرِ تاءٍ، ولا ألِفٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: فَأمّا تَفْسِيرُ إعْرابِ "عالِيهِمْ" بِإسْكانِ الياءِ، فَيَكُونُ رَفْعُهُ بِالِابْتِداءِ، ويَكُونُ الخَبَرُ"ثِيابُ سُنْدُسٍ" وأمّا "عالِيَهُمْ" بِفَتْحِ الياءِ، فَنَصْبُهُ عَلى الحالِ مِن شَيْئَيْنِ، أحَدُهُما: مِنَ الهاءِ والمِيمِ، والمَعْنى: يَطُوفُ عَلى الأبْرارِ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ عالِيًا لِلْأبْرارِ ثِيابُ سُنْدُسٍ، لِأنَّهُ وصَفَ أحْوالَهم في الجَنَّةِ، فَيَكُونُ المَعْنى: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ الحالِ هَؤُلاءِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الوِلْدانِ.

المَعْنى: إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا في حالِ عُلُوِّ الثِّيابِ.

وأمّا "عالِيَتُهُمْ" فَقَدْ قُرِئَتْ بِالرَّفْعِ وبِالنَّصْبِ، وهُما وجْهانِ جَيِّدانِ في العَرَبِيَّةِ، إلّا أنَّهُما يُخالِفانِ المُصْحَفَ، فَلا أرى القِراءَةَ بِهِما، وتَفْسِيرُها كَتَفْسِيرِ ﴿ "عالِيَهُمْ" .

﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو "خُضْرٌ" رَفْعًا "وَإسْتَبْرَقٍ" خَفْضًا.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ "خُضْرٍ" خَفْضًا "وَإسْتَبْرَقٌ" رَفْعًا.

وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ "خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ" كِلاهُما بِالرَّفْعِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "خُضَرٍ وإسْتَبْرَقٍ" كِلاهُما بِالخَفْضِ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ "خُضْرٌ" بِالرَّفْعِ، فَهو نَعْتُ الثِّيابِ، ولَفْظُ الثِّيابِ لَفْظُ الجَمْعِ، ومَن قَرَأ "خُضْرٍ" فَهو مِن نَعْتِ السُّنْدُسِ، والسُّنْدُسُ في المَعْنى راجِعٌ إلى الثِّيابِ.

ومَن قَرَأ "وَإسْتَبْرَقٌ" فَهو نَسَقٌ عَلى "ثِيابٍ" المَعْنى: وعَلَيْهِمْ إسْتَبْرَقٌ.

ومَن خَفَضَ، عَطَفَهُ عَلى السُّنْدُسِ، فَيَكُونُ المَعْنى: عَلَيْهِمْ ثِيابٌ مِن هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ.

وقَدْ بَيَّنّا في [الكَهْفِ ٣١] مَعْنى السُّنْدُسِ، والإسْتَبْرَقِ، والأساوِرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا يُحْدِثُونَ ولا يَبُولُونَ عَنْ شُرْبِ خَمْرِ الجَنَّةِ، قالَهُ عَطِيَّةُ.

والثّانِي: لِأنَّ خَمْرَ الجَنَّةِ طاهِرَةٌ، ولَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ كَخَمْرِ الدُّنْيا، قالَهُ الفَرّاءُ.

وقالَ أبُو قُلابَةَ: يُؤْتَوْنَ بَعْدَ الطَّعامِ بِالشَّرابِ الطَّهُورِ فَيَشْرَبُونَ فَتَضْمُرُ بِذَلِكَ بُطُونُهُمْ، ويَفِيضُ مِن جُلُودِهِمْ عَرَقٌ مِثْلُ رِيحِ المِسْكِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ هَذا ﴾ يَعْنِي: ما وصَفَ مِن نَعِيمِ الجَنَّةِ "كانَ لَكم جَزاءً" بِأعْمالِكم "وَكانَ سَعْيُكُمْ" أيْ: عَمَلُكم في الدُّنْيا بِطاعَتِهِ "مَشْكُورًا" قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ: شَكَرْتُكم عَلَيْهِ، وأُثِيبُكم أفْضَلَ الثَّوابِ ﴿ إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلا ﴾ أيْ: فَصَّلْناهُ في الإنْزالِ، فَلَمْ نُنْزِلْهُ جُمْلَةً واحِدَةً ﴿ فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾ وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ في مَواضِعَ [الطَّوْرِ: ٤٨،والقَلَمِ: ٤٨] .

والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: هَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَصِحُّ، ﴿ وَلا تُطِعْ مِنهُمْ ﴾ أيْ: مِن مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ ﴿ آثِمًا أوْ كَفُورًا ﴾ "أوْ" بِمَعْنى الواوِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوِ الحَوايا  ﴾ .

وقَدْ سَبَقَ هَذا.

ولِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالآثِمِ والكَفُورِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُما صِفَتانِ لِأبِي جَهْلٍ.

والثّانِي: أنَّ الآثِمَ: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، والكَفُورُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ.

والثّالِثُ: الآثِمُ: الوَلِيدُ.

والكَفُورُ: عُتْبَةُ، وذَلِكَ أنَّهُما قالا لَهُ: ارْجِعْ عَنْ هَذا الأمْرِ ونَحْنُ نُرْضِيكَ بِالمالِ والتَّزْوِيجِ.

"واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ" أيِ: اذْكُرْهُ بِالتَّوْحِيدِ في الصَّلاةِ "بُكْرَةً" يَعْنِي: الفَجْرَ "وَأصِيلًا" يَعْنِي: العَصْرَ.

وبَعْضُهم يَقُولُ: صَلاةُ الظُّهْرِ والعَصْرِ ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ ﴾ يَعْنِي: المَغْرِبَ والعَشاءَ.

﴿ وَسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا ﴾ وهِيَ: صَلاةُ اللَّيْلِ، كانَتْ فَرِيضَةً عَلَيْهِ، وهي لِأُمَّتِهِ تَطَوُّعٌ "إنَّ هَؤُلاءِ" يَعْنِي: كُفّارَ مَكَّةَ ﴿ يُحِبُّونَ العاجِلَةَ ﴾ أيِ: الدّارَ العاجِلَةَ، وهي الدُّنْيا ﴿ وَيَذَرُونَ وراءَهُمْ ﴾ أيْ: أمامَهم ﴿ يَوْمًا ثَقِيلا ﴾ أيْ: عَسِيرًا شَدِيدًا.

والمَعْنى: أنَّهم يَتْرُكُونَ الإيمانَ بِهِ، والعَمَلَ لَهُ.

ثُمَّ ذَكَرَ قُدْرَتَهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿ نَحْنُ خَلَقْناهم وشَدَدْنا أسْرَهُمْ ﴾ أيْ: خَلْقَهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: امْرَأةٌ حَسَنَةُ الأسْرِ، أيْ: حَسَنَةُ الخَلْقِ، كَأنَّها أُسِرَتْ، أيْ: شُدَّتْ.

وأصْلُ هَذا مِنَ الإسارِ، وهُوَ: القَدُّ.

[الَّذِي تُشَدُّ بِهِ الأقْتابُ] يُقالُ: ما أحْسَنَ ما أسَرَ قَتَبَهُ، أيْ: ما أحْسَنَ ما شَدَّهُ [بِالقَدِّ] .

ورُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: مَفاصِلُهم.

وعَنِ الحَسَنِ قالَ: أوْصالُهم بَعْضُها إلى بَعْضٍ بِالعُرُوقِ والعَصَبِ "وَإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهُمْ" أيْ: إنْ شِئْنا أهْلَكْناهم وأتَيْنا بِأشْباهِهِمْ، فَجَعَلْناهم بَدَلًا مِنهم ﴿ إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ ﴾ قَدْ شَرَحْنا الآيَةَ في [المُزَّمِّلِ: ١٩] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تَشاءُونَ ﴾ إيجادَ السَّبِيلِ ﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ﴾ ذَلِكَ لَكم.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، "وَما يَشاؤُونَ" بِالياءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: الرَّحْمَةُ ها هُنا: الجَنَّةُ ﴿ والظّالِمِينَ ﴾ المُشْرِكُونَ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: نَصْبُ "الظّالِمِينَ" بِالجِوارِ.

المَعْنى: ولا يُدْخِلُ الظّالِمِينَ في رَحْمَتِهِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما نُصِبَ "الظّالِمِينَ" لِأنَّ قَبْلَهُ مَنصُوبًا.

المَعْنى: يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ، ويُعَذِّبُ الظّالِمِينَ، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أعَدَّ لَهُمْ ﴾ تَفْسِيرًا لِهَذا المُضْمَرِ، وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ "والظّالِمُونَ" رَفْعًا.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا ﴾ ﴿ إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا ﴾ ﴿ إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلا ﴾ ﴿ فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أو كَفُورًا ﴾ ﴿ واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وأصِيلا ﴾ ﴿ وَمِنَ اللَيْلِ فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وأبانُ عن عاصِمٍ: "عالِيَهُمْ" عَلى الرَفْعِ لِلِابْتِداءِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وابْنِ عَبّاسٍ بِخِلافٍ عنهُ-، وقَرَأ الباقُونَ وعاصِمٌ: "عالِيَهُمْ" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ "لَقّاهُمْ" أو "جَزاهُمْ"، وهي قِراءَةُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، والجَحْدَرِيِّ، وأهْلِ مَكَّةَ.

وقَرَأ الأعْمَشُ، وطَلْحَةُ: "عالِيَتُهُمْ"، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ، وقَرَأ أيْضًا الأعْمَشُ: "عالِيَتَهُمْ" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ، وقَدْ يَجُوزُ في النَصْبِ في القِراءَتَيْنِ أنْ تَكُونَ عَلى الظَرْفِ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى: فَوْقَهُمْ، وقَرَأتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: "عَلَتْهُمْ" بِتاءِ فِعْلٍ ماضٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ سِيرِينَ، وأبُو حَيْوَةَ: "عَلَيْهِمْ" بِالياءِ.

و"السُنْدُسُ" رَقِيقُ الدِيباجِ والمُرْتَفَعُ مِنهُ، وقِيلَ: "السُنْدُسُ" هو الحَرِيرُ الأخْضَرُ، و"الإسْتَبْرَقُ" والدِمْقَسُ هُما الأبْيَضُ، والأُرْجُوانُ هو الأحْمَرُ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ" بِالخَفْضِ فِيهِما، وهى قِراءَةُ الأعْمَشِ، وطَلْحَةَ، ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ، وابْنِ عُمَرَ -بِخِلافٍ عنهُما-، عَلى أنْ "خُضْرًا" نَعْتٌ لِلسُّنْدُسِ، وجائِزٌ جَمْعَ صِفَةِ اسْمِ الجِنْسِ إذا كانَ اسْمًا مُفْرَدًا كَما قالُوا: "أهْلَكَ الناسَ الدِينارُ الصِفْرُ والدِرْهَمُ البِيضُ"، وفي هَذا قُبْحٌ، والعَرَبُ تُفْرِدُ اسْمَ الجِنْسِ وهو جَمْعٌ أحْيانًا فَيَقُولُونَ: "هُوَ حَصًى أبْيَضُ"، وفي القُرْآنِ: ﴿ مِنَ الشَجَرِ الأخْضَرِ  ﴾ ، و"نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ" فَكَيْفَ بِأنْ لا يُفْرَدَ هَذا الَّذِي هو صِفَةٌ لِواحِدٍ في مَعْنى جَمْعٍ.

"وَإسْتَبْرَقٍ" في هَذِهِ القِراءَةِ عَطْفٌ عَلى سُنْدُسٍ، وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، والحَسَنُ، وعِيسى: "خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ" بِالرَفْعِ فِيهِما، "خُضْرٌ" نَعْتْ لـِ "ثِيابُ"، و"إسْتَبْرَقٍ" عَطْفٌ عَلى "ثِيابٍ"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ أيْضًا "خُضْرٌ" رَفْعًا و"إسْتَبْرَقٍ" خَفْضًا، و"خُضْرٍ" صِفَةٌ لـ "ثِيابٍ" و"إسْتَبْرَقٍ" عُطِفَ عَلى "سُنْدُسٍ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - "خُضْرٍ" خَفْضًا "وَإسْتَبْرَقٍ" رَفْعًا، فَخَفَضَ "خُضْرٍ" عَلى ما تَقَدَّمَ أوَّلًا، "وَإسْتَبْرَقٍ" عَطْفٌ عَلى "ثِيابٍ"، و"الإسْتَبْرَقُ" غَلِيظُ الدِيباجِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَإسْتَبْرَقٌ" مَوْصُولَةُ الألِفِ مَفْتُوحَةُ القافِ، كَأنَّهُ مِثالُ الماضِي مِن بَرْقٍ وإسْتَبْرَقٍ كَعَجِبَ واسْتَعْجَبَ، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ، والصَوابُ أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ لا يَنْبَغِي أنْ يَحْمِلَ ضَمِيرًا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ دُخُولُ اللامِ المُعَرَّفَةِ عَلَيْهِ، والصَوابُ فِيهِ قَطْعُ الألِفِ وإجْراؤُهُ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ "عَلَيْهِمْ ثِيابٌ" بِالرَفْعِ "سُنْدُسٌ خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ" رَفْعًا في الثَلاثَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَحُلُّوا" أيْ: جَعَلَ لَهم حُلِيَّ، و"أساوِرَ" جَمْعُ أسْوِرَةٍ، وأسْوِرَةٌ جَمْعُ سَوارٍ، وهي مِن حُلِيِّ الذِراعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: "شَرابًا طَهُورًا"، قالَ أبُو قُلابَةَ، والنَخْعِيُّ: مَعْناهُ لا يَصِيرُ بَوْلًا بَلْ يَكُونُ رَشْحًا مِنَ الأبْدانِ أطْيَبَ مِنَ المِسْكِ، وهُنا مَحْذُوفٌ يَقْتَضِيهِ القَوْلُ تَقْدِيرُهُ: يَقُولُ اللهُ تَعالى لَهم والمَلائِكَةُ عنهُ: ﴿ إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً ﴾ الآيَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ ﴾ الآيَةُ...

تَثْبِيتٌ لِمُحَمَّدٍ  ، وتَقْوِيَةٌ لِنَفْسِهِ عَلى أفْعالِ قُرَيْشٍ وأحْوالِهِمْ، و"حَكَمَ رَبُّهُ" تَعالى أنْ يُبَلِّغَ ويُكافِحَ ويَتَحَمَّلَ المَشَقَّةَ ويَصْبِرَ عَلى الأذى لِيَعْرِفَ اللهَ تَعالى إلَيْهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ آثِمًا أو كَفُورًا ﴾ هو تَخْيِيرٌ في أنْ يَعْرِفَ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ لا يُطِيعَهُ بِأيِّ وصْفٍ كانَ مِن هَذَيْنَ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم فَهو آثِمٌ وهو كَفُورٌ، ولَمْ تَكُنِ الأُمَّةُ حِينَئِذٍ مِنَ الكَثْرَةِ بِحَيْثُ يَقَعُ الإثْمُ عَلى العاصِي، واللَفْظُ أيْضًا يَقْتَضِي نَهْيَ الإمامِ عن طاعَةِ آثِمٍ مِنَ العُصاةِ أو كَفُورٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "أو" بِمَعْنًى "الواوِ" ولَيْسَ في هَذا تَخْيِيرٌ.

ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِذِكْرِ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ دَأْبًا بُكْرَةً وأصِيلًا، ومِنَ اللَيْلِ بِالسُجُودِ والتَسْبِيحِ الَّذِي هو الصَلاةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ قَوْلَ: "سُبْحانَ اللهِ"، وذَهَبَ قَوْمٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إشارَةٌ إلى الصَلَواتِ الخَمْسِ، مِنهُمُ ابْنُ حَبِيبٍ وغَيْرُهُ، فالبَكْرَةُ: صَلاةُ الصُبْحِ، والأصِيلُ الظَهْرُ والعَصْرُ، ومِنَ اللَيْلِ: المَغْرِبُ والعَشاءُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: كانَ هَذا فَرْضًا ونُسِخَ فَلا فَرْضَ إلّا الخَمْسَةُ، وقالَ قَوْمٌ، هو مَحْكَمٌ عَلى جِهَةِ النَدْبِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

من هنا يبتدئ ما لا خلاف في أنه مكي من هذه السورة.

وعلى كلا القولين فهذا استئناف ابتدائي، ويجيء على قول الجمهور أن السورة كلها مكية وهو الأرجح، أنه استئناف للانتقال من الاستدلال على ثبوت البعث بالحجّة والترهيب والوعيد للكافرين به والترغيب والوعد للمؤمنين به بمرهبّات ومرغّبات هي من الأحوال التي تكون بعد البعث، فلمّا استوفى ذلك ثُنِي عِنانُ الكلام إلى تثبيت الرسول صلى الله عليه وسلم والربطِ على قلبه لِدفاع أن تلحقه آثارُ الغمّ على تصلب قومه في كفرهم وتكذيبهم بما أُنزل عليه مما شأنه أن يوهن العزيمة البشرية، فذكَّره الله بأنه نزل عليه الكتاب لئلا يعبأ بتكذيبهم.

وفي إيراد هذا بعد طُول الكلام في أحوال الآخرة، قضاء لحق الاعتناء بأحوال الناس في الدنيا فابتدئ بحال أشرف الناس وهو الرسول صلى الله عليه وسلم ثم بحال الذين دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم بين من ﴿ يحبون العاجلة ﴾ [الإنسان: 27] ومن ﴿ اتخذ إلى ربه سبيلاً ﴾ [الإنسان: 29] فأدخلهم في رحمته.

وتأكيد الخبر ب (إنَّ) للاهتمام به.

وتأكيد الضمير المتصل بضمير منفصل في قوله: ﴿ إنا نحن ﴾ لتقرير مدلول الضمير تأكيداً لفظياً للتنبيه على عظمة ذلك الضمير ليفضي به إلى زيادة الاهتمام بالخبر إذ يتقرر أنه فِعْلُ من ذلك الضميرَاننِ له لأنه لا يفعل إلا فعلاً منوطاً بحكمة وأقصى الصواب.

وهذا من الكناية الرمزية، وبعدُ فالخبر بمجموعه مستعمل في لازم معناه وهو التثبيت والتأييد فمجموعُه كناية ومزية.

وإيثار فعل ﴿ نزّلنا ﴾ الدال على تنزيله منجماً آياتتٍ وسُوراً تنزيلاً مفرقاً إدماجٌ للإِيماء إلى أن ذلك كان من حكمة الله تعالى التي أومأ إليها تأكيد الخبر ب (إن) وتأكيدُ الضمير المتصل بالضمير المنفصل، فاجتمع فيه تأكيد على تأكيد وذلك يفيد مُفاد القصر إذ ليس الحصر والتخصيصُ إلاّ تأكيداً على تأكيد كما قال السكاكي، فالمعنى: ما نزَّل عليك القرآن إلاّ أنا.

وفيه تعريض بالمشركين الذين قالوا: ﴿ لولا نزل عليه القرآن جملةً واحدة ﴾ [الفرقان: 32] فجعلوا تنزيله مفرقاً شبهة في أنه ليس من عند الله.

والمعنى: ما أنزله منجّماً إلاّ أنا واقتضت حكمتي أن أنزله عليك منجّماً.

وفرع على هذا التمهيد أمره بالصبر على أعباء الرسالة وما يلقاه فيها من أذى المشركين، وشدُّ عزيمته أن لا تخور.

وسمى ذلك حكماً لأن الرسالة عن الله لا خيرة للمرسَل في قبولها والاضطلاععِ بأمورها، ولأن ما يحفّ بها من مصاعب إصلاح الأمة وحملِها على ما فيه خيرها في العاجل والآجل، وتلقي أصناف الأذى في خلال ذلك حتى يتمّ ما أمر الله به، كالحكم على الرسول بقبوللِ ما يبلغ منتهى الطاقة إلى أجللٍ معين عند الله.

وعدي فعل (اصبر) باللام لتضمن الصبر معنى الخضوع والطاعة للأمر الشاق، وقد يعدّى بحرف (على) كما قال تعالى: ﴿ واصبر على ما يقولون ﴾ [المزمل: 10].

ومناسبة مقام الكلام ترجح إحدى التعديتين كما تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى: ﴿ ولربك فاصبر ﴾ في سورة المدثر (7).

ولما كان من ضروب إِعراضهم عن قبول دعوته ضربٌ فيه رغبات منهم مثل أن يَترك قرعهم بقوارع التنزيل من تأفين رأيهم وتحقير دينهم وأصنامهم، وربما عرضوا عليه الصِهْر معهم، أو بذْلَ المال منهم، أُعقب أمره بالصبر على ما هو من ضروب الإِعراض في صلابة وشدة، بأن نهاه عن أن يطيعهم في الضرب الآخر من ضروب الإِعراض الواقع في قالَب اللين والرغبة.

وفي هذا النهي تأكيد للأمر بالصبر لأن النهي عنه يشمل كل ما يرفع موجبات الصبر المراد هنا.

والمقصود من هذا النهي تأييسهم من استجابته لهم حين يقرأ عليهم هذه الآية لأنهم يحسبون أن ما عرضوه عليه سيكون صارفاً له عما هو قائم به من الدعوة إِذْ هم بُعَداء عن إدراك ماهية الرسالة ونزاهة الرسول.

والطاعة: امتثال الطلب بفعل المطلوب وبالكف عن المنهي عنه فقد كان المشركون يعمدون إلى الطلب من النبي أن يفعل ما يرغبون، مثل طرد ضعفاء المؤمنين من المجلس، والإِتيان بقرآن غير هذا أو تبديله بما يشايع أحوالهم، وأن يكف عما لا يريدون وقوعه من تحقير آلهتهم، والجهرِ بصلاته، فحذره الله من الاستماع لقولهم وإياسهم من حصول مرغوبهم.

ومقتضى الظاهر أن يقول: ولا تطعهم، أو ولا تطع منهم أحداً، فعدل عنه إلى آثماً أو كفوراً} للإِشارة بالوصفين إلى أن طاعتهم تفضي إلى ارتكاب إثم أو كفر، لأنهم في ذلك يأمرونه وينهونه غالباً فهم لا يأمرون إلاّ بما يلائم صفاتهم.

فالمراد بالآثم والكفور: الصنفان من الموصوفين وتعليق الطاعة المنهي عنها بهذين النوعين مُشعر بأن الوصفين علة في النهى.

والآثِم والكفُور مُتَلازِمَاننِ فكان ذكر أحد الوصفين مغنياً عن الآخر ولكن جُمع بينهما لتشويه حال المتصف بهما قال تعالى: ﴿ والله لا يحب كل كفّار أثيم ﴾ [البقرة: 276].

وفي ذكر هذين الوصفين إشارة أيضًا إلى زعيمين من زعماء الكفر والعناد وهما عُتبة ابن ربيعة، والوليد بن المغيرة، لأن عتبة اشتهر بارتكاب المآثم والفسوق، والوليد اشتهر بشدة الشكيمة في الكفر والعتوّ.

وقد كانا كافرَيْن فأشير إلى كل واحد منهما بما هو علَم فيه بين بقية المشركين من كثرة المآثم لأولهما.

والمبالغةُ في الكفر لثانيهما، فلذلك صيغت له صيغة المبالغة (كَفور).

قيل عرض عتبة على النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع عن دعوة الناس إلى الإسلام ويزوجه ابنته وكانت من أجمل نساء قريش.

وعرض الوليد عليه أن يعطيه من المال ما يرضيه ويرجع عن الدعوة، وكان الوليد من أكثر قريش مالاً وهو الذي قال الله في شأنه: ﴿ وجعَلْتُ له مالاً ممدوداً ﴾ [المدثر: 12].

فيكون في إيثار هذين الوصفين بالذكر إدماج لذمهما وتلميح لقصتهما.

وأيَّامَّا كان فحرف ﴿ أو ﴾ لم يعْدُ أصل معناه من عطف تشريك أحد شيئين أو أشياء في خبر أو طَلب، وهذا التشريك يفيد تخييراً، أو إباحةً، أو تقسيماً، أو شكاً، أو تشكيكاً بحسب المواقع وبحسب عوامل الإِعراب، لتدخل ﴿ أو ﴾ التي تُضمر بعدها (أنْ) فتنصبُ المضارع.

وكون المشرَّك بها واحداً من متعدد مُلازم لمواقعها كلها.

فمعنى الآية نهي عن طاعة أحد هذين الموصوفين ويعلم أن طاعة كليهما منهي عنها بدلالة الفحوى لأنه إذا أطاعهما معاً فقد تحقق منه طاعة أحدهما وزيادة.

وموقع ﴿ منهم ﴾ موقعُ الحال من ﴿ آثماً ﴾ فإنه صفة ﴿ آثماً ﴾ فلما قدمت الصفة على الموصوف صارت حالاً.

و (مِنْ) للتبعيض.

والضمير المجرور بها عائد للمشركين، ولم يتقدم لهم ذكر لأنهم معلومون من سياق الدعوة أو لأنهم المفهوم من قوله: ﴿ إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلاً ﴾ أي لا كما يزعم المشركون أنك جئت به من تلقاء نفسك، ومن قوله: ﴿ فاصبر لحكم ربك، ﴾ أي على أذى المشركين.

ويؤول المعنى: ولا تطع أحداً من المشركين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَلا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا ﴾ قِيلَ إنَّهُ عَنى أبا جَهْلٍ، يُرِيدُ بِالآثِمِ المُرْتَكِبَ لِلْمَعاصِي، وبِالكَفُورِ الجاحِدَ لِلنِّعَمِ.

﴿ واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وأصِيلا ﴾ يَعْنِي في أوَّلِ النَّهارِ وآخِرِهِ، فَفي أوَّلِهِ صَلاةُ الصُّبْحِ، وفي آخِرِهِ صَلاةُ الظُّهْرِ والعَصْرِ.

﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ ﴾ يَعْنِي صَلاةَ المَغْرِبِ والعِشاءِ الآخِرَةِ.

﴿ وَسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا ﴾ يَعْنِي التَّطَوُّعَ مِنَ اللَّيْلِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وسُفْيانُ: كُلُّ تَسْبِيحٍ في القُرْآنِ هو صَلاةٌ.

﴿ إنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ العاجِلَةَ ﴾ يَحْتَمِلُ في المُرادِ بِهِمْ قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ بِهِمُ اليَهُودَ وما كَتَمُوهُ مِن صِفَةٍ لِرَسُولِ اللَّهِ  وصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ.

الثّانِي: أنَّهُ أرادَ المُنافِقِينَ لِاسْتِبْطانِهِمُ الكُفْرَ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ ﴿ يُحِبُّونَ العاجِلَةَ ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أخْذُ الرِّشا عَلى ما كَتَمُوهُ إذا قِيلَ إنَّهُمُ اليَهُودُ.

الثّانِي: طَلَبُ الدُّنْيا إذا قِيلَ إنَّهُمُ المُنافِقُونَ.

﴿ وَيَذَرُونَ وراءَهم يَوْمًا ثَقِيلا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ القَتْلِ والجَلاءِ إذا قِيلَ إنَّهُمُ اليَهُودُ.

الثّانِي: يَوْمُ القِيامَةِ إذا قِيلَ إنَّهُمُ المُنافِقُونَ.

فَعَلى هَذا يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ (ثَقِيلًا) وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: شَدائِدُهُ وأحْوالُهُ.

الثّانِي: لِلْقِصاصِ مِن عِبادِهِ.

﴿ نَحْنُ خَلَقْناهم وشَدَدْنا أسْرَهُمْ ﴾ في أسْرِهِمْ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي مَفاصِلَهم، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.

الثّانِي: خَلْقُهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ قالَ لَبِيدٌ ساهِمُ الوَجْهِ شَدِيدٌ أسْرُهُ مُشْرِفُ الحارِكِ مَحْبُوكُ الكِفْلِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ القُوَّةُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، قالَ ابْنُ أحْمَرَ في وصْفِ فَرَسٍ يَمْشِي لِأوْظِفَةٍ شِدادٍ أسْرُها ∗∗∗ صُمُّ السَّنابِكِ لاتَّقى بِالجَدْجَدِ.

وَيَحْتَمِلُ هَذا القَوْلُ مِنهُ تَعالى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: امْتِنانًا عَلَيْهِمْ بِالنِّعَمِ حِينَ قابَلُوها بِالمَعْصِيَةِ.

الثّانِي: تَخْوِيفًا لَهم مِن سَلْبِ النِّعَمِ.

﴿ وَإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أمْثالُ مَن كَفَرَ بِالنِّعَمِ وشَكَرَها.

الثّانِي: مَن كَفَرَ بِالرُّسُلِ بِمَن يُؤْمِنُ بِها.

﴿ إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ ﴾ يَحْتَمِلُ بِالمُرادِ بِـ(هَذِهِ) وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: هَذِهِ السُّورَةُ.

الثّانِي: هَذِهِ الخِلْقَةُ الَّتِي خُلِقَ الإنْسانُ عَلَيْها.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ (تَذْكِرَةٌ) وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إذْكارُ ما غَفَلَتْ عَنْهُ عُقُولُهم.

الثّانِي: مَوْعِظَةٌ بِما تَؤُولُ إلَيْهِ أُمُورُهم.

﴿ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: طَرِيقًا إلى خَلاصِهِ.

الثّانِي: وسِيلَةً إلى جَنَّتِهِ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد في قوله: ﴿ ويطعمون الطعام على حبه ﴾ قال: وهم يشتهونه ﴿ وأسيراً ﴾ قال: هو المسجون ﴿ إنما نطعمكم لوجه الله ﴾ الآية، قال: لم يقل القوم ذلك حين أطعموهم، ولكن علم الله من قلوبهم فأثنى عليه به ليرغب فيه راغب.

وأخرج سعيد بن المنصور وابن أبي شيبة وابن مردويه عن الحسن قال: كان الأسارى مشركين يوم نزلت هذه الآية ﴿ ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية، قال: لقد أمر الله بالأسارى أن يحسن إليهم، وأنهم يومئذ لمشركون، فوالله لأخوك المسلم أعظم عليك حرمة وحقاً.

وأخرج أبو عبيد في غريب الحديث والبيهقي في شعب الإِيمان في قوله: ﴿ وأسيراً ﴾ قال: لم يكن الأسير على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من المشركين.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في الآية، قال: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يأسر أهل الإِسلام، ولكنها نزلت في أسارى أهل الشرك كانوا يأسرونهم في الفداء، فنزلت فيهم، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بالإِصلاح لهم.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأسيراً ﴾ قال: هو المشرك.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله: ﴿ وأسيراً ﴾ قال: ما أسرت العرب من الهند وغيرهم، فإذا حبسوا فعليكم أن تطعموهم وتسقوهم حتى يقتلوا أو يفدوا.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي رزين قال: كنت مع شقيق بن سلمة فمر عليه أسارى من المشركين فأمرني أن أتصدق عليهم، ثم تلا هذه الآية ﴿ ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير وعطاء ﴿ ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً ﴾ قالا: من أهل القبلة وغيرهم.

وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم عن أبي سعيد «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله: ﴿ مسكيناً ﴾ قال: فقيراً ﴿ ويتيماً ﴾ قال: لا أب له ﴿ وأسيراً ﴾ قال: المملوك والمسجون» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ويطعمون الطعام على حبه ﴾ الآية، قال: نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن سعد عن أم الأسود سرية الربيع بن خيثم قالت: كان الربيع يعجبه السكر يأكله، فإذا جاء السائل ناوله فقلت: ما يصنع بالسكر الخبز له خير، قال: إني سمعت الله يقول: ﴿ ويطعمون الطعام على حبه ﴾ .

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يوماً عبوساً ﴾ قال: ضيقاً ﴿ قمطريراً ﴾ قال: طويلاً.

وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ يوماً عبوساً قمطريراً ﴾ قال: يقبض ما بين الأبصار» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من طرق ابن عباس قال: القمطرير الرجل المنقبض ما بين عينيه ووجهه.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ يوماً عبوساً قمطريراً ﴾ قال: الذي ينقبض وجهه من شدة الوجع.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر وهو يقول: ولا يوم الحسار وكان يوماً ** عبوساً في الشدائد قمطريراً قال: أخبرني عن قوله: ﴿ ولا زمهريراً ﴾ قال: كذلك أهل الجنة لا يصيبهم حر الشمس فيؤذيهم، ولا البرد.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الأعشى وهو يقول: برهوهة الخلق مثل العتيق ** لم تر شمساً ولا زمهريراً وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة ﴿ يوماً عبوساً قمطريراً ﴾ قال: يوماً تقبض فيه الحياة من شدته.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ يوماً ﴾ قال: يوم القيامة ﴿ عبوساً ﴾ قال: العابس الشفتين ﴿ قمطريراً ﴾ قال: تقبض الوجوه بالسوء، وفي لفظ انقباض ما بين عينيه ووجهه.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ ولقاهم نضرة وسروراً ﴾ قال: نضرة في وجوههم وسروراً في صدورهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن ﴿ ولقاهم نضرة ﴾ قال: في الوجوه ﴿ وسروراً ﴾ قال: في الصدور والقلوب.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ ولقاهم نضرة وسروراً ﴾ قال: نضرة في وجوههم وسروراً في قلوبهم ﴿ وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً ﴾ قال: الصبر صبران صبر على طاعة الله وصبر عن معصية الله ﴿ متكئين فيها على الأرائك ﴾ قال: كنا نحدث أنها الحجال على السرر ﴿ لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً ﴾ قال: علم الله تبارك وتعالى أن شدة الحر تؤذي، وأن شدة البرد تؤذي، فوقاهم الله عذابهما جميعاً.

قال: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم حدث أن جهنم اشتكت إلى ربها فنفسها في كل عام نفسين، فشدة الحر من حرها، وشدة البرد من زمهريرها.

وأخرج عبد الرزاق وابن مردويه عن الزهري في قوله: ﴿ لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً ﴾ قال: حدثني أبو سلمة عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اشتكت النار إلى ربها، فقالت: يا رب أكل بعضي بعضاً فنفسني، فجعل لها في كل عام نفسين نفساً في الشتاء، ونفساً في الصيف.

فشدة البرد الذي تجدون من زمهرير جهنم، وشدة الحر الذي تجدون من حر جهنم» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي وابن مردويه من طرق عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اشتكت النار إلى ربها فقالت: رب أكل بعضي بعضاً، فجعل لها نفسين نفساً في الشتاء، ونفساً في الصيف، فشدة ما تجدونه من البرد من زمهريرها، وشدة ما تجدونه في الصيف من الحر من سمومها» .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا زمهريراً ﴾ قال: برداً مقطعاً.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال: الزمهرير هو البرد الشديد.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: الزمهرير إنما هو لون من العذاب، إن الله تعالى قال: ﴿ لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً ﴾ .

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن أبي سعيد الخدري أو أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا كان يوم حار ألقى الله سمعه وبصره إلى أهل السماء وأهل الأرض، فإذا قال العبد لا إله إلا الله ما أشد حر هذا اليوم!

اللهم أجرني من حر جهنم، قال الله عز وجل لجهنم إن عبداً من عبيدي استجار بيّ منك، وإني أشهدك أني قد أجرته، وإذا كان يوم شديد البرد ألقى الله سمعه وبصره إلى أهل السماء وأهل الأرض، فإذا قال العبد: لا إله إلا الله، ما أشد برد هذا اليوم اللهم أجرني من زمهرير جهنم قال الله لجهنم: إن عبداً من عبيدي استجارني من زمهريرك، وإني أشهدك أني قد أجرته.

فقالوا وما زمهرير جهنم؟

قال كعب: بيت يلقى فيه الكافر فيتميز من شدة بردها بعضه من بعض» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: الجنة سجسج لا قر فيها ولا حر.

أخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وهناد بن السري وعبد بن حميد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن البراء بن عازب في وقوله: ﴿ ودانية عليهم ظلالهاً ﴾ قال: قريبة ﴿ وذللت قطوفها تذليلاً ﴾ قال: إن أهل الجنة يأكلون من ثمار الجنة قياماً وقعوداً ومضطجعين وعلى أي حال شاؤوا، وفي لفظ قال: ذللت لهم فيتناولون منها كيف شاؤوا.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ وذللت قطوفها تذليلاً ﴾ قال: إن قعدوا نالوها.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك ﴿ وذللت قطوفها تذليلاً ﴾ قال: أدنيت منهم يتناولونها وهم متكئون.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ وذللت قطوفها تذليلاً ﴾ قال: أدنيت منهم يتناولونها إن قام ارتفعت بقدره، وإن قعد تدلت حتى ينالها، وإن اضطجع تدلت حتى ينالها، فذلك تذليلها.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن مسعود قال: يقول غلمان أهل الجنة من أين نقطف لك؟

من أين نسقيك؟.

وأخرج ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي عن مجاهد قال: أرض الجنة ورق، وترابها مسك، وأصول شجرها ذهب وورق، وأفنانها اللؤلؤ والزبرجد والورق والثمار بين ذلك، فمن أكل قائماً لم يؤذه ومن أكل مضطجعاً لم يؤذه، ومن أكل جالساً لم يؤذه ﴿ وذللت قطوفها تذليلاً ﴾ وفي لفظ إن قام ارتفعت بقدره، وإن قعد تدلت حتى ينالها، وإن اضطجع تدلت حتى ينالها فذلك تذليلها.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ ويطاف عليهم بآنية من فضة ﴾ الآية، قال: صفاء القوارير في بياض الفضة ﴿ قدروها تقديراً ﴾ قال: قدرت على قدر رأي القوم.

وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي أنه كان يقرأ ﴿ قدرها ﴾ برفع القاف.

وأخرج عن الحسن أنه قرأها بنصب القاف.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في البعث من طريق العوفي عن ابن عباس قال: آنية من فضة وصفاؤها كصفاء القوارير ﴿ قدروها تقديراً ﴾ قال: قدرت للكف.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور والبيهقي في البعث من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: لو أخذت فضة من فضة الدنيا فضربتها حتى جعلتها مثل جناح الذباب لم ير الماء عن ورائها، ولكن قوارير الجنة بياض الفضة في صفاء القوارير.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ليس في الجنة شيء إلا قد أعطيتم في الدنيا شبهه إلا ﴿ قوارير من فضة ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن قتادة قال: لو اجتمع أهل الدنيا على أن يعملوا إناء من فضة يرى ما فيه من خلفه كما يرى في القوارير ما قدروا عليه.

وأخرج الفريابي من طريق مجاهد عن ابن عباس في قوله: ﴿ قدروها تقديراً ﴾ قال: أتوا بها على قدرهم، لا يفضلون شيئاً ولا يشتهون بعدها شيئاً.

وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد عن مجاهد قال: الآنية الأقداح، والأكواب الكوكبات، وتقديرها أنها ليست بالملأى التي تفيض، ولا ناقصة بقدر.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ قدروها تقديراً ﴾ قال: قدرتها السقاة.

وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي في قوله: ﴿ قوارير من فضة ﴾ قال: صفاؤها صفاء القوارير وهي من فضة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ كان مزاجها زنجبيلاً ﴾ قال: يمزج لهم بالزنجبيل.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ كان مزاجها زنجبيلاً ﴾ قال: يأثر لهم ما كانوا يشربون في الدنيا فيجيء إليهم بذلك.

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أربع عيون في الجنة عينان تجريان من تحت العرش إحداهما التي ذكر الله ﴿ يفجرونها تفجيراً ﴾ والأخرى الزنجبيل، وعينان نضاختان من فوق إحداهما التي ذكر الله سلسبيلاً والأخرى التسنيم» .

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي عن مجاهد في قوله: ﴿ عيناً فيها تسمى سلسبيلاً ﴾ قال: حديدة الجرية.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك ﴿ عيناً فيها تسمى سلسبيلاً ﴾ قال: عين الخمرة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ تسمى سلسبيلاً ﴾ قال: تجري سلسلة السبيل.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ عيناً فيها تسمى سلسبيلاً ﴾ قال: سلسلة فيها يصرفونها حيث شاؤوا، وفي قوله: ﴿ حسبتهم لؤلؤاً منثوراً ﴾ قال: من حسنهم.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: بينا المؤمن على فراشه إذ أبصر شيئاً يسير نحوه، فجعل يقول: لؤلؤ فإذا ولدان مخلدون كما وصفهم الله، وهي الآية ﴿ إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤاً منثوراً ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا أولهم خروجاً إذا خرجوا، وأنا قائدهم إذا وفدوا، وأنا خطيبهم إذا أنصتوا، وأنا مستشفعهم إذا جلسوا، وأنا مبشرهم إذا أيسوا، الكرامة والمفاتيح بيدي، ولواء الحمد بيدي، وآدم ومن دونه تحت لوائي، ولا فخر، يطوف عليهم ألف خادم كأنهم بيض مكنون أو لؤلؤ منثور» .

وأخرج ابن المبارك وهناد وعبد بن حميد والبيهقي في البعث عن ابن عمرو رضي الله عنه قال: إن أدنى أهل الجنة منزلاً من يسعى عليه ألف خادم كل واحد على عمل ليس عليه صاحبه.

وأخرج الحاكم والبيهقي في البعث عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه ذكر ركب أهل الجنة ثم تلا ﴿ وإذا رأيت ثم رأيت نعيماً وملكاً كبيراً ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والبيهقي عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإذا رأيت ثم رأيت نعيماً وملكاً كبيراً ﴾ قال: هو استئذان الملائكة لا تدخل عليهم إلا بإذن.

وأخرج ابن جرير عن سفيان في قوله: ﴿ وملكاً كبيراً ﴾ قال: بلغنا أنه استئذان الملائكة عليهم.

وأخرج ابن وهب عن الحسن البصري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أدنى أهل الجنة منزلة الذي يركب في ألف ألف من خدمة من الولدان المخلدين، على خيل من ياقوت أحمر، لها أجنحة من ذهب ﴿ وإذا رأيت ثم رأيت نعيماً وملكاً كبيراً ﴾ » .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال: «دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راقد على حصير من جريد قد أثر في جنبه، فبكى عمر، فقال: ما يبكيك؟

فقال: ذكرت كسرى وملكه وقيصر وملكه وصاحب الحبشة وملكه، وأنت رسول الله على حصير من جريد، فقال: أما ترضى أن لهم الدنيا ولنا الآخرة؟

فأنزل الله: ﴿ وإذا رأيت ثم رأيت نعيماً وملكاً كبيراً ﴾ » .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي الجوزاء أنه كان يقرأ ﴿ عاليهم ثياب سندس خضر ﴾ قال: علت الخضرة أكثر ثياب أهلها الخضرة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ شراباً طهوراً ﴾ قال: ما ذكر الله من الأشربة.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ شراباً طهوراً ﴾ قال: ما ذكر الله من الأشربة.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن أبي قلابة رضي الله عنه ﴿ وسقاهم ربهم شراباً طهوراً ﴾ قال: إذا أكلوا أو شربوا ما شاء الله من الطعام والشراب دعوا الشراب الطهور فيشربون، فيطهرهم فيكون ما أكلوا وشربوا جشاء بريح مسك يفيض من جلودهم، ويضمر لذلك بطونهم.

وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن المنذر عن إبراهيم التيمي في هذه الآية ﴿ وسقاهم ربهم شراباً طهوراً ﴾ قال: عرق يفيض من أعراضهم مثل ريح المسك.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن إبراهيم التيمي قال: بلغني أنه يقسم للرجل من أهل الجنة شهوة مائة رجل من أهل الدنيا، وأكلهم ونهمتهم، فإذا أكل سقي شراباً طهوراً يخرج من جلده رشحاً كرشح المسك ثم تعود شهوته.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وكان سعيكم مشكوراً ﴾ فقال: لقد شكر الله سعياً قليلاً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (23)﴾ قال الكلبي: السورة، والآية، والآيتين لم تنزل جملة واحدة كما نزل سائر الكتب (١) (٢) ﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾ (٣) (٤) ﴿ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ﴾ يعني: من مشركي مكة.

﴿ آثِمًا ﴾ يعني: عتبة بن ربيعة، قال للنبي -  -: ارجع عن هذا (٥) (٦) وقوله: ﴿ أَوْ كَفُورًا ﴾ يعني الوليد بن المغيرة، قال: وأنا (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) قال الفراء: (أو) هاهنا بمنزلة (لا)، وأنشد (١٢) أوْ وَجْدُ شيخ أضَلَّ ناقَتَه ...

يَوْمَ توافي الحَجيجُ فاندفعوا (١٣) أراد ولا وجد شيخ (أضل ناقته) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) ﴿ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا ﴾ (١٨) وقال الزجاج: (أو) هاهنا أوكد من (الواو)؛ لأنك إذا قلت: لا تطع زيدًا وعمرًا (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) ﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ  ﴾ (٢٥) قوله تعالى: ﴿ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ ﴾ أي اذكره بالتوحيد في الصلاة.

﴿ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ يعني صلاة الفجر، والظهر، والعصر.

قاله عطاء (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ ﴾ يعني فصلِّ له المغرب، والعشاء.

﴿ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا ﴾ قال مقاتل: يعني التطوع، يقول: وصل لله طويلًا (٣٠) (٣١) (٣٢) وقال عطاء: يريد أن صلاة الليل فريضة عليك يا محمد (٣٣) والقول هو الأول؛ لأنه كان لا يجب عليه أن يصلي جميع الليل.

ثم ذكر كفار مكة، فقال: (قوله تعالى) (٣٤) قال ابن عباس (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) ﴿ مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ  ﴾ ﴿ وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ  ﴾ .

﴿ يَوْمًا ثَقِيلًا ﴾ عسيرًا، شديدًا، كما قال: ﴿ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ  ﴾ .

(ومعنى) (٣٩) ﴿ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ ﴾ أي يتركونه، فلا يؤمنون به، ولا يعلمون، ولا يهتمون لوقوعه، فقد تركوه من كل وجه.

ثم ذكر دلالة قدرته، فقال: ﴿ نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ ﴾ قال ابن عباس: خلقهم (٤٠) (٤١) (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) قال الفراء: الأسر: الخَلْق، يقال: لقد أسِر هذا الرجل أحسنَ الأسر، كقوله: أحسن الخلق (٤٧) وقال أبو عبيدة: أسرهم: شدة الخَلْق، يقال: فرس شديد الأسر، وأنشد لبشر (بن أبي خازم) (٤٨) (٤٩) شديد الأسر يحمل أريحيًا ...

أخا ثقة إذا الحدثان نابا (٥٠) قال: وكل شيء شددته من غَبيطٍ (٥١) (٥٢) (٥٣) وقال المبرد: (الأسر: القوى كلها، وأصله عند العرب: القِدُّ (٥٤) واسْتَدْفَأ الكَلْبُ بالمأسُورِ ذِي الذِّئْبِ (٥٥) (٥٦) يقول من شدة البرد استدفأ الكلب بالقتب.

وقال الليث: الأسر: قوة المفاصل، والأوصال، وشد الله أسره (فلان) (٥٧) (٥٨) (٥٩) (٦٠) (٦١) (٦٢) (وذكرنا هذا مستقيم عند ذكر الأسارى (٦٣) (٦٤) وقال الحسن (في هذه الآية) (٦٥) (٦٦) (٦٧) وهو (معنى) (٦٨) (٦٩) وروي عن مجاهد: أنه قال في تفسير الأسر: الشَّرَج (٧٠) (٧١) (٧٢) وقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا ﴾ أي إذا شئنا أهلكناهم، وأتينا بأشباههم، فجعلناهم بدلاً منهم (٧٣) وهذا كقوله: ﴿ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ ﴾ .

[الواقعة: 61] وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ ﴾ مفسرة في سورة المزمل (٧٤) ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ ﴾ أي الطاعة، والاستقامة اتخاذ السبيل المذكور في قوله: ﴿ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا  ﴾ .

﴿ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾ قال ابن عباس: يريد شيئًا من الخير إلا أن يشاء الله ذلك (٧٥) (٧٦) وقال أبو إسحاق: أي لستم تشاؤون إلا بمشيئة الله (٧٧) قوله (تعالى) (٧٨) ﴿ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ ﴾ (قال عطاء) (٧٩) (٨٠) وقال مقاتل: يعني في دينه الإسلام (٨١) ﴿ وَالظَّالِمِينَ ﴾ يعني المشركين من كفار مكة.

قال أبو إسحاق: نصب (الظالمين)؛ لأن قبله منصوبًا.

المعنى: يدخل من يشاء في رحمته، ويعذبُ الظالمين، ويكون (أعدَّ لهم عذابًا أليمًا)، تفسيرًا لهذا المضمر قال: والاختيار في الظالمين: النصب (٨٢) (٨٣) (٨٤) (٨٥) (٨٦) وأما قوله في: ﴿ حم عسق ﴾ ﴿ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ ﴾ (٨٧) (٨٨) ﴿ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا ﴾ يدل على: ويعذب، فجاز أن ينتصب (٨٩) (١) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٢) "تفسير مقاتل" 222/ ب، ولقد ورد عن ابن عباس معنى ذلك، قال: أنزل القرآن متفرقًا؛ آية بعد آية، ولم ينزل جملة واحدة.

"معالم التنزيل" 4/ 431.

(٣) قوله تعالى: لحكم ربك: بياض في (ع).

(٤) من هذه المواضع: سورة الطور: 48، سورة القلم: 48.

ومما جاء في تفسير قوله: "فاصبر لحكم ربك" من سورة القلم: 48: "أي اصبر على الأذى لقضاء ربك الذي هو آت".

(٥) في (أ): هذه.

(٦) قال بذلك مقاتل، انظر: "معالم التنزيل" 4/ 431، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 147، "الوسيط" 4/ 406 مختصرًا جدًا.

(٧) في (أ): فأنا.

(٨) في (أ): أكثريهم.

(٩) لم أعثر على مصدر لقوله.

(١٠) "تفسير مقاتل" 222/ ب، "معالم التنزيل" 4/ 431، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 147، ورد عنه مختصرًا في كليهما.

(١١) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(١٢) البيت لمالك بن عمرو القُضاعي، أو مالك بن حُريم، أو ابن رعك الغساني، أو الخنساء.

انظر شرح أبيات "معاني القرآن" 221، وعزاه المبرد إلى مالك بن عمرو في: "الكامل" 2/ 86، والأمالي لأبي علي القالي: 2/ 123 وعزاه إلى مالك بن حريم في مقتل أخيه سماك، ولم أجده في ديوان الخنساء.

(١٣) ورد البيتان في: شرح أبيات "معاني الفراء" 221، "الكامل" 2/ 86، "جامع البيان" 29/ 224، "الكشف والبيان" 13/ 21/ ب، الأضداد: لابن الأنباري: 282، "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري: 2/ 79، وورد البيت الأول منسوبًا إلى ابن رعلاء الغساني، ط/ 2، "إيضاح الوقف والابتداء" 1/ 442، الأمالي: 2/ 123، وكلها برواية "عجول" بدلًا من: "عجوز".

موضع الشاهد: "أو وجد شيخ"، أراد: ولا وجد شيخ، فقد ذكر بعض النحويين أن "أو" تأتي بمعنى: "لا".

انظر شرح أبيات "معاني القرآن" 221.

(١٤) ما بين القوسين ساقط من (ع).

(١٥) أي الفراء.

(١٦) في (أ): يطعن.

(١٧) "معاني القرآن" 3/ 219 - 220 بتصرف.

(١٨) "تفسير عبد الرزاق" 2/ 339، "جامع البيان" 29/ 224، "الكشف والبيان" 13: 21/ ب، "معالم التنزيل" 4/ 431، "الدر المنثور" 8/ 378 وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر.

(١٩) في (ع): عمروًا.

(٢٠) بياض في (ع).

(٢١) بياض في (ع).

(٢٢) بياض في (ع).

(٢٣) قوله: فقد قلت هذان: بياض في (ع).

(٢٤) بياض في (ع).

(٢٥) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 263.

وقد خالف البصريون ما ذهب إليه الكوفيون كالفراء والزجاج من أن "أو" لا تكون بمعنى الواو، ولا بمعنى: "بل" بخلاف الكوفيين الذين استدلوا على صحة معنى "أو" "واو"، أو بمعنى: "بل" بهذه الآية، "أو كفورًا"، وقد رد البصريون هذا الاستدلال بقولهم: وأما قول الله تعالى: "ولا تطع منهم آثمًا أو كفورًا" فلا حجة لهم فيه؛ لأن "أو" فيها للإباحة، أي قد أبحتك كل واحد منهما كيف شئت، كما تقول في الأمر: جالس الحسن وابن سيرين، أي قد أبحتك مجالسة كل واحد منهما كيف شئت، والمنع بمنزلة الإباحة، فكما أنه لا يمتنع من شيء أبحته له، فكذلك لا يُقدم على شيء نهيته عنه.

انظر: "الإنصاف" في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين: لأبي البركات الأنباري: 2/ 479 - 483.

وانظر كتاب "حروف المعاني" للزجاجي: 50 - 51.

من هذا التحقيق يتبين أن الإمام الواحدي لا يعتنق مذهبًا كوفيًا أو بصريًا؛ بل إنه يؤيد ما يراه صوابًا من أحد المذهبين، والله أعلم.

(٢٦) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد في: "الوسيط" بنحوه من غير عزو: 4/ 406.

(٢٧) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٢٨) ما بين القوسين ساقطة من (أ).

(٢٩) "تفسير مقاتل" 222/ ب، قال: إذا صليت صلاة الغداة، وهو بكرة وأصيلًا إذا أمسيت وصليت صلاة المغرب.

(٣٠) بمعناه في: "تفسير مقاتل" 222/ ب، وفي "الوسيط" من غير عزو: 4/ 406.

(٣١) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٣٢) ما بين القوسين ساقط من (ع).

(٣٣) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٣٤) ما بين القوسين ساقط من (ع).

(٣٥) لم أعثر على مصدر لقوله.

وقد ورد بمثله في: "الوسيط" 4/ 406 من غير عزو.

(٣٦) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٣٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٣٨) "تفسير مقاتل" 222/ ب.

(٣٩) ساقطة من (أ).

(٤٠) "جامع البيان" 29/ 226، "الكشف والبيان" 13: 22/ أ، "النكت والعيون" 6/ 173، "زاد المسير" 8/ 151، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 149، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 488، "الدر المنثور" 8/ 378.

(٤١) "تفسير مقاتل" 223/ أ، المراجع السابقة عدا جامع البيان، والنكت والعيون، وانظر: "معالم التنزيل" 4/ 431.

(٤٢) المراجع السابقة جميعها.

(٤٣) المراجع السابقة إضافة إلى "تفسير عبد الرزاق" 2/ 339، "الدر المنثور" 8/ 379 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.

(٤٤) "معاني القرآن" 3/ 220.

(٤٥) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 263 بمثله، وأضاف قائلاً: جاء في التفسير أيضًا: مفاصِلُهُم.

(٤٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٤٧) "معاني القرآن" 3/ 220 بيسير من التصرف.

(٤٨) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٤٩) ساقط من (ع).

(٥٠) ورد البيت في: "منتهى الطلب من أشعار العرب" لابن ميمون: 1/ 156.

(٥١) غبيط: هو المركب، قال الأزهري: ويقبب بشجار ويكون للحرائر.

انظر: "تهذيب اللغة" 8/ 62 (غبط)، "لسان العرب" 7/ 361 (غبط).

(٥٢) القِتْب: والقَتَب: إكاف البعير، والقِتْب: بالكسر: جميع أداة السانية من أعلافها، وحبالها، والجمع أقتاب انظر: "لسان العرب" 1/ 660 - 661: مادة: (قتب).

(٥٣) "مجاز القرآن" 2/ 280 إلا أنه لم يذكر بيت الشعر.

(٥٤) القِدُّ: السير الذي يُقّدُّ من الجلد غير مدبوغ.

انظر مادة: (قد) في: "معجم مقاييس اللغة" 5/ 6، "لسان العرب" 3/ 344.

(٥٥) الشطر الأول منه: فَأيُّ حَيٍّ إذا هَبَّتْ شَآميَّةً وقد ورد في الكامل 2/ 964 غير منسوب.

ومعنى المأسور: القتب.

(٥٦) ما بين القوسين من قول المبرد، نقله عنه الإمام الواحدي بتصرف.

(٥٧) ساقطة من (أ).

(٥٨) في (أ): قوته.

(٥٩) ساقطة من (أ).

(٦٠) في (ع).

صرفاهما.

(٦١) بياض في (ع).

(٦٢) لم أعثر على قول الليث في: "التهذيب".

(٦٣) راجع تفسير سورة البقرة: 85.

(٦٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٦٥) ما بين القوسين بياض في (أ).

(٦٦) العَصَب: عصب الإنسان والدابة، والأعصاب: أطناب المفاصل تلائم بينها وتشدها.

"لسان العرب" 1/ 602: مادة: (عصب).

(٦٧) "الكشف والبيان" 13/ 22/ أ، "معالم التنزيل" 4/ 431، "زاد المسير" 8/ 151، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 149.

(٦٨) ساقطة من (أ).

(٦٩) وهو قول أبي هريرة كما في: "جامع البيان" 29/ 226، والحسن والربيع أيضًا.

انظر: "الكشف والبيان" 13/ 22/ أ، "الدر المنثور" 8/ 378 وعزاه إلى عبد بن حميد.

وانظر: "تفسير الحسن" 2/ 386.

(٧٠) "الكشف والبيان" 13/ 22/ أ، "معالم التنزيل" 4/ 431، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 149.

(٧١) بياض في (ع).

(٧٢) ما بين القوسين من قول ابن الأعرابي بنصه.

انظر مادة: (أسر) في: "تهذيب اللغة" 13/ 61، "لسان العرب" 4/ 19.

(٧٣) قوله: بدلًا منهم.

بياض في (ع).

(٧٤) سورة المزمل: 19.

(٧٥) بياض في (ع).

(٧٦) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٧٧) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 264 بنصه.

(٧٨) ساقطة من (ع).

(٧٩) ساقطة من (أ).

(٨٠) "الوسيط" 4/ 406.

(٨١) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٨٢) وهي قراءة عامة القراء.

انظر: "بحر العلوم" 3/ 433.

(٨٣) وقرأ: عبد الله بن الزبير، وأبان بن عثمان، وأبو العالية، وأبو الجوزاء، وابن أبي عبلة: بالوا، أي: "والظالمون أعد".

انظر: "المحتسب" لابن جني: 2/ 244، "الكشف والبيان" 13: 22/ ب، "زاد المسير" 8/ 151.

وهي قراءة شاذة لعدم صحة سندها؛ ولعدم ذكرها في كتب القراءات المتواترة، ولقراءة من اشتهر بقراءة الشواذ كـ: أبان بن عثمان، وابن أبي عبلة.

وعليه لا تكون القراءة بالرفع جائزة، وإن كانت جائزة في العربية عند النحويين.

(٨٤) في (ع): عمروًا.

(٨٥) في (ع): عمروا.

(٨٦) ما بين القوسين ساقط من (أ)، وقد ورد في (ع): عمروًا، فأثبت عمرًا ليوافق ما قبله من الأمثلة (٨٧) في (أ): الظالمين، وغير مقروءة في (ع).

(٨٨) في (أ): فإنها.

(٨٩) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 264 بتصرف.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ ﴾ مفعول رأيت محذوف ليكون الكلام على الاطلاق في كل ما يرى فيها، وثم ظرف مكان، وقال الفراء: تقديره إذا رأيت ما ثم فما مفعوله ثم حذفت، قال الزمخشري: وهذا خطاب لأن ثمَّ صلة لما، ولا يجوز حذف الموصول وترك الصلة ﴿ وَمُلْكاً كَبِيراً ﴾ يعني كثرة ما أعطاهم الله، حتى إذا أدنى أهل الجنة منزلة له مثل الدنيا وعشرة أمثاله معه، حسما ورد في الحديث وقيل: أراد أن الملائكة تسلم عليهم، وتستأذن عليهم، فهم بذلك كالملوك ﴿ عَالِيَهُمْ ﴾ بسكون الياء مبتدأ خبره ﴿ ثِيَابُ سُندُسٍ ﴾ أي ما يعلوهم من الثياب ثيابُ سندس، وقُرئ عالِيَهم بالنصب على الحال، من الضمير في يطوف عليهم أو في حسبتهم.

وقال ابن عطية: العامل فيه لقَّاهم أو جزاهم، وقال أيضاً يجوز أن ينتصب على الظرف لأن معناه فوقاهم، وقد ذكرنا معنى السندس والإستبرق وقرئ ﴿ خُضْرٌ ﴾ بالخفض صفة لسندس وبالرفع صفة لثياب ﴿ وَإِسْتَبْرَقٌ ﴾ بالرفع عطف على ثياب، وبالخفض عطف على سندس ﴿ وحلوا ﴾ وزنه فعلوا معناه جعل لهم حلي ﴿ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ ﴾ ذكرنا الأساور في الكهف، فإن قيل: كيف قال هنا أساور من فضة، وفي موضع أساور من ذهب؟

فالجواب: أن ذلك يختلف باختلاف درجات أهل الجنة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما» فلعل الذهب للمقربين، والفضة لأهل اليمين، ويتحمل أن يكون أهل الجنة لهم أساور من فضة ومن ذهب معاً ﴿ شَرَاباً طَهُوراً ﴾ أي ليس بنجس كحمر الدنيا.

وقيل معناه: أنه لم تعصره الأقدام، وقيل معناه لا يصير بولاً ﴿ إِنَّ هذا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً ﴾ أي يقال لهم هذا يقوله الله تعالى والملائكة ﴿ آثِماً أَوْ كَفُوراً ﴾ أو هنا للتنويع، فالمعنى لا تطع النوعين، فاعلاً للإثم ولا كفوراً، وقيل: هي بمعنى الواو أي جامعاً للوصفين لأن هذه حالة الكفار، ورُوي أنه الآية نزلت في أبي جهل، وقيل: أن الآثم عتبة بن ربيعة، والكفور الوليد بن المغيرة، والأحسن أنها على العموم، لأن لفظها عام، وإن كان سبب نزولها خاصاً ﴿ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾ هذا أمر بذكر الله في كل وقت، وقيل: إشارة إلى الصلوات الخمس، فالبكرة صلاة الصبح، والأصيل الظهر والعصر، ومن الليل المغرب والعشاء.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ سلاسلاً ﴾ بالتنوين والوقف بالألف: أبو جعفر ونافع وعلي وأبو بكر وحماد وهشام ﴿ سلاسل ﴾ في الحالين: ابن كثير وحمزة وخلف وسهل ويعقوب يصلون بغير ألف ويقفون بالألف ﴿ قوارير قوارير ﴾ غير مصروفين في الحالين: حمزة ويعقوب كلاهما بالتنوين والوقف بالألف والثاني بغير الألف في الحالين.

الباقون كلاهما بغير تنوين والوقف على الأول بالألف.

﴿ لؤلؤاً ﴾ بالواو في الأول: شجاع ويزيد وأبو بكر وحماد.

الآخرون: بهمزتين.

﴿ عاليهم ﴾ بسكون الياء وكسر الهاء: أبو جعفر ونافع وحمزة والمفضل الباقون: بفتح الياء وضم الهاء ﴿ خضر واستبرق ﴾ بالرفع فيهما ﴿ وإستبرق ﴾ بالخفص: ابن كثير والمفضل وأبو بكر وحماد.

الآخرون: بالخفض فيهما ﴿ وما يشاؤن ﴾ على الغيبة: ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو.

الوقوف: ﴿ مذكوراً ﴾ ه ﴿ أمشاج ﴾ لا قد قيل يوقف عليه لئلا يوهم أن ﴿ نبتليه ﴾ صفة له لأنه حال من ﴿ خلقنا ﴾ أي خلقناه مريدين ابتلاءه والوهم المذكور زائل لأن ضمير المفعول في ﴿ نبتليه ﴾ واحد والأمشاخ جمع.

﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ كفوراً ﴾ ه ﴿ سعيراً ﴾ ه ﴿ كافوراً ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ﴿ عيناً ﴾ بدلاً ﴿ تفجيراً ﴾ ه ﴿ مستطيراً ﴾ ه ﴿ شكوراً ﴾ ه ﴿ قمطريراً ﴾ ه ﴿ سروراً ﴾ ه ج ﴿ على الأرائك ﴾ ط لاحتمال ما بعده الحال والإستئناف ﴿ زمهريراً ﴾ ه ج لما يعرف في التفسير ﴿ تذليلاً ﴾ ه ﴿ كانت قوارير ﴾ ه لا وقيل: بوقف عليه وليس به لأن الثانية بدل من الأولى ﴿ تقديراً ﴾ ه ﴿ زنجبيلاً ﴾ ه ج لما مر في ﴿ كافوراً ﴾ ﴿ سلسبيلاً ﴾ ه ج ﴿ مخلدون ﴾ ه بناء على أن ﴿ حسبتهم ﴾ صفة الولدان والظرف عارض ﴿ منثوراً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ واستبرق ﴾ ك لاختلاف الجملتين مع أن وجه الحال في الواو واضح أي وقد حلوا ﴿ فضة ﴾ ج لأن الواو ويحتمل الحال والإستئناف وهذا أولى لإفراد هذه النعمة العظيمة عن سائر النعم ﴿ طهوراً ﴾ ه ط ﴿ مشكوراً ﴾ ه ﴿ تنزيلاً ﴾ ه ج للآية مع الفاء ﴿ أو كفوراً ﴾ ه ﴿ أصيلاً ﴾ ه ج لما ذكرنا ﴿ طويلاً ﴾ ه ﴿ ثقيلاً ﴾ ه ﴿ أسرهم ﴾ ج ﴿ تبديلاً ﴾ ه ﴿ تذكرة ﴾ ج ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ أن يشاء الله ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه والوصل أوجه بناء على أن الجملة صفة ﴿ في رحمته ﴾ ط ﴿ أليماً ﴾ ه.

التفسير: اتفقوا على أن " هل " ههنا وفي " الغاشية " بمعنى " قد " وهذا ما ذهب إليه سيبويه قال: وإنما تفيد معنى الاستفهام حيث تفيده لتقدير الهمزة، وإنما حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال والدليل على تقدير الهمزة، وإنما حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال والدليل على تقدير الهمزة، جواز إظهارها مع " هل " كقوله: سائل فوارس يربوع بشدتنا *** أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم؟

ويربوع أبو حي من تميم، ومعنى الآية أقد أتى.

فالإستفهام يفيد التقرير وقد تفيد التقريب فيكون حاصله أنه ﴿ أتى على الإنسان ﴾ قبل زمان قريب ﴿ حين من الدهر ﴾ وهو طائفة من الزمان غير محدود.

وعن ابن عباس وابن مسعود أن الإنسان ههنا آدم والحين محدود وذلك أنه مكث أربعين سنة طيناً إلى أن نفخ فيه الروح فصار شيئاً مذكوراً بعد أن كان كالمنسي وفي رواية عنه قال: أقام من طين أربعين سنة، ومن صلصال أربعين.

ثم من حمأ مسنون أربعين، ثم خلقه بعد مائة وعشرين وإطلاق الإنسان عليه قبل نفخ الروح فيه من باب إطلاق الخمر على العصير.

ويجوز أن يراد قد أتى على هذا الذي هو الآن إنسان بالفعل زمان لم يكن هو فيه إنساناً إلا بالقوّة وهذا صادق على آدم كما قلنا، وعلى بنيه أيضاً عند الأكثرين.

ولعل هذه الآية كالتقدمة والتوطئة للتي تعقبها، وكالتأكيد لخاتمة السورة المتقدمة.

وقوله ﴿ لم يكن ﴾ محله رفع على أنه نعت ﴿ حين ﴾ أو نصب على الحال من الإنسان لأنه في تقدير المفعول ويروى أن الصديق لما سمع هذه الآية قال: أيتها تمت أي ليت تلك الحالة تمت وهي كونه غير مذكور لم يخلق ولم يكلف.

وقيل: الإنسان آدم كما ذكرنا ولكن الحين هو الستة الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض ثم فرغ لخلق آدم في عصر يوم الجمعة.

وقيل: الإنسان عام والحين مدة فترة الرسل وقيل: الحين مدة لبثه في بطن أمه.

قال ابن الأعرابي وطائفة من أهل اللغة: الأمشاج جمع مشيج وأمشاج فوصف المفرد بها جميعاً نحو برمة أعشار للقدر المتكسرة قطعاً، وثوب أكياش للذي فتل غزله مرتين.

يقال عليك بالثوب الأكياش فإنه من لباس الأكياس.

والمعنى من نطفة قد امتزج فيها الماآن ماء الرجل.

وهو أبيض غليظ - وماء المرأة - وهو أصفر رقيق - والأول يخرج من الصلب، والثاني يخرج من الترائب، فما كان من عصب وعظم فيمن نطفة الرجل، وما كان من لحم ودم فمن ماء المرأة.

عن ابن مسعود: هي عروق النطفة.

وقال الحسن: أي مزجت بدم الحيض الذي فيه غذاء الجنين، وعن قتادة: هي أطوارها نطفة ثم علقة ثم مضغة وذهب إلى أنها العناصر وبالجملة فإنها عبارة عن انتقال النطفة من حال إلى حال ولهذا فسر الإبتلاء بعضهم بهذا الإنتقال ومنه قول ابن عباس ﴿ نبتليه ﴾ أي نصرفه في بطن أمه نطفة ثم علقة.

والأظهر أن حاصل المعنى خلقناه من أمشاج لا للعبث بل للإبتلاء والإمتحان.

ثم ذكر أنه أعطاه ما يصح معه الابتلاء وهو السمع والبصر اللذان هما أشرف الحواس ولهذا خصا بالذكر.

وفيه إشارة إلى أن الحواس السليمة أسباب كلية لتحصيل الكمالات النفسية فمن فقد حساً فقد علماً.

وقيل: في الآية تقديم وتأخير، ونبتليه معناه لنبتليه كقولك لرجل: جئتك أقضي حقك أي لأقضي حقك.

والمعنى جعلناه سميعاً بصيراً لنبتليه.

ثم أخبر أنه بعد أن ركبه وأعطاه الحواس الظاهرة والباطنة أوضح له بواسطة أن آتاه العقل السليم سبيل الهدى والضلالة.

فقوله ﴿ شاكر أو كفوراً ﴾ حالان من مفعول ﴿ هدينا ﴾ أي مكناه وأقدرناه في هاتين الحالتين وقيل: تقديره هديناه السبيل فيكون إما شاكراً أو كفوراً.

وفيه جهة الوعيد أي فإن شاء فليكفر وإن شاء فليشكر فإنا أعتدنا للكافرين كذا وللشاكرين كذا.

وجوز أهل العربية أن يكونا حالين من السبيل على الإسناد المجازي لأن وصف السبيل بالشكر والكفر مجاز، وهذه الأقاويل تناسب أصول المعتزلة.

أما الذي اختاره الفراء وهو مطابق لمذهب أهل السنة أن تكون " إما " في هذه الآية كما في قوله ﴿ وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم  ﴾ والمعنى هديناه السبيل ثم جعلناه تارة شاكراً تارة كفوراً.

والمراد بالشكراً لإقرار بالله وبالكفر إنكاره حتى لا يكون بين الفريقين واسطة.

ويجز أن يريد بالشاكر المطيع وبأهل الكفر كل من سواه كان كفرانه مطلقاً وهو الكافر بالله، أو ببعض المعاصي وهو الفاسق.

قوله ﴿ سلاسل ﴾ من قرأه بالتنوين فإنه صرفه لمناسبة.

قال الأخفش: سمعنا من العرب صرف جميع مالا يصرف وهذه لغة الشعراء اضطروا إليه في الشعر فجرت ألسنتهم بذلك في النثر أيضاً.

وقيل: إنه مختص بهذه الجموع لأنها أشبهت الآحاد لهذا جاز " صواحبات يوسف".

وجوز في الكشاف أن يكون هذا التنوين بدلاً من حرف الإطلاق ويجري الوصل مجرى الوقف، ومثله ﴿ قوارير ﴾ فيمن قرأ بالتنوين، والاعتاد الإعداد، والسلاسل للأرجل والأغلال للأيدي والأبرار جمع برّ وبار.

عن الحسن: هم الذين لا يؤذون الذّر ﴿ من كأس ﴾ أي إناء فيه الشراب.

وقال ابن عباس ومقاتل: هو الخمر بعينها، والمزاج ما يمزج به، والكافور إسم عين في الجنة ماؤها في بياض الكافور ورائحته وبرده ولكن لا يكون فيه طعم الكافور ولا مضرته، والمضاف محذوف ماء كافور.

والحاصل أن ذلك الشراب يكون ممزوجاً بماء هذا العين قيل: " كان " زائدة والأظهر أنها مفيدة ولكناه مسلوبة الدلالة على المضي كقوله ﴿ وكان الله عليماً حكيماً  ﴾ عن قتادة: يمزج لهم بالكافور ويختم لهم بالمسك.

وقيل: يخلق فيه رائحة الكافور وبياضه وبرده فكأنها مزجت بالكافور.

قال جار الله: فقوله ﴿ عيناً ﴾ على هذين القولين بدل من محل ﴿ كأس ﴾ على تقدير حذف مضاف كأنه قال: يشربون خمراً خمر عين، أو نصب على الإختصاص.

ولا خلاف بين العلماء أن عباد الله في الآية مختص بالمؤمنين الأبرار فغلب على ظنهم أن العباد المضاف إلى اسم الله  مخصوص في إصطلاح القرآن بالأخيار، وعلى هذا يسقط إستدلال المعتزلة بقوله ﴿ ولا يرضى لعباده الكفر  ﴾ كما مر في أول الزمر.

وإنما قال أولاً ﴿ يشربون من كأس ﴾ وآخراً ﴿ يشرب بها ﴾ لأن الكأس هي مبدأ شربهم وأما العين فإنما يمزجون بها شرابهم فالباء بمعنى " مع " مثل " شربت الماء بالعسل" ﴿ يفجرونها ﴾ يجرونها حيث شاؤا من منازلهم ﴿ تفجيراً ﴾ سهلاً " قال مؤلف الكتاب": لا يبعد أن يكون الخمر عبارة عن العلوم اللدنية الحاصلة بالذوق والمكاشفة.

والكافور عبارة عن المعارف الحاصلة بواسطة البدنية، ومزاجها تركيبها على الوجه الموصل إلى تحصيل لذات وكمالات أخر، وتفجرها إشارة إلى اتصالها إلى أهلها من النفوس المستعدة لذلك.

قال أهل النظم: حين وصف سعادة الأبرار كان لسائل أن يسأل: ما لهم يرزقون ذلك؟

فأجاب بقوله ﴿ يوفون بالنذر ﴾ وفيه أن الذي وفى بما أوجبه على نفسه لوجه الله كان بما أوجبه الله عليهأوفى.

ذكر الواحدي في البسيط والزمخشري في الكشاف وكذا الإمامية أطبقوا على أن السورة نزلت في أهل بيت النبي  ولا سيما في هذه الآي.

يروى عن ابن عباس أن الحسن والحسين مرضاً فعادهما رسول الله  في ناس معه فقال: يا أبا الحسن لو نذرت على ولدك فنذر علي وفاطمة وفضة جارية لهما إن أبرأهما الله يصوموا ثلاثة أيام فشفيا وما معهما شيء، فاستقرض علي من شمعون الخيبري اليهودي ثلاث أصوع من شعير فطحنت فاطمة منها صاعاً واختبزت خمسة أقراص على عددهم، فوضعوها بين أيديهم ليفطروا فوقف عليهم سائل فقال: السلام عليكم يا أهل محمد، مسكين من مساكين المسلمين أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة فآثروه وباتوا ولم يذوقوا إلا الماء وأصبحوا صياماً.

فلما أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم فآثروه.

ووقف عليهم في الثالثة أسير ففعلوا مثل ذلك.

فلما أصبحوا أخذ علي  بيد الحسن والحسين إلى رسول الله  فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع قال: ما أشد ما يسوءني ما أرى بكم.

وقام وانطلق معهم فرأى فاطمة في محرابها قد لصق ظهرها ببطنها وغارت عيناها فساءه ذلك فنزل جبرائيل وقال: خذها يا محمد هنأك الله في أهل بيتك فاقرأه السورة.

ويروى أن السائل في اللياللي جبرائيل أراد بذلك ابتلاءهم بإذن الله  .

ووصفهم الله  بالخوف من أهوال القيامة في موضعين أولاً في قوله ﴿ ويخافون يوماً كان شره مستطيراً ﴾ أي مكروهه مستطيراً فاشياً منتشراً من استطار الحريق، ومنه الفجر المستطير وأصله منطار.والغرض أنه تسع مكاره ذلك اليوم جميع المكلفين حتى الأنبياء يقولون: نفيس إلا نبينا محمد فإنه يقول " أمتي أمتي " والسموات يتفطرن والكواكب ينتثرن إلى غير ذلك من المكاره والأهوال.

ولا ينافي هذا أمن المسلمين في الآخرة على قال ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر  ﴾ وثانياً في قوله ﴿ إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً ﴾ وإذا كان حال أهل بيت النبي  أو حال الأبرار على العموم في الخوف من الله إلى هذه الغاية فغيرهم أولى بالخوف.

وأما الضمير في ﴿ حبه ﴾ فللطعام أي مع اشتهائه والحاجة إليه كقوله ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون  ﴾ ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة  ﴾ وقال الفضيل بن عياض: أي على حب الله عز وجل نظير الآية قوله ﴿ وآتى المال على حبه  ﴾ وعنى المسكين واليتيم قد عرف مراراً، وأما الأسير فعن سعيد بن جبير وعطاء: هو الأسير من أهل القبلة.

وعن أبي سعيد الخدري: هو المملوك والمسجون.

وسمى رسول الله  الغريم أسيراً فقال "غريمك أسيرك فأحسن أسيرك" وقد سمى الزوجة أسيراً فقال "اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم" أي أسراء.عنالحسن: كان رسول الله  يؤتى بالأسير فيدفعه إلى بعض المسلمين فيقول: أحسن إليه فيكون عنده اليومين والثلاثة فيؤثره على نفسه.

وعند عامة العلماء يجوز الإحسان إلى الكفار في دار الإسلام ولا تصرف إليهم الواجبات.

والإحسان إليهم في الحال إلى أن يرى الإمام فيهم ما يرى من قتل أو من أو فداء أو إسترقاق، لا ينافي احتمال حكم الإمام عليهم بالقتل في المآل لأن سد خلتهم بالإطعام واجب على الفور وذلك يحتمل التراخي كما في حق من يلزمه القصاص ولم يكن له مال.

ثم هذا الإطعام يجب أولاً على الإمام فإن لم يفعله وجب على المسلمين.

قال قتادة: كان أسيرهم يومئذ المشرك فأخوك المسلم أحق أن تطعمه.

ثم الإطعام ليس بواجب على التعيين ولكن الواجب مواساتهم بأي وجه كان.

وإنما عبر عن ذلك بالإطعام لأن سبب النزول كان كذلك، ولأن المقصود الأعظم من أنواع الإحسان الطعام الذي به قوام البدن.

يقال: أكل فلان مال فلان إذا أتلفه بأي وجه كان، وإن لم يكن بالأكل نفسه.

قوله ﴿ إنما نطعمكم لوجه الله ﴾ لرضاه خاصة.

ولا بد من إضمار القول.

ثم إن هذا القول يجوز أن يكون منهم باللسان منعاً للسائل عن المجازاة بمثله، أو بالشكر ليقع إطعامهم خالصاً لله.

ويجوز أن يكون بنطق الحال.

قال مجاهد: إما إنهم ما تكلموا بذلك ولكن الله علم ذلك منهم فكشف عن نيتهم وأثنى عليهم.

وفيه تنبيه على ما ينبغي أن يكون عليه المطعم بل كل عامل من إخلاص عمله لله.

عن عائشة  ا أنها كانت تبعث بالصدقة إلى هل بيت ثم تسأل الرسول ما قالوا فإن ذكر دعاء دعت لهم بمثله ليبقى ثواب الصدقة لها خالصاً.

والشكور مصدر كالكفور ولو فتحت أولهما عاد المعنى مبالغة في شاكر وكافر.

قوله ﴿ إنا نخاف ﴾ ظاهرة أنه تعليل للإطعام ويجوز أن يكون تعليلاً لعدم إرادة المجازاة.

ووصف اليوم بالعبوس مجاز وذلك بطريقين أحدهما: أن يشبه في ضرره وشدته بالأسد العبوس أو بالشجاع الباسل.

والثاني أن يوصف بصفة أهله من الأشقياء.

يروى أن الكافر يعبس يومئذ حتى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران.

والقمطرير أشد ما يكون من الأيام وأطوله بلاء وأصله الشديد العبوس الذي يجمع ما بين عينيه.

والتركيب يدل على الجمع ومنه القمطر خريطة يجمع فيه الكتب، واقمطرت الناقة إذا رفعت ذنبها وجمعت قطريها وزمت بأنفها قاله الزجاج: فأصله من القطر وجعل الميم زائدة والظاهر أنها أصلية.

وحين أخبر عن أعمال الأبرار وإخلاصهم ذكر ما سيجزيهم على ذلك وأكد تحقيق الوعد بأن عبر عنه بصيغة الماض قائلاً ﴿ فوقاهم الله شر ذلك اليوم ﴾ أي مكروهه فإن كل ما يشق على النفس وتكرهه فهو شر بالإضافة إليها، وإن كان خيراً في نفس الأمر مشتملاً على الحكم والفوائد كالقصاص وسائر الحدود ﴿ ولقاهم ﴾ أعطاهم ﴿ نضرة ﴾ في الوجوه ﴿ سروراً ﴾ في القلوب بدل عبوس الكفرة وحزنهم ﴿ وجزاهم بما صبروا ﴾ على التكاليف أو الإيثار المؤدي إلى إفناء المال المستتبع للجزع ﴿ جنة وحريراً ﴾ أي بستاناً فيه مأكل هنيّ ولباساً له منظر بهيّ قال الأخفش والزجاج ﴿ متكئين ﴾ نصب على الحال من مفعول ﴿ جزاهم ﴾ وقيل: على المدح.

وقيل: حال من الجنة.

وضعف لأنه يستدعي إبراز الضمير بأن يقال: متكئين فيها هم.

والزمهرير شدة البرد.

والأظهر أن الميم والهاء أصليتان لعدم النظير لو جعل أحدهما زائداً، والمعنى أن هواءها معتدل.

وفي الحديث " "هواء الجنة سجسج لا حر ولا قر " وعن ثعلب أن الزمهرير هو القمر بلغة طير واشتقاقه من الزهر، والمراد أن الجنة لضيائها لا تحتاج إلى شمس ولا قمر.

قوله ﴿ ودانية ﴾ ذكر الأخفش والكسائي والفراء والزجاج أنه معطوف على ﴿ متكئين ﴾ كما تقول في الدار عبد الله متكئاً ومرسلة عليه الحجال، وإن جعلنا قوله ﴿ لا يرون ﴾ حالاً صارت الأحوال ثلاثاً والتقدير.

وجزاهم متكئين فيها على الأرائك غير رائين فهيا هواء مؤذياً ودانية عليهم الظلال.

ودخلت الواو في الثالثة للدلالة على الإجتماع كأنه قيل: وجزاهم جنة متكئين فيها على الأرائك جامعين فيها بين البعد عن الحر والرد وبين الدنو من الظلال.

ويجوز أن يكون ﴿ دانية ﴾ معطوفاً على ﴿ جنة ﴾ لأنهم وصفوا بالخوف.

وقد قال  ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان  ﴾ والتقدير: وجزاهم جنة أخرى دانية عليهم ظلالها.

وقوله ﴿ لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً ﴾ من باب " علفتها تبناً وماء بارداً " وذلك لأن الزمهرير لا يرى أي ولا ينالون زمهريراً وإن أريد بالشمس نكاية شعاعها وحرها فمعنى لا يرون لا ينالون، ولا يخفى أن هذا الظل ليس بالمعنى المصطلح في الدنيا وهو الضوء النوراني فإنه لا شمس هناك، فمعنى دنو الظلال أن أشجار الجنة خلقت بحيث لو كان هناك شمس لكانت تلك الأشجار قريبة الظلال على أهل الجنة وقد أكد هذا المعنى بقوله ﴿ وذللت قطوفها تذليلاً ﴾ أي لا تمتنع على قطافها كيف شاؤا.

وقال ابن قتيبة: ذللت أي أدنيت من قولهم " حائط ذليل " إذا كان قصيراً قال البراء ابن عازب: من أكل قائماً لم يؤذه، ومن أكل جالساً ومضجعاً أمكنه.

وحين وصف طعامكم ولباسهم ومسكنهم واعتدال هوائه وكيفية جلوسهم فيه أخبر عن شرابهم وقد ذكر الأواني.

ومعنى ﴿ قوارير من فضة ﴾ أن جنس الآنية من الفضة إلا أن تلك الفضة في صفاء القوارير وشفافتها حتى يرى باطنها من ظاهرها، وإذا كانت قوارير الدنيا وأصلها من الحجر في غاية الصفاء والرقة بحيث تحكي ما في جوفها فما ظنك بقوارير الجنة وأصلها من الفضة؟

ومعنى كانت كما مر في قوله ﴿ كان مزاجها كافوراً ﴾ وقال في الكشاف: هو من قوله ﴿ كن فيكون  ﴾ أي تكونت قوارير بتكوين الله والمراد تفخيم تلك الخلقة العجيبة الجامعة بين صفتي الجوهرين المتباينين.

والضمير في ﴿ قدروها ﴾ إما لأهل الجنّة أي إنها جاءت كما قدروا في أنفسهم حسب شهوتهم وحاجتهم، وإما للطائفين أي قدروا شرابها على مقدار ري كل أحد من غير زيادة ونقصان.

وقريب منه قول مجاهد: لا تنقص ولا تفيض.

وقال الربيع بن أنس: إن تلك الأواني تكون مقدار ملء الكف لم تعظم فيثقل حملها.

قوله ﴿ ويسقون فيها كأساً ﴾ أي في الجنة إناء مملوأ من الخمر، ويجوز أن يكون الضمير للأواني، والكأس الخمر نفسها والعرب تحت طعم الزنجبيل في المشروب وتستلذه ولذلك وصف الله مشروبهم في الآخرة بذلك.

قال ابن عباس: وكل ما ذكر الله في القرآن مما في الجنة فليس منه في الدنيا إلا الاسم.

أما السلسبيل فقد قال ابن الأعرابي: لم أسمعه إلا في القرآن.

وقال الأكثرون اشتقاقه من السلاسة.

يقال شراب سلسل وسلسال وسلسبيل أي عذب سهل المساغ فكأن الباء واللام زيدتا للمبالغة حتى صارت الكلمة خماسية.

ويرد عليه أن الباء ليست من حروف الزيادة.

قال الزجاج: السلسبيل في اللغة صفة لما كان في غاية السلاسة.

والفائدة في تسميتها بالسلسبيل بعد تسميتها بالزنجبيل هي أنها في طعم الزنجبيل ولذته ولكن ليس فيها اللذاع الذي هو مناف للسلاسلة.

وقد نسب إلى علي بن أبي طالب  أن معناه سل سبيلاً إليها.

ووجه أن صحت الرواية بأنها حينئذ جملة سميت بها مثل " تأبط شراً " وسبب التسمية في الأصل أنه لا يشرب منها إلا من سأل إليها سبيلاً بالإيمان والعمل الصالح.

وفي بعض شعر المتأخرين: سل سبيلاً فيها إلى راحة النف *** س براح كأنها سلسبيل والظاهر منع صرفه للعملية والتأنيث ولكن لم يقرأ به إلا في الشواذ والمتواترة التنوين، ووجهه ما مر في ﴿ سلاسلاً ﴾ على أن رعاية المشاكلة أولى لكونه رأس آية.

ثم وصف خدمهم بقوله ﴿ ويطوف عليهم ولدان مخلدون ﴾ ويجوز أن يكون هذا بياناً للطائفين في قوله ﴿ ويطاف عليهم بآنية ﴾ وقد صرح به في الواقعة وزاد ههنا أن شبههم في حسنهم وصفائهم وبقائهم وتفرقهم في المجلس لأصناف الخدمة باللؤلؤ المنثور.

يحكى أن المأمون ليلة زفت إليه بوران بنت الحسن بن سهل وهو على بساط منسوج من ذهب وقد نثرت عليه نساء دار الخلافة اللؤلؤ، فنظر إليه منثوراً على ذلك البساط فاستحسن المنظر وقال: لله دّر أبي نواس كأنه شاهد مجلسنا هذا حيث قال البيت: كأن صغرى وكبرى من فواقعها *** حصباء در على أرض من الذهب وقيل: شبهوا باللؤلؤ الرطب إذا نثر من صدفه لأنه أحسن وأكثر ماء، ثم أجمل نعيمهم لأنه مما لا يحصر ولا يخطر ببال أحد ما دام في الدنيا فخاطب نبيه  أو كل راء قائلاً ﴿ وإذا رأيت ﴾ قال الفراء: مفعوله وهو الموصول مضمر تقديره ما ﴿ ثم ﴾ كقوله ﴿ لقد تقطع بينكم  ﴾ يريد ما بينكم.

وأنكر الزجاج وغيره حذف الموصول والإكتفاء بالصلة.

والذي اختاره أصحاب المعاني أن يكون المفعول متروكاً ليشيع ويعم.

والمعنى أن الرائي أينما وجد الرؤية لمي تعلق إدراكه إلا بنعيم ﴿ وملكاً كبيراً ﴾ أي واسعاً هنيئاً.

و " ثم " ظرف مكان أشير به إلى الجنة.

روي أن أدنى أهل الجنة منزلة ينظر في ملكه مسيرة ألف عام.

وقيل: الملك الكبير هو الذي لا زوال له.

وقيل: هو أنه إذا أراد شيءاً كان.

ومنهم من حمله على التعظيم وهو أن يأتي الرسول بكرامة من الكسوة والطعام والشراب والتحف إلى ولي الله وهو في منزله فيستأذن عليه ولا يدخل عليه رسول رب العزة وإن كان من الملائكة المقربين إلا بعد الإستئذان قاله الكلبي: وقال أهل العرفان: الملك الكبير هو اللذات الحقيقية والمعارف الإلهية والأسرار الربانية التي تستحقر عندها اللذات البدنية.

وعن علي أنه قرأ ﴿ ملكاً كبيراً ﴾ بفتح الميم وكسر اللام هو الله.

من قرأ ﴿ عاليهم ﴾ بسكون الياء فعلى أنه مبتدأ ﴿ وثياب سندس ﴾ خبر أي ما يعلوهم من لباسهم ثياب سندس ومن قرأ بالنصب فعلى أنه ظرف بمعنى فوق فيكون خبراً مقدماً.

ويجوز أن يكون نصباً على الحال من ضمير الأبرار أي ولقاهم نضرة وسروراً.

حال ما يكون عاليهم ثياب سندس.

أو يطوف عليهم أي على الأبرار ولدان حال ما يكون عاليهم ثياب سندس.

ويحتمل أن يكون العامل ﴿ رأيت ﴾ والمضاف محذوف والتقدير رأيت أهل نعيم وملك عاليهم ثياب سندس.

من قرأ ﴿ خضر ﴾ بالرفع فظاهر، ومن قرأ بالجر فعلى الجوار أو على أنه صفة سندس بالإستقلال لأنه جنس فكان في معنى الجمع كما يقال: أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض.

وأما الرفع في ﴿ إستبرق ﴾ فللعطف على ثياب، والجر للعطف على سندس.

وكلاهما ظاهر.

قوله ﴿ وحلوا أساور من فضة ﴾ إن كان الضمير للولدان فلا إشكال لأن أساور المخدومين تكون من ذهب كما قال  في مواضع ﴿ يحلون فيها من أساور من ذهب  ﴾ وأساور الخدام من فضة.

وإن كان الضمير للأبرار فلا إشكال أيضاً فلعلهم يسورون بالجنسين إما على المعاقبة وإما على الجمع.

وما أحسن بالمعصم أن يكون فيه سواران سوار من ذهب وسوار من فضة.

وأيضاً فالطباع مختلفة فرب إنسان يكون إستحسانه لبياض الفضة، ورب إنسان يكون إستحسانه لصفرة الذهب فالله  يعطي كل أحد بفضله ما تكون رغبته فيه أتم.

وقال بعض أهل التأويل: أساور اليد أعمالها وأكسابها التي صارت ملكات نورانية بها يتوسل إلى جوار الحضرة الصمدية كما أن الذهب والفضة في الدنيا وسائل إلى تحصيل المطالب العاجلة.

ثم ختم جزاء الأبرار بقوله ﴿ وسقاهم ربهم شراباً طهوراً ﴾ هو إما مبالغة طاهر والمراد أنها ليست بنجسة كخمور الدنيا ولا مستقذرة طبعاً لمساس الأيدي الوضرة والأقدام النجسة والدنسة، ولا تؤل إلى النجاسة ولكنها ترشح عرقاً من أبدانهم له ريح كريح المسك.

وإما مبالغة مطهر.

قال أبو قلابة: يؤتون بالطعام والشراب ممزوجاً بالكافور والزنجبيل فإذا كان ذلك سقوا هذا الشراب فتظهر بذلك بطونهم ويفيض عرق من جلودهم كريح المسك.

وذكر أصحاب التأويل أن الأنوار الفائضة من العالم العلوي متفاوتة في الصفاء والقوة والتأثير فبعضها كافورية طبعها البرد واليبس ويكون صاحبها في الدنيا في مقام الخوف والبكاء والقبض، وبعضها زنجبيلياً على طبع الحر واليبس ويكون صاحبها قليل الالتفات إلى ما سوى الله قليل المبالاة بالجسمانيات، ثم لا يزالالروح الإنساني ينتقل من نوع إلى نوع ومن مقام إلى مقام إلى أن ينتهي إلى حضرة نور الأنوار فيضمحل في نور تجليه سائر الأنوار، وهذا آخر سير الصديقين ومنتهى درجاتهم في الارتقاء إلى مدراج الكمال، فلهذا أضاف السقي إلى ذاته قائلاً ﴿ وسقاهم ربهم ﴾ ثم ختم وعدهم بقوله ﴿ إن هذا كان لكم جزاء ﴾ عن ابن عباس أن هذا المعنى إنما يقال لهم بعد دخولهم الجنة، فالقول مقدر والغرض إعلامهم أن كل ما تقدم من أصناف العطاء إنما هو جزاء أعمالهم والغرض إذاقة لذة الآخرة فإن سرورهم يزيد بذلك.

وقال آخرون: إنه ابتداء خبر من الله  لعباده في الدنيا ليعلموا في دار التكليف أن هذه الأشياء معدة في الآخرة لمن بر وأطاع.

واعلم أنه  بين في أول السورة أن الإنسان وجد بعد العدم، ثم ذكر أنه خلقه من أمشاج وهي العناصر والأخلاط والماآن ماء الرجل وماء المرأة، والأطوار المتعاقبة على النطفة أو النفس أو البدن، وعلى جميع التقادير فلذلك يدل على كونه فاعلاً مختاراً صانعاً حكيماً.

ثم أخبر أنه ما خلقه لأجل العبث ماطلاً باطلاً ولكنه خلقه للابتلاء والامتحان وأعطاه كل ما هو محتاج إليه من العقل والحواس، ثم إن مآل أمره بالجبر أو بالقدر إلى الشكر أو الكفر، أما الكفر فله السلاسل والأغلال، وأما الشاكر فله النعيم والظلال.

واختصر في العقاب وأطنب في ذكر الثواب إشارة إلى أن رحمته سبقت غضبه.

وحين فرغ من شرح أحوال الآخرة بدأ بكيفية صدور القرآن الذي منه تعليم هذه العلوم والحقائق فقال ﴿ إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلاً ﴾ وفيه أنواع من المبالغة من قبل إيقاع الضمير اسماً لأن " ثم " تكريره ومن جهة ذكر المصدر بعد الفعل ومن جهة لفظ التنزيل دون الإنزال لأن تنزيل القرآن منجماً مفرقاً أقرب إلى تسلية النبي  وتثبيت فؤاده، وحيث سلى قلبه أمره بالصبر على أذى الكفار إلى أوان تنزيل آية القتال ونهاه عن طاعة كل آثم منهم وخصوصاً الكفور فإن الكفر أعظم الآثام قال النحويون: كلمة أو مفيدة لأحد الشيئين أو الأشياء، فأورد عليه أنه يلزم في الآية أنه لا يجوز طاعة الآثم والكفور إذا تخالفا.

أما إذا توافقا فإنه يجوز طاعتهما إذ لا يبعد أن يقول السيد لعبده إذا أمرك أحد هذين الرجلين فخالفه.

أما إذا توافقا فلا تخالفهما.

والجواب أنه لا ريب أن قولك " لا تضرب زيداً أن أو عمراً" معناه في الأظهر لا تضرب زيداً ولا عمراً.ويحتمل احتمالاً مرجوحاً " لا تضرب أحدهما واضرب الآخر" إلا أن هذا الاحتمال مدفوع في الآية لقرينة الإثم والكفر فإن أحدهما إذا كان منهياً عنه فكلاهما معاً أولى لأن زيادة الشرِّ شرٌّ.

ولهذا قال الفراء: لا تطع واحداً منهما سواء كان آثماً أو كفوراً.

ولو كان العطف بالواو كان نصاً في النهي عن طاعتهما معاً، ولا يلزم منه النهي عن طاعة كل منهما على الإنفراد.

وقد خص بعض المفسرين فقال: الآثم هو عتبة لأنه كان متعاطياً لأنواع الفسوق.

والكفور هو الوليد لأنه كان شديد الشكيمة في الكفر.

يروى أن عتبة بن ربيعة قال للنبي  : اردع عن هذا الأمر حتى أزوجك ولدي فإني من أجمل قريش ولداً.

وقال الوليد: أنا أعطيك من المال حتى ترضى فإني من أكثرهم مالاً.

فقرأ عليهم رسول الله من أول " حم السجدة " إلى قوله ﴿ فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ﴾ فانصرفا عنه.

وقال أحدهما: ظننت أن الكعبة ستقع.

وقال الحسن: الآثم هو المنافق، والكفور مشركو العرب، أمره بالصبر على التكاليف مطلقاً.

ثم قسمها إلى نهي وأمر على هذا الترتيب لأن التخلية مقدمة على التحلية.

أما النهي فقد مر، وأما الأمر فأوله ذكر اله ولا سيما في الصلاة أول النهار وآخره وهو المراد بقوله ﴿ بكرة وأصيلاً ﴾ ويشمل صلوات الفجر والظهر والعصر وأول الليل وهو المراد بقوله ﴿ ومن الليل فاسجد له ﴾ أي وفي بعض الليل فصل له يعني صلاة المغرب والعشاء وأوسطه وهو المعنى بقوله ﴿ وسبحه ﴾ أي وتهجد له طويلاً من الليل ثلثيه أو نصفه أو ثلثه كما مر في " المزمل".

ثم شرع في توبيخ المتمردين عن طاعته مستحقراً إياهم قائلاً ﴿ إن هؤلاء يحبون ﴾ الدار ﴿ العاجلة ﴾ ونعيمها الزائل ﴿ ويذرون وراءهم يوماً ثقيلاً ﴾ أي شديداً كقوله ﴿ ثقلت في السموات والأرض  ﴾ ثم بين كمال قدرته قائلاً ﴿ نحن خلقناهم وشددنا أسرهم ﴾ أي ربطهم وتوثيقهم ومنه أسر الرجل إذا أوثق بالقدر وبه سمى القد أسراً.

والمعنى ركبناهم تركيباً محكماً وتقنا مفاصلهم بالأعصاب والربط والأوتار حسب ما يحتاجون إليه في التصرف لوجوه الحوائج ﴿ وإذا شئنا ﴾ أهلكناهم بالنفخة و ﴿ بدلنا أمثالهم ﴾ في شدة الأسر عند النفخة الثانية.

وقال جار الله: قيل معناه بدلنا غيرهم ممن يطيع وحقه أن يجيء بأن لا بإذا كقوله ﴿ وأن تتولوا يستبدل قوماً غيركم  ﴾ ممن يطيع ﴿ إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد  ﴾ قال الإمام فخر الدين الرازي: هذا الكلام كأنه طعن في لفظ القرآن وهو ضعيف لأن كل واحد من " إذا" " وإن " حرف الشرط.

قلت: ما ذكره جار الله ليس طعناً في القرآن وإنما هو طعن في نفس ذلك القول بناء على أن " إذا" لا تستعمل إلا فيما كان مقطوع الوقوع كالإماتة بالنفخة الأولى والإحياء في النشأة الأخرى.

أما الإهلاك على سبيل الإستئصال فذلك غير مقطوع به فلهذا ألا يحسن تفسير اللفظ به وتعين التفسير الأول، والمبادرة بالإعتراض قبل الفهم التام ليس من دأب العلماء المتقين فعجب من مثله ذلك.

قوله ﴿ إن هذه تذكرة ﴾ قد مر في " المزمل " والمقصود من إعادته أن هذه السورة بما فيها من الترتيب الأنيق تبصرة للمتأملين المتخذين إلى كرامة الله سبيلاً بالطاعة والانقياد، وفيه دليل للقدري.

وفي قوله ﴿ وما تشاؤن إلا أن يشاء الله ﴾ إلى آخر السورة دليل للجبري والتوفيق بينهما مفوض إلى فهم أهل التوفيق وقدمنا فيه التحقيق.

وانتصب ﴿ الظالمين ﴾ بفعل يفسره معنى أعد أو وعدت ونحوهما أوعد، وبالله التوفيق وإليه المصير والمآب.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ تَنزِيلاً ﴾ : قيل: فرقنا عليك القرآن تفريقا، والحكمة من التفريق ما ذكر في آية أخرى في القرآن، وهو قوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ  ﴾ ، فأخبر أن في التفريق تثبيتا؛ فيكون الناس له أوعى وأعرف بمواقع النوازل منه من أن ينزل جملة واحدة.

ثم أضاف التنزيل إلى نفسه هاهنا، وأضاف إلى جبريل -  - في قوله - عز وجل -: ﴿ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ  عَلَىٰ قَلْبِكَ  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ  ﴾ ، فأضافه إلى نفسه، وقال: ﴿ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ  ﴾ .

فهذا كله على مجاز الكلام ليس على الحقيقة؛ فحق كل من ذلك أن يصرف إلى ما إليه أوجه، وإلى ما يستجيز الناس من التعامل فيما بينهم بذلك الكلام، فإذا قيل: هذا في اللوح، فهم به، وأريد منه: أنه مكتوب فيه، وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ  ﴾ معناه: حتى يسمع كلاما يدله على كلام الله  لا أن يكون ذلك كلامه.

وأضافه إلى جبريل -  - لأنه من فيه تلقاه، لا أن يكون ذلك الكلام جبريل،  .

ثم قد ذكرنا الحكمة في إنزال القرآن مفرقا قبل هذا الفصل الكافيَ منه.

ثم جائز أن يكون التفريق؛ لمكان أتباع رسول الله  ، [ليس] لمكانه؛ لأن الله -  - يسر على نبيه حفظه؛ حتى كان يعي جميع ما ينزل إليه [جبريل] -  - بما يقرؤه عليه مرة واحدة.

وقيل له: ﴿ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾ الآية [القيامة: 16]؛ فضمن له الحفظ؛ فأمن النسيان، فأما غيره فإنه يشتد عليه أن لو كلفه حفظه بدفعة واحدة؛ فأنزل مفرقا، ليكونوا أقدر على حفظه؛ ولهذا ما كثر حفاظ القرآن في هذه الأمة، وكثر قراؤها، وكثر فقهاء هذه الأمة؛ لأن القرآن أنزل مفرقا على أثر النوازل؛ فعرفوا مواقع النزول؛ فوقفوا على معرفة ما أودع في الآيات؛ لمعرفتهم النوازل والمسنوخ، ولو نزل جملة واحدة اشتبه عليهم الناسخ والمنسوخ؛ فأنزل الله -  - مفرقا؛ ليكونوا بعلم الناسخ والمنسوخ والله أعلم.

ولأنه إذا أنزل مفرقا، كانوا إليه أشوق، وأرغب منه إذا أنزل جملة واحدة؛ ألا ترى إلى قوله  : ﴿ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ...

﴾ الآية [محمد: 20]، فأخبر أنهم يرغبون إلى أن تتنزل عليهم سورة، وإن كانوا قد أنزلت إليهم سورة من قبل.

وفيه - أيضا - تخويف للمنافقين؛ كما قال الله -  -: ﴿ يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم  ﴾ ؛ فكان في إنزاله مفرقا ما ذكرنا من الفوائد والمنافع للمؤمنين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾ .

فيه أنه ابتلاه بما تكرهه نفسه، ويشتد عليها، حتى دعاه إلى الصبر؛ لأن المرء لا يدعى إلى الصبر على النعم واللذات، وإنما يدعا إليه إذا ابتلي بالمكاره البليّات، وقد صبر -  - على المكاره؛ لأنه أمر بمضادة الجن والإنس؛ فانتصب لهم حتى آذوه كل الأذى، وهموا بقتله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً ﴾ : كأنه قال: ولا تطع من دعاك إلى ما تأثم فيه، أو يكون كفورا.

أو لا تجب الآثم أو الكفور إلى ما يدعوك إليه.

وقوله -  -: ﴿ وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ ﴾ : يحتمل: واذكر باسم ربك.

أو صل باسم ربك؛ كقوله: ﴿ وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ  ﴾ .

أو يقول: اذكر اسم ربك، أي: كن ذاكرا له في كل وقت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾ : البكرة: تحتمل صلاة الصبح، والأصيل: يحتمل صلاة الظهر والعصر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَٱسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً ﴾ : تحتمل صلاة الليل النوافل إن كان قوله: ﴿ وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾ في صلاة الفرائض، وإن لم يكن في ذلك؛ فيكون كأنه قال: واذكر ربك في كل وقت بالليل والنهار.ط أو يقول: فليكن اسم ربك مذكورا؛ حتى لا تخلو ساعة من هذه الساعات إلا وهو مذكور فيها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ يُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً ﴾ : حب العاجلة مما طبع به الخلائق؛ لأن كل طبع على حب الانتفاع والتمتع بالشيء؛ فلا يلحقهم الذم بحب ما طبعوا عليه وأنشئوا، ولكن إنما يلحق الذم من أحب الدنيا واختارها وآثرها على غير الذي جعلت الدنيا وأسست؛ فالدنيا إنما أسست، وجعلت؛ ليكتسب بها نعيم الآخرة والحياة الدائمة اللذيذة؛ فمن أحب لهذا، فهو لا يلحقه بذلك ذم، ولا تعييرا؛ ومن أحبها وآثرها لها، واكتسبها لها، فهو المذموم، وأولئك كانوا مختلفين في ذلك، لم يكونوا على فن واحد.

منهم من حمله حبه الدنيا على إنكار وحدانية الله -  - وألوهيته.

ومنهم من حمله حبه إياها على تكذيب الرسل والتعادي لهم، ومكابرة الحق.

ومنهم من حمله حبه إياها على إنكار البعث والجزاء لما عملوا.

ومنهم من حمله حبه الدنيا على التفريق بين الرسل، أنكروا بعضا، وصدقوا بعضا.

تولد من حبهم إياها ما ذكرنا؛ فلحقهم الذم لذلك، وكذلك ما ذكر من الإنفاق في الدنيا حيث قال: ﴿ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ...

﴾ الآية [آل عمران: 117]، فمن أنفق [من] هذه الدنيا لها؛ فتكون نفقته ما ذكر؛ لأنه أنفق لغير ماجعلت له النفقة؛ فكان ما ذكر؛ فعلى ذلك من أحب الدنيا، واختارها للدنيا لا لاكتساب ما ذكرنا من النعم اللذيذة الدائمة والحياة الباقية التي لا انطقاع لها، كان على ما ذكر.

ثم إذا ذكرت الدنيا ذكرت الآخرة وراءها، وإذا ذكرت الآخرة على أثر ذكر الإنسان قيل: أمامه؛ لأن الإنسان يقبل إليها؛ فيكون ذلك أمامه وقدامه؛ وأما عند ذكر الدنيا قيل: وراءها؛ لأنها تخلفها، وكل من خلف آخر يكون بعده ووراءه؛ لأنه يكون عند فوت الآخر؛ لذلك كان ما ذكر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ ﴾ : رجع إلى الاحتجاج عليهم لما أنكروا، يقول: يعلمون أنا خلقناهم بدءا، ونحن شددنا أسرهم؛ أي: قوتهم.

أو نحن: شددنا خلقتهم، ونحن وصلنا جوارحهم المتفرقة ومفاصلهم المتشتتة بعضها إلى بعض، ونحن نبدل أمثالهم إن شئنا، فما بالهم ينكرون قدرتنا على البعث والإعادة بعد الموت؟!

يقول: من قدر على ما ذكر لا يعجزه شيء، وهو على البعث أقدر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً ﴾ : يذكر بعد هذا إن شاء الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ ﴾ ، يحتمل ﴿ هَـٰذِهِ ﴾ ، أي: هذه السورة؛ لأنه ذكر في أولها ابتداء إنشائهم وخلقهم، وآخرها إعادتهم، وفي خلال [ذلك] جزاء صنيعهم الذي صنعوا؛ فيكون في ذلك تذكرة لهم.

ويحتمل قوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ ﴾ ، أي: الأنباء التي ذكرت في القرآن، أو هذه المواعظ تذكرة لما لهم وما عليهم، أو تذكرة لما لله عليهم، وما لبعضهم على بعض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً ﴾ : هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يقول: قد مكن كلا أن يتخذ سبيلاً إلى ربه، أي: لا شيء يمنعه [عن اتخاذ السبيل إلى ربه إذا شاء، لكن من لم يتخذ إنما لا يتخذ؛ لأنه لم يشأ] أن يتخذ سبيلا؛ وإلا قد مكن له ذلك.

والثاني: يقول: من شاء اتخاذ السبيل، فليتخذ السبيل إلى ربه، على ما يذكر على الاستقصاء بعد هذا، إن شا ء الله  .

ثم [قوله -  -]: ﴿ وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ : يقول - والله أعلم -: من شاء اتخاذ السبيل إلى ربه لا يتخذ إلا أن يشاء الله أن يتخذ السبيل إلى ربه، فعند ذلك يتخذ، وهذا على المعتزلة لأنهم يقولون: إن الله  قد شاء لجميع الخلائق أن يتخذوا إلى ربهم سبيلا، لكنهم شاءوا ألا يتخذوا إلى ربهم سبيلا؛ فلم يتخذوا، وقد أخبر أنهم لا يشاءون اتخاذ السبيل إليه، ولا يتخذون إلا أن يشاء الله لهم اتخاذ السبيل فعند ذلك يتخذون ما ذكر، ويشاءون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ﴾ : إن الله -  - لم يزل عليما بصنع خلقه من التكذيب له والتصديق، [و] من الطاعة له والمعصية، أي: على علم منه بصنيعهم أنشأهم وخلقهم، حكيما في فعله ذلك وخلقه إياهم على ماعلم منهم بكون الآية إنما خلقهم وأنشأهم؛ لمنافع أنفسهم ولحاجتهم، لا لمنافع ترجع إليه، أو لمضار يدفع عن نفسه؛ فخلقه إياهم وبعثه الرسل إليهم على علم بما يكون منهم من التكذيب والرد لا يخرج فعله عن الحكمة والحق؛ بل يكون حكيما في ذلك، وأما من يبعث الرسول في الشاهد، إلى من يعلم أنه يكذبه، ويرد رسالته وهديته، ويستخف به - سفه ليس بحكمة؛ لأنه إنما يرسل الرسل ويبعث هديته؛ لمنافع تكون للمرسل؛ فعلمه بما يكون منه سفه ليس بحكمه؛ لذلك افترقا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ ﴾ : هذا على المعتزلة - أيضا - لأنه ذكر أنه يدخل من يشاء في رحمته، وهم يقولون: قد شاء أن يدخل كلا من في رحمته؛ لأنه شاء إيمان كل منهم، والله  أخبر أنه يدخل من يشاء في رحمته؛ دل ذلك على أنه لم يشأ أن يدخل في رحمته من علم منه أنه يختار الضلال؛ ولكن إنما شاء أن يدخل في رحمته من علم منه أنه يختار الهدى، فأما من علم منه اختيار غيره، فلا يحتمل أن يشاء ذلك له، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ : أي: وشاء - أيضا - من علم منه الضلال أن يعد له عذابا أليما.

وفي حرف ابن مسعود، وأبي وحفصة -  م -: (يختص برحمته من يشاء)، وهذا الحرف تفسير تأويل الآية.

ويحتمل أن يكون رحمته هاهنا: هي الهدى وسبيل الله  .

ويحتمل أن يكون رحمته هي جنته؛ سميت: رحمة؛ لأنه برحمته ما يدخلها أهل الإيمان، [والله  أعلم بالصواب].

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إنا نحن أنزلنا عليك -أيها الرسول- القرآن مفرَّقًا، ولم ننزله عليك جملة واحدة.

<div class="verse-tafsir" id="91.oplZN"

مزيد من التفاسير لسورة الإنسان

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.2 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد