الإسلام > القرآن > سور > سورة 79 النازعات > الآية ٢٧ من سورة النازعات
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 85 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٧ من سورة النازعات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى محتجا على منكري البعث في إعادة الخلق بعد بدئه : ( أأنتم ) أيها الناس ( أشد خلقا أم السماء ) ؟
يعني : بل السماء أشد خلقا منكم ، كما قال تعالى : ( لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ) [ غافر : 57 ] ، وقال : ( أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم ) [ يس : 81 ] ، فقوله : ( بناها ) فسره بقوله : ( رفع سمكها فسواها )
وقوله: ( أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا ) يقول تعالى ذكره للمكذّبين بالبعث من قريش، القائلين: أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً * قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ أأنتم أيها الناس أشد خلقا، أم السماء بناها ربكم، فإن من بنى السماء فرفعها سقفا، هَيِّن عليه خلقكم &; 24-206 &; وخلق أمثالكم، وإحياؤكم بعد مماتكم وليس خلقكم بعد مماتكم بأشدّ من خلق السماء.
وعني بقوله: ( بَناها ) : رفعها فجعلها للأرض سقفا.
قوله تعالى : أأنتم أشد خلقا يريد أهل مكة ، أي أخلقكم بعد الموت أشد في تقديركم أم السماء ؟
!
فمن قدر على السماء قدر على الإعادة ; كقوله تعالى : لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس وقوله تعالى : أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ، فمعنى الكلام التقريع والتوبيخ .
ثم وصف السماء فقال : بناها أي رفعها فوقكم كالبناء .
يقول تعالى مبينا دليلا واضحا لمنكري البعث ومستبعدي إعادة الله للأجساد: { أَأَنْتُمْ } أيها البشر { أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ } ذات الجرم العظيم، والخلق القوي، والارتفاع الباهر { بَنَاهَا } الله.
ثم خاطب منكري البعث فقال ( أأنتم أشد خلقا أم السماء ) يعني أخلقكم بعد الموت أشد عندكم وفي تقديركم أم السماء ؟
وهما في قدرة الله واحد ، كقوله " لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس " ( غافر - 57 )، ثم وصف خلق السماء فقال: "بناها".
«أأنتم» بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفاً وتسهيلها وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه، أي منكرو البعث «أشد خلقا أم السماء» أشد خلقا «بناها» بيان لكيفية خلقها.
أبَعْثُكم أيها الناس- بعد الموت أشد في تقديركم أم خلق السماء؟
رفعها فوقكم كالبناء، وأعلى سقفها في الهواء لا تفاوت فيها ولا فطور، وأظلم ليلها بغروب شمسها، وأبرز نهارها بشروقها.
والأرض بعد خلق السماء بسطها، وأودع فيها منافعها، وفجَّر فيها عيون الماء، وأنبت فيها ما يُرعى من النباتات، وأثبت فيها الجبال أوتادًا لها.
خلق سبحانه كل هذه النعم منفعة لكم ولأنعامكم.
(إن إعادة خلقكم يوم القيامة أهون على الله من خلق هذه الأشياء، وكله على الله هين يسير).
وبعد هذا الاستطراد عن طريق ذكر جانب مما دار بين موسى وفرعون .
.
عادت السورة الكريمة ، كما بدأت إلى الحديث عن أهوال يوم القيامة ، وعن إمكانية وقوعه ، وعن أحوال الناس فيه .
وعن أن موعد قيامه مرد علمه إلى الله - تعالى - وحده ، فقال - سبحانه - :( أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السمآء .
.
.
) .الخطاب فى قوله - تعالى - : ( أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً .
.
.
) لأولئك الجاحدين الجاهلين الذين استنكروا إعادتهم إلى الحياة بعد موتهم ، وقالوا : ( أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الحافرة ) وجاء هذا الخطاب على سبيل التقريع والتوبيخ لهم ، حيث بين لهم - سبحانه - أن إعادتهم إلى الحياة ، ليست بأصعب من خلق السموات والأرض .و ( أَشَدُّ ) أفعل تفضيل ، والمفضل عليه محذوف ، لدلالة قوله - تعالى - : ( أَمِ السمآء ) عليه .والمراد بالأشد هنا : الأصعب بالنسبة لاعتقاد المخاطبين ، إذ كل شئ فى هذا الكون خاضع لإرادة الله - تعالى - ومشيئته ( إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) والمعنى : أخلقكم - أيها الجاهلون - بعد موتكم ، وإعادتكم إلى الحياة بعد هلاككم ، أشد وأصعب فى تقديركم ، أم خلق السماء التى ترون بأعينكم عظمتها وضخامتها ، والتى أوجدها - سبحانه وبناها بقدرته .فالمقصود من الآية الكريمة لفت أنظارهم إلى أمر معلوم عندهم بالمشاهدة ، وهو أن خلق السماء أعظم وأبلغ من خلقهم ، ومن كان قادرا على الأبلغ والأعظم كان على ما هو أقل منه - وهو خلقهم وإعادتهم بعد موتهم - أقدر .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس .
.
.
).
ثم اعلم أنه تعالى لما ختم هذه القصة رجع إلى مخاطبة منكري البعث، فقال: ﴿ أأنتم أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السماء ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في المقصود من هذا الاستدلال وجهان الأول: أنه استدلال على منكري البعث فقال: ﴿ أأنتم أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السماء ﴾ فنبههم على أمر يعلم بالمشاهدة.
وذلك لأن خلقة الإنسان على صغره وضعفه، إذا أضيف إلى خلق السماء على عظمها وعظم أحوالها يسير، فبين تعالى أن خلق السماء أعظم، وإذا كان كذلك فخلقهم على وجه الإعادة أولى أن يكون مقدوراً لله تعالى فكيف ينكرون ذلك؟
ونظيره قوله: ﴿ أَوَلَيْسَ الذي خَلَقَ السموات والأرض بقادر على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ﴾ وقوله: ﴿ لَخَلْقُ السموات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس ﴾ والمعنى أخلقكم بعد الموت أشد أم خلق السماء أي عندكم، وفي تقديركم، فإن كلا الأمرين بالنسبة إلى قدرة الله واحد والثاني: أن المقصود من هذا الاستدلال بيان كونهم مخلوقين، وهذا القول ضعيف لوجهين: أحدهما: أن من أنكر كون الإنسان مخلوقاً فبأن ينكر (ه) في السماء كان أولى وثانيهما: أن أول السورة كان في بيان مسألة الحشر والنشر، فحمل هذا الكلام عليه أولى.
المسألة الثانية: قال الكسائي والفراء والزجاج: هذا الكلام تم عند قوله: ﴿ أَمِ السماء ﴾ .
ثم قوله تعالى: ﴿ بناها ﴾ ابتداء كلام آخر، وعند أبي حاتم الوقف على قوله: ﴿ بناها ﴾ قال: لأنه من صلة السماء، والتقدير: أم السماء التي بناها، فحذف التي، ومثل هذا الحذف جائز، قال القفال: يقال: الرجل جاءك عاقل، أي الرجل الذي جاءك عاقل إذا ثبت أن هذا جائز في اللغة فنقول: الدليل على أن قوله: ﴿ بناها ﴾ صلة لما قبله أنه لو لم يكن صلة لكان صفة، فقوله: ﴿ بناها ﴾ صفة، ثم قوله: ﴿ رَفَعَ سَمْكَهَا ﴾ صفة، فقد توالت صفتان لا تعلق لإحداهما بالأخرى، فكان يجب إدخال العاطف فيما بينهما، كما في قوله: ﴿ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا ﴾ فلما لم يكن كذلك علمنا أن قوله: ﴿ بناها ﴾ صلة للسماء، ثم قال: ﴿ رَفَعَ سَمْكَهَا ﴾ ابتداء بذكر صفته، وللفراء أن يحتج على قوله بأنه لو كان قوله: ﴿ بناها ﴾ صلة للسماء لكان التقدير: أم السماء (التي) بناها، وهذا يقتضي وجود سماء ما بناها الله، وذلك باطل.
المسألة الثالثة: الذي يدل على أنه تعالى هو الذي بنى السماء وجوه: أحدها: أن السماء جسم، وكل جسم محدث، لأن الجسم لو كان أزلياً لكان في الأزل إما أن يكون متحركاً أو ساكناً، والقسمان باطلان، فالقول بكون الجسم أزلياً باطل.
أما الحصر فلأنه إما أن يكون مستقراً حيث هو فيكون ساكناً، أو لا يكون مستقراً حيث هو فيكون متحركاً، وإنما قلنا: إنه يستحيل أن يكون متحركاً، لأن ماهية الحركة تقتضي المسبوقية بالغير، وماهية الأزل تنافي المسبوقية بالغير والجمع بينهما محال، وإنما قلنا: إنه يستحيل أن يكون ساكناً، لأن السكون وصف ثبوتي وهو ممكن الزوال، وكل ممكن الزوال مفتقر إلى الفاعل المختار، وكل ما كان كذلك فهو محدث، فكل سكون محدث فيمتنع أن يكون أزلياً، وإنما قلنا: إن السكون وصف ثبوتي، لأنه يتبدل كون الجسم متحركاً بكونه ساكناً مع بقاء ذاته، فأحدهما لابد وأن يكون أمراً ثبوتياً، فإن كان الثبوتي هو السكون فقد حصل المقصود، وأن كان الثبوتي هو الحركة وجب أيضاً أن يكون السكون ثبوتياً، لأن الحركة عبارة عن الحصول في المكان بعد أن كان في غيره، والسكون عبارة عن الحصول في المكان بعد أن كان فيه بعينه، فالتفاوت بين الحركة والسكون ليس في الماهية، بل في المسبوقية بالغير وعدم المسبوقية بالغير، وذلك وصف عارضي خارجي عن الماهية، وإذا كان كذلك فإذا ثبت أن تلك الماهية أمر وجودي في إحدى الصورتين وجب أن تكون كذلك في سورة أخرى، وإنما قلنا: إن سكون السماء جائز الزوال، لأنه لو كان واجباً لذاته لامتنع زواله، فكان يجب أن لا تتحرك السماء لكنا نراها الآن متحركة، فعلمنا أنها لو كانت ساكنة في الأزل، لكان ذلك السكون جائز الزوال، وإنما قلنا: إن ذلك السكون لما كان ممكناً لذاته، افتقر إلى الفاعل المختار لأنه لما كان ممكناً لذاته، فلابد له من مؤثر، وذلك المؤثر لا يجوز أن يكون موجباً، لأن ذلك الموجب إن كان واجباً، وكان غنياً في إيجابه لذلك المعلول عن شرط لزم من دوامه دوام ذلك الأثر، فكان يجب أن لا يزول للسكون وإن كان واجباً ومفتقراً في إيجابه لذلك المعلول إلى شرط واجب لذاته، لزم من دوام العلة ودوام الشرط دوام المعلول، أما إن كان الموجب غير واجب لذاته، أو كان شرط إيجابه غير واجب لذاته كان الكلام فيه كالكلام في الأول، فيلزم التسلسل، وهو محال أو الإنتهاء إلى موجب واجب لذاته، وإلى شرط واجب لذاته، وحينئذ يعود الإلزام الأول، فثبت أن ذلك المؤثر لابد وأن يكون فاعلاً مختاراً، فإذاً كل سكون، فهول فعل فاعل مختار، وكل ما كان كذلك فهو محدث، لأن المختار إنما يفعل بواسطة القصد، والقصد إلى تكوين الكائن، وتحصيل الحاصل محال، فثبت أن كل سكون فهو محدث، فثبت أنه يمتنع أن يكون الجسم في الأزل لا متحركاً ولا ساكناً، فهو إذاً غير موجود في الأزل، فهو محدث، وإذا كان محدثاً افتقر في ذاته، وفي تركيب أجزائه إلى موجد، وذلك هو الله تعالى، فثبت بالعقل أن باني السماء هو الله تعالى.
الحجة الثانية: كل ما سوى الواجب فهو ممكن وكل ممكن محدث وكل محدث فعل صانع، إنما قلنا: كل ما سوى الواجب ممكن، لأنا لو فرضنا موجودين واجبين لذاتيهما لاشتركا في الوجود ولتباينا بالتعيين، فيكون كل منهما مركباً مما به المشاركة، ومما به الممايزة، وكل مركب مفتقر إلى جزئه وجزؤه غيره فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره، وكل مفتقر إلى غيره ممكن لذاته، فكل واحد من الواجبين بالذات ممكن بالذات هذا خلف، ثم ينقل الكلام إلى ذينك الجزأين، فإن كانا واجبين، كان كل واحد من تلك الأجزاء مركباً ويلزم التسلسل، وإن لم يكونا واجبين كان المفتقر إليهما أولى بعدم الوجود فثبت أن ماعدا الواجب ممكن وكل ممكن فله مؤثر وكل ما افتقر إلى المؤثر محدث، لأن الافتقار إلى المؤثر لا يمكن أن يتحقق حال البقاء لاستحالة إيجاد الموجد، فلابد وأن يكون إما حال الحدوث أو حال العدم، وعلى التقديرين فالحدوث لازم فثبت أن ما سوى الواجب محدث وكل محدث فلابد له من محدث، فلابد للسماء من بان.
الحجة الثالثة: صريح العقل يشهد بأن جرم السماء لا يمتنع أن يكون أكبر مما هو الآن بمقدار خردلة، ولا يمتنع أن يكون أصغر بمقدار خردلة، فاختصاص هذا المقدار بالوقوع دون الأزيد والأنقص، لابد وأن يكون بمخصص، فثبت أنه لابد للسماء من بان: فإن قيل لم لا يجوز أن يقال: إنه تعالى خلق شيئاً وأعطاه قدرة يتمكن ذلك المخلوق بتلك القدرة من خلق الأجسام فيكون خالق السماء وبانيها هو ذلك الشيء؟
الجواب: من العلماء من قال: المعلوم بالعقل أنه لابد للسماء من محدث وأنه لابد من الانتهاء آخر الأمر إلى قديم والإله قديم واجب الوجود لذاته واحد وهو الله سبحانه وتعالى، فأما نفي الواسطة فإنما يعلم بالسمع فقوله في هذه الآية: ﴿ بناها ﴾ يدل على أن باني السماء هو الله لا غيره، ومنهم من قال بل العقل يدل على بطلانه لأنه لما ثبت أن كل ما عداه محدث ثبت أنه قادر لا موجب، والذي كان مقدوراً له إنما صح كونه مقدوراً له بكونه ممكناً، فإنك لو رفعت الإمكان بقي الوجوب أو الامتناع وهما يحيلان المقدورية، وإذا كان ما لأجله صح في البعض أن يكون مقدوراً لله وهو الإمكان والإمكان عام في الممكنات وجب أن يحصل في كل الممكنات صحة أن تكون مقدورة لله تعالى، وإذا ثبت ذلك ونسبة قدرته إلى الكل على السوية وجب أن يكون قادراً على الكل، وإذا ثبت أن الله قادر على الممكنات فلو قدرنا قادراً آخر قدر على بعض الممكنات، لزم وقوع مقدور واحد بين قادرين من جهة واحدة، وذلك محال، لأنه إما أن يقع بأحدهما دون الآخر وهو محال، لأنهما لما كانا مستقلين بالاقتضاء فليس وقوعه بهذا أولى من وقوعه بذاك أو بهما معاً، وهو أيضاً محال لأنه يستغني بكل واحد منهما عن كل واحد منهما، فيكون محتاجاً إليهما معاً وغنياً عنهما معاً وهو محال، فثبت بهذا أنه لا يمكن وقوع ممكن آخر بسبب آخر سوى قدرة الله تعالى، وهذا الكلام جيد، لكن على قول من لا يثبت في الوجود مؤثراً سوى الواحد، فهذا جملة ما في هذا الباب.
واعلم أنه تعالى لما بين في السماء أنه بناها، بين بعد ذلك أنه كيف بناها، وشرح تلك الكيفية من وجوه: أولها: ما يتعلق بالمكان، فقال تعالى: ﴿ رَفَعَ سَمْكَهَا ﴾ .
واعلم أن امتداد الشيء إذا أخذ من أعلاه إلى أسفله سمي عمقاً، وإذا أخذ من أسفله إلى أعلاه سمي سمكاً، فالمراد برفع سمكها شدة علوها حتى ذكروا أن ما بين الأرض وبينها مسيرة خمسمائة عام، و(قد) بين أصحاب الهيئة مقادير الأجرام الفلكية وأبعاد ما بين كل واحد منها وبين الأرض.
وقال آخرون: بل المراد: رفع سمكها من غير عمد.
وذلك مما لا يصح إلا من الله تعالى.
الصفة الثانية: قوله تعالى: ﴿ فَسَوَّاهَا ﴾ وفيه وجهان الأول: المراد تسوية تأليفها، وقيل: بل المراد نفي الشقوق عنها، كقوله: ﴿ مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تفاوت ﴾ والقائلون بالقول الأول قالوا: ﴿ فَسَوَّاهَا ﴾ عام فلا يجوز تخصيصه بالتسوية في بعض الأشياء، ثم قال هذا يدل على كون السماء كرة، لأنه لو لم يكن كرة لكان بعض جوانبه سطحاً، والبعض زاوية، والبعض خطاً، ولكان بعض أجزائه أقرب إلينا، والبعض أبعد، فلا تكون التسوية الحقيقة حاصلة، فوجب أن يكون كرة حتى تكون التسوية الحقيقة حاصلة، ثم قالوا لما ثبت أنها محدثة مفتقرة إلى فاعل مختار، فأي ضرر في الدين ينشأ من كونها كرة؟.
<div class="verse-tafsir"
الخطاب لمنكرى البعث، يعني ﴿ أَءَنتُمْ ﴾ أصعب ﴿ خَلْقاً ﴾ وإنشاء ﴿ أَمِ السمآء ﴾ ثم بين كيف خلقها فقال ﴿ بناها ﴾ ثم بين البناء فقال ﴿ رَفَعَ سَمْكَهَا ﴾ أي جعل مقدار ذهابها في سمت العلو مديداً رفيعاً مسيرة خمسمائة عام ﴿ فَسَوَّاهَا ﴾ فعدلها مستوية ملساء، ليس فيها تفاوت ولا فطور.
أو فتممها بما علم أنها تتم به وأصلحها، من قولك: سوى فلان أمر فلان.
غطش الليل وأغطشه الله، كقولك: ظلم وأظلمه.
ويقال أيضاً: أغطش الليل، كما يقال أظلم ﴿ وَأَخْرَجَ ضحاها ﴾ وأبرز ضوء شمسها، يدل عليه قوله تعالى: ﴿ والشمس وضحاها ﴾ [الشمس: 1] ، يريد وضوئها.
وقولهم: وقت الضحى، للوقت الذي تشرق فيه الشمس ويقوم سلطانها؛ وأضيف الليل والشمس إلى السماء، لأن الليل ظلها والشمس هي السراج المثقب في جوها ﴿ مَاءهَا ﴾ عيونها المتفجرة بالماء ﴿ ومرعاها ﴾ ورعيها، وهو في الأصل موضع الرعى.
ونصب الأرض والجبال بإضمار ﴿ دحا ﴾ و ﴿ أرسى ﴾ وهو الإضمار على شريطة التفسير.
وقرأهما الحسن مرفوعين على الابتداء.
فإن قلت: هلا أدخل حرف العطف على أخرج؟
قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يكون معنى ﴿ دحاها ﴾ بسطها ومهدها للسكنى، ثم فسر التمهيد بما لابد منه في تأتي سكناها، من تسوية أمر المأكل والمشرب؛ وإمكان القرار عليها، والسكون بإخراج الماء والمرعى، وإرساء الجبال وإثباتها أوتادا لها حتى تستقر ويستقر عليها.
والثاني: أن يكون ﴿ وأَخْرَجَ ﴾ حالاً بإضمار (قد) كقوله: ﴿ أَوْ جَاؤكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ [النساء: 90] وأراد بمرعاها: ما يأكل الناس والأنعام.
واستعير الرعي للإنسان كما استعير الرتع في قوله: ﴿ نَرتعُ وَنَلْعَبُ ﴾ [يوسف: 12] وقرئ: ﴿ نرتع ﴾ من الرعى؛ ولهذا قيل: دلّ اللَّه سبحانه بذكر الماء والمرعى على عامة ما يرتفق به ويتمتع مما يخرج من الأرض حتى الملح، لأنه من الماء ﴿ متاعا لَّكُمْ ﴾ فعل ذلك تمتيعاً لكم ﴿ ولأنعامكم ﴾ لأن منفعة ذلك التمهيد واصلة إليهم وإلى أنعامهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا ﴾ أصْعَبُ خَلْقًا.
﴿ أمِ السَّماءُ ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفَ خَلَقَها فَقالَ: ﴿ بَناها ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ البِناءَ فَقالَ: ﴿ رَفَعَ سَمْكَها ﴾ أيْ جَعَلَ مِقْدارَ ارْتِفاعِها مِنَ الأرْضِ أوْ ثُخْنَها الذّاهِبِ في العُلُوِّ رَفِيعًا.
﴿ فَسَوّاها ﴾ فَعَدَلَها أوْ فَجَعَلَها مُسْتَوِيَةً، أوْ فَتَمَّمَها بِما يَتِمُّ بِهِ كَمالُها مِنَ الكَواكِبِ والتَّداوِيرِ وغَيْرِها مِن قَوْلِهِمْ: سَوّى فُلانٌ أمْرَهُ إذا أصْلَحَهُ.
﴿ وَأغْطَشَ لَيْلَها ﴾ أظْلَمَهُ مَنقُولٌ مِن أغْطَشَ اللَّيْلُ إذا أظْلَمَ، وإنَّما أضافَهُ إلَيْها لِأنَّهُ يَحْدُثُ بِحَرَكَتِها.
﴿ وَأخْرَجَ ضُحاها ﴾ وأبْرَزَ ضَوْءَ شَمْسِها.
كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والشَّمْسِ وضُحاها ﴾ يُرِيدُ النَّهارَ.
<div class="verse-tafsir"
أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧)
{أأنتم} يا منكري البعث {أشَدُّ خَلْقاً} أصعب خلقاً وإنشاء {أم السَّمَاءُ} مبتدأ محذوف الخبر أي أم السماء أشد خلقاً ثم بين كيف خلقها فقال {بناها} أي الله ثم بين البناء فقال
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا ﴾ خِطابٌ لِلْمُخاطَبِينَ في جَوابِ القَسَمِ؛ أعْنِي: لَتُبْعَثُنَّ مِن أهْلِ مَكَّةَ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ بِناءً عَلى صُعُوبَتِهِ في زَعْمِهِمْ بِطَرِيقِ التَّوْبِيخِ والتَّبْكِيتِ بَعْدَ ما بُيِّنَ كَمالُ سُهُولَتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ ﴾ ونُصِبَ ﴿ خَلْقًا ﴾ عَلى التَّمْيِيزِ وهو مُحَوَّلٌ عَنِ المُبْتَدَأِ؛ أيْ: أخَلْقُكم بَعْدَ مَوْتِكم ﴿ أشَدُّ ﴾ أيْ: أشَقُّ وأصْعَبُ في تَقْدِيرِكم ﴿ أمِ السَّماءُ ﴾ أيْ: أمْ خَلْقُ السَّماءِ عَلى عِظَمِها وانْطِوائِها عَلى تَعاجِيبِ البَدائِعِ الَّتِي تَحارُ العُقُولُ عَنْ مُلاحَظَةِ أدْناها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَناها ﴾ إلَخْ...
بَيانٌ وتَفْصِيلٌ لِكَيْفِيَّةِ خَلْقِها المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أمِ السَّماءُ ﴾ .
وفِي عَدَمِ ذِكْرِ الفاعِلِ فِيهِ وفِيما عُطِفَ مِنَ الأفْعالِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى تَعْيِينِهِ وتَفْخِيمِ شَأْنِهِ عَزَّ وجَلَّ ما لا يَخْفى.
<div class="verse-tafsir"
ثم وعظ أهل مكة فقال: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ يعني: أبعثكم بعد الموت أشد، أم خلق السماء في المشاهدة عند الناس، خلق السماء أشد.
فالذي هو قادر على خلق السماء، قادر على البعث.
ثم قال: بَناها يعني: خلق السماء مرتفعة رَفَعَ سَمْكَها أي: سقفها بغير عمد فَسَوَّاها يعني: سوى خلقها.
ويقال: خلقها مستوية، بلا صدع ولا شق وَأَغْطَشَ لَيْلَها يعني: أظلم ليلها وَأَخْرَجَ ضُحاها يعني: أنوار ضحاها، وشمسها ونهارها، فإنها راجعة إلى السماء.
ثم قال عز وجل: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها يعني: بعد خلق الأرض السماء، وبسط الأرض ومدها أَخْرَجَ مِنْها ماءَها يعني: من الأرض ماءها.
يعني: عيونها للناس وَمَرْعاها للدواب والأنعام.
قال القتبي: هذا من جوامع الكلم، حيث ذكر شيئين على جميع ما يخرج من الأرض قوتاً، ومتاعاً للأنعام من العنب، والشجر، والحب، والتمر، والملح والنار، لأن النار من العيدان، والملح من الماء.
ثم قال عز وجل: وَالْجِبالَ أَرْساها يعني: أوتدها وأثبتها مَتاعاً لَكُمْ يعني: منفعة لكم وَلِأَنْعامِكُمْ فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى يعني: الصيحة العظمى، وإنما سميت الطامة، لأنها طمت وعلت فوق كل شيء يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ مَا سَعى يعني: يعلم بكل شيء عمله في الدنيا.
ويقال: يوم ينظر الإنسان في كتابه، بما عمل في الخير والشر وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ يعني: أظهرت الجحيم لِمَنْ يَرى يعني: لمن وجب له فَأَمَّا مَنْ طَغى يعني: كفر وعلا وتكبر.
وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا يعني: اختار ما في الدنيا على الآخرة.
ويقال: اختار العمل للدنيا على الآخرة فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى يعني: مأوى من كان هكذا.
وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ يعني: خاف المقام بين يدي ربه وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى يعني: منع نفسه عن معاصي الله تعالى، وعمل بخلاف ما تهوى في الحرام فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى يعني: مأوى من كان هكذا.
قال علي بن أبي طالب، - - أخوف ما أخاف عليكم اثنان: طول الأمل، واتباع الهوى.
فأما طول الأمل فينسي الآخرة، وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق.
<div class="verse-tafsir"
فَالسَّابِقاتِ، فقيلَ هي الملائكةُ، وقيل: الرياحُ «١» ، وقيل: الخيلُ، وقيل: النُّجُوم، وقيل: المَنايَا تَسْبِقُ الآمالَ، وأما فَالْمُدَبِّراتِ فَهِي الملائكة قَولاً واحداً فيما علمتُ، تدبّر الأمورَ التي سخَّرَها اللَّهُ لَها وصَرَّفَها فيها كالرياح والسحاب، وغير ذلك، والرَّاجِفَةُ النفخة الأولى، والرَّادِفَةُ النفخة الأخِيرَة، وقال ابن زيد: الرَّاجِفَةُ: الموتُ، والرَّادِفَةُ: الساعة «٢» ، وفي «جَامِع الترمذي» عن أُبيِّ بن كعب قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إذا ذهب ثلثا اللّيل قام، فقال: يا أيّها النَّاسُ، اذكروا اللَّهَ، اذكروا اللَّهَ، جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ، تَتْبَعُها الرَّادِفَةُ، جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيه، [جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيهِ] » الحديثَ «٣» ، قَال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ، انْتَهَى، وقد أتى به ع «٤» هنا وقال: إذا ذَهَبَ رُبُعُ الليل، والصوابُ ما تقدَّم، ثم أخبرَ تعالى عن قلوبٍ تَجِفُ [في] ذلكَ اليومِ، أي: تَرْتَعِدُ خوفاً وفَرَقاً من العذابِ، واخْتُلِفَ في جوابِ القسم: أين هو؟
فقال الزجاج والفراء: هو محذوفٌ دَلَّ عليهِ الظاهرُ تقديرُه: لَتَبْعَثُنَّ ونحوُه، وقال آخرونَ: هو موجودٌ في جملة قوله تعالى: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ كأنه قَال لَتَجِفَنَّ قلوبُ قومٍ يوم كذا.
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (١٥) إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٦) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى (١٩)
فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى (٢٢) فَحَشَرَ فَنادى (٢٣) فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (٢٤)
فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى (٢٥) إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى (٢٦) أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها (٢٧) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها (٢٩)
وقوله تعالى: يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ حكايةُ حالِهم في الدنيا، والمعنى: هم الذين يقولون، والْحافِرَةِ: قال مجاهد والخليل: هي الأرضُ، حافرة بمعنى محفورة، والمراد: القبور والمعنى: أإنا لمردودون أحياء في قبورنا؟، وقيل غير
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى ﴾ أيْ: قَدْ جاءَكَ.
وقَدْ بَيَّنّا هَذا في [طَهَ: ٩] وما بَعْدَهُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ طُوًى ﴾ ﴿ اذْهَبْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: " طَوى اذْهَبْ " غَيْرَ مُجْراةٍ.
وقَرَأ الباقُونَ " طَوًى " مُنَوَّنَةً ﴿ فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ: " تَزَكّى " بِتَشْدِيدِ الزّايِ، أيْ: تُطَهَّرُ مِنَ الشِّرْكِ ﴿ وَأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ ﴾ أيْ: أدْعُوكَ إلى تَوْحِيدِهِ، وعِبادَتِهِ ﴿ فَتَخْشى ﴾ عَذابَهُ ﴿ فَأراهُ الآيَةَ الكُبْرى ﴾ وفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها اليَدُ والعَصا، قالَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ.
والثّانِي: أنَّها اليَدُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَذَّبَ ﴾ أيْ بِأنَّها مِنَ اللَّهِ، ﴿ وَعَصى ﴾ نَبِيَّهُ ﴿ ثُمَّ أدْبَرَ ﴾ أيْ: أعْرَضَ عَنِ الإيمانِ ﴿ يَسْعى ﴾ أيْ: يَعْمَلُ بِالفَسادِ في الأرْضِ ﴿ فَحَشَرَ ﴾ أيْ: فَجَمَعَ قَوْمَهُ وجُنُودَهُ ﴿ فَنادى ﴾ لَمّا اجْتَمَعُوا ﴿ فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى ﴾ أيْ: لا رَبَّ فَوْقِي.
وقِيلَ: أرادَ أنَّ الأصْنامَ أرْبابٌ، وأنا رَبُّها ورَبُّكم.
وقِيلَ: أرادَ: أنا رَبُّ السّادَةِ والقادَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ الأُولى قَوْلُهُ: " ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي " [القَصَصُ: ٣٨] والآخِرَةُ قَوْلُهُ: ﴿ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى ﴾ ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والشَّعْبِيُّ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ.
ورَواهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكانَ بَيْنَهُما أرْبَعُونَ سَنَةً.
قالَ السُّدِّيُّ: فَبَقِيَ بَعْدَ الآخِرَةِ ثَلاثِينَ سَنَةً.
قالَ الفَرّاءُ: فالمَعْنى: أخَذَهُ اللَّهُ أخَذًا نَكالًا لِلْآخِرَةِ والأُولى.
والثّانِي: المَعْنى: جَعَلَهُ اللَّهُ نَكالَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، أغْرَقَهُ في الدُّنْيا، وعَذَّبَهُ في الآخِرَةِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: عَذَّبَهُ اللَّهُ في أوَّلِ النَّهارِ بِالغَرَقِ، وفي آخِرِهِ بِالنّارِ.
والثّالِثُ: أنَّ الأُولى: تَكْذِيبُهُ وعِصْيانُهُ.
والآخِرَةَ قَوْلُهُ: ﴿ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى ﴾ ، قالَهُ أبُو رَزِينٍ.
والرّابِعُ: أنَّها أوَّلُ أعْمالِهِ وآخِرُها، رَواهُ مَنصُورٌ عَنْ مُجاهِدٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: النَّكالُ: مَنصُوبٌ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، لِأنَّ مَعْنًى أخَذَهُ اللَّهُ: نَكَّلَ اللَّهُ بِهِ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى: فَأغْرَقَهُ في الدُّنْيا ويُعَذِّبُهُ في الآخِرَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ الَّذِي فُعِلَ بِفِرْعَوْنَ ﴿ لَعِبْرَةً ﴾ أيْ: لَعِظَةٌ ﴿ لِمَن يَخْشى ﴾ اللَّهَ.
ثُمَّ خاطَبَ مُنْكِرِي البَعْثِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ بَناها ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ بَناها ﴾ مِن صِفَةِ السَّماءِ، فَيَكُونُ المَعْنى: أمِ السَّماءُ الَّتِي بَناها.
وقالَ قَوْمٌ: السَّماءُ لَيْسَ مِمّا تُوصَلُ، ولَكِنَّ المَعْنى: أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا، أمِ السَّماءُ أشَدُّ خَلْقًا.
ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفَ خَلَقَها، فَقالَ تَعالى: ﴿ بَناها ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: أخَلْقُكم بَعْدَ المَوْتِ أشَدُّ عِنْدَكُمْ، أمِ السَّماءُ في تَقْدِيرِكُمْ؟
وهُما في قُدْرَةِ اللَّهِ واحِدٌ.
ومَعْنى: " بَناها " رَفَعَها.
وكُلُّ شَيْءٍ ارْتَفَعَ فَوْقَ شَيْءٍ فَهو بِناءٌ.
ومَعْنى: ﴿ رَفَعَ سَمْكَها ﴾ رَفْعَ ارْتِفاعَها وعُلُوَّها في الهَواءِ ﴿ فَسَوّاها ﴾ بِلا شُقُوقٍ، ولا فُطُورٍ، ولا تَفاوُتٍ، يَرْتَفِعُ فِيهِ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ ﴿ وَأغْطَشَ لَيْلَها ﴾ أيْ: أظْلَمَهُ فَجَعَلَهُ مُظْلِمًا.
قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: غَطَشَ اللَّيْلُ وأغْطَشَ، وغَبَشَ وأغْبَشَ، وغَسَقَ وأغْسَقَ، وغَشِيَ وأغْشى، كُلُّهُ بِمَعْنى أظْلَمَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأخْرَجَ ضُحاها ﴾ أيْ: أبْرَزَ نَهارَها.
والمَعْنى: أظْهَرَ نُورَها بِالشَّمْسِ.
وإنَّما أضافَ النُّورَ والظُّلْمَةَ إلى السَّماءِ لِأنَّهُما عَنْها يَصْدُرانِ ﴿ والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ أيْ: بَعْدَ خَلْقِ السَّماءِ ﴿ دَحاها ﴾ أيْ: بَسَطَها.
وبَعْضُ مَن يَقُولُ: إنَّ الأرْضَ خُلِقَتْ قَبْلَ السَّماءِ يَزْعُمُ أنَّ " بَعْدَ " هاهُنا بِمَعْنى " قَبْلَ " كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ ﴾ .
وبَعْضُهم يَقُولُ: هي بِمَعْنى " مَعَ " كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ﴾ ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ الأرْضُ خُلِقَتْ قَبْلَ السَّماءِ، ثُمَّ دُحِيَتْ بَعْدَ كَمالِ السَّماءِ، وهَذا مَذْهَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ.
وقَدْ أشَرْنا إلى هَذا الخِلافِ في [البَقَرَةِ: ٢٩] .
ونُصِبَتِ الأرْضُ بِمُضْمَرٍ تَفْسِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ دَحاها ﴾ .
﴿ أخْرَجَ مِنها ماءَها ﴾ أيْ: فَجَّرَ العُيُونَ مِنها ﴿ وَمَرْعاها ﴾ وهو ما يَأْكُلُهُ النّاسُ والأنْعامُ ﴿ والجِبالَ أرْساها ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: أثْبَتَها ﴿ مَتاعًا لَكُمْ ﴾ أيْ: لِلْإمْتاعِ، لِأنَّ مَعْنى أخْرَجَ مِنها ماءَها ومَرْعاها: أمْتَعَ بِذَلِكَ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " مَتاعًا لَكم " أيْ: مَنفَعَةً [لَكُمْ] .
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَأخَذَهُ اللهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى ﴾ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى ﴾ ﴿ أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَماءُ بَناها ﴾ ﴿ رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها ﴾ ﴿ وَأغْطَشَ لَيْلَها وأخْرَجَ ضُحاها ﴾ ﴿ والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها ﴾ ﴿ أخْرَجَ مِنها ماءَها ومَرْعاها ﴾ ﴿ والجِبالَ أرْساها ﴾ ﴿ مَتاعًا لَكم ولأنْعامِكُمْ ﴾ ﴿ فَإذا جاءَتِ الطامَّةُ الكُبْرى ﴾ ﴿ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ما سَعى ﴾ ﴿ وَبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى ﴾ "نَكالَ" مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، وقالَ قَوْمٌ: "الآخِرَةَ" قَوْلُهُ: ﴿ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي ﴾ ، و"الأُولى" قَوْلُهُ: ﴿ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى ﴾ ، ورُوِيَ أنَّهُ مَكَثَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى ﴾ أرْبَعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: كانَتْ هَذِهِ المُدَّةُ بَيْنَ الكَلِمَتَيْنِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "الأُولى" قَوْلُهُ: ﴿ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي ﴾ ، و"الآخِرَةِ" قَوْلُهُ: ﴿ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى ﴾ ، وقالَ أبُو رُزَيْنٍ: الأُولى كُفْرُهُ وعِصْيانُهُ، والآخِرَةُ قَوْلُهُ: ﴿ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى ﴾ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الأُولى الدُنْيا، والآخِرَةُ الدارُ الآخِرَةِ، أيْ: أخَذَهُ اللهُ تَعالى بِعَذابِ جَهَنَّمَ وبِالغَرَقِ في الدُنْيا، وقالَ مُجاهِدٌ: عِبارَةٌ عن أوَّلِ مَعاصِيهِ وكُفْرِهِ وآخِرِها، أيْ نَكَلَ بِالجَمِيعِ، وَ"نَكالَ" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، والعامِلُ فِيهِ عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ "أخَذَ"؛ لِأنَّهُ في مَعْناهُ، وعَلى رَأْيِ أبِي العَبّاسِ المُبَرِّدِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ مِن لَفْظِ "نَكالَ"، كَأنَّهُ قالَ: نَكَّلَهُ نَكالَ.
ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَلى مَوْضِعِ العِبْرَةِ بِحالِ فِرْعَوْنَ، وتَعْذِيبِهِ، وفي الكَلامِ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ المُخاطَبِينَ بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ، ثُمَّ وقَّفَهم مُخاطَبَةً مِنهُ تَعالى لِجَمِيعِ العالَمِ، والمَقْصِدُ الكَفّارُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: "ءأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا" الآيَةُ.
وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ بَعْثَ الأجْسادِ مِنَ القُبُورِ لا يَتَعَذَّرُ عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَعالى، و"السُمْكُ" الِارْتِفاعُ الَّذِي بَيْنَ سَطْحِ السَماءِ الأسْفَلِ الَّذِي يَلِينا وبَيْنَ سَطْحِها الأعْلى الَّذِي يَلِي ما فَوْقَها، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَسَوّاها" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: خَلَقَها مَلْساءَ مُسْتَوِيَةً لَيْسَ فِيها مُرْتَفَعٌ ومُنْخَفَضٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عِبارَةً عن إتْقانِ خَلْقِها، ولا يُقْصَدُ مَعْنى إمْلاسِ سَطْحِها، واللهُ تَعالى أعْلَمُ كَيْفَ هي.
و"أغْطَشَ" مَعْناهُ: أظْلَمُ، والأغْطَشُ: الأعْمى، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: نَحَرْتُ لَهم مُوهِنًا ناقَتِي ولَيْلُهم مُدْلَهِمٌّ غَطْشُ ونَسَبَ اللَيْلَ والضُحى إلَيْها مِن حَيْثُ هُما ظاهِرانِ مِنها وفِيها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها ﴾ مُتَوَجِّهٌ عَلى أنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ الأرْضَ ولَمْ يَدَحْها، ثُمَّ اسْتَوى إلى السَماءِ وهي دُخانٌ فَخَلَقَها وبَناها، ثُمَّ دَحا الأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: و"الأرْضَ مَعَ ذَلِكَ"، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ "بَعْدَ ذَلِكَ" مَعْناهُ: مَعَ ذَلِكَ، والَّذِي قُلْناهُ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ آياتُ القُرْآنِ كُلُّها، ونَسَبَ الماءَ والمَرْعى إلى الأرْضِ مِن حَيْثُ هُما مِنها يَظْهَرانِ، ودَحْوُ الأرْضِ: بَسْطُها، ومِنهُ قَوْلُ أُمِّيَّةَ بْنِ أبِي الصَلْتِ: دارٌ دَحاها ثُمَّ أسْكَنَنا بِها ∗∗∗ وأقامَ بِالأُخْرى الَّتِي هي أمْجَدُ وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "والأرْضَ" نَصْبًا، وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى: "والأرْضُ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: و"الجِبالَ أرْساها" نَصْبًا، وقَرَأ الحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "والجِبالُ" رَفْعًا، و"أرْساها" مَعْناهُ: أثْبَتَها، وجَمَعَ هَذِهِ النِعَمَ إذا تَدَبَّرَتْ فَهي مَتاعٌ لِلنّاسِ و"الأنْعامَ"، يَتَمَتَّعُونَ فِيها وبِها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مَتاعًا" بِالنَصْبِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "مَتاعٌ" بِالرَفْعِ.
و"الطامَّةُ الكُبْرى" هي القِيامَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: النَفْخَةُ الثانِيَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "ما سَعى" مَعْناهُ: ما عَمِلَ مِن سائِرِ عَمَلِهِ، ويَتَذَكَّرُ ذَلِكَ بِما يَرى مِن جَزائِهِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَبُرِّزَتْ" بِضَمِّ الباءِ وشَدِّ الراءِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ، وعائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: "وَبَرَزَتْ" بِفَتْحِ الباءِ والراءِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِمَن يَرى" بِالياءِ أيْ: لِمَن يُبْصِرُ ويَحْصُلُ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ، وعائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: "لِمَن تَرى" بِالتاءِ أيْ: تَراهُ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، فالإشارَةُ إلى كُفّارِ مَكَّةَ، أو إشارَةً إلى الناسِ والقَصْدُ كُفّارُ مَكَّةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لِمَن تَراهُ الجَحِيمُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ﴾ ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "لِمَن رَأى" عَلى فِعْلٍ ماضٍ.
<div class="verse-tafsir"
انتقال من الاعتبار بأمثالهم من الأمم الذي هو تخويف وتهديد على تكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى إبطال شبهتهم على نفي البعث وهي قوله: ﴿ أينا لمردودون في الحافرة ﴾ [النازعات: 10] وما أعقبوه به من التهكم المبني على توهم إحالة البعث.
وإذ قد فرضوا استحالة عود الحياة إلى الأجسام البالية إذ مثلوها بأجساد أنفسهم إذ قالوا: ﴿ أينا لمردودون ﴾ [النازعات: 10] جاء إبطال شبهتهم بقياس خلق أجسادهم على خلق السماوات والأرض فقيل لهم: ﴿ أأنتم أشد خلقاً أم السماء ﴾ ، فلذلك قيل لهم هنا أأنتم بضميرهم ولم يقل: آالإِنسان أشدّ خلقاً، وما هم إلا من الإِنسان، فالخطاب موجه إلى المشركين الذين عبر عنهم آنفاً بضمائر الغيبة من قوله: ﴿ يقولون ﴾ إلى قوله: ﴿ فإذا هم بالساهرة ﴾ [النازعات: 10 14]، وهو التفات من الغيبة إلى الخطاب.
فالجملة مستأنفة لقصد الجواب عن شبهتهم لأن حكاية شبهتهم ب ﴿ يقولون أينا ﴾ إلى آخره، تقتضي ترقب جواب عن ذلك القول كما تقدم الإِيماء إليه عند قوله: ﴿ يقولون أينا لمردودون ﴾ [النازعات: 10].
والاستفهام تقريري، والمقصود من التقرير إلجاؤهم إلى الإِقرار بأنّ خلق السماء أعظم من خلقهم، أي مِن خلق نوعهم وهو نوع الإِنسان وهم يعلمون أن الله هو خالق السماء فلا جرم أن الذي قدر على خلق السماء قادر على خلق الإِنسان مرة ثانية، فينتج ذلك أن إعادة خلق الأجساد بعد فنائها مقدورة لله تعالى لأنه قدَر على ما هو أعظم من ذلك قال تعالى: ﴿ لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ [غافر: 57]، ذلك أن نظرهم العقلي غيَّمت عليه العادة فجعلوا ما لم يألفوه مُحالاً، ولم يلتفتوا إلى إمكان ما هو أعظم مما أحالوه بالضرورة.
و ﴿ أشد ﴾ : اسم تفضيل، والمفضل عليه محذوف يدل عليه قوله ﴿ أم السماء ﴾ .
ومعنى ﴿ أشد ﴾ أصعب، و ﴿ خلقاً ﴾ مصدر منتصب على التمييز لنسبة الأشدّية إليهم، أي أشد من جهة خلق الله إياكم أشد أم خلقه السماء، فالتمييز مُحوّل عن المبتدأ.
و ﴿ السماء ﴾ يجوز أن يراد به الجنس وتعريفه تعريف الجنس، أي السماوات وهي محجوبة عن مشاهدة الناس فيكون الاستفهام التقريري مبنياً على ما هو مشتهر بين الناس من عظمة السماوات تنزيلاً للمعقول منزل المحسوس.
ويجوز أن يراد به سماء معينة وهي المسماة بالسماء الدنيا التي تلوح فيها أضواء النجوم فتعريفه تعريف العهد، وهي الكرة الفضائية المحيطة بالأرض ويَبدو فيها ضوء النهار وظلمةُ الليل، فيكون الاستفهام التقريري مبنياً على ما هو مشاهد لهم.
وهذا أنسب بقوله: ﴿ وأغطَشَ ليلَها وأخرج ضحاها ﴾ لعدم احتياجه إلى التأويل.
وجملة ﴿ بناها ﴾ يجوز أن تكون مستأنفة استئنافاً بيانياً لبيان شدة خلق السماء، ويجوز أن تكون بدل اشتمال في قوله: ﴿ أم السماء ﴾ ، لأنه في تقدير: أم السماء أشد خلقاً.
وقد جعلت كلمة ﴿ بناها ﴾ فاصلة فيكون الوقف عندها ولا ضير في ذلك إذ لا لبس في المعنى لأن ﴿ بناها ﴾ جملة و ﴿ أم ﴾ المعادلة لا يقع بعدها إلا اسم مفرد.
والبناء: جعل بيت أو دار من حجارة، أو آجر أو أدم، أو أثواب من نسيج الشعر، مشدودة شُققه بعضها إلى بعض بغَرز أو خياطة ومقامة على دعائم، فما كان من ذلك بأدم يسمى قُبة وما كان بأثواب يسمى خيمة وخباء.
وبناء السماء: خلقها، استعير له فعل البناء لمشابهتها البيوت في الارتفاع.
وجملة ﴿ رفع سمكها فسواها ﴾ مبنية لجملة ﴿ بناها ﴾ أو بدل اشتمال منها وسلك طريق الإِجمال ثم التفصيل لزيادة التصوير.
والسّمْك: بفتح السين وسكون الميم: الرَّفع في الفضاء كما اقتصر عليه الراغب سواء اتصل المرفوع بالأرض أو لم يتصل بها وهو مصدر سَمَكَ.
والرَّفع: جعل جسم معتلياً وهو مرادف للسمْك فتعدية فعل ﴿ رفع ﴾ إلى «السمك» للمبالغة في الرفع، أي رَفَعَ رفْعَهَا أي جَعله رفيعاً، وهو من قبيل قولهم: لَيل ألْيَل، وشِعر شاعر، وظِل ظليل.
والتسوية: التعديل وعدم التفاوت، وهي جعل الأشياء سواء، أي متماثلة وأصلها أن تتعلق بأشياء وقد تتعلق باسم شيء واحد على معنى تعديل جهاته ونواحيه ومنه قوله هنا: ﴿ فسواها ﴾ ، أي عَدَّل أجزاءها وذلك بأن أتقن صنعها فلا ترى فيها تفاوتاً.
والفاء في ﴿ فسواها ﴾ للتعقيب.
وتسوية السماء حصلت مع حصول سمكها، فالتعقيب فيه مثل التعقيب في قوله: ﴿ فنادى فقال أنا ربكم الأعلى ﴾ [النازعات: 23، 24].
وجملة ﴿ وأغطش ليلها ﴾ معطوفة على جملة ﴿ بناها ﴾ وليست معطوفة على ﴿ رفع سمكها ﴾ لأن إغطاش وإخراج الضحى ليس مما يبين به البناء.
والإِغطاش: جعله غاطشاً، أي ظلاماً يقال: غَطَش الليل من باب ضرب، أي أظلم.
والمعنى: أنه خَصَّ الليل بالظلمة وجعله ظلاماً، أي جعل ليلها ظلاماً، وهو قريب من قوله: ﴿ رفع سمكها ﴾ من باب قولهم: ليل ألْيَل.
وإخراج الضحى: إبراز نور الضحى، وأصل الإِخراج النقل من مكان حاوٍ واستعير للإِظهار استعارة شائعة.
والضحى: بروز ضوء الشمس بعد طلوعها وبعد احمرار شعاعها، فالضحى هو نور الشمس الخالص وسمي به وقته على تقدير مضاف كما في قوله تعالى: ﴿ وأن يحشر الناس ضحى ﴾ [طه: 59] يدل لذلك قوله تعالى: ﴿ والشمس وضحاها ﴾ [الشمس: 1]، أي نورها الواضح.
وإنما جعل إظهار النور إخراجاً لأن النور طارئ بعد الظلمة، إذ الظلمة عَدَم وهو أسبق، والنور محتاج إلى السبب الذي ينيره.
وإضافة (ليل) و(ضحى) إلى ضمير ﴿ السماء ﴾ إن كان السماء الدنيا فلأنهما يلوحان للناس في جوّ السماء فيلوح الضحى أشعة منتشرة من السماء صادرة من جهة مطلع الشمس فتقع الأشعة على وجه الأرض ثم إذا انحجبت الشمس بدورة الأرض في اليوم والليلة أخذ الظلام يحلّ محلّ ما يتقلص من شعاع الشمس في الأفق إلى أن يصير ليلاً حالكاً محيطاً بقسم من الكرة الأرضية.
وإن كان السماء جنساً للسماوات فإضافة ليل وضحى إلى السماوات لأنهما يلوحان في جهاتها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَأغْطَشَ لَيْلَها وأخْرَجَ ضُحاها ﴾ مَعْناهُ أظْلَمَ لَيْلُها، وشاهِدُ الغَطْشِ أنَّهُ الظُّلْمَةُ قَوْلُ الأعْشى عَقَرْتُ لَهم مَوْهِنًا ناقَتِي وغامِرُهم مُدْلَهِمٌّ غَطِشْ يَعْنِي يَغْمُرُهم لَيْلُهم لِأنَّهُ غَمَرَهم بِسَوادِهِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَأخْرَجَ ضُحاها ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أضاءَ نَهارَها وأضافَ اللَّيْلَ والضُّحى إلى السَّماءِ لِأنَّ مِنهُما الظُّلْمَةَ والضِّياءَ.
الثّانِي: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ أخْرَجَ ضُحاها: الشَّمْسُ.
﴿ والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها ﴾ في قَوْلِهِ (بَعْدَ) وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعَ وتَقْدِيرُ الكَلامِ: والأرْضُ مَعَ ذَلِكَ دَحاها، لِأنَّها مَخْلُوَقَةٌ قَبْلَ السَّماءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّ (بَعْدَ) مُسْتَعْمَلَةٌ عَلى حَقِيقَتِها لِأنَّهُ خَلَقَ الأرْضَ قَبْلَ السَّماءِ ثُمَّ دَحاها بَعْدَ السَّماءِ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ وعِكْرِمَةُ.
وَفي (دَحاها) ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بَسَطَها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ وبَثَّ الخَلْقَ فِيها إذْ دَحاها ∗∗∗ فَهم قُطّانُها حَتّى التَّنادِي قالَ عَطاءٌ: مِن مَكَّةَ دُحِيَتِ الأرْضُ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: مِن مَوْضِعِ الكَعْبَةِ دُحِيَتْ.
الثّانِي: حَرْثُها وشَقُّها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: سَوّاها، ومِنهُ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو ؎ وأسْلَمْتُ وجْهِي لِمَن أسْلَمَتْ ∗∗∗ لَهُ الأرْضُ تَحْمِلُ صَخْرًا ثِقالًا ∗∗∗ دَحاها فَلَمّا اسْتَوَتْ شَدَّها ∗∗∗ بِأيْدٍ وأرْسى عَلَيْها الجِبالا <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ رفع سمكها ﴾ قال: بناها ﴿ وأغطش ليلها ﴾ قال: أظلم ليلها.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ رفع سمكها ﴾ قال: رفع بنيانها بغير عمد ﴿ وأغطش ليلها ﴾ قال: أظلم ليلها ﴿ وأخرج ضحاها ﴾ قال: ابرزه ﴿ والأرض بعد ذلك دحاها ﴾ قال: بسطها.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ رفع سمكها ﴾ قال: رفع بنيانها ﴿ وأغطش ليلها ﴾ قال: أظلم ليلها ﴿ وأخرج ضحاها ﴾ قال: نور ضوئها ﴿ والأرض بعد ذلك دحاها ﴾ قال: بسطها ﴿ والجبال أرساها ﴾ قال: أثبتها بها أن تميد بأهلها.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ وأغطش ليلها ﴾ قال: العشاء ﴿ وأخرج ضحاها ﴾ قال: الشمس.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ﴿ وأغطش ليلها ﴾ قال: أظلم ليلها ﴿ وأخرج ضحاها ﴾ قال: أخرج نهارها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ والأرض بعد ذلك دحاها ﴾ قال: مع ذلك.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس أن رجلاً قال له: آيتان في كتاب الله تخالف إحداهما الأخرى فقال: إنما أتيت من قبل رأيك اقرأ ﴿ قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين ﴾ [ فصلت: 9] حتى بلغ ﴿ ثم استوى إلى السماء وهي دخان ﴾ [ فصّلت: 41] وقوله: ﴿ والأرض بعد ذلك دحاها ﴾ قال: خلق الأرض قبل أن يخلق السماء ثم خلق السماء ثم دحا بعد ما خلق السماء، وإنما قوله: دحاها بسطها.
وأخرج ابن المنذر عن إبراهيم النخعي ﴿ والأرض بعد ذلك دحاها ﴾ قال: دحيت من مكة.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ أخرج منها ماءها ﴾ قال: فجر منها الأنهار ﴿ ومرعاها ﴾ قال: ما خلق الله من نبات أو شيء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في ﴿ دحاها ﴾ قال: دحيها أن أخرج منها الماء والمرعى، وشقق فيها الأنهار، وجعل فيها الجبال والرمال والسبل والآكام وما بينهما في يومين.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ متاعاً لكم ﴾ قال: منفعة.
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال: بلغني أن الأرض دحيت دحياً من تحت الكعبة.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن عليّ قال: «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح، فلما قضى صلاته رفع رأسه فقال: تبارك رافعها ومدبرهاثم رمى ببصره إلى الأرض فقال: تبارك داحيها وخالقها» .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فإذا جاءت الطامة الكبرى ﴾ قال: الطامة من أسماء يوم القيامة.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن القاسم بن الوليد الهمذاني في قوله: ﴿ فإذا جاءت الطامة الكبرى ﴾ قال: إذا سيق أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عمرو بن قيس الكندي ﴿ فإذا جاءت الطامة الكبرى ﴾ قال: إذا قيل اذهبوا به إلى النار.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ وبرزت الجحيم لمن يرى ﴾ قال: لمن ينظر.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فإذا جاءت الطامة ﴾ قال: إذا دفعوا إلى مالك خازن النار وفي قوله: ﴿ فأما من طغى ﴾ قال: عصى، وفي قوله: ﴿ يسألونك عن الساعة أيان مرساها ﴾ قال: حينها ﴿ فيم أنت من ذكراها ﴾ قال: الساعة.
وأخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل عن الساعة فنزلت ﴿ فيم أنت من ذكراها ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس قال: إن مشركي أهل مكة سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: متى تقوم الساعة استهزاء منهم، فنزلت ﴿ يسألونك عن الساعة أيان مرساها ﴾ يعني متى مجيئها ﴿ فيم أنت من ذكراها ﴾ ما أنت من علمها يا محمد ﴿ إلى ربك منتهاها ﴾ يعني منتهى علمها ﴿ إنما أنت منذر من يخشاها ﴾ يعني من يخشى القيامة ﴿ كأنهم يوم يرونها ﴾ يعني يرون القيامة ﴿ لم يلبثوا ﴾ في الدنيا ولم ينعموا بشيء من نعيمها ﴿ إلا عشية ﴾ ما بين الظهر إلى غروب الشمس ﴿ أو ضحاها ﴾ ما بين طلوع الشمس إلى نصف النهار.
وأخرج البزار وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه عن عائشة قالت: ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن الساعة حتى أنزل عليه ﴿ فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها ﴾ فلم يسأل عنها.
وأخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عروة مرسلاً.
وأخرج عبد بن حميد والنسائي وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن طارق بن شهاب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر ذكر الساعة حتى نزلت ﴿ فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها ﴾ فكف عنها.
وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: «كانت الأعراب إذا قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم سألوه عن الساعة فينظر إلى أحدث إنسان فيهم فيقول: إن يعش هذا قرناً قامت عليكم ساعتكم» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما يدخل الجنة من يرجوها، وإنما يجتنب النار من يخشاها، وإنما يرحم الله من يرحم» .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جرير في قوله: ﴿ إلى ربك منتهاها ﴾ قال: علمها، وفي قوله: ﴿ إلا عشية ﴾ قال: من الدنيا ﴿ أو ضحاها ﴾ قال: العشية.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ كأنهم يوم يرونها ﴾ الآية قال: تدق الدنيا في أنفس القوم حين عاينوا أمر الآخرة.
﴿ أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ ﴾ قال مقاتل: يعني بعثًا بعد الموت (١) والمعنى: أخَلْقُكُم بعد الموت أشد أم السماء؟
أي عندكم وفي تقديركم، وهما عند الله واحد، والذي قدر على خلق السماء قادر على بعثكم بعد الموت وإعادتكم.
كما قال: ﴿ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾ .
الآية.
وكقوله -أيضًا-: ﴿ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ﴾ .
وليس معنى الآية: أنتم أحكم صنعة أم السماء!، وهذا قول الكلبي (٢) قال الكسائي: "أأنتم أشد خلقًا أم السماء"، ثم قال بعد: "بناها (٣) (٤) قال الفراء (٥) (٦) وقال الزجاج: أأنتم أشد خلقًا، أم السماء أشد خلقًا، ثم بين كيف خلقها، فقال: بناها (٧) (٨) (وعند أبي حاتم الوقف على قوله: "بناها" (٩) (١٠) والقول هو الأول، والسماء ليس مِمَّا يوصل (١١) ومعنى ﴿ سَمْكَهَا ﴾ قال المفسرون: سقفها (١٢) ﴿ فَسَوَّاهَا ﴾ بلا شقوق (١٣) (١) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٣) في (ع): بنيها.
(٤) ورد معنى قوله في "التفسير الكبير" 31/ 45، "فتح القدير" 5/ 378.
(٥) في (ع): الزجاج، وهي كلمة وضعت سهوًا في غير موضعها.
(٦) "معاني القرآن" 3/ 233 بتصرف.
(٧) في (ع): بنيها.
(٨) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 280 بنحوه.
(٩) "الإيضاح" لابن الأنباري: 2/ 965، "القطع والائتناف" للنحاس: 2/ 787.
وانظر: "المكتفى في الوقف والابتداء" للداني (607).
والسبب في الوقف على قوله: "بناها" لإتباع خبر خبرًا بلا عطف.
انظر: "علل الوقوف" للسجاوندي: 3/ 1090.
(١٠) ما بين القوسين نقله بنحوه عن الزجاج.
انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 280.
(١١) فيكون المعنى على ذلك: أأنتم أشد خلقًا أم السماء أشد خلقًا.
انظر: "زاد المسير" 8/ 175.
(١٢) وممن ذهب إلى هذا القول: البغوي في "معالم التنزيل" 4/ 444، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 201.
وقد اختلفت ألفاظ المفسرين في معنى "سمكها"، قال قتادة في قوله: "رفع سمكها فسواها" رفع بناءها، فسواها، وعن مجاهد: رفع بناءها بغير عمد، وعن ابن عباس: يقول بنيانها.
انظر في ذلك كله: "جامع البيان" 30/ 43.
وقال الليث: والسَّمَاك: ما سمعت به حائطًا أو سقفًا، والسقف يسمى سَمْكًا، والسماء مسموكة، أي مرفوعة كالسَّمْك.
"تهذيب اللغة" 10/ 84 مادة: (سمك).
وما مضى من الأقوال يتبين من خلالها معنى واحد لـ"سمكها"، وهو البناء المرفوع، وهو السقف.
والله أعلم.
(١٣) في (ع): سقوف.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السمآء ﴾ هذا توقيف قصد به الاستدلال على البعث فإن الذي خلق السماء قادر على خلق الأجساد بعد فنائها ﴿ رَفَعَ سَمْكَهَا ﴾ السمك: غلظ السماء وهو الارتفاع الذي بين سطح السماء الأسفل الذي يلينا وسطحها الأعلى الذي يلي ما فوقها.
ومعنى رفعه أنه جعله مسيرة خمسمائة عام، وقيل: السَّمْك السقف ﴿ فَسَوَّاهَا ﴾ أي أتقن خلقتها وقيل: جعلها مستوية ليس فيها مرتفع ولا منخفض ﴿ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا ﴾ أي جعله مظلماً يقال: غطش الليل إذا أظلم.
وأغطشه الله ﴿ وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا ﴾ أي أظهر ضوء الشمس في وقت الضحى، وأضاف الضحى والليل إلى السماء من حيث أنهما ظاهران منها وفيها ﴿ والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴾ أي بسطها، واستدل بها من قال: إن الأرض بسيطة غير كروية وقد ذكرنا في [فصلت: 11] الجمع بين هذا وبين قوله: ﴿ ثُمَّ استوى إِلَى السمآء ﴾ ﴿ أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا ﴾ نسب الماء والمرعى إلى الأرض، لأنهما يخرجان منها فإن قيل: لم قال أخرج بغير حرف العطف؟
فالجواب: أن هذه الجملة في موضع الحال وتفسير لما قبلها قاله الزمخشري ﴿ والجبال أَرْسَاهَا ﴾ أي أثبتها، ونصب الجبال بفعل مضمر يدل عليه الظاهر وكذلك الأرض ﴿ مَتَاعاً لَّكُمْ ﴾ تقديره: فعل ذلك كله تمتيعاً لكم منه ﴿ وَلأَنْعَامِكُمْ ﴾ لأن بني آدم والأنعام ينتفعون بما ذكر.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ والسابحات سبحاً فالسابقات سبقاً ﴾ بالإدغام فيهما: أبو عمرو غير عباس ﴿ أئنا ﴾ ﴿ أئذا ﴾ كما مر في " الرعد " إلا ابن عامر فإنه وافق الكسائي ﴿ ناخرة ﴾ بالألف: حمزة وعلي غير نصير وعتيبة وخلف ورويس وعاصم غير المفضل وحفص و ﴿ طوى ﴾ كما مر في " طه " وكذا ما بعدها إلا حمزة وخلف في اختياره فإنهما يفتحان.
ومناه ﴿ تزكَّى ﴾ بتشديد الزاي: أبو جعفر ونافع وابن كثير وعباس ويعقوب ﴿ منذر من ﴾ بالتنوين: يزيد وعباس.
الآخرون: بالإضافة للتخفيف.
الوقوف ﴿ غرقاً ﴾ ه لا ﴿ نشطاً ﴾ ه لا ﴿ سبقاً ﴾ ه لا ﴿ أمراً ﴾ ه م لأن جواب القسم محذوف وهو ليبعثن ولأنه وصل لأوهم أن ﴿ يوم ﴾ ظرف ﴿ المدبرات ﴾ وليس كذلك لأن تدبير الملائكة قد انقضى وقتئذ بل عامل ﴿ يوم ﴾ تتبعها ﴿ الراجفة ﴾ ه لا ﴿ الرادفة ﴾ ه ط ﴿ واجفة ﴾ ه ط ﴿ خاشعة ﴾ ه م لتناهي وصف القيامة وابتداء حكاية قولهم في الدنيا ﴿ في الحافرة ﴾ ط لمن قرأ ﴿ أئذا ﴾ مستفهماً ﴿ نخرة ﴾ ه ط ﴿ خاسرة ﴾ ه م لتناهي قولهم بالإنكار وابتداء أخبار الله ﴿ واحدة ﴾ ه ط ﴿ بالساهرة ﴾ ه ط ﴿ موسى ﴾ ه م لأن ﴿ إذ ناداه ﴾ يجوز أن يكون ظرفاً لا ذكر قاله السجاوندي.
ويحتمل عندي تعلقه بالحديث وإن لم يجز تعلقه بإتيان الحديث ﴿ طوى ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ﴿ اذهب ﴾ مفعول ﴿ ناداه ﴾ لأنه في معنى القول واحتمال أن يكون مفعول القول المحذوف ﴿ طغى ﴾ ه للآية مع اتفاق الجملتين والوصل أوجه للفاء ﴿ تزكى ﴾ ه لا للعطف ﴿ فتخشى ﴾ ط للآية وانتهاء الاستفهام مع العطف بفاء التعقيب ﴿ الكبرى ﴾ ه ز لذلك إنما كان الوصل أوجه للفاء واتصال المقصود ﴿ وعصى ﴾ ه ﴿ يسعى ﴾ ه ﴿ فنادى ﴾ ه ﴿ الأعلى ﴾ ه والوصل ههنا ألزم للعبرة بتعجيل المؤاخذة ﴿ والأولى ﴾ ه ط ﴿ يخشى ﴾ ه ط لبتدل الكلام لفظاً ومعنى وابتداء الاستفهام ﴿ أم السماء ﴾ ه ط بناء على أن الجملة لا تقع صفة للمعرفة وتقدير حذف الموصول من ضيق العطن فاعرفه ﴿ بناها ﴾ ه لا ﴿ فسوّاها ﴾ ه لا ﴿ ضحاها ﴾ ه ص ﴿ دحاها ﴾ ه ط بناء على أن ما بعده كالتفسير للدحو وهو تمهيدها لأجل السكنى، وجوز أن يكون ﴿ أخرج ﴾ حالاً بإضمار " قد " فلا وقف ﴿ مرعاها ﴾ ه ص ﴿ أرساها ﴾ ه ﴿ ولأنعامكم ﴾ ه ط ﴿ الكبرى ﴾ ه ز لأن ﴿ يوم ﴾ ظرف ﴿ جاءت ﴾ وعامل " إذا " مقدّر تقديره أي ترون أو كان ما كان، وجوز أن يكون ﴿ يوم ﴾ مفعول " اذكر " وعامل " إذا " مقدّر قبل يوم، ويجوز أن يكون مجموع الشرط والجزاء وهو قوله ﴿ فأما من طغى ﴾ إلى آخره جوابا لقوله ﴿ فإذا جاءت ﴾ .
﴿ سعى ﴾ ه ط ﴿ لمن يرى ﴾ ه ﴿ طغى ﴾ ه لا ﴿ الدنيا ﴾ ه لا ﴿ المأوى ﴾ ط ﴿ الهوى ﴾ ه لا ﴿ المأوى ﴾ ه ط ﴿ مرساها ﴾ ط ﴿ ذكراها ﴾ ه ط ﴿ منتاها ﴾ ه ط ﴿ يخشاها ﴾ ه ط ﴿ ضحاها ﴾ ه.
التفسير: في الكلمات الخمس المذكورة في أول السورة وجوه على نسق ما سبق في المرسلات أحدها: أنها صفات طوائف الملائكة الذين ينزعون نفوس الكفرة من بني آدم غرقاً أي نزعاً بشدّة من أقاصي الأجساد من أناملها وأظفارها.
والغرق والإغراق في اللغة واحد يقال: نزع في القوس فأغرق أي بلغ غايته حتى انتهى إلى النصل، وبالذين يجذبون نفوس المؤمنين برفق ولين كما ينشط الدلو من البئر، وبالطوائف التي تسبح في مضيها أي تسرع فتسبق إلى ما أمروا به فتدبر بإذن الله أمراً من أمور العباد أو جنس الأمر.
قال مقاتل: يعني بهذه الطوائف جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وأعوان كل منهم.
فجبريل موكل بالرياح والجنود، وميكائيل موكل بالقطر والنبات، وإسرافيل بنفخ الصور، وملك الموت عزرائيل وأعوانه بقبض الأرواح.
قال الإمام فخر الدين الرازي: النازعات هم الذين نزعوا أنفسهم عن الصفات البشرية والأخلاق الذميمة من الشهوة والغضب والموت والهرم والسقم لأنهم جواهر روحانية مجردة، والناشطات إشارة إلى أن خروجهم من هذه الأحوال ليس على سبيل الكلفة والمشقة ولكنه بمقتضى الطبيعة والماهية، والسابحات هم الذين سبحوا في بحار جلال الله فسبق بعضهم بعضاً في ميدان العرفان وحلبة البرهان فدبروا أمر العالم العلوي والعالم السفلي بإذن مبدعهم المنّان.
أقول: ويمكن حمل هذه الأمور على مراتب النفس الإنسانية بمثل التقدير المذكور.
الوجه الثاني وهو قول الحسن البصري أنها النجوم وتلخيص ذلك على الوجه المطابق للغة والشريعة أنها تغرق شبه النزع من المشرق إلى المغرب بالحركة السريعة، وتنشط نشطاً أي تخرج من برج إلى برج من قولك " ثور ناشط " إذا خرج من بلد إلى بلد، وهذا بحركته البطيئة الثابتة.
وأما السابحات فهي السيارة كقوله ﴿ كل في فلك يسبحون ﴾ ولأن سيرها المتفاوت يصير سبباً لسبق بعضها بعضاً، ويترتب على السبق الاتصالات والانصرافات ومعرفة الفصول والأوقات وتقدّم العلم بالكائنات بل العالم السفلي وتدبيراتها مناط بتلك الحركات بإذن خالق الأرض وفاطر السموات فلهذا أدخل الفاء في القرينتين الأخريين دون الأوليات.
الوجه الثالث أنها صفات خيل الغزاة تنزع في أعنتها نزعاً، تغرق الأعنة فيه لطول أعناقها لأنها عراب، وهى ناشطات تخرج من دار الإسلام إلى دار الحرب، وهي سابحات تسبح في جريها فتسبق إلى الغاية فتدبر أمر الغلبة والظفر وتتسبب فيه.
الوجه الرابع وهو اختيار أبي مسلم النازعات أيدي الغزاة وأنفسهم تنزع القسي بإعراق السهام، والناشطات السهام الخارجة من أيديهم أو قسيهم، والسابحات الخيل العاديات أو الإبل، والمدبرات بمعنى المعقبات لأنها تأتي في أدبار هذه الأفاعيل بأمر الغلبة والنصر.
قال جار الله: ﴿ يوم ترجف ﴾ منصوب بجواب القسم المحذوف وهو " لتبعثن ".
وقوله ﴿ تتبعها ﴾ حال.
ثم أورد على نفسه أن هذا يوجب أن يكون البعث عند النفخة الأولة وأجاب عنه بأنهم يبعثون في الوقت الواسع الذي يقع فيه النفختان كما يقال " رأيته عام كذا " وإنما رؤيته في ساعة منها.
والراجفة الواقعة التي ترجف عندها الأرض والجبال وهي النفخة الأولى فهي من الإسناد المجازي.
والرادفة رجفة أخرى تتبع الأولى فتضطرب الأرض لإحياء الموتى كما اضطربت في الأولى لموت الأحياء، وقد ورد الخبر أن ما بين النفختين أربعون عاماً.
ويروى أنه يمطر الأرض في هذه الأربعين ويصير ذلك الماء عليها كالنطف فيكون سبباً في الإحياء ولله أن يفعل ما يشاء.
وقيل: الراجفة هي النفخة الأولى، والرادفة هي قيام الساعة من قوله ﴿ عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون ﴾ وقيل: الراجفة الأرض والجبال من قوله ﴿ يوم ترجف الأرض والجبال ﴾ والرادفة السماء والكواكب لأنها تنفطر وتنتثر على أثر ذلك.
وقيل: الراجفة هي الأرض تتحرك وتتزلزل، والرادفة زلزلة ثانية تتبع الأولى حتى تنقطع الأرض وتفنى.
قال أبو مسلم بناء على تفسيره الذي روينا عنه إن كلاً من الراجفة والرادفة هي خيل المشركين وأريد بهما طائفتان من المشركين حاربوا رسول الله فتبعت إحداهما الأخرى.
والقلوب الواجفة أي القلقة، والأبصار الخاشعة هي أبصار المنافقين على الأقوال القلوب الموصوفة مبتدأ.
وقوله ﴿ أبصارها خاشعة ﴾ خبره وفي الكلام إضمار أي أصحابها خاشعة بدليل قوله ﴿ يقولون أئنا لمردودون في الحافرة ﴾ أي الحالة الأولى وهي الحياة وأصله من قولهم " رجع فلان في حافرته " أي طريقه التي جاء فيها، جعل أثر قدميه حفراً فالطريق في الحقيقة محفورة إلا أنها سميت حافرة على الإسناد المجازي أو على وتيرة النسبة أي ذات حفر كما قلنا في " عيشة راضية " ونحوه ﴿ كرة خاسرة ﴾ كما يجيء.
ثم زادوا في الإنكار مع إشارة إلى وجه الإحالة قائلين ﴿ أئذا كنا عظاماً نخرة ﴾ نردّ أو نبعث.
يقال: نخر العظم فهو نخر وناخر مثل حذر وحاذر وهو الأجوف البالي الذي تمر فيه الريح فيسمع له نخر وهما لغتان فصيحتان، لأن النخر وإن كان أبلغ في المعنى إلا أن الناخرة بالألف أشبه بأخواتها من رؤوس الآي.
ثم أخبر أنهم قالوا على سبيل الاستهزاء ﴿ تلك ﴾ الكرة ﴿ إذا ﴾ أي إذا نحشر ونردّ ونرجع ﴿ كرة خاسرة ﴾ رجعة ذات خسران لأنا كذبنا بها.
ثم أفحمهم بقوله ﴿ فإنما هي زجرة ﴾ أي لا تحسبوا تلك الكرة صعبة على الله فما هي إلا صيحة ﴿ واحدة ﴾ يقال: زجر البعير إذا صاح عليه وهي صيحة إسرافيل في النفخة الثانية.
يروى أنه يحييهم في بطون الأرض فيسمعونها فيقومون.
والساهرة الأرض البيضاء المستوية سميت بذلك لأن ساكنها لا ينام خوف الهلاك، أو لأن السراب يجري فيها من قولهم عين ساهرة أي جارية.
والأظهر أنها أرض الآخرة.
وقيل: هي أرض الدنيا ثم ذكرهم بقصة موسى لأنه أبهر الأنبياء المتقدّمين معجزة وفيها تسلية للنبي لأن فرعون كان أكثر جمعاً وأشدّ قوة من كفار قريش.
والوادي المقدّس المبارك المطهر، وطوى اسم واد بالشأم عند الطور وقد مر في " طه ".
قوله ﴿ هل لك ﴾ الجار والمجرور خبر مبتدأ محذوف أي هل لك حاجة أو ميل أو التفات ونحو ذلك، وهذه كلمة جامعة لمواجب التكاليف لأن الملكف لا يصير زاكياً إلا بالتخلية عن كل ما لا ينبغي، ويجوز أن يكون التزكي إشارة إلى تطهير النفس الفاسدة.
قوله ﴿ وأهديك ﴾ إشارة إلى التحلي بالأخلاق الفاضلة أقلها وأفضلها التوحيد المرتب على الخشية التي منها تنشأ جوامع الخيرات ولهذا قال النبي " من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل" وعن بعض الحكماء: اعرفوا الله فمن عرفه لم يقدر أن يعصيه طرفه عين.
ثم ههنا إضمار كأنه قال: فذهب موسى إلى فرعون فقال له ما أمر به فلم يصدقه فرعون وجحد نبوته ﴿ فأراه ﴾ وفي ابتداء المخاطبة بالاستفهام الذي معناه العرض من التلطف والمداراة ما لايخفى فهو كقوله ﴿ فقولا له قولاً ليناً ﴾ والآية الكبرى العصا أو اليد أو هما كما مر في " طه " ﴿ فكذب ﴾ بالقلب واللسان إذ نسب المعجز إلى السحر ﴿ وعصى ﴾ بإظهار التمرد الطغيان ﴿ ثم أدبر ﴾ خوفاً من الثعبان ﴿ يسعى ﴾ هارباً أو يتحيل في دفع موسى أو تولى عن موسى إظهاراً للجحود.
وجوز أن يكون ﴿ أدبر ﴾ موضوعاً مكان " أقبل" مكان يقال: أقبل فلان يفعل كذا بمعنى طفق يفعل فكنى عن الإقبال بالإدبار إظهاراً للسخط ولقصد التفاؤل عليه.
ومعنى الفاء في ﴿ فكذب ﴾ أنه لم يلبث عقيب رؤية الآية الكبرى أن بادرها بنقيض مقتضاها لفرط عتوّه ورسوخ تفرعنه.
ومعنى " ثم " في ﴿ ثم أدبر ﴾ تراخي الرتبة فإن الهرب من الحية مع ادعاء الربوبية مما لا يجتمعان وكذا السعاية والمكيدة بين الناس ﴿ فحشر ﴾ جنوده للتشاور أو لجمع السحرة ﴿ فنادى ﴾ في المقام الذي اجتمعوا فيه معه أو أمر منادياً.
وقيل: قام فيهم خطيباً فقال ما قال.
وانتصب ﴿ نكال الآخرة ﴾ على أنه مصدر مؤكد كأنه قيل: نكل الله به نكالاً وهو مصدر كالتنكيل مثل السلام والتسليم.
قال الحسن وقتادة: عذاب الآخرة الإحراق وعذاب الأولى الإغراق.
وقيل: الآخرة والأولى صفتان لكلمتي فرعون.
ثم اختلفوا فعن مجاهد والشعبي وسعيد بن جبير ومقاتل ورواية عطاء والكلبي عن ابن عباس أن كلمته الأولى ﴿ ما علمت لكم من إله غيري ﴾ والثانية ﴿ أنا ربكم الأعلى ﴾ وبينهما أربعون سنة أو عشرون، وفيه دليل على أنه يمهل ولا يهمل.
وذكر قوم واستحسنه القفال أن كلمته الأولى تكذيب موسى حين أراه الآية، والأخرى هي قوله ﴿ أنا ربكم الأعلى ﴾ وقد يدور في الخلد أن كلمته الأولى هي قوله ﴿ أنا ربكم ﴾ والآخرة وصفه بالأعلى فإنه لو اقتصرعلى الأولى لم يكن كفراً بدليل قول يوسف ﴿ ارجع إلى ربك ﴾ ﴿ إنه ربي أحسن مثواي ﴾ لكنه لما وصفه بالأعلى صار كفراً فأخذه بالأولى والآخرة.
قال الإمم فخر الدين الرازي: إن العاقل لا يشك في نفسه أنه ليس خالق السموات والأرض وما بينهما، فالوجه أن يقال: إن فرعون كان دهرياً منكراً للصانع والحشر والجزاء وكان يقول ليس لأحد عليكم أمر ولا نهي سواي فأنا ربكم بمعنى مربيكم والمحسن إليكم.
وأقول: كما أن نسبة الإنسان خلق العالم إلى نفسه يوجب الحكم عليه بالجنون وسخافة العقل فالقول بنفي الصانع ونسبة وجود الأشياء إلى ذواتها مع تغيرها في أنفسها يوجب الحكم عليه بعدم العقل فما الفرق بين الأمرين؟
وأيّ استبعاد في ذلك وقد قال الله ﴿ إن الإنسان ليطغى إن رآه استغنى ﴾ وسكر الدنيا أشدّ من سكر الخمر فإن الثمل من الخمر يرجى صحوه والثمل من شراب حب المال والجاه الطافح من خيال الرياسة لا ترجى إفاقته.
ثم ختم القصة بقوله ﴿ إن في ذلك ﴾ الحديث أو النكال وهو في العرف يقع على ما يفتضح به صاحبه ويعتبر به المعتبر ﴿ لعبرة لمن يخشى ﴾ أي يكون من أهل الخشية لا القسوة.
ثم خاطب منكري البعث بقوله ﴿ أأنتم أشدّ ﴾ أي أصعب ﴿ خلقاً أم السماء ﴾ فنبههم على أمر معلوم بالمشاهدة وهو أن خلق السماء أعظم وأبلغ في القدرة.
وإذا كان الله قادراً على إنشاء العالم الأكبر يكون على خلق العالم الأصغر بل على إعادته أقدر.
ثم أشار إلى كيفية خلق السماء فقال ﴿ بناها ﴾ وفيه تصوير للأمر المعقول وهو الإبداع والاختراع بالأمر المحسوس وهو البناء.
ثم ذكر هيئة البناء فقال ﴿ رفع سمكها ﴾ وهو الامتداد القائم على كل من امتدادي الطول والعرض.
فإذا اعتبر من السفل إلى العلو يسمى سمكاً، وإذا اعتبر بالعكس يسمى عمقاً.
وذكر أهل التفسير أن ما بين كل سماء مسيرة خمسمائة عام.
ولأهل الهيئة طريقة أخرى قد برهنوا عليها في كتبهم.
قوله ﴿ فسوّاها ﴾ زعم أصحاب الهيئة أن المراد بهذه التسوية جعلها كرية ولا ضرر في الدين من هذا الاعتقاد.
وحملها المفسرون على تمام التأليف أو على نفي الفطور عنها.
وأقول: من الجائز أن يراد بها جعلها طبقات مرتبة كقوله ﴿ فسوّاهن سبع سموات ﴾ الغطش الظلمة يقال: غطش الليل وأغطشه الله.
ويقال: أغطش الليل أيضاً مثل أضاء وأظلم.
وعبر بالضحى عن النهار لأن الضحى أكمل أجزائه في النور والضوء.
وإنما أضاف الليل والنهار إلى السماء لأنهما بسبب غروب الشمس وطلوعها الحادثين بسبب حركة الفلك قوله ﴿ والأرض بعد ذلك دحاها ﴾ قد مر تفسير الدحو في أول سورة " البقرة " وأن بعدية دحو الأرض لا تنافي تقدّم خلق الأرض على السماء في قوله ﴿ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء ﴾ قال أهل اللغة: دحوت أدحو ودحيت أدحى لغتان في حديث عليّ: اللهم داحي المدحيات أي باسط الأرضين السبع.
وقد يروى عن ابن عباس ومجاهد والسدّي وابن جريج أن قوله ﴿ بعد ذلك ﴾ يعنى مع ذلك كقوله ﴿ فك رقبة ﴾ إلى قوله ﴿ ثم كان من الذين آمنوا ﴾ أي كان مع هذا من أهل الإيمان بالله.
ونصب ﴿ الأرض ﴾ ﴿ والجبال ﴾ فيما يجيء بإضمار دحى وأرسى على شريطة التفسير.
قال المفسرون: أراد بالمرعى جميع ما يأكله الناس والأنعام فيكون الرعي مستعاراً للإنسان ولهذا قال ﴿ متاعاً ﴾ أي فعل كل ذلك تمتيعاً لكم ولأنعامكم.
حين فرغ من دلائل القدرة على البعث رتب عليه شرح يوم القيامة.
والطامة الداهية التي لا تطاق من قولهم طم الفرس طميماً إذا استفرغ جهده في المشي والجري فإذا وصفت بالكبرى كانت في غاية الفظاعة ونهاية الشدّة، وفي أمثالهم " جرى الوادي فطم على القري " وهو مفرد وجمعه أقرية وقريان وهي الجداول والأنهار.
وأصل الطم الدفن والغلب فكل ما غلب شيئاً وقهره وأخفاه فقد طمه.
وقيل: الطامة النفخة الثانية عن الحسن.
وقيل: هي الساعة التي يساق بها أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار.
قال جار الله: ﴿ يوم يتذكر ﴾ بدل من ﴿ إذا جاءت ﴾ لأنه إذا رأى أعماله مدوّنة مكتوبة تذكرها وكان قد نسيها.
قوله ﴿ وبرزت الجحيم لمن يرى ﴾ كقولهم " قد بين الصبح لذي عينين " وهو مثل في الأمر المنكشف الذي لا يخفى على أحد فعلى هذا يكون استعارة ولا يجب أن يراها كل أحد لأن الإخبار إنما وقع عن كونها بحيث لا تخفى على ذي بصر لا عن وقوع البصر.
وقيل: إنها برزت الجحيم ليراها كل من له بصر وعلى هذا يجب أن يراها كل أحد إلا أن المؤمنين يمرون عليها كالبرق الخاطف، وأما الكافرون فيقعون فيها فكأنها برزت لأجلهم فقط، وبهذا الاعتبار قال في موضع آخر.
﴿ وبرّزت الجحيم للغاوين ﴾ وقوله ﴿ طغى ﴾ إشارة إلى فساد القوى النظرية فإن من عرف الله بالكمال عرف نفسه بالنقصان فلم يصدر عنه الطغيان.
قوله ﴿ وآثر الحياة الدنيا ﴾ رمز إلى اختلال القوّة العملية فإن حب الدنيا رأس كل خطيئة.
واللام في ﴿ المأوى ﴾ للعهد الذهني أي مأواه اللائق به ولهذا استغنى عن العائد ولا حاجة إلى تكلف أن الألف، واللام بدل من الإضافة.
قوله ﴿ خاف مقام ربه ﴾ نقيض طغى.
قوله ﴿ ونهى النفس ﴾ الأمارة ﴿ وآثر الحياة الدنيا ﴾ فهذا الشخص إذا كامل في قوّته النظرية والعملية.
وتفسير ﴿ خاف مقام ربه ﴾ قد مر في سورة الرحمن.
﴿ ونهى النفس ﴾ ضبطها وتوطينها على متاعب التكاليف من الأفعال والتروك.
ثم إن المشركين كانوا يسمعون النبي يذكر الطامة والحاقة وغيرهما من أسماء القيامة فيسألون ﴿ أيان مرساها ﴾ أي زمان إرسائها وهو إقامة الله إياها وقد مر في آخر " الأعراف ".
وعن عائشة ا لم يزل رسول الله يذكر الساعة ويسأل عنها حتى نزلت.
وقوله ﴿ فيم أنت ﴾ على هذا تعجب من كثرة ذكره لها كأنه قيل: في أي شغل واهتمام أنت من ذكرها والسؤال عنها حرصاً على جوابهم إلى ربك منتهى علمها لم يؤته أحداً من خلقه.
ويجوز أن يكون قوله ﴿ فيم أنت من ذكراها ﴾ من تتمة السؤال أي يسألونك فيم أنت من العلم بها.
ويحتمل أن يكون فيم إنكار سؤالهم أي فيم هذا السؤال.
ثم قيل: أنت من ذكراها أي إرسالك وأنت آخر الرسل وخاتم الأنبياء ذكر من أذكارها وعلامة من علاماتها فلا حاجة إلى الاستفهام عن وقتها بعد العلم باقترابها، فإن هذا القدر من العلم يكفي في وجوب الاستعداد لها بل لا يتم الغرض من التكليف إلا بإخفاء وقته كالموت ﴿ إنما أنت منذر ﴾ لا تتعداه إلى العلم بالغيب الذي العلم بالساعة جزئي منه.
وخص الإنذار بأهل الخشية لأنهم المنتفعون بذلك.
ثم أخبر أنهم حين يرون الساعة يستقصرون مدّة لبثهم في الدنيا.
وقيل: في القبور.
روى عطاء عن ابن عباس أن الهاء والألف صلة والمعنى لم يلبثوا إلا عشية أو ضحى.
وقال النحويون: فيه إضمار والتقدير إلا عشية أو ضحى يوم تلك العشية على أن الإضافة في ﴿ ضحاها ﴾ يكفي فيها أدنى ملابسة وهو ههنا إجتماعهما في نهار واحد.
قال صاحب الكشاف: فائدة الإضافة الدلالة على أن مدة لبثهم كانها لم تبلغ يوماً كاملاً.
قلت: سلمنا أن هذه الفائدة مفهومة من عبارة القرآن إلا أنها تحصل أيضاً بتقدير عدم الإضافة كما لا يخفى فلا يصح أن تسند الفائدة إلى الإضافة وحدها.
فالوجه أن يقال: فائدة الإضافة أن يعلم أن مجموع الدنيا في ظنهم كيوم واحد وزمان لبثهم في الدنيا كساعة منه عشية أو ضحاها نظيره قول القائل " ما سرت إلا عشية أو ضحى " فإنه لا يفهم منه إلا السير في بعض يوم مّا، وقد تكون العشية من يوم والضحى من يوم آخر.
ولو قال " إلا عشية أو ضحاها " لم يمكن أن يكون السير إلا في أحد هذين الوقتين من يوم واحد.
قال بعضهم: فائدة الترديد أن زمان المحنة يعبر عنه بالعشية وزمان الراحة يعبر عنه بالضحى فكأنه قيل: ما كان عمرنا في الدنيا إلا هاتين الساعتين.
أقول: ويحتمل أن يقال إن مبدأ اليوم بليلته كان قبل شرعنا في أكثر الأديان من نصف النهار وقد صار المبدأ في شرعنا من أول الفجر وكأنهم حين أرادو التعبير عن بعض اليوم.
قالوا: إن كان المبدأ من نصف النهار فنحن لم نلبث إلا عشية وهو ما بعد الزوال إلى الغروب، وإن كان المبدأ من أول الفجر فلم نلبث إلا من الفجر إلى الضحى فلعل هذا هو السر في تقديم العشية على الضحى مع رعاية الفاصلة والله أعلم بأسرار كلامه.
قوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ ﴾ : منهم من يقول: قد أتاك فخوفهم به.
وقال الحسن: لم يكن أتاه، فأتاه بهذا؛ كما يقول الرجل الآخر: هل أتاك ما فعل فلان؟
وهو يريد أن يذكره بهذا فيعلمه مع علمه أنه لم يكن علمه من قبل.
وقد ذكرنا ما في ذكر الأنباء من الفوائد من تثبيت الرسالة والتخويف لمن أساء صحبة الرسل - عليهم السلام - لئلا ينزل بهم ما نزل بفرعون وأتباعه حين أساءوا صبحة الرسول موسى، .
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى ﴾ قيل: طوى: اسم ذلك الوادي.
وقيل: سمي: طوى؛ لأنه بورك مرتين، مرة حين أتاه إبراهيم ، ومرة بإتيان موسى .
وذكر عن الزجاج أن ﴿ طِوى ﴾ بكسر الطاء الذي بورك مرتين، ثم أضاف ذلك الحديث مرة إلى موسى ومرة إلى نفسه إذ ناداه؛ فظاهره: أن الله - - هو الذي كلمه، فأضيف إلى الله ؛ لأن أصله من الله - - كما ذكرنا في قوله - -: ﴿ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ ﴾ ، وفي قوله: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ ﴾ أي: عتا وطغى في نعمه، فاستعملها في كفران نعمه؛ فلم يشكر الله - - بها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ ﴾ ، أي: هل لك في إجابة من إذا أجبت تزكيت، أو هل لك رغبة إلى ما تزكو به نفسك وتمنو.
ثم في هذه الآية دلالة من أراد أن يدعو آخر إلى ما فيه رشده وصلاحه، فالواجب عليه أن يدعوه أولا بالرقم واللين؛ كما أمر موسى وهارون - عليهما السلام - بقوله: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً ﴾ ، وبقوله: ﴿ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ ﴾ ثم إذا ترك الإجابة ختم كلامه بالتعنيف؛ كما فعل موسى - - بقوله: ﴿ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يٰفِرْعَونُ مَثْبُوراً ﴾ بعد قوله: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ ﴾ ، أي: أهديك إلى ربك فتهتدي، ثم تخشاه إذا اهتديت؛ أي: عرفت عظمته وجلاله؛ فتخشى عقوبته؛ فيكون العلم مثمرا للخشية؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ ﴾ .
أو أهديك إلى طاعة ربك، وأنذرك عقابه إذا عصيته؛ فتخشى؛ فلا تعصيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَرَاهُ ٱلآيَةَ ٱلْكُبْرَىٰ ﴾ : منهم من ذكر أن الآية الكبرى هي اليد؛ سميت: كبرى؛ لأن سحرهم عمل في الحبال العصي، ولم يعمل في اليد؛ فكانت هذه الآية خارجة عن نوع سحرهم، فسيمت: كبرى؛ لهذا المعنى.
ومنهم من ذكر أن الآية الكبرى هي العصا؛ لأن غلبة موسى - - على السحرة كانت بالعصا، حيث تلقفت ما أتوا به من السحر، ولكن كل آياته كانت كرى، كما قال في آية أخرى: ﴿ وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا ﴾ ، فكانت أحداهما أكبر من الأخرى عند ذوي الأحلام والنهى لما تأمل فيها وتدبر، والله الموفق.
وقوله: ﴿ فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ ﴾ ، أي: كذب بآيات الله، وعصى نبيه موسى؛ فلم يطعه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ ﴾ ، قال الحسن: كان خفيفا طيَّاشاً، وإلا فالملوك إذا دعوا إلى أمر تدبروا فيه وتفكروا: إما ليجيبوا الداعي إلى ما دعاهم، أو ليردوا عليه، فأما الإدبار والسعي فليس إلا من الخفة والطيش.
وقال غيره: أدبر عن طاعة الله - - وتولى عنه، وسعى في جمع السحرة.
أو سعى في جمع من قال لموسى - -: ﴿ فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لاَّ نُخْلِفُهُ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَحَشَرَ فَنَادَىٰ * فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ ﴾ : ذلك اللعين قد علم أنه ليس ذلك إليه، لكن إذا صاروا من خاصته أذن لهم بأن يعبدوه، وأمر الخواص منهم بعبادته، فسمى نفسه: أعلى الأرباب؛ لهذا.
وقوله -: ﴿ فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلآخِرَةِ وَٱلأُوْلَىٰ ﴾ : منهم من يقول: أخذه بعقوبة الكلمتين جميعا: الكلمة الأولى: قوله: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي ﴾ ، والكلمة الثانية: قوله: ﴿ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ ﴾ .
ومنهم من يقول: أخذه بعقوبة ما تقدم من الإجرام وما تأخر إلى أن غرق.
ومنهم من يقول: أخذه بالعقوبة في الدنيا والآخرة، فغرقه في الدنيا، وعذب روحه بعد مماته بقوله: ﴿ ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً ﴾ ، ويدخل في النار مع أتباعه بقوله: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ ﴾ ؛ فاتصلت عقوبة الدنيا بعقوبة الآخرة.
وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ ﴾ : وفي ذلك كله عبرة، لكن الذي يعتبر بها من يخشى العواقب، ويخاف عقوبة الله .
وقوله: ﴿ ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ ﴾ : جائز أن يكونن هذا صلة قوله: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ ﴾ ؛ فيكون في قوله: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ ﴾ .
وفي قوله: ﴿ ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً ﴾ تقرير له أيضا.
ثم قوله: ﴿ ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ ﴾ يحتمل أوجها: أحدها: أن إعادتهم خلقا جديدا وبعثهم أيسر في عقول منكري البعث من خلق السماوات، وقد أقروا أنه خالق السماء، فإذا لم يتعذر عليه خلق السماء، وإن كان خلقها أشد في عقولهم من خلق أمثالهم، فما بالهم ينكرون بعثهم وإعادتهم إلى ما كانوا عليه، وذلك أهون في عقولهم.
ويحتمل وجها آخر: وهو أن السماء مع شدة خلقها أشفقت على نفسها، فأبت قبول ما عرض عليها من الأمانة، وخافت نقمة الله - - [فما بال] هذا الإنسان مع ضعفه يمتنع عن الإجابة إلى ما دعي إليه؛ أفلا يشفق على نفسه، ولا يخاف نقمة الله ، وما خلقت النار والجنة إلا لأجل الإنس، فيذكرهم بهذا؛ ليخوفهم ويرتدعوا عما هم فيه من الطغيان ويجيبوا إلى ما دعاهم إليه الرسول.
وجائز أن يكون هذا صلة قوله: ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ ﴾ ، و ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ ﴾ ، فيخبر أن السماء مع شدتها وطواعيتها لا تقوم بذلك اليوم؛ فكيف [يقوم الإنسان] لهول ذلك اليوم مع ضعفه؟!
فيرجع هذا - أيضا - إلى التخويف.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ﴾ : ﴿ بَنَاهَا ﴾ : أي: خلقها، ﴿ رَفَعَ سَمْكَهَا ﴾ : سقفها، ﴿ فَسَوَّاهَا ﴾ بالأرض، أو سواها على ما توجبه الحكمة ويدل على الوحدانية.
قال إمام الهدى أبو منصور - -: ثم لم يفهم أحد من قوله: ﴿ بَنَاهَا ﴾ ما يفهم من البناء المضاف إلى الخلق، ولا فهم من الرفع ما يفهم من الرفع المضاف إليهم، ولا فهم من قوله: ﴿ وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴾ ما يفهم من البسط المعروف المنسوب إلى الخلق، فما بال [بعض] الناس فهموا من المجيء الذي أضيف إلى الله ما فهموا من المجيء الذي يضاف إلى الخلق، فلولا آفة حلت بهم حملتهم على أن يفهموا منه المكروه، وإلا لم تنصرف أوهامهم إلى مثل ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا ﴾ ، قيل: أظلم ليلها، ﴿ وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا ﴾ : ففي؛ إظلام الليل، وإخراج الضحى ما ينفي عن منكري البعث الشبه التي تعترض لهم، وذلك أنه يغطش في ساعة لطيفة ويغشى ظلمتها كل شيء، ثم يتلفها في أدنى وهلة، ويفنيها كأنها لم تكن، ثم يعيدها بعدما أتلفها حتى لو أراد [أحد أن يميز] بين الأولى والثانية لم يقدر عليه، بل وقع عنده أن الأولى هي الثانية، والثانية هي الأولى، وهذا بعدما تلفت الظلمة الأولى، وذهبت كلها حتى لم يبق منها أثر؛ فلأن يكون قادرا على إعادتهم خلقا جديدا بعدما أفناهم، وقد بقي من آثار الخلق الأول بعضه - أولى.
ثم أضاف ذلك إلى السماء؛ لأن بدأهما يظهر من عندها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴾ قالوا: بسطها: فمنهم من يقول: خلقها مجتمعة، ثم بسطها بعدما خلق السماوات؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ دَحَاهَا ﴾ ، ولم يقل: خلقها.
ومنهم من ذكر أنه خلق سماء الدنيا أولاً، ثم خلق الأرضين بعد ذلك، ثم خلق السماوات الست من بعد.
ومنهم من ذكر أنها كانت قبل أن تبسط تحت بيت المقدس، ثم بسطها بعد ذلك.
قال أبو بكر: هذا لا يحتمل؛ لأنه لا يجوز أن تكون بجملتها وسعتها تحت بيت المقدس، والله أعلم.
ولكن معناه عندنا - إن كان على ما قالوا - [فهو] منصرف إلى الجواهر؛ أي: الجوهر الذي خلق منه الأرض كان هنالك، لا أن كانت بجملتها تحته؛ كما خلق هذا الإنسان من النطفة وإن لم يكن بكليته في النطفة، وخلق من التراب وإن لم يكن بكليته على ما هو عليه في التراب، وكان معناه: أنه خلق من ذلك الجوهر؛ فعلى ذلك الحكم فيما ذكره.
ومنهم من زعم أن خلقهما كان معا.
وذكر عن الحسن أن الأرضين خلقت قبل السماء بقوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّٰهُنَّ...
﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ ﴾ ، وقال: اسم السماء ما ارتفع من الشيء كما يقال للسقف، سماء؛ لارتفاعه عن الإنسان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا ﴾ : ذكر ما أنشأه لنا؛ لنحمده، وما أخرج منها للأنعام لتذكير النعم - أيضا - لنشكره ونحمده عليه؛ إذا الدواب خلقت لنا، فما رجع إلى منافعها فيه راجعة إلينا، إذ بها ما نصل إلى الانتفاع بالدواب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْجِبَالَ أَرْسَاهَا ﴾ ، أثبتها؛ لئلا تميد بأهلها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ ﴾ : فيه أن ما جعله متاعا لنا قد جعل شيئا من ذلك للدواب أيضا، والذي جعله للأنعام، لم يجعل لنا فيه شركاء؛ وذلك لأن الذي أنشأه لمتاع البشر منه ما يستخبث ويستقذر، ومنه ما يستطاب ويدخر، فجعل ما طاب منه للبشر، وما خبث منه لمنافع الدواب، والذي أنشأه لمنافع الدواب مما تستخبثه الطباع وتستقذره، فَفَضَّل أغذية مَنْ فَضَّلَ منازلهم، ففيما ذكرنا دلالة إباحة التناول من الطيبات؛ إذ الله مَنَّ على عباده أن جعل أغذيتهم بما طاب من الأشياء، وفضلهم على الأنعام، [فمن كره ذلك] فقد كره الانتفاع بما أنشئ للانتفاع، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
أإيجادكم على الله -أيها المكذبون بالبعث- أصعب، أم إيجاد السماء التي بناها؟!
<div class="verse-tafsir" id="91.nMXvy"
(والنازعات إلخ) جاء في الكتاب العزيز ضروب من القسم بالأزمنة والأمكنة والأشياء.
والقسم إنما يكون بشيء يخشى المقسم إذا حنث في حلفه به أن يقع تحت المؤاخذة -نعوذ باللَّه أن يتوهم شيء من هذا في جانب اللَّه- وما كان اللَّه جل شأنه ليحتاج في تأكيد إخباره إلى القسم بما هو صنع قدرته، فليس لشيء في الوجود قدر إذا نسب إلى قدره الذي لا يقدره القادرون، بل لا وجود لكائن إذا قيس إلى وجوده إلا لأنه انبسط عليه شعاع من أشعة ظهوره جل شأنه.
ولهذا قد يسأل السائل عن هذا النوع من تأكيد الخبر الذي اختص به القرآن، وكيف يوجد في كلام اللَّه؟
فيجاب بأنك إذا رجعت إلى جميع ما أقسم اللَّه به وجدته إما شيئًا أنكره بعض الناس أو احتقره لغفلته عن فائدته، أو ذهل عن موضع العبرة فيه، وعمى عن حكمة اللَّه في خلقه، أو انعكس عليه الرأي في أمره فاعتقد فيه غير الحق الذي قرر اللَّه شأنه عليه، فيقسم اللَّه به إما لتقرير وجوده في عقل من ينكره، أو تعظيم شأنه في نفس من يحقره، أو تنبيه الشعور إلى ما فيه عند من لا يذكره، أو لقلب الاعتقاد في قلب من أضله الوهم أو خانه الفهم.
فمما أقسم اللَّه به يوم القيامة أو القرآن مثلًا، ذلك لتقرير أن الأول واقع لا مفر منه، وأن الثاني كلام اللَّه الحق الذي لا ريب فيه، ثم يكون في ذلك تعظيم كليهما: الأول لما يكون فيه من سعادة وشقاء، والثاني لما فيه من الهداية والشفاء لما يعرو النفوس من الأدواء.
ومن ذلك النجوم: قوم يحقرونها لأنها من جملة عالم المادة، ويغفلون عن حكمة اللَّه فيها وما ناط بها من المصالح، وآخرون يعتقدونها آلهة تتصرف في الأكوان السفلية تصرف الرب في المربوب، فيقسم اللَّه بها موصوفة بأوصاف تدل على أنها من المخلوقات التي تصرفها القدرة الإلهية وليس فيها شيء من صفات الألوهية، كما تراه في مفتتح هذه السورة وفي سورة إذا الشمس كورت، ثم تشير إلى ما نيط بها من المصالح كما سيرد عليك.
وسترى فيما يساق إليك من هذا التفسير في السور الآتية ما يرشدك إلى تفصيل ما أجملناه هنا.
وهناك أمر يجب التنبيه عليه، وهو أن من الأديان السابقة على دين الإسلام ما ظن أهله أن هذا الكون الجسماني وما فيه من نور وظلمة وأجرام وأعراض إنما هو كون مادي لم يشأ اللَّه خلقه إلا ليكون حبسًا للأنفس وفتنة للأرواح، فمن طلب رضا اللَّه فليعرض عنه، وليبعد عن طيباته، وليأخذ بدنه بضروب الإعنات التعذيب وأصناف الحرمان، وليغمض عينيه عن النظر إلى شيء مما يشتمل عليه هذا الكون الفاسد في زعمه، اللهم إلا على نية مقته والهروب منه.
فأقسم اللَّه بكثير من هذه الكائنات ليبين مقدار عنايته بها، وأنه لا يغضبه من عباده أن يتمتعوا بما متعهم به منها متى أدركوا حكمة اللَّه في ذلك المتاع ووقفوا عند حدوده في الانتفاع.
وقد افتتح اللَّه هذه السورة بأن أقسم ببعض مخلوقاته إظهارًا لعظم شأنها، واتقان نظامها، وغزارة فوائدها، وأنها مسخرة له، خاضعة لأمره، لَيَقعنَّ ما يوعدون، مما ذكر في السورة السابقة وما يذكر في هذه لسورة، في يوم تعظم فيه الأهوال، وتضطرب فيه القلوب وتخشع الأبصار، ويعجب فيه المبعوثون من عَوْدِهم إلى حياتهم الأولى بعد أن كانوا عظامًا نخرة بالية تمر فيها الرياح، ويتحققون حينئذ خَسارهم بما أنكروا في هذه الدنيا معادهم، فيجابون على تعجبهم هذا بأن لا تحسبوا تلك الكَرَّة إلى الحياة صعبة على اللَّه، فما الأمر عنده إلا صيحة واحدة فإذا الناس أحياء ظاهرون في أرض المعاد.
(النازعات) من نزع عن القوس رمى عنها.
و(الغرق) هو الإغراق في النزع، أي الإتيان على الغاية منه.
والنازعات غرقًا هي الكواكب تنزع عن قسي دوائرها ما نراه شهبًا ساقطة.
و(الناشطات نشطًا) من نشط ينشط إذا خرج من بلد إلى بلد، وهي الكواكب تفارق مداراتها وتنقلب من برج إلى برج فتختلف أقاليمها.
وهي (السابحات سبحًا)، تتحرك في الهواء، وتسير في الجواء سيرًا سريعًا، وهي السيارات من كواكب وأقمار.
وهي (السابقات) في سبحها، فتتم دورتها حول ما تدور عليه في مدة أسرع مما يتمم غيرها: كالقمر يتمم دورته في شهر قمري، وكالأرض تتم دورتها في سنة شمسية ونحو ذلك من السيارات ومنها ما لا يتمم دورته إلا في سنين، لكن السابقات هي التي انفردت بتدبير بعض الأمور الكونية في عالمنا الأرضي، كما قال (فالمدابرات أمرًا)، وليس التدبير إلا ظهور الأثر، فسبْق القمر عَلَّمنا حساب شهوره، وله من الأثر في السحاب والمطر، وفي البحر من المد والجزر، ولضيائه أيام امتلائه من الفوائد في تصريف منافع الناس والحيوان ما لا يخفى على ذي بصيرة.
وسَبْق الشمس في أبراجها -على ما يرى للناظر- عَلَّمنا حساب شهورها، وسَبْقها إلى تتميم دورتها السنوية، علمنا حساب السنين من جهة، وخالف بين فصول السنة من جهة أخرى.
واختلاف الفصول من أسباب حياة النبات والحيوان، ونسبة التدبير إليها لأنها أسباب ما نستفيده منها.
والمدبر الحكيم هو اللَّه جل شأنه.
(الراجفة) الأرض بمن عليها و(الرادفة) السماء وما فيها، تردفها أي تتبعها فتنشق وتنتشر كواكبها.
(الواجفة) شديد الاضطراب.
(أبصارها خاشعة) أي ذليلة، وأضاف الأبصار إلى ضمير القلوب لأنه أراد من وجيف القلوب شدة الخوف الواقع بأربابها، فهي كناية عنهم.
(الحافرة) الحالة الأولى، أي الحياة بعد الموت ظنوها حياتهم الأولى.
يقال رجع فلان في حافرته أي في طريقه التي جاء فيها.
و(النخرة) البالية الجوفاء التي تمر فيها الرياح و(الكرة) الواحدة من الكر، أي الرجوع، و(الخاسرة) التي يخسر أربابها ولا يربحون.
و(الزجرة) الصيحة يراد بها النفخة الثانية يبعث بها الأموات.
و(الساهرة) الأرض البيضاء، سميت بذلك لأن السراب يجري فيها، من قولهم عين ساهرة أي جارية الماء لا ينقطع جريانه منها.
(هل أتاك إلخ) يريد اللَّه أن يُذَكِّر نبيه بدعوة موسى لفرعون، وأمر اللَّه لنبيه موسى بالتلطف في القول واللين في الدعوة إلى الحق، موافاة للحكمة، وإقامة للحجة في الموعظة، ثم بما كان من عاقبة الدعوة، وعصيان فرعون، واستنكافه عن قبولها، وأخذ اللَّه له، وتنكيله به في الدنيا والآخرة حيث أغرقه، وفي الآخرة سيحرقه.
وفي ذلك تسلية له ووعد له بالفوز كما فاز موسى.
وفيه وعيد شديد لأولئك الذين كانوا يكذبون ما جاء به من التوحيد ووجوب الإيمان باليوم الآخر، وإنذارهم لهم بأن من أهلك فرعون في عتوه وجبروته قادر على إهلاكهم.
(الوادي المقدس) واد في أسفل جبل طور سيناء من برية الشام.
و(طوى) إما اسم لذلك الوادي، أو هو بمعنى مرتين، أي الوادي الذي قدس مرة بعد أخرى.
و(طغى) جاوز الحد في العدوان على رعيته من بني إسرائيل، وغلا في الكبر والعظمة حتى ظن أنه مظهر الألوهية.
هل لك إلى كذا؟
أي: هل ترغب فيه؟
ويقال: هل لك في كذا؟
وهل لك إلى كذا؟
بمعنى: هل ترغب فيه وترغب إليه؟
و(تزكى) أي تتزكى وتطهر من الشرك وما يتبعه من رذائل الأخلاق، وهو استفهام يقصد به العرض والطلب، وهو أفضل أنواعه وأوفقها باللطف والأدب و(أهديك) أي: هل تحب أن أدلك على ربك فتؤمن به؟
ومتى آمنت خفته وخشيته، فإن خشية اللَّه إنما تكون من العلم.
قال: إنما يخشى اللَّه من عباده.
ومن خشي اللَّه أتَّقاه، ومن أتقاه أمِن عقابه.
(فأراه الآية الكبرى) أي لما لم يقنع بالدليل القولي أظهر له آية ودليلًا يراه بعينه، وهو انقلاب العصا حية، ومع ذلك كذب الداعي وعصى سلطان البرهان.
(ثم أدبر) أي ترك موسى وانقلب (يسعى) في مكايدته (فحشر) أي جمع سحرته وأعوانه وقام فيهم يقول أنا ربكم الأعلى، فلا سلطان يعلو سلطاني.
ولم يزل في عتوه حتى تبع موسى وقومه إلى البحر الأحمر عند خروجهم من مصر، فأغرقه اللَّه في البحر هو وجنوده، وهو معنى قوله (فأخذه اللَّه نكال الآخرة والأولى) أي أن أخذ اللَّه لم يكن قاصرًا على الإغراق في البحر، بل نكل به وعذبه عذاب الآخرة: وهي يوم القيامة، والأولى: وهي هذه الدنيا.
(إن في ذلك لعبرة) أي موعظة (لمن يخشى) أي يخاف، أي لمن له عقل يتدبر به عواقب الأمور ومصائرها، فينظر في حوادث الماضين وأحوال الحاضرين ويتعظ به.
(أأنتم أشد خلقًا) عود إلى خطاب أولئك المكذبين المغرورين لتقريعهم وتسفيه أحلامهم في استبعاد ما يوعدون به من البعث وما يتبعه، أو استبطاء أخذ اللَّه لهم في هذه الدنيا، مع أنه هو الذي أنشأهم وخلقهم أول مرة.
فإن كانوا قد غفلوا عن أنه هو خالقهم فلينظروا إلى السماء وإلى الأرض، ليعلموا أن من خلقهما وأنشأهما لا يصعب عليه خلقهم، ولا يسعهم إنكار أن خالق السماء والأرض هو اللَّه، فكيف ينكرون أنه خالقهم وأنه القادر على إعادتهم كما بدأهم؟
(أشد خلقًا) أصعب إنشاء.
(بناها) بيان لكيفية خلقة السماء.
والبناء ضم الأجزاء المتفرقة بعضها إلى بعض مع ربطها بما يمسكها حتى يكون عنها بنية واحدة.
وهكذا صنع اللَّه بالكواكب: وضع كلًا منها على نسبة من الآخر مع ما يمسك كلًا في مداره حتى كان عنها عالم واحد في النظر سمي باسم واحد وهو السماء التي تعلونا، وهو معنى قوله (رفع سمكها فسواها) والسمك قامة كل شيء، فقد رفع أجرامها فوق رؤوسنا (فسواها) عدلها بوضع كل جرم في موضعه.
(أغطش الليل) أظلمه.
وغطش الليل أظلم، ونسبة الليل إلى السماء لأنه يكون بمغيب كواكبها.
و(ضحاها) نورها وضوء شمسها.
قال تعالى: والشمس وضحاها أي ضوؤها.
وتعاقب الليل والنهار واختلاف الفصول التابع لحركة بعض السيارات يهيئ الأرض للسكنى، وهو معنى قوله: (والأرض بعد ذلك) تسوية السماء على الوجه السابق وإبراز الأضواء.
(دحاها) أي مهدها وجعلها قابلة للسكنى، وذلك بأن (أخرج منها ماءها) بتفجير الينابيع والعيون والأنهار، (ومرعاها) أي رعيها، وهو النبات الذي يأكل منه الناس والدواب.
وتثبيت الجبال وجعلها مانعة من اضطراب الأرض من تتمة التمهيد وإعداد الأرض لسكنى الأحياء، وهو متأخر عن الاستعداد الأول لإثبات النبات وإن كان بروز الجبال سابقًا على ذلك.
وقد جعل اللَّه ذلك كله ليتمتع به الناس والأنعام، أفلا يكون صانع ذلك كله هو صانعكم؟
أفلا يكون خالقكم وواهبكم ما به تحبون، ورافع السماء فوقكم، وممهد الأرض تحتكم، قادرًا على بعثكم؟
وهل يليق به أن يترككم سدى أن دبركم هذا التدبير، ووفر لكم هذا الخير الكثير.
(فإذا جاءت إلخ) لما تبين أنه القادر على نشر الأموات، كما قَدَر على خلق الأكوان، تبيّن صدق ما أوحى به إلى نبيه من أن ذلك اليوم الذي يقوم فيه الناس لرب العالمين لا بد منه.
فإذا جاءت طامته الكبرى التي تفوق كل طامة، ووقت مجيئها هو ذلك اليوم الذي تعرض فيه الأعمال على العالمين، فيتذكر كل سعيه وعمله، يوم يظهر اللَّه فيه الجحيم ودار العذاب للعيان، فيراها كل من له بصر.
في ذلك اليوم يوزع الجزاء على الأعمال.
(فأما من طغى) وجاوز حدود اللَّه المضروبة في أحكامه، وفضل لذائذ الحياة الدنيا على ثواب الآخرة، فدار العذاب مأواه ومستقره.
وأما من عرف بسطة السلطان الإلهي، فخاف ذلك الجلال الرفيع، وزجر نفسه عن هواها الباطل الذي يميل بها إلى اتباع الشهوات، فالجنة مأواه.
فعلى هذا يكون جواب إذا محذوفًا للإيجاز، دل عليه التقسيم في قوله: فأما من طغى، وتقديره وزع الجزاء على العمل فأما إلخ.
(الطامة الكبرى) الداهية التي تطم على الدواهي، أي تغلب وتعلو.
(مقام ربه) يراد منه جلاله وعظمته، وإلا فهو منزه عن المقام والقيام.
(المأوى) في الموضعين هو المستقر والمقام.
والتعريف إشارة إلى أنه معلوم لا شبهة فيه.
(يسألونك عن الساعة إلخ)، كان أهل العناد من قريش يعنتون رسول اللَّه بالسؤال عن وقت الساعة ومتى يقيمها اللَّه، فكان النبي يردد في نفسه ما يقولون ويتمنى لو أمكن الجواب عما يسألون، كما هو شأن الحريص على الهداية، الجاهد في الإقناع.
فنهاه اللَّه عن تمني ما لا يرجى، وجاء بالنهي في صورة الاستفهام الإنكاري حيث قال: فيم أنت من ذكراها؟
أي ما هذه الذكرى الدائمة؟
لست في شيء منها، أي لا حاجة لك بها، فإن علم ذلك ينتهي إلى ربك.
وإنما شأنك أن تنذر من يخافها، فتنبهه من غفلته حتى يستعد لما يلقاه يومها.
أما هؤلاء المعاندون فدعهم فإنهم لا يعقلون، ولا تشتغل بالجواب عما يسألون.
فإذا جاءت الساعة ذهبت صورة كل زمان مضى من أذهانهم، سواء طال أو قصر، فحسبوا أنهم لم يلبثوا من يوم خلقوا إلى يوم بعثوا إلا عشية أو ضحاها، أي طرفًا من أطراف النهار، لا نهارًا كاملًا، وذلك لمفاجأتها لهم على غير استعداد لتوقعها.
(الساعة) ساعة يبعث الناس، وهي يوم القيامة.
(أيان مرساها) أي متى إرساؤها أي إقامتها، ومتى حصولها.
(فيم أنت) أي: في أي شيء أنت من مداومة تذكرها؟
أو: في أي شيء أنت من ذكرها لهم وإخبارهم بوقتها؟
أي: لست في شيء من هذا.
أي ليس من شأنك أن تذكر لهم من خبرها شيئًا سوى أنك تنذر من يخافها.
و(العشية) طرف النهار من آخره، و(الضحى) طرفه من أوله.
وإضافة الضحى إلى ضمير العشية إشارة إلى أن العشية والضحى من يوم واحد.
فهم يحسبون أنهم لم يلبثوا إلا بعض يوم واحد، كما قال لم يلبثوا إلا ساعة من نهار.
واللبث الإقامة.