الآية ٣٠ من سورة النازعات

الإسلام > القرآن > سور > سورة 79 النازعات > الآية ٣٠ من سورة النازعات

وَٱلْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَىٰهَآ ٣٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 94 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٠ من سورة النازعات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٠ من سورة النازعات عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( والأرض بعد ذلك دحاها ) فسره بقوله : ( أخرج منها ماءها ومرعاها ) وقد تقدم في سورة " حم السجدة " أن الأرض خلقت قبل السماء ، ولكن إنما دحيت بعد خلق السماء ، بمعنى أنه أخرج ما كان فيها بالقوة إلى الفعل .

وهذا معنى قول ابن عباس ، وغير واحد ، واختاره ابن جرير .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي ، حدثنا عبيد الله - يعني ابن عمرو - عن زيد بن أبي أنيسة ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( دحاها ) ودحيها أن أخرج منها الماء والمرعى ، وشقق [ فيها ] الأنهار ، وجعل فيها الجبال والرمال والسبل والآكام ، فذلك قوله : ( والأرض بعد ذلك دحاها ) وقد تقدم تقرير ذلك هنالك .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ) اختلف أهل التأويل في معنى قوله ( بَعْدَ ذَلكَ ) فقال بعضهم: دُحِيت الأرض من بعد خَلق السماء.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله حيث ذكر خلق الأرض قبل السماء، ثم ذكر السماء قبل الأرض، وذلك أن الله خَلق الأرض بأقواتها من غير أن يدحوها قبل السماء، ثم استوى إلى السماء فسوّاهنّ سبع سماوات ، ثم دحا الأرض بعد ذلك، فذلك قوله: ( وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ) .

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ) يعني: أن الله خلق السماوات والأرض، فلما فرغ من السماوات قبل أن يخلق أقوات الأرض فيها بعد خلق السماء، وأرسى الجبال، يعني بذلك دحْوَها الأقوات، ولم تكن تصلح أقوات الأرض ونباتها إلا بالليل والنهار، فذلك قوله: ( وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ) ألم تسمع أنه قال: ( أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا ) .

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن حفص، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: وضع البيت على الماء على أربعة أركان قبل أن يخلق الدنيا بألفي عام، ثم دُحيت الأرض من تحت البيت .

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الأعمش، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو، قال: خلق الله البيت قبل الأرض بألفي سنة، ومنه دُحيت الأرض .

وقال آخرون: بل معنى ذلك: والأرض مع ذلك دحاها، وقالوا: الأرض خُلِقت ودُحِيت قبل السماء، وذلك أن الله قال: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ .

قالوا: فأخبر الله أنه سوّى السماوات بعد أن خلق ما في الأرض جميعا، قالوا فإذا كان ذلك كذلك، فلا وجه لقوله: ( وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ) إلا ما ذكرنا من أنه مع ذلك دحاها قالوا: وذلك كقول الله عز وجلّ: عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ .

بمعنى: مع ذلك زنيم، وكما يقال للرجل: أنت أحمق، وأنت بعد هذا لئيم الحسب، بمعنى: مع هذا، وكما قال جلّ ثناؤه: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ : أي من قبل الذكر، واستشهد بقول الهُذَليّ: حَـمِدْتُ إلَهِـي بَعْـدَ عُـرْوَةَ إذْ نَجَـا خِـراشٌ وبَعْضُ الشِّر أهْوَنُ مِنْ بَعْضِ (1) وزعموا أن خراشا نجا قبل عروة.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن خَصِيفٍ، عن مجاهد ( وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ) قال: مع ذلك دحاها .

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، أنه قال: والأرْضَ عِنْدَ ذَلكَ دَحاها.

حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا عليّ بن معبد، قال: ثنا محمد بن سلمة، عن خصيف، عن مجاهد ( وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ) قال: مع ذلك دحاها .

حدثني محمد بن خلف العسقلاني، قال: ثنا روّاد بن الجرّاح، عن أبي حمزة، عن السدي في قوله: ( وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ) قال: مع ذلك دحاها .

والقول الذي ذكرناه عن ابن عباس من أن الله تعالى خلق الأرض، وقدّر فيها أقواتها، ولم يدحها، ثم استوى إلى السماء، فسوّاهن سبع سماوات ، ثم دحا الأرض بعد ذلك، فأخرج منها ماءها ومرعاها، وأرسى جبالها، أشبه بما دلّ عليه ظاهر التنـزيل، لأنه جلّ ثناؤه قال: ( وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ) والمعروف من معنى " بَعْدَ " أنه خلاف معنى " قَبْل " وليس في دحوِّ الله الأرض بعد تسويته السماوات السبع، وإغطاشه ليلها، وإخراجه ضحاها، ما يوجب أن تكون الأرض خُلقت بعد خلق السماوات لأن الدحوّ إنما هو البسط في كلام العرب، والمدّ يقال منه: دحا يدحو دَحْوا، ودَحيْتُ أدْحي دَحْيا، لغتان؛ ومنه قول أُميَّة بن أبي الصلت: دَارٌ دَحاهــا ثُــمَّ أعْمَرَنــا بِهــا وَأقـامَ بـالأخْرَى الَّتِـي هـي أمجـدُ (2) وقول أوس بن حجر في نعت غيث: يَنْفِي الحصَى عن جديد الأرْضِ مُبْتَرِكٌ كأنَّــه فــاحِصٌ أو لاعِـبٌ داحِـي (3) وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ) : أي بسطها .

حدثني محمد بن خلف، قال: ثنا رَوّاد، عن أبي حمزة، عن السدي ( دَحَاها ) قال: بسطها .

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان: ( دَحَاها ) بسطها .

وقال ابن زيد في ذلك ما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( دَحَاها ) قال: حرثها شقَّها وقال: ( أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا ) ، وقرأ: ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا ...

حتى بلغ وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ، وقال حين شقَّها أنْبتَ هذا منها، وقرأ وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ .

------------------------ الهوامش: (1) البيت لأبي خراش الهذلي ( شرح التبريزي على الحماسة 2 : 43 ) من قصيدة له قالها في أخيه عروة وابنه خراش بن أبي خراش ، وكان قوم من العرب أسروهما ، فقتلوا عروة ، ونجا خراش وقد ذهب المؤلف إلى أن ( بعد ) في البيت بمعنى ( مع ) وكأن الشاعر يقول : حمدت إلهي على نجاة خراش ، مع ما أصبت به من قتل عروة أخي وانظر ( ديوان الهذليين 2 : 157 ) (2) البيت لأمية بن أبي الصلت ( ديوانه 63 عن تفسير الطبري ) وفي ( اللسان : دحا ) الدحو البسط دحا الأرض يدحوها دحوا : بسطها .

ودحيت الشيء أدحاه : بسطته ، لغة في دحوته ، حكاها اللحياني .

وقال أبو عبيدة في مجاز القرآن ( 184 ) دحاها : بسطها .

تقول : دحوت ودحيت .

ا .

هـ .

(3) البيت في ( اللسان : دحا ) وفي الشطر الأول منه : " ينزع جلد الحصى أجش مبترك " .

وهو وصف غيث .

يقال : دحا المطر الحصى عن وجه الأرض دحوا : نزعه ، والمطر الداحي : الذي ينزع الحصى عن وجه الأرض ، والأجش : الذي في صوته خشونة .

والمبترك : المعتمد على الشيء ، الملح عليه .

والفاحص : الذي يفحص الأرض وينبشها ويحتفرها .

والداحي : الذي يلعب بالمداحي ، وهي أحجار أمثال القرصة ، كانوا يحفرون حفرة ويدحون فيها تلك الأحجار ، فإن وقع الحجر فيها غلب صاحبها ، وإن لم يقع غلب .

والدحو : هو رمي اللاعب بالحجر والجوز وغيره ، وتسمى الحفرة أدحية .

والبيت شاهد كالذي قبله .

والبيت متنازع في نسبته بين أوس وعبيد بن الأبرص .

وهو في ديوان أوس ص 3 ، وفي ديوان عبيد 35 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

والأرض بعد ذلك دحاها أي بسطها .

وهذا يشير إلى كون الأرض بعد السماء .

وقد مضى القول فيه في أول ( البقرة ) عند قوله تعالى : هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء مستوفى والعرب تقول : دحوت الشيء أدحوه دحوا : إذا بسطته .

ويقال لعش النعامة أدحي ; لأنه مبسوط على وجه الأرض .

وقال أمية بن أبي الصلت :وبث الخلق فيها إذ دحاها فهم قطانها حتى التناديوأنشد المبرد :دحاها فلما رآها استوت على الماء أرسى عليها الجبالاوقيل : دحاها سواها ; ومنه قول زيد بن عمرو :وأسلمت وجهي لمن أسلمت له الأرض تحمل صخرا ثقالادحاها فلما استوت شدها بأيد وأرسى عليها الجبالاوعن ابن عباس : خلق الله الكعبة ووضعها على الماء على أربعة أركان ، قبل أن يخلق الدنيا بألف عام ، ثم دحيت الأرض من تحت البيت .

وذكر بعض أهل العلم أن ( بعد ) في موضع ( مع ) كأنه قال : والأرض مع ذلك دحاها ; كما قال تعالى : عتل بعد ذلك زنيم .

ومنه قولهم : أنت أحمق وأنت بعد هذا سيئ الخلق ، قال الشاعر :فقلت لها عني إليك فإنني حرام وإني بعد ذاك لبيبأي مع ذلك لبيب .

وقيل : " بعد " بمعنى " قبل " ; كقوله تعالى : ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أي من قبل الفرقان ، قال أبو خراش الهذلي :حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا خراش وبعض الشر أهون من بعضوزعموا أن خراشا نجا قبل عروة .

وقيل : دحاها : حرثها وشقها .

قاله ابن زيد .[ ص: 177 ] وقيل : دحاها مهدها للأقوات .

والمعنى متقارب وقراءة العامة ( والأرض ) بالنصب ، أي دحا الأرض .

وقرأ الحسن وعمرو بن ميمون ( والأرض ) بالرفع ، على الابتداء ; لرجوع الهاء .

ويقال : دحا يدحو دحوا ودحى يدحى دحيا ; كقولهم : طغى يطغى ويطغو ، وطغي يطغى ، ومحا يمحو ويمحى ، ولحى العود يلحى ويلحو ، فمن قال : يدحو قال دحوت ومن قال يدحى قال دحيت .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ } أي: بعد خلق السماء { دَحَاهَا } أي: أودع فيها منافعها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( والأرض بعد ذلك ) بعد خلق السماء ( دحاها ) بسطها ، والدحو البسط .

قال ابن عباس : خلق الله الأرض بأقواتها من غير أن يدحوها قبل السماء ، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات ، ثم دحا الأرض بعد ذلك .

وقيل : معناه : والأرض مع ذلك دحاها ، كقوله - عز وجل - : " عتل بعد ذلك زنيم " ( القلم - 13 ) أي مع ذلك .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«والأرض بعد ذلك دحاها» بسطها وكانت مخلوقة قبل السماء من غير دحو.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أبَعْثُكم أيها الناس- بعد الموت أشد في تقديركم أم خلق السماء؟

رفعها فوقكم كالبناء، وأعلى سقفها في الهواء لا تفاوت فيها ولا فطور، وأظلم ليلها بغروب شمسها، وأبرز نهارها بشروقها.

والأرض بعد خلق السماء بسطها، وأودع فيها منافعها، وفجَّر فيها عيون الماء، وأنبت فيها ما يُرعى من النباتات، وأثبت فيها الجبال أوتادًا لها.

خلق سبحانه كل هذه النعم منفعة لكم ولأنعامكم.

(إن إعادة خلقكم يوم القيامة أهون على الله من خلق هذه الأشياء، وكله على الله هين يسير).

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم انتقلت الآيات الكريمة من الاستدلال على قدرته - تعالى - عن طريق خلق السماء ، إلى الاستدلال على قدرته عن طريق خلق الأرض فقال : ( والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ) .ولفظ " الأرض " منصوب على الاشتغال .

واسم الإِشارة " ذلك " يعود إلى خلق السماء وتسويتها ورفعها وإغطاش ليلها .

وقوله ( دَحَاهَا ) من الدحو بمعنى البسط ، تقول : دحوت الشئ أدحوه ، إذا بسطته .

.أى : خلق - سبحانه - السماء وسواها ، وأغطش ليلها وأخرج ضحاها ، والأرض بعد كل ذلك الخلق البديع للسماء ، بسطها وأوسعها لتكون مستقرا لكم وموضعا لتقبلكم عليها .

.وقد أخذ بعض العلماء من هذه الآية ، تأخر خلق الأرض عن خلق السماء .

.وجمهور العلماء على أن خلق الأرض متقدم على خلق السماء ، بدليل قوله - تعالى - : ( هُوَ الذي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً ثُمَّ استوى إِلَى السمآء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) قالوا فى الجمع بين هذه الآية التى معنا ، وبين آية سورة البقرة ، بما روى عن ابن عباس من أنه سئل عن الجمع بين هاتين الآيتين فقال : خلق الله - تعالى - الأرض أولا غير مدحوة ، ثم خلق السماء ، ثم دحا الأرض بعد ذلك ، وجعل فيها الرواسى والأنهار وغيرهما .

أى : أن أصل خلق الأرض كان قبل خلق السماء ، ودحوها بجبالها وأشجارها ، كان بعد خلق السماء .وقالوا - أيضا - فى وجه الجمع ، إن لفظ بعد فى قوله - تعالى - ( بَعْدَ ذَلِكَ ) بمعنى مع .

أى : والأرض مع ذلك بسطها ومهدها لسكنى أهلها فيها .

.وقدم - سبحانه - هنا خلق السماء على الأرض ، لأنه أدل على القدرة الباهرة ، لعظم السماء وانطوائها على الأعاجيب .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: دحاها بسطها، قال زيد بن عمرو بن نفيل: دحاها فلما رآها استوت *** على الماء أرسى عليها الجبالا وقال أمية بن أبي الصلت: دحوت البلاد فسويتها *** وأنت على طيها قادر قال أهل اللغة في هذه اللفظة لغتان دحوت أدحو، ودحيت أدحى، ومثله صفوت وصفيت ولحوت العود ولحيته وسأوت الرجل وسأيته وبأوت عليه وبأيت، وفي حديث علي عليه السلام: «اللهم داحي المدحيات» أي باسط الأرضين السبع وهو المدحوات أيضاً، وقيل: أصل الدحو الإزالة للشيء من مكان إلى مكان، ومنه يقال: إن الصبي يدحو بالكرة أي يقذفها على وجه الأرض، وأدحى النعامة موضعه الذي يكون فيه أي بسطته وأزلت ما فيه من حصى، حتى يتمهد له، وهذا يدل على أن معنى الدحو يرجع إلى الإزالة والتمهيد.

المسألة الثانية: ظاهر الآية يقتضي كون الأرض بعد السماء، وقوله: في حمالسجدة، ﴿ ثُمَّ استوى إِلَى السماء  ﴾ يقتضي كون السماء بعد الأرض، وقد ذكرنا هذه المسألة في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ ثُمَّ استوى إِلَى السماء  ﴾ ولا بأس بأن نعيد بعض تلك الوجوه: أحدها: أن الله تعالى خلق الأرض أولاً ثم خلق السماء ثانياً ثم دحى الأرض أي بسطها ثالثاً، وذلك لأنها كانت أولاً كالكرة المجتمعة، ثم إن الله تعالى مدها وبسطها، فإن قيل الدلائل الاعتبارية دلت على أن الأرض الآن كرة أيضاً، وإشكال آخر وهو أن الجسم العظيم يكون ظاهره كالسطح المستوي، فيستحيل أن يكون هذا الجسم مخلوقاً ولا يكون ظاهره مدحواً مبسوطاً.

وثانيها: أن لا يكون معنى قوله: ﴿ دحاها ﴾ : مجرد البسط، بل يكون المراد أنه بسطها بسطاً مهيأ لنبات الأقوات وهذا هو الذي بينه بقوله: ﴿ أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا ومرعاها  ﴾ وذلك لأن هذا الاستعداد لا يحصل للأرض إلا بعد وجود السماء فإن الأرض كالأم والسماء كالأب، وما لم يحصلا لم تتولد أولاً المعادن والنباتات والحيوانات.

وثالثها: أن يكون قوله: ﴿ والأرض بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ أي مع ذلك كقوله: ﴿ عُتُلٍ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ  ﴾ أي مع ذلك، وقولك للرجل أنت كذا وكذا ثم أنت بعدها كذا لا تريد به الترتيب، وقال تعالى: ﴿ فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ﴾ إلى قوله: ﴿ ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين ءَامَنُواْ  ﴾ والمعنى وكان مع هذا من أهل الإيمان بالله، فهذا تقرير ما نقل عن ابن عباس ومجاهد والسدي وابن جريج أنهم قالوا في قوله: ﴿ والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دحاها ﴾ أي مع ذلك دحاها.

المسألة الثالثة: لما ثبت أن الله تعالى خلق الأرض أولاً ثم خلق السماء ثانياً، ثم دحى الأرض بعد ذلك ثالثاً، ذكروا في تقدير تلك الأزمنة وجوهاً.

روي عن عبد الله بن عمر خلق الله البيت قبل الأرض بألفي سنة، ومنه دحيت الأرض واعلم أن الرجوع في أمثال هذه الأشياء إلى كتب الحديث أولى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الخطاب لمنكرى البعث، يعني ﴿ أَءَنتُمْ ﴾ أصعب ﴿ خَلْقاً ﴾ وإنشاء ﴿ أَمِ السمآء ﴾ ثم بين كيف خلقها فقال ﴿ بناها ﴾ ثم بين البناء فقال ﴿ رَفَعَ سَمْكَهَا ﴾ أي جعل مقدار ذهابها في سمت العلو مديداً رفيعاً مسيرة خمسمائة عام ﴿ فَسَوَّاهَا ﴾ فعدلها مستوية ملساء، ليس فيها تفاوت ولا فطور.

أو فتممها بما علم أنها تتم به وأصلحها، من قولك: سوى فلان أمر فلان.

غطش الليل وأغطشه الله، كقولك: ظلم وأظلمه.

ويقال أيضاً: أغطش الليل، كما يقال أظلم ﴿ وَأَخْرَجَ ضحاها ﴾ وأبرز ضوء شمسها، يدل عليه قوله تعالى: ﴿ والشمس وضحاها ﴾ [الشمس: 1] ، يريد وضوئها.

وقولهم: وقت الضحى، للوقت الذي تشرق فيه الشمس ويقوم سلطانها؛ وأضيف الليل والشمس إلى السماء، لأن الليل ظلها والشمس هي السراج المثقب في جوها ﴿ مَاءهَا ﴾ عيونها المتفجرة بالماء ﴿ ومرعاها ﴾ ورعيها، وهو في الأصل موضع الرعى.

ونصب الأرض والجبال بإضمار ﴿ دحا ﴾ و ﴿ أرسى ﴾ وهو الإضمار على شريطة التفسير.

وقرأهما الحسن مرفوعين على الابتداء.

فإن قلت: هلا أدخل حرف العطف على أخرج؟

قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يكون معنى ﴿ دحاها ﴾ بسطها ومهدها للسكنى، ثم فسر التمهيد بما لابد منه في تأتي سكناها، من تسوية أمر المأكل والمشرب؛ وإمكان القرار عليها، والسكون بإخراج الماء والمرعى، وإرساء الجبال وإثباتها أوتادا لها حتى تستقر ويستقر عليها.

والثاني: أن يكون ﴿ وأَخْرَجَ ﴾ حالاً بإضمار (قد) كقوله: ﴿ أَوْ جَاؤكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ [النساء: 90] وأراد بمرعاها: ما يأكل الناس والأنعام.

واستعير الرعي للإنسان كما استعير الرتع في قوله: ﴿ نَرتعُ وَنَلْعَبُ ﴾ [يوسف: 12] وقرئ: ﴿ نرتع ﴾ من الرعى؛ ولهذا قيل: دلّ اللَّه سبحانه بذكر الماء والمرعى على عامة ما يرتفق به ويتمتع مما يخرج من الأرض حتى الملح، لأنه من الماء ﴿ متاعا لَّكُمْ ﴾ فعل ذلك تمتيعاً لكم ﴿ ولأنعامكم ﴾ لأن منفعة ذلك التمهيد واصلة إليهم وإلى أنعامهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها ﴾ بَسَطَها ومَهَّدَها لِلسُّكْنى.

﴿ أخْرَجَ مِنها ماءَها ﴾ بِتَفْجِيرِ العُيُونِ.

﴿ وَمَرْعاها ﴾ ورَعْيَها وهو في الأصْلِ لِمَوْضِعِ الرَّعْيِ، وتَجْرِيدُ الجُمْلَةِ عَنِ العاطِفِ لِأنَّها حالٌ بِإضْمارِ قَدْ أوْ بَيانٌ لِلدَّحْوِ.

﴿ والجِبالَ أرْساها ﴾ أثْبَتَها وقُرِئَ «والأرْضُ» و «الجِبالُ» بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، وهو مَرْجُوحٌ لِأنَّ العَطْفَ عَلى فِعْلِيَّةٍ.

﴿ مَتاعًا لَكم ولأنْعامِكُمْ ﴾ تَمْتِيعًا لَكم ولِمَواشِيكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)

{والأَرْضَ بَعْدَ ذلك دَحَاهَا} بسطها وكانت مخلوقة غير مدحوة

فدحيت من مكة بعد خلق السماء بألفي عام ثم فسر البسط فقال

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن خَلْقِ السَّماءِ وإغْطاشِ اللَّيْلِ وإخْراجِ النَّهارِ دُونَ خَلْقِ السَّماءِ فَقَطْ، وانْتِصابُ ( الأرْضِ ) بِمُضْمَرٍ قِيلَ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: تَذَكَّرْ أوْ تَدَبَّرْ أوِ اذْكُرْ وسَتَعْلَمُ ما في ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ دَحاها ﴾ بَسَطَها ومَدَّها لِسُكْنى أهْلِها وتَقَلُّبِهِمْ في أقْطارِها مِنَ الدَّحْوِ أوِ الدَّحْيِ بِمَعْنى البَسْطِ، وعَلَيْهِ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ: وبَثَّ الخَلْقَ فِيها إذْ دَحاها فَهم قُطّانُها حَتّى التَّنادِي وقِيلَ: ﴿ دَحاها ﴾ سَوّاها، وأنْشَدُوا قَوْلَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: وأسْلَمْتُ وجْهِي لِمَن أسْلَمَتْ ∗∗∗ لَهُ الأرْضُ تَحْمِلُ صَخْرًا ثِقالا دَحاها فَلَمّا اسْتَوَتْ شَدَّها ∗∗∗ بِأيْدٍ وأرْسى عَلَيْها الجِبالا والأكْثَرُونَ عَلى الأوَّلِ، وأنْشَدَ الإمامُ بَيْتَ زَيْدٍ فِيهِ، والظّاهِرُ أنَّ دَحْوَها بَعْدَ خَلْقِها، وقِيلَ: مَعَ خَلْقِها فالمُرادُ خَلْقُها مَدْحُوَّةً، ورُوِيَ الأوَّلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ودُفِعَ بِهِ تَوَهُّمُ تَعارُضٍ بَيْنَ آيَتَيْنِ، أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: آيَتانِ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى تُخالِفُ إحْداهُما الأُخْرى، فَقالَ: إنَّما أُتِيتَ مِن قِبَلِ رَأْيِكَ؛ اقْرَأْ قالَ: ﴿ قُلْ أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ ﴾ - حَتّى بَلَغَ - ﴿ ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ ﴾ وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿ والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها ﴾ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماءَ، ثُمَّ خَلَقَ السَّماءَ ثُمَّ دَحا الأرْضَ بَعْدَ ما خَلَقَ السَّماءَ، وإنَّما قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ دَحاها ﴾ بَسَطَها، وتَعَقَّبَهُ الإمامُ بِأنَّ الجِسْمَ العَظِيمَ يَكُونُ ظاهِرُهُ كالسَّطْحِ المُسْتَوِي ويَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ هَذا الجِسْمُ العَظِيمُ مَخْلُوقًا ولا يَكُونُ ظاهِرُهُ مَدَحُوًّا مَبْسُوطًا، وأُجِيبَ أنَّهُ لَعَلَّ مُرادَ القائِلِ بِخَلْقِها أوَّلًا ثُمَّ دَحْوِها ثانِيًا خَلْقُ مادَّتِها أوَّلًا ثُمَّ تَرْكِيبُها وإظْهارُها عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ والشَّكْلِ مَدْحُوَّةً مَبْسُوطَةً، وهَذا كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ ﴾ إنَّ السَّماءَ خُلِقَتْ مادَّتُها أوَّلًا ثُمَّ سُوِّيَتْ وأُظْهِرَتْ عَلى صُورَتِها اليَوْمَ، وعَنِ الحَسَنِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّها كانَتْ يَوْمَ خُلِقَتْ قَبْلَ الدَّحْوِ كَهَيْئَةِ الفِهْرِ، ويُشْعِرُ بِأنَّها لَمْ تَكُنْ عَلى عِظَمِها اليَوْمَ، وتَعَقَّبَهُ بَعْضُهم بِشَيْءٍ آخَرَ؛ وهو أنَّهُ يَأْبى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ ﴾ الآيَةَ.

فَإنَّهُ يُفِيدُ أنَّ خَلْقَ ما في الأرْضِ قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ خَلْقَ ما فِيها إنَّما هو بَعْدَ الدَّحْوِ فَكَيْفَ يَكُونُ الدَّحْوُ بَعْدَ خَلْقِ السَّماواتِ، وأُجِيبَ بِأنَّ ( خَلَقَ ) في الآيَةِ بِمَعْنى قَدَّرَ أوْ أرادَ الخَلْقَ ولا يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِهِ فِيها الإيجادُ بِالفِعْلِ ضَرُورَةَ أنَّ جَمِيعَ المَنافِعِ الأرْضِيَّةِ يَتَجَدَّدُ إيجادُها أوَّلًا فَأوَّلًا سَلَّمْنا أنَّ المُرادَ الإيجادُ بِالفِعْلِ لَكِنْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ خَلْقَ مادَّةِ ذَلِكَ بِالفِعْلِ، ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ ( ثُمَّ ) عَلى التَّراخِي الرُّتَبِيِّ لِأنَّ خَلْقَ السَّماءِ أعْجَبُ مِن خَلْقِ الأرْضِ، وقالَ عِصامُ الدِّينِ: إنَّ ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ هُنا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ﴾ يَعْنِي: فَعَلَ بِالأرْضِ ما فَعَلَ بَعْدَ ما سَمِعَتْ في السَّماءِ، والمُرادُ التَّأْخِيرُ في الأخْبارِ فَخَلْقُ الأرْضِ ودَحْوُها وإخْراجُ مائِها ومَرْعاها وإرْساءُ الجِبالِ عَلَيْها عِنْدَهُ قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ آيَةِ البَقَرَةِ وظاهِرُ آيَةِ الدُّخانِ، وأُيِّدَ حَمْلُ البَعْدِيَّةِ عَلى ما ذُكِرَ بِأنَّ حَمْلَها عَلى ظاهِرِها مَعَ حَمْلِ الإشارَةِ عَلى الإشارَةِ إلى مَجْمُوعِ ما تَقَدَّمَ مِمّا سَمِعْتَ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنَّ إغْطاشَ اللَّيْلِ وإبْرازَ النَّهارِ كانا قَبْلَ خَلْقِ الأرْضِ ودَحْوِها وذَلِكَ مِمّا لا يَتَسَنّى عَلى تَقْدِيرِ أنَّها غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ أصْلًا، ومِمّا يَبْعُدُ عَلى تَقْدِيرِ أنَّها مَخْلُوقَةٌ غَيْرُ عَظِيمَةٍ، وأيْضًا قِيلَ: لَوْ لَمْ تَحْمِلِ البَعْدِيَّةُ ما ذُكِرَ وقِيلَ بِنَحْوِ ما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ مِن تَأخُّرِ الدَّحْوِ عَنْ خَلْقِ السَّماءِ مَعَ تَقَدُّمِ خَلْقِ الأرْضِ مِن غَيْرِ دَحْوٍ عَلى خَلْقِها لَمْ تَنْحَسِمْ مادَّةُ الإشْكالِ؛ إذْ آيَةُ الدُّخانِ ظاهِرَةٌ في أنَّ جَعْلَ الرَّواسِي في الأرْضِ قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ وتَسْوِيَتِها، وهَذِهِ الآيَةُ إلى آخِرِها ظاهِرَةٌ في أنَّ جَعْلَ الرَّواسِي بَعْدُ، وبِالجُمْلَةِ أنَّهُ قَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في أنَّ خَلْقَ السَّماءِ مُقَدَّمٌ عَلى خَلْقِ الأرْضِ أوْ مُؤَخَّرٌ؟

فَقالَ ابْنُ الطّاشْكَبْرِي: نَقَلَ الواحِدِيُّ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّ خَلْقَ السَّماءِ مُقَدَّمٌ عَلى خَلْقِ الأرْضِ، واخْتارَهُ جَمْعٌ لَكِنَّهم قالُوا: إنَّ خَلْقَ ما فِيها مُؤَخَّرٌ، وأجابُوا عَمّا هُنا، وآيَةُ البَقَرَةِ بِأنَّ الخَلْقَ فِيها بِمَعْنى التَّقْدِيرِ أوْ بِمَعْنى الإيجادِ وتَقْدِيرِ الإرادَةِ، وأنَّ البَعْدِيَّةَ هاهُنا لِإيجادِ الأرْضِ وجَمِيعِ ما فِيها وعَمّا هُنا، وآيَةُ الدُّخانِ بِنَحْوِ ذَلِكَ فَقَدَّرُوا الإرادَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ ﴾ وكَذا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ ﴾ وقالُوا: يُؤَيِّدُ ما ذُكِرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقالَ لَها ولِلأرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ ﴾ فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّ المُرادَ ﴿ ائْتِيا ﴾ في الوُجُودِ ولَوْ كانَتِ الأرْضُ مَوْجُودَةً سابِقَةً لَما صَحَّ هَذا فَكَأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ: أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي أرادَ إيجادَ الأرْضِ وما فِيها مِنَ الرَّواسِي والأقْواتِ في أرْبَعَةِ أيّامٍ ثُمَّ قَصَدَ إلى السَّماءِ فَتَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِإيجادِ السَّماءِ والأرْضِ فَأطاعا لِأمْرِ التَّكْوِينِ فَأوْجَدَ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ، وأوْجَدَ الأرْضَ وما فِيها في أرْبَعَةِ أيّامٍ، ونُكْتَةُ تَقْدِيمِ خَلْقِ الأرْضِ وما فِيها في الظّاهِرِ في سُورَتَيِ البَقَرَةِ والدُّخانِ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والعَكْسِ هاهُنا أنَّ المَقامَ في الأوَّلَيْنِ مَقامُ الِامْتِنانِ وتَعْدادِ النِّعَمِ عَلى أهْلِ الكُفْرِ والإيمانِ، فَمُقْتَضاهُ تَقْدِيمُ ما هو نِعْمَةٌ بِالنَّظَرِ إلى المُخاطَبِينَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ فَكَأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ: هو الَّذِي دَبَّرَ أمْرَكم قَبْلَ السَّماءِ ثُمَّ خَلَقَ السَّماءَ.

والمَقامُ هُنا مَقامُ بَيانِ كَمالِ القُدْرَةِ فَمُقْتَضاهُ تَقْدِيمُ ما هو أدَلُّ انْتَهى.

وفِي الكَشْفِ: أطْبَقَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّهُ تَمَّ خَلْقُ الأرْضِ وما فِيها في أرْبَعَةِ أيّامٍ، ثُمَّ خَلَقَ السَّماءَ في يَوْمَيْنِ إلّا ما نَقَلَ الواحِدِيُّ في البَسِيطِ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّ خَلْقَ السَّماءِ مُقَدَّمٌ عَلى إيجادِ الأرْضِ فَضْلًا عَنْ دَحْوِها، والكَلامُ مَعَ مَن فَرَّقَ بَيْنَ الإيجادِ والدَّحْوِ وما قِيلَ إنَّ دَحْوَ الأرْضِ مُتَأخِّرٌ عَنْ خَلْقِ السَّماءِ لا عَنْ تَسْوِيَتِها يُرَدُّ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَإنَّهُ إشارَةٌ إلى السّابِقِ وهو رَفْعُ السُّمْكِ والتَّسْوِيَةُ، والجَوابُ بِتَراخِي الرُّتْبَةِ لا يَتِمُّ لِما نُقِلَ مِن إطْباقِ المُفَسِّرِينَ، فالوَجْهُ أنْ يُجْعَلَ «الأرْضَ» مَنصُوبًا بِمُضْمَرٍ نَحْوَ: تَذَكَّرْ وتَدَبَّرْ واذْكُرِ الأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ، وإنَّ جُعِلَ مُضْمَرًا عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ جُعِلَ بَعْدَ ذَلِكَ إشارَةً إلى المَذْكُورِ سابِقًا مِن ذِكْرِ خَلْقِ السَّماءِ لا خَلْقِ السَّماءِ نَفْسِهِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ مُتَأخِّرٌ في الذِّكْرِ عَنْ خَلْقِ السَّماءِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ قاصِرٌ في الدَّلالَةِ عَنِ الأوَّلِ لَكِنَّهُ تَتْمِيمٌ كَما تَقُولُ جُمَلًا ثُمَّ تَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ كَيْتَ وكَيْتَ، وهَذا كَثِيرٌ في اسْتِعْمالِ العَرَبِ والعَجَمِ وكانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِهَذا المَعْنى عَكْسُهُ إذا اسْتُعْمِلَ لِتَراخِي الرُّتْبَةِ، وقَدْ تُسْتَعْمَلُ «ثُمَّ» بِهَذا المَعْنى وكَذا الفاءُ وهَذا لا يُنافِي قَوْلَ الحَسَنِ: إنَّهُ تَعالى خَلَقَ الأرْضَ في مَوْضِعِ بَيْتِ المَقْدِسِ كَهَيْئَةِ الفِهْرِ عَلَيْها دُخانٌ مُلْتَزِقٌ بِها ثُمَّ أصْعَدَ الدُّخانَ وخَلَقَ مِنهُ السَّماواتِ وأمْسَكَ الفِهْرَ في مَوْضِعِها وبَسَطَ مِنها الأرْضَ؛ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما ﴾ الآيَةَ.

فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَ السَّماءِ دُخانًا سابِقٌ عَلى دَحْوِ الأرْضِ وتَسْوِيَتِها وهو كَذَلِكَ بَلْ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ ﴾ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وإيجادُ الجَوْهَرَةِ النُّورِيَّةِ والنَّظَرُ إلَيْها بِعَيْنِ الجَلالِ المُبَطَّنِ بِالرَّحْمَةِ والجَمالِ وذَوْبُها وامْتِيازُ لَطِيفِها عَنْ كَثِيفِها وصُعُودُ المادَّةِ الدُّخانِيَّةِ اللَّطِيفَةِ وبَقاءُ الكَثِيفِ هَذا كُلُّهُ سابِقٌ عَلى الأيّامِ السِّتَّةِ، وثَبَتَ في الخَبَرِ الصَّحِيحِ ولا يُنافِي الآياتِ، وأمّا ما نَقَلَهُ الواحِدِيُّ عَنْ مُقاتِلٍ واخْتارَهُ الإمامُ فَلا إشْكالَ فِيهِ، ويَتَعَيَّنُ ثَمَّ في سُورَتَيِ البَقَرَةِ والسَّجْدَةِ عَلى تَراخِي الرُّتْبَةِ وهو أوْفَقُ لِمَشْهُورِ قَواعِدِ الحُكَماءِ، لَكِنْ لا يُوافِقُ ما رُوِيَ «أنَّهُ تَعالى خَلَقَ جِرْمَ الأرْضِ يَوْمَ الأحَدِ ويَوْمَ الِاثْنَيْنِ، ودَحاها وخَلَقَ ما فِيها يَوْمَ الثُّلاثاءِ ويَوْمَ الأرْبِعاءِ، وخَلَقَ السَّماواتِ وما فِيها في يَوْمِ الخَمِيسِ والجُمْعَةِ، وفي آخِرِ يَوْمِ الجُمْعَةِ ثُمَّ خَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ» انْتَهى.

والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ أنَّ تَسْوِيَةَ السَّماءِ بِما فِيها سابِقَةٌ عَلى تَسْوِيَةِ الأرْضِ بِما فِيها؛ لِظُهُورِ أمْرِ العِلِّيَّةِ في الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ وأمْرِ المَعْلُولِيَّةِ في الأجْرامِ السُّفْلِيَّةِ، ويُعْلَمُ تَأْوِيلُ ما يُنافِي ذَلِكَ مِمّا سَمِعْتَ، وأمّا الخَبَرُ الأخِيرُ فَفي صِحَّتِهِ مَقالٌ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ، وقَدْ مَرَّ شَيْءٌ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَقامِ، وإنَّما أعَدْنا الكَلامَ فِيهِ تَذْكِيرًا لِذَوِي الأفْهامِ فَتَأمَّلْ.

واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِتَحْصِيلِ المَرامِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم وعظ أهل مكة فقال: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ يعني: أبعثكم بعد الموت أشد، أم خلق السماء في المشاهدة عند الناس، خلق السماء أشد.

فالذي هو قادر على خلق السماء، قادر على البعث.

ثم قال: بَناها يعني: خلق السماء مرتفعة رَفَعَ سَمْكَها أي: سقفها بغير عمد فَسَوَّاها يعني: سوى خلقها.

ويقال: خلقها مستوية، بلا صدع ولا شق وَأَغْطَشَ لَيْلَها يعني: أظلم ليلها وَأَخْرَجَ ضُحاها يعني: أنوار ضحاها، وشمسها ونهارها، فإنها راجعة إلى السماء.

ثم قال عز وجل: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها يعني: بعد خلق الأرض السماء، وبسط الأرض ومدها أَخْرَجَ مِنْها ماءَها يعني: من الأرض ماءها.

يعني: عيونها للناس وَمَرْعاها للدواب والأنعام.

قال القتبي: هذا من جوامع الكلم، حيث ذكر شيئين على جميع ما يخرج من الأرض قوتاً، ومتاعاً للأنعام من العنب، والشجر، والحب، والتمر، والملح والنار، لأن النار من العيدان، والملح من الماء.

ثم قال عز وجل: وَالْجِبالَ أَرْساها يعني: أوتدها وأثبتها مَتاعاً لَكُمْ يعني: منفعة لكم وَلِأَنْعامِكُمْ فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى يعني: الصيحة العظمى، وإنما سميت الطامة، لأنها طمت وعلت فوق كل شيء يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ مَا سَعى يعني: يعلم بكل شيء عمله في الدنيا.

ويقال: يوم ينظر الإنسان في كتابه، بما عمل في الخير والشر وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ يعني: أظهرت الجحيم لِمَنْ يَرى يعني: لمن وجب له فَأَمَّا مَنْ طَغى يعني: كفر وعلا وتكبر.

وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا يعني: اختار ما في الدنيا على الآخرة.

ويقال: اختار العمل للدنيا على الآخرة فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى يعني: مأوى من كان هكذا.

وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ يعني: خاف المقام بين يدي ربه وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى يعني: منع نفسه عن معاصي الله تعالى، وعمل بخلاف ما تهوى في الحرام فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى يعني: مأوى من كان هكذا.

قال علي بن أبي طالب، -  - أخوف ما أخاف عليكم اثنان: طول الأمل، واتباع الهوى.

فأما طول الأمل فينسي الآخرة، وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

هذا «١» ، ونَخِرَةً معناه بالية، وقرأ حمزة «نَاخِرَةٌ» بألف «٢» ، والنَّاخِرةُ المصوِّتَةُ بالريحِ المُجَوَّفَة، وحُكِيَ عَنْ أبي عُبَيْدَة وغيره: أن الناخرةَ والنَّخِرَةَ بمعنًى واحد «٣» ، وقولهم:

تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ أي: إذ هي إلى النارِ لتكذيبِهم بالبعثِ، وقال الحسن: خاسِرَةٌ معناه عندَهم كاذبة، أي: ليست بكائِنةٍ «٤» ، ثم أخبر تعالى عن حالِ القيامةِ فقال: «إنما هي زجرة واحدة» أي: نفخةٌ في الصور، فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ وهي أرضُ المحشر.

وقوله: هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى اسْتِدْعَاءٌ حسنٌ، والتزكِّي: التَّطهرُ من النَقَائِص، والتلبُّسِ بالفَضَائِل، ثم فَسَّر لَه موسى التزكِّي الذِي دَعَاه إليه/ بقوله: وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى والعلمُ تابعٌ للهدى، والخَشْيَةُ تابعةٌ للعِلْمِ، إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [فاطر: ٢٨] والْآيَةَ الْكُبْرى العصا واليد قاله مجاهد وغيره «٥» : وأَدْبَرَ: كِنَايَةً عن إعْرَاضِه، وقيل: حقيقةً قَامَ مُوَلِّيًا عن مُجَالَسَةِ موسى، فَحَشَرَ أي: جمع أهل مملكتِه، وقولُ فرعونَ: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى نهايةٌ في السِّخَافَةِ والمَخْرَقَةِ، قال ابن زيد: نَكالَ الْآخِرَةِ أي: الدار الآخرة، وَالْأُولى: يعني: الدنيا، أخَذَه اللَّهُ بعذابِ جهنَّمَ وبالغَرَقِ، وقيل غيرُ هذا «٦» ، ثم وقفهم سبحانه مخاطبةً منه تعالى للعالم والمقصد الكفار فقال:

أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً ...

الآية، والسَّمْكُ: الارْتِفَاعُ، الثعلبي: والمعنى: أأنتم أيها المنكرونَ للبعثِ أشَدُّ خلقاً أم السَّماءُ أشد خلقاً، ثم بيَّن كَيْفَ خَلَقَها، أي: فالذي قَدِرَ على خَلْقِها قادرٌ على إحيائكم بعد الموت، نظيره: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [يس:

٨١] الآية، انتهى، وأَغْطَشَ معناه: أظلم.

وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها (٣١) وَالْجِبالَ أَرْساها (٣٢) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٣) فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى (٣٤)

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى ﴾ أيْ: قَدْ جاءَكَ.

وقَدْ بَيَّنّا هَذا في [طَهَ: ٩] وما بَعْدَهُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ طُوًى ﴾ ﴿ اذْهَبْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: " طَوى اذْهَبْ " غَيْرَ مُجْراةٍ.

وقَرَأ الباقُونَ " طَوًى " مُنَوَّنَةً ﴿ فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ: " تَزَكّى " بِتَشْدِيدِ الزّايِ، أيْ: تُطَهَّرُ مِنَ الشِّرْكِ ﴿ وَأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ ﴾ أيْ: أدْعُوكَ إلى تَوْحِيدِهِ، وعِبادَتِهِ ﴿ فَتَخْشى ﴾ عَذابَهُ ﴿ فَأراهُ الآيَةَ الكُبْرى ﴾ وفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها اليَدُ والعَصا، قالَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ.

والثّانِي: أنَّها اليَدُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَذَّبَ ﴾ أيْ بِأنَّها مِنَ اللَّهِ، ﴿ وَعَصى ﴾ نَبِيَّهُ ﴿ ثُمَّ أدْبَرَ ﴾ أيْ: أعْرَضَ عَنِ الإيمانِ ﴿ يَسْعى ﴾ أيْ: يَعْمَلُ بِالفَسادِ في الأرْضِ ﴿ فَحَشَرَ ﴾ أيْ: فَجَمَعَ قَوْمَهُ وجُنُودَهُ ﴿ فَنادى ﴾ لَمّا اجْتَمَعُوا ﴿ فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى ﴾ أيْ: لا رَبَّ فَوْقِي.

وقِيلَ: أرادَ أنَّ الأصْنامَ أرْبابٌ، وأنا رَبُّها ورَبُّكم.

وقِيلَ: أرادَ: أنا رَبُّ السّادَةِ والقادَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ الأُولى قَوْلُهُ: " ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي " [القَصَصُ: ٣٨] والآخِرَةُ قَوْلُهُ: ﴿ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى ﴾ ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والشَّعْبِيُّ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ.

ورَواهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكانَ بَيْنَهُما أرْبَعُونَ سَنَةً.

قالَ السُّدِّيُّ: فَبَقِيَ بَعْدَ الآخِرَةِ ثَلاثِينَ سَنَةً.

قالَ الفَرّاءُ: فالمَعْنى: أخَذَهُ اللَّهُ أخَذًا نَكالًا لِلْآخِرَةِ والأُولى.

والثّانِي: المَعْنى: جَعَلَهُ اللَّهُ نَكالَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، أغْرَقَهُ في الدُّنْيا، وعَذَّبَهُ في الآخِرَةِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: عَذَّبَهُ اللَّهُ في أوَّلِ النَّهارِ بِالغَرَقِ، وفي آخِرِهِ بِالنّارِ.

والثّالِثُ: أنَّ الأُولى: تَكْذِيبُهُ وعِصْيانُهُ.

والآخِرَةَ قَوْلُهُ: ﴿ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى ﴾ ، قالَهُ أبُو رَزِينٍ.

والرّابِعُ: أنَّها أوَّلُ أعْمالِهِ وآخِرُها، رَواهُ مَنصُورٌ عَنْ مُجاهِدٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: النَّكالُ: مَنصُوبٌ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، لِأنَّ مَعْنًى أخَذَهُ اللَّهُ: نَكَّلَ اللَّهُ بِهِ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى: فَأغْرَقَهُ في الدُّنْيا ويُعَذِّبُهُ في الآخِرَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ الَّذِي فُعِلَ بِفِرْعَوْنَ ﴿ لَعِبْرَةً ﴾ أيْ: لَعِظَةٌ ﴿ لِمَن يَخْشى ﴾ اللَّهَ.

ثُمَّ خاطَبَ مُنْكِرِي البَعْثِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ بَناها ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ بَناها ﴾ مِن صِفَةِ السَّماءِ، فَيَكُونُ المَعْنى: أمِ السَّماءُ الَّتِي بَناها.

وقالَ قَوْمٌ: السَّماءُ لَيْسَ مِمّا تُوصَلُ، ولَكِنَّ المَعْنى: أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا، أمِ السَّماءُ أشَدُّ خَلْقًا.

ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفَ خَلَقَها، فَقالَ تَعالى: ﴿ بَناها ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: أخَلْقُكم بَعْدَ المَوْتِ أشَدُّ عِنْدَكُمْ، أمِ السَّماءُ في تَقْدِيرِكُمْ؟

وهُما في قُدْرَةِ اللَّهِ واحِدٌ.

ومَعْنى: " بَناها " رَفَعَها.

وكُلُّ شَيْءٍ ارْتَفَعَ فَوْقَ شَيْءٍ فَهو بِناءٌ.

ومَعْنى: ﴿ رَفَعَ سَمْكَها ﴾ رَفْعَ ارْتِفاعَها وعُلُوَّها في الهَواءِ ﴿ فَسَوّاها ﴾ بِلا شُقُوقٍ، ولا فُطُورٍ، ولا تَفاوُتٍ، يَرْتَفِعُ فِيهِ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ ﴿ وَأغْطَشَ لَيْلَها ﴾ أيْ: أظْلَمَهُ فَجَعَلَهُ مُظْلِمًا.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: غَطَشَ اللَّيْلُ وأغْطَشَ، وغَبَشَ وأغْبَشَ، وغَسَقَ وأغْسَقَ، وغَشِيَ وأغْشى، كُلُّهُ بِمَعْنى أظْلَمَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأخْرَجَ ضُحاها ﴾ أيْ: أبْرَزَ نَهارَها.

والمَعْنى: أظْهَرَ نُورَها بِالشَّمْسِ.

وإنَّما أضافَ النُّورَ والظُّلْمَةَ إلى السَّماءِ لِأنَّهُما عَنْها يَصْدُرانِ ﴿ والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ أيْ: بَعْدَ خَلْقِ السَّماءِ ﴿ دَحاها ﴾ أيْ: بَسَطَها.

وبَعْضُ مَن يَقُولُ: إنَّ الأرْضَ خُلِقَتْ قَبْلَ السَّماءِ يَزْعُمُ أنَّ " بَعْدَ " هاهُنا بِمَعْنى " قَبْلَ " كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ  ﴾ .

وبَعْضُهم يَقُولُ: هي بِمَعْنى " مَعَ " كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ  ﴾ ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ الأرْضُ خُلِقَتْ قَبْلَ السَّماءِ، ثُمَّ دُحِيَتْ بَعْدَ كَمالِ السَّماءِ، وهَذا مَذْهَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ.

وقَدْ أشَرْنا إلى هَذا الخِلافِ في [البَقَرَةِ: ٢٩] .

ونُصِبَتِ الأرْضُ بِمُضْمَرٍ تَفْسِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ دَحاها ﴾ .

﴿ أخْرَجَ مِنها ماءَها ﴾ أيْ: فَجَّرَ العُيُونَ مِنها ﴿ وَمَرْعاها ﴾ وهو ما يَأْكُلُهُ النّاسُ والأنْعامُ ﴿ والجِبالَ أرْساها ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: أثْبَتَها ﴿ مَتاعًا لَكُمْ ﴾ أيْ: لِلْإمْتاعِ، لِأنَّ مَعْنى أخْرَجَ مِنها ماءَها ومَرْعاها: أمْتَعَ بِذَلِكَ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " مَتاعًا لَكم " أيْ: مَنفَعَةً [لَكُمْ] .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَأخَذَهُ اللهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى ﴾ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى ﴾ ﴿ أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَماءُ بَناها ﴾ ﴿ رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها ﴾ ﴿ وَأغْطَشَ لَيْلَها وأخْرَجَ ضُحاها ﴾ ﴿ والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها ﴾ ﴿ أخْرَجَ مِنها ماءَها ومَرْعاها ﴾ ﴿ والجِبالَ أرْساها ﴾ ﴿ مَتاعًا لَكم ولأنْعامِكُمْ ﴾ ﴿ فَإذا جاءَتِ الطامَّةُ الكُبْرى ﴾ ﴿ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ما سَعى ﴾ ﴿ وَبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى ﴾ "نَكالَ" مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، وقالَ قَوْمٌ: "الآخِرَةَ" قَوْلُهُ: ﴿ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي  ﴾ ، و"الأُولى" قَوْلُهُ: ﴿ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى  ﴾ ، ورُوِيَ أنَّهُ مَكَثَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى  ﴾ أرْبَعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: كانَتْ هَذِهِ المُدَّةُ بَيْنَ الكَلِمَتَيْنِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "الأُولى" قَوْلُهُ: ﴿ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي  ﴾ ، و"الآخِرَةِ" قَوْلُهُ: ﴿ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى  ﴾ ، وقالَ أبُو رُزَيْنٍ: الأُولى كُفْرُهُ وعِصْيانُهُ، والآخِرَةُ قَوْلُهُ: ﴿ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى  ﴾ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الأُولى الدُنْيا، والآخِرَةُ الدارُ الآخِرَةِ، أيْ: أخَذَهُ اللهُ تَعالى بِعَذابِ جَهَنَّمَ وبِالغَرَقِ في الدُنْيا، وقالَ مُجاهِدٌ: عِبارَةٌ عن أوَّلِ مَعاصِيهِ وكُفْرِهِ وآخِرِها، أيْ نَكَلَ بِالجَمِيعِ، وَ"نَكالَ" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، والعامِلُ فِيهِ عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ "أخَذَ"؛ لِأنَّهُ في مَعْناهُ، وعَلى رَأْيِ أبِي العَبّاسِ المُبَرِّدِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ مِن لَفْظِ "نَكالَ"، كَأنَّهُ قالَ: نَكَّلَهُ نَكالَ.

ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَلى مَوْضِعِ العِبْرَةِ بِحالِ فِرْعَوْنَ، وتَعْذِيبِهِ، وفي الكَلامِ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ المُخاطَبِينَ بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ  ، ثُمَّ وقَّفَهم مُخاطَبَةً مِنهُ تَعالى لِجَمِيعِ العالَمِ، والمَقْصِدُ الكَفّارُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: "ءأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا" الآيَةُ.

وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ بَعْثَ الأجْسادِ مِنَ القُبُورِ لا يَتَعَذَّرُ عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَعالى، و"السُمْكُ" الِارْتِفاعُ الَّذِي بَيْنَ سَطْحِ السَماءِ الأسْفَلِ الَّذِي يَلِينا وبَيْنَ سَطْحِها الأعْلى الَّذِي يَلِي ما فَوْقَها، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَسَوّاها" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: خَلَقَها مَلْساءَ مُسْتَوِيَةً لَيْسَ فِيها مُرْتَفَعٌ ومُنْخَفَضٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عِبارَةً عن إتْقانِ خَلْقِها، ولا يُقْصَدُ مَعْنى إمْلاسِ سَطْحِها، واللهُ تَعالى أعْلَمُ كَيْفَ هي.

و"أغْطَشَ" مَعْناهُ: أظْلَمُ، والأغْطَشُ: الأعْمى، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: نَحَرْتُ لَهم مُوهِنًا ناقَتِي ولَيْلُهم مُدْلَهِمٌّ غَطْشُ ونَسَبَ اللَيْلَ والضُحى إلَيْها مِن حَيْثُ هُما ظاهِرانِ مِنها وفِيها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها ﴾ مُتَوَجِّهٌ عَلى أنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ الأرْضَ ولَمْ يَدَحْها، ثُمَّ اسْتَوى إلى السَماءِ وهي دُخانٌ فَخَلَقَها وبَناها، ثُمَّ دَحا الأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: و"الأرْضَ مَعَ ذَلِكَ"، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ "بَعْدَ ذَلِكَ" مَعْناهُ: مَعَ ذَلِكَ، والَّذِي قُلْناهُ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ آياتُ القُرْآنِ كُلُّها، ونَسَبَ الماءَ والمَرْعى إلى الأرْضِ مِن حَيْثُ هُما مِنها يَظْهَرانِ، ودَحْوُ الأرْضِ: بَسْطُها، ومِنهُ قَوْلُ أُمِّيَّةَ بْنِ أبِي الصَلْتِ: دارٌ دَحاها ثُمَّ أسْكَنَنا بِها ∗∗∗ وأقامَ بِالأُخْرى الَّتِي هي أمْجَدُ وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "والأرْضَ" نَصْبًا، وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى: "والأرْضُ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: و"الجِبالَ أرْساها" نَصْبًا، وقَرَأ الحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "والجِبالُ" رَفْعًا، و"أرْساها" مَعْناهُ: أثْبَتَها، وجَمَعَ هَذِهِ النِعَمَ إذا تَدَبَّرَتْ فَهي مَتاعٌ لِلنّاسِ و"الأنْعامَ"، يَتَمَتَّعُونَ فِيها وبِها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مَتاعًا" بِالنَصْبِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "مَتاعٌ" بِالرَفْعِ.

و"الطامَّةُ الكُبْرى" هي القِيامَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: النَفْخَةُ الثانِيَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "ما سَعى" مَعْناهُ: ما عَمِلَ مِن سائِرِ عَمَلِهِ، ويَتَذَكَّرُ ذَلِكَ بِما يَرى مِن جَزائِهِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَبُرِّزَتْ" بِضَمِّ الباءِ وشَدِّ الراءِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ، وعائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: "وَبَرَزَتْ" بِفَتْحِ الباءِ والراءِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِمَن يَرى" بِالياءِ أيْ: لِمَن يُبْصِرُ ويَحْصُلُ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ، وعائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: "لِمَن تَرى" بِالتاءِ أيْ: تَراهُ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، فالإشارَةُ إلى كُفّارِ مَكَّةَ، أو إشارَةً إلى الناسِ والقَصْدُ كُفّارُ مَكَّةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لِمَن تَراهُ الجَحِيمُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ  ﴾ ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "لِمَن رَأى" عَلى فِعْلٍ ماضٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

وانتقل الكلام من الاستدلال بخلق السماء إلى الاستدلال بخلق الأرض لأن الأرض أقرب إلى مشاهدتهم وما يوجد على الأرض أقرب إلى علمهم بالتفصيل أو الإِجمال القريب من التفصيل.

ولأجل الاهتمام بدلالة خلق الأرض وما تحتوي عليه قُدم اسم ﴿ الأرض ﴾ على فعله وفاعِله فانتصب على طريقة الاشتغال، والاشتغال يتضمن تأكيداً باعتبار الفعل المقدر العامل في المشتغل عنه الدال عليه الفعلُ الظاهر المشتغل بضمير الاسم المقدم.

والدَّحْو والدَّحْيُ يقال: دحَوْت ودحيت.

واقتصر الجوهري على الواوي وهو الجاري في كلام المفسرين هو: البسط والمدّ بتسوية.

والمعنى: خلقها مدحوَّة، أي مبسوطة مسوّاة.

والإِشارة من قوله: ﴿ بعد ذلك ﴾ إلى ما يفهم من ﴿ بناها رفع سمكها فسواها ﴾ [النازعات: 27، 28]، أي بعد خلق السماء خلق الأرض مدحوَّة.

والبعدية ظاهرها: تأخر زمان حصول الفعل، وهذه الآية أظهر في الدلالة على أن الأرض خلقت بعد السماوات وهو قول قتادة ومقاتل والسدّي، وهو الذي تؤيده أدلة علم الهيئة.

وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى: ﴿ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات ﴾ في سورة البقرة (29)، وما ورد من الآيات مما ظاهره كظاهر آية سورة البقرة تأويله واضح.

ويجوز أن تكون البعدية مجازاً في نزول رتبة ما أضيف إليه بعد } عن رتبة ما ذُكر قبله كقوله تعالى: ﴿ عتل بعد ذلك زنيم ﴾ [القلم: 13].

وجملة ﴿ أخرج منها ماءها ومرعاها ﴾ بدل اشتمال من جملة ﴿ دحاها ﴾ لأن المقصد من دحوها بمقتضى ما يكمل تيسير الانتفاع بها.

ولا يصح جعل جملة ﴿ أخرج منها ماءها ﴾ إلى آخرها بياناً لجملة ﴿ دحاها ﴾ لاختلاف معنى الفعلين.

والمرعى: مَفْعَل من رَعَى يرعَى، وهو هنا مصدر ميمي أطلق على المفعول كالخلق بمعنى المخلوق، أي أخرج منها ما يُرْعَى.

والرعي: حقيقته تناول الماشية الكلأ والحشيش والقصيل.

فالاقتصار على المرعى اكتفاء عن ذكر ما تخرجه الأرض من الثمار والحبوب لأن ذكر المرعى يدل على لطف الله بالعجماوات فيعرف منه أن اللطف بالإِنسان أحرى بدلالة فحوى الخطاب، والقرينةُ على الاكتفاء قوله بعده ﴿ متاعاً لكم ولأنعامكم ﴾ [النازعات: 33].

وقد دل بذكر الماء والمرعى على جميع ما تخرجه الأرض قوتاً للناس وللحيوان حتى ما تُعالَج به الأطعمة من حطب للطبخ فإنه مما تنبت الأرض، وحتى الملح فإنه من الماء الذي على الأرض.

ونَصب ﴿ والجبال ﴾ يجوز أن يكون على طريقة نصب ﴿ والأرض بعد ذلك دحاها ﴾ ويجوز أن يكون عطفاً على ﴿ ماءها ومرعاها ﴾ ويكون المعنى: وأخرج منها جبالها، فتكون (ال) عوضاً عن المضاف إليه مثل ﴿ فإن الجنة هي المأوى ﴾ [النازعات: 41] أي مأوى من خافَ مقام ربه فإن الجبال قطع من الأرض ناتئة على وجه الأرض.

وإرساء الجبال: إِثباتُها في الأرض، ويقال: رست السفينة، إذا شُدّت إلى الشاطئ فوقفت على الأَنْجَرِ، ويوصف الجبل بالرسوّ حقيقة كما في «الأساس»، قال السموأل أو عبد الملك بن عبد الرحيم يذكر جبلهم: رسَا أصلُه فوق الثرى وسمَا به *** إلى النجم فَرع لا يُنال طويل وإثبات الجبال: هو رسوخها بتغلْغُل صخورها وعروق أشجارها لأنها خلقت ذات صخور سائخة إلى باطن الأرض ولولا ذلك لزعزعتها الرياح، وخُلقت تتخلّلها الصخور والأشجار ولولا ذلك لتهيلت أتربتها وزادها في ذلك أنها جُعلت أحجامها متناسبة بأن خلقت متسعة القواعد ثم تتصاعد متضائقة.

ومن معنى إرسائها: أنها جعلت منحدرة ليتمكن الناس من الصعود فيها بسهولة كما يتمكن الراكب من ركوب السفينة الراسية ولو كانت في داخل البحر ما تمكن الراكب من ركوبها إلا بمشقة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَأغْطَشَ لَيْلَها وأخْرَجَ ضُحاها ﴾ مَعْناهُ أظْلَمَ لَيْلُها، وشاهِدُ الغَطْشِ أنَّهُ الظُّلْمَةُ قَوْلُ الأعْشى عَقَرْتُ لَهم مَوْهِنًا ناقَتِي وغامِرُهم مُدْلَهِمٌّ غَطِشْ يَعْنِي يَغْمُرُهم لَيْلُهم لِأنَّهُ غَمَرَهم بِسَوادِهِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَأخْرَجَ ضُحاها ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أضاءَ نَهارَها وأضافَ اللَّيْلَ والضُّحى إلى السَّماءِ لِأنَّ مِنهُما الظُّلْمَةَ والضِّياءَ.

الثّانِي: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ أخْرَجَ ضُحاها: الشَّمْسُ.

﴿ والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها ﴾ في قَوْلِهِ (بَعْدَ) وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعَ وتَقْدِيرُ الكَلامِ: والأرْضُ مَعَ ذَلِكَ دَحاها، لِأنَّها مَخْلُوَقَةٌ قَبْلَ السَّماءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّ (بَعْدَ) مُسْتَعْمَلَةٌ عَلى حَقِيقَتِها لِأنَّهُ خَلَقَ الأرْضَ قَبْلَ السَّماءِ ثُمَّ دَحاها بَعْدَ السَّماءِ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ وعِكْرِمَةُ.

وَفي (دَحاها) ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بَسَطَها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ وبَثَّ الخَلْقَ فِيها إذْ دَحاها ∗∗∗ فَهم قُطّانُها حَتّى التَّنادِي قالَ عَطاءٌ: مِن مَكَّةَ دُحِيَتِ الأرْضُ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: مِن مَوْضِعِ الكَعْبَةِ دُحِيَتْ.

الثّانِي: حَرْثُها وشَقُّها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: سَوّاها، ومِنهُ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو ؎ وأسْلَمْتُ وجْهِي لِمَن أسْلَمَتْ ∗∗∗ لَهُ الأرْضُ تَحْمِلُ صَخْرًا ثِقالًا ∗∗∗ دَحاها فَلَمّا اسْتَوَتْ شَدَّها ∗∗∗ بِأيْدٍ وأرْسى عَلَيْها الجِبالا <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ رفع سمكها ﴾ قال: بناها ﴿ وأغطش ليلها ﴾ قال: أظلم ليلها.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ رفع سمكها ﴾ قال: رفع بنيانها بغير عمد ﴿ وأغطش ليلها ﴾ قال: أظلم ليلها ﴿ وأخرج ضحاها ﴾ قال: ابرزه ﴿ والأرض بعد ذلك دحاها ﴾ قال: بسطها.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ رفع سمكها ﴾ قال: رفع بنيانها ﴿ وأغطش ليلها ﴾ قال: أظلم ليلها ﴿ وأخرج ضحاها ﴾ قال: نور ضوئها ﴿ والأرض بعد ذلك دحاها ﴾ قال: بسطها ﴿ والجبال أرساها ﴾ قال: أثبتها بها أن تميد بأهلها.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ وأغطش ليلها ﴾ قال: العشاء ﴿ وأخرج ضحاها ﴾ قال: الشمس.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ﴿ وأغطش ليلها ﴾ قال: أظلم ليلها ﴿ وأخرج ضحاها ﴾ قال: أخرج نهارها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ والأرض بعد ذلك دحاها ﴾ قال: مع ذلك.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس أن رجلاً قال له: آيتان في كتاب الله تخالف إحداهما الأخرى فقال: إنما أتيت من قبل رأيك اقرأ ﴿ قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين ﴾ [ فصلت: 9] حتى بلغ ﴿ ثم استوى إلى السماء وهي دخان ﴾ [ فصّلت: 41] وقوله: ﴿ والأرض بعد ذلك دحاها ﴾ قال: خلق الأرض قبل أن يخلق السماء ثم خلق السماء ثم دحا بعد ما خلق السماء، وإنما قوله: دحاها بسطها.

وأخرج ابن المنذر عن إبراهيم النخعي ﴿ والأرض بعد ذلك دحاها ﴾ قال: دحيت من مكة.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ أخرج منها ماءها ﴾ قال: فجر منها الأنهار ﴿ ومرعاها ﴾ قال: ما خلق الله من نبات أو شيء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في ﴿ دحاها ﴾ قال: دحيها أن أخرج منها الماء والمرعى، وشقق فيها الأنهار، وجعل فيها الجبال والرمال والسبل والآكام وما بينهما في يومين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ متاعاً لكم ﴾ قال: منفعة.

وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال: بلغني أن الأرض دحيت دحياً من تحت الكعبة.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن عليّ قال: «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح، فلما قضى صلاته رفع رأسه فقال: تبارك رافعها ومدبرهاثم رمى ببصره إلى الأرض فقال: تبارك داحيها وخالقها» .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فإذا جاءت الطامة الكبرى ﴾ قال: الطامة من أسماء يوم القيامة.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن القاسم بن الوليد الهمذاني في قوله: ﴿ فإذا جاءت الطامة الكبرى ﴾ قال: إذا سيق أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عمرو بن قيس الكندي ﴿ فإذا جاءت الطامة الكبرى ﴾ قال: إذا قيل اذهبوا به إلى النار.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ وبرزت الجحيم لمن يرى ﴾ قال: لمن ينظر.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فإذا جاءت الطامة ﴾ قال: إذا دفعوا إلى مالك خازن النار وفي قوله: ﴿ فأما من طغى ﴾ قال: عصى، وفي قوله: ﴿ يسألونك عن الساعة أيان مرساها ﴾ قال: حينها ﴿ فيم أنت من ذكراها ﴾ قال: الساعة.

وأخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل عن الساعة فنزلت ﴿ فيم أنت من ذكراها ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس قال: إن مشركي أهل مكة سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: متى تقوم الساعة استهزاء منهم، فنزلت ﴿ يسألونك عن الساعة أيان مرساها ﴾ يعني متى مجيئها ﴿ فيم أنت من ذكراها ﴾ ما أنت من علمها يا محمد ﴿ إلى ربك منتهاها ﴾ يعني منتهى علمها ﴿ إنما أنت منذر من يخشاها ﴾ يعني من يخشى القيامة ﴿ كأنهم يوم يرونها ﴾ يعني يرون القيامة ﴿ لم يلبثوا ﴾ في الدنيا ولم ينعموا بشيء من نعيمها ﴿ إلا عشية ﴾ ما بين الظهر إلى غروب الشمس ﴿ أو ضحاها ﴾ ما بين طلوع الشمس إلى نصف النهار.

وأخرج البزار وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه عن عائشة قالت: ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن الساعة حتى أنزل عليه ﴿ فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها ﴾ فلم يسأل عنها.

وأخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عروة مرسلاً.

وأخرج عبد بن حميد والنسائي وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن طارق بن شهاب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر ذكر الساعة حتى نزلت ﴿ فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها ﴾ فكف عنها.

وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: «كانت الأعراب إذا قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم سألوه عن الساعة فينظر إلى أحدث إنسان فيهم فيقول: إن يعش هذا قرناً قامت عليكم ساعتكم» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما يدخل الجنة من يرجوها، وإنما يجتنب النار من يخشاها، وإنما يرحم الله من يرحم» .

وأخرج ابن المنذر عن ابن جرير في قوله: ﴿ إلى ربك منتهاها ﴾ قال: علمها، وفي قوله: ﴿ إلا عشية ﴾ قال: من الدنيا ﴿ أو ضحاها ﴾ قال: العشية.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ كأنهم يوم يرونها ﴾ الآية قال: تدق الدنيا في أنفس القوم حين عاينوا أمر الآخرة.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴾ ، (أي: أبسطها، يقال دحوت أدحو دحوًا، ودَحَيْت أدحي دحيَّا (١)  -: اللهم داحي المدحيات (٢) (٣) وذكرنا الكلام في رتبة (٤) ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ  ﴾ في أول حم السجدة (٥) وقال أبو عبيدة: (دحاها)، و (طحاها): بسطها، يقال: دحوت، ودحيت (٦) وأنشد قول زيد بن عمرو (٧) دحاها فلما رآها استوت ...

على الماء أرسى عليها الجبال (٨) (١) الدحو: البسْطُ، دَحا الأرض يَدْحوها دَحْوًا: بسطها.

"لسان العرب" 14/ 251 مادة: (دحا).

وفي "النهاية" الدَّحْو: البسط، والمَدْحوات: الأرضون، يقال: دَحا يدْحو، ويَدْحى: أي بسط ووسع 2/ 101.

(٢) "النهاية في غريب الحديث والأثر" 2/ 101، "التفسير الكبير" 31/ 48، "الدر المنثور" 8/ 412 وعزاه إلى أبي الشيخ في "العظمة"، مرفوعًا من طريق علي بمعنى رواية الواحدي.= والذي وجدته عند أبي الشيخ من طريق البزار مرفوعًا من حديث علي: تبارك رافعها ومدبرها، ثم رمى ببصره -  - إلى الأرض، فقال: تبارك داحيها وخالقها).

العظمة: 195: ح: 562.

وأورد هذه الرواية الهيثمي من طريق عليًا مرفوعة أيضًا مطولة، وقال: رواه البزار، وفيه من لم أعرفهم.

"مجمع الزوائد" 7/ 328.

وقد ضعف محقق العظمة هذه الرواية بناء على كلام الهيثمي رحمه الله.

(٣) ما بين القوسين نقله الواحدي عن "تهذيب اللغة" 5/ 190 مادة: (دحا) بتصرف.

وانظر: "لسان العرب" 14/ 251 مادة: (دحا).

(٤) في الأصل: تربة وهو تصحيف.

(٥) ومما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11)﴾: الإشكال بينها وبين آية النازعات.

قال: وقع عد البعض إشكال بين قوله: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ ﴾ ، وبين قوله: ﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴾ فقالوا: هذه الآية تدل على أنه خلق الأرض قبل السماء؛ لأنه ذكر خلق الأرض، ثم قال بعد ما فرغ من ذكر خلق الأرض: "ثم استوى إلى السماء"، وقال في موضع آخر: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ ﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴾ فدلت هذه الآية على أنه خلق الأرض بعد السماء، فادعوا التناقض.

ثم رد عليهم بأجوبة، منها: 1 - أن الله تعالى قال: ﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴾ ولم يقل خلقها، وابتدأها، أو أنشأها، فابتداء خلق الأرض كان قبل خلق السموات، ثم خلق السموات، ثم دحا بعد ذلك الأرض، أي بسطها ومدها، فقد كانت ربوة مجتمعة.

وهذا قول ابن قتيبة.

2 - أن خلق الله -على ما ذكر الله في سورة فصلت، وقوله: "والأرض بعد ذلك" == معناه: والأرض مع ذلك، وهذا جار في كلام العرب، وإقامة بعض الصفات مقام بعضها الآخر سائر مشهور.

3 - أنه يجوز أن يكون تأويل قوله: "بعد ذلك" بمعنى قبل، ويجري مجرى حروف الأضداد، وشاهده قوله: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ ﴾ قال بعضهم: معناه: من قبل الذكر؛ لأن الذكر هو القرآن.

ثم ينهي الواحدي القول في هذه المسألة بقول ابن عباس: أولاً هو خلق السماء قبل أن يخلق الأرض، ثم دحا الأرض بعد ما خلق السماء.

ثم يقول ابن الأنباري: الذي أختاره هو: أن خلق الأرض قبل خلق السماء؛ لأن ظاهر القرآن عليه أدل عليه، والحجج له أوضح.

ثم ذكر قول السدي في بيان كيف أنشأ السبع السموات -قال-: قال السدي: في قوله: "ثم استوى إلى السماء وهي دخان" قبل ذلك الدخان من نفس الماء حين تنفس، خلقها سماء واحدة، ثم فتقها، فجعلها سبعاً في يومين: في الخميس والجمعة.

انظر: "الوسيط" ج 4: 238/ ب، 239/ أ.

(٦) "مجاز القرآن" 2/ 285 بيسير من التصرف، ولم ينشد أبو عبيدة بيت الشعر الذي عزاه إليه الواحدي.

(٧) في (أ): عمر.

(٨) ورد البيت في "التفسير الكبير" 31/ 48، "النكت والعيون" 6/ 199، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 207، "البحر المحيط" 8/ 418، "روح المعاني" 30/ 32، وكلها -عدا "التفسير الكبير"- برواية: دَحاها فلما استوت شدَّها ...

بأيد وأرسى عليها الجبالا <div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السمآء ﴾ هذا توقيف قصد به الاستدلال على البعث فإن الذي خلق السماء قادر على خلق الأجساد بعد فنائها ﴿ رَفَعَ سَمْكَهَا ﴾ السمك: غلظ السماء وهو الارتفاع الذي بين سطح السماء الأسفل الذي يلينا وسطحها الأعلى الذي يلي ما فوقها.

ومعنى رفعه أنه جعله مسيرة خمسمائة عام، وقيل: السَّمْك السقف ﴿ فَسَوَّاهَا ﴾ أي أتقن خلقتها وقيل: جعلها مستوية ليس فيها مرتفع ولا منخفض ﴿ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا ﴾ أي جعله مظلماً يقال: غطش الليل إذا أظلم.

وأغطشه الله ﴿ وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا ﴾ أي أظهر ضوء الشمس في وقت الضحى، وأضاف الضحى والليل إلى السماء من حيث أنهما ظاهران منها وفيها ﴿ والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴾ أي بسطها، واستدل بها من قال: إن الأرض بسيطة غير كروية وقد ذكرنا في [فصلت: 11] الجمع بين هذا وبين قوله: ﴿ ثُمَّ استوى إِلَى السمآء ﴾ ﴿ أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا ﴾ نسب الماء والمرعى إلى الأرض، لأنهما يخرجان منها فإن قيل: لم قال أخرج بغير حرف العطف؟

فالجواب: أن هذه الجملة في موضع الحال وتفسير لما قبلها قاله الزمخشري ﴿ والجبال أَرْسَاهَا ﴾ أي أثبتها، ونصب الجبال بفعل مضمر يدل عليه الظاهر وكذلك الأرض ﴿ مَتَاعاً لَّكُمْ ﴾ تقديره: فعل ذلك كله تمتيعاً لكم منه ﴿ وَلأَنْعَامِكُمْ ﴾ لأن بني آدم والأنعام ينتفعون بما ذكر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ والسابحات سبحاً فالسابقات سبقاً ﴾ بالإدغام فيهما: أبو عمرو غير عباس ﴿ أئنا ﴾ ﴿ أئذا ﴾ كما مر في " الرعد " إلا ابن عامر فإنه وافق الكسائي ﴿ ناخرة ﴾ بالألف: حمزة وعلي غير نصير وعتيبة وخلف ورويس وعاصم غير المفضل وحفص و ﴿ طوى ﴾ كما مر في " طه " وكذا ما بعدها إلا حمزة وخلف في اختياره فإنهما يفتحان.

ومناه ﴿ تزكَّى ﴾ بتشديد الزاي: أبو جعفر ونافع وابن كثير وعباس ويعقوب ﴿ منذر من ﴾ بالتنوين: يزيد وعباس.

الآخرون: بالإضافة للتخفيف.

الوقوف ﴿ غرقاً ﴾ ه لا ﴿ نشطاً ﴾ ه لا ﴿ سبقاً ﴾ ه لا ﴿ أمراً ﴾ ه م لأن جواب القسم محذوف وهو ليبعثن ولأنه وصل لأوهم أن ﴿ يوم ﴾ ظرف ﴿ المدبرات ﴾ وليس كذلك لأن تدبير الملائكة قد انقضى وقتئذ بل عامل ﴿ يوم ﴾ تتبعها ﴿ الراجفة ﴾ ه لا ﴿ الرادفة ﴾ ه ط ﴿ واجفة ﴾ ه ط ﴿ خاشعة ﴾ ه م لتناهي وصف القيامة وابتداء حكاية قولهم في الدنيا ﴿ في الحافرة ﴾ ط لمن قرأ ﴿ أئذا ﴾ مستفهماً ﴿ نخرة ﴾ ه ط ﴿ خاسرة ﴾ ه م لتناهي قولهم بالإنكار وابتداء أخبار الله  ﴿ واحدة ﴾ ه ط ﴿ بالساهرة ﴾ ه ط ﴿ موسى ﴾ ه م لأن ﴿ إذ ناداه ﴾ يجوز أن يكون ظرفاً لا ذكر قاله السجاوندي.

ويحتمل عندي تعلقه بالحديث وإن لم يجز تعلقه بإتيان الحديث ﴿ طوى ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ﴿ اذهب ﴾ مفعول ﴿ ناداه ﴾ لأنه في معنى القول واحتمال أن يكون مفعول القول المحذوف ﴿ طغى ﴾ ه للآية مع اتفاق الجملتين والوصل أوجه للفاء ﴿ تزكى ﴾ ه لا للعطف ﴿ فتخشى ﴾ ط للآية وانتهاء الاستفهام مع العطف بفاء التعقيب ﴿ الكبرى ﴾ ه ز لذلك إنما كان الوصل أوجه للفاء واتصال المقصود ﴿ وعصى ﴾ ه ﴿ يسعى ﴾ ه ﴿ فنادى ﴾ ه ﴿ الأعلى ﴾ ه والوصل ههنا ألزم للعبرة بتعجيل المؤاخذة ﴿ والأولى ﴾ ه ط ﴿ يخشى ﴾ ه ط لبتدل الكلام لفظاً ومعنى وابتداء الاستفهام ﴿ أم السماء ﴾ ه ط بناء على أن الجملة لا تقع صفة للمعرفة وتقدير حذف الموصول من ضيق العطن فاعرفه ﴿ بناها ﴾ ه لا ﴿ فسوّاها ﴾ ه لا ﴿ ضحاها ﴾ ه ص ﴿ دحاها ﴾ ه ط بناء على أن ما بعده كالتفسير للدحو وهو تمهيدها لأجل السكنى، وجوز أن يكون ﴿ أخرج ﴾ حالاً بإضمار " قد " فلا وقف ﴿ مرعاها ﴾ ه ص ﴿ أرساها ﴾ ه ﴿ ولأنعامكم ﴾ ه ط ﴿ الكبرى ﴾ ه ز لأن ﴿ يوم ﴾ ظرف ﴿ جاءت ﴾ وعامل " إذا " مقدّر تقديره أي ترون أو كان ما كان، وجوز أن يكون ﴿ يوم ﴾ مفعول " اذكر " وعامل " إذا " مقدّر قبل يوم، ويجوز أن يكون مجموع الشرط والجزاء وهو قوله ﴿ فأما من طغى ﴾ إلى آخره جوابا لقوله ﴿ فإذا جاءت ﴾ .

﴿ سعى ﴾ ه ط ﴿ لمن يرى ﴾ ه ﴿ طغى ﴾ ه لا ﴿ الدنيا ﴾ ه لا ﴿ المأوى ﴾ ط ﴿ الهوى ﴾ ه لا ﴿ المأوى ﴾ ه ط ﴿ مرساها ﴾ ط ﴿ ذكراها ﴾ ه ط ﴿ منتاها ﴾ ه ط ﴿ يخشاها ﴾ ه ط ﴿ ضحاها ﴾ ه.

التفسير: في الكلمات الخمس المذكورة في أول السورة وجوه على نسق ما سبق في المرسلات أحدها: أنها صفات طوائف الملائكة الذين ينزعون نفوس الكفرة من بني آدم غرقاً أي نزعاً بشدّة من أقاصي الأجساد من أناملها وأظفارها.

والغرق والإغراق في اللغة واحد يقال: نزع في القوس فأغرق أي بلغ غايته حتى انتهى إلى النصل، وبالذين يجذبون نفوس المؤمنين برفق ولين كما ينشط الدلو من البئر، وبالطوائف التي تسبح في مضيها أي تسرع فتسبق إلى ما أمروا به فتدبر بإذن الله أمراً من أمور العباد أو جنس الأمر.

قال مقاتل: يعني بهذه الطوائف جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وأعوان كل منهم.

فجبريل موكل بالرياح والجنود، وميكائيل موكل بالقطر والنبات، وإسرافيل بنفخ الصور، وملك الموت عزرائيل وأعوانه بقبض الأرواح.

قال الإمام فخر الدين الرازي: النازعات هم الذين نزعوا أنفسهم عن الصفات البشرية والأخلاق الذميمة من الشهوة والغضب والموت والهرم والسقم لأنهم جواهر روحانية مجردة، والناشطات إشارة إلى أن خروجهم من هذه الأحوال ليس على سبيل الكلفة والمشقة ولكنه بمقتضى الطبيعة والماهية، والسابحات هم الذين سبحوا في بحار جلال الله فسبق بعضهم بعضاً في ميدان العرفان وحلبة البرهان فدبروا أمر العالم العلوي والعالم السفلي بإذن مبدعهم المنّان.

أقول: ويمكن حمل هذه الأمور على مراتب النفس الإنسانية بمثل التقدير المذكور.

الوجه الثاني وهو قول الحسن البصري أنها النجوم وتلخيص ذلك على الوجه المطابق للغة والشريعة أنها تغرق شبه النزع من المشرق إلى المغرب بالحركة السريعة، وتنشط نشطاً أي تخرج من برج إلى برج من قولك " ثور ناشط " إذا خرج من بلد إلى بلد، وهذا بحركته البطيئة الثابتة.

وأما السابحات فهي السيارة كقوله ﴿ كل في فلك يسبحون  ﴾ ولأن سيرها المتفاوت يصير سبباً لسبق بعضها بعضاً، ويترتب على السبق الاتصالات والانصرافات ومعرفة الفصول والأوقات وتقدّم العلم بالكائنات بل العالم السفلي وتدبيراتها مناط بتلك الحركات بإذن خالق الأرض وفاطر السموات فلهذا أدخل الفاء في القرينتين الأخريين دون الأوليات.

الوجه الثالث أنها صفات خيل الغزاة تنزع في أعنتها نزعاً، تغرق الأعنة فيه لطول أعناقها لأنها عراب، وهى ناشطات تخرج من دار الإسلام إلى دار الحرب، وهي سابحات تسبح في جريها فتسبق إلى الغاية فتدبر أمر الغلبة والظفر وتتسبب فيه.

الوجه الرابع وهو اختيار أبي مسلم النازعات أيدي الغزاة وأنفسهم تنزع القسي بإعراق السهام، والناشطات السهام الخارجة من أيديهم أو قسيهم، والسابحات الخيل العاديات أو الإبل، والمدبرات بمعنى المعقبات لأنها تأتي في أدبار هذه الأفاعيل بأمر الغلبة والنصر.

قال جار الله: ﴿ يوم ترجف ﴾ منصوب بجواب القسم المحذوف وهو " لتبعثن ".

وقوله ﴿ تتبعها ﴾ حال.

ثم أورد على نفسه أن هذا يوجب أن يكون البعث عند النفخة الأولة وأجاب عنه بأنهم يبعثون في الوقت الواسع الذي يقع فيه النفختان كما يقال " رأيته عام كذا " وإنما رؤيته في ساعة منها.

والراجفة الواقعة التي ترجف عندها الأرض والجبال وهي النفخة الأولى فهي من الإسناد المجازي.

والرادفة رجفة أخرى تتبع الأولى فتضطرب الأرض لإحياء الموتى كما اضطربت في الأولى لموت الأحياء، وقد ورد الخبر أن ما بين النفختين أربعون عاماً.

ويروى أنه  يمطر الأرض في هذه الأربعين ويصير ذلك الماء عليها كالنطف فيكون سبباً في الإحياء ولله  أن يفعل ما يشاء.

وقيل: الراجفة هي النفخة الأولى، والرادفة هي قيام الساعة من قوله  ﴿ عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون  ﴾ وقيل: الراجفة الأرض والجبال من قوله ﴿ يوم ترجف الأرض والجبال  ﴾ والرادفة السماء والكواكب لأنها تنفطر وتنتثر على أثر ذلك.

وقيل: الراجفة هي الأرض تتحرك وتتزلزل، والرادفة زلزلة ثانية تتبع الأولى حتى تنقطع الأرض وتفنى.

قال أبو مسلم بناء على تفسيره الذي روينا عنه إن كلاً من الراجفة والرادفة هي خيل المشركين وأريد بهما طائفتان من المشركين حاربوا رسول الله  فتبعت إحداهما الأخرى.

والقلوب الواجفة أي القلقة، والأبصار الخاشعة هي أبصار المنافقين على الأقوال القلوب الموصوفة مبتدأ.

وقوله ﴿ أبصارها خاشعة ﴾ خبره وفي الكلام إضمار أي أصحابها خاشعة بدليل قوله ﴿ يقولون أئنا لمردودون في الحافرة ﴾ أي الحالة الأولى وهي الحياة وأصله من قولهم " رجع فلان في حافرته " أي طريقه التي جاء فيها، جعل أثر قدميه حفراً فالطريق في الحقيقة محفورة إلا أنها سميت حافرة على الإسناد المجازي أو على وتيرة النسبة أي ذات حفر كما قلنا في " عيشة راضية " ونحوه ﴿ كرة خاسرة ﴾ كما يجيء.

ثم زادوا في الإنكار مع إشارة إلى وجه الإحالة قائلين ﴿ أئذا كنا عظاماً نخرة ﴾ نردّ أو نبعث.

يقال: نخر العظم فهو نخر وناخر مثل حذر وحاذر وهو الأجوف البالي الذي تمر فيه الريح فيسمع له نخر وهما لغتان فصيحتان، لأن النخر وإن كان أبلغ في المعنى إلا أن الناخرة بالألف أشبه بأخواتها من رؤوس الآي.

ثم أخبر أنهم قالوا على سبيل الاستهزاء ﴿ تلك ﴾ الكرة ﴿ إذا ﴾ أي إذا نحشر ونردّ ونرجع ﴿ كرة خاسرة ﴾ رجعة ذات خسران لأنا كذبنا بها.

ثم أفحمهم بقوله ﴿ فإنما هي زجرة ﴾ أي لا تحسبوا تلك الكرة صعبة على الله فما هي إلا صيحة ﴿ واحدة ﴾ يقال: زجر البعير إذا صاح عليه وهي صيحة إسرافيل في النفخة الثانية.

يروى أنه  يحييهم في بطون الأرض فيسمعونها فيقومون.

والساهرة الأرض البيضاء المستوية سميت بذلك لأن ساكنها لا ينام خوف الهلاك، أو لأن السراب يجري فيها من قولهم عين ساهرة أي جارية.

والأظهر أنها أرض الآخرة.

وقيل: هي أرض الدنيا ثم ذكرهم بقصة موسى لأنه أبهر الأنبياء المتقدّمين معجزة وفيها تسلية للنبي  لأن فرعون كان أكثر جمعاً وأشدّ قوة من كفار قريش.

والوادي المقدّس المبارك المطهر، وطوى اسم واد بالشأم عند الطور وقد مر في " طه ".

قوله ﴿ هل لك ﴾ الجار والمجرور خبر مبتدأ محذوف أي هل لك حاجة أو ميل أو التفات ونحو ذلك، وهذه كلمة جامعة لمواجب التكاليف لأن الملكف لا يصير زاكياً إلا بالتخلية عن كل ما لا ينبغي، ويجوز أن يكون التزكي إشارة إلى تطهير النفس الفاسدة.

قوله ﴿ وأهديك ﴾ إشارة إلى التحلي بالأخلاق الفاضلة أقلها وأفضلها التوحيد المرتب على الخشية التي منها تنشأ جوامع الخيرات ولهذا قال النبي  " من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل" وعن بعض الحكماء: اعرفوا الله فمن عرفه لم يقدر أن يعصيه طرفه عين.

ثم ههنا إضمار كأنه قال: فذهب موسى إلى فرعون فقال له ما أمر به فلم يصدقه فرعون وجحد نبوته ﴿ فأراه ﴾ وفي ابتداء المخاطبة بالاستفهام الذي معناه العرض من التلطف والمداراة ما لايخفى فهو كقوله ﴿ فقولا له قولاً ليناً  ﴾ والآية الكبرى العصا أو اليد أو هما كما مر في " طه " ﴿ فكذب ﴾ بالقلب واللسان إذ نسب المعجز إلى السحر ﴿ وعصى ﴾ بإظهار التمرد الطغيان ﴿ ثم أدبر ﴾ خوفاً من الثعبان ﴿ يسعى ﴾ هارباً أو يتحيل في دفع موسى أو تولى عن موسى إظهاراً للجحود.

وجوز أن يكون ﴿ أدبر ﴾ موضوعاً مكان " أقبل" مكان يقال: أقبل فلان يفعل كذا بمعنى طفق يفعل فكنى عن الإقبال بالإدبار إظهاراً للسخط ولقصد التفاؤل عليه.

ومعنى الفاء في ﴿ فكذب ﴾ أنه لم يلبث عقيب رؤية الآية الكبرى أن بادرها بنقيض مقتضاها لفرط عتوّه ورسوخ تفرعنه.

ومعنى " ثم " في ﴿ ثم أدبر ﴾ تراخي الرتبة فإن الهرب من الحية مع ادعاء الربوبية مما لا يجتمعان وكذا السعاية والمكيدة بين الناس ﴿ فحشر ﴾ جنوده للتشاور أو لجمع السحرة ﴿ فنادى ﴾ في المقام الذي اجتمعوا فيه معه أو أمر منادياً.

وقيل: قام فيهم خطيباً فقال ما قال.

وانتصب ﴿ نكال الآخرة ﴾ على أنه مصدر مؤكد كأنه قيل: نكل الله به نكالاً وهو مصدر كالتنكيل مثل السلام والتسليم.

قال الحسن وقتادة: عذاب الآخرة الإحراق وعذاب الأولى الإغراق.

وقيل: الآخرة والأولى صفتان لكلمتي فرعون.

ثم اختلفوا فعن مجاهد والشعبي وسعيد بن جبير ومقاتل ورواية عطاء والكلبي عن ابن عباس أن كلمته الأولى ﴿ ما علمت لكم من إله غيري  ﴾ والثانية ﴿ أنا ربكم الأعلى  ﴾ وبينهما أربعون سنة أو عشرون، وفيه دليل على أنه  يمهل ولا يهمل.

وذكر قوم واستحسنه القفال أن كلمته الأولى تكذيب موسى حين أراه الآية، والأخرى هي قوله ﴿ أنا ربكم الأعلى ﴾ وقد يدور في الخلد أن كلمته الأولى هي قوله ﴿ أنا ربكم ﴾ والآخرة وصفه بالأعلى فإنه لو اقتصرعلى الأولى لم يكن كفراً بدليل قول يوسف ﴿ ارجع إلى ربك  ﴾ ﴿ إنه ربي أحسن مثواي  ﴾ لكنه لما وصفه بالأعلى صار كفراً فأخذه بالأولى والآخرة.

قال الإمم فخر الدين الرازي: إن العاقل لا يشك في نفسه أنه ليس خالق السموات والأرض وما بينهما، فالوجه أن يقال: إن فرعون كان دهرياً منكراً للصانع والحشر والجزاء وكان يقول ليس لأحد عليكم أمر ولا نهي سواي فأنا ربكم بمعنى مربيكم والمحسن إليكم.

وأقول: كما أن نسبة الإنسان خلق العالم إلى نفسه يوجب الحكم عليه بالجنون وسخافة العقل فالقول بنفي الصانع ونسبة وجود الأشياء إلى ذواتها مع تغيرها في أنفسها يوجب الحكم عليه بعدم العقل فما الفرق بين الأمرين؟

وأيّ استبعاد في ذلك وقد قال الله  ﴿ إن الإنسان ليطغى إن رآه استغنى  ﴾ وسكر الدنيا أشدّ من سكر الخمر فإن الثمل من الخمر يرجى صحوه والثمل من شراب حب المال والجاه الطافح من خيال الرياسة لا ترجى إفاقته.

ثم ختم القصة بقوله ﴿ إن في ذلك ﴾ الحديث أو النكال وهو في العرف يقع على ما يفتضح به صاحبه ويعتبر به المعتبر ﴿ لعبرة لمن يخشى ﴾ أي يكون من أهل الخشية لا القسوة.

ثم خاطب منكري البعث بقوله ﴿ أأنتم أشدّ ﴾ أي أصعب ﴿ خلقاً أم السماء ﴾ فنبههم على أمر معلوم بالمشاهدة وهو أن خلق السماء أعظم وأبلغ في القدرة.

وإذا كان الله قادراً على إنشاء العالم الأكبر يكون على خلق العالم الأصغر بل على إعادته أقدر.

ثم أشار إلى كيفية خلق السماء فقال ﴿ بناها ﴾ وفيه تصوير للأمر المعقول وهو الإبداع والاختراع بالأمر المحسوس وهو البناء.

ثم ذكر هيئة البناء فقال ﴿ رفع سمكها ﴾ وهو الامتداد القائم على كل من امتدادي الطول والعرض.

فإذا اعتبر من السفل إلى العلو يسمى سمكاً، وإذا اعتبر بالعكس يسمى عمقاً.

وذكر أهل التفسير أن ما بين كل سماء مسيرة خمسمائة عام.

ولأهل الهيئة طريقة أخرى قد برهنوا عليها في كتبهم.

قوله ﴿ فسوّاها ﴾ زعم أصحاب الهيئة أن المراد بهذه التسوية جعلها كرية ولا ضرر في الدين من هذا الاعتقاد.

وحملها المفسرون على تمام التأليف أو على نفي الفطور عنها.

وأقول: من الجائز أن يراد بها جعلها طبقات مرتبة كقوله ﴿ فسوّاهن سبع سموات  ﴾ الغطش الظلمة يقال: غطش الليل وأغطشه الله.

ويقال: أغطش الليل أيضاً مثل أضاء وأظلم.

وعبر بالضحى عن النهار لأن الضحى أكمل أجزائه في النور والضوء.

وإنما أضاف الليل والنهار إلى السماء لأنهما بسبب غروب الشمس وطلوعها الحادثين بسبب حركة الفلك قوله ﴿ والأرض بعد ذلك دحاها ﴾ قد مر تفسير الدحو في أول سورة " البقرة " وأن بعدية دحو الأرض لا تنافي تقدّم خلق الأرض على السماء في قوله ﴿ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء  ﴾ قال أهل اللغة: دحوت أدحو ودحيت أدحى لغتان في حديث عليّ: اللهم داحي المدحيات أي باسط الأرضين السبع.

وقد يروى عن ابن عباس ومجاهد والسدّي وابن جريج أن قوله ﴿ بعد ذلك ﴾ يعنى مع ذلك كقوله ﴿ فك رقبة ﴾ إلى قوله ﴿ ثم كان من الذين آمنوا  ﴾ أي كان مع هذا من أهل الإيمان بالله.

ونصب ﴿ الأرض ﴾ ﴿ والجبال ﴾ فيما يجيء بإضمار دحى وأرسى على شريطة التفسير.

قال المفسرون: أراد بالمرعى جميع ما يأكله الناس والأنعام فيكون الرعي مستعاراً للإنسان ولهذا قال ﴿ متاعاً ﴾ أي فعل كل ذلك تمتيعاً لكم ولأنعامكم.

حين فرغ من دلائل القدرة على البعث رتب عليه شرح يوم القيامة.

والطامة الداهية التي لا تطاق من قولهم طم الفرس طميماً إذا استفرغ جهده في المشي والجري فإذا وصفت بالكبرى كانت في غاية الفظاعة ونهاية الشدّة، وفي أمثالهم " جرى الوادي فطم على القري " وهو مفرد وجمعه أقرية وقريان وهي الجداول والأنهار.

وأصل الطم الدفن والغلب فكل ما غلب شيئاً وقهره وأخفاه فقد طمه.

وقيل: الطامة النفخة الثانية عن الحسن.

وقيل: هي الساعة التي يساق بها أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار.

قال جار الله: ﴿ يوم يتذكر ﴾ بدل من ﴿ إذا جاءت ﴾ لأنه إذا رأى أعماله مدوّنة مكتوبة تذكرها وكان قد نسيها.

قوله ﴿ وبرزت الجحيم لمن يرى ﴾ كقولهم " قد بين الصبح لذي عينين " وهو مثل في الأمر المنكشف الذي لا يخفى على أحد فعلى هذا يكون استعارة ولا يجب أن يراها كل أحد لأن الإخبار إنما وقع عن كونها بحيث لا تخفى على ذي بصر لا عن وقوع البصر.

وقيل: إنها برزت الجحيم ليراها كل من له بصر وعلى هذا يجب أن يراها كل أحد إلا أن المؤمنين يمرون عليها كالبرق الخاطف، وأما الكافرون فيقعون فيها فكأنها برزت لأجلهم فقط، وبهذا الاعتبار قال في موضع آخر.

﴿ وبرّزت الجحيم للغاوين  ﴾ وقوله ﴿ طغى ﴾ إشارة إلى فساد القوى النظرية فإن من عرف الله بالكمال عرف نفسه بالنقصان فلم يصدر عنه الطغيان.

قوله ﴿ وآثر الحياة الدنيا ﴾ رمز إلى اختلال القوّة العملية فإن حب الدنيا رأس كل خطيئة.

واللام في ﴿ المأوى ﴾ للعهد الذهني أي مأواه اللائق به ولهذا استغنى عن العائد ولا حاجة إلى تكلف أن الألف، واللام بدل من الإضافة.

قوله ﴿ خاف مقام ربه ﴾ نقيض طغى.

قوله ﴿ ونهى النفس ﴾ الأمارة ﴿ وآثر الحياة الدنيا ﴾ فهذا الشخص إذا كامل في قوّته النظرية والعملية.

وتفسير ﴿ خاف مقام ربه ﴾ قد مر في سورة الرحمن.

﴿ ونهى النفس ﴾ ضبطها وتوطينها على متاعب التكاليف من الأفعال والتروك.

ثم إن المشركين كانوا يسمعون النبي  يذكر الطامة والحاقة وغيرهما من أسماء القيامة فيسألون ﴿ أيان مرساها ﴾ أي زمان إرسائها وهو إقامة الله إياها وقد مر في آخر " الأعراف ".

وعن عائشة  ا لم يزل رسول الله  يذكر الساعة ويسأل عنها حتى نزلت.

وقوله ﴿ فيم أنت ﴾ على هذا تعجب من كثرة ذكره لها كأنه قيل: في أي شغل واهتمام أنت من ذكرها والسؤال عنها حرصاً على جوابهم إلى ربك منتهى علمها لم يؤته أحداً من خلقه.

ويجوز أن يكون قوله ﴿ فيم أنت من ذكراها ﴾ من تتمة السؤال أي يسألونك فيم أنت من العلم بها.

ويحتمل أن يكون فيم إنكار سؤالهم أي فيم هذا السؤال.

ثم قيل: أنت من ذكراها أي إرسالك وأنت آخر الرسل وخاتم الأنبياء ذكر من أذكارها وعلامة من علاماتها فلا حاجة إلى الاستفهام عن وقتها بعد العلم باقترابها، فإن هذا القدر من العلم يكفي في وجوب الاستعداد لها بل لا يتم الغرض من التكليف إلا بإخفاء وقته كالموت ﴿ إنما أنت منذر ﴾ لا تتعداه إلى العلم بالغيب الذي العلم بالساعة جزئي منه.

وخص الإنذار بأهل الخشية لأنهم المنتفعون بذلك.

ثم أخبر أنهم حين يرون الساعة يستقصرون مدّة لبثهم في الدنيا.

وقيل: في القبور.

روى عطاء عن ابن عباس أن الهاء والألف صلة والمعنى لم يلبثوا إلا عشية أو ضحى.

وقال النحويون: فيه إضمار والتقدير إلا عشية أو ضحى يوم تلك العشية على أن الإضافة في ﴿ ضحاها ﴾ يكفي فيها أدنى ملابسة وهو ههنا إجتماعهما في نهار واحد.

قال صاحب الكشاف: فائدة الإضافة الدلالة على أن مدة لبثهم كانها لم تبلغ يوماً كاملاً.

قلت: سلمنا أن هذه الفائدة مفهومة من عبارة القرآن إلا أنها تحصل أيضاً بتقدير عدم الإضافة كما لا يخفى فلا يصح أن تسند الفائدة إلى الإضافة وحدها.

فالوجه أن يقال: فائدة الإضافة أن يعلم أن مجموع الدنيا في ظنهم كيوم واحد وزمان لبثهم في الدنيا كساعة منه عشية أو ضحاها نظيره قول القائل " ما سرت إلا عشية أو ضحى " فإنه لا يفهم منه إلا السير في بعض يوم مّا، وقد تكون العشية من يوم والضحى من يوم آخر.

ولو قال " إلا عشية أو ضحاها " لم يمكن أن يكون السير إلا في أحد هذين الوقتين من يوم واحد.

قال بعضهم: فائدة الترديد أن زمان المحنة يعبر عنه بالعشية وزمان الراحة يعبر عنه بالضحى فكأنه قيل: ما كان عمرنا في الدنيا إلا هاتين الساعتين.

أقول: ويحتمل أن يقال إن مبدأ اليوم بليلته كان قبل شرعنا في أكثر الأديان من نصف النهار وقد صار المبدأ في شرعنا من أول الفجر وكأنهم حين أرادو التعبير عن بعض اليوم.

قالوا: إن كان المبدأ من نصف النهار فنحن لم نلبث إلا عشية وهو ما بعد الزوال إلى الغروب، وإن كان المبدأ من أول الفجر فلم نلبث إلا من الفجر إلى الضحى فلعل هذا هو السر في تقديم العشية على الضحى مع رعاية الفاصلة والله أعلم بأسرار كلامه.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ ﴾ : منهم من يقول: قد أتاك فخوفهم به.

وقال الحسن: لم يكن أتاه، فأتاه بهذا؛ كما يقول الرجل الآخر: هل أتاك ما فعل فلان؟

وهو يريد أن يذكره بهذا فيعلمه مع علمه أنه لم يكن علمه من قبل.

وقد ذكرنا ما في ذكر الأنباء من الفوائد من تثبيت الرسالة والتخويف لمن أساء صحبة الرسل - عليهم السلام - لئلا ينزل بهم ما نزل بفرعون وأتباعه حين أساءوا صبحة الرسول موسى،  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى ﴾ قيل: طوى: اسم ذلك الوادي.

وقيل: سمي: طوى؛ لأنه بورك مرتين، مرة حين أتاه إبراهيم  ، ومرة بإتيان موسى  .

وذكر عن الزجاج أن ﴿ طِوى ﴾ بكسر الطاء الذي بورك مرتين، ثم أضاف ذلك الحديث مرة إلى موسى ومرة إلى نفسه إذ ناداه؛ فظاهره: أن الله -  - هو الذي كلمه، فأضيف إلى الله  ؛ لأن أصله من الله -  - كما ذكرنا في قوله -  -: ﴿ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ  ﴾ ، وفي قوله: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ ﴾ أي: عتا وطغى في نعمه، فاستعملها في كفران نعمه؛ فلم يشكر الله -  - بها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ ﴾ ، أي: هل لك في إجابة من إذا أجبت تزكيت، أو هل لك رغبة إلى ما تزكو به نفسك وتمنو.

ثم في هذه الآية دلالة من أراد أن يدعو آخر إلى ما فيه رشده وصلاحه، فالواجب عليه أن يدعوه أولا بالرقم واللين؛ كما أمر موسى وهارون - عليهما السلام - بقوله: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً  ﴾ ، وبقوله: ﴿ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ ﴾ ثم إذا ترك الإجابة ختم كلامه بالتعنيف؛ كما فعل موسى -  - بقوله: ﴿ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يٰفِرْعَونُ مَثْبُوراً  ﴾ بعد قوله: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ ﴾ ، أي: أهديك إلى ربك فتهتدي، ثم تخشاه إذا اهتديت؛ أي: عرفت عظمته وجلاله؛ فتخشى عقوبته؛ فيكون العلم مثمرا للخشية؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ  ﴾ .

أو أهديك إلى طاعة ربك، وأنذرك عقابه إذا عصيته؛ فتخشى؛ فلا تعصيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَرَاهُ ٱلآيَةَ ٱلْكُبْرَىٰ ﴾ : منهم من ذكر أن الآية الكبرى هي اليد؛ سميت: كبرى؛ لأن سحرهم عمل في الحبال العصي، ولم يعمل في اليد؛ فكانت هذه الآية خارجة عن نوع سحرهم، فسيمت: كبرى؛ لهذا المعنى.

ومنهم من ذكر أن الآية الكبرى هي العصا؛ لأن غلبة موسى -  - على السحرة كانت بالعصا، حيث تلقفت ما أتوا به من السحر، ولكن كل آياته كانت كرى، كما قال في آية أخرى: ﴿ وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا  ﴾ ، فكانت أحداهما أكبر من الأخرى عند ذوي الأحلام والنهى لما تأمل فيها وتدبر، والله الموفق.

وقوله: ﴿ فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ ﴾ ، أي: كذب بآيات الله، وعصى نبيه موسى؛ فلم يطعه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ ﴾ ، قال الحسن: كان خفيفا طيَّاشاً، وإلا فالملوك إذا دعوا إلى أمر تدبروا فيه وتفكروا: إما ليجيبوا الداعي إلى ما دعاهم، أو ليردوا عليه، فأما الإدبار والسعي فليس إلا من الخفة والطيش.

وقال غيره: أدبر عن طاعة الله -  - وتولى عنه، وسعى في جمع السحرة.

أو سعى في جمع من قال لموسى -  -: ﴿ فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لاَّ نُخْلِفُهُ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَحَشَرَ فَنَادَىٰ * فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ ﴾ : ذلك اللعين قد علم أنه ليس ذلك إليه، لكن إذا صاروا من خاصته أذن لهم بأن يعبدوه، وأمر الخواص منهم بعبادته، فسمى نفسه: أعلى الأرباب؛ لهذا.

وقوله -: ﴿ فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلآخِرَةِ وَٱلأُوْلَىٰ ﴾ : منهم من يقول: أخذه بعقوبة الكلمتين جميعا: الكلمة الأولى: قوله: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي  ﴾ ، والكلمة الثانية: قوله: ﴿ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ ﴾ .

ومنهم من يقول: أخذه بعقوبة ما تقدم من الإجرام وما تأخر إلى أن غرق.

ومنهم من يقول: أخذه بالعقوبة في الدنيا والآخرة، فغرقه في الدنيا، وعذب روحه بعد مماته بقوله: ﴿ ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً  ﴾ ، ويدخل في النار مع أتباعه بقوله: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ  ﴾ ؛ فاتصلت عقوبة الدنيا بعقوبة الآخرة.

وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ ﴾ : وفي ذلك كله عبرة، لكن الذي يعتبر بها من يخشى العواقب، ويخاف عقوبة الله  .

وقوله: ﴿ ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ ﴾ : جائز أن يكونن هذا صلة قوله: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ  ﴾ ؛ فيكون في قوله: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ ﴾ .

وفي قوله: ﴿ ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً ﴾ تقرير له أيضا.

ثم قوله: ﴿ ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ ﴾ يحتمل أوجها: أحدها: أن إعادتهم خلقا جديدا وبعثهم أيسر في عقول منكري البعث من خلق السماوات، وقد أقروا أنه خالق السماء، فإذا لم يتعذر عليه خلق السماء، وإن كان خلقها أشد في عقولهم من خلق أمثالهم، فما بالهم ينكرون بعثهم وإعادتهم إلى ما كانوا عليه، وذلك أهون في عقولهم.

ويحتمل وجها آخر: وهو أن السماء مع شدة خلقها أشفقت على نفسها، فأبت قبول ما عرض عليها من الأمانة، وخافت نقمة الله -  - [فما بال] هذا الإنسان مع ضعفه يمتنع عن الإجابة إلى ما دعي إليه؛ أفلا يشفق على نفسه، ولا يخاف نقمة الله  ، وما خلقت النار والجنة إلا لأجل الإنس، فيذكرهم بهذا؛ ليخوفهم ويرتدعوا عما هم فيه من الطغيان ويجيبوا إلى ما دعاهم إليه الرسول.

وجائز أن يكون هذا صلة قوله: ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ  ﴾ ، و ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ  ﴾ ، فيخبر أن السماء مع شدتها وطواعيتها لا تقوم بذلك اليوم؛ فكيف [يقوم الإنسان] لهول ذلك اليوم مع ضعفه؟!

فيرجع هذا - أيضا - إلى التخويف.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ﴾ : ﴿ بَنَاهَا ﴾ : أي: خلقها، ﴿ رَفَعَ سَمْكَهَا ﴾ : سقفها، ﴿ فَسَوَّاهَا ﴾ بالأرض، أو سواها على ما توجبه الحكمة ويدل على الوحدانية.

قال إمام الهدى أبو منصور -  -: ثم لم يفهم أحد من قوله: ﴿ بَنَاهَا ﴾ ما يفهم من البناء المضاف إلى الخلق، ولا فهم من الرفع ما يفهم من الرفع المضاف إليهم، ولا فهم من قوله: ﴿ وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴾ ما يفهم من البسط المعروف المنسوب إلى الخلق، فما بال [بعض] الناس فهموا من المجيء الذي أضيف إلى الله  ما فهموا من المجيء الذي يضاف إلى الخلق، فلولا آفة حلت بهم حملتهم على أن يفهموا منه المكروه، وإلا لم تنصرف أوهامهم إلى مثل ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا ﴾ ، قيل: أظلم ليلها، ﴿ وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا ﴾ : ففي؛ إظلام الليل، وإخراج الضحى ما ينفي عن منكري البعث الشبه التي تعترض لهم، وذلك أنه يغطش في ساعة لطيفة ويغشى ظلمتها كل شيء، ثم يتلفها في أدنى وهلة، ويفنيها كأنها لم تكن، ثم يعيدها بعدما أتلفها حتى لو أراد [أحد أن يميز] بين الأولى والثانية لم يقدر عليه، بل وقع عنده أن الأولى هي الثانية، والثانية هي الأولى، وهذا بعدما تلفت الظلمة الأولى، وذهبت كلها حتى لم يبق منها أثر؛ فلأن يكون قادرا على إعادتهم خلقا جديدا بعدما أفناهم، وقد بقي من آثار الخلق الأول بعضه - أولى.

ثم أضاف ذلك إلى السماء؛ لأن بدأهما يظهر من عندها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴾ قالوا: بسطها: فمنهم من يقول: خلقها مجتمعة، ثم بسطها بعدما خلق السماوات؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ دَحَاهَا ﴾ ، ولم يقل: خلقها.

ومنهم من ذكر أنه خلق سماء الدنيا أولاً، ثم خلق الأرضين بعد ذلك، ثم خلق السماوات الست من بعد.

ومنهم من ذكر أنها كانت قبل أن تبسط تحت بيت المقدس، ثم بسطها بعد ذلك.

قال أبو بكر: هذا لا يحتمل؛ لأنه لا يجوز أن تكون بجملتها وسعتها تحت بيت المقدس، والله أعلم.

ولكن معناه عندنا - إن كان على ما قالوا - [فهو] منصرف إلى الجواهر؛ أي: الجوهر الذي خلق منه الأرض كان هنالك، لا أن كانت بجملتها تحته؛ كما خلق هذا الإنسان من النطفة وإن لم يكن بكليته في النطفة، وخلق من التراب وإن لم يكن بكليته على ما هو عليه في التراب، وكان معناه: أنه خلق من ذلك الجوهر؛ فعلى ذلك الحكم فيما ذكره.

ومنهم من زعم أن خلقهما كان معا.

وذكر عن الحسن أن الأرضين خلقت قبل السماء بقوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّٰهُنَّ...

 ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ  ﴾ ، وقال: اسم السماء ما ارتفع من الشيء كما يقال للسقف، سماء؛ لارتفاعه عن الإنسان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا ﴾ : ذكر ما أنشأه لنا؛ لنحمده، وما أخرج منها للأنعام لتذكير النعم - أيضا - لنشكره ونحمده عليه؛ إذا الدواب خلقت لنا، فما رجع إلى منافعها فيه راجعة إلينا، إذ بها ما نصل إلى الانتفاع بالدواب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْجِبَالَ أَرْسَاهَا ﴾ ، أثبتها؛ لئلا تميد بأهلها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ ﴾ : فيه أن ما جعله متاعا لنا قد جعل شيئا من ذلك للدواب أيضا، والذي جعله للأنعام، لم يجعل لنا فيه شركاء؛ وذلك لأن الذي أنشأه لمتاع البشر منه ما يستخبث ويستقذر، ومنه ما يستطاب ويدخر، فجعل ما طاب منه للبشر، وما خبث منه لمنافع الدواب، والذي أنشأه لمنافع الدواب مما تستخبثه الطباع وتستقذره، فَفَضَّل أغذية مَنْ فَضَّلَ منازلهم، ففيما ذكرنا دلالة إباحة التناول من الطيبات؛ إذ الله  مَنَّ على عباده أن جعل أغذيتهم بما طاب من الأشياء، وفضلهم على الأنعام، [فمن كره ذلك] فقد كره الانتفاع بما أنشئ للانتفاع، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

والأرض بعد أن خلق السماء بسطها، وأودع فيها منافعها.

<div class="verse-tafsir" id="91.7koAZ"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

(والنازعات إلخ) جاء في الكتاب العزيز ضروب من القسم بالأزمنة والأمكنة والأشياء.

والقسم إنما يكون بشيء يخشى المقسم إذا حنث في حلفه به أن يقع تحت المؤاخذة -نعوذ باللَّه أن يتوهم شيء من هذا في جانب اللَّه- وما كان اللَّه جل شأنه ليحتاج في تأكيد إخباره إلى القسم بما هو صنع قدرته، فليس لشيء في الوجود قدر إذا نسب إلى قدره الذي لا يقدره القادرون، بل لا وجود لكائن إذا قيس إلى وجوده إلا لأنه انبسط عليه شعاع من أشعة ظهوره جل شأنه.

ولهذا قد يسأل السائل عن هذا النوع من تأكيد الخبر الذي اختص به القرآن، وكيف يوجد في كلام اللَّه؟

فيجاب بأنك إذا رجعت إلى جميع ما أقسم اللَّه به وجدته إما شيئًا أنكره بعض الناس أو احتقره لغفلته عن فائدته، أو ذهل عن موضع العبرة فيه، وعمى عن حكمة اللَّه في خلقه، أو انعكس عليه الرأي في أمره فاعتقد فيه غير الحق الذي قرر اللَّه شأنه عليه، فيقسم اللَّه به إما لتقرير وجوده في عقل من ينكره، أو تعظيم شأنه في نفس من يحقره، أو تنبيه الشعور إلى ما فيه عند من لا يذكره، أو لقلب الاعتقاد في قلب من أضله الوهم أو خانه الفهم.

فمما أقسم اللَّه به يوم القيامة أو القرآن مثلًا، ذلك لتقرير أن الأول واقع لا مفر منه، وأن الثاني كلام اللَّه الحق الذي لا ريب فيه، ثم يكون في ذلك تعظيم كليهما: الأول لما يكون فيه من سعادة وشقاء، والثاني لما فيه من الهداية والشفاء لما يعرو النفوس من الأدواء.

ومن ذلك النجوم: قوم يحقرونها لأنها من جملة عالم المادة، ويغفلون عن حكمة اللَّه فيها وما ناط بها من المصالح، وآخرون يعتقدونها آلهة تتصرف في الأكوان السفلية تصرف الرب في المربوب، فيقسم اللَّه بها موصوفة بأوصاف تدل على أنها من المخلوقات التي تصرفها القدرة الإلهية وليس فيها شيء من صفات الألوهية، كما تراه في مفتتح هذه السورة وفي سورة إذا الشمس كورت، ثم تشير إلى ما نيط بها من المصالح كما سيرد عليك.

وسترى فيما يساق إليك من هذا التفسير في السور الآتية ما يرشدك إلى تفصيل ما أجملناه هنا.

وهناك أمر يجب التنبيه عليه، وهو أن من الأديان السابقة على دين الإسلام ما ظن أهله أن هذا الكون الجسماني وما فيه من نور وظلمة وأجرام وأعراض إنما هو كون مادي لم يشأ اللَّه خلقه إلا ليكون حبسًا للأنفس وفتنة للأرواح، فمن طلب رضا اللَّه فليعرض عنه، وليبعد عن طيباته، وليأخذ بدنه بضروب الإعنات التعذيب وأصناف الحرمان، وليغمض عينيه عن النظر إلى شيء مما يشتمل عليه هذا الكون الفاسد في زعمه، اللهم إلا على نية مقته والهروب منه.

فأقسم اللَّه بكثير من هذه الكائنات ليبين مقدار عنايته بها، وأنه لا يغضبه من عباده أن يتمتعوا بما متعهم به منها متى أدركوا حكمة اللَّه في ذلك المتاع ووقفوا عند حدوده في الانتفاع.

وقد افتتح اللَّه هذه السورة بأن أقسم ببعض مخلوقاته إظهارًا لعظم شأنها، واتقان نظامها، وغزارة فوائدها، وأنها مسخرة له، خاضعة لأمره، لَيَقعنَّ ما يوعدون، مما ذكر في السورة السابقة وما يذكر في هذه لسورة، في يوم تعظم فيه الأهوال، وتضطرب فيه القلوب وتخشع الأبصار، ويعجب فيه المبعوثون من عَوْدِهم إلى حياتهم الأولى بعد أن كانوا عظامًا نخرة بالية تمر فيها الرياح، ويتحققون حينئذ خَسارهم بما أنكروا في هذه الدنيا معادهم، فيجابون على تعجبهم هذا بأن لا تحسبوا تلك الكَرَّة إلى الحياة صعبة على اللَّه، فما الأمر عنده إلا صيحة واحدة فإذا الناس أحياء ظاهرون في أرض المعاد.

(النازعات) من نزع عن القوس رمى عنها.

و(الغرق) هو الإغراق في النزع، أي الإتيان على الغاية منه.

والنازعات غرقًا هي الكواكب تنزع عن قسي دوائرها ما نراه شهبًا ساقطة.

و(الناشطات نشطًا) من نشط ينشط إذا خرج من بلد إلى بلد، وهي الكواكب تفارق مداراتها وتنقلب من برج إلى برج فتختلف أقاليمها.

وهي (السابحات سبحًا)، تتحرك في الهواء، وتسير في الجواء سيرًا سريعًا، وهي السيارات من كواكب وأقمار.

وهي (السابقات) في سبحها، فتتم دورتها حول ما تدور عليه في مدة أسرع مما يتمم غيرها: كالقمر يتمم دورته في شهر قمري، وكالأرض تتم دورتها في سنة شمسية ونحو ذلك من السيارات ومنها ما لا يتمم دورته إلا في سنين، لكن السابقات هي التي انفردت بتدبير بعض الأمور الكونية في عالمنا الأرضي، كما قال (فالمدابرات أمرًا)، وليس التدبير إلا ظهور الأثر، فسبْق القمر عَلَّمنا حساب شهوره، وله من الأثر في السحاب والمطر، وفي البحر من المد والجزر، ولضيائه أيام امتلائه من الفوائد في تصريف منافع الناس والحيوان ما لا يخفى على ذي بصيرة.

وسَبْق الشمس في أبراجها -على ما يرى للناظر- عَلَّمنا حساب شهورها، وسَبْقها إلى تتميم دورتها السنوية، علمنا حساب السنين من جهة، وخالف بين فصول السنة من جهة أخرى.

واختلاف الفصول من أسباب حياة النبات والحيوان، ونسبة التدبير إليها لأنها أسباب ما نستفيده منها.

والمدبر الحكيم هو اللَّه جل شأنه.

(الراجفة) الأرض بمن عليها و(الرادفة) السماء وما فيها، تردفها أي تتبعها فتنشق وتنتشر كواكبها.

(الواجفة) شديد الاضطراب.

(أبصارها خاشعة) أي ذليلة، وأضاف الأبصار إلى ضمير القلوب لأنه أراد من وجيف القلوب شدة الخوف الواقع بأربابها، فهي كناية عنهم.

(الحافرة) الحالة الأولى، أي الحياة بعد الموت ظنوها حياتهم الأولى.

يقال رجع فلان في حافرته أي في طريقه التي جاء فيها.

و(النخرة) البالية الجوفاء التي تمر فيها الرياح و(الكرة) الواحدة من الكر، أي الرجوع، و(الخاسرة) التي يخسر أربابها ولا يربحون.

و(الزجرة) الصيحة يراد بها النفخة الثانية يبعث بها الأموات.

و(الساهرة) الأرض البيضاء، سميت بذلك لأن السراب يجري فيها، من قولهم عين ساهرة أي جارية الماء لا ينقطع جريانه منها.

(هل أتاك إلخ) يريد اللَّه أن يُذَكِّر نبيه بدعوة موسى لفرعون، وأمر اللَّه لنبيه موسى بالتلطف في القول واللين في الدعوة إلى الحق، موافاة للحكمة، وإقامة للحجة في الموعظة، ثم بما كان من عاقبة الدعوة، وعصيان فرعون، واستنكافه عن قبولها، وأخذ اللَّه له، وتنكيله به في الدنيا والآخرة حيث أغرقه، وفي الآخرة سيحرقه.

وفي ذلك تسلية له  ووعد له بالفوز كما فاز موسى.

وفيه وعيد شديد لأولئك الذين كانوا يكذبون ما جاء به من التوحيد ووجوب الإيمان باليوم الآخر، وإنذارهم لهم بأن من أهلك فرعون في عتوه وجبروته قادر على إهلاكهم.

(الوادي المقدس) واد في أسفل جبل طور سيناء من برية الشام.

و(طوى) إما اسم لذلك الوادي، أو هو بمعنى مرتين، أي الوادي الذي قدس مرة بعد أخرى.

و(طغى) جاوز الحد في العدوان على رعيته من بني إسرائيل، وغلا في الكبر والعظمة حتى ظن أنه مظهر الألوهية.

هل لك إلى كذا؟

أي: هل ترغب فيه؟

ويقال: هل لك في كذا؟

وهل لك إلى كذا؟

بمعنى: هل ترغب فيه وترغب إليه؟

و(تزكى) أي تتزكى وتطهر من الشرك وما يتبعه من رذائل الأخلاق، وهو استفهام يقصد به العرض والطلب، وهو أفضل أنواعه وأوفقها باللطف والأدب و(أهديك) أي: هل تحب أن أدلك على ربك فتؤمن به؟

ومتى آمنت خفته وخشيته، فإن خشية اللَّه إنما تكون من العلم.

قال: إنما يخشى اللَّه من عباده.

ومن خشي اللَّه أتَّقاه، ومن أتقاه أمِن عقابه.

(فأراه الآية الكبرى) أي لما لم يقنع بالدليل القولي أظهر له آية ودليلًا يراه بعينه، وهو انقلاب العصا حية، ومع ذلك كذب الداعي وعصى سلطان البرهان.

(ثم أدبر) أي ترك موسى وانقلب (يسعى) في مكايدته (فحشر) أي جمع سحرته وأعوانه وقام فيهم يقول أنا ربكم الأعلى، فلا سلطان يعلو سلطاني.

ولم يزل في عتوه حتى تبع موسى وقومه إلى البحر الأحمر عند خروجهم من مصر، فأغرقه اللَّه في البحر هو وجنوده، وهو معنى قوله (فأخذه اللَّه نكال الآخرة والأولى) أي أن أخذ اللَّه لم يكن قاصرًا على الإغراق في البحر، بل نكل به وعذبه عذاب الآخرة: وهي يوم القيامة، والأولى: وهي هذه الدنيا.

(إن في ذلك لعبرة) أي موعظة (لمن يخشى) أي يخاف، أي لمن له عقل يتدبر به عواقب الأمور ومصائرها، فينظر في حوادث الماضين وأحوال الحاضرين ويتعظ به.

(أأنتم أشد خلقًا) عود إلى خطاب أولئك المكذبين المغرورين لتقريعهم وتسفيه أحلامهم في استبعاد ما يوعدون به من البعث وما يتبعه، أو استبطاء أخذ اللَّه لهم في هذه الدنيا، مع أنه هو الذي أنشأهم وخلقهم أول مرة.

فإن كانوا قد غفلوا عن أنه هو خالقهم فلينظروا إلى السماء وإلى الأرض، ليعلموا أن من خلقهما وأنشأهما لا يصعب عليه خلقهم، ولا يسعهم إنكار أن خالق السماء والأرض هو اللَّه، فكيف ينكرون أنه خالقهم وأنه القادر على إعادتهم كما بدأهم؟

(أشد خلقًا) أصعب إنشاء.

(بناها) بيان لكيفية خلقة السماء.

والبناء ضم الأجزاء المتفرقة بعضها إلى بعض مع ربطها بما يمسكها حتى يكون عنها بنية واحدة.

وهكذا صنع اللَّه بالكواكب: وضع كلًا منها على نسبة من الآخر مع ما يمسك كلًا في مداره حتى كان عنها عالم واحد في النظر سمي باسم واحد وهو السماء التي تعلونا، وهو معنى قوله (رفع سمكها فسواها) والسمك قامة كل شيء، فقد رفع أجرامها فوق رؤوسنا (فسواها) عدلها بوضع كل جرم في موضعه.

(أغطش الليل) أظلمه.

وغطش الليل أظلم، ونسبة الليل إلى السماء لأنه يكون بمغيب كواكبها.

و(ضحاها) نورها وضوء شمسها.

قال تعالى: والشمس وضحاها أي ضوؤها.

وتعاقب الليل والنهار واختلاف الفصول التابع لحركة بعض السيارات يهيئ الأرض للسكنى، وهو معنى قوله: (والأرض بعد ذلك) تسوية السماء على الوجه السابق وإبراز الأضواء.

(دحاها) أي مهدها وجعلها قابلة للسكنى، وذلك بأن (أخرج منها ماءها) بتفجير الينابيع والعيون والأنهار، (ومرعاها) أي رعيها، وهو النبات الذي يأكل منه الناس والدواب.

وتثبيت الجبال وجعلها مانعة من اضطراب الأرض من تتمة التمهيد وإعداد الأرض لسكنى الأحياء، وهو متأخر عن الاستعداد الأول لإثبات النبات وإن كان بروز الجبال سابقًا على ذلك.

وقد جعل اللَّه ذلك كله ليتمتع به الناس والأنعام، أفلا يكون صانع ذلك كله هو صانعكم؟

أفلا يكون خالقكم وواهبكم ما به تحبون، ورافع السماء فوقكم، وممهد الأرض تحتكم، قادرًا على بعثكم؟

وهل يليق به أن يترككم سدى أن دبركم هذا التدبير، ووفر لكم هذا الخير الكثير.

(فإذا جاءت إلخ) لما تبين أنه القادر على نشر الأموات، كما قَدَر على خلق الأكوان، تبيّن صدق ما أوحى به إلى نبيه من أن ذلك اليوم الذي يقوم فيه الناس لرب العالمين لا بد منه.

فإذا جاءت طامته الكبرى التي تفوق كل طامة، ووقت مجيئها هو ذلك اليوم الذي تعرض فيه الأعمال على العالمين، فيتذكر كل سعيه وعمله، يوم يظهر اللَّه فيه الجحيم ودار العذاب للعيان، فيراها كل من له بصر.

في ذلك اليوم يوزع الجزاء على الأعمال.

(فأما من طغى) وجاوز حدود اللَّه المضروبة في أحكامه، وفضل لذائذ الحياة الدنيا على ثواب الآخرة، فدار العذاب مأواه ومستقره.

وأما من عرف بسطة السلطان الإلهي، فخاف ذلك الجلال الرفيع، وزجر نفسه عن هواها الباطل الذي يميل بها إلى اتباع الشهوات، فالجنة مأواه.

فعلى هذا يكون جواب إذا محذوفًا للإيجاز، دل عليه التقسيم في قوله: فأما من طغى، وتقديره وزع الجزاء على العمل فأما إلخ.

(الطامة الكبرى) الداهية التي تطم على الدواهي، أي تغلب وتعلو.

(مقام ربه) يراد منه جلاله وعظمته، وإلا فهو منزه عن المقام والقيام.

(المأوى) في الموضعين هو المستقر والمقام.

والتعريف إشارة إلى أنه معلوم لا شبهة فيه.

(يسألونك عن الساعة إلخ)، كان أهل العناد من قريش يعنتون رسول اللَّه  بالسؤال عن وقت الساعة ومتى يقيمها اللَّه، فكان النبي يردد في نفسه ما يقولون ويتمنى لو أمكن الجواب عما يسألون، كما هو شأن الحريص على الهداية، الجاهد في الإقناع.

فنهاه اللَّه عن تمني ما لا يرجى، وجاء بالنهي في صورة الاستفهام الإنكاري حيث قال: فيم أنت من ذكراها؟

أي ما هذه الذكرى الدائمة؟

لست في شيء منها، أي لا حاجة لك بها، فإن علم ذلك ينتهي إلى ربك.

وإنما شأنك أن تنذر من يخافها، فتنبهه من غفلته حتى يستعد لما يلقاه يومها.

أما هؤلاء المعاندون فدعهم فإنهم لا يعقلون، ولا تشتغل بالجواب عما يسألون.

فإذا جاءت الساعة ذهبت صورة كل زمان مضى من أذهانهم، سواء طال أو قصر، فحسبوا أنهم لم يلبثوا من يوم خلقوا إلى يوم بعثوا إلا عشية أو ضحاها، أي طرفًا من أطراف النهار، لا نهارًا كاملًا، وذلك لمفاجأتها لهم على غير استعداد لتوقعها.

(الساعة) ساعة يبعث الناس، وهي يوم القيامة.

(أيان مرساها) أي متى إرساؤها أي إقامتها، ومتى حصولها.

(فيم أنت) أي: في أي شيء أنت من مداومة تذكرها؟

أو: في أي شيء أنت من ذكرها لهم وإخبارهم بوقتها؟

أي: لست في شيء من هذا.

أي ليس من شأنك أن تذكر لهم من خبرها شيئًا سوى أنك تنذر من يخافها.

و(العشية) طرف النهار من آخره، و(الضحى) طرفه من أوله.

وإضافة الضحى إلى ضمير العشية إشارة إلى أن العشية والضحى من يوم واحد.

فهم يحسبون أنهم لم يلبثوا إلا بعض يوم واحد، كما قال لم يلبثوا إلا ساعة من نهار.

واللبث الإقامة.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد