الآية ٤٧ من سورة الرحمن

الإسلام > القرآن > سور > سورة 55 الرحمن > الآية ٤٧ من سورة الرحمن

فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 69 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٧ من سورة الرحمن: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٧ من سورة الرحمن عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

أي فبأي الآلاء يا معشر الثقلين من الإنس الجن تكذبان؟

قاله مجاهد وغير واحد ويدل عليه السياق بعده أي النعم ظاهرة عليكم وأنتم مغمورون بها لا تستطيعون إنكارها ولا جحودها فنحن نقول كما قالت الجن المؤمنون به اللهم ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد وكان ابن عباس يقول لا بأيها يا رب أي لا نكذب بشيء منها قال الإمام أحمد حدثنا يحيى بن إسحاق حدثنا ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن أسماء بنت أبي بكر قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ وهو يصلي نحو الركن قبل أن يصدع بما يؤمر والمشركون يستمعون "فبأي آلاء ربكما تكذبان".

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) يقول تعالى ذكره: فبأيّ نعم ربكما أيها الثقلان -التي أنعم عليكم بإثابته المحسن منكم ما وصف جلّ ثناؤه في هذه الآيات - تكذّبان.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

خطاب للإنس والجن , لأن الأنام واقع عليهما .وهذا قول الجمهور , يدل عليه حديث جابر المذكور أول السورة , وخرجه الترمذي وفيه " للجن أحسن منكم ردا " .وقيل : لما قال : " خلق الإنسان " [ الرحمن : 3 ] " وخلق الجان " [ الرحمن : 15 ] دل ذلك على أن ما تقدم وما تأخر لهما .وأيضا قال : " سنفرغ لكم أيها الثقلان " [ الرحمن : 31 ] وهو خطاب للإنس والجن وقد قال في هذه السورة : " يا معشر الجن والإنس " [ الرحمن : 33 ] .وقال الجرجاني : خاطب الجن مع الإنس وإن لم يتقدم للجن ذكر , كقوله تعالى : " حتى توارت بالحجاب " [ ص : 32 ] .وقد سبق ذكر الجن فيما سبق نزوله من القرآن , والقرآن كالسورة الواحدة , فإذا ثبت أنهم مكلفون كالإنس خوطب الجنسان بهذه الآيات .وقيل : الخطاب للإنس على عادة العرب في الخطاب للواحد بلفظ التثنية , حسب ما تقدم من القول في " ألقيا في جهنم " [ ق : 24 ] .وكذلك قوله [ امرؤ القيس ] : قفا نبك [ من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل ] خليلي مرا بي [ على أم جندب نقض لبانات الفؤاد المعذب ] فأما ما بعد " خلق الإنسان " و " خلق الجان " [ الرحمن : 15 ] فإنه خطاب للإنس والجن , والصحيح قول الجمهور لقوله تعالى : " والأرض وضعها للأنام " والآلاء النعم , وهو قول جميع المفسرين , واحدها إلى وألى مثل معى وعصا , وإلي وألي أربع لغات حكاها النحاس قال : وفي واحد " آناء الليل " ثلاث تسقط منها المفتوحة الألف المسكنة اللام , وقد مضى في " الأعراف " و " النجم " .وقال ابن زيد : إنها القدرة , وتقدير الكلام فبأي قدرة ربكما تكذبان , وقاله الكلبي واختاره الترمذي محمد بن علي , وقال : هذه السورة من بين السور علم القرآن , والعلم إمام الجند والجند تتبعه , وإنما صارت علما لأنها سورة صفة الملك والقدرة , فقال : " الرحمن .علم القرآن " فافتتح السورة باسم الرحمن من بين الأسماء ليعلم العباد أن جميع ما يصفه بعد هذا من أفعاله ومن ملكه وقدرته خرج إليهم من الرحمة العظمى من رحمانيته فقال : " الرحمن .علم القرآن " ثم ذكر الإنسان فقال : " خلق الإنسان " ثم ذكر ما صنع به وما من عليه به , ثم ذكر حسبان الشمس والقمر وسجود الأشياء مما نجم وشجر , وذكر رفع السماء ووضع الميزان وهو العدل , ووضع الأرض للأنام , فخاطب هذين الثقلين الجن والإنس حين رأوا ما خرج من القدرة والملك برحمانيته التي رحمهم بها من غير منفعة ولا حاجة إلى ذلك , فأشركوا به الأوثان وكل معبود اتخذوه من دونه , وجحدوا الرحمة التي خرجت هذه الأشياء بها إليهم , فقال سائلا لهم : " فبأي آلاء ربكما تكذبان " أي بأي قدرة ربكما تكذبان , فإنما كان تكذيبهم أنهم جعلوا له في هذه الأشياء التي خرجت من ملكه وقدرته شريكا يملك معه ويقدر معه , فذلك تكذيبهم .ثم ذكر خلق الإنسان من صلصال , وذكر خلق الجان من مارج من نار , ثم سألهم فقال : " فبأي آلاء ربكما تكذبان " أي بأي قدرة ربكما تكذبان , فإن له في كل خلق بعد خلق قدرة بعد قدرة , فالتكرير في هذه الآيات للتأكيد والمبالغة في التقرير , واتخاذ الحجة عليهم بما وقفهم على خلق خلق .وقال القتبي : إن الله تعالى عدد في هذه السورة نعماءه , وذكر خلقه آلاءه , ثم أتبع كل خلة وصفها ونعمة وضعها بهذه وجعلها فاصلة بين كل نعمتين لينبههم على النعم ويقررهم بها , كما تقول لمن تتابع فيه إحسانك وهو يكفره وينكره : ألم تكن فقيرا فأغنيتك أفتنكر هذا ؟

!

ألم تكن خاملا فعززتك أفتنكر هذا ؟

!

ألم تكن صرورة فحججت بك أفتنكر هذا !

؟

ألم تكن راجلا فحملتك أفتنكر هذا ؟

!

والتكرير حسن في مثل هذا .قال : كم نعمة كانت لكم كم كم وكم وقال آخر : لا تقتلي مسلما إن كنت مسلمة إياك من دمه إياك إياك وقال آخر : لا تقطعن الصديق ما طرفت عيناك من قول كاشح أشر ولا تملن من زيارته زره وزره وزر وزر وزر وقال الحسين بن الفضل : التكرير طردا للغفلة , وتأكيدا للحجة

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: فبأي نعم الله الدينية والدنيوية تكذبان؟

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

" فبأي آلاء ربكما تكذبان "، ثم وصف الجنتين فقال:

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فبأي آلاء ربكما تكذبان».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فبأي نِعَم ربكما -أيها الثقلان- تكذِّبان؟

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه لطائف: الأولى: التعريف في عذاب جهنم قال: ﴿ هذه جَهَنَّمُ  ﴾ والتنكير في الثواب بالجنة إشارة إلى أن كثرة المراتب التي لا تحد ونعمه التي لا تعد، وليعلم أن آخر العذاب جهنم وأول مراتب الثواب الجنة ثم بعدها مراتب وزيادات الثانية: قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى: ﴿ فَذَكّرْ بالقرءان مَن يَخَافُ وَعِيدِ  ﴾ أن الخوف خشية سببها ذل الخاشي، والخشية خوف سببه عظمة المخشى، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء  ﴾ لأنهم عرفوا عظمة الله فخافوه لا لذل منهم، بل لعظمة جانب الله، وكذلك قوله: ﴿ مّنْ خَشْيةِ رَبّهِمْ مُّشْفِقُونَ  ﴾ وقال تعالى: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هذا القرءان على جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خاشعا مُّتَصَدّعاً مّنْ خَشْيَةِ الله  ﴾ أي لو كان المنزل عليه العالم بالمنزل كالجبل العظيم في القوة والارتفاع لتصدع من خشية الله لعظمته، وكذلك قوله تعالى: ﴿ وَتَخْشَى الناس والله أَحَقُّ أَن تخشاه  ﴾ وإنما قلنا: إن الخشية تدل على ما ذكرنا لأن الشيخ للسيد والرجل الكبير يدل على حصول معنى العظمة في خ ش ي، وقال تعالى في الخوف: ﴿ وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا  ﴾ لما كان الخوف يضعف في موسى، وقال: ﴿ لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ  ﴾ وقال: ﴿ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ  ﴾ وقال إني: ﴿ خِفْتُ الموالى مِن وَرَائِى  ﴾ ويدل عليه تقاليب خ وف فإن قولك خفي قريب منه، والخافي فيه ضعف والأخيف يدل عليه أيضاً، وإذا علم هذا فالله تعالى مخوف ومخشي، والعبد من الله خائف وخاش، لأنه إذا نظر إلى نفسه رآها في غاية الضعف فهو خائف، وإذا نظر إلى حضرة الله رآها في غاية العظمة فهو خاش، لكن درجة الخاشي فوق درجة الخائف، فلهذا قال: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء ﴾ جعله منحصراً فيهم لأنهم وإن فرضوا أنفسهم على غير ما هم عليه، وقدروا أن الله رفع عنهم جميع ما هم فيه من الحوائج لا يتركون خشيته، بل تزداد خشيتهم، وإما الذي يخافه من حيث إنه يفقره أو يسلب جاهه، فربما يقل خوفه إذا أمن ذلك، فلذلك قال تعالى: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ ﴾ وإذا كان هذا للخائف فما ظنك بالخاشي؟

الثالثة: لما ذكر الخوف ذكر المقام، وعند الخشية ذكر اسمه الكريم فقال: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى الله ﴾ وقال: ﴿ لَّرَأَيْتَهُ خاشعا مُّتَصَدّعاً مّنْ خَشْيَةِ الله ﴾ وقال عليه السلام: «خشية الله رأس كل حكمة» لأنه يعرف ربه بالعظمة فيخشاه.

وفي مقام ربه قولان: أحدهما: مقام ربه أي المقام الذي يقوم هو فيه بين يدي ربه، وهو مقام عبادته كما يقال: هذا معبد الله وهذا معبد الباري أي المقام الذي يعبد الله العبد فيه والثاني: مقام ربه الموضع الذي فيه الله قائم على عباده من قوله تعالى: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ على كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ  ﴾ أي حافظ ومطلع أخذاً من القائم على الشيء حقيقة الحافظ له فلا يغيب عنه، وقيل: مقام مقحم يقال: فلان يخاف جانب فلان أي يخاف فلاناً وعلى هذا الوجه يظهر الفرق غاية الظهور بين الخائف والخاشي، لأن الخائف خاف مقام ربه بين يدي الله فالخاشي لو قيل له: افعل ما تريد فإنك لا تحاسب ولا تسأل عما تفعل لما كان يمكنه أن يأتي بغير التعظيم والخائف ربما كان يقدم على ملاذ نفسه لو رفع عنه القلم وكيف لا، ويقال: خاصة الله من خشية الله في شغل شاغل عن الأكل والشرب واقفون بين يدي الله سابحون في مطالعة جماله غائصون في بحار جلاله، وعلى الوجه الثاني قرب الخائف من الخاشي وبينهما فرق الرابعة: في قوله: ﴿ جَنَّتَانِ ﴾ وهذه اللطيفة نبينها بعدما نذكر ما قيل في التثنية، قال بعضهم: المراد جنة واحدة كما قيل في قوله: ﴿ أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ  ﴾ وتمسك بقول القائل: ومهمهين سرت مرتين *** قطعته بالسهم لا السهمين فقال: أراد مهمهاً واحداً بدليل توحيد الضمير في قطعته وهو باطل، لأن قوله بالسهم يدل على أن المراد مهمهان، وذلك لأنه لو كان مهمهاً واحداً لما كانوا في قطعته يقصدون جدلاً، بل يقصدون التعجب وهو إرادته قطع مهمهين بأهبة واحدة وسهم واحد وهو من العزم القوي، وأما الضمير فهو عائد إلى مفهوم تقديره قطعت كليهما وهو لفظ مقصور معناه التثنية ولفظه للواحد، يقال: كلاهما معلوم ومجهول، قال تعالى: ﴿ كِلْتَا الجنتين اتَتْ أُكُلَهَا  ﴾ فوحد اللفظ ولا حاجة هاهنا إلى التعسف، ولا مانع من أن يعطي الله جنتين وجناناً عديدة، وكيف وقد قال بعد: ﴿ ذَوَاتَا أَفْنَانٍ  ﴾ وقال: فيهما.

والثاني وهو الصحيح أنهما جنتان وفيه وجوه: أحدها: أنهما جنة للجن وجنة للإنس لأن المراد هذان النوعان وثانيهما: جنة لفعل الطاعات، وجنة لترك المعاصي لأن التكليف بهذين النوعين.

وثالثها: جنة هي جزاء وجنة أخرى زيادة على الجزاء، ويحتمل أن يقال: جنتان جنة جسمية والأخرى روحية فالجسمية في نعيم والروحية في روح فكان كما قال تعالى: ﴿ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّة نَعِيمٍ  ﴾ وذلك لأن الخائف من المقربين والمقرب في روح وريحان وجنة نعيم وأما اللطيفة: فنقول: لما قال تعالى في حق المجرم إنه يطوف بين نار وبين حميم آن، وهما نوعان ذكر لغيره وهو الخائف جنتين في مقابلة ما ذكر في حق المجرم، لكنه ذكر هناك أنهم يطوفون فيفارقون عذاباً ويقعون في الآخر، ولم يقل: هاهنا يطوفون بين الجنتين بل جعلهم الله تعالى ملوكاً وهم فيها يطاف عليهم ولا يطاف بهم احتراماً لهم وإكراماً في حقهم، وقد ذكرنا في قوله تعالى: ﴿ مَّثَلُ الجنة التى وُعِدَ المتقون  ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ المتقين فِي جنات  ﴾ أنه تعالى ذكر الجنة والجنات، فهي لاتصال أشجارها ومساكنها وعدم وقوع الفاصل بينهما كمهامه وقفار صارت كجنة واحدة، ولسعتها وتنوع أشجارها وكثرة مساكنها كأنها جنات، ولاشتمالها على ما تلتذ به الروح والجسم كأنها جنتان، فالكل عائد إلى صفة مدح.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مَقَامَ رَبّهِ ﴾ موقفه الذي يقف فيه العباد للحساب يوم القيامة ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الناس لِرَبّ العالمين ﴾ [المطففين: 6] ونحوه: ﴿ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى ﴾ [إبراهيم: 14] ويجوز أن يراد بمقام ربه: أن الله قائم عليه؛ أي: حافظ مهيمن من قوله تعالى: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ على كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ [الرعد: 33] فهو يراقب ذلك فلا يجسر على معصيته.

وقيل: هو مقحم كما تقول: أخاف جانب فلان، وفعلت هذا لمكانك.

وأنشد: ذَعَرْتُ بِهِ الْقَطَا وَنَفَيْتُ عَنْهُ ** مَقَامَ الذئْبِ كَالرَّجُلِ اللَّعِينِ يريد: ونفيت عنه الذئب.

فإن قلت: لم قال: ﴿ جَنَّتَانِ ﴾ ؟

قلت: الخطاب للثقلين؛ فكأنه قيل: لكل خائفين منكما جنتان: جنة للخائف الإنسي، وجنة للخائف الجني.

ويجوز أن يقال: جنة لفعل الطاعات، وجنة لترك المعاصي؛ لأن التكليف دائر عليهما وأن يقال: جنة يثاب بها، وأخرى تضم إليها على وجه التفضل، كقوله تعالى: ﴿ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ ﴾ [يونس: 26] خص الأفنان بالذكر: وهي الغصنة التي تتشعب من فروع الشجرة: لأنها هي التي تورق وتثمر، فمنها تمتد الظلال، ومنها تجتنى الثمار.

وقيل: الأفنان ألوان النعم ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين.

قال: وَمِنْ كُلِّ أَفْنَانِ اللَّذَاذَةِ وَالصَّبَا ** لَهَوْتُ لَهَوْتُ بِهِ وَالْعَيْشُ أَخْضَرُ نَاضِرُ ﴿ عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ ﴾ حيث شاءوا في الأعالي والأسافل.

وقيل: تجريان من جبل من مسك.

وعن الحسن: تجريان بالماء الزلال: إحداهما التسنيم، والأخرى: السلسبيل ﴿ زَوْجَانِ ﴾ صنفان: قيل: صنف معروف وصنف غريب ﴿ مُتَّكِئِينَ ﴾ نصب على المدح للخائفين.

أو حال منهم، لأنّ من خاف في معنى الجمع ﴿ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ﴾ من ديباج ثخين، وإذا كانت البطائن من الإستبرق، فما ظنك بالظهائر؟

وقيل: ظهائرها من سندس.

وقيل: من نور ﴿ دَانٍ ﴾ قريب يناله القائم والقاعد والنائم.

وقرئ: ﴿ وجنى ﴾ ، بكسر الجيم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ ذَواتا أفْنانٍ ﴾ أنْواعٌ مِنَ الأشْجارِ والثِّمارِ جَمْعُ فِنٍّ، أوْ أغْصانٌ جَمْعُ فَنَنٍ وهي الغُصْنَةُ الَّتِي تَتَشَعَّبُ مِن فَرْعِ الشَّجَرَةِ، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ لِأنَّها الَّتِي تُورِقُ وتُثْمِرُ وتَمُدُّ الظِّلَّ.

﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ ﴾ حَيْثُ شاؤُوا في الأعالِي والأسافِلِ.

قِيلَ: إحْداهُما التَّسْنِيمُ والأُخْرى السَّلْسَبِيلُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ ذَواتا أفْنانٍ ﴾ صِفَةٌ لِجَنَّتانِ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ وسَّطَ بَيْنَهُما تَنْبِيهًا عَلى أنَّ تَكْذِيبَ كُلٍّ مِنَ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ مُوجَبٌ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، وجَوَّزَأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ أيْ هُما ذَواتا، وأيًّا ما كانَ فَهو تَثْنِيَةَ - ذاتَ - بِمَعْنى صاحِبَةٍ فَإنَّهُ إذا ثَنّى فِيهِ لُغَتانِ ذاتا عَلى لَفْظِهِ وهو الأقْيَسُ كَما يُثَنّى مُذَكَّرُهُ ذَوا، والأُخْرى ( ذَواتا ) بِرَدِّهِ إلى أصْلِهِ فَإنَّ التَّثْنِيَةَ تَرُدُّ الأشْياءَ إلى أُصُولِها، وقَدْ قالُوا: أصْلُ ذاتِ ذَواتٍ لَكِنْ حُذِفَتِ الواَوُ تَخْفِيفًا وفَرْقًا بَيْنَ الواحِدِ والجَمْعَ ودَلَّتِ التَّثْنِيَةُ ورُجُوعُ الواوِ فِيها عَلى أصْلِ الواحِدِ ولَيْسَ هو تَثْنِيَةَ الجَمْعِ كَما يُتَوَهَّمُ وتَفْصِيلُهُ في بابِ التَّثْنِيَةِ مِن شَرْحِ التَّسْهِيلِ، والأفْنانُ إمّا جَمْعُ فَنٍّ بِمَعْنى النَّوْعِ ولِذا اسْتُعْمِلَ في العُرْفِ بِمَعْنى العِلْمِ أيْ ذَواتا أنْواعٍ مِنَ الأشْجارِ والثِّمارِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ والضَّحّاكِ وعَلَيْهِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ومِن كُلِّ أفْنانِ اللَّذاذَةِ والصِّبا لَهَوْتُ بِهِ والعَيْشُ أخْضَرُ ناضِرُ وإمّا جَمْعُ فَنَنِ وهو ما دَقَّ ولانَ مِنَ الأغْصانِ كَما قالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ، وقَدْ يُفَسَّرُ بِالغُصْنِ، وحُمِّلَ عَلى التَّسامُحِ وتَخْصِيصِها بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّها ذَواتا قَصَبٍ وأوْراقٍ وثِمارٍ أيْضًا لِأنَّها هي الَّتِي تُورِقُ وتُثْمِرُ،فَمِنها تَمْتَدُّ الظِّلالُ ومِنها تُجْنى الثِّمارُ فَفي الوَصْفِ تَذْكِيرٌ لَهُما فَكَأنَّهُ قِيلَ: ( ذَواتا ) ثِمارٍ وظِلالٍ لَكِنْ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ هو أخْصَرُ وأبْلَغَ، وتَفْسِيرُهُ بِالأغْصانِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ فَنَنِ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٌ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ أبُو حَيّانَ: وهو أوْلى لِأنَّ أفْعالًا في فِعْلِ أكْثَرَ مِنهُ في فِعْلٍ بِسُكُونِ العَيْنِ كَفَنِّ، ويُجْمَعُ هو عَلى فُنُونِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: هو الذي ينجيكم من عذاب الآخرة، إن أطعتم أمره، وآمنتم برسله، فكيف تنكرون وحدانية الله تعالى؟

ويقال: معناه إن إخباري إياكم بهذه العقوبة نعمة لكم، لكي تنتهوا عن الكفر والمعاصي، فلا تنكروا نعمتي عليكم.

فقد ذكر الله في هذه الآيات دفع البلاء، ثم ذكر إيصال النعم لمن اتقاه وأطاع أمره، فقال: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ يعني: من خاف عند المعصية مقام يوم القيامة بين يدي ربه، فانتهى عن المعصية، فله في الآخرة جَنَّتانِ يعني: بستانان.

وقال مجاهد: هو الرجل يهم بالمعصية، فيذكر الله عندها، فيدعها، فله أجران.

وذكر عن الفراء أنه قال: جَنَّتانِ أراد به جنة واحدة، وإنما ذكر جَنَّتانِ للقوافي، والقوافي تحتمل الزيادة والنقصان ما لا يحتمل الكلام.

وقال القتبي: هذا لا يجوز، لأن الله قد وعد ببستانين، فلا يجوز أن يريد بهما واحداً، فلو جاز هذا لجاز أن يقال في قوله: تسعة عشر إنما هم عشرون، ولكن ذكر للقوافي.

ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: بأي نعمة من نعماء الله تعالى تتجاحدان؟

إذ جعل الجنة ثواب أعمالكم، فكيف تنكرون وحدانية الله تعالى ونعمته؟

قوله تعالى: ذَواتا أَفْنانٍ يعني: ذواتاً ألوان.

يعني: البساتين فيها ألوان من الثمرات.

ويقال: ذَواتا أغصان.

وقال الزجاج: الأفنان ألوان، وهي الأغصان أيضاً واحدها فَنَنٌ.

ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: قد وُعِدْتُّمُ الجنة، والراحة، فكيف تنكرون وحدانيته ونعمته؟.

ثم قال عز وجل: فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ يعني: في البساتين نهران من ماء غير آسن أي: غير متغير.

ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: جعل الأنهار نزاهة لكم زيادة في النعمة، فكيف تنكرون قدرة الله تعالى ونعمته؟.

ثم قال: فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ يعني: في هذين البساتين، من كل لون من الفاكهة صنفان، الحلو، والحامض.

ويقال: لونان فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: جعل فيهما من الراحة والنزاهة من كل نوع من الفاكهة؟

فكيف تنكرون نعمته وقدرته.

قوله عز وجل: مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ يعني: ناعمين على فرش بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ هو الديباج الغليظ الأخضر بلغة فارس.

وقال مقاتل: بَطائِنُها يعني: ظواهرها.

وذكر عن الفراء أنه قال: بَطائِنُها يعني: الظهارة، وقد تكون الظهارة بطانة، والبطانة ظهارة، لأن كل واحد منهما يكون وجها وحدا.

وقال القتبي: هذا لا يصح، ولكن ذكر البطانة تعليماً، أن البطانة إذا كانت من استبرق، فالظهارة تكون أجود.

وروي عن ابن عباس أنه سئل: أن بطائنها من استبرق فما الظواهر؟

قال هو مما قال الله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ.

ثم قال: وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ يعني: اجتناؤهما قريب إن شاء تناولهما قائماً، وإن شاء تناولهما قاعداً، وإن شاء متكئاً.

ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: جعل لكم مجالس الملوك مع الفراش المرتفعة، فكيف تنكرون وحدانية الله ونعمته؟.

ثم قال عز وجل: فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ يعني: في الجنان من الزوجات غاضات البصر، قانعات بأزواجهن، لا يشتهين غيرهم، ولا ينظرون إلى غيرهم.

قوله تعالى: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ يعني: لم يمسسهن إنس، قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ يعني: لا إنساً، ولا جنياً فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: جعل لكم أزواجاً موافقة لطبعكم، وهن لا يرون غيركم، فكيف تنكرون الله تعالى؟.

ثم وصف الزوجات فقال: كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ يعني: في الصفاء كالياقوت، وفي البياض كالمرجان، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: جعلهن بحال تتلذذ أعينكم بالنظر إليهن، فكيف تنكرون وحدانية الله تعالى ونعمته؟.

ثم قال عز وجل: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ يعني: هل جزاء التوحيد وهو قول لا إله إلا الله إلا الجنة.

ويقال: هل جزاء من خاف مقام ربه إلا هاتان الجنتان التي ذكرناها في الآية.

ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: فكيف تنكرون نعمة ربكم، حيث جعل ثواب إحسانكم الجنة، وبين لكم لكي تحسنوا، وتنالوا ثواب الله، وإحسانه.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: قِيامُهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ يَوْمَ الجَزاءِ.

والثّانِي: قِيامُ اللَّهِ عَلى عَبْدِهِ بِإحْصاءِ ما اكْتَسَبَ.

وجاءَ في التَّفْسِيرِ، أنَّ العَبْدَ يَهُمُّ بِمَعْصِيَةٍ فَيَتْرُكُها خَوْفًا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَلَهُ جَنَّتانِ، وهُما بُسْتانانِ.

﴿ ذَواتا أفْنانٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها الأغْصانُ، وهي جَمْعُ فَنَنٍ، وهو الغُصْنُ المُسْتَقِيمُ طُولًا، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، وعَطِيَّةَ، والفَرّاءِ، والزَّجّاجِ.

والثّانِي: أنَّها الألْوانُ والضُّرُوبُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وهي جَمْعُ فَنَنٍ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

وقالَ الضَّحّاكُ: ذَواتا ألْوانٍ مِنَ الفاكِهَةِ.

وَجَمَعَ عَطاءٌ بَيْنَ القَوْلَيْنِ، فَقالَ: في كُلِّ غُصْنٍ فُنُونٌ مِنَ الفاكِهَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَجْرِيانِ بِالماءِ الزُّلالِ، إحْداهُما: السَّلْسَبِيلُ، والأُخْرى: التَّسْنِيمُ.

وقالَ عَطِيَّةُ: إحْداهُما: مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ، والأُخْرى: مِن خَمْرٍ.

وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ لِمَن كانَتْ لَهُ في الدُّنْيا عَيْنانِ تَجْرِيانِ مِنَ البُكاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ ﴾ أيْ: صِنْفانِ ونَوْعانِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: فِيهِما مِن كُلِّ ما يُتَفَكَّهُ بِهِ نَوْعانِ، رَطْبٌ ويابِسٌ، لا يَقْصُرُ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ في فَضْلِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ ذَواتا أفْنانٍ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ "مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "وَلِمَن خافَ" يُحْتَمَلُ أنْ تَقَعَ عَلى جَمِيعِ المُتَّصِفِينَ بِالخَوْفِ الزاجِرِ عن مَعاصِي اللهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ تَقَعَ لِواحِدٍ مِنهُمْ، وبِحَسَبِ هَذا قالَ بَعْضُ الناسِ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ كُلَّ خائِفٍ لَهُ جَنَّتانِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ جَمِيعَ الخائِفِينَ لَهم جَنَّتانِ، و"المَقامُ" هو وُقُوفُ العَبْدِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ تَعالى، يُفَسِّرُهُ: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الناسُ لِرَبِّ العالَمِينَ  ﴾ ، وأضافَ المَقامُ إلى اللهِ تَعالى مِن حَيْثُ هو بَيْنَ يَدَيْهِ.

قالَ الثَعْلَبِيُّ: "مَقامَ رَبِّهِ" قِيامُهُ عَلى العَبْدِ، بَيانُهُ ﴿ أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ  ﴾ ، وحَكى الزَهْراوِيُّ هَذا المَعْنى عن مُجاهِدٍ، وفي هَذِهِ الإضافَةِ تَنْبِيهٌ عَلى صُعُوبَةِ المَوْقِفِ، وتَحْرِيضٌ عَلى الخَوْفِ الَّذِي هو أسْرَعُ المَطايا إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ قَوْمٌ: أرادَ جَنَّةً واحِدَةً وثَنّى عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ  ﴾ ، وقَوْلُ الحَجّاجِ: يا غُلامُ اضْرِبا عُنُقَهُ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ مَعْنى التَثْنِيَةِ مُتَّجِهٌ بِلا وجْهٍ لِلْفِرارِ إلى هَذِهِ الشاذَّةِ، ويُؤَيِّدُ التَثْنِيَةَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَواتا أفْنانٍ ﴾ وهي تَثْنِيَةُ "ذاتِ" لِأنَّ أصْلَ "ذاتٍ" ذَواتٌ.

و"الأفْنانِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعٌ فَنَنٍ وهو الغُصْنُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، فَكَأنَّهُ تَعالى مَدَحَها بِظِلالِها وتَكاثَفَ أغْصانَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ فَنٍّ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، فَكَأنَّهُ تَعالى مَدَحَها بِكَثْرَةِ أنْواعِ فَواكِهِها ونَعِيمِها.

و"زَوْجانِ" مَعْناهُ: نَوْعانِ، و"مُتَّكِئِينَ" حالٌ، إمّا مِن مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: يَتَنَعَّمُونَ مُتَّكِئِينَ وإمّا مِن قَوْلِهِ تَعالى: "وَلِمَن خافَ"، و"الِاتِّكاءُ": جَلْسَةُ المُتَنَعِّمِ المُتَمَتِّعِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فُرُشٍ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "فُرْشٍ" بِسُكُونِ الراءِ، ورُوِيَ في الحَدِيثِ «أنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ  : هَذِهِ البَطائِنُ مِن إسْتَبْرَقٍ فَكَيْفَ الظَواهِرُ؟

قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "هِيَ مِن نُورٍ يَتَلَأْلَأُ"،» و"الإسْتَبْرَقُ" ما خَشُنَ وحَسُنَ مِنَ الدِيباجِ، و"السُنْدُسُ" ما رَقَّ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في لَفْظَةِ الإسْتَبْرَقِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "مِن اسْتَبْرَقٍ" عَلى أنَّهُ فِعْلٌ والألِفُ وصْلٌ.

"والجَنى" ما يُجْتَنى مِنَ الثِمارِ، ووَصَفَهُ بِالدُنُوِّ لِأنَّهُ فِيما رُوِيَ في الحَدِيثِ يَتَناوَلُهُ الرَجُلُ عَلى أيِّ حالَةٍ كانَ مِن قِيامٍ أو جُلُوسٍ أوِ اضْطِجاعٍ لِأنَّهُ يَدْنُو إلى مُشْتَهِيهِ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: " فِيهِنَّ" لِلْفُرْشِ، وقِيلَ: لِلْجَنّاتِ؛ إذِ الجَنَّتانِ جَنّاتٌ في المَعْنى.

و: "قاصِراتُ الطَرْفِ" هُنَّ الحُورُ العَيْنُ قَصَرْنَ ألْحاظَهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو عَنِ الكِسائِيِّ وحْدَهُ، وطَلْحَةُ، وعِيسى، وأصْحابُ عَلَيٍّ، وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "يَطْمِثُهُنَّ" بِضَمِّ المِيمِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يَطْمِثُهُنَّ" بِكَسْرِ المِيمِ، والمَعْنى: لَمْ يَفْتَضِضْهُنَّ؛ لِأنَّ الطَمْثَ دَمُ الفَرْجِ فَيُقالُ لِدَمِ الحَيْضِ: طَمْثٌ، ويُقالُ لِدَمِ الِافْتِضاضِ: طَمْثٌ، فَإذا نُفِيَ الطَمْثُ فَقَدْ نُفِيَ القُرْبُ مِنهُنَّ بِجِهَةِ الوَطْءِ، قالَ الفَرّاءُ: لا يُقالُ "طَمْثٌ" إلّا إذا افْتَضَّ، وقالَ غَيْرُهُ: "طَمْثٌ" مَعْناهُ: جامَعَ بِكْرًا أو غَيْرَها.

واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "وَلا جانَّ" - فَقالَ مُجاهِدٌ: الجِنُّ قَدْ تُجامِعُ نِساءَ البَشَرِ مَعَ أزْواجِهِنَّ إذا لَمْ يَذْكُرِ الزَوْجُ اللهَ تَعالى، فَتَنْفِي هَذِهِ الآيَةُ جَمِيعَ المُجامَعاتِ، وقالَ حَمْزَةُ بْنُ حَبِيبٍ: الجِنُّ في الجَنَّةِ لَهم قاصِراتُ الطَرْفِ مِنَ الجِنِّ نَوْعُهُمْ، فَنَفى في هَذِهِ الآيَةِ الِافْتِضاضَ عَنِ البُشْرَياتِ والجِنِّيّاتِ، ويَحْتَمِلُ اللَفْظُ أنْ يَكُونَ مُبالَغَةً وتَأْكِيدًا كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ شَيْءٌ، أرادَ العُمُومَ التامَّ لَكِنَّهُ صَرَّحَ مِن ذَلِكَ بِالَّذِي يَعْقِلُ مِنهُ أنْ يَطْمِثَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والطَبَرِيُّ: إنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: ما طَمَثَ هَذا البَعِيرُ حَبْلَ قَطُّ، أيْ: ما مَسَّهُ، فَإنَّ كانَ هَذا المَعْنى: ما أدْماهُ حَبْلٌ، فَهو يَقْرُبُ مِنَ الأوَّلِ، وإلّا فَهو مَعْنًى آخَرُ غَيْرُ ما قَدَّمْناهُ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "وَلا جَأْنٌ" بِالهَمْزِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

انتقال من وصف جزاء المجرمين إلى ثواب المتقين.

والجملة عطف على جملة ﴿ يعرف المجرمون بسيماهم ﴾ [الرحمن: 41] إلى آخرها، وهو أظهر لأن قوله في آخرها واللام في لمن خاف } لام الملك، أي يعطي من خاف ربه ويملك جنتين، ولا شبهة في أن من خاف مقام ربه جنس الخائفين لا خائف معيّن فهو من صيغ العموم البدلي بمنزلة قولك: وللخائف مقام ربه.

وعليه فيجيء النظر في تأويل تثنية ﴿ جنتان ﴾ فيجوز أن يكون المراد: جنسين من الجنات.

وقد ذكرت الجنات في القرآن بصيغة الجمع غير مرة وسيجيء بعد هذا قوله: ﴿ ومن دونهما جنتان ﴾ [الرحمن: 62] فالمراد جنسان من الجنات.

ويجوز أن تكون التثنية مستعملة كناية عن التعدد، وهو استعمال موجود في الكلام الفصيح وفي القرآن قال الله تعالى: ﴿ ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسِئاً وهو حسير ﴾ [الملك: 4] ومنه قولهم: لبَّيْك وسعَديك ودواليك، كقول القوّال الطائي من شعر الحماسة: فقولا لهذا المرء ذُو جاء ساعياً *** هَلمّ فإن المشرفيَّ الفرائض أي فقولوا: يا قوممِ، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ سنعذبهم مرتين ﴾ في سورة التوبة (101).

وإيثار صيغة التثنية هنا لمراعاة الفواصل السابقة واللاحقة فقد بنيت قرائن السورة عليها والقرينة ظاهرة وإليه يميل كلام الفراء، وعلى هذا فجميع ما أجري بصيغة التثنية في شأن الجنتين فمراد به الجمع.

وقيل: أريد جنتان لكل متقّ تحفان بقصره في الجنة كما قال تعالى في صفة جنات الدنيا ﴿ جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب ﴾ [الكهف: 32] الآية، وقال: ﴿ لقد كان لسبإ في مساكنهم آية جنتان عن يمين وشمال ﴾ [سبأ: 15] فهما جنتان باعتبار يمنة القصر ويسرته والقصر فاصل بينهما.

والمقام: أصله محل القيام ومصدر ميمي للقيام وعلى الوجهين يستعمل مجازاً في الحالة والتلبس كقولك لمن تستجيره: هذا مقام العائذ بك، ويطلق على الشأن والعظمة، فإضافة ﴿ مقام ﴾ إلى ﴿ ربه ﴾ هنا إن كانت على اعتبار المقام للخائف فهو بمعنى الحال، وإضافته إلى ﴿ ربه ﴾ تُشبِه إضافة المصدر إلى المفعول، أي مقامه من ربه، أي بين يديه.

وإن كانت على اعتبار المقام لله تعالى فهو بمعنى الشأن والعظمة.

وإضافتُه كالإضافة إلى الفاعل، ويحتمل الوجهين قوله تعالى: ﴿ ذلك لمن خاف مقامي ﴾ في سورة إبراهيم (14) وقولُه: ﴿ وأما من خاف مقام ربه ﴾ في سورة النازعات (40).

وجملة ﴿ فبأي ألاء ربكما تكذبان ﴾ معترضة بين الموصوف والصفة وهي تكرير لنظائرها.

وَذَواتا: تثنية ذات، والواو أصلية لأن أصل ذات: ذَوة، والألف التي بعد الواو إشباع للفتحة لازم للكلمة.

وقيل: الألف أصلية وأن أصل (ذات): ذوات فخففت في الإِفراد وردّتها التثنية إلى أصلها وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتى أكل خمط ﴾ في سورة سبأ (16).

وأما الألف التي بعد التاء المثناة الفوقية فهي علامة رفع نائبة عن الضمة.

والأفنان: جمع فَنَن بفتحتين، وهو الغصن.

والمقصود هنا: أفنان عظيمة كثيرة الإِيراق والإِثمار بقرينة أنّ الأفنان لا تخلو عنها الجنات فلا يحتاج إلى ذكر الأفنان لولا قصد ما في التنكير من التعظيم.

وتثنية عينان } جار على نحو ما تقدم في تثنية ﴿ جنتان ﴾ ، وكذلك تثنية ضميري ﴿ فيهما ﴾ وضمير ﴿ تجريان ﴾ تبع لتثنية مَعَادهما في اللفظ.

فإن كان الجنتان اثنتين لكل من خَاف مقام ربه فلكل جنة منهما عين فهما عينان لكل من خاف مقام ربه، وإن كان الجنتان جنسين فالتثنية مستعملة في إرادة الجمع، أي عيون على عدد الجنات، وكذلك إذا كان المراد من تثنية ﴿ جنتان ﴾ الكثرة كما تثنيه ﴿ عينان ﴾ للكثرة.

وفصل بين الأفنان وبين ذكر الفاكهة بذكر العينين مع أن الفاكهة بالأفنان أنسب، لأنه لما جرى ذكر الأفنان، وهي من جمال منظر الجنة أعقب بما هو من محاسن الجنات وهو عيون الماء جمعاً للنظيرين، ثم أعقب ذلك بما هو من جمال المنظر، أعني: الفواكه في أفنانها ومن ملذات الذوق.

وأما تثنية زوجان فإن الزوج هنا النوع، وأنواع فواكه الجنة كثيرة وليس لكل فاكهة نوعان: فإمّا أن نجعل التثنية بمعنى الجمع ونجعل إيثار صيغة التثنية لمراعاة الفاصلة ولأجل المزاوجة مع نظائرها من قوله: ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ إلى هنا.

وإما أن نجعل تثنية ﴿ زوجان ﴾ لكون الفواكه بعضها يؤكل رطباً وبعضها يؤكل يابساً مثل الرطب والتمر والعنب والزبيب، وأخص الجوز واللوز وجافهما.

و ﴿ من كل فاكهة ﴾ بيان ل ﴿ زوجان ﴾ مقدّم على المبيّن لرعي الفاصلة.

وتخلل هذه الآيات الثلاث بآيات ﴿ فبأي ألاء ربكما تكذبان ﴾ جار على وجه الاعتراض وعلى أنه مجرد تكرير كما تقدم أولاها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ﴾ وفي الخائِفِ مَقامَ رَبِّهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ بَعْدَ أداءِ الفَرائِضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ يَهُمُّ بِذَنْبٍ فَيَذْكُرُ مَقامَ رَبِّهِ فَيَدَعَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّ ذَلِكَ نَزَلَ في أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خاصَّةً حِينَ ذَكَرَ ذاتَ يَوْمٍ الجَنَّةَ حِينَ أُزْلِفَتْ، والنّارَ حِينَ بُرِّزَتْ، قالَهُ عَطاءٌ وابْنُ شَوْذَبٍ.

قالَ الضَّحّاكُ: بَلْ شَرِبَ ذاتَ يَوْمٍ لَبَنًا عَلى ظَمَأٍ فَأعْجَبَهُ، فَسَألَ عَنْهُ فَأُخْبِرَ أنَّهُ مِن غَيْرِ حِلٍّ، فاسْتَقاءَهُ ورَسُولُ اللَّهِ  يَنْظُرُ إلَيْهِ، فَقالَ: « (رَحِمَكَ اللَّهُ لَقَدْ أُنْزِلَتْ فِيكَ آيَةٌ وتَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ.

» وَفِي مَقامِ رَبِّهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: هو مَقامٌ بَيْنَ يَدَيِ العَرْضِ والحِسابِ.

الثّانِي: هو قِيامُ اللَّهِ تَعالى بِإحْصاءِ ما اكْتَسَبَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.

وَفي هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: جَنَّةُ الإنْسِ وجَنَّةُ الجانِّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: جَنَّةُ عَدْنٍ، وجَنَّةُ النَّعِيمِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُما بُسْتانانِ مِن بَساتِينِ الجَنَّةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا لِأنَّ البُسْتانَ يُسَمّى جَنَّةً.

الرّابِعُ: أنَّ إحْدى الجَنَّتَيْنِ مَنزِلُهُ، والأُخْرى مَنزِلُ أزْواجِهِ وخُدّامِهِ كَما يَفْعَلُهُ رُؤَساءُ الدُّنْيا.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّ إحْدى الجَنَّتَيْنِ مَسْكَنُهُ، والأُخْرى بُسْتانُهُ.

وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أنَّ إحْدى الجَنَّتَيْنِ أسافِلُ القُصُورِ، والأُخْرى أعالِيها.

﴿ ذَواتا أفْنانٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ذَواتا ألْوانٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: ذَواتا أنْواعٍ مِنَ الفاكِهَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: ذَواتا أتًا وسَعَةٍ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

الرّابِعُ: ذَواتا أغْصانٍ، قالَهُ الأخْفَشُ وابْنُ بَحْرٍ.

والأفْنانُ جَمْعٌ واحِدُهُ فَنَنٌ كَما قالَ الشّاعِرُ ؎ ما هاجَ سُوقُكَ مِن هَدِيلِ حَمامَةٍ تَدْعُوا عَلى فَنَنِ الغُصُونِ حَمامًا ∗∗∗ تَدْعُو أبا فَرْخَيْنِ صادَفَ ضارِيًا ∗∗∗ ذا مِخْلَبَيْنِ مِنَ الصُّقُورِ قِطامًا <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن شوذب في قوله: ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ قال: نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن عطاء أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه ذكر ذات يوم وفكر في القيامة والموازين والجنة والنار وصفوف الملائكة وطيّ السموات ونسف الجبال وتكوير الشمس وانتثار الكواكب، فقال: وددت أني كنت خضراء من هذا الخضر تأتي عليّ بهيمة فتأكلني وأني لم أخلق، فنزلت هذه الآية ﴿ ولمن خاف ربه جنتان ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ ولمن خاف ربه جنتان ﴾ قال: وعد الله المؤمنين الذين خافوا مقامه فأدوا فرائضه الجنة.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ ولمن خاف ربه جنتان ﴾ يقول: خاف ثم اتقى، والخائف من ركب طاعة الله وترك معصيته.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وهناد وابن أبي الدنيا في التوبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ قال: هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر مقامه فينزع عنها.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ولمن خاف ربه جنتان ﴾ قال: من خاف مقام الله عليه.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال: الرجل يريد الذنب فيذكر الله فيدع الذنب.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ولمن خاف ربه جنتان ﴾ قال: إن المؤمنين خافوا ذلك المقام فعملوا لله ودأبوا ونصبوا له بالليل والنهار.

وأخرج ابن جرير عن إبراهيم ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ قال: إذا أراد أن يذنب أمسك مخافة الله.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ قال: لمن خافه في الدنيا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية بن قيس في قوله: ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ قال: نزلت في الذي قال: أحرقوني بالنار لعلي أضلّ الله، قال لنا بيوم وليلة بعد أن تكلم بهذا فقبل الله منه ذلك، وأدخله الجنة.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن منيع والحكيم في نوادر الأصول والنسائي والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن أبي الدرداء «أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ فقلت: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم الثانية ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ فقلت: وإن زنى وإن سرق؟

فقال الثالثة ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ فقلت: وإن زنى وإن سرق؟

قال: نعم وإن رغم أنف أبي الدرداء» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ فقال أبو الدرداء: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟

قال: وإن زنى وإن سرق، وإن رغم أنف أبي الدرداء» فكان أبو الدرداء يقص ويقول: ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ وإن رغم أنف أبي الدرداء.

وأخرج الطبراني وابن مردويه من طريق الحريري عن أخيه قال: سمعت محمداً بن سعد يقرأ هذه الآية ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان وإن زنى وإن سرق ﴾ فقلت: ليس فيه وإن زنى وإن سرق، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأها كذلك فأنا أقرأها كذلك حتى أموت.

وأخرج ابن مردويه عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله دخل الجنة، ثم قرأ ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن ابن شهاب قال: كنت عند هشام بن عبد الملك، فقال: قال أبو هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ فقال أبو هريرة رضي الله عنه: وإن زنى وإن سرق؟

فقلت: إنما كان ذلك قبل أن تنزل الفرائض، فلما نزلت الفرائض ذهب هذا.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن يسار مولى لآل معاوية عن أبي الدرداء رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ قال: قيل: يا أبا الدرداء وإن زنى وإن سرق؟

قال: من خاف مقام ربه لم يزن ولم يسرق.

وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «جنان الفردوس أربع: جنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: « ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ وقوله: ﴿ ومن دونهما جنتان ﴾ قال: جنتان من ذهب للمقربين، وجنتان من ورق لأصحاب اليمين» .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ قال: جنتان من ذهب للسابقين، وجنتان من فضة للتابعين.

وأخرج ابن مردويه عن عياض بن تميم أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ قال: بستانان عرض كل واحد منهما مسيرة مائة عام فيهما أشجار، وفرعهما ثابت، وشجرهما ثابت، وعرصتهما عظيمة، ونعيمهما عظيم وخيرهما دائم، ولذتهما قائمة وأنهارهما جارية وريحهما طيب، وبركتهما كثيرة، وحياتهما طويلة، وفاكتهما كثيرة.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن الحسن قال: كان شاب على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ملازم المسجد والعبادة فعشقته جارية فأتته في خلوة فكلمته فحدث نفسه بذلك فشهق شهقة فغشي عليه، فجاء عم له إلى بيته، فلما أفاق قال يا عم انطلق إلى عمر فأقرئه مني السلام وقل له: ما جزاء من خاف مقام ربه؟

فانطلق عمه فأخبر عمر، وقد شهق الفتى شهقة أخرى فمات منها، فوقف عليه عمر فقال: لك جنتان لك جنتان.

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ذواتا أفنان ﴾ قال: ذواتا ألوان.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير مثله.

وأخرج هناد عن الضحاك مثله.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ ذواتا أفنان ﴾ يقول: ألوان من الفواكه.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ذواتا أفنان ﴾ قال: ذواتا أغصان.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ ذواتا أفنان ﴾ قال: غصونهما يمس بعضها بعضاً.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ ذواتا أفنان ﴾ قال: الفتن الغصن.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وأبو بكر بن حبان في الفنون وابن الأنباري في الوقف والابتداء عن عكرمة أنه سئل عن قول الله: ﴿ ذواتا أفنان ﴾ قال: ظل الأغصان على الحيطان، أما سمعت قول الشاعر؟

ما هاج شوقك من هدير حمامة ** تدعو على فتن الغصون حماما تدعو باشرخين صادف طاويا ** ذا مخلبين من الصقور قطاما وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ ذواتا أفنان ﴾ قال: ذواتا فضل على ما سواهما.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ فيهما كل فاكهة زوجان ﴾ قال: فيهما من كل الثمرات، قال: قال ابن عباس: فما في الدنيا ثمرة حلوة ولا مرة إلا وهي في الجنة حتى الحنظل.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبدالله بن عمرو قال: العنقود أبعد من صنعاء.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وعبدالله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن ابن مسعود في قوله: ﴿ متكئين على فرش بطائنها من إستبرق ﴾ قال: أخبرتم بالبطائن فكيف بالظهائر.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال: في قراءة عبدالله ﴿ متكئين على سرر وفرش بطائنها من رفرف من استبرق ﴾ والاستبرق لغة فارس يسمون الديباج الغليظ الاستبرق.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس أنه قيل له ﴿ بطائنها من إستبرق ﴾ فما الظواهر؟

قال: ذاك مما قال الله: ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ﴾ [ السجدة: 17] .

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ بطائنها من إستبرق ﴾ قال: ظواهرها من نور جامد.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وجنى الجنتين دان ﴾ قال: جناها ثمرها، والداني القريب منك يناله القائم والقاعد.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وجنى الجنتين دان ﴾ قال: ثمارها دانية لا يرد أيديهم عنها بعد ولا شوك.

قال: وذكر لنا أنا نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفس محمد بيده لا يقطف رجل ثمرة من الجنة فتصل إلى فيه حتى يبدل الله مكانها خيراً منها» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾ مقام ربه القيام بين يديه للحساب، ومنه: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الناس لِرَبِّ العالمين ﴾ [المطففين: 6]، وقيل: الله بأعماله، ومنه: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ على كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ [الرعد: 33]، وقيل: معناه لمن خاف ربه واقحم المقام، كقولك: خفت جانب فلان، واختلف هل الجنتان لكل خائف على انفراده؟

أو للصنف الخائف وذلك مبنى على قوله: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾ هل يراد به واحد أو جماعة؟

وقال الزمخشري: إنما قال جنتان، لأنه خاطب الثقلين فكأنه قال حنة للإنس وجنة للجن، ﴿ ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ ﴾ ثنى ذات هنا على الأصل لأن أصله ذوات، قاله ابن عطية، والأفنان جمع فنن وهو الغصن، أو جمع فن وهو الصنف من الفواكة وغيرها.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ والحب ذا العصف والريحان ﴾ بالنصب فيهما: ابن عامر ﴿ والحب ذو العصف ﴾ بالرفع فيهما ﴿ والريحان ﴾ بالجر: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: برفع الريحان ﴿ يخرج ﴾ مجهولاً من الإخراج: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب ﴿ اللؤلؤ ﴾ كنظائره ﴿ والجوار ﴾ ممالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو وخلف طريق ابن عبدوس.

﴿ المنشآت ﴾ بكسر الشين.

حمزة ويحيى طريق الصريعيني ﴿ سيفرغ ﴾ بالياء: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالنون على طريق الالتفات ﴿ أيه الثقلان ﴾ بضم الهاء مثل ﴿ أيه المؤمنون  ﴾ ﴿ يا أيها الساحر  ﴾ ﴿ شواظ ﴾ بكسر الشين: ابن كثير ونحاس.

بالجر: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ﴿ لم يطمثهن ﴾ بضم الميم في إحداهما تخيراً: علي.

وروى أبو الحرث عنه في الأولى بالضم ﴿ من استبرق ﴾ بنقل حركة الهمزة إلى النون: رويس وورش والشموني وحمزة في الوقف ﴿ ذو الجلال ﴾ بالرفع: ابن عامر.

الوقوف: ﴿ الرحمن ﴾ ه لا ﴿ القرآن ﴾ ه ط ﴿ الإنسان ﴾ ه ﴿ البيان ﴾ ه ﴿ بحسبان ﴾ ه ص لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ يسجدان ﴾ ه ﴿ الميزان ﴾ ه لا لتعلق أن ﴿ الميزان ﴾ ه ﴿ للأنام ﴾ ه لا لأن الجملة بعدها حال ﴿ فاكهة ﴾ ص ﴿ الأكمام ﴾ ه ص ﴿ والريحان ﴾ ه ج لابتداء الاستفهام مع دخول فاء التعقيب، والوقف أجوز لأن الابتداء بالاستفهام مبالغة في التنبيه وكذلك في جميع السورة ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ كالفخار ﴾ ه لا ﴿ نار ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ المغربين ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ يلتقيان ﴾ ه لا لأن ما بعده حال من الضمير في ﴿ يلتقيان ﴾ ﴿ ولا يبغيان ﴾ ه حال بعد حال ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ والمرجان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ كالأعلام ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ فإن ﴾ ه ج لعطف الجملتين المختلفتين والأولى الوصل لأن الكلام الأول يتم بالثاني.

﴿ والإكرام ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ شأن ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ الثقلان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ فانفذوا ﴾ ه ط ﴿ بسلطان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ فلا تنتصران ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ كالدهان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ ولاجان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ والأقدام ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه م لأنه لو وصل صار ما بعده حالاً من المجرمين وليس كذلك ﴿ آن ﴾ ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ جنتان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ ذواتا ﴾ صفة ﴿ أفنان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ تجريان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ زوجان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ج لأن ﴿ متكئين ﴾ حال إلا أن الكلام قد تطاول ﴿ من إستبرق ﴾ ط ﴿ دان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ الطرف ﴾ لا لأن ﴿ لم يطمثهن ﴾ حال عنهن ﴿ جان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ والمرجان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ إلا الإحسان ﴾ ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ جنتان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ مدهامتان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ نضاختان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ ورمان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ج ﴿ حسان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ في الخيام ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ جان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ج ﴿ حسان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ والإكرام ﴾ ه.

التفسير: افتتح السورة المتقدمة بذكر معجزة تدل على الهيبة والعظمة وهي انشقاق القمر.

وافتتح هذه السورة بذكر معجزة تدل على الرحمة والعناية وهي القرآن الكريم الذي فيه شفاء القلوب والطهارة عن الذنوب، وهو أسبق الآلاء قدماً وأجل النعماء منصباً.

وبين السورتين مناسبة أخرى من جهة أنه ذكر هناك ما يدل على الانتقام والغضب كقوله { ﴿ فذوقوا عذابي ونذر  ﴾ وقوله ﴿ فكيف كان عذابي ونذر  ﴾ وذكر في هذه السورة بعد تعداد كل نعمة ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ مرة بعد مرة وتذكير النعمة على نعمة لأنها مما توقظ الوسنان وتنبه أهل الغفلة والنسيان.

قال جار الله ﴿ الرحمن ﴾ مبتدأ والأفعال بعده مع ضمائرها أخبار مترادفة، وإخلاؤها عن العاطف إما لأن العائد قام مقام الصدر وإما لمجيئها على نمط التعديد كما تقول: زيد أغناك بعد فقر أعزك بعد ذل كثرك بعد بعد قلة فعل بك ما لم يفعله أحد بأحد فما تنكر من إحسانه.

قلت: فعلى هذا لو لم يوقف على ﴿ القرآن ﴾ جاز.

وقيل: الرحمن خبر مبتدأ أي هو الرحمن.

ثم استأنف قائلاً ﴿ علم القرآن ﴾ وما مفعوله الأول؟

قيل: هو متعدٍ إلى واحد والمعنى جعل القرآن علامة وآية للنبوة.

وقيل: هو جبرائيل أي علم جبرائيل القرآن حتى نزل به على محمد.

وقيل: علم محمداً أو الإنسان القرآن كما يليق بفهمهم على حسب استعدادهم ولعله يلزم من الوجه الأخير شبه تكرار من قوله ﴿ خلق الإنسان علمه البيان ﴾ فالأول إشارة إلى قواه البدنية والثاني إشارة إلى قواه النطقية، ويلزم منه أيضاً أن يكون التعليم قبل الخلق ظاهراً إلا أن يكون تفصيلاً لما أجمله.

وقد نقل عن ابن عباس أن الإنسان آدم علمه الأسماء كلها، أو محمد  .

والبيان القرآن فيه بيان ما كان وما سيكون إلى يوم القيامة.

قوله ﴿ الشمس والقمر بحسبان ﴾ أي بحسبانه استغنى عن الوصل اللفظي بالربط المغنوي لرعاية الفاصلة يعني أنهما يجريان في بروجهما ومنازلهما بحساب معلوم ﴿ والنجم ﴾ وهو النبات بغير ساق ﴿ والشجر يسجدان ﴾ بالانقياد له.

وإنما وسط العاطف بين هاتين الجملتين لما بين العلوي والسفلي من تناسب التقابل، ولما بين الحسبان والسجود من تناسب التجانس، وذلك لأن سيرهما بحساب مقدّر مقرر وهو من جنس الانقياد لأمر الله ﴿ والسماء رفعها ﴾ قال في الكشاف: أي خلقها مرفوعة مسموكة حيث جعلها منشأ أحكامه ومصدر قضاياه ومسكن ملائكته الذين يهبطون بالوحي على أنبيائه.

قلت: إنه حمل الرفع على ارتفاع المنزلة ولعل المراد به الرفع الحسي ليطابق قوله ﴿ والأرض وضعها ﴾ أي خفضها في مركز العالم مدحوة محاطة بالماء.

نعم لو جعل وضع الأرض عبارة عن ذلها وتسخيرها كقوله ﴿ هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً  ﴾ صح تفسيره وإنما وسط قوله ﴿ ووضع الميزان ﴾ بين رفع السماء ووضع الأرض لأنه لا ينتفع بالميزان إلا إذا كان معلقاً في الهواء بين الأرض والسماء وهذا أمر حسي، وأما العقلي فهو أنه بدأ أولاً من النعم بذكر القرآن الذي هو بيان الشرائع والتكاليف، ثم أتبعه ذكر كيفية خلق الإنسان وقواه النفسانية وما يتم به معاشه من السماويات والأرضيات، ثم ذكر أنه خلق لأجلهم آلة الوزن بهما يقيمون العدالة في ومعاملاتهم وأمور تمدنهم فصار كما مر في ﴿ حم  عسق  ﴾ ﴿ الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان  ﴾ وكما يجيء في الحديد ﴿ وأنزلنا معهم الكتاب والميزان  ﴾ وأن في قوله ﴿ ألا تطغوا ﴾ مفسرة أو ناصبة أي لأن لا تتجاوز حد الاعتدال في شأن هذه الآية أي في شأن الوزن.

ثم أكد بقوله إثباتاً ونفياً ﴿ وأقيموا الوزن بالقسط ﴾ قوِّموه أو قوموا لسان الميزان بالعدل ﴿ ولا تخسروا الميزان ﴾ أي لا تجعلوها سبباً للخسران والتطفيف.

وفي تكرير لفظ الميزان بل في ورود هذه الجمل المتقاربة الدلالة مكررة إشارة إلى الاهتمام بأمر العدل وندب إليه وتحريض عليه.

وقيل: الأول ميزان الدنيا والثاني ميزان الآخرة والثالث ميزان العقل.

وقيل: نزلت متفرقة فاقتضى الإظهار.

قوله ﴿ للأنام ﴾ أي لكل ما على ظهر الأرض من دابة.

وقيل: للإنسان.

وخص بالذكر لشرفه ولأن الباقي خلق لأجله ﴿ فيها فاكهة ﴾ التنوين للتعظيم وهي كل ما يتفكه به.

وقد أفرد النخل بالذكر للتفضيل ولأنه فاكهة غذائية.

والأكمام جمع كم وهو وعاء الثمر.

ثم ذكر أقوات البهائم والإنسان قائلاً ﴿ والحب ذو العصف ﴾ وهو ورق الزرع أو التبن.

وقال الفراء والسدي: وهو أول ما ينبت من الزرع ﴿ والريحان ﴾ الورق.

ومن رفع فعلى حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أي وذو الريحان.

وقال الحسن وابن زيد.

على هذه القراءة وهو ريحانكم الذي يشم.

ثم خاطب الجن والإنس بقوله ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ عن جابر بن عبد الله قال: قرأ علينا رسول الله  سورة الرحمن حتى ختمها ثم قال: مالي أراكم سكوتاً؟

للجن كانوا أحسن منكم رداً ما قرأت عليهم هذه الآية مرة إلا قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد.

قال جار الله: الخطاب في ﴿ ربكم ﴾ للثقلين بدلالة الأنام عيلهما قلت: ربما يصرح به قوله ﴿ أيها الثقلان ﴾ سميا بذلك لأنهم ثقلا الأرض أو بما سيذكر عقيبه من قوله ﴿ خلق الإنسان ﴾ والجان خلقناه.

وقيل: التكذيب إما باللسان والقلب معاً وإما بالقلب دون اللسان كالمنافقين فكأنه قال: فيا أيها المكذبان بأي آلاء ربكما تكذبان.

وقيل: أراد فيا أيها المكذبان بالدلائل المعية والعقلية أو بدلائل الآفاق ودلائل الأنفس، والاستفهام للتوبيخ والزجر.

قوله ﴿ خلق الإنسان من صلصال ﴾ قد مر في سورة "الحجر" إلا أنه شبهه ههنا بالفخار وهو الخزف بياناً لغاية يبس طينته وكزازته، والتركيب يدل عليه ومنه الفخور ولولا يبس دماغه لم يفخر ومنه الفرخ لأنه تنشق البيضة عنه.

وكل يابس عرضة للتشقق ومنه الخزف لغاية يبوسة مزاجه.

والجان أبو الجن.

وقيل: هو إبليس.

والمارج اللهب الصافي الذي لا دخان فيه من مرج إذا اضطرب ولعلها المخلوطة بسواد النار من مرج الشيء اختلط.

وقوله ﴿ من نار ﴾ بيان لمارج كأنه قيل: من صاف من نار.

ويجوز أن يكون ناراً مخصوصة فيكون صفة ﴿ رب المشرقين ﴾ يعني مشرق الصيف ومشرق الشتاء، والأول مطلع أول السرطان، والثاني مطلع أول الجدي.

هذا في بلادنا الشمالية والحال في الجنوبية بالعكس.

قوله ﴿ مرج البحرين ﴾ وقد مر في "الفرقان" معناه أرسلهما ملحاً وعذباً متلاقيين ﴿ بينهما برزخ لا يبغيان ﴾ أي لا يبغى أحدهما على الآخر بالممازجة ﴿ يخرج منهما ﴾ أي من كل منهما.

وقال في الكشاف: أعاد الضمير إلى البحرين لاتحادهما فالخارج من العذب كأنه خارج من الملح تقول: خرجت من البلد ولم تخرج إلا من محلة بل من دار.

وقال أبو علي الفارسي: أراد من أحدهما فحذف المضاف.

قلت: ونحن قد سمعنا أن الأصداف تخرج من البحر المالح ومن الأمكنة التي فيها عيون عذبة في مواضع من البحر الملح ويؤيده قوله  في "فاطر" ﴿ ومن كل تأكلون لحماً طرياً وتستخرجون حلية تلبسونها  ﴾ فلا حاجة إلى هذه التكلفات.

قال الفراء وغيره من أهل اللغة: اللؤلؤ الدر، والمرجان ما صغر منه.

وعن مقاتل: بالضد.

ويشبه أن يكون اللؤلؤ هذا الجنس المعروف والمرجان البسذ.

يقال: إنه ينبت في بحر الروم والإفرنج كالشجر وهو الفصل المشترك بين المعدن والنبات، والجواري السفن الجارية حذف الموصول للعلم به.

ومن قرأ ﴿ المنشآت ﴾ بفتح الشين فمعناها المرفوع الشرع والتي رفع خشبها بعضها على بعض وركب حتى ارتفعت.

والقارىء بالكسر أراد الرافعات الشرع أو اللائي يبتدئن في السير أو ينشئن الأمواج بجريهن، الأعلام الجبال الطوال شبههن في البحر بالجبال في البر.

والضمير في ﴿ عليها ﴾ للأرض بدلالة المقال أو الحال.

والوجه عبارة عن الذات كما مر في تفسر البسملة وفي قوله ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه  ﴾ وقوله ﴿ ذو ﴾ صفة للوجه وهو على القياس.

وفيه دلالة على أن الوجه والرب ذات واحد بخلاف قوله في آخر السورة ﴿ تبارك اسم ربك ﴾ فإن الاسم غير المسمى في الأصح فلهذا قال ﴿ ذي الجلال والإكرام ﴾ ومعناه ذو النعمة والتعظيم كما سبق في البسملة.

والنعمة في فناء ما على الأرض وهو مجيء وقت الجزاء ﴿ يسأله من في السموات ﴾ من الملائكة ﴿ و ﴾ من في ﴿ الأرض ﴾ من الثقلين الملائكة لمصالح الدارين والثقلان لمصالح الدارين.

وعن مقاتل: يسأل أهل الأرض الرزق والمغفرة وتسأل الملائكة أيضاً الرزق والمغفرة للناس ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ "سئل رسول الله  عن ذلك الشأن فقال: من شأنه أن يغفر ذنباً ويفرج كرباً ويرفع قوماً ويضع آخرين" .

قلت: هذا التفسير يطابق ما مر في الحكمة.

وما ذكرنا في الكتاب مراراً من أن القضاء هو الحكم الكلي الواقع في الأزل، والقدر هو صدور تلك الأحكام في أزمنتها المقدرة.

فبالاعتبار الأول قال "جف القلم بما هو كائن" وبالاعتبار الثاني قال: ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ وهذا بالنسبة إلى المقضيات ولا تغير في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.

وبالجملة إنها شؤون يبديها لا شؤون يبتديها.

وروى الواحدي في البسيط عن ابن عباس: إن مما خلق الله عز وجل لوحاً من درة بيضاء، دفتاه ياقوتة حمراء، قلمه نور وكتابه نور، ينظر الله فيه كل يوم ثلثمائة وستين نظرة يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء.

وحين بين أن كل زمان مقدر لأجل شأن قال ﴿ سنفرغ لكم ﴾ قال أهل البيان: هو مستعار من قول الرجل لمن يتهدده "سأفرغ لك".

والمراد تجرد داعيته للإيقاع به من النكاية فيه.

والمراد شؤونه ستنتهي إلى شأن الجزاء وقصد المحاسبة.

ثم هدد الثقلين بأنهم لا يستطعيون الهرب من أحكامه وأقضيته فيهما.

نفذ من الشيء إذا خلص منه كالسهم ينفذ من الرمية.

وأقطار السموات والأرض نواحيهما.

واحدها قطر.

وهو في الهندسة عبارة عن الخط المنصف للدائرة.

والسلطان القوة والغلبة، أراد أنه لا مفر من حكمه إلا بتسلط تام ولا سلطان فلا مفر.

قال الواحدي: أراد أنه لاخلاص من الموت.

ويحتمل أن يخص هذا بيوم الجزاء المشار إليه بقوله ﴿ سنفرغ لكم ﴾ ويؤيده ما روي أن الملائكة تنزل فتحيط بجميع الخلائق فإذا رآهم الجن والإنس هربوا فلا يأتون وجهاً إلا وجدوا الملائكة أحاطت به، ويعضده قوله عقيبه ﴿ يرسل عليكما ﴾ الآية.

جاء في الخبر: يحاط على الخلق بلسان من نار ثم ينادون يا معشر الجن والإنس الآية.

وذلك قوله ﴿ يرسل عليكما شواظ ﴾ وهو اللهب الذي لا دخان له معه.

وقرأ ابن كثير بكسر الشين لغة أهل مكة يقولون صوار بالضم والكسر.

والنحاس والدخان.

ومن قرأ بالرفع فمعناه يرسل عليكما هذا مرة وهذا مرة وهذا مرة.

ويجوز أن يرسلا معاً من غير أن يمزج أحدهما بالآخر.

ومن قرأ بالجر فبتقدير وشيء من نحاس.

وعن أبي عمرو أن الشواظ يكون من الدخان أيضاً.

وقيل: هو الصفر المذاب يصب على رؤوسهم.

وعن ابن عباس: إذا خرجوا من قبورهم ساقهم شواظ إلى المحشر ﴿ فلا تنتصران ﴾ فلا تمتنعان ﴿ فإذا انشقت السماء ﴾ لنزول الملائكة ﴿ فكانت وردة ﴾ أي حمراء ﴿ كالدهان ﴾ وهو جمع الدهن أو اسم ما يتدهن به كالحزام والإدام شبهها بدهن الزيت كقوله ﴿ كالمهل  ﴾ وهو دردي الزيت.

وقيل: الدهان الأديم الأحمر.

عن ابن عباس: نصير كلون الفرس الورد.

وقيل: تحمر احمرار الورد ثم تذوب ذوبان الدهن.

وقال قتادة: هي اليوم خضراء ولها يوم القيامة لون آخر يضرب إلى الحمرة.

والفاء في قوله ﴿ فإذا ﴾ للتعقيب وفي ﴿ فكانت ﴾ للعطف، والجواب محذوف كما سيجيء في قوله ﴿ إذا السماء انشقت  ﴾ والمراد أنهما لا ينتصران حين إرسال الشواظ عليهما فحين تنشق السماء وصارت الأرض والجو والهواء كلها ناراً وتذوب السماء كما يذوب النحاس الأحمر كيف تنتصران؟

ويمكن أن يكون وجه تشبيه السماء يومئذ بالدهن هو الميعان والذوبان بسرعة وعدم رسوب الخبث كخبث الحديد ونحوه، والغرض بيان بساطة السماء وأنه لا اختلاف للأجزاء فيها.

﴿ فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان ﴾ وضع الجان الذي هو أبو الجن موضع الجن كما يقال هاشم ويراد ولده.

والضمير في ﴿ ذنبه ﴾ عائد إلى الإنس لأن الفاعل رتبته التقديم وكأنه قيل: لا يسأل بعض الإنس عن ذنبه ولا بعض الجن.

والجمع بين هذه الآية وبين قوله ﴿ فوربك لنسألنهم  ﴾ هو ما مرّ من أن المواطن مختلفة، أو لا يسأل سؤال استعلام وإنما يسأل سؤال توبيخ وتقريع.

وعندي أن بيان عدم احتياج المذنب إلى السؤال عن حاله لأن كل ما هو اليوم فيه كامن فذلك في يوم القيامة يظهر ويبرز من ظلمة الطبيعة والعصيان، أو من نور الطاعة والإيمان وإليه الإشارة بقوله ﴿ يعرف المجرمون بسيماهم ﴾ من سواد الوجه وزرقة العين ﴿ فيؤخذ ﴾ كل منهم أو جنس المجرم ﴿ بالنواصي ﴾ أي بسببها.

ولعل المراد أن تجعل الأقدام مضمومة إلى النواصي من خلفها أو من قدام ويلقون في النار.

روى الحسن عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله  يقول " "والذي نفسي بيده لقد خلقت ملائكة جهنم قبل أن تخلق جهنم بألف عام فهم كل يوم يزدادون قوة إلى قوتهم حتى يقبضوا من قبضوا عليه بالنواصي والأقدام " ويجوز أن يكون الفعل مسنداً إلى قوله ﴿ بالنواصي ﴾ نحو ذهب بزيد.

ثم ذكر أنهم يوبخون بقول الملائكة لهم ﴿ هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون ﴾ والأصل الخطاب والالتفات للتبعيد والتسجيل عليهم بالإجرام.

والآني الذي بلغ منتهى حره.

قال الزجاج: أني يأني أنا إذا انتهى في النضج والحرارة.

والمعنى أنهم لا يزالون طائفين بين عذاب الجحيم وبين الحميم وذلك حين ما يستغيثون كقوله ﴿ وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل  ﴾ قال جار الله: نعمته فيما ذكره من الأهوال وأنواع المخاوف هي نجاة الناجي منه وما في الإنذار به من اللطف، ويمكن أن يراد بأي الآلاء المعدودة في أول السورة تكذبان فتستحقان هذه الأشياء المذكورة من العذاب.

ثم شرع في ثواب أهل الخشية والطاعة قائلاً ﴿ ولمن خاف مقام ربه ﴾ وقد مر نظيره في "إبراهيم" قوله ﴿ ذلك لمن خاف مقامي  ﴾ قال المفسرون: الجنتان إحداهما للخائف الإنسي والثانية للخائف الجني، أو إحداهما لفعل الطاعات والثانية لترك المنكرات، أو إحداهما للجزاء والأخرى للزائد عليه تفضلاً، أو هما جنة عدن وجنة النعيم.

أو إحداهما جسمانية والأخرى روحانية.

وقيل: التثنية للتأكيد كقوله ﴿ ألقيا  ﴾ وهو ضعيف.

والأفنان جمع الفنن وهو الغصن المستقيم طولاً قاله مجاهد وعكرمة والكلبي وغيرهم، وإنما خصها بالكر لأنها هي التي تورق وتثمر وتظل والساق لأجل ضرورة القيام ولا ضرورة في الجنة ولا كلفة.

وعن سعيد بن جبير: هي جمع فن والمعنى أنهما صاحبتا فنون النعم وعلى هذا يكون قوله ﴿ فيهما من كل فاكهة زوجان ﴾ أي صنفان كتفصيل بعد إجمال والصنفان رطب ويابس أو معروف وغريب ﴿ فيهما ﴾ أي في كل منهما ﴿ عينان تجريان ﴾ من جبل من مسك إحداهما في الأعالي والأخرى في الأسافل.

وقال الحسن: تجريان بالماء الزلازل إحداهما التسنيم والأخرى السلسبيل ﴿ متكئين ﴾ حال من الخائفين المذكورين في قوله ﴿ لمن خاف ﴾ وجوز أن يكون نصباً على المدح.

قال المفسرون: إذا كان بطائن الفرش وهي التي تحت الظهارة مما يلي الأرض من استبرق فما ظنك بظهائرها؟

ويجوز أن يكون ظائرها السندس.

والتحقيق أنه لا يعلمها إلا الله كقوله ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفى لهم  ﴾ ﴿ وجنى الجنتين ﴾ أي ثمرها ﴿ دان ﴾ قريب يناله القائم والقاعد والنائم.

قال جار الله: ﴿ فيهن ﴾ أي في هذه الآلاء المعدودة من الجنتين والعينين والفاكهة والفرش والجنى.

وقيل: في الفرش أي عليها.

وقيل: في الجنان لأن ذكر الجنتين يدل عليه ولأنهما يشتملان على أماكن ومجالس ومتنزهات، وهذا الوجه عندي أظهر وسيجيء بيانه بنوع آخر عن قريب.

قال الفراء: الطمث الافتضاض وهو النكاح بالتدمية و ﴿ قبلهم ﴾ أي قبل أصحاب الجنتين واللفظ يدل عليه.

قال مقاتل: هن من حور الجنة.

وقال الكلبي والشعبي: هن من نساء الدنيا أنشئن خلقاً آخر لم يجامعهن في هذا الخلق الذي أنشئن فيه إنسي ولا جني.

قال في الكشاف: لم يطمث الإنسيات منهمن أحد من الإنس والجنيات أحد من الجن قلت: هذا التفصيل لعله لا حاجة إليه يعرف بأدنى تأمل.

قال الزجاج: فيه دليل على أن الجن تطمث كما تطمث الإنس.

ثم ذكر أنهن في صفاء الياقوت وبياض اللؤلؤ الصغار ﴿ هل جزاء الإحسان ﴾ في العمل ﴿ إلا الإحسان ﴾ في الجزاء.

وخص ابن عباس فقال: هل جزاء من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله إلا الجنة.

وحين فرغ من نعت جنتي المقربين شرع في وصف جنتين لأصحاب اليمين فقال ﴿ ومن دونهما ﴾ أي ومن أسفل منهما في المكان أو في الفضل أو فيهما وهو الأظهر.

روى أبو موسى عن النبي  : " جنتان من فضة أبنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب أبنيتهما وما فيهما " ﴿ مدهامتان ﴾ هو من الأدهيمام إدهام يدهام فيهو مدهام نظير إسواد يسواد فهو مسواد في اللفظ وفي المعنى، وذلك أن كل نبت أخضر فتمام خضرته من الري أن يضرب إلى السواد ﴿ نضاختان ﴾ فوارتان، والنضخ بالخاء المعجمة أكثر من النضخ وهو الرش.

قال ابن عباس: تنضخ على أولياء الله بالمسك والعنبر والكافور، وإنما خص النخيل والرمان بالذكر بعد اندارجهما في الفاكهة لفضلهما وشرفهما، فالنخل فاكهة وطعام والرمان فاكهة ودواء كامل ومنه قال أبو حنيفة رحمه الله : إذا حلف لا يأكل فاكهة فأكل رماناً أو رطباًَ لم يحنث.

وخالفه صاحباه ووافقهما الشافعي.

والخيرات مخفف خيرات لأن الخير الذي هو بمعنى التفضيل لا يجمع جمع السلامة والمعنى أنهن فاضلات الأخلاق حسان الصور.

واعلم أنه  قال في الموضعين عند ذكر الحور ﴿ فيهن ﴾ وفي سائر المواضع ﴿ فيهما ﴾ والسر فيه أن تمام اللذة عند اجتماع النسوان للرجل الواحد هو أن يكون لكل منهن مسكن على حدة فتباعد من مسكن الأخرى، واسع بحيث يسع ما يليق بحاله أو بحالها من الجواري والغلمان وسائر الأسباب، فيحصل هناك منتزهات كثيرة كل منها جنة، وكأن في ضمير الجمع إشارة إلى ذلك.

وأما العيون والفواكه فلم يكن شيء منها بهذه المثابة من كمال اللذة فأكتفي فيها بعود الضمير إلى الجنتين فقط.

والمقصورات اللواتي قصرن أي حبسن في خدورهن.

امرأة مقصورة أي مخدرة.

روى قتادة عن ابن عباس: الخيمة درة مجوفة فرسخ في فرسخ فيها أربعة آلاف مصراع من ذهب.

وعن النبي  " "الخيمة درة مجوفة طولها في السماء ستون ميلاً في كل زاوية منها أهل للمؤمن لا يراهم الآخرون" وقال أهل المعاني: كنى عن الجماع في الدنيا بنحو قوله ﴿ من قبل أن تمسوهن  ﴾ وذكر الجماع في الآخرة بلفظ يقرب من الصريح وهو الطمث فما الحكمة من ذلك؟

والجواب أن المباشرة في الدنيا قبيحة لما فيها من قضاء الشهوة وإسقاط القوى وهي في الآخرة بخلاف ذلك فإنها داعية روحانية ولذة حقيقية فلم يحتج إلى الكناية لأن الكنايات إنما تجري في الهنيئات.

قال جار الله: ﴿ متكئين ﴾ نصب على الاختصاص.

قلت: ويجوز أن يكون حالاً والعامل ضمير يدل عليه قوله ﴿ لم يطمثهن إنس قبلهم ﴾ أي يطمثونهم في حال الإتكاء.

قال أبو عبيدة والضحاك ومقاتل والحسن: الرفرف ضرب من البسط.

وقيل: كل ثوب عريض فهو رفرف.

ويقال لأطراف البسط وفضول الفسطاط رفارف.

وقال الزجاج: الرفرف ههنا رياض الجنة.

وقيل: الوسائد.

قال جار الله ﴿ العبقري ﴾ منسوب إلى عبقر تزعم العرب أنه بلد الجن فينسبون إليه كل شيء غريب عجيب.

وعن أبي عبيدة: كل شيء من البسط عبقري وهو جمع واحدة عبقرية.

ومما يدل على أن صفات هاتين الجنتين تقاصرت عن الأوليين قوله ﴿ مدهامتان ﴾ فإنه دون قوله ﴿ ذواتا أفنان ﴾ وذلك أن كمال الخضرة لا يوجب كون البستان ذا فنن ونضاختان دون تجريان وفاكهة دون كل فاكهة وكذلك صفة الحور والمتكأ.

قال أهل العلم: كرر قوله ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ إحدى وثلاثين مرة: ثمانية منهما ذكرها عقيب تعداد عجائب خلقه وذكر المبدأ والمعاد، ثم سبعة منها عقيب ذكر النار وأهوالها على عدد أبواب جهنم، وبعد هذه السبعة أورد ثمانية في وصف الجنات وأهلها على عدد أبواب الجنة، وثمانية بعدها عقيب وصف الجنات التي هي دونهما.

فمن اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها استحق كلتا الثمانيتين من الله ووقاه السبعة السابقة.

ثم نزه نفسه عما لا يليق بجلاله وختم السورة عليه.

والاسم مقحم كما بينا وفائدة هذا التوسيط سلوك سبيل الكناية كما يقال "ساحة فلان بريئة عن المثالب" والله أعلم بحقائق كلامه.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾ ، ذكر الخوف عن المقام بين يدي ربه، ولم يبين خوفه ماذا؟

ولا أنه إذا خافه تركه أو لا؟

فجائز أن يكون ما ذكر من الخوف بين يدي ربه ما بَيَّنَ في أخرى، وهو قوله: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ  ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: نهي النفس عما تهواه.

والثاني: منع النفس عن أن تهوى ما نهيت عنه، والله أعلم.

وجائز أن يكون في هذه الآية بيان ما ذكر في تلك الآية من الخوف من المقام بين يدي ربه، أي: خاف مقام ربه، وترك ما هم [به] من المعصية، أو ما هوت نفسه.

ثم لسنا نعرف ما فائدة ذكرى الجنتين له ليس ذلك في ثلاث أو أربع؟

قال أهل التأويل: إنما ذكر جنتين؛ لأن الجنان أربعة: جنة عدن، وفردوس، وجنة المأوى، وجنة النعيم، فجنة العدن وجنة النعيم للمقربين والشهداء والصديقين، والجنتان الأخريان لمن دونهم من المؤمنين الذي هم أصحاب اليمين.

وجائز أن يخرج على وجهين: أحدهما: أن يكون بصره إذا نظر يمينا وشمالا لا يقع إلا على جنته، لا يقع على جنة غيره، وكذلك إذا نظر من الأعلى أو من الأسفل يقع بصره على ملكه، لا يقع على ملك غيره، فليس ذلك على تحقيقٍ إخبارا عن عدد الجنتين، ولكن إخبارا أن بصره حيث [يقع] لا يقع إلا على ملكه وجنته، والله أعلم.

والثاني: يكون له جنتان: إحدى الجنتين؛ لترك المساوئ، والأخرى؛ لإتيان المحاسن.

وذكر القتبي عن الفراء في قوله: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾ قال: قد تسمي العرب الشيء الواحد باسم الاثنين إذا كان رءوس الآي ومقاطعها؛ لتحقيق الموافقة في المقاطع؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ذكر ﴿ جَنَّتَانِ ﴾ ، لموافقة مقاطع الآي، والمراد منه جنة واحدة.

لكن القتبي أنكر عليه ذلك، وذلك إنما يقال إذا انقطع الكلام، فأما إذا كان الكلام غير منقطع؛ فإنه لا يقال ذلك، والله أعلم.

ثم سمى البعثَ: مقاما بين يدي ربه، وسماه: رجوعا إليه، ومصيراً، وبرزوا، فهو على وجهين: أحدهما: أنه سماه بما ذكر؛ لأن البعث هو نهاية هذا العالم.

والثاني: سماه بذلك؛ لأن لكل أحد يظهر في ذلك اليوم: أن الأمر لله  ، وأن التدبير له في الدنيا والآخرة، وأن لا تدبير لأحد سواه؛ كقوله - عز وجل - : ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ  ﴾ .

ثم جائز أن يكون ما ذكر من الجنتين للسابقين والشهداء على ما ذكره بعض أهل التأويل، وما ذكر من قوله: ﴿ وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ  ﴾ لأصحاب اليمين.

ثم نعت ورصف ما جعل لكل فريق؛ فأما نعت ما جعل للسابقين والصديقين والشهداء ما ذكر؛ حيث قال: ﴿ ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ ﴾ ، قال عامة أهل التأويل: ذواتا أغصان، ولكن ليس في هذا كثير حكمة، لكن يحتمل أن قوله: ﴿ ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ ﴾ من الفنون، أي: فيهما من كل فن وكل نوع.

وقال مقاتل: ذلك في الجنتين اللتين جعلهما لأصحاب اليمين مدهامتين، والمدهم: هو الذي تضرب خضورته - لشدته - إلى السواد، وهو دون الأول في الوصف؛ إذ لم يصفهما إلا بصفة واحدة، ووصف تبنك الجنتين بالفنون، وقال في تينك: ﴿ فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ ﴾ ، وقال أصحاب اليمين: ﴿ فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ  ﴾ ، والناضج: هو الذي لا يتبين جريانه، ووصف تينك بالجريان، والنضج دون الجريان.

وقال القتبي: ﴿ نَضَّاخَتَانِ  ﴾ اللتان تفوران بالماء، والنضج دون النضَجَ، وهو الرش، وقال في جنتي السابقين: ﴿ فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ ﴾ أي: صنفان، أو لونان، [من] أي: شيء كان، وقال في [جنتي] أصحاب اليمين: ﴿ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ  ﴾ ذكر أشياء معدودة، وغمر الأشياء في تينك؛ حيث قال: ﴿ فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ ﴾ لتفضيل أولئك على هؤلاء.

وجائز أن يذكر في كل واحدة منهما حكمة على حدة: قوله: ﴿ ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ ﴾ ما ذكرنا أن فيهما من كل فن وكل نوع، و[قوله: ﴿ فِيهِمَا عَيْنَانِ ﴾ ] إحدى العينين هي العين المعروفة الموعودة، والأخرى التي لا يعرفون ولا يوعدون، وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ ﴾ أي: صنفان ولونان على غير تغير الطعم، ولا فساد يدخل في ذلك؛ لأن تغير اللون في الدنيا لا يكون للفواكه إلا بعد دخول فساد فيها، فيخبر أن تغير لونه لا لفساد يدخل في ذلك، والله أعلم.

وقال بعضهم: إنما ذكر الزوجين من الفواكه؛ لما أن قلوب البشر قد خطرت بأحد الزوجين وتمنته أنفسهم، والزوج الآخر هو لطف الله  على عباده؛ فضلا منه إليهم من غير أن يخطر على بالهم، ولا وقعت عليه أبصارهم، ولا انتهت إليه آمالهم؛ إكراما لهم بها وامتنانا.

وقال بعضهم: ليس المراد في هذه الآيات تبيين ما لأهل الجنة، ولكن فيه تبيان فضل السابقين على أصحاب اليمين: أن أولئك يعطون من الفضل ضعفي ما أعطي هؤلاء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ﴾ قال الفراء: يجوز أن تكون البطانة والظهارة جميعا من شيء واحد، ومن جهة واحدة، لكن سمي الجهة التي تلي أجسادهم بطانة، والأخرى: ظهارة، كالسماء؛ أن الجهة التي تلي الملائكة هي بطانتهم، وظهارتنا، وما تلينا ظهارتهم وبطانتنا، وكل شيء يلي إنسانا فهي بطانة، والجانب الذي لا يليه ظهارة، يقال: هذا ظهر السماء، للجانب الذي نراه، والآخر: بطن السماء، والله أعلم.

وقال القتبي: لا، ولكن ذكر البطانة من إستبرق، ولم يذكر الظهارة، والعرف في الناس: أن ظهارة فرشهم أنفس من البطانة، والبطانة دون الظهاغرة، فعلى ذلك في ذكر البطانة ووصفها بأنها من الإستبرق دلالة أن ظهارتها أرفع وأنفس من البطانة.

لكن ما قاله الفراء صحيح، وما كره القتبي هو من صنيع الناس في الدنيا من اتخذا الظهارة فوق البطانة؛ لما لا تحتمل أملاكهم التسوية بين ما بطن وما ظهر في النفاسة والرفعة، فأما الله -  وتعالى - فلا نفاد لخزائنه، يفعل ما يشاء كيف شاء.

وعن ابن مسعود -  - أنه قال: قد أخبرتم بالبطائن فكيف بالظهارة ثم الإستبرق اختلف فيه: قيل: هو ما غلظ منه بلسان قوم.

وقال بعضهم: هو ما دق ورق، والله أعلم.

ولا نفسره نحن: أنه ما هو؟

وكيف هو؟

ولكن نعلم أنه شيء وعد لهم ربهم، وهو شيء ترغب فيه أنفسهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَنَى ٱلْجَنَّتَيْنِ دَانٍ ﴾ جائز أن يكون ذكر هذا في حق السابقين الذين سارعوا في الخيرات، واستبطئوا ما وعد لهم بما لم يروا لطاعاتهم قيمة، ويغلبهم خوفهم في التقصير في العمل لله  الواجب عليهم، وفي أوامره ونواهيه، فقال: ﴿ وَجَنَى ٱلْجَنَّتَيْنِ ﴾ اللتين وعد لكم ﴿ دَانٍ ﴾ ، قال أهل التأويل: أي: الشجر دان منهم، قربت حين يتناولها الرجل كيف شاء، لكن يذكر هنا - والله أعلم -: أن الجنتين وإن بعدتا، فإن الثمار منهم دانية.

قال أبو عوسجة: الجنى: الحمل، وأجنت الشجرة تجنى؛ إذا حملت وأدرك حملها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ ﴾ أي: قصرن طرفهن على أزواجهن، ولا ينظرن إلى غيرهم، ولا يشتهينهم، وقال في آية أخرى: ﴿ حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي ٱلْخِيَامِ  ﴾ ذكر هذا؛ لأن أهل الدين يكونون من أهل غيرة، لا يريدون أن تنظر أزواجهم إلى غيرهم، ولا غيرهم ينظرون إليهن، فأخبر بالآيتين: أنهن لا ينظرن إلى غير أزاجهن، ولا غيرهم إليهن؛ حيث وصفهن بأنهن قاصرات مقصورات في الخيام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ ﴾ ، قرئ: ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ ﴾ بضم اليم وكسره.

قال الفراء: ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ ﴾ ، أي: لم يقبضهن، والطمث: النكاح بالرومية.

وقال أهل التأويل: لم يجامعهن إنس قبلهم ولا جان.

وقال أبو عوسجة: أي: لم يمسسهن إنس في التربية كما يرى الأولاد، ولا جان على ما تمس الجن الأولاد فيفسدهم، ولكنهم كما وصف: ﴿ إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً  فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً  عُرُباً أَتْرَاباً  لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ  ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَأَنَّهُنَّ ٱلْيَاقُوتُ وَٱلْمَرْجَانُ ﴾ ، قال أهل التأويل: شبههن باليقاوت؛ لصفائهن، وبالمرجان؛ لبياضهن، وهو كما قالوا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ جَزَآءُ ٱلإِحْسَانِ إِلاَّ ٱلإِحْسَانُ ﴾ قيل: هل جزاء الإحسان في الدينا إلا الإحسان لهم في الآخرة؟

هل جزاء فعل الحسن في الدنيا إلا إعطاء الحسن في الآخرة، وهي الجنة.

ولكن غيره كأنه أقر، أي: هل جزاء إحسان الله  بما أنعم عليهم في الدنيا إلا الإحسان له بالشكر والقبول، أي: الإتيان بفعل الحسن، وهو الشكر له، وحسن القبول؛ لأنه ليس يستوجب أحد قِبَلَ الله  بإحسانه في الدنيا جزاء في الآخرة، إنما الجزاء لهم بحق الفضل والإنعام، لا بحق الاستحقاق.

ويحتمل أن يكون تأويله: هل جزاء الإحسان في الدنيا إلا الإحسان له في الآخرة، والله أعلم.

واستدل أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - بهذه الآية على أن للجن ثوابا؛ كما للإنس؛ فإنه جرى الخطاب من أول السورة إلى آخرها للجن والإنس من قوله: ﴿ يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ ﴾ ؛ فعلى ذلك يشتركون في الوعد والوعيد.

لكنْ أبو حنيفة - رحمه الله  - يقول: لا ثواب للجن في ذلك من نحو الفواكه والسفن الجواري، فعلى ذلك ما ذكر من الثواب لهم يجوز الثواب، وللجن يجوز العين، والله أعلم.

وقد ذكرناه في غير هذا الموضع.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.k2LDP"

مزيد من التفاسير لسورة الرحمن

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله