الإسلام > القرآن > سور > سورة 55 الرحمن > الآية ٥٤ من سورة الرحمن
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 74 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٤ من سورة الرحمن: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : ( متكئين ) يعني أهل الجنة .
والمراد بالاتكاء هاهنا : الاضطجاع .
ويقال : الجلوس على صفة التربع .
( على فرش بطائنها من إستبرق ) وهو : ما غلظ من الديباج .
قاله عكرمة ، والضحاك وقتادة .
وقال أبو عمران الجوني : هو الديباج المغرى بالذهب .
فنبه على شرف الظهارة بشرف البطانة .
وهذا من التنبيه بالأدنى على الأعلى .
قال أبو إسحاق ، عن هبيرة بن يريم ، عن عبد الله بن مسعود قال : هذه البطائن فكيف لو رأيتم الظواهر ؟
وقال مالك بن دينار : بطائنها من إستبرق ، وظواهرها من نور .
وقال سفيان الثوري - أو شريك - : بطائنها من إستبرق وظواهرها من نور جامد .
وقال القاسم بن محمد : بطائنها من إستبرق ، وظواهرها من الرحمة .
وقال ابن شوذب ، عن أبي عبد الله الشامي : ذكر الله البطائن ولم يذكر الظواهر ، وعلى الظواهر المحابس ، ولا يعلم ما تحت المحابس إلا الله .
ذكر ذلك كله الإمام ابن أبي حاتم .
( وجنى الجنتين دان ) أي : ثمرها قريب إليهم ، متى شاءوا تناولوه على أي صفة كانوا ، كما قال : ( قطوفها دانية ) [ الحاقة : 23 ] ، وقال : ( ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا ) [ الإنسان : 14 ] أي : لا تمنع ممن تناولها ، بل تنحط إليه من أغصانها ،
القول في تأويل قوله تعالى : مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (54) يقول تعالى ذكره وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ يتنعمون فيهما، ( مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ )، فنصب متكئين على الحال من معنى الكلام الذي قبله، لأن الذي قبله بمعنى الخبر عمن خاف مقام ربه أنه في نَعْمة وسرور، يتنعمون في الجنتين.
وقوله: ( عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ ) يقول تعالى ذكره : بطائن هذه الفرش من غليظ الديباج، والإستبرق عند العرب: ما غلظ من الديباج وخشن.
وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة يقول: يسمى المتاع الذي ليس في صفاقة الديباج، ولا خفة العَرَقَة إستبرقا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
** ذكر من قال ذلك: حدثني عمران بن موسى القزاز، قال: ثنا عبد الوارث بن سعيد، قال: ثنا يحيى بن أبي إسحاق، قال، قال لي سالم بن عبد الله : ما الإستبرق؟
قال، قلت: ما غلظ من الديباج وخشن منه.
حدثنا محمد بن بشار قال: ثنا يحيى بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن عكرِمة، في قوله: ( إسْتَبْرَق ) قال: الديباج الغليظ.
وحدثنا إسحاق بن زيد الخطابي، قال: ثنا الفريابيّ، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن هبيرة بن يريم عن ابن مسعود في قوله: ( فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ) قال: قد أخبرتم بالبطائن، فكيف لو أخبرتم بالظواهر؟.
حدثنا الرفاعي، قال: ثنا ابن اليمان، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن هبيرة، قال: هذه البطائن فما ظنكم بالظواهر؟.
حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا أبو داود، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: قيل له: هذه البطائن من إستبرق فما الظواهر؟
قال: هذا مما قال الله فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ .
وقد زعم أهل العربية أن البطانة قد تكون ظهارة، والظهارة تكون بطانة، وذلك أن كل واحد منهما قد يكون وجها .
قال: وتقول العرب: هذا ظهر السماء، وهذا بطن السماء لظاهرها الذي نراه.
وقوله: ( وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ ) يقول: وثمر الجنتين الذي يجتني قريب منهم، لأنهم لا يتعبون بصعود نخلها وشجرها، لاجتناء ثمرها، ولكنهم يجتنونها من قعود بغير عناء.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ ): ثمارهم دانية، لا يردّ أيديهم عنه بعد ولا شوك.
ذُكر لنا أن نبي الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: " وَالَّذي نَفسِي بيَدِهِ، لا يَقْطَعُ رَجُلٌ ثَمَرة مِنَ الجَنَّةِ، فَتَصِلُ إلى فِيهِ حتى يُبَدّلَ الله مَكانَها خَيْرا منْها ".
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ ) قال: لا يردّ يده بعد ولا شوك.
حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ ) يقول : ثمارها دانية.
قوله تعالى : متكئين على فرش هو نصب على الحال .
والفرش جمع فراش .
وقرأ أبو حيوة " فرش " بإسكان الراء .
بطائنها من إستبرق جمع بطانة وهي التي تحت الظهارة والإستبرق ما غلظ من الديباج وخشن ، أي إذا كانت البطانة التي تلي الأرض هكذا فما ظنك بالظهارة ؛ قاله ابن مسعود وأبو هريرة .
وقيل لسعيد بن جبير : البطائن من إستبرق فما الظواهر ؟
قال : هذا مما قال الله : فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين .
وقال ابن عباس : إنما وصف لكم بطائنها لتهتدي إليه قلوبكم ، فأما الظواهر فلا يعلمها إلا الله .
وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ظواهرها نور يتلألأ .
وعن الحسن : بطائنها من إستبرق ، وظواهرها من نور جامد .
وعن الحسن أيضا : البطائن هي الظواهر ، وهو قول الفراء ، وروي عن قتادة .
والعرب تقول للظهر بطنا ، فيقولون : هذا ظهر السماء ، وهذا بطن السماء ، لظاهرها الذي نراه .
وأنكر ابن قتيبة وغيره هذا ، وقالوا : لا يكون هذا إلا في الوجهين المتساويين إذا ولي كل واحد منهما قوما ، كالحائط بينك وبين قوم ، وعلى ذلك أمر السماء .وجنى الجنتين دان الجنى ما يجتنى من الشجر ، يقال : أتانا بجناة طيبة لكل ما يجتنى .
وثمر جني على فعيل حين جني ، وقال :هذا جناي وخياره فيه إذ كل جان يده إلى فيهوقرئ " جنى " بكسر الجيم .
دان قريب .
قال ابن عباس : تدنو الشجرة حتى يجتنيها ولي الله إن شاء قائما وإن شاء قاعدا وإن شاء مضطجعا ، لا يرد يده بعد ولا شوك .
{ مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ } هذه صفة فرش أهل الجنة وجلوسهم عليها، وأنهم متكئون عليها، [أي:] جلوس تمكن واستقرار [وراحة]، كجلوس من الملوك على الأسرة، وتلك الفرش، لا يعلم وصفها وحسنها إلا الله عز وجل، حتى إن بطائنها التي تلي الأرض منها، من إستبرق، وهو أحسن الحرير وأفخره، فكيف بظواهرها التي تلي بشرتهم؟!
{ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ } الجنى هو الثمر المستوي أي: وثمر هاتين الجنتين قريب التناول، يناله القائم والقاعد والمضطجع.
( متكئين على فرش ) جمع فراش ( بطائنها ) جمع بطانة ، وهي التي تحت الظهارة .
وقال الزجاج : وهي مما يلي الأرض .
( من إستبرق ) وهو ما غلظ من الديباج .
قال ابن مسعود وأبو هريرة : هذه البطائن فما ظنكم بالظواهر ؟
وقيل لسعيد بن جبير : البطائن من إستبرق ، فما الظواهر ؟
قال : هذا مما قال الله - عز وجل - : " فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين " ( السجدة - 17 ) وعنه أيضا قال : بطائنها من إستبرق فظواهرها من نور جامد .
وقال ابن عباس : وصف البطائن وترك الظواهر ؛ لأنه ليس في الأرض أحد يعرف ما الظواهر .
( وجنى الجنتين دان ) الجنى ما يجتنى من الثمار ، يريد : ثمرها دان قريب يناله القائم والقاعد والنائم .
قال ابن عباس : تدنو الشجرة حتى يجتنيها ولي الله ، إن شاء قائما وإن شاء قاعدا .
قال قتادة : لا يرد أيديهم عنها بعد ولا شوك .
«متكئين» حال عامله محذوف، أي يتنعمون «على فرش بطائنها من إستبرق» ما غلظ من الديباج وخشن والظهائر من السندس «وجنى الجنتين» ثمرهما «دان» قريب يناله القائم والقاعد والمضطجع.
وللذين خافوا مقام ربهم جنتان يتنعمون فيهما، متكئين على فرش مبطَّنة من غليظ الديباج، وثمر الجنتين قريب إليهم.
ثم بين - سبحانه - حسن مجلسهم فقال : ( مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الجنتين دَانٍ ) .والجملة الكريمة حال من قوله - تعالى - : ( وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ .
.
.
) .وعبر - سبحانه - بالاتكاء لأنه من صفات المتنعمين الذين يعيشون عيشة راضية ، لاهم معها ولا حزن .والفرش : جمع فراش - ككتب وكتاب - وهو ما يبسط على الأرض للنوم أو الاضطجاع .والبطائن : جمع بطانة ، وهى ما قابل الظهارة من الثياب ، ومشتقة من البطن المقابلة للظهر ، ومن أقوالهم : أفرشنى فلان ظهره وبطنه ، أى : أطلعنى على سره وعلانيته .والاستبرق : الديباج المصنوع من الحرير السميك ، وهو من أجود أنواع الثياب .والمعنى : أن هؤلاء الذين خافوا مقام ربهم ونهوا أنفسهم عن الهوى ، يعيشون فى الجنات حالة كونهم ، متكئين فى جلستهم على فرش بطائنها من الديباج السميك .
( وَجَنَى الجنتين ) ما يجتنى من ثمارهما ( دَانٍ ) من الدنو بمعنى القرب .أى : أنهم لا يتعبون أنفسهم فى الحصول على تلك الفواكه ، وإنما يقطفون ما يشاءون منها ، وهم متكئون على فراشهم الوثير .
وفيه مسائل نحوية ولغوية ومعنوية.
المسألة الأولى من النحوية: هو أن المشهور أن (متكئين) حال وذو الحال من في قوله: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ ﴾ والعامل ما يدل عليه اللام الجارة تقديره لهم في حال الاتكاء جنتان وقال صاحب الكشاف: يحتمل أن يكون نصباً على المدح، وإنما حمله على هذا إشكال في قول من قال: إنه حال وذلك لأن الجنة ليست لهم حال الإتكاء بل هي لهم في كل حال فهي قبل الدخول لهم، ويحتمل أن يقال: هو حال وذو الحال ما تدل عليه الفاكهة.
لأن قوله تعالى: ﴿ فِيهِمَا مِن كُلّ فاكهة زَوْجَانِ ﴾ يدل على متفكهين بها كأنه قال: يتفكه المتفكهون بها، متكئين، وهذا فيه معنى لطيف، وذلك لأن الأكل إن كان ذليلاً كالخول والخدم والعبيد والغلمان، فإنه يأكل قائماً، وإن كان عزيزاً فإن كان يأكل لدفع الجوع يأكل قاعداً ولا يأكل متكئاً إلا عزيز متفكه ليس عنده جوع يقعده للأكل، ولا هنالك من يحسمه، فالتفكه مناسب للإتكاء.
المسألة الثانية من المسائل النحوية: ﴿ عَلَى فُرُشٍ ﴾ متعلق بأي فعل هو؟
إن كان متعلقاً بما في ﴿ مُتَّكِئِينَ ﴾ ، حتى يكون كأنه يقول: يتكئون على فرش كما كان يقال: فلان اتكأ على عصاه أو على فخذيه فهو بعيد لأن الفراش لا يتكأ عليه، وإن كان متعلقاً بغيره فماذا هو؟
نقول: متعلق بغيره تقديره يتفكه الكائنون على فرش متكئين من غير بيان ما يتكئون عليه، ويحتمل أن يكون اتكاؤهم على الفرش غير أن الأظهر ما ذكرنا ليكون ذلك بياناً لما تحتهم وهم بجميع بدنهم عليه وهو أنعم وأكرم لهم.
المسألة الثالثة: الظاهر أن لكل واحد فرشاً كثيرة لا أن لكل واحد فراشاً فلكلهم فرش عليها كائنون.
المسألة الرابعة لغوية: الاستبرق هو الديباج الثخين وكما أن الديباج معرب بسبب أن العرب لم يكن عندهم ذلك إلا من العجم، استعمل الاسم المعجم فيه غير أنهم تصرفوا فيه تصرفاً وهو أن اسمه بالفارسية ستبرك بمعنى ثخين تصغير ستبر فزادوا فيه همزة متقدمة عليه، وبدلوا الكاف بالقاف، أما الهمزة، فلأن حركات أوائل الكلمة في لسان العجم غير مبنية في كثير من المواضع فصارت كالسكون، فأثبتوا فيه همزة كما أثبتوا همزة الوصل عند سكون أول الكلمة، ثم إن البعض جعلوها همزة وصل وقالوا: ﴿ مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ﴾ والأكثرون جعلوها همزة قطع لأن أول الكلمة في الأصل متحرك لكن بحركة فاسدة فأتوا بهمزة تسقط عنهم الحركة الفاسدة وتمكنهم من تسكين الأول وعند تساوي الحركة، فالعود إلى السكون أقرب، وأواخر الكلمات عند الوقف تسكن ولا تبدل حركة بحركة، وأما القاف فلأنهم لو تركوا الكاف لاشتبه ستبرك بمسجدك ودارك، فأسقطوا منه الكاف التي هي على لسان العرب في آخر الكلم للخطاب وأبدلوها قافاً ثم عليه سؤال مشهور، وهو أن القرآن أنزل بلسان عربي مبين، وهذا ليس بعربي، والجواب الحق أن اللفظة في أصلها لم تكن بين العرب بلغة، وليس المراد أنه أنزل بلغة هي في أصل وضعها على لسان العرب، بل المراد أنه منزل بلسان لا يخفى معناه على أحد من العرب ولم يستعمل فيه لغة لم تتكلم العرب بها، فيصعب عليهم مثله لعدم مطاوعة لسانهم التكلم بها فعجزهم عن مثله ليس إلا لمعجز.
المسألة الخامسة: معنوية الإتكاء من الهيئات الدالة على صحة الجسم وفراغ القلب، فالمتكئ تكون أمور جسمه على ما ينبغي وأحوال قلبه على ما ينبغي، لأن العليل يضطجع ولا يستلقي أو يستند إلى شيء على حسب ما يقدر عليه للاستراحة، وأما الإتكاء بحيث يضع كفه تحت رأسه ومرفقه على الأرض ويجافي جنبيه عن الأرض فذاك أمر لا يقدر عليه، وأما مشغول القلب في طلب شيء فتحركه تحرك مستوفز.
المسألة السادسة: قال أهل التفسير قوله: ﴿ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ﴾ يدل على نهاية شرفها فإن ما تكون بطائنها من الإستبرق تكون ظهائرها خيراً منها، وكأن شيء لا يدركه البصر من سندس وهو الديباج الرقيق الناعم، وفيه وجه آخر معنوي وهو أن أهل الدنيا يظهرون الزينة ولا يتمكنون من أن يجعلوا البطائن كالظهائر، لأن غرضهم إظهار الزينة والبطائن لا تظهر، وإذا انتفى السبب انتفى المسبب، فلما لم يحصل في جعل البطائن من الديباج مقصودهم وهو الإظهار تركوه، وفي الآخرة الأمر مبني على الإكرام والتنعيم فتكون البطائن كالظهائر فذكر البطائن.
المسألة السابعة: قوله تعالى: ﴿ وَجَنَى الجنتين دَانٍ ﴾ فيه إشارة إلى مخالفتها لجنة دار الدنيا من ثلاثة أوجه: أحدها: أن الثمرة في الدنيا على رءوس الشجرة والإنسان عند الاتكاء يبعد عن رءوسها وفي الآخرة هو متكئ والثمرة تنزل إليه ثانيها: في الدنيا من قرب من ثمرة شجرة بعد عن الأخرى وفي الآخرة كلها دان في وقت واحد ومكان واحد، وفي الآخرة المستقر في جنة عنده جنة أخرى ثالثها: أن العجائب كلها من خواص الجنة فكان أشجارها دائرة عليهم ساترة إليهم وهم ساكنون على خلاف ما كان في الدنيا وجناتها وفي الدنيا الإنسان متحرك ومطلوبه ساكن، وفيه الحقيقة وهي أن من لم يكسل ولم يتقاعد عن عبادة الله تعالى، وسعى في الدنيا في الخيرات انتهى أمره إلى سكون لا يحوجه شيء إلى حركة، فأهل الجنة إن تحركوا تحركوا لا لحاجة وطلب، وإن سكنوا سكنوا لا لاستراحة بعد التعب، ثم إن الولي قد تصير له الدنيا أنموذجاً من الجنة، فإنه يكون ساكناً في بيته ويأتيه الرزق متحركاً إليه دائراً حواليه، يدلك عليه قوله تعالى: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحراب وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ﴾ .
المسألة الثامنة: الجنتان إن كانتا جسميتين فهو أبداً يكون بينهما وهما عن يمينه وشماله هو يتناول ثمارهما وإن كانت إحداهما روحية والأخرى جسمية فلكل واحد منهما فواكه وفرش تليق بها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَقَامَ رَبّهِ ﴾ موقفه الذي يقف فيه العباد للحساب يوم القيامة ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الناس لِرَبّ العالمين ﴾ [المطففين: 6] ونحوه: ﴿ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى ﴾ [إبراهيم: 14] ويجوز أن يراد بمقام ربه: أن الله قائم عليه؛ أي: حافظ مهيمن من قوله تعالى: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ على كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ [الرعد: 33] فهو يراقب ذلك فلا يجسر على معصيته.
وقيل: هو مقحم كما تقول: أخاف جانب فلان، وفعلت هذا لمكانك.
وأنشد: ذَعَرْتُ بِهِ الْقَطَا وَنَفَيْتُ عَنْهُ ** مَقَامَ الذئْبِ كَالرَّجُلِ اللَّعِينِ يريد: ونفيت عنه الذئب.
فإن قلت: لم قال: ﴿ جَنَّتَانِ ﴾ ؟
قلت: الخطاب للثقلين؛ فكأنه قيل: لكل خائفين منكما جنتان: جنة للخائف الإنسي، وجنة للخائف الجني.
ويجوز أن يقال: جنة لفعل الطاعات، وجنة لترك المعاصي؛ لأن التكليف دائر عليهما وأن يقال: جنة يثاب بها، وأخرى تضم إليها على وجه التفضل، كقوله تعالى: ﴿ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ ﴾ [يونس: 26] خص الأفنان بالذكر: وهي الغصنة التي تتشعب من فروع الشجرة: لأنها هي التي تورق وتثمر، فمنها تمتد الظلال، ومنها تجتنى الثمار.
وقيل: الأفنان ألوان النعم ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين.
قال: وَمِنْ كُلِّ أَفْنَانِ اللَّذَاذَةِ وَالصَّبَا ** لَهَوْتُ لَهَوْتُ بِهِ وَالْعَيْشُ أَخْضَرُ نَاضِرُ ﴿ عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ ﴾ حيث شاءوا في الأعالي والأسافل.
وقيل: تجريان من جبل من مسك.
وعن الحسن: تجريان بالماء الزلال: إحداهما التسنيم، والأخرى: السلسبيل ﴿ زَوْجَانِ ﴾ صنفان: قيل: صنف معروف وصنف غريب ﴿ مُتَّكِئِينَ ﴾ نصب على المدح للخائفين.
أو حال منهم، لأنّ من خاف في معنى الجمع ﴿ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ﴾ من ديباج ثخين، وإذا كانت البطائن من الإستبرق، فما ظنك بالظهائر؟
وقيل: ظهائرها من سندس.
وقيل: من نور ﴿ دَانٍ ﴾ قريب يناله القائم والقاعد والنائم.
وقرئ: ﴿ وجنى ﴾ ، بكسر الجيم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ ﴾ صِنْفانِ غَرِيبٌ ومَعْرُوفٌ، أوْ رَطْبٌ ويابِسٌ.
﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ ﴾ مِن دِيباجٍ ثَخِينٍ وإذا كانَتِ البَطائِنُ كَذَلِكَ فَما ظَنُّكَ بِالظَّهائِرِ؟
ومُتَّكِئِينَ مَدْحٌ لِلْخائِفِينَ أوْ حالٌ مِنهُمْ، لِأنَّ مَن خافَ في مَعْنى الجَمْعِ.
﴿ وَجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ ﴾ قَرِيبٌ يَنالُهُ القاعِدُ والمُضْطَجِعُ، وجَنى اسْمٌ بِمَعْنى مُجْنًى وقُرِئَ بِكَسْرِ الجِيمِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ مُتَّكِئِينَ ﴾ حالٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى:- ولِمَن خافَ - وجُمِعَ رِعايَةً لِلْمَعْنى بَعْدَ الإفْرادِ رِعايَةَ اللَّفْظِ، وقِيلَ: العامِلُ مَحْذُوفٌ أيْ يَتَنَعَّمُونَ مُتَّكِئِينَ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ بِهِ بِتَقْدِيرِ أعْنِي، والِاتِّكاءُ مِن صِفاتِ المُتَنَعِّمِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ الجِسْمِ وفَراغِ القَلْبِ، والمَعْنى مُتَّكِئِينَ في مَنازِلِهِمْ ﴿ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ ﴾ مِن دِيباجٍ ثَخِينٍ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - كَما رَواهُ عَنْهُ جَمْعٌ وصَحَّحَهُ الحاكِمُ - أُخْبِرْتُمْ بِالبَطائِنِ فَكَيْفَ بِالظَّهائِرِ، وقِيلَ: ظَهائِرُها مِن سُنْدُسٍ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ مِن نُورٍ جامِدٍ، وفي حَدِيثٍ مِن نُورٍ يَتَلَأْلَأُ وهُوَ إنْ صَحَّ وُقِفَ عِنْدَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٌ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: ﴿ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ ﴾ فَماذا الظَّواهِرُ ؟
قالَ: ذَلِكَ مِمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ ﴾ وقالَ الحَسَنُ: البَطائِنُ هي الظَّهائِرُ ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وقالَ الفَرّاءُ: قَدْ تَكُونُ البِطانَةُ الظِّهارَةُ والظِّهارَةُ البِطانَةُ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما يَكُونُ وجْهًا والعَرَبُ تَقُولُ: هَذا ظَهْرُ السَّماءِ وهَذا بَطْنُ السَّماءِ، والحَقُّ أنَّ البَطائِنَ هُنا مُقابِلُ الظَّهائِرِ عَلى الوَجْهِ المَعْرُوفِ، وقَرَأأبُو حَيْوَةَ «فُرْشٍ» بِسُكُونِ الرّاءِ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ عَلى «سُرُرٍ.
وفُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ» ﴿ وجَنى الجَنَّتَيْنِ ﴾ أيْ ما يُجْنى ويُؤْخَذُ مِن أشْجارِهِما مِنَ الثِّمارِ، فَجَنى اسْمٌ أوْ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ بِمَعْنى المَجْنِيِّ ﴿ دانٍ ﴾ قَرِيبٌ يَنالُهُ القائِمُ والقاعِدُ والمُضْطَجِعُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: تَدْنُو الشَّجَرَةُ حَتّى يَجْتَنِيَها ولِيُّ اللَّهِ تَعالى إنْ شاءَ قائِمًا وإنْ شاءَ قاعِدًا وإنْ شاءَ مُضْطَجِعًا، وعَنْ مُجاهِدٍ ثِمارُ الجَنَّتَيْنِ دانِيَةٌ إلى أفْواهِ أرْبابِها فَيَتَناوَلُونَها مُتَّكِئِينَ فَإذا اضْطَجَعُوا نَزَلَتْ بِإزاءِ أفْواهِهِمْ فَيَتَناوَلُونَها مُضْطَجِعِينَ لا يَرُدُّ أيْدِيَهم عَنْها بُعْدٌ ولا شَوْكٌ، وقَرَأ عِيسى «وجَنِي» بِفَتْحِ الجِيمِ وكَسْرِ النُّونِ كَأنَّهُ أمالَ النُّونَ وإنْ كانَتِ الألْفُ قَدْ حُذِفَتْ في اللَّفْظِ كَما أمالَ أبُو عَمْرو ﴿ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ وقَرَئَ «وجِنى» بِكَسْرِ الجِيمِ وهو لُغَةٌ فِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: هو الذي ينجيكم من عذاب الآخرة، إن أطعتم أمره، وآمنتم برسله، فكيف تنكرون وحدانية الله تعالى؟
ويقال: معناه إن إخباري إياكم بهذه العقوبة نعمة لكم، لكي تنتهوا عن الكفر والمعاصي، فلا تنكروا نعمتي عليكم.
فقد ذكر الله في هذه الآيات دفع البلاء، ثم ذكر إيصال النعم لمن اتقاه وأطاع أمره، فقال: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ يعني: من خاف عند المعصية مقام يوم القيامة بين يدي ربه، فانتهى عن المعصية، فله في الآخرة جَنَّتانِ يعني: بستانان.
وقال مجاهد: هو الرجل يهم بالمعصية، فيذكر الله عندها، فيدعها، فله أجران.
وذكر عن الفراء أنه قال: جَنَّتانِ أراد به جنة واحدة، وإنما ذكر جَنَّتانِ للقوافي، والقوافي تحتمل الزيادة والنقصان ما لا يحتمل الكلام.
وقال القتبي: هذا لا يجوز، لأن الله قد وعد ببستانين، فلا يجوز أن يريد بهما واحداً، فلو جاز هذا لجاز أن يقال في قوله: تسعة عشر إنما هم عشرون، ولكن ذكر للقوافي.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: بأي نعمة من نعماء الله تعالى تتجاحدان؟
إذ جعل الجنة ثواب أعمالكم، فكيف تنكرون وحدانية الله تعالى ونعمته؟
قوله تعالى: ذَواتا أَفْنانٍ يعني: ذواتاً ألوان.
يعني: البساتين فيها ألوان من الثمرات.
ويقال: ذَواتا أغصان.
وقال الزجاج: الأفنان ألوان، وهي الأغصان أيضاً واحدها فَنَنٌ.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: قد وُعِدْتُّمُ الجنة، والراحة، فكيف تنكرون وحدانيته ونعمته؟.
ثم قال عز وجل: فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ يعني: في البساتين نهران من ماء غير آسن أي: غير متغير.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: جعل الأنهار نزاهة لكم زيادة في النعمة، فكيف تنكرون قدرة الله تعالى ونعمته؟.
ثم قال: فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ يعني: في هذين البساتين، من كل لون من الفاكهة صنفان، الحلو، والحامض.
ويقال: لونان فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: جعل فيهما من الراحة والنزاهة من كل نوع من الفاكهة؟
فكيف تنكرون نعمته وقدرته.
قوله عز وجل: مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ يعني: ناعمين على فرش بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ هو الديباج الغليظ الأخضر بلغة فارس.
وقال مقاتل: بَطائِنُها يعني: ظواهرها.
وذكر عن الفراء أنه قال: بَطائِنُها يعني: الظهارة، وقد تكون الظهارة بطانة، والبطانة ظهارة، لأن كل واحد منهما يكون وجها وحدا.
وقال القتبي: هذا لا يصح، ولكن ذكر البطانة تعليماً، أن البطانة إذا كانت من استبرق، فالظهارة تكون أجود.
وروي عن ابن عباس أنه سئل: أن بطائنها من استبرق فما الظواهر؟
قال هو مما قال الله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ.
ثم قال: وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ يعني: اجتناؤهما قريب إن شاء تناولهما قائماً، وإن شاء تناولهما قاعداً، وإن شاء متكئاً.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: جعل لكم مجالس الملوك مع الفراش المرتفعة، فكيف تنكرون وحدانية الله ونعمته؟.
ثم قال عز وجل: فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ يعني: في الجنان من الزوجات غاضات البصر، قانعات بأزواجهن، لا يشتهين غيرهم، ولا ينظرون إلى غيرهم.
قوله تعالى: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ يعني: لم يمسسهن إنس، قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ يعني: لا إنساً، ولا جنياً فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: جعل لكم أزواجاً موافقة لطبعكم، وهن لا يرون غيركم، فكيف تنكرون الله تعالى؟.
ثم وصف الزوجات فقال: كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ يعني: في الصفاء كالياقوت، وفي البياض كالمرجان، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: جعلهن بحال تتلذذ أعينكم بالنظر إليهن، فكيف تنكرون وحدانية الله تعالى ونعمته؟.
ثم قال عز وجل: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ يعني: هل جزاء التوحيد وهو قول لا إله إلا الله إلا الجنة.
ويقال: هل جزاء من خاف مقام ربه إلا هاتان الجنتان التي ذكرناها في الآية.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: فكيف تنكرون نعمة ربكم، حيث جعل ثواب إحسانكم الجنة، وبين لكم لكي تحسنوا، وتنالوا ثواب الله، وإحسانه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مُتَّكِئِينَ ﴾ هَذا حالُ المَذْكُورِينَ ﴿ عَلى فُرُشٍ ﴾ جَمْعُ فِراشٍ ﴿ بَطائِنُها ﴾ جَمْعُ بِطانَةٍ، وهي الَّتِي تَحْتَ الظِّهارَةِ.
وَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: هَذِهِ البَطائِنُ، فَما ظَنُّكم بِالظَّهائِرِ؟!
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّما تُرِكَ وصْفُ الظَّواهِرِ، لِأنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ يَعْلَمُ ما هي.
وقالَ قَتادَةُ: البَطائِنُ: هي الظَّواهِرُ بِلُغَةِ قَوْمٍ.
وكانَ الفَرّاءُ يَقُولُ: قَدْ تَكُونُ البِطانَةُ ظاهِرَةً، والظّاهِرَةُ بِطانَةً، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما قَدْ يَكُونُ وجْهًا، والعَرَبُ تَقُولُ: هَذا ظَهْرُ السَّماءِ، وهَذا بَطْنُ السَّماءِ لِظاهِرِها، وهو الَّذِي نَراهُ، وقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَعِيبُ قَتَلَةَ عُثْمانَ: خَرَجُوا عَلَيْهِ كاللُّصُوصِ مِن وراءِ القَرْيَةِ، فَقَتَلَهُمُ اللَّهُ كُلَّ قِتْلَةٍ، ونَجا مِنهم مَن نَجا تَحْتَ بُطُونِ الكَواكِبِ.
يَعْنِي هَرَبُوا لَيْلًا؛ فَجَعَلُوا ظُهُورَ الكَواكِبِ بُطُونًا، وذَلِكَ جائِزٌ في العَرَبِيَّةِ.
وأنْكَرَ هَذا القَوْلَ ابْنُ قُتَيْبَةَ جِدًّا، وقالَ: إنَّما أرادَ اللَّهُ أنَّ يُعَرِّفَنا- مِن حَيْثُ نَفْهَمُ - فَضْلَ هَذِهِ الفُرُشِ وأنَّ ما ولِيَ الأرْضَ مِنها إسْتَبْرَقٌ، وإذا كانَتِ البِطانَةُ كَذَلِكَ، فالظِّهارَةُ أعْلى وأشْرَفُ.
وهَلْ يَجُوزُ [لِأحَدٍ] أنْ يَقُولَ لِوَجْهِ مُصَلٍّ: هَذا بِطانَتُهُ، ولِما ولِيَ الأرْضَ مِنهُ: هَذا ظِهارَتُهُ؟!
وإنَّما يَجُوزُ هَذا في ذِي الوَجْهَيْنِ المُتَساوِيَيْنِ، تَقُولُ لِما ولِيَكَ مِنَ الحائِطِ: هَذا ظَهْرُ الحائِطِ، ويَقُولُ جارُكَ لِما ولِيَهُ هَذا ظَهْرُ الحائِطِ، وكَذَلِكَ السَّماءُ ما ولِيَنا مِنها: ظَهْرٌ، وهي لِمَن فَوْقَها: بَطْنٌ.
وقَدْ ذَكَرْنا الإسْتَبْرَقَ في [سُورَةِ] [الكَهْفِ: ٣١]، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: ما يُجْتَنى قَرِيبٌ لا يُعَنِّي الجانِيَ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في [الصّافّاتِ: ٤٨] .
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ فِيهِنَّ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ إلى الجَنَّتَيْنِ وغَيْرِهِما مِمّا أُعِدَّ لِصاحِبِ هَذِهِ القِصَّةِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والثّانِي: أنَّها تَعُودُ إلى الفُرُشِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ ﴾ قَرَأ الكِسائِيُّ بِضَمِّ المِيمِ، والباقُونَ بِكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ: يَطْمِثُ ويَطْمُثُ، مِثْلُ يَعْكِفُ ويَعْكُفُ.
وفي مَعْناهُ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لَمْ يَفْتَضِضْهُنَّ؛ والطَّمْثُ: النِّكاحُ بِالتَّدْمِيَةِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْحائِضِ: طامِثٌ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّانِي: لَمْ يَمْسَسْهُنَّ؛ يُقالُ: ما طَمَثَ هَذا البَعِيرَ حَبْلٌ [قَطُّ] أيْ: ما مَسَّهُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
قالَ مُقاتِلٌ: وذَلِكَ لِأنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنَ الجَنَّةِ؛ فَعَلى قَوْلِهِ، هَذا صِفَةُ الحُورِ.
وقالَ الشَّعْبِيُّ: هُنَّ مِن نِساءِ الدُّنْيا لَمْ يَمْسَسْهُنَّ مُذْ أُنْشِئْنَ خَلْقٌ.
وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الجِنِّيَّ يَغْشى المَرْأةَ كالإنْسِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ ﴾ قالَ قَتادَةُ: هُنَّ في صَفاءِ الياقُوتِ وبَياضِ المَرْجانِ.
وذَكَرَ الزَّجّاجُ أنَّ أهْلَ التَّفْسِيرِ وأهْلَ اللُّغَةِ قالُوا: هُنَّ في صَفاءِ الياقُوتِ وبَياضِ المَرْجانِ والمَرْجانُ: صِغارُ اللُّؤْلُؤِ، وهو أشَدُّ بَياضًا.
وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ قالَ: "الياقُوتُ" فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، والجَمْعُ "اليَواقِيتُ"، وقَدْ تَكَلَّمَتْ بِهِ العَرَبُ، قالَ مالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ اليَرْبُوعِيُّ: لَنْ يُذْهِبَ اللُّؤْمَ تاجٌ قَدْ حُيِيتَ بِهِ مِنَ الزَّبَرْجَدِ والياقُوتِ والذَّهَبِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ، أيْ: ما جَزاءُ مَن أحْسَنَ في الدُّنْيا إلّا أنْ يُحْسَنَ إلَيْهِ في الآخِرَةِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَلْ جَزاءُ مَن قالَ: "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ" وعَمِلَ بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ إلّا الجَنَّةُ.
ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ: "هَلْ تَدْرُونَ ما قالَ رَبُّكُمْ"؟
قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: "فَإنَّ رَبَّكم يَقُولُ: هَلْ جَزاءُ مَن أنْعَمْنا عَلَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ إلّا الجَنَّةُ"؟!
.» <div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ ذَواتا أفْنانٍ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ "مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "وَلِمَن خافَ" يُحْتَمَلُ أنْ تَقَعَ عَلى جَمِيعِ المُتَّصِفِينَ بِالخَوْفِ الزاجِرِ عن مَعاصِي اللهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ تَقَعَ لِواحِدٍ مِنهُمْ، وبِحَسَبِ هَذا قالَ بَعْضُ الناسِ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ كُلَّ خائِفٍ لَهُ جَنَّتانِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ جَمِيعَ الخائِفِينَ لَهم جَنَّتانِ، و"المَقامُ" هو وُقُوفُ العَبْدِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ تَعالى، يُفَسِّرُهُ: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الناسُ لِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ ، وأضافَ المَقامُ إلى اللهِ تَعالى مِن حَيْثُ هو بَيْنَ يَدَيْهِ.
قالَ الثَعْلَبِيُّ: "مَقامَ رَبِّهِ" قِيامُهُ عَلى العَبْدِ، بَيانُهُ ﴿ أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ﴾ ، وحَكى الزَهْراوِيُّ هَذا المَعْنى عن مُجاهِدٍ، وفي هَذِهِ الإضافَةِ تَنْبِيهٌ عَلى صُعُوبَةِ المَوْقِفِ، وتَحْرِيضٌ عَلى الخَوْفِ الَّذِي هو أسْرَعُ المَطايا إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ قَوْمٌ: أرادَ جَنَّةً واحِدَةً وثَنّى عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ ﴾ ، وقَوْلُ الحَجّاجِ: يا غُلامُ اضْرِبا عُنُقَهُ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ مَعْنى التَثْنِيَةِ مُتَّجِهٌ بِلا وجْهٍ لِلْفِرارِ إلى هَذِهِ الشاذَّةِ، ويُؤَيِّدُ التَثْنِيَةَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَواتا أفْنانٍ ﴾ وهي تَثْنِيَةُ "ذاتِ" لِأنَّ أصْلَ "ذاتٍ" ذَواتٌ.
و"الأفْنانِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعٌ فَنَنٍ وهو الغُصْنُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، فَكَأنَّهُ تَعالى مَدَحَها بِظِلالِها وتَكاثَفَ أغْصانَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ فَنٍّ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، فَكَأنَّهُ تَعالى مَدَحَها بِكَثْرَةِ أنْواعِ فَواكِهِها ونَعِيمِها.
و"زَوْجانِ" مَعْناهُ: نَوْعانِ، و"مُتَّكِئِينَ" حالٌ، إمّا مِن مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: يَتَنَعَّمُونَ مُتَّكِئِينَ وإمّا مِن قَوْلِهِ تَعالى: "وَلِمَن خافَ"، و"الِاتِّكاءُ": جَلْسَةُ المُتَنَعِّمِ المُتَمَتِّعِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فُرُشٍ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "فُرْشٍ" بِسُكُونِ الراءِ، ورُوِيَ في الحَدِيثِ «أنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ : هَذِهِ البَطائِنُ مِن إسْتَبْرَقٍ فَكَيْفَ الظَواهِرُ؟
قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "هِيَ مِن نُورٍ يَتَلَأْلَأُ"،» و"الإسْتَبْرَقُ" ما خَشُنَ وحَسُنَ مِنَ الدِيباجِ، و"السُنْدُسُ" ما رَقَّ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في لَفْظَةِ الإسْتَبْرَقِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "مِن اسْتَبْرَقٍ" عَلى أنَّهُ فِعْلٌ والألِفُ وصْلٌ.
"والجَنى" ما يُجْتَنى مِنَ الثِمارِ، ووَصَفَهُ بِالدُنُوِّ لِأنَّهُ فِيما رُوِيَ في الحَدِيثِ يَتَناوَلُهُ الرَجُلُ عَلى أيِّ حالَةٍ كانَ مِن قِيامٍ أو جُلُوسٍ أوِ اضْطِجاعٍ لِأنَّهُ يَدْنُو إلى مُشْتَهِيهِ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: " فِيهِنَّ" لِلْفُرْشِ، وقِيلَ: لِلْجَنّاتِ؛ إذِ الجَنَّتانِ جَنّاتٌ في المَعْنى.
و: "قاصِراتُ الطَرْفِ" هُنَّ الحُورُ العَيْنُ قَصَرْنَ ألْحاظَهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو عَنِ الكِسائِيِّ وحْدَهُ، وطَلْحَةُ، وعِيسى، وأصْحابُ عَلَيٍّ، وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "يَطْمِثُهُنَّ" بِضَمِّ المِيمِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يَطْمِثُهُنَّ" بِكَسْرِ المِيمِ، والمَعْنى: لَمْ يَفْتَضِضْهُنَّ؛ لِأنَّ الطَمْثَ دَمُ الفَرْجِ فَيُقالُ لِدَمِ الحَيْضِ: طَمْثٌ، ويُقالُ لِدَمِ الِافْتِضاضِ: طَمْثٌ، فَإذا نُفِيَ الطَمْثُ فَقَدْ نُفِيَ القُرْبُ مِنهُنَّ بِجِهَةِ الوَطْءِ، قالَ الفَرّاءُ: لا يُقالُ "طَمْثٌ" إلّا إذا افْتَضَّ، وقالَ غَيْرُهُ: "طَمْثٌ" مَعْناهُ: جامَعَ بِكْرًا أو غَيْرَها.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "وَلا جانَّ" - فَقالَ مُجاهِدٌ: الجِنُّ قَدْ تُجامِعُ نِساءَ البَشَرِ مَعَ أزْواجِهِنَّ إذا لَمْ يَذْكُرِ الزَوْجُ اللهَ تَعالى، فَتَنْفِي هَذِهِ الآيَةُ جَمِيعَ المُجامَعاتِ، وقالَ حَمْزَةُ بْنُ حَبِيبٍ: الجِنُّ في الجَنَّةِ لَهم قاصِراتُ الطَرْفِ مِنَ الجِنِّ نَوْعُهُمْ، فَنَفى في هَذِهِ الآيَةِ الِافْتِضاضَ عَنِ البُشْرَياتِ والجِنِّيّاتِ، ويَحْتَمِلُ اللَفْظُ أنْ يَكُونَ مُبالَغَةً وتَأْكِيدًا كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ شَيْءٌ، أرادَ العُمُومَ التامَّ لَكِنَّهُ صَرَّحَ مِن ذَلِكَ بِالَّذِي يَعْقِلُ مِنهُ أنْ يَطْمِثَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والطَبَرِيُّ: إنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: ما طَمَثَ هَذا البَعِيرُ حَبْلَ قَطُّ، أيْ: ما مَسَّهُ، فَإنَّ كانَ هَذا المَعْنى: ما أدْماهُ حَبْلٌ، فَهو يَقْرُبُ مِنَ الأوَّلِ، وإلّا فَهو مَعْنًى آخَرُ غَيْرُ ما قَدَّمْناهُ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "وَلا جَأْنٌ" بِالهَمْزِ.
<div class="verse-tafsir"
حال من ﴿ لمن خاف مقام ربه ﴾ وجيء بالحال صيغةَ جمع باعتبار معنى صاحب الحال وصلاحية لفظه للواحد والمتعدد، لا باعتبار وقوع صلته بصيغة الإِفراد فإن ذلك اعتبار بكون (مَن) مفردة اللفظ.
والمعنى: أُعطوا الجنان واستقرُّوا بها واتكأوا على فرش.
والاتكاء: افتعال من الوَكْءِ مهموز اللام وهو الاعتماد، فصار الاتكاء اسماً لاعتمادِ الجالس ومرفقه إلى الأرض وجنبه إلى الأرض وهي هيئة بين الاضطجاع على الجنب والقعودِ، وتقدم في قوله: ﴿ وأعتدت لهن متكئاً ﴾ في سورة يوسف (31)، وتقدم أيضاً في سورة الصافات.
وفُرش: جمع فراش ككتاب وكُتب.
والفِراش أصله ما يفرش، أي يبسط على الأرض للنوم والاضطجاع.
ثم أطلق الفراش على السرير المرتفع على الأرض بسُوققٍ لأنه يوضع عليه ما شأنه أن يفرش على الأرض تسمية باسم ما جعل فيه، ولذلك ورد ذكره في سورة الواقعة (15، 16) في قوله: ﴿ على سرر موضونة متكئين عليها متقابلين ﴾ وفي سورة الصافات (44) على سرر متقابلين.
والمعبر عنه في هذه الآيات واحد يدلّ على أن المراد بالفرش في هذه الآية السرر التي عليها الفرش.
والاتكاء: جِلسة أهل الترف المخدومين لأنها جلسة راحة وعدم احتياج إلى النهوض للتناول نحوه وتقدم في سورة الكهف.
والبطائن: جمع بِطانة بكسر الباء وهي مشتقة من البطن ضد الظهر من كل شيء، وهو هنا مجاز عن الأسفل.
يقال للجهة السفلى: بطن، وللجهة العليا ظهر، فيقال: بَطَّنْت ثوبي بآخر إذا جعل تحت ثوبه آخرَ، فبطانة الثوب داخله وما لا يَبدو منه، وضد البطانة الظِّهارة بكسر الظاء، ومن كلامهم: أفرشني ظهر أمره وبطنه، أي علانيته وسِرّه، شبهت العلانية بظهر الفراش والسِرّ ببطن الفراش وهما الظِهارة والبطانة، ولذلك أتبع هذا التشبيه باستعارة فعل: أفرشني.
فالبطانة: هي الثوب الذي يجعل على الفراش والظهارة: الثوب الذي يجعل فوق البطانة ليظهر لرؤية الداخل للبيت فتكون الظهارة أحسن من البطانة في الفراش الواحد.
والعرب كانوا يجعلون الفراش حَشية، أي شيئاً محشواً بصوف أو قطن أو ليف ليكون أوثر للجنب، قال عنترة يصف تنعم عَبلة: تُمسي وتُصبح فوق ظهر حشِيّةٍ *** وأَبِيتُ فوقَ سَراة أدهم مُلجم فإذا وضعوا على الحشية ثوباً أو خاطوها بثوب فهو البطانة، وإذا غطوا ذلك بثوب أحسن منه فهو الظِهارة.
فالمعنى هنا: أن بطائن فرش الجنة من استبرق فلا تَسأل عن ظهائرها فإنها أجود من ذلك، ولا ثوب في الثياب المعروفة عند الناس في الدنيا أنفس من الاستبرق البطائن بالذكر كناية عن نفاسة وصف ظهائر الفرش.
والاستبرق: صنف رفيع من الديباج الغليظ.
والديباجُ: نسيج غليظ من حرير والاستبرق ينسج بخيوط الذهب.
قال الفخر: وهو معرب عن الفارسية عن كلمة (سْتبرك) بكاف في آخره علامة تصغير (ستبر) بمعنى ثخين، وقد تقدم في سورة الكهف (31)، فأبدلوا الكاف قافاً خشية اشتباه الكاف بكاف الخطاب، والذي في القاموس}: الإِستبرق: الديباج الغليظ معرب (اسْتَرْوَه)، وقد تبين أن الإِستبرق: صنف من الديباج، والديباج: ثوب منسوج من الحرير منقوش وهو أجود أنواع الثياب.
ومن ﴿ جنى الجنتين ﴾ : ما يجنى من ثمارهما، وهو بفتح الجيم ما يقطف من الثمر.
والمعنى: أن ثمر الجنة داننٍ منهم وهم على فرشهم فمتى شاءوا اقتطفوا منه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ بَطائِنَها يُرِيدُ بِهِ ظَواهِرَها، قالَهُ قَتادَةُ.
والعَرَبُ تَجْعَلُ البَطْنَ ظَهْرًا فَيَقُولُونَ هَذا بَطْنُ السَّماءِ وظَهْرُ السَّماءِ.
الثّانِي: أنَّهُ أرادَ البِطانَةَ دُونَ الظِّهارَةِ، لِأنَّ البِطانَةَ إذا كانَتْ مِن إسْتَبْرَقٍ وهي أدْوَنُ مِنَ الظّاهِرَةِ دَلَّ عَلى أنَّ الظَّهارَةَ فَوْقَ الإسْتَبْرَقِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
وَسُئِلَ عَبّاسٌ فَما الظَّواهِرُ؟
قالَ: إنَّما وصَفَ لَكم بَطائِنَها لِتَهْتَدِيَ إلَيْهِ قُلُوبُكم فَأمّا الظَّواهِرُ فَلا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ.
﴿ وَجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ ﴾ فَأمّا الجَنا فَهو الثَّمَرُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ هَذا جَنايَ وخِيارُهُ فِيهِ إذْ كُلِّ جانٍ يَدُهُ إلى فِيهِ وَفِي قَوْلِهِ ﴿ دانٍ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: دانِي لا يَبْعُدُ عَلى قائِمٍ ولا عَلى قاعِدٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّهُ لا يَرُدُّ أيْدِيهِمْ عَنْها بُعْدٌ ولا شَوْكٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ ﴾ قالَ قَتادَةُ: قَصَرَ طَرَفَهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ، لا يُسَدِّدْنَ النَّظَرَ إلى غَيْرِهِمْ، ولا يَبْغِينَ بِهِمْ بَدَلًا.
﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَمْ يَمْسَسْهُنَّ، قالَ أبُو عَمْرٍو: الطَّمْثُ المَسُّ، وذَلِكَ في كُلِّ شَيْءٍ يُمَسُّ.
الثّانِي: لَمْ يَذْلُلْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ، والطَّمْثُ: التَّذْلِيلُ، قالَهُ المُبَرِّدُ.
الثّالِثُ: لَمْ يُدْمِهُنَّ يَعْنِي إنْسٌ ولا جانٌّ، وذَلِكَ قِيلَ لِلْحَيْضِ طَمْثٌ، قالَ الفَرَزْدَقُ: دُفِعْنَ إلَيَّ لَمْ يُطْمَثْنَ قَبْلِي ∗∗∗ وهُنْ أصَحُّ مِن بِيضِ النَّعامِ وَفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الجِنَّ تَغْشى كالإنْسِ.
﴿ هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: هَلْ جَزاءُ الطّاعَةِ إلّا الثَّوابُ.
الثّانِي: هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ في الدُّنْيا إلّا الإحْسانَ في الآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: هَلْ جَزاءُ مَن شَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ إلّا الجَنَّةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: هَلْ جَزاءُ التَّوْبَةِ إلّا المَغْفِرَةَ، قالَهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصّادِقُ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: هَلْ جَزاءُ إحْسانِ اللَّهِ عَلَيْكم إلّا طاعَتُكم لَهُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن شوذب في قوله: ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ قال: نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن عطاء أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه ذكر ذات يوم وفكر في القيامة والموازين والجنة والنار وصفوف الملائكة وطيّ السموات ونسف الجبال وتكوير الشمس وانتثار الكواكب، فقال: وددت أني كنت خضراء من هذا الخضر تأتي عليّ بهيمة فتأكلني وأني لم أخلق، فنزلت هذه الآية ﴿ ولمن خاف ربه جنتان ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ ولمن خاف ربه جنتان ﴾ قال: وعد الله المؤمنين الذين خافوا مقامه فأدوا فرائضه الجنة.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ ولمن خاف ربه جنتان ﴾ يقول: خاف ثم اتقى، والخائف من ركب طاعة الله وترك معصيته.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وهناد وابن أبي الدنيا في التوبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ قال: هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر مقامه فينزع عنها.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ولمن خاف ربه جنتان ﴾ قال: من خاف مقام الله عليه.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد مثله.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال: الرجل يريد الذنب فيذكر الله فيدع الذنب.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ولمن خاف ربه جنتان ﴾ قال: إن المؤمنين خافوا ذلك المقام فعملوا لله ودأبوا ونصبوا له بالليل والنهار.
وأخرج ابن جرير عن إبراهيم ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ قال: إذا أراد أن يذنب أمسك مخافة الله.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ قال: لمن خافه في الدنيا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية بن قيس في قوله: ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ قال: نزلت في الذي قال: أحرقوني بالنار لعلي أضلّ الله، قال لنا بيوم وليلة بعد أن تكلم بهذا فقبل الله منه ذلك، وأدخله الجنة.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن منيع والحكيم في نوادر الأصول والنسائي والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن أبي الدرداء «أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ فقلت: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم الثانية ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ فقلت: وإن زنى وإن سرق؟
فقال الثالثة ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ فقلت: وإن زنى وإن سرق؟
قال: نعم وإن رغم أنف أبي الدرداء» .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ فقال أبو الدرداء: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟
قال: وإن زنى وإن سرق، وإن رغم أنف أبي الدرداء» فكان أبو الدرداء يقص ويقول: ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ وإن رغم أنف أبي الدرداء.
وأخرج الطبراني وابن مردويه من طريق الحريري عن أخيه قال: سمعت محمداً بن سعد يقرأ هذه الآية ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان وإن زنى وإن سرق ﴾ فقلت: ليس فيه وإن زنى وإن سرق، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأها كذلك فأنا أقرأها كذلك حتى أموت.
وأخرج ابن مردويه عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله دخل الجنة، ثم قرأ ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن شهاب قال: كنت عند هشام بن عبد الملك، فقال: قال أبو هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ فقال أبو هريرة رضي الله عنه: وإن زنى وإن سرق؟
فقلت: إنما كان ذلك قبل أن تنزل الفرائض، فلما نزلت الفرائض ذهب هذا.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن يسار مولى لآل معاوية عن أبي الدرداء رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ قال: قيل: يا أبا الدرداء وإن زنى وإن سرق؟
قال: من خاف مقام ربه لم يزن ولم يسرق.
وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «جنان الفردوس أربع: جنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن» .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: « ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ وقوله: ﴿ ومن دونهما جنتان ﴾ قال: جنتان من ذهب للمقربين، وجنتان من ورق لأصحاب اليمين» .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ قال: جنتان من ذهب للسابقين، وجنتان من فضة للتابعين.
وأخرج ابن مردويه عن عياض بن تميم أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ قال: بستانان عرض كل واحد منهما مسيرة مائة عام فيهما أشجار، وفرعهما ثابت، وشجرهما ثابت، وعرصتهما عظيمة، ونعيمهما عظيم وخيرهما دائم، ولذتهما قائمة وأنهارهما جارية وريحهما طيب، وبركتهما كثيرة، وحياتهما طويلة، وفاكتهما كثيرة.
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن الحسن قال: كان شاب على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ملازم المسجد والعبادة فعشقته جارية فأتته في خلوة فكلمته فحدث نفسه بذلك فشهق شهقة فغشي عليه، فجاء عم له إلى بيته، فلما أفاق قال يا عم انطلق إلى عمر فأقرئه مني السلام وقل له: ما جزاء من خاف مقام ربه؟
فانطلق عمه فأخبر عمر، وقد شهق الفتى شهقة أخرى فمات منها، فوقف عليه عمر فقال: لك جنتان لك جنتان.
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ذواتا أفنان ﴾ قال: ذواتا ألوان.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير مثله.
وأخرج هناد عن الضحاك مثله.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ ذواتا أفنان ﴾ يقول: ألوان من الفواكه.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ذواتا أفنان ﴾ قال: ذواتا أغصان.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ ذواتا أفنان ﴾ قال: غصونهما يمس بعضها بعضاً.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ ذواتا أفنان ﴾ قال: الفتن الغصن.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وأبو بكر بن حبان في الفنون وابن الأنباري في الوقف والابتداء عن عكرمة أنه سئل عن قول الله: ﴿ ذواتا أفنان ﴾ قال: ظل الأغصان على الحيطان، أما سمعت قول الشاعر؟
ما هاج شوقك من هدير حمامة ** تدعو على فتن الغصون حماما تدعو باشرخين صادف طاويا ** ذا مخلبين من الصقور قطاما وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ ذواتا أفنان ﴾ قال: ذواتا فضل على ما سواهما.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ فيهما كل فاكهة زوجان ﴾ قال: فيهما من كل الثمرات، قال: قال ابن عباس: فما في الدنيا ثمرة حلوة ولا مرة إلا وهي في الجنة حتى الحنظل.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبدالله بن عمرو قال: العنقود أبعد من صنعاء.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وعبدالله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن ابن مسعود في قوله: ﴿ متكئين على فرش بطائنها من إستبرق ﴾ قال: أخبرتم بالبطائن فكيف بالظهائر.
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال: في قراءة عبدالله ﴿ متكئين على سرر وفرش بطائنها من رفرف من استبرق ﴾ والاستبرق لغة فارس يسمون الديباج الغليظ الاستبرق.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس أنه قيل له ﴿ بطائنها من إستبرق ﴾ فما الظواهر؟
قال: ذاك مما قال الله: ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ﴾ [ السجدة: 17] .
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ بطائنها من إستبرق ﴾ قال: ظواهرها من نور جامد.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وجنى الجنتين دان ﴾ قال: جناها ثمرها، والداني القريب منك يناله القائم والقاعد.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وجنى الجنتين دان ﴾ قال: ثمارها دانية لا يرد أيديهم عنها بعد ولا شوك.
قال: وذكر لنا أنا نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفس محمد بيده لا يقطف رجل ثمرة من الجنة فتصل إلى فيه حتى يبدل الله مكانها خيراً منها» .
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ ﴾ أي نوعان ﴿ وَجَنَى الجنتين دَانٍ ﴾ الجنا هو ما يجتنى من الثمار، ودان قريب، ورُوي أن الإنسان يجتنى الفاكهة في الجنة على أي حال كان؛ من قيام أو قعود أو اضطجاع؛ لأنها تتدلى له إذا أرادها وفي قوله: ﴿ وَجَنَى الجنتين ﴾ ضرب من ضروب التجنس.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ والحب ذا العصف والريحان ﴾ بالنصب فيهما: ابن عامر ﴿ والحب ذو العصف ﴾ بالرفع فيهما ﴿ والريحان ﴾ بالجر: حمزة وعلي وخلف.
الباقون: برفع الريحان ﴿ يخرج ﴾ مجهولاً من الإخراج: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب ﴿ اللؤلؤ ﴾ كنظائره ﴿ والجوار ﴾ ممالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو وخلف طريق ابن عبدوس.
﴿ المنشآت ﴾ بكسر الشين.
حمزة ويحيى طريق الصريعيني ﴿ سيفرغ ﴾ بالياء: حمزة وعلي وخلف.
الباقون: بالنون على طريق الالتفات ﴿ أيه الثقلان ﴾ بضم الهاء مثل ﴿ أيه المؤمنون ﴾ ﴿ يا أيها الساحر ﴾ ﴿ شواظ ﴾ بكسر الشين: ابن كثير ونحاس.
بالجر: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ﴿ لم يطمثهن ﴾ بضم الميم في إحداهما تخيراً: علي.
وروى أبو الحرث عنه في الأولى بالضم ﴿ من استبرق ﴾ بنقل حركة الهمزة إلى النون: رويس وورش والشموني وحمزة في الوقف ﴿ ذو الجلال ﴾ بالرفع: ابن عامر.
الوقوف: ﴿ الرحمن ﴾ ه لا ﴿ القرآن ﴾ ه ط ﴿ الإنسان ﴾ ه ﴿ البيان ﴾ ه ﴿ بحسبان ﴾ ه ص لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ يسجدان ﴾ ه ﴿ الميزان ﴾ ه لا لتعلق أن ﴿ الميزان ﴾ ه ﴿ للأنام ﴾ ه لا لأن الجملة بعدها حال ﴿ فاكهة ﴾ ص ﴿ الأكمام ﴾ ه ص ﴿ والريحان ﴾ ه ج لابتداء الاستفهام مع دخول فاء التعقيب، والوقف أجوز لأن الابتداء بالاستفهام مبالغة في التنبيه وكذلك في جميع السورة ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ كالفخار ﴾ ه لا ﴿ نار ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ المغربين ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ يلتقيان ﴾ ه لا لأن ما بعده حال من الضمير في ﴿ يلتقيان ﴾ ﴿ ولا يبغيان ﴾ ه حال بعد حال ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ والمرجان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ كالأعلام ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ فإن ﴾ ه ج لعطف الجملتين المختلفتين والأولى الوصل لأن الكلام الأول يتم بالثاني.
﴿ والإكرام ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ شأن ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ الثقلان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ فانفذوا ﴾ ه ط ﴿ بسلطان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ فلا تنتصران ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ كالدهان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ ولاجان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ والأقدام ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه م لأنه لو وصل صار ما بعده حالاً من المجرمين وليس كذلك ﴿ آن ﴾ ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ جنتان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ ذواتا ﴾ صفة ﴿ أفنان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ تجريان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ زوجان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ج لأن ﴿ متكئين ﴾ حال إلا أن الكلام قد تطاول ﴿ من إستبرق ﴾ ط ﴿ دان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ الطرف ﴾ لا لأن ﴿ لم يطمثهن ﴾ حال عنهن ﴿ جان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ والمرجان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ إلا الإحسان ﴾ ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ جنتان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ مدهامتان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ نضاختان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ ورمان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ج ﴿ حسان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ في الخيام ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ جان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ج ﴿ حسان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ والإكرام ﴾ ه.
التفسير: افتتح السورة المتقدمة بذكر معجزة تدل على الهيبة والعظمة وهي انشقاق القمر.
وافتتح هذه السورة بذكر معجزة تدل على الرحمة والعناية وهي القرآن الكريم الذي فيه شفاء القلوب والطهارة عن الذنوب، وهو أسبق الآلاء قدماً وأجل النعماء منصباً.
وبين السورتين مناسبة أخرى من جهة أنه ذكر هناك ما يدل على الانتقام والغضب كقوله { ﴿ فذوقوا عذابي ونذر ﴾ وقوله ﴿ فكيف كان عذابي ونذر ﴾ وذكر في هذه السورة بعد تعداد كل نعمة ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ مرة بعد مرة وتذكير النعمة على نعمة لأنها مما توقظ الوسنان وتنبه أهل الغفلة والنسيان.
قال جار الله ﴿ الرحمن ﴾ مبتدأ والأفعال بعده مع ضمائرها أخبار مترادفة، وإخلاؤها عن العاطف إما لأن العائد قام مقام الصدر وإما لمجيئها على نمط التعديد كما تقول: زيد أغناك بعد فقر أعزك بعد ذل كثرك بعد بعد قلة فعل بك ما لم يفعله أحد بأحد فما تنكر من إحسانه.
قلت: فعلى هذا لو لم يوقف على ﴿ القرآن ﴾ جاز.
وقيل: الرحمن خبر مبتدأ أي هو الرحمن.
ثم استأنف قائلاً ﴿ علم القرآن ﴾ وما مفعوله الأول؟
قيل: هو متعدٍ إلى واحد والمعنى جعل القرآن علامة وآية للنبوة.
وقيل: هو جبرائيل أي علم جبرائيل القرآن حتى نزل به على محمد.
وقيل: علم محمداً أو الإنسان القرآن كما يليق بفهمهم على حسب استعدادهم ولعله يلزم من الوجه الأخير شبه تكرار من قوله ﴿ خلق الإنسان علمه البيان ﴾ فالأول إشارة إلى قواه البدنية والثاني إشارة إلى قواه النطقية، ويلزم منه أيضاً أن يكون التعليم قبل الخلق ظاهراً إلا أن يكون تفصيلاً لما أجمله.
وقد نقل عن ابن عباس أن الإنسان آدم علمه الأسماء كلها، أو محمد .
والبيان القرآن فيه بيان ما كان وما سيكون إلى يوم القيامة.
قوله ﴿ الشمس والقمر بحسبان ﴾ أي بحسبانه استغنى عن الوصل اللفظي بالربط المغنوي لرعاية الفاصلة يعني أنهما يجريان في بروجهما ومنازلهما بحساب معلوم ﴿ والنجم ﴾ وهو النبات بغير ساق ﴿ والشجر يسجدان ﴾ بالانقياد له.
وإنما وسط العاطف بين هاتين الجملتين لما بين العلوي والسفلي من تناسب التقابل، ولما بين الحسبان والسجود من تناسب التجانس، وذلك لأن سيرهما بحساب مقدّر مقرر وهو من جنس الانقياد لأمر الله ﴿ والسماء رفعها ﴾ قال في الكشاف: أي خلقها مرفوعة مسموكة حيث جعلها منشأ أحكامه ومصدر قضاياه ومسكن ملائكته الذين يهبطون بالوحي على أنبيائه.
قلت: إنه حمل الرفع على ارتفاع المنزلة ولعل المراد به الرفع الحسي ليطابق قوله ﴿ والأرض وضعها ﴾ أي خفضها في مركز العالم مدحوة محاطة بالماء.
نعم لو جعل وضع الأرض عبارة عن ذلها وتسخيرها كقوله ﴿ هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً ﴾ صح تفسيره وإنما وسط قوله ﴿ ووضع الميزان ﴾ بين رفع السماء ووضع الأرض لأنه لا ينتفع بالميزان إلا إذا كان معلقاً في الهواء بين الأرض والسماء وهذا أمر حسي، وأما العقلي فهو أنه بدأ أولاً من النعم بذكر القرآن الذي هو بيان الشرائع والتكاليف، ثم أتبعه ذكر كيفية خلق الإنسان وقواه النفسانية وما يتم به معاشه من السماويات والأرضيات، ثم ذكر أنه خلق لأجلهم آلة الوزن بهما يقيمون العدالة في ومعاملاتهم وأمور تمدنهم فصار كما مر في ﴿ حم عسق ﴾ ﴿ الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان ﴾ وكما يجيء في الحديد ﴿ وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ﴾ وأن في قوله ﴿ ألا تطغوا ﴾ مفسرة أو ناصبة أي لأن لا تتجاوز حد الاعتدال في شأن هذه الآية أي في شأن الوزن.
ثم أكد بقوله إثباتاً ونفياً ﴿ وأقيموا الوزن بالقسط ﴾ قوِّموه أو قوموا لسان الميزان بالعدل ﴿ ولا تخسروا الميزان ﴾ أي لا تجعلوها سبباً للخسران والتطفيف.
وفي تكرير لفظ الميزان بل في ورود هذه الجمل المتقاربة الدلالة مكررة إشارة إلى الاهتمام بأمر العدل وندب إليه وتحريض عليه.
وقيل: الأول ميزان الدنيا والثاني ميزان الآخرة والثالث ميزان العقل.
وقيل: نزلت متفرقة فاقتضى الإظهار.
قوله ﴿ للأنام ﴾ أي لكل ما على ظهر الأرض من دابة.
وقيل: للإنسان.
وخص بالذكر لشرفه ولأن الباقي خلق لأجله ﴿ فيها فاكهة ﴾ التنوين للتعظيم وهي كل ما يتفكه به.
وقد أفرد النخل بالذكر للتفضيل ولأنه فاكهة غذائية.
والأكمام جمع كم وهو وعاء الثمر.
ثم ذكر أقوات البهائم والإنسان قائلاً ﴿ والحب ذو العصف ﴾ وهو ورق الزرع أو التبن.
وقال الفراء والسدي: وهو أول ما ينبت من الزرع ﴿ والريحان ﴾ الورق.
ومن رفع فعلى حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أي وذو الريحان.
وقال الحسن وابن زيد.
على هذه القراءة وهو ريحانكم الذي يشم.
ثم خاطب الجن والإنس بقوله ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ عن جابر بن عبد الله قال: قرأ علينا رسول الله سورة الرحمن حتى ختمها ثم قال: مالي أراكم سكوتاً؟
للجن كانوا أحسن منكم رداً ما قرأت عليهم هذه الآية مرة إلا قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد.
قال جار الله: الخطاب في ﴿ ربكم ﴾ للثقلين بدلالة الأنام عيلهما قلت: ربما يصرح به قوله ﴿ أيها الثقلان ﴾ سميا بذلك لأنهم ثقلا الأرض أو بما سيذكر عقيبه من قوله ﴿ خلق الإنسان ﴾ والجان خلقناه.
وقيل: التكذيب إما باللسان والقلب معاً وإما بالقلب دون اللسان كالمنافقين فكأنه قال: فيا أيها المكذبان بأي آلاء ربكما تكذبان.
وقيل: أراد فيا أيها المكذبان بالدلائل المعية والعقلية أو بدلائل الآفاق ودلائل الأنفس، والاستفهام للتوبيخ والزجر.
قوله ﴿ خلق الإنسان من صلصال ﴾ قد مر في سورة "الحجر" إلا أنه شبهه ههنا بالفخار وهو الخزف بياناً لغاية يبس طينته وكزازته، والتركيب يدل عليه ومنه الفخور ولولا يبس دماغه لم يفخر ومنه الفرخ لأنه تنشق البيضة عنه.
وكل يابس عرضة للتشقق ومنه الخزف لغاية يبوسة مزاجه.
والجان أبو الجن.
وقيل: هو إبليس.
والمارج اللهب الصافي الذي لا دخان فيه من مرج إذا اضطرب ولعلها المخلوطة بسواد النار من مرج الشيء اختلط.
وقوله ﴿ من نار ﴾ بيان لمارج كأنه قيل: من صاف من نار.
ويجوز أن يكون ناراً مخصوصة فيكون صفة ﴿ رب المشرقين ﴾ يعني مشرق الصيف ومشرق الشتاء، والأول مطلع أول السرطان، والثاني مطلع أول الجدي.
هذا في بلادنا الشمالية والحال في الجنوبية بالعكس.
قوله ﴿ مرج البحرين ﴾ وقد مر في "الفرقان" معناه أرسلهما ملحاً وعذباً متلاقيين ﴿ بينهما برزخ لا يبغيان ﴾ أي لا يبغى أحدهما على الآخر بالممازجة ﴿ يخرج منهما ﴾ أي من كل منهما.
وقال في الكشاف: أعاد الضمير إلى البحرين لاتحادهما فالخارج من العذب كأنه خارج من الملح تقول: خرجت من البلد ولم تخرج إلا من محلة بل من دار.
وقال أبو علي الفارسي: أراد من أحدهما فحذف المضاف.
قلت: ونحن قد سمعنا أن الأصداف تخرج من البحر المالح ومن الأمكنة التي فيها عيون عذبة في مواضع من البحر الملح ويؤيده قوله في "فاطر" ﴿ ومن كل تأكلون لحماً طرياً وتستخرجون حلية تلبسونها ﴾ فلا حاجة إلى هذه التكلفات.
قال الفراء وغيره من أهل اللغة: اللؤلؤ الدر، والمرجان ما صغر منه.
وعن مقاتل: بالضد.
ويشبه أن يكون اللؤلؤ هذا الجنس المعروف والمرجان البسذ.
يقال: إنه ينبت في بحر الروم والإفرنج كالشجر وهو الفصل المشترك بين المعدن والنبات، والجواري السفن الجارية حذف الموصول للعلم به.
ومن قرأ ﴿ المنشآت ﴾ بفتح الشين فمعناها المرفوع الشرع والتي رفع خشبها بعضها على بعض وركب حتى ارتفعت.
والقارىء بالكسر أراد الرافعات الشرع أو اللائي يبتدئن في السير أو ينشئن الأمواج بجريهن، الأعلام الجبال الطوال شبههن في البحر بالجبال في البر.
والضمير في ﴿ عليها ﴾ للأرض بدلالة المقال أو الحال.
والوجه عبارة عن الذات كما مر في تفسر البسملة وفي قوله ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه ﴾ وقوله ﴿ ذو ﴾ صفة للوجه وهو على القياس.
وفيه دلالة على أن الوجه والرب ذات واحد بخلاف قوله في آخر السورة ﴿ تبارك اسم ربك ﴾ فإن الاسم غير المسمى في الأصح فلهذا قال ﴿ ذي الجلال والإكرام ﴾ ومعناه ذو النعمة والتعظيم كما سبق في البسملة.
والنعمة في فناء ما على الأرض وهو مجيء وقت الجزاء ﴿ يسأله من في السموات ﴾ من الملائكة ﴿ و ﴾ من في ﴿ الأرض ﴾ من الثقلين الملائكة لمصالح الدارين والثقلان لمصالح الدارين.
وعن مقاتل: يسأل أهل الأرض الرزق والمغفرة وتسأل الملائكة أيضاً الرزق والمغفرة للناس ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ "سئل رسول الله عن ذلك الشأن فقال: من شأنه أن يغفر ذنباً ويفرج كرباً ويرفع قوماً ويضع آخرين" .
قلت: هذا التفسير يطابق ما مر في الحكمة.
وما ذكرنا في الكتاب مراراً من أن القضاء هو الحكم الكلي الواقع في الأزل، والقدر هو صدور تلك الأحكام في أزمنتها المقدرة.
فبالاعتبار الأول قال "جف القلم بما هو كائن" وبالاعتبار الثاني قال: ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ وهذا بالنسبة إلى المقضيات ولا تغير في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.
وبالجملة إنها شؤون يبديها لا شؤون يبتديها.
وروى الواحدي في البسيط عن ابن عباس: إن مما خلق الله عز وجل لوحاً من درة بيضاء، دفتاه ياقوتة حمراء، قلمه نور وكتابه نور، ينظر الله فيه كل يوم ثلثمائة وستين نظرة يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء.
وحين بين أن كل زمان مقدر لأجل شأن قال ﴿ سنفرغ لكم ﴾ قال أهل البيان: هو مستعار من قول الرجل لمن يتهدده "سأفرغ لك".
والمراد تجرد داعيته للإيقاع به من النكاية فيه.
والمراد شؤونه ستنتهي إلى شأن الجزاء وقصد المحاسبة.
ثم هدد الثقلين بأنهم لا يستطعيون الهرب من أحكامه وأقضيته فيهما.
نفذ من الشيء إذا خلص منه كالسهم ينفذ من الرمية.
وأقطار السموات والأرض نواحيهما.
واحدها قطر.
وهو في الهندسة عبارة عن الخط المنصف للدائرة.
والسلطان القوة والغلبة، أراد أنه لا مفر من حكمه إلا بتسلط تام ولا سلطان فلا مفر.
قال الواحدي: أراد أنه لاخلاص من الموت.
ويحتمل أن يخص هذا بيوم الجزاء المشار إليه بقوله ﴿ سنفرغ لكم ﴾ ويؤيده ما روي أن الملائكة تنزل فتحيط بجميع الخلائق فإذا رآهم الجن والإنس هربوا فلا يأتون وجهاً إلا وجدوا الملائكة أحاطت به، ويعضده قوله عقيبه ﴿ يرسل عليكما ﴾ الآية.
جاء في الخبر: يحاط على الخلق بلسان من نار ثم ينادون يا معشر الجن والإنس الآية.
وذلك قوله ﴿ يرسل عليكما شواظ ﴾ وهو اللهب الذي لا دخان له معه.
وقرأ ابن كثير بكسر الشين لغة أهل مكة يقولون صوار بالضم والكسر.
والنحاس والدخان.
ومن قرأ بالرفع فمعناه يرسل عليكما هذا مرة وهذا مرة وهذا مرة.
ويجوز أن يرسلا معاً من غير أن يمزج أحدهما بالآخر.
ومن قرأ بالجر فبتقدير وشيء من نحاس.
وعن أبي عمرو أن الشواظ يكون من الدخان أيضاً.
وقيل: هو الصفر المذاب يصب على رؤوسهم.
وعن ابن عباس: إذا خرجوا من قبورهم ساقهم شواظ إلى المحشر ﴿ فلا تنتصران ﴾ فلا تمتنعان ﴿ فإذا انشقت السماء ﴾ لنزول الملائكة ﴿ فكانت وردة ﴾ أي حمراء ﴿ كالدهان ﴾ وهو جمع الدهن أو اسم ما يتدهن به كالحزام والإدام شبهها بدهن الزيت كقوله ﴿ كالمهل ﴾ وهو دردي الزيت.
وقيل: الدهان الأديم الأحمر.
عن ابن عباس: نصير كلون الفرس الورد.
وقيل: تحمر احمرار الورد ثم تذوب ذوبان الدهن.
وقال قتادة: هي اليوم خضراء ولها يوم القيامة لون آخر يضرب إلى الحمرة.
والفاء في قوله ﴿ فإذا ﴾ للتعقيب وفي ﴿ فكانت ﴾ للعطف، والجواب محذوف كما سيجيء في قوله ﴿ إذا السماء انشقت ﴾ والمراد أنهما لا ينتصران حين إرسال الشواظ عليهما فحين تنشق السماء وصارت الأرض والجو والهواء كلها ناراً وتذوب السماء كما يذوب النحاس الأحمر كيف تنتصران؟
ويمكن أن يكون وجه تشبيه السماء يومئذ بالدهن هو الميعان والذوبان بسرعة وعدم رسوب الخبث كخبث الحديد ونحوه، والغرض بيان بساطة السماء وأنه لا اختلاف للأجزاء فيها.
﴿ فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان ﴾ وضع الجان الذي هو أبو الجن موضع الجن كما يقال هاشم ويراد ولده.
والضمير في ﴿ ذنبه ﴾ عائد إلى الإنس لأن الفاعل رتبته التقديم وكأنه قيل: لا يسأل بعض الإنس عن ذنبه ولا بعض الجن.
والجمع بين هذه الآية وبين قوله ﴿ فوربك لنسألنهم ﴾ هو ما مرّ من أن المواطن مختلفة، أو لا يسأل سؤال استعلام وإنما يسأل سؤال توبيخ وتقريع.
وعندي أن بيان عدم احتياج المذنب إلى السؤال عن حاله لأن كل ما هو اليوم فيه كامن فذلك في يوم القيامة يظهر ويبرز من ظلمة الطبيعة والعصيان، أو من نور الطاعة والإيمان وإليه الإشارة بقوله ﴿ يعرف المجرمون بسيماهم ﴾ من سواد الوجه وزرقة العين ﴿ فيؤخذ ﴾ كل منهم أو جنس المجرم ﴿ بالنواصي ﴾ أي بسببها.
ولعل المراد أن تجعل الأقدام مضمومة إلى النواصي من خلفها أو من قدام ويلقون في النار.
روى الحسن عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله يقول " "والذي نفسي بيده لقد خلقت ملائكة جهنم قبل أن تخلق جهنم بألف عام فهم كل يوم يزدادون قوة إلى قوتهم حتى يقبضوا من قبضوا عليه بالنواصي والأقدام " ويجوز أن يكون الفعل مسنداً إلى قوله ﴿ بالنواصي ﴾ نحو ذهب بزيد.
ثم ذكر أنهم يوبخون بقول الملائكة لهم ﴿ هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون ﴾ والأصل الخطاب والالتفات للتبعيد والتسجيل عليهم بالإجرام.
والآني الذي بلغ منتهى حره.
قال الزجاج: أني يأني أنا إذا انتهى في النضج والحرارة.
والمعنى أنهم لا يزالون طائفين بين عذاب الجحيم وبين الحميم وذلك حين ما يستغيثون كقوله ﴿ وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل ﴾ قال جار الله: نعمته فيما ذكره من الأهوال وأنواع المخاوف هي نجاة الناجي منه وما في الإنذار به من اللطف، ويمكن أن يراد بأي الآلاء المعدودة في أول السورة تكذبان فتستحقان هذه الأشياء المذكورة من العذاب.
ثم شرع في ثواب أهل الخشية والطاعة قائلاً ﴿ ولمن خاف مقام ربه ﴾ وقد مر نظيره في "إبراهيم" قوله ﴿ ذلك لمن خاف مقامي ﴾ قال المفسرون: الجنتان إحداهما للخائف الإنسي والثانية للخائف الجني، أو إحداهما لفعل الطاعات والثانية لترك المنكرات، أو إحداهما للجزاء والأخرى للزائد عليه تفضلاً، أو هما جنة عدن وجنة النعيم.
أو إحداهما جسمانية والأخرى روحانية.
وقيل: التثنية للتأكيد كقوله ﴿ ألقيا ﴾ وهو ضعيف.
والأفنان جمع الفنن وهو الغصن المستقيم طولاً قاله مجاهد وعكرمة والكلبي وغيرهم، وإنما خصها بالكر لأنها هي التي تورق وتثمر وتظل والساق لأجل ضرورة القيام ولا ضرورة في الجنة ولا كلفة.
وعن سعيد بن جبير: هي جمع فن والمعنى أنهما صاحبتا فنون النعم وعلى هذا يكون قوله ﴿ فيهما من كل فاكهة زوجان ﴾ أي صنفان كتفصيل بعد إجمال والصنفان رطب ويابس أو معروف وغريب ﴿ فيهما ﴾ أي في كل منهما ﴿ عينان تجريان ﴾ من جبل من مسك إحداهما في الأعالي والأخرى في الأسافل.
وقال الحسن: تجريان بالماء الزلازل إحداهما التسنيم والأخرى السلسبيل ﴿ متكئين ﴾ حال من الخائفين المذكورين في قوله ﴿ لمن خاف ﴾ وجوز أن يكون نصباً على المدح.
قال المفسرون: إذا كان بطائن الفرش وهي التي تحت الظهارة مما يلي الأرض من استبرق فما ظنك بظهائرها؟
ويجوز أن يكون ظائرها السندس.
والتحقيق أنه لا يعلمها إلا الله كقوله ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفى لهم ﴾ ﴿ وجنى الجنتين ﴾ أي ثمرها ﴿ دان ﴾ قريب يناله القائم والقاعد والنائم.
قال جار الله: ﴿ فيهن ﴾ أي في هذه الآلاء المعدودة من الجنتين والعينين والفاكهة والفرش والجنى.
وقيل: في الفرش أي عليها.
وقيل: في الجنان لأن ذكر الجنتين يدل عليه ولأنهما يشتملان على أماكن ومجالس ومتنزهات، وهذا الوجه عندي أظهر وسيجيء بيانه بنوع آخر عن قريب.
قال الفراء: الطمث الافتضاض وهو النكاح بالتدمية و ﴿ قبلهم ﴾ أي قبل أصحاب الجنتين واللفظ يدل عليه.
قال مقاتل: هن من حور الجنة.
وقال الكلبي والشعبي: هن من نساء الدنيا أنشئن خلقاً آخر لم يجامعهن في هذا الخلق الذي أنشئن فيه إنسي ولا جني.
قال في الكشاف: لم يطمث الإنسيات منهمن أحد من الإنس والجنيات أحد من الجن قلت: هذا التفصيل لعله لا حاجة إليه يعرف بأدنى تأمل.
قال الزجاج: فيه دليل على أن الجن تطمث كما تطمث الإنس.
ثم ذكر أنهن في صفاء الياقوت وبياض اللؤلؤ الصغار ﴿ هل جزاء الإحسان ﴾ في العمل ﴿ إلا الإحسان ﴾ في الجزاء.
وخص ابن عباس فقال: هل جزاء من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله إلا الجنة.
وحين فرغ من نعت جنتي المقربين شرع في وصف جنتين لأصحاب اليمين فقال ﴿ ومن دونهما ﴾ أي ومن أسفل منهما في المكان أو في الفضل أو فيهما وهو الأظهر.
روى أبو موسى عن النبي : " جنتان من فضة أبنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب أبنيتهما وما فيهما " ﴿ مدهامتان ﴾ هو من الأدهيمام إدهام يدهام فيهو مدهام نظير إسواد يسواد فهو مسواد في اللفظ وفي المعنى، وذلك أن كل نبت أخضر فتمام خضرته من الري أن يضرب إلى السواد ﴿ نضاختان ﴾ فوارتان، والنضخ بالخاء المعجمة أكثر من النضخ وهو الرش.
قال ابن عباس: تنضخ على أولياء الله بالمسك والعنبر والكافور، وإنما خص النخيل والرمان بالذكر بعد اندارجهما في الفاكهة لفضلهما وشرفهما، فالنخل فاكهة وطعام والرمان فاكهة ودواء كامل ومنه قال أبو حنيفة رحمه الله : إذا حلف لا يأكل فاكهة فأكل رماناً أو رطباًَ لم يحنث.
وخالفه صاحباه ووافقهما الشافعي.
والخيرات مخفف خيرات لأن الخير الذي هو بمعنى التفضيل لا يجمع جمع السلامة والمعنى أنهن فاضلات الأخلاق حسان الصور.
واعلم أنه قال في الموضعين عند ذكر الحور ﴿ فيهن ﴾ وفي سائر المواضع ﴿ فيهما ﴾ والسر فيه أن تمام اللذة عند اجتماع النسوان للرجل الواحد هو أن يكون لكل منهن مسكن على حدة فتباعد من مسكن الأخرى، واسع بحيث يسع ما يليق بحاله أو بحالها من الجواري والغلمان وسائر الأسباب، فيحصل هناك منتزهات كثيرة كل منها جنة، وكأن في ضمير الجمع إشارة إلى ذلك.
وأما العيون والفواكه فلم يكن شيء منها بهذه المثابة من كمال اللذة فأكتفي فيها بعود الضمير إلى الجنتين فقط.
والمقصورات اللواتي قصرن أي حبسن في خدورهن.
امرأة مقصورة أي مخدرة.
روى قتادة عن ابن عباس: الخيمة درة مجوفة فرسخ في فرسخ فيها أربعة آلاف مصراع من ذهب.
وعن النبي " "الخيمة درة مجوفة طولها في السماء ستون ميلاً في كل زاوية منها أهل للمؤمن لا يراهم الآخرون" وقال أهل المعاني: كنى عن الجماع في الدنيا بنحو قوله ﴿ من قبل أن تمسوهن ﴾ وذكر الجماع في الآخرة بلفظ يقرب من الصريح وهو الطمث فما الحكمة من ذلك؟
والجواب أن المباشرة في الدنيا قبيحة لما فيها من قضاء الشهوة وإسقاط القوى وهي في الآخرة بخلاف ذلك فإنها داعية روحانية ولذة حقيقية فلم يحتج إلى الكناية لأن الكنايات إنما تجري في الهنيئات.
قال جار الله: ﴿ متكئين ﴾ نصب على الاختصاص.
قلت: ويجوز أن يكون حالاً والعامل ضمير يدل عليه قوله ﴿ لم يطمثهن إنس قبلهم ﴾ أي يطمثونهم في حال الإتكاء.
قال أبو عبيدة والضحاك ومقاتل والحسن: الرفرف ضرب من البسط.
وقيل: كل ثوب عريض فهو رفرف.
ويقال لأطراف البسط وفضول الفسطاط رفارف.
وقال الزجاج: الرفرف ههنا رياض الجنة.
وقيل: الوسائد.
قال جار الله ﴿ العبقري ﴾ منسوب إلى عبقر تزعم العرب أنه بلد الجن فينسبون إليه كل شيء غريب عجيب.
وعن أبي عبيدة: كل شيء من البسط عبقري وهو جمع واحدة عبقرية.
ومما يدل على أن صفات هاتين الجنتين تقاصرت عن الأوليين قوله ﴿ مدهامتان ﴾ فإنه دون قوله ﴿ ذواتا أفنان ﴾ وذلك أن كمال الخضرة لا يوجب كون البستان ذا فنن ونضاختان دون تجريان وفاكهة دون كل فاكهة وكذلك صفة الحور والمتكأ.
قال أهل العلم: كرر قوله ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ إحدى وثلاثين مرة: ثمانية منهما ذكرها عقيب تعداد عجائب خلقه وذكر المبدأ والمعاد، ثم سبعة منها عقيب ذكر النار وأهوالها على عدد أبواب جهنم، وبعد هذه السبعة أورد ثمانية في وصف الجنات وأهلها على عدد أبواب الجنة، وثمانية بعدها عقيب وصف الجنات التي هي دونهما.
فمن اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها استحق كلتا الثمانيتين من الله ووقاه السبعة السابقة.
ثم نزه نفسه عما لا يليق بجلاله وختم السورة عليه.
والاسم مقحم كما بينا وفائدة هذا التوسيط سلوك سبيل الكناية كما يقال "ساحة فلان بريئة عن المثالب" والله أعلم بحقائق كلامه.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾ ، ذكر الخوف عن المقام بين يدي ربه، ولم يبين خوفه ماذا؟
ولا أنه إذا خافه تركه أو لا؟
فجائز أن يكون ما ذكر من الخوف بين يدي ربه ما بَيَّنَ في أخرى، وهو قوله: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: نهي النفس عما تهواه.
والثاني: منع النفس عن أن تهوى ما نهيت عنه، والله أعلم.
وجائز أن يكون في هذه الآية بيان ما ذكر في تلك الآية من الخوف من المقام بين يدي ربه، أي: خاف مقام ربه، وترك ما هم [به] من المعصية، أو ما هوت نفسه.
ثم لسنا نعرف ما فائدة ذكرى الجنتين له ليس ذلك في ثلاث أو أربع؟
قال أهل التأويل: إنما ذكر جنتين؛ لأن الجنان أربعة: جنة عدن، وفردوس، وجنة المأوى، وجنة النعيم، فجنة العدن وجنة النعيم للمقربين والشهداء والصديقين، والجنتان الأخريان لمن دونهم من المؤمنين الذي هم أصحاب اليمين.
وجائز أن يخرج على وجهين: أحدهما: أن يكون بصره إذا نظر يمينا وشمالا لا يقع إلا على جنته، لا يقع على جنة غيره، وكذلك إذا نظر من الأعلى أو من الأسفل يقع بصره على ملكه، لا يقع على ملك غيره، فليس ذلك على تحقيقٍ إخبارا عن عدد الجنتين، ولكن إخبارا أن بصره حيث [يقع] لا يقع إلا على ملكه وجنته، والله أعلم.
والثاني: يكون له جنتان: إحدى الجنتين؛ لترك المساوئ، والأخرى؛ لإتيان المحاسن.
وذكر القتبي عن الفراء في قوله: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾ قال: قد تسمي العرب الشيء الواحد باسم الاثنين إذا كان رءوس الآي ومقاطعها؛ لتحقيق الموافقة في المقاطع؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ذكر ﴿ جَنَّتَانِ ﴾ ، لموافقة مقاطع الآي، والمراد منه جنة واحدة.
لكن القتبي أنكر عليه ذلك، وذلك إنما يقال إذا انقطع الكلام، فأما إذا كان الكلام غير منقطع؛ فإنه لا يقال ذلك، والله أعلم.
ثم سمى البعثَ: مقاما بين يدي ربه، وسماه: رجوعا إليه، ومصيراً، وبرزوا، فهو على وجهين: أحدهما: أنه سماه بما ذكر؛ لأن البعث هو نهاية هذا العالم.
والثاني: سماه بذلك؛ لأن لكل أحد يظهر في ذلك اليوم: أن الأمر لله ، وأن التدبير له في الدنيا والآخرة، وأن لا تدبير لأحد سواه؛ كقوله - عز وجل - : ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ ﴾ .
ثم جائز أن يكون ما ذكر من الجنتين للسابقين والشهداء على ما ذكره بعض أهل التأويل، وما ذكر من قوله: ﴿ وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ﴾ لأصحاب اليمين.
ثم نعت ورصف ما جعل لكل فريق؛ فأما نعت ما جعل للسابقين والصديقين والشهداء ما ذكر؛ حيث قال: ﴿ ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ ﴾ ، قال عامة أهل التأويل: ذواتا أغصان، ولكن ليس في هذا كثير حكمة، لكن يحتمل أن قوله: ﴿ ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ ﴾ من الفنون، أي: فيهما من كل فن وكل نوع.
وقال مقاتل: ذلك في الجنتين اللتين جعلهما لأصحاب اليمين مدهامتين، والمدهم: هو الذي تضرب خضورته - لشدته - إلى السواد، وهو دون الأول في الوصف؛ إذ لم يصفهما إلا بصفة واحدة، ووصف تبنك الجنتين بالفنون، وقال في تينك: ﴿ فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ ﴾ ، وقال أصحاب اليمين: ﴿ فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ ﴾ ، والناضج: هو الذي لا يتبين جريانه، ووصف تينك بالجريان، والنضج دون الجريان.
وقال القتبي: ﴿ نَضَّاخَتَانِ ﴾ اللتان تفوران بالماء، والنضج دون النضَجَ، وهو الرش، وقال في جنتي السابقين: ﴿ فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ ﴾ أي: صنفان، أو لونان، [من] أي: شيء كان، وقال في [جنتي] أصحاب اليمين: ﴿ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ﴾ ذكر أشياء معدودة، وغمر الأشياء في تينك؛ حيث قال: ﴿ فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ ﴾ لتفضيل أولئك على هؤلاء.
وجائز أن يذكر في كل واحدة منهما حكمة على حدة: قوله: ﴿ ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ ﴾ ما ذكرنا أن فيهما من كل فن وكل نوع، و[قوله: ﴿ فِيهِمَا عَيْنَانِ ﴾ ] إحدى العينين هي العين المعروفة الموعودة، والأخرى التي لا يعرفون ولا يوعدون، وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ ﴾ أي: صنفان ولونان على غير تغير الطعم، ولا فساد يدخل في ذلك؛ لأن تغير اللون في الدنيا لا يكون للفواكه إلا بعد دخول فساد فيها، فيخبر أن تغير لونه لا لفساد يدخل في ذلك، والله أعلم.
وقال بعضهم: إنما ذكر الزوجين من الفواكه؛ لما أن قلوب البشر قد خطرت بأحد الزوجين وتمنته أنفسهم، والزوج الآخر هو لطف الله على عباده؛ فضلا منه إليهم من غير أن يخطر على بالهم، ولا وقعت عليه أبصارهم، ولا انتهت إليه آمالهم؛ إكراما لهم بها وامتنانا.
وقال بعضهم: ليس المراد في هذه الآيات تبيين ما لأهل الجنة، ولكن فيه تبيان فضل السابقين على أصحاب اليمين: أن أولئك يعطون من الفضل ضعفي ما أعطي هؤلاء، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ﴾ قال الفراء: يجوز أن تكون البطانة والظهارة جميعا من شيء واحد، ومن جهة واحدة، لكن سمي الجهة التي تلي أجسادهم بطانة، والأخرى: ظهارة، كالسماء؛ أن الجهة التي تلي الملائكة هي بطانتهم، وظهارتنا، وما تلينا ظهارتهم وبطانتنا، وكل شيء يلي إنسانا فهي بطانة، والجانب الذي لا يليه ظهارة، يقال: هذا ظهر السماء، للجانب الذي نراه، والآخر: بطن السماء، والله أعلم.
وقال القتبي: لا، ولكن ذكر البطانة من إستبرق، ولم يذكر الظهارة، والعرف في الناس: أن ظهارة فرشهم أنفس من البطانة، والبطانة دون الظهاغرة، فعلى ذلك في ذكر البطانة ووصفها بأنها من الإستبرق دلالة أن ظهارتها أرفع وأنفس من البطانة.
لكن ما قاله الفراء صحيح، وما كره القتبي هو من صنيع الناس في الدنيا من اتخذا الظهارة فوق البطانة؛ لما لا تحتمل أملاكهم التسوية بين ما بطن وما ظهر في النفاسة والرفعة، فأما الله - وتعالى - فلا نفاد لخزائنه، يفعل ما يشاء كيف شاء.
وعن ابن مسعود - - أنه قال: قد أخبرتم بالبطائن فكيف بالظهارة ثم الإستبرق اختلف فيه: قيل: هو ما غلظ منه بلسان قوم.
وقال بعضهم: هو ما دق ورق، والله أعلم.
ولا نفسره نحن: أنه ما هو؟
وكيف هو؟
ولكن نعلم أنه شيء وعد لهم ربهم، وهو شيء ترغب فيه أنفسهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَنَى ٱلْجَنَّتَيْنِ دَانٍ ﴾ جائز أن يكون ذكر هذا في حق السابقين الذين سارعوا في الخيرات، واستبطئوا ما وعد لهم بما لم يروا لطاعاتهم قيمة، ويغلبهم خوفهم في التقصير في العمل لله الواجب عليهم، وفي أوامره ونواهيه، فقال: ﴿ وَجَنَى ٱلْجَنَّتَيْنِ ﴾ اللتين وعد لكم ﴿ دَانٍ ﴾ ، قال أهل التأويل: أي: الشجر دان منهم، قربت حين يتناولها الرجل كيف شاء، لكن يذكر هنا - والله أعلم -: أن الجنتين وإن بعدتا، فإن الثمار منهم دانية.
قال أبو عوسجة: الجنى: الحمل، وأجنت الشجرة تجنى؛ إذا حملت وأدرك حملها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ ﴾ أي: قصرن طرفهن على أزواجهن، ولا ينظرن إلى غيرهم، ولا يشتهينهم، وقال في آية أخرى: ﴿ حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي ٱلْخِيَامِ ﴾ ذكر هذا؛ لأن أهل الدين يكونون من أهل غيرة، لا يريدون أن تنظر أزواجهم إلى غيرهم، ولا غيرهم ينظرون إليهن، فأخبر بالآيتين: أنهن لا ينظرن إلى غير أزاجهن، ولا غيرهم إليهن؛ حيث وصفهن بأنهن قاصرات مقصورات في الخيام.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ ﴾ ، قرئ: ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ ﴾ بضم اليم وكسره.
قال الفراء: ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ ﴾ ، أي: لم يقبضهن، والطمث: النكاح بالرومية.
وقال أهل التأويل: لم يجامعهن إنس قبلهم ولا جان.
وقال أبو عوسجة: أي: لم يمسسهن إنس في التربية كما يرى الأولاد، ولا جان على ما تمس الجن الأولاد فيفسدهم، ولكنهم كما وصف: ﴿ إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَأَنَّهُنَّ ٱلْيَاقُوتُ وَٱلْمَرْجَانُ ﴾ ، قال أهل التأويل: شبههن باليقاوت؛ لصفائهن، وبالمرجان؛ لبياضهن، وهو كما قالوا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ جَزَآءُ ٱلإِحْسَانِ إِلاَّ ٱلإِحْسَانُ ﴾ قيل: هل جزاء الإحسان في الدينا إلا الإحسان لهم في الآخرة؟
هل جزاء فعل الحسن في الدنيا إلا إعطاء الحسن في الآخرة، وهي الجنة.
ولكن غيره كأنه أقر، أي: هل جزاء إحسان الله بما أنعم عليهم في الدنيا إلا الإحسان له بالشكر والقبول، أي: الإتيان بفعل الحسن، وهو الشكر له، وحسن القبول؛ لأنه ليس يستوجب أحد قِبَلَ الله بإحسانه في الدنيا جزاء في الآخرة، إنما الجزاء لهم بحق الفضل والإنعام، لا بحق الاستحقاق.
ويحتمل أن يكون تأويله: هل جزاء الإحسان في الدنيا إلا الإحسان له في الآخرة، والله أعلم.
واستدل أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - بهذه الآية على أن للجن ثوابا؛ كما للإنس؛ فإنه جرى الخطاب من أول السورة إلى آخرها للجن والإنس من قوله: ﴿ يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ ﴾ ؛ فعلى ذلك يشتركون في الوعد والوعيد.
لكنْ أبو حنيفة - رحمه الله - يقول: لا ثواب للجن في ذلك من نحو الفواكه والسفن الجواري، فعلى ذلك ما ذكر من الثواب لهم يجوز الثواب، وللجن يجوز العين، والله أعلم.
وقد ذكرناه في غير هذا الموضع.
<div class="verse-tafsir"
متكئين على فرش بطائنها من الديباج الغليظ، وما يُجْنى من الثمار والفواكه من الجنتين قريب يتناوله القائم والجالس والمتكئ.
<div class="verse-tafsir" id="91.qbDeM"