أقل المهر وأكثره

الإسلام > النكاح والأسرة > أقل المهر وأكثره

مسائلُ فقهيةٌ في أقل المهر وأكثره على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 34 دقيقة قراءة

تعريف أقل المهر وأكثره وحكمها

أقَلُّ المَهرِ وأكثَرُه:

أجمَعَ أهلُ العلمِ على أنه لا حَدَّ لأكثرِ المهرِ؛ لقولِه تعالَى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠].

قالَ الإمامُ أبو عمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: أجمَعَ العلماءُ على أنْ لا تَوقيتَ ولا تَحديدَ في أكثرِ الصداقِ، وذكَرَ اللهُ تعالَى الصداقَ في كتابِه ولم يَحُدَّ في أكثرِه ولا في أقلِّه حَدًّا، ولو كانَ الحَدُّ ممَّا يحتاجُ في ذلكَ إليه لبيَّنَه رسولُ اللهِ ؛ إذْ هوَ المُبَيِّنُ عنِ اللهِ مرادَه، وقد قالَ : «التَمِسْ ولو خاتَمًا مِنْ حَديدٍ»، والحُدودُ لا تَصحُّ إلا بكتابِ اللهِ أو سُنَّةٍ ثابتةٍ لا مُعارِضَ لها أو إجماعٍ يَجبُ التسليمُ لهُ (١).

وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: فأمَّا أكثرُه فلا خلافَ بينَ الفُقهاءِ أنه لا حَدَّ لهُ؛ لقولِه تعالَى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠] (٢).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: أمَّا أكثَرُ الصداقِ فلا توقيتَ فيه بإجماعِ أهلِ العلمِ، قالَهُ ابنُ عبدِ البَرِّ.

وقد قالَ اللهُ ﷿: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]، ورَوى أبو حفصٍ بإسنادِه أنَّ عُمرَ أَصْدَقَ أمَّ كَلثومٍ ابنةَ عليٍّ أربعينَ ألفًا، وعن عُمرَ

(١) «التمهيد» (٢١/ ١١٧).
(٢) «الحاوي الكبير» (٩/ ٣٩٦).

رضي الله عنه أنه قالَ: «خَرَجْتُ وأنا أُريدُ أنْ أَنهى عن كَثرةِ الصَّداقِ، فذَكَرْتُ هذهِ الآيةَ: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]، وقالَ أبو صالحٍ: القِنطارُ مائةُ رطلٍ، وقالَ أبو سَعيدٍ الخدريُّ رضي الله عنه: مِلءُ مَسْكِ ثَورٍ ذَهبًا، وعنْ مجاهدٍ: سَبعونَ ألفَ مِثقالٍ (١).

وقالَ ابنُ القطَّانِ الفاسيُّ رحمة الله عليه: ولا خِلافَ بينَ المُسلمينَ أنه لا حدَّ لأكثرِ الصَّداقِ، واختَلفوا في أقلِّه (٢).

وكذلكَ اتَّفقَ فقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ المهرَ إذا كانَ عشرةَ دراهمَ أو ما قيمتُه عَشرةُ دراهمَ فإنَّ المهرَ صحيحٌ.

إلا أنهمُ اختَلفوا في مقدارِ أقلِّ المهرِ، وهل يَصحُّ على أقلَّ مِنْ عشرةِ دراهمَ أم لا؟ على ثلاثةِ أقولٍ:

القولُ الأولُ: وهوَ قولُ الحنفيةِ أنه لا مَهرَ أقلَّ مِنْ عشرةِ دراهمَ أو ما قِيمتُه عشرةُ دراهمَ يومَ العقدِ لا يومَ القبضِ، فإنْ عقَدَه بأقلَّ مِنْ عَشرةٍ صحَّتِ التسميةُ وكُمِّلَتْ عَشرةً ومُنعَتْ مِنْ مهرِ المثلِ، وإذا فرَضَ لها أقلَّ مِنْ عَشرةِ دراهمَ وطلَّقَها قبلَ الدخولِ وجَبَ لها خَمسةُ دراهمَ؛ لقولِه تعالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وهذا يَدلُّ على أنَّ ما لا يُسمَّى أموالًا لا يكونُ مهرًا، وإنَّ شرْطَه أنْ يُسمَّى أموالًا، هذا

(١) «المغني» (٧/ ١٦١).
(٢) «الإقناع» (٣/ ١٢٢٦) رقم (٢٢٤٥).

مُقتضى الآيةِ وظاهرُها، ومَن كانَ له دِرهمٌ أو درهمانِ لا يُقالُ عندَه أموالٌ، فلم يَصحَّ أنْ يكونَ مهرًا بمُقتضى الظاهرِ.

فإنْ قيلَ: ومَن عندَه عَشرةُ دراهمَ لا يقالُ عندَه أموالٌ وقد أجزَأَها مهرًا؟

قيلَ له: كذلكَ يَقتضي الظاهرُ، لكنْ أجزْنَاها بالاتفاقِ، وجائزٌ تَخصيصُ الآيةِ بالإجماعِ، وأيضًا قد رَوى حَرامُ بنُ عُثمانَ عن ابنَي جابرٍ عن أبيهما أنَّ النبيَّ قال: «لا مهرَ أقلَّ مِنْ عَشرةِ دراهمَ» (١).

وقالَ عليُّ بنُ أبي طالب رضي الله عنه: «لا مهرَ أقلَّ مِنْ عَشرةِ دَراهمَ» (٢)، ولا سَبيلَ إلى مَعرفةِ هذا الضربِ مِنْ المَقاديرِ التي هيَ حقوقُ اللهِ تعالَى مِنْ طريقِ الاجتهادِ والرأيِ، وإنما طريقُها التوقيفُ أو الاتفاقُ، وتقديرُه العشرةَ مَهرًا دونَ ما هوَ أقَلُّ منها يَدلُّ على أنه قالَه تَوقيفًا، ولأنَّ المهرَ حقُّ اللهِ تعالَى، ولهذا لا يَملكُ نفيَه، فيكونُ تقديرُه إلى اللهِ تعالَى كسائرِ حُقوقِه كالصلاةِ والزكاةِ والحَجِّ والصومِ.

ولأنَّ البُضعَ عضوٌ لا تَجوزُ استباحتُه إلا بمالٍ، فأشبَهَ القطعَ في السرقةِ، فلمَّا كانَتِ اليدُ عُضوًا لا تَجوزُ استِباحتُه إلا بمالٍ وكانَ المِقدارُ الذي يُستباحُ به عَشرةً على أصلِهم فكذلكَ المهرُ يُعتبَرُ به.

(١) رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (١٤١٦٢)، وقال ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه في «الاستذكار» (٥/ ٤١١): هذا حَديثٌ لا يُثبِتُه أحدٌ مِنْ أهلِ العِلمِ بالحَديثِ.
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (١٤١٦٦).

وأيضًا لمَّا اتفقَ الجَميعُ على أنه لا يجوزُ استباحةُ البُضعِ بغيرِ بَدلٍ واختَلفوا فيما تَجوزُ استباحتُه به مِنْ المِقدارِ وجَبَ أنْ يكونَ باقيًا على الحَظرِ في مَنعِ استباحتِه إلَّا بما قامَ دَليلُ جوازِه وهوَ العَشرةُ المتفَقُ عليها، وما دونَها مُختلَفٌ فيه فالبُضعُ باقٍ على حُكمِ الحَظرِ.

وأيضًا لمَّا لم تَجُزِ استباحتُه إلا ببَدلٍ كانَ الواجبُ أنْ يكونَ البدلُ الذي به يَصحُّ قيمةُ البُضعِ هوَ مهرَ المثلِ وأنْ لا يُحَطَّ عنه شيءٌ إلا بدَلالةٍ، ألَا ترَى أنه لو تَزوجَها على غير مهرٍ لَكانَ الواجبَ لها مَهرُ مثلِها، وفي ذلكَ دليلٌ على أنَّ عقْدَ النكاحِ يُوجِبُ مهرَ المثلِ، فغيرُ جائزٍ إسقاطُ شيءٍ مِنْ مُوجَبِه إلا بدَلالةٍ، وقد قامَتْ دَلالةُ الإجماعِ على جوازِ إسقاطِ ما زادَ على العشرةِ، واختَلفوا فيما دونَه أنْ يكونَ واجبًا بإيجابِ العقدِ له إذا لم تَقُمِ الدلالةُ على إسقاطِه.

ولأنَّ المهرَ شَرطٌ في النكاحِ ولم يُشرَعْ بدونِه؛ إظهارًا لشَرفِ المحَلِّ وخَطرِه، ولو صَلحَ الفِلسُ وأمثالُه ممَّا ليسَ بخَطيرٍ مهرًا لم يَظهرْ خطرُه ولَجازَ بدونِ المهرِ؛ إذْ ذلكَ القدرُ وُجودُه كعدمِه.

وعلى هذا إذا كانَ المهرُ أقلَّ مِنْ عشرةِ دراهمَ يُكمَّلُ لها عَشرةً عندَ أبي حَنيفةَ وأبي يوسفَ ومُحمدٍ إذا دخَلَ بها أو ماتَ عنها؛ لأنه لمَّا كانَ أدنَى المِقدارِ الذي يَصلحُ مهرًا في الشرعِ هو العشرةَ كانَ ذِكْرُ بعضِ العَشرةِ ذِكرًا للكُلِّ؛ لأنَّ العشرةَ في كونها مَهرًا لا يتجزَّأُ، وذِكرُ البعضِ فيما لا يَتبعَّضُ يكونُ ذِكرًا لكُلِّه كما في الطلاقِ والعفوِ عن القصاصِ.

والتسميةُ إنما تَفسدُ إذا لم يَكنِ المسمَّى مالًا أو كانَ مَجهولًا، وههُنا المسمَّى مالٌ وإنْ قلَّ فهوَ مَعلومٌ، إلا أنه لا يَصلحُ مهرًا بنفسِه إلا بغيرِه، فكانَ ذِكرُه ذِكرًا لِمَا هو الأَدنى مِنْ المُصلحِ بنَفسِه، وفيه تَصحيحُ تصرِّفِه بالقَدرِ الممكِنِ، فكانَ أَولى مِنْ إلحاقِه بالعَدمِ، وفيه أخذٌ باليقينِ أيضًا، فكانَ أحَقَّ، بخلافِ ما إذا ذكَرَ خَمرًا أو خِنزيرًا؛ لأنَّ المُسمَّى ليسَ بمالٍ، فلمْ يَصلحْ مَهرًا بنفسِه ولا بغيرِه، ففسَدَتِ التسميةُ، فوجَبَ المُوجَبُ الأصليُّ وهو مهرُ المثلِ.

وقالَ زفرُ: إذا سَمَّى لها أقلَّ من عَشرةِ دراهمَ فسَدَتِ التسميةُ ووجَبَ لها مهرُ المثلِ؛ لأنَّ تَسميةَ ما لا يَصلحُ مهرًا كانعدامِه، كما لو سمَّى خَمرًا أو خنزيرًا.

ولو طلَّقَها قبلَ الدخولِ بها وسَمَّى لها أقلَّ مِنْ عَشرةِ دراهمَ تَجبُ خمسةٌ عندَ أبي حَنيفةَ وأبي يوسفَ ومُحمدٍ، وعندَ زُفرَ تَجبُ المُتعةُ كما إذا لم يُسمِّ شَيئًا.

وإذا تزوَّجَها على ثَوبٍ يُساوي عشرةَ دَراهمَ فلمْ تَقبضْه حتى صارَ يُساوي خمسةً فالعقدُ صَحيحٌ ولها الثوبُ لا غيرَ؛ لِمَا بيَّنَّا أنَّ المُعتبَرَ القيمةُ يومَ العقدِ.

ولو تَزوَّجَها على ثَوبٍ يُساوي ثمانيةً فلمْ تَقبضْه حتى صارَ يُساوي عشرةً فلها الثوبُ ودِرهمانِ (١).

(١) «أحكام القرآن» للجصاص (٣/ ٨٦، ٨٨)، و «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٧٦)، و «الهداية» (١/ ٢٠٤)، و «العناية» (٤/ ٤٧٤)، و «شرح فتح القدير» (٣/ ٣١٧، ٣١٨)، و «تبيين الحقائق» (٢/ ١٣٦، ١٣٨)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣١٢، ٣١٣)، و «اللباب» (٢/ ٣٥، ٣٦)، و «عمدة القاري» (٢٠/ ١٣٨).

القولُ الثاني: وهو مَذهبُ المالِكيةِ وهوَ أنَّ أقلَّ المهرِ رُبعُ دينارٍ أو ثلاثةُ دَراهمَ، وهو ما تُقطَعُ فيه اليدُ، أو قيمةُ ذلكَ مِنَ العروضِ التي يَجوزُ مِلْكُها؛ لأنَّ البضعَ عضوٌ مُستباحٌ ببَدلٍ مِنَ المالِ، فلا بدَّ أنْ يكونَ مُقدَّرًا؛ قِياسًا على قطعِ اليدِ.

ولأنَّ اللهَ ﷿ لمَّا شرَطَ عدمَ الطَّوْلِ في نكاحِ الإماءِ وأباحَه لمَن لمْ يَجِدْ طَولًا دَلَّ على أنَّ الطَّولَ لا يَجدُه كلُّ الناسِ، ولو كانَ الفِلْسُ والدَّانِقُ والقَبضةُ مِنَ الشعيرِ ونحوُ ذلك طَوْلًا لَمَا عَدِمَه أحدٌ، ومَعلومٌ أنَّ الطَّولَ في هذه الآيةِ المالُ، ولا يَقعُ اسمُ مالٍ على أقلَّ مِنْ ثلاثةِ دراهمَ، فوجَبَ أنْ يُمنَعَ مِنْ استباحةِ الفُروجِ باليسيرِ الذي لا يكونُ طَولًا.

ولأنَّ المهرَ في النكاحِ حقٌّ للهِ تعالىِ؛ بدليلِ أنهما إذا تراضَيَا على إسقاطِه لم يَجُزْ، فإذا ثبَتَ ذلكَ وجَبَ أنْ يكونَ مُقدَّرًا كالزكواتِ والكفَّاراتِ.

فإذا نقَصَ المهرُ عن ثلاثةِ دراهمَ أو رُبعِ دينارٍ أو ما قيمتُه ثلاثةُ دراهمَ يومَ العقدِ فسَدَ النكاحُ إنْ لم يُتمَّه، فإنْ أتَمَّه ثلاثةَ دراهمَ لم يَفسدْ وإلا فسَدَ، فهو مُخيَّرٌ قبلَ الدخولِ بينَ إتمامِ الصَّداقِ ثلاثةَ دراهمَ أو الفسخِ، فإنْ لم يُتمَّه فُسِخَ، وإنْ لم يُتمَّه وفُسِخَ قبلَ الدخولِ فلَها نصفُه.

فإنْ دخَلَ بالزوجةِ فلا يُفسَخُ النكاحُ؛ للاختلافِ فيهِ، ووجَبَ إتمامُه ربعَ دينارٍ أو ثلاثةَ دراهمَ، ولا يَلزمُه صداقُ المثلِ (١).

القولُ الثالثُ: وهوَ قولُ الشافِعيةِ والحَنابلةِ وابنِ عبدِ البَرِّ مِنْ المالِكيةِ أنه لا حَدَّ لأقلِّ المهرِ، فيَصحُّ بكلِّ مُتموَّلٍ ولو قَلَّ؛ لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وفي هذه الآيةِ دَليلانِ:

أحَدُهما عامٌّ: وهو قولُه: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، فكانَ على عُمومِه مِنْ قليلٍ أو كثيرٍ.

والثاني خاصٌّ: وهو أنه إذا فرَضَ لها خمسةَ دَراهمَ وطلَّقَها قبلَ الدخولِ اقتَضى أنْ يَجبَ لها دِرهمانِ ونصفٌ.

ولمَا رُويَ عن النبيِّ أنه قالَ: «أدُّوا العَلائِقَ، قيلَ: وما العَلائقُ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: ما تَراضَى بهِ الأَهلُونَ» (٢)، فكانَ على عُمومِه فيما تَراضَوا به مِنْ قليلٍ وكثيرٍ.

(١) «الاستذكار» (٥/ ٤١٠، ٤١٣)، و «التمهيد» (٢/ ١٨٦، ١٨٧)، و «الكافي» (١/ ٢٤٩)، و «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٧/ ٢٦٥، ٢٦٦)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣٥٢) رقم (١١٨٧)، و «تفسير القرطبي» (٥/ ١٢٨، ١٢٩)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٥٨١)، و «مواهب الجليل» (٥/ ١٦٨)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٢٦٢)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ١٤٤، ١٤٥)، و «تحبير المختصر» (٣/ ١٩، ٢٠).
(٢) ضَعِيفٌ جدًّا: رواه سعيد بن منصور في «سننه» (٦١٩)، وابن أبي شيبة (١٦٣٦١، ٣٦١٦٨).

ولأنَّ قولَ اللهِ ﷿: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] يَدخلُ فيه القليلُ والكثيرُ، ولأنه بَدلُ مَنفعتِها، فجازَ ما تراضَيَا عليه مِنَ المالِ كالعشرةِ.

ورويَ عن النبيِّ أنه قالَ: «مَنْ استَحلَّ بدَرهمٍ فقدِ استَحلَّ» (١)، يعني فقدِ استَحلَّ بالدَّرهمِ.

وعن جَابرِ بنِ عبد اللهِ رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ قالَ: «مَنْ أعطَى في صَداقِ امرَأةٍ مِلءَ كَفَّيهِ سَويقًا أو تَمرًا فقدِ استَحلَّ» (٢).

ورَوى عاصمُ بنُ عبيدِ اللهِ عن عبدِ اللهِ بنِ عامرِ بنِ رَبيعةَ عن أبيه: «أنَّ امرأةً من بَني فَزارةَ تَزوَّجَتْ على نَعلَيْنِ، فقالَ رسولُ اللهِ : «أَرَضِيتِ مِنْ نَفسِكِ ومالِكِ بنَعلَينِ؟ قالَتْ: نعمْ، قالَ: فأجازَهُ» (٣).

ورَوى أبو حازمٍ عن سَهلِ بنِ سعدٍ الساعديِّ رضي الله عنه أنَّ رسولَ اللهِ قالَ لرَجلٍ خَطَبَ منه المرأةَ التي بذَلَتْ نفسَها له: «التَمِسْ ولو خاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» (٤)، والخاتمُ مِنَ الحَديدِ أقلُّ الجَواهرِ قيمةً، فدَلَّ على جَوازِ القليلِ مِنْ المهرِ.

(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٣٦١٦٧)، وأبو يعلى في «مسنده» (٩٤٣)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٤١٥٠).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٢١١٠).
(٣) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الترمذي (١١١٣)، وأحمد (١٥٧١٧).
(٤) رواه البخاري (٤٨٤٢).

وروَى يونسُ بنُ بكيرٍ عن صالحِ بنِ مُسلمِ بنِ رُومانَ عن أبي الزُّبيرِ عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ رضي الله عنهما أنَّ رسولَ اللهِ قالَ: «لو أنَّ رَجُلًا أعطَى امرَأةً صَداقًا مِلءَ يَدَيهِ طَعامًا كانَتْ له حَلالًا» (١).

ورَوى قَتادةُ عن عبدِ اللهِ بنِ المُؤملِ عن جابرٍ رضي الله عنه قالَ: «إنْ كُنَّا لَنَنكِحُ المَرأةَ على الحَفنةِ والحَفنتَينِ مِنْ الدَّقيقِ» (٢).

وعن أنسٍ رضي الله عنه قال: قَدمَ عبدُ الرحمنِ بنُ عَوفٍ المَدينةَ فآخَى النبيُّ بيْنَه وبينَ سَعدِ بنِ الرَّبيعِ الأنصاريِّ فعرَضَ عليهِ أنْ يُناصِفَه أهْلَه ومالَهُ، فقالَ عبدُ الرحمنِ: بارَكَ اللهُ لكَ في أهلِكَ ومالِكَ، دُلَّني على السُّوقِ، فرَبحَ شَيئًا مِنْ أقِطٍ وسَمنٍ، فرَآهُ النبيُّ بعدَ أيَّامٍ وعليهِ وضَرٌ مِنْ صُفْرةٍ، فقالَ النبيُّ : مَهْيَمْ يا عبدَ الرحمنِ؟ قالَ: يا رسولَ اللهِ تَزوَّجْتُ امرَأةً مِنْ الأنصارِ، قالَ: فما سُقْتَ فيها؟ فقالَ: وَزْنَ نَواةٍ مِنْ ذهَبٍ، فقالَ النبيُّ : أَولِمْ ولو بشَاةٍ» (٣)، وهذهِ كلُّها نُصوصٌ لا يَجوزُ خِلافُها.

ويَدلُّ عليه مِنْ طريقِ القياسِ: هو أنَّ كلَّ ما صَلحَ أنْ يكونَ ثمَنًا صلحَ أنْ يكونَ مَهرًا كالعشرةِ، ولأنه عَقدٌ ثبَتَ فيه العشرةُ عِوضًا فصَحَّ

(١) رواه الإمام أحمد في «مسنده» (١٤٨٦٦).
(٢) رواه الدارقطني (٣٥٩١).
(٣) رواه البخاري (٣٧٢٢)، ومسلم (١٤٢٧).

أنْ يَثبتَ دونُها عوضًا كالبيعِ، ولأنه عِوضٌ على إحدَى مَنفعتَيها، فلمْ يَتقدَّرْ؛ قياسًا على أُجرةِ مَنافعِها، ولأنَّ ما يُقابِلُ البضعَ مِنَ البدلِ لا يَتقدَّرُ في الشرعِ كالخُلعِ، ولأنَّ كلَّ عِوضٍ لا يتقدَّرُ أكثرُه لا يتقدَّرُ أقلُّه؛ قياسًا على جَميعِ الأعواضِ.

فإذا ثبَتَ أنَّ أقلَّ المهرِ وأكثرَه غيرُ مُقدَّرٍ فهوَ معتَبَرٌ بما تَراضَى عليه الزوجانِ مِنْ قليلٍ وكَثيرٍ، وسواءٌ كانَ أكثرَ مِنْ مهرِ المثلِ أو أقلَّ إذا كانَتِ الزوجةُ جائزةَ الأمرِ، فإنْ كانَتْ صغيرةً زوَّجَها أبوها لم يَجُزْ أنْ يزوِّجَها بأقلَّ مِنْ مهرِ مثلِها؛ لأنه مُعاوِضٌ في حقِّ غيرِه، فرُوعيَ فيهِ عوضُ المثلِ كما يُراعَى في بيعِه لِمَا لها ثَمنُ المثلِ وإنْ لم يُراعِ ذلكَ في بيعِها لنَفسِها.

والأَولى أنْ يَعدِلَ الزوجانِ عن التناهي في الزيادةِ التي يَقصرُ العمرُ عنها، وعن التناهي في النُّقصانِ الذي لا يكونُ له في النُّفوسِ مَوقِعٌ، وخيرُ الأمورِ أَوسَاطُها، وأنْ يُقتدَى برَسولِ اللهِ في مهورِ نِسائِه؛ طَلبًا للبركةِ في مُوافَقتِه، وهو خَمسمائةُ درهمٍ على ما رَوتْهُ السيدةُ عائشةُ رضي الله عنها، وقد جَعَلَ عبدُ الملكِ بنُ مروانَ مُهورَ الشَّريفاتِ مِنْ نِساءِ قومِه أربعةَ آلافِ درهمٍ؛ اقتِداءً بصَداقِ أمِّ حَبيبةَ.

وقد رَوى مُجاهدٌ عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ قالَ: «خَيرُهنَّ أَيسَرُهنَّ صَداقًا» (١).

(١) رواه ابن حبان في «صحيحه» (٤٠٣٤).

وعن عائِشةَ رضي الله عنها عنِ النبيِّ قالَ: «أَعظَمُ النِّساءِ بَركةً أَيسَرُهنَّ مُؤنةً» (١).

وعن أبي العَجفاءِ قال: قالَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ رضي الله عنه: «لا تُغَالُوا صَداقَ النِّساءِ؛ فإنها لو كانَتْ مَكرُمةً في الدُّنيا أو تَقوًى عندَ اللَّهِ كانَ أَولاكُم وأحَقَّكم بها مُحمدٌ ، ما أَصْدَقَ امرَأةً مِنْ نِسائِه ولا أُصدِقَتِ امرأةٌ مِنْ بَناتِه أكثَرَ مِنْ اثنَتَي عَشرةَ أُوقِيَّةً، وإنَّ الرَّجلَ لَيُثقِّلُ صَدَقةَ امرأتِه حتى يَكونَ لها عَداوةٌ في نَفسِه، ويَقولُ: قد كَلِفْتُ إليكِ عَلَقَ القِرْبةِ أو عَرَقَ القِرْبةِ، وكنتُ رَجُلًا عَربيًّا مَوْلِدًا ما أدري ما عَلَقُ القِربةِ أو عَرَقُ القِربةِ» (٢).

ولأنه إذا كَثُرَ ربُّما تَعذَّرَ عليه، فيَتعرَّضُ للضرِّ في الدنيا والآخِرةِ (٣).

وقالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: قولُه : «التَمِسْ ولو خاتَمًا مِنْ حَديدٍ» يَدلُّ على أنْ لا تَحديدَ في مَبلغِ الصَّداقِ، وقد أجمَعُوا أنْ لا حَدَّ ولا تَوقيتَ في أكثرِه، فكذلكَ لا حَدَّ في أقلِّه ولا توقيتَ (٤).

(١) رواه أحمد (٢٥١٦٢).
(٢) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه ابن ماجه (١٨٨٧).
(٣) «الحاوي الكبير» (٩/ ٣٩٩، ٤٠١)، و «البيان» (٩/ ٣٦٩، ٣٧٣)، و «الإفصاح» (٢/ ١٥٢، ١٥٣)، و «المغني» (٧/ ١٦٠، ١٦١)، و «حاشية ابن القيم على شرح سنن أبي داود» (٦/ ١٠٢)، و «الفروع» (٥/ ١٩٥)، و «كشاف القناع» (٥/ ١٤٢، ١٤٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٢٣٥)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ١٧٥)، و «فتح الباري» (٩/ ٢٠٩، ٢١٠).
(٤) «الاستذكار» (٥/ ٤١٢، ٤١٣).

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وأمَّا قَدْرُه فإنهمُ اتَّفقوا على أنَّه ليسَ لأكثرِه حَدٌّ.

واختَلفوا في أقلِّه، فقالَ الشافِعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ وفقهاءُ المَدينةِ مِنَ التابعينَ: ليسَ لأقلِّه حَدٌّ، وكُلُّ ما جازَ أنْ يكونَ ثَمنًا وقِيمةً لشيءٍ جازَ أنْ يكونَ صَداقًا، وبه قالَ ابنُ وَهبٍ مِنْ أصحاب مالكٍ.

وقالَتْ طائفةٌ بوُجوبِ تَحديدِ أقلِّه، وهؤلاءِ اختَلفوا، فالمشهورُ في ذلكَ مَذهَبانِ: أحَدُهما: مَذهبُ مالكٍ وأصحابِه، والثاني: مَذهبُ أبي حنيفةَ وأصحابِه.

فأما مالكٌ فقالَ: أقلُّه رُبعُ دينارٍ مِنَ الذهبِ أو ثلاثةُ دراهمَ كَيلًا مِنْ فضةٍ أو ما يُساوي الدراهمَ الثلاثةَ، أعني: دراهمَ الكَيلِ فقطْ في المَشهورِ، وقيلَ: أو ما يُساوي أحَدَهما، وقالَ أبو حَنيفةَ: عَشرةُ دَراهمَ أقلُّه، وقيلَ: خَمسةُ دراهمَ، وقيلَ: أربعونَ درهمًا.

وسَببُ اختلافِهم في التقديرِ سَببانِ:

أحَدُهما: تَردُّدُه بينَ أنْ يكونَ عِوضًا مِنْ الأعواضِ يُعتبَرُ فيه التَّراضي بالقليلِ كانَ أو بالكثيرِ كالحالِ في البُيوعاتِ، وبينَ أنْ يكونَ عبادةً فيكونُ مُؤقَّتًا، وذلكَ أنه مِنْ جِهةِ أنه يَملِكُ به على المَرأةِ مَنافعَها على الدوام يُشبِهُ العوضَ، ومِن جهةِ أنه لا يَجوزُ التراضي على إسقاطِه يُشبِهُ العبادةَ.

والسببُ الثاني: مُعارَضةُ هذا القياس، فالمُقتضى التَّحديدُ لمَفهومِ الأثرِ الذي لا يَقتضيَ التحديدَ.

أما القياسُ الذي يَقتضي التحديدَ فهو كما قُلنا: إنه عِبادةٌ والعِباداتُ مُؤقتةٌ.

وأمَّا الأثَرُ الذي يَقتضي مَفهومُه عدمَ التحديدِ: فحديثُ سهلِ بنِ سَعدٍ الساعديِّ المُتفَقِ على صحتِه، وفيه أنَّ رسولَ اللهِ جاءَتْه امرأةٌ فقالَت: يا رَسولَ اللهِ إني قد وهَبْتُ نفسِي لكَ، فقامَتْ قيامًا طويلًا فقامَ رجلٌ فقالَ: يا رسولَ اللهِ زَوِّجْنيها إنْ لم يَكنْ لكَ بها حاجةٌ، فقالَ رسولُ اللهِ : هل معكَ مِنْ شيءٍ تُصْدِقُها إيَّاه؟ فقالَ: ما عندِي إلا إزارِي، فقالَ رسولُ اللهِ : إنْ أعطَيتَها إياه جلَسْتَ لا إزارَ لكَ فالتمِسْ شَيئًا، فقالَ: لا أجِدُ شَيئًا، فقالَ عليه الصلاة والسلام: التمِسْ ولو خاتمًا مِنْ حديدٍ، فالتمَسَ فلم يَجدْ شَيئًا، فقالَ رسولُ اللهِ : هل معكَ شيءٌ مِنَ القرآنِ؟ قالَ: نعم سُورةُ كذا وسورةُ كذا، لسُوَرٍ سمَّاها، فقالَ رسولُ اللهِ : قد أنكَحْتُكَها بما معكَ مِنَ القرآن».

قالوا: فقولُه عليه الصلاة والسلام: «التَمِسْ ولو خاتَمًا مِنْ حديدٍ» دليلٌ على أنه لا قَدْرَ لأقلِّه؛ لأنه لو كانَ له قَدرٌ لَبيَّنَه؛ إذ لا يجوزُ تأخيرُ البيانِ عن وقتِ الحاجَةِ، وهذا الاستدلالُ بيِّنٌ كما ترَى، مع أنَّ القياسَ الذي اعتَمدَه القائلونَ بالتحديدِ ليسَ تَسلَمُ مُقدِّماتُه، وذلك أنه انبَنَى على مقدِّمتَينِ:

إحدَاهُما: أنَّ الصداقَ عِبادةٌ، والثانيةُ: أنَّ العبادةَ مُؤقتةٌ.

وفي كِليهما نزاعٌ للخصمِ، وذلكَ أنه قد يُلفَى في الشرعِ مِنَ العباداتِ ما ليسَتْ مُؤقتةً، بل الواجِبُ فيها هو أقلُّ ما يَنطلِقُ عليه الاسمُ.

وأيضًا فإنه ليسَ فيه شَبَهُ العباداتِ خالصًا، وإنما صارَ المُرجِّحونَ لهذا القياسِ على مَفهومِ الأثَرِ؛ لاحتمالِ أنْ يكونَ ذلكَ الأثرُ خاصًّا بذلكَ الرَّجلِ؛ لقولِه فيهِ: «قد أَنكَحْتُكَها بما معكَ مِنَ القرآنِ»، وهذا خِلافٌ للأصولِ، وإنْ كانَ قد جاءَ في بعضِ رِواياته أنه قالَ: «قُم فعَلِّمْها» لمَّا ذَكَرَ أنه معه مِنَ القرآنِ فقامَ فعَلَّمَها، فَجاءَ نكاحًا بإجارةٍ، لكنْ لمَّا التَمَسوا أصلًا يَقيسونَ عليهِ قَدْرَ الصداقِ لم يَجِدوا شَيئًا أقرَبَ شَبَهًا به مِنْ نصابِ القَطعِ على بُعْدِ ما بينَهما، وذلكَ أنَّ القياسَ الذي استَعمَلوه في ذلكَ هو أنهم قالُوا: عضوٌ مُستباحٌ بمالٍ فوجَبَ أنْ يكونَ مُقدَّرًا أصلُه القطعُ، وضَعفُ هذا القياسِ هو مِنْ قِبَلِ الاستباحةِ فيهما هيَ مَقولةٌ باشتِراكِ الاسمِ، وذلكَ أنَّ القطعَ غيرُ الوطءِ، وأيضًا فإنَّ القطعَ استباحةٌ على جهةِ العُقوبةِ والأذى ونَقصُ خِلقةٍ، وهذا استباحةٌ على جهة اللَّذةِ والمودَّةِ، ومَن شأنُه قياسُ الشَّبَهِ على ضَعْفِه أنْ يكونَ الذي به تَشابَه الفرعُ والأصلُ شَيئًا واحدًا لا باللفظِ بل بالمَعنى، وأنْ يكونَ الحكمُ إنَّما وُجِدَ للأصلِ مِنْ جهةَ الشَّبهِ، وهذا كلُّه مَعدومٌ في هذا القياسِ، ومعَ هذا فإنه مِنَ الشَّبَهِ الذي لم يُنَبِّه عليه اللفظُ، وهذا النوعُ مِنَ القياسِ مردودٌ عندَ المحقِّقِينَ، لكنْ لم يَستعمِلوا هذا القياسَ في إثباتِ التحديدِ المُقابلِ لمَفهومِ الحديثِ؛ إذ هو في غايَةِ الضعفِ، وإنما استَعمَلوه في تَعيينِ قَدْرِ التحديدِ.

وأمَّا القياسُ الذي استَعمَلوه في مُعارَضةِ مَفهومِ الحديثِ فهو أَقوى مِنْ

هذا، ويَشهدُ لعَدمِ التحديدِ ما خرَّجه الترمذيُّ: «أنَّ امرأةً تزوَّجَت على نعلَينِ، فقالَ لها رسولُ اللهِ : أَرَضِيتِ مِنْ نفسِك ومالِكِ بنعلَين؟ فقالَتْ: نَعمْ، فجوَّزَ نكاحَها» وقال: حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ.

ولمَّا اتفقَ القائلونَ بالتحديدِ على قياسِه على نِصابِ السرقةِ، اختَلفوا في ذلكَ بحَسبِ اختلافِهم في نصابِ السرقةِ، فقالَ مالكٌ: هوَ ربعُ دينارٍ أو ثلاثةُ دراهمَ؛ لأنه النصابُ في السرقةِ عندَه، وقالَ أبو حنيفةَ: هو عَشرةُ دراهمَ؛ لأنه النصابُ في السرقةِ عندَه، وقالَ ابنُ شُبرمةَ: هوَ خمسةُ دَراهمَ؛ لأنه النصابُ عندَه أيضًا في السرقةِ.

وقدِ احتَجَّتِ الحَنفيةُ لكَونِ الصداقِ محدَّدًا بهذا القَدْرِ بحديثٍ يَروُونَه عن جابرٍ عنِ النبيِّ عليه الصلاة والسلام أنه قالَ: «لا مهرَ بأقلَّ مِنْ عشرةِ دراهمَ»، ولو كانَ ثابتًا لَكانَ رافعًا لمَوضِعِ الخِلافِ؛ لأنه كانَ يَجبُ لمَوضِعِ هذا الحديثِ أنْ يُحمَلَ حديثُ سَهلِ بنِ سعدٍ على الخُصوصِ، لكنَّ حديثَ جابرٍ هذا ضَعيفٌ عندَ أهلِ الحديثِ؛ فإنه يَرويهِ: قالَ مُبشِّرُ بنُ عُبيدٍ عنِ الحجَّاجِ بنِ أَرطَاة عن عطاءٍ عن جابرٍ، ومُبشِّرٌ والحجَّاجُ ضَعيفانِ، وعطاءٌ أيضًا لم يَلْقَ جابرًا، ولذلكَ لا يُمكِنُ أنْ يقالَ: إنَّ هذا الحديثَ مُعارِضٌ لحَديثِ سهلِ بنِ سَعدٍ (١).

(١) «بداية المجتهد» (٢/ ١٥، ١٦).

مسائل أقل المهر وأكثره الفقهية

ارجع إلى النكاح والأسرة للاطلاع على جميع الأبواب.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 21 ربيع الأول
التربيع الأخير اليوم 22.4 / 29.5
الإضاءة 47%
الهلال الجديد بعد 7 يوم
أستغفر الله