الآية ١٦١ من سورة الصافات

الإسلام > القرآن > سور > سورة 37 الصافات > الآية ١٦١ من سورة الصافات

فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ ١٦١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 75 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٦١ من سورة الصافات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ١٦١ من سورة الصافات عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخاطبا للمشركين ( فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صالي الجحيم ) أي : ما ينقاد لمقالكم وما أنتم عليه من الضلالة والعبادة الباطلة من هو أضل منكم ممن ذري للنار .

( لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ) [ الأعراف : 179 ] .

فهذا الضرب من الناس هو الذي ينقاد لدين الشرك والكفر والضلالة ، كما قال تعالى : ( إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك ) [ الذاريات : 8 ، 9 ] أي : إنما يضل به من هو مأفوك ومبطل .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (161) يقول تعالى ذكره: ( فَإِنَّكُمْ ) أيها المشركون بالله ( وَمَا تَعْبُدُونَ ) من الآلهة والأوثان .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فإنكم وما تعبدونقوله تعالى : فإنكم وما تعبدون ما بمعنى الذي .

وقيل : بمعنى المصدر ، أي : فإنكم وعبادتكم لهذه الأصنام .

وقيل : أي : فإنكم مع ما تعبدون من دون الله ، يقال : جاء فلان وفلان .

وجاء فلان مع فلان .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: إنكم أيها المشركون ومن عبدتموه مع اللّه، لا تقدرون أن تفتنوا وتضلوا أحدا إلا من قضى اللّه أنه من أهل الجحيم، فينفذ فيه القضاء الإلهي، والمقصود من هذا، بيان عجزهم وعجز آلهتهم عن إضلال أحد، وبيان كمال قدرة اللّه تعالى، أي: فلا تطمعوا بإضلال عباد اللّه المخلصين وحزبه المفلحين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ) ( فإنكم ) يقول لأهل مكة : ( وما تعبدون ) من الأصنام .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فإنكم وما تعبدون» من الأصنام.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فإنكم -أيها المشركون بالله- وما تعبدون من دون الله من آلهة، ما أنتم بمضلِّين أحدًا إلا مَن قدَّر الله عز وجل عليه أن يَصْلَى الجحيم؛ لكفره وظلمه.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل على فساد مذهب الكفار أتبعه بما نبه به على أن هؤلاء الكفار لا يقدرون على حمل أحد على الضلال إلا إذا كان قد سبق حكم الله في حقه بالعذاب والوقوع في النار، وذكر صاحب الكشاف في قوله: ﴿ فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَا أَنتم عَلَيْهِ بفاتنين ﴾ قولين الأول: الضمير في ﴿ عَلَيْهِ ﴾ لله عز وجل معناه فإنكم ومعبوديكم ما أنتم وهم جميعاً بفاتنين على الله إلا أصحاب النار الذين سبق في علم الله كونهم من أهل النار، فإن قبل كيف يفتنونهم على الله؟

قلنا يفتنونهم عليه بإغوائهم من قولك فتن فلان على فلان امرأته كما تقول أفسدها عليه والوجه الثاني: أن تكون الواو في قوله: ﴿ وَمَا تَعْبُدُونَ ﴾ بمعنى مع كما في قولهم كل رجل وضيعته، فكما جاز السكوت على كل رجل وضيعته، فكذلك جاز أن يسكت على قوله: ﴿ فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ ﴾ لأن قوله: ﴿ وَمَا تَعْبُدُونَ ﴾ ساد مسد الخبر، لأن معناه فإنكم مع ما تعبدون، والمعنى فإنكم مع آلهتكم أي فإنكم قرناؤهم وأصحابهم لا تتركون عبادتها، ثم قال تعالى: ﴿ مَا أَنتم عَلَيْهِ ﴾ أي على ما تعبدون ﴿ بفاتنين ﴾ بباعثين أو حاملين على طريق الفتنة والإضلال ﴿ إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الجحيم ﴾ مثلكم.

وقرأ الحسن ﴿ صَالِ الجحيم ﴾ بضم اللام ووجهه أن يكون جمعاً وسقوط واوه لالتقاء الساكنين، فإنه قيل كيف يستقيم الجمع مع قوله: ﴿ مَنْ هُوَ ﴾ قلنا ﴿ مِنْ ﴾ موحد اللفظ مجموع المعنى فحمل هو على لفظه والصالون على معناه.

المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه لا تأثير لإغواء الشيطان ووسوسته، وإنما المؤثر قضاء الله تعالى وتقديره، لأن قوله تعالى: ﴿ فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بفاتنين ﴾ تصريح بأنه لا تأثير لقولهم ولا تأثير لأحوال معبوديهم في وقوع الفتنة والضلال، وقوله تعالى: ﴿ إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الجحيم ﴾ يعني إلا من كان كذلك في حكم الله وتقديره، وذلك تصريح بأن المقتضي لوقوع هذه الحوادث حكم الله تعالى، وكان عمر بن عبد العزيز يحتج بهذه الآية في إثبات هذا المطلوب، قال الجبائي: المراد أن الذين عبدوا الملائكة يزعمون أنهم بنات الله لا يكفرون أحداً إلا من ثبت في معلوم الله أنه سيكفر، فدل هذا على أن من ضل بدعاء الشيطان لم يكن ليؤمن بالله لو منع الله الشيطان من دعائه وإلا كان يمنع الشيطان، فصح بهذا أن كل من يعصي لم يكن ليصلح عنه شيء من الأفعال والجواب: حاصل هذا الكلام أنه لا تأثير لإغواء شياطين الإنس والجن.

وهذا لا نزاع فيه إلا أن وجه الاستدلال أنه تعالى بين أنه لا تأثير لكلامهم في وقوع الفتنة، ثم استثنى منه ما في قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الجحيم ﴾ فوجب أن يكون المراد من وقوع الفتنة هو كونه محكوماً عليه بأنه صال الجحيم، وذلك تصريح بأن حكم الله بالسعادة والشقاوة هو الذي يؤثر في حصول الشقاوة والسعادة.

واعلم أن أصحابنا قرروا هذه الحجة بالحديث المشهور وهو أنه حج آدم موسى، قال القاضي هذا الحديث لم يقبله علماء التوحيد، لأنه يوجب أن لا يلام أحد على شيء من الذنوب، لأنه إن كان آدم لا يجوز لموسى أن يلومه على عمل كتبه الله عليه قبل أن يخلقه، فكذلك كل مذنب.

فإن صحت هذه الحجة لآدم عليه السلام، فلماذا قال موسى عليه السلام في الوكزة هذا من عمل الشيطان، إنه عدو مضل مبين؟

ولما قال فلن أكون ظهيراً للمجرمين؟

ولماذا لام فرعون وجنوده على أمر كتبه الله عليهم؟

ومن عجيب أمرهم أنهم يكفرون القدرية، وهذا الحديث يوجب أن آدم كان قدرياً، فلزمهم أن يكفروه، وكيف يجوز مع قول آدم وحواء عليهما السلام: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَكُنتُم مّنَ الخاسرين  ﴾ أن يحتج على موسى بأنه لا لوم عليه، وقد كتب عليه ذلك قبل أن يخلقه، هذا جملة كلام القاضي فيقال له هب أنك لا تقبل ذلك الخبر، فهل ترد هذه الآية أم لا، فإنا بينا أن صريح هذه الآية يدل على أنه لا تأثير للوساوس في هذا الباب، فإن الكل يحصل بحكمة الله تعالى، والذي يدل عليه وجوه: الأول: أن الكافر إن ضل بسبب وسوسة الشيطان فضلال الشيطان إن كان بسبب شيطان آخر لزم تسلسل الشياطين وهو محال، وإن انتهى إلى ضلال لم يحصل بسبب وسوسة متقدمة فهو المطلوب الثاني: أن كل أحد يريد أن يحصل لنفسه الاعتقاد الحق والدين الصدق، فحصول ضده يدل على أن ذلك ليس منه الثالث: أن الأفعال موقوفة على الدواعي وحصول الدواعي بخلق الله، فيكون الكل من الله تعالى الرابع: أنه تعالى لما اقتضت حكمته شيئاً، وعلم وقوعه، فلو لم يقع ذلك الشيء لزم انقلاب ذلك الحكم كذباً وانقلاب ذلك العلم جهلاً وهو محال، وأما الآيات التي تمسك بها القاضي فهي معارضة بالآيات الدالة على أن الكل من الله والقرآن كالبحر المملوء من هذه الآيات فتبقى الدلائل العقلية التي ذكرناها سليمة، والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ﴾ فالجمهور على أنهم الملائكة، وصفوا أنفسهم بالمبالغة في العبودية، فإنهم يصطفون للصلاة والتسبيح، والغرض منه التنبيه على فساد قول من يقول إنهم أولاد الله وذلك لأن مبالغتهم في العبودية تدل على اعترافهم بالعبودية، واعلم أن هذه الآية تدل على ثلاثة أنواع من صفات الملائكة فأولها قوله تعالى: ﴿ وَمَا مِنَّا إِلاَّ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ﴾ وهذا يدل على أن لكل واحد منهم مرتبة لا يتجاوزها ودرجة لا يتعدى عنها، وتلك الدرجات إشارة إلى درجاتهم في التصرف في أجسام هذا العالم إلى درجاتهم في معرفة الله تعالى أما درجاتهم في التصرفات والأفعال فهي قوله: ﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصافون ﴾ والمراد كونهم صافين في أداء الطاعات ومنازل الخدمة والعبودية، وأما درجاتهم في المعارف فهي قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ المسبحون ﴾ والتسبيح تنزيه الله عما لا يليق به.

واعلم أن قوله: ﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصافون * وَإِنَّا لَنَحْنُ المسبحون ﴾ يفيد الحصر ومعناه أنهم هم الصافون في مواقف العبودية لا غيرهم وأنهم هم المسبحون لا غيرهم، وذلك يدل على أن طاعات البشر ومعارفهم بالنسبة إلى طاعات الملائكة وإلى معارفهم كالعدم، حتى يصح هذا الحصر.

وبالجملة فهذه الآلفاظ الثلاثة تدل على أسرار عجيبة من صفات الملائكة فكيف يجوز مع هذا الحصر أن يقال البشر تقرب درجته من الملك فضلاً عن أن يقال هل هو أفضل منه أم لا.

وأما قوله: ﴿ وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مّنَ الأولين * لَكُنَّا عِبَادَ الله المخلصين ﴾ فالمعنى أن مشركي قريش وغيرهم كانوا يقولون: ﴿ لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً ﴾ أي كتاباً من كتب الأولين الذين نزل عليهم التوراة والإنجيل لأخلصنا العبادة لله، ولما كذبنا كما كذبوا.

ثم جاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار والكتاب المهيمن على كل الكتب، وهو القرآن فكفروا به.

ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا جَاءهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً ﴾ ثم قال تعالى: ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ أي فسوف يعلمون عاقبة هذا الكفر والتكذيب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

والضمير في ﴿ عَلَيْهِ ﴾ لله عزّ وجلّ ومعناه: فإنكم ومعبودكم ما أنتم وهم جميعاً بفاتنين على الله إلاّ أصحاب النار الذين سبق في علمه أنهم لسوء أعمالهم يستوجبون أن يصلوها.

فإن قلت: كيف يفتنونهم على الله؟

قلت: يفسدونهم عليه بإغوائهم واستهزائهم، من قولك: فتن فلان على فلان امرأته، كما تقول: أفسدها عليه وخيبها عليه.

ويجوز أن يكون الواو في ﴿ وَمَا تَعْبُدُونَ ﴾ بمعنى مع، مثلها في قولهم: كل رجل وضيعته، فكما جاز السكوت على كل رجل وضيعته، وأنّ كل رجل وضيعته؛ جاز أن يسكت على قوله: ﴿ فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ ﴾ لأن قوله: ﴿ وَمَا تَعْبُدُونَ ﴾ سادّ مسدّ الخبر؛ لأن معناه: فإنكم مع ما تعبدون.

والمعنى: فإنكم مع آلهتكم، أي: فإنكم قرناؤهم وأصحابهم لا تبرحون تعبدونها، ثم قال: ما أنتم عليه، أي: على ما تعبدون ﴿ بفاتنين ﴾ بباعثين أو حاملين على طريق الفتنة والإضلال ﴿ إِلاَّ مَنْ هُوَ ﴾ ضال مثلكم.

أو يكون في أسلوب قوله: فَإنَّكَ وَالْكِتَابُ إلَى عَلِيٍّ ** كَدَابِغَةٍ وَقَدْ حَلِمَ الأَدِيمُ وقرأ الحسن ﴿ صال الجحيم ﴾ بضم اللام.

وفيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكون جمعاً وسقوط واوه لالتقاء الساكنين هي ولام التعريف.

فإن قلت: كيف استقام الجمع مع قوله: ﴿ مَنْ هُوَ ﴾ ؟

قلت: من موحد اللفظ مجموع المعنى فحمل هو على لفظه والصالون على معناه كما حمل في مواضع من التنزيل على لفظ من ومعناه في آية واحدة.

والثاني: أن يكون أصله صائل على القلب، ثم يقال صال في صائل، كقولهم شاك في شائك.

والثالث: أن تحذف لام صال تخفيفاً ويجري الإعراب على عينه، كما حذف من قولهم: ما باليت به بالة، وأصلها بالية من بالي، كعافية من عافى.

ونظيره قراءة من قرأ: ﴿ وَجَنَى الجَنَّتَيْنِ دَانٍ ﴾ [الرحمن: 54] ، ﴿ وَلَهُ الجوار المُنْشَآتِ ﴾ [الرحمن: 24] بإجراء الإعراب على العين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ﴾ عَوْدٌ إلى خِطابِهِمْ.

﴿ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ﴾ عَلى اللَّهِ.

﴿ بِفاتِنِينَ ﴾ مُفْسِدِينَ النّاسَ بِالإغْواءِ.

﴿ إلا مَن هو صالِ الجَحِيمِ ﴾ إلّا مَن سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ ويَصْلاها لا مَحالَةَ، ( وأنْتُمْ ) ضَمِيرٌ لَهم ولِآلِهَتِهِمْ غَلَبَ فِيهِ المُخاطَبُ عَلى الغائِبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ وَما تَعْبُدُونَ ﴾ لِما فِيهِ مِن مَعْنى المُقارَنَةِ سادًّا مَسَدَّ الخَبَرِ أيْ إنَّكم وآلِهَتَكم قُرَناءُ لا تَزالُونَ تَعْبُدُونَها، ما أنْتُمْ عَلى ما تَعْبُدُونَهُ بِفاتِنِينَ بِباعِثِينَ عَلى طَرِيقِ الفِتْنَةِ إلّا ضالًّا مُسْتَوْجِبًا لِلنّارِ مِثْلَكُمْ، وقُرِئَ «صالُ» بِالضَّمِّ عَلى أنَّهُ جَمْعٌ مَحْمُولٌ عَلى مَعْنى مَن ساقِطٌ واوُهُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، أوْ تَخْفِيفُ صائِلٍ عَلى القَلْبِ كَشاكٍ في شائِكٍ، أوِ المَحْذُوفُ مِنهُ كالمَنسِيِّ كَما في قَوْلِهِمْ: ما بالَيْتُ بِهِ بالَةً، فَإنَّ أصْلَها بالِيَةٌ كَعافِيَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَإِنَّكُمْ} يا أهل مكة {وَمَا تَعْبُدُونَ} ومعبوديكم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّكم وما تعبدون ﴾ ﴿ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ ﴾ ﴿ إلا مَن هو صالِ الجَحِيمِ ﴾ عَوْدٌ إلى خِطابِهِمْ، والفاءُ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ أيْ إذا عَلِمْتُمْ هَذا، أوْ إذا كانَ المُخْلِصُونَ ناجِينَ ﴿ فَإنَّكُمْ ﴾ ...

إلَخْ، والواوُ لِلْعَطْفِ، ﴿ وما تَعْبُدُونَ ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ في ﴿ فَإنَّكُمْ ﴾ ، وضَمِيرُ ( عَلَيْهِ ) لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِفاتِنِينَ، وعُدِّيَ بِعَلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الِاسْتِيلاءِ، وهو اسْتِعارَةٌ مِن قَوْلِهِمْ: فَتَنَ غُلامَهُ أوِ امْرَأتَهُ عَلَيْهِ، إذا أفْسَدَهُ، والباءُ زائِدَةٌ وهو خَبَرُ ما، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن مَفْعُولِ فاتِنِينَ المُقَدَّرِ، ( وأنْتُمْ ) خِطابٌ لِلْكَفَرَةِ ومَعْبُودِيهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ، نَحْوُ: أنْتَ وزَيْدٌ تَخْرُجانِ، أيْ ما أنْتُمْ ومَعْبُودُوكم مُفْسِدِينَ أحَدًا عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِإغْوائِكم إلّا مَن سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ يَصْلاها ويَدْخُلُها لا مَحالَةَ.

وجُوِّزَ كَوْنُ الواوِ هُنا مِثْلُها في قَوْلِهِمْ: كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتُهُ، فَجُمْلَةُ ﴿ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ﴾ إلَخْ، مُسْتَقِلَّةٌ لَيْسَتْ خَبَرًا لِإنَّ، وضَمِيرُ”عليه“ لِما بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِفاتِنِينَ أيْضًا بِتَضْمِينِهِ مَعْنى البَعْثِ أوِ الحَمْلِ، ولا تَغْلِيبَ في الخِطابِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّكم وآلِهَتُكم قُرَناءُ لا تَبْرَحُونَ تَعْبُدُونَها، ثُمَّ قِيلَ: ما أنْتُمْ عَلى عِبادَةِ ما تَعْبُدُونَ بِباعِثِينَ، أوْ حامِلِينَ عَلى طَرِيقِ الفِتْنَةِ والإضْلالِ أحَدًا إلّا مَن سَبَقَ في عِلْمِهِ تَعالى أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ، وظاهِرُ صَنِيعِ بَعْضِهِمْ أنَّ أمْرَ التَّغْلِيبِ في ﴿ أنْتُمْ ﴾ عَلى هَذا عَلى حالِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الظّاهِرَ الِاتِّصالُ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ مَعْنى المَعِيَّةِ، وخَبَرُ إنَّ جُمْلَةُ ﴿ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ﴾ إلَخْ، ويَكُونُ الكَلامُ عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِ الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ عامَلَهُ اللَّهُ تَعالى بِما هو أهْلُهُ يَحُضُّ مُعاوِيَةَ عَلى حَرْبِ الأمِيرِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: فَإنَّكَ والكِتابَ إلى عَلِيٍّ كَدابِغَةٍ وقَدْ حَلِمَ الأدِيمُ قالَ في الكَشْفِ: ومَعْنى الآيَةِ أيْ عَلَيْهِ أنَّكم يا كَفَرَةُ مَعَ مَعْبُودِيكُمْ، لا يَتَسَهَّلُ لَكم إلّا أنْ تَفْتِنُوا مَن هو ضالٌّ مِثْلُكُمْ، وهو بَيانٌ لِخُلاصَةِ المَعْنى، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ العَطْفَ، وكَوْنَ الضَّمِيرِ لِلْعِبادَةِ، وتَضْمِينَ فاتِنِينَ مَعْنى الحَمْلِ، وتَغْلِيبَ المُخاطَبِ عَلى الغائِبِ في ﴿ أنْتُمْ ﴾ وكَوْنَ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ خَبَرَ إنَّ.

وحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمُ القَوْلُ بِأنَّ (عَلى) بِمَعْنى الباءِ والضَّمِيرَ المَجْرُورَ بِهِ (لِما تَعْبُدُونَ) فَتَأمَّلْ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ”صالُو الجَحِيمِ“ بِالواوِ عَلى ما فِيهِ كِتابُ الكامِلِ لِلْهُذَلِيِّ، وفي كِتابِ ابْنِ خالَوَيْهِ عَنْهُما ”صالُ“ بِالضَّمِّ ولا واوَ.

وفي اللَّوامِحِ والكَشّافِ عَنِ الحَسَنِ: ”صالُو الجَحِيمِ“ بِضَمِّ اللّامِ، فَعَلى إثْباتِ الواوِ هو جَمْعُ سَلامَةٍ سَقَطَتِ النُّونُ لِلْإضافَةِ.

وفي الكَلامِ مُراعاةُ لَفْظِ مَن أوَّلًا، ومَعْناها ثانِيًا، كَما هو قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ ﴾ ، وعَلى عَدَمِ إثْباتِها فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ، الأوَّلُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا حُذِفَتِ النُّونُ مِنهُ لِلْإضافَةِ، ثُمَّ واوُ الجَمْعِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وأُتْبِعَ الخَطُّ اللَّفْظَ.

الثّانِي أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا حُذِفَتْ لامُهُ، وهي الياءُ تَخْفِيفًا جُعِلَتْ كالمَنسِي، وجَرى الإعْرابُ عَلى عَيْنِهِ كَما جَرى عَلى عَيْنِ يَدٍ ودَمٍ وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ ﴾ ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَهُ الجَوارِ المُنْشَآتُ ﴾ بِضَمِّ نُونِ (دانٌ) وراءِ (الجَوارُ) وقَوْلُهم ما بالَيْتُ بِهِ بالَةً، فَإنَّ أصْلَ بالَةٍ بالِيَةٌ بِوَزْنِ عافِيَةٍ حُذِفَتْ لامُهُ فَأُجْرِيَ الإعْرابُ عَلى عَيْنِهِ، ولَمّا لَحِقَتْهُ الهاءُ انْتَقَلَ إلَيْها، الثّالِثُ أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا أيْضًا ويَكُونُ أصْلَهُ صائِلٌ عَلى القَلْبِ المَكانِيِّ بِتَقْدِيمِ اللّامِ عَلى العَيْنِ، ثُمَّ حُذِفَتِ اللّامُ المُقَدَّمَةُ وهي الياءُ فَبَقِيَ صالٌ بِوَزْنِ فاعٍ وصارَ مُعْرَبًا كَبابٍ ونَظِيرُهُ شاكٍ الجارِي إعْرابُهُ عَلى الكافِ في لُغَةٍ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً يعني: وصفوا بين الرب، وبين الملائكة نسباً حين زعموا أنهم بناته.

ويقال: جعلوا بينه وبين إبليس قرابة.

وروى جبير عن الضحاك قال: قالت قريش: إن إبليس أخو الرحمن.

وقال عكرمة: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً قالوا: الملائكة بنات الله، وجعلوهم من الجن.

وهكذا قال القتبي.

ثم قال: وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ قال مقاتل والكلبي: يعني: علمت الملائكة الذين قالوا إنهم البنات إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ أن من قال: إنهم بناته لمحضرون في النار.

ويقال: لو علمت الملائكة أنهم لو قالوا بذلك، أدخلوا النار ثم قال عز وجل: سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ يعني: تنزيهاً لله عما يصف الكفار.

ثم استثنى على معنى التقديم والتأخير، يعني: فقال إنهم لمحضرون إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ يعني: الموحدين.

فإنهم لا يقولون ذلك.

ثم قال عز وجل: فَإِنَّكُمْ يا أهل مكة وَما تَعْبُدُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ يعني: ما أنتم عليه بمضلين أحداً بآلهتكم إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ يعني: إلا من قدر الله له أن يصلى الجحيم.

ويقال: إلا من كان في علم الله تعالى أنه يصلى الجحيم.

ويقال: إلا من قدرت عليه الضلالة، وعلمت ذلك منه، وأنتم لا تقدرون على الإضلال والهدى وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ يعني: قل يا جبريل لمحمد  .

وما منا معشر الملائكة إلا له مقام معلوم.

يعني: مصلى معروفاً في السماء، يصلي فيه ويعبد الله تعالى فيه وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ يعني: صفوف الملائكة في السموات.

وروي عن مسروق، عن ابن مسعود قال: إن في السموات لسماء ما فيها موضع شبر إلا وعليه جبهة ملك ساجد.

وروي: أو قدماه.

وروي عن مجاهد عن أبي ذر عن رسول الله  أنه قال: «أطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فيها موضع شبر إلاَّ وَفِيهِ جَبْهَةُ مَلَك سَاجِد» .

ويقال: إن جبريل-  - جاء إلى النبيّ  فقال له: أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ [المزمل: 20] وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ في السموات، يعبد الله عز وجل فيه وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ يعني: المصلين وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ لَوْ أَنَّ عِنْدَنا يعني: إن أهل مكة كانوا يقولون: لو أتانا بكتاب مثل اليهود والنصارى، لكنا نؤمن، فذلك قوله عز وجل: لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ يعني: لو جاءنا رسول لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ يعني: الموحدين.

فلما جاءهم محمد رسول الله  كفروا به.

ويقال: يعني: بالقرآن فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ يعني: يعرفون في الآخرة، وهذا وعيد لهم.

ويقال في الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ: أي: الملائكة أنَّ قائِلي هذه المقالةِ مِنَ الكفرةِ لَمُحْضَرُونَ في النَّارِ، وقيل للحسابِ، والأولُ أوْلَى لأنَّ الإحْضَارَ متَى جَاء في هذه الصُّورة عُنِيَ بهِ العذابُ إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فإنَّهُمْ ناجُونَ مِنَ النَّار، انتهى، وفي البخاريِّ لَمُحْضَرُونَ أي: سيُحْضَرُونَ للحساب، انتهى.

وقوله تعالى: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ بمعنى: قل لهم يا محمد، إنَّكم وأصنَامَكم مَا أَنْتُم بمضلِّينَ أَحَداً بسبَبِها وَعَلْيهَا إلاَّ مَنْ قَدْ سَبَقَ عليه القضاءُ فإنَّه يَصْلَى الجَحِيمَ في الآخرةِ ولَيْسَ لَكُمْ إضْلالُ مَنْ هَدَى اللَّهُ تعالى، وقالت فرقة: عَلَيْهِ بمعنى: «به» والفَاتِنُ: المُضِلُّ في هذا الموضعِ وكذلك فسَّره ابن عَباس وغيره «١» ، وحذفت اليَاءُ مِنْ صالِ للإضَافةِ.

ثم حكى- سبحانه- قولَ الملائِكَةِ وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ وهذا يؤيِّدُ أَن الجِنَّةَ أرادَ بِها الملائِكةَ، وتقديرُ الكلامَ وما منا ملك، وروت عائشة- رضي الله تعالى عنها- عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أَنَّ السَّمَاءَ مَا فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلاَّ وَفِيهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ وَاقِفٌ يُصَلِّي» ، وَعَنِ ابن مسعود وغيره نحوه «٢» .

والصَّافُّونَ معناه: الواقفون صفوفا، والْمُسَبِّحُونَ، يحتملُ أن يرِيدَ بِه الصَّلاَة، ويحتملُ أنْ يريدَ قَولَ: سبحَان اللَّهِ، قال الزَّهْرَاوِيُّ: قيل: إن المسْلِمِينَ إنما اصْطَفُّوا في الصلاةِ مُذْ نَزَلَتْ هذهِ الآيةُ، ولا يصطفُّ أحَدٌ من أهلِ المِلَلِ غَيْرُ المسلِمينَ، ثمَّ ذكرَ تعالى مَقَالَةَ بَعْضِ الكفارِ، قال قتادةُ وغيرُه: فإنهم قبل نبوّة نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، قالوا: لو كَانَ لَنَا كتابٌ أو جاءَنا رسولٌ، لَكُنا عِبَادَ اللَّهِ المخْلَصِينَ، فلما جَاءهم محمّد كفروا به، فسوف

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْتَفْتِهِمْ ﴾ أيْ سَلْ أهْلَ مَكَّةَ سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيرٍ، لِأنَّهم زَعَمُوا أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ ﴿ وَهم شاهِدُونَ ﴾ أيْ: حاضِرُونَ.

﴿ ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ ﴾ أيْ: كَذِبُهم ﴿ لَيَقُولُونَ ﴾ ﴿ وَلَدَ اللَّهُ ﴾ حِينَ زَعَمُوا أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أصْطَفى البَناتِ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: هَذا اسْتِفْهامٌ فِيهِ تَوْبِيخٌ لَهُمْ، وقَدْ تُطْرَحُ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ مِنَ التَّوْبِيخِ، ومِثْلُهُ: ﴿ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ  ﴾ ، و "أذْهَبْتُمْ" يُسْتَفْهَمُ بِها ولا يُسْتَفْهَمُ، ومَعْناهُما واحِدٌ.

وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ المُسَيِّبِ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ جَمّازٍ عَنْ نافِعٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "وَإنَّهم لَكاذِبُونَ اصْطَفى" بِالوَصْلِ غَيْرِ مَهْمُوزٍ ولا مَمْدُودٍ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهو عَلى [وَجْهِ] الخَبَرِ، كَأنَّهُ قالَ: اصْطَفى البَناتَ عَلى البَنِينَ كَما يَقُولُونَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ لِلَّهِ بِالبَناتِ ولِأنْفُسِكم بِالبَنِينَ؟!

﴿ أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ ﴾ أيْ: حُجَّةٌ [بَيِّنَةٌ] عَلى ما تَقُولُونَ، ﴿ فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ ﴾ الَّذِي فِيهِ حُجَّتِكم.

﴿ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهم قالُوا: هو وإبْلِيسُ أخَوانِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ قالَ الماوَرْدِيُّ: وهو قَوْلُ الزَّنادِقَةِ والَّذِينَ يَقُولُونَ: الخَيْرُ مِنَ اللَّهِ، والشَّرُّ مِن إبْلِيسَ.

والثّانِي: أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، والجَنَّةُ صِنْفٌ مِنَ المَلائِكَةِ يُقالُ لَهُمُ: الجَنَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّ اليَهُودَ قالَتْ: إنَّ اللَّهَ تَعالى تَزَوُّجَ إلى الجِنِّ فَخَرَجَتْ مِن بَيْنِهِمُ المَلائِكَةُ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ السّائِبِ.

فَخَرَجَ في مَعْنى الجَنَّةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ.

والثّانِي: الجِنُّ.

فَعَلى الأوَّلِ، يَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ ﴾ أيْ: عَلِمَتِ المَلائِكَةُ ﴿ إنَّهُمْ ﴾ أيْ: إنَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ ﴿ لَمُحْضَرُونَ ﴾ النّارَ.

وَعَلى الثّانِي، ["وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجَنَّةُ] إنَّهُمْ" أيْ: إنَّ الجِنَّ أنْفُسَها "لَمُحْضَرُونَ" الحِسابَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ ﴾ يَعْنِي المُوَحِّدِينَ.

وفِيما اسْتَثْنَوْا مِنهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ اسْتَثْنَوْا مِن حُضُورِ النّارِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: مِمّا يَصِفُ أُولَئِكَ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ السّائِبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّكُمْ ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ ﴿ وَما تَعْبُدُونَ ﴾ مِن دُونِ اللَّهِ، ﴿ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ﴾ أيْ: عَلى ما تَعْبُدُونَ ﴿ بِفاتِنِينَ ﴾ أيْ: بِمُضِلِّينَ أحَدًا، ﴿ إلا مَن هو صالِ الجَحِيمِ ﴾ أيْ: مَن سَبَقَ لَهُ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهُ يَدْخُلُ النّارَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ ﴾ ﴿ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ ﴾ ﴿ إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ ﴾ ﴿ فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ ﴾ ﴿ إلا مَن هو صالِ الجَحِيمِ ﴾ ﴿ وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ ﴾ ﴿ وَإنّا لَنَحْنُ الصافُّونَ ﴾ ﴿ وَإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ ﴾ ﴿ وَإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ ﴾ ﴿ لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ لَكُنّا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَجَعَلُوا" ﴾ لِفِرْقَةٍ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في كِتابِ الطَبَرِيِّ: إنَّ بَعْضَهم قالَ: إنَّ اللهَ وإبْلِيسَ أخَوانِ، وقالَ مُجاهِدٌ: قالَ قَوْمٌ لِأبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ: إنَّ اللهَ تَعالى نَكَحَ في سَرَواتِ الجِنِّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُهُ، فـَ "الجِنَّةُ" عَلى هَذا القَوْلِ الأخِيرِ يَقَعُ عَلى المَلائِكَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها مُسْتَجِنَّةً، أيْ: مُسْتَتِرَةً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ ﴾ .

مَن جَعَلَ "الجِنَّةَ" الشَياطِينَ جَعَلَ العَلامَةَ في ﴿ "عَلِمَتِ"، ﴾ والضَمِيرَ في ﴿ "إنَّهُمْ" ﴾ عائِدًا عَلَيْهِمْ.

أيْ: جَعَلُوا الشَياطِينَ لَيْسَتْ مِنَ اللهِ، والشَياطِينُ تَعْلَمُ ضِدَّ ذَلِكَ مِن أنَّها سَتَحْضُرُ أمْرَ اللهِ وثَوابَهُ وعِقابَهُ.

ومِن جَعَلَ "الجِنَّةَ" المَلائِكَةَ جَعَلَ الضَمِيرَ في "إنَّهُمْ" لِلْقائِلِينَ هَذِهِ المَقالَةِ، أيْ: عَلِمَتِ المَلائِكَةُ أنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ سَيَحْضُرُونَ ثَوابَ اللهِ وعِقابَهُ، وقَدْ يَتَداخَلُ هَذانَ القَوْلانِ.

ثُمَّ نَزَّهَ تَبارَكَ وتَعالى نَفْسَهُ عَمّا يَصِفُهُ الناسُ ولا يَلِيقُ بِهِ، ومِن هَذا اسْتَثْنى العِبادَ المُخْلَصِينَ؛ لِأنَّهم يَصِفُونَهُ بِصِفاتِهِ العُلى، وقالَتْ فِرْقَةٌ: اسْتَثْناهم مِن قَوْلِهِ: ﴿ "لَمُحْضَرُونَ"، ﴾ وهَذا يَصِحُّ عَلى قَوْلِ مَن رَأى ﴿ "الجِنَّةِ" ﴾ المَلائِكَةَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ﴾ بِمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدٌ: إنَّكم وأصْنامَكم ما أنْتُمْ بِمُضِلِّينَ أحَدًا بِسَبَبِها، إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَضاءُ وضَمَّهُ القَدَرُ، بِأنَّهُ يَصْلى الجَحِيمَ في الآخِرَةِ، ولَيْسَ عَلَيْكم إضْلالُ مِن هَدى اللهُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "عَلَيْهِ" بِمَعْنى "فِيهِ"، و"الفاتِنُ": المُضِلُّ في هَذا المَوْضِعِ، وكَذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقالَ ابْنُ الزُبَيْرِ عَلى المِنبَرِ: "إنَّ اللهَ هو الهادِي والفاتِنُ"، و"مَن" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ"فاتِنِينَ".

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "صالِ الجَحِيمِ" ﴾ بِكَسْرِ اللامِ مِن "صالِ"، حُذِفَتِ الياءُ لِلْإضافَةِ.

وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "صالُ الجَحِيمِ" بِضَمِّ اللامِ، ولِلنُّحاةِ في مَعْناهُ اضْطِرابُ أقْوالٍ، وأقْواها أنَّهُ "صالُونَ" حُذِفَتِ النُونُ لِلْإضافَةِ، ثُمَّ حُذِفَتِ الواوُ لِلِالتِقاءِ، وخَرَجَ لَفْظُ الجَمِيعِ بَعْدَ لَفْظِ الإفْرادِ، فَهو كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ  ﴾ ، إذْ لَمّا كانَتْ (مَن) وهي مِنَ الأسْماءِ الَّتِي فِيها إبْهامٌ ويُكَنّى بِها عن أفْرادٍ وجَمْعٍ.

ثُمَّ حَكى قَوْلَ المَلائِكَةِ: ﴿ وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ ﴾ ، وهَذا يُؤَيِّدُ أنَّ "الجِنَّةَ" أرادَ بِها المَلائِكَةَ، كَأنَّهُ قالَ ولَقَدْ عَلِمَتْ كَذا، وإنَّ قَوْلَنا لِكَذا، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: ما مِنّا مَلَكٌ، ورَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها عَنِ النَبِيِّ  : « "إنَّ السَماءَ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا وعَلَيْهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ أو قَدَماهُ"،» وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَإنَّ كُلُّنا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ".

و"الصافُّونَ" مَعْناهُ: الواقِفُونَ صُفُوفًا، و"المُسَبِّحُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الصَلاةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ قَوْلَ: "سُبْحانَ اللهِ"، ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ كانَ إذا أُقِيمَتِ الصَلاةُ صَرَفَ وجْهَهَ إلى الناسِ فَيَقُولُ لَهُمْ: عَدِّلُوا صُفُوفَكم وأقِيمُوها، فَإنَّ اللهَ إنَّما يُرِيدُ بِكم هَدْيَ المَلائِكَةِ، فَإنَّها تَقُولُ: ﴿ وَإنّا لَنَحْنُ الصافُّونَ ﴾ ﴿ وَإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ ﴾ ، ثُمَّ يَرى تَقْوِيمَ الصُفُوفِ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَنْصَرِفُ ويُكَبِّرُ، قالَ الزَهْراوِيُّ: قِيلَ: إنَّ المُسْلِمِينَ إنَّما اصْطَفُّوا مُنْذُ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ولا يَصْطَفُّ أحَدٌ مِن أهْلِ المِلَلِ غَيْرِ المُسْلِمِينَ.

ثُمَّ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ: مَقالَةَ بَعْضِ الكُفّارِ، وقالَ قَتادَةُ، والسُدِّيُّ، والضَحّاكُ: فَإنَّهم قَبْلَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ  قالُوا: لَوْ كانَ لَنا كِتابٌ أو جاءَنا رَسُولٌ لَكُنّا مِن أتْقى عِبادِ اللهِ وأشَدِّهِمْ إخْلاصًا، فَلَمّا جاءَهم مُحَمَّدٌ كَفَرُوا فاسْتَوْجَبُوا ألِيمَ العِقابِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عُقب قولهم في الملائكة والجن بهذا لأن قولهم ذلك دعاهم إلى عبادة الجن وعبادة الأصنام التي سوّلها لهم الشيطان وحرّضهم عليها الكهانُ خدَمَةُ الجنّ فعقب ذلك بتأييس المشركين من إدخال الفتنة على المؤمنين في إيمانهم بما يحاولون منهم من الرجوع إلى الشرك، أو هي فاء فصيحة، والتقدير: إذا علمتم أن عباد الله المخلصين منزّهون عن مثل قولكم، فإنكم لا تفتنون إلا من هو صالي الجحيم.

فيجوز أن يكون هذا الكلام داخلاً في حيز الاستفتاء من قوله: ﴿ فاستفتهم ألربك البنات ﴾ [الصافات: 149] الآية.

ويجوز أن يكون تفريعاً على قوله: ﴿ وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً ﴾ [الصافات: 158] الآية.

والواو في قوله: ﴿ وما تعبُدُونَ ﴾ واو العطف أو واو المعية وما بعدها مفعول معه والخبر هو ﴿ ما أنتم عليه بفاتِنينَ ﴾ .

وضمير ﴿ أنتُمْ ﴾ خطاب للمشركين مثل ضمير «إنكم».

والمعنى: أنكم مصطحبين بالجن الذين تعبدونهم لا تَفتنون أحداً.

ووجه ذكر المفعول معه أنهم كانوا يموهون للناس أن الجن تنفع وتضر وأن الأصنام كذلك وكانوا يخوّفون الناس من بأسها وانتقامها كما قالت امرأة الطفيل بن عَمرو الدوسي لما أسلم ودعاها إلى الإسلام «ألا تخشى على الصِبية من ذي الشّرى؟

قال: لا» فأسلمتْ وكانوا يزعمون أن من يسبّ الأصنام يصيبه البرص أو الجذام.

قال ابن إسحاق: لما قدم ضمام بن ثعلبة وافدُ بني سعد بننِ بكر على قومه من عند النبي صلى الله عليه وسلم قال في قوله: باسَت اللاتُ والعُزى.

فقالوا: يا ضمام اتق الجذام اتق الجنون.

ولا يستقيم أن تكون الواو عاطفة لأن الأصنام لا يسند إليها الإِفتان.

وجوّز في «الكشاف» أن يكون قوله: ﴿ وما تعبدونَ ﴾ مفعولاً معه سادّاً مسدّ خبر (إن)، والمعنى: فإنكم مع ما تعبدون، أي فإنكم قرناء لآلهتكم لا تبرحون تَعبدونها، وهذا كما يقولون «كل رجل وضيعتَه» أي مع ضيعته، أي مقارن لها.

و ﴿ ما تعبدون ﴾ صادق على الجن لقوله تعالى: ﴿ وجعلوا لله شركاء الجن ﴾ [الأنعام: 100] لأن الجن تَصدر منهم فتنة الناس بالإِشراك دون الأصنام إذ لا يتصور ذلك منها قال تعالى: ﴿ ويوم نحشرهم وما يعبدون من دون اللَّه فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء ﴾ [الفرقان: 17] الآية.

وضمير ﴿ عَلَيْهِ ﴾ يجوز أن يكون عائداً إلى اسم الجلالة في قوله: ﴿ ليقولون ولَدَ الله ﴾ [الصافات: 151- 152] أو في قوله: ﴿ إلاَّ عباد الله ﴾ [الصافات: 160]، ويجوز أن يعود إلى ﴿ ما تعبدون ﴾ بمراعاة إفراد اسم الموصول وهو وحذف مفعول فاتنين } لقصد العموم.

والتقدير: بفاتنين أحداً، ومعياره صحة الاستثناء في قوله: ﴿ إلاَّ من هُو صَاللِ الجحيم ﴾ فالاستثناء مفرغ والمستثنى مفعول ﴿ بفاتِنِينَ ﴾ .

وحرف (على) يتعلق ب«فاتنين» إمّا لتضمين «فاتنين» معنى مفسدين إن كان الضمير المجرور بها عائداً إلى اسم الجلالة كما يقال: فسد العبدُ على سيّده وخَلّق فلان المرأةَ على زوجها، وتكون (على) للاستعلاء المجازي لأن تضمين مفسدين فيه معنى الغلبة.

وإما لتضمينه معنى حاملين ومسؤولين ويكون (على) بمعنى لام التعليل كقوله: ﴿ ولتكبروا اللَّه على ما هداكم ﴾ [البقرة: 185] ويكون تقدير مضاف بين (على) ومجرورها تقديره: على عبادة ما تعبدون، والمعنى: أنكم والشياطين لا يتبعكم أحد في دينكم إلا من عرض نفسه ليكون صاليَ الجحيم، وهذا في معنى قوله تعالى: ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلاّ من اتّبعك من الغاوين وإن جهنم لموعدهم أجمعين ﴾ [الحجر: 42- 43].

(ورسم في المصحف ﴿ صَاللِ الجحيمِ ﴾ بدون ياء بعد اللام اعتباراً بحالة الوصل فإن الياء لا ينطق بها فرسمه كاتبُ المصحف بمثل حالة النطق، ولذلك ينبغي أن لا يوقف على <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ ﴾ أيْ بِمُضِلِّينَ، قالَ الشّاعِرُ: فَرَدَّ بِنِعْمَتِهِ كَيْدَهُ عَلَيْهِ وكانَ لَها فاتِنًا أيْ: مُضِلًّا فَكانُوا مُضِلِّينَ لِمَن يَدْعُونَهُ إلى عِبادَتِها.

﴿ إلا مَن هو صالِ الجَحِيمِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إلّا مَن سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ يَصْلى الجَحِيمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما مِنّا مَلَكٌ إلّا لَهُ في السَّماءِ مَقامٌ مَعْلُومٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: ما حَكاهُ قَتادَةُ قالَ: كانَ يُصَلِّي الرِّجالُ والنِّساءُ جَمِيعًا حَتّى نَزَلَتْ ﴿ وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ ﴾ قالَ فَتَقَدَّمَ الرِّجالُ وتَأخَّرَ النِّساءُ.

وَيُحْتَمَلُ إنْ لَمْ يَثْبُتْ هَذا النَّقْلُ.

ثالِثًا: وما مِنّا يَوْمَ القِيامَةِ إلّا مَن لَهُ فِيها مَقامٌ مَعْلُومٌ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ يَقِفُونَ صُفُوفًا في السَّماءِ، قِيلَ حَوْلَ العَرْشِ يَنْتَظِرُونَ ما يُؤْمَرُونَ بِهِ، وقِيلَ في الصَّلاةِ مُصْطَفِّينَ.

وَحَكى أبُو نَضْرَةَ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ قالَ: يُرِيدُ اللَّهُ بِكم هَدْيَ المَلائِكَةِ ﴿ وَإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ ﴾ تَأخَّرْ يا فُلانُ، تَقَدَّمْ يا فُلانُ ثُمَّ يَتَقَدَّمُ فَيُكَبِّرُ.

الثّانِي: ما حَكاهُ أبُو مالِكٍ قالَ: «كانَ النّاسُ يُصَلُّونَ مُتَبَدِّدِينَ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ وَإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ ﴾ فَأمَرَهُمُ النَّبِيُّ  أنْ يَصْطَفُّوا.

» وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المُصَلُّونَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: المُنَزِّهُونَ اللَّهَ عَمّا أضافَهُ إلَيْهِ المُشْرِكُونَ أيْ فَكَيْفَ لا تَعْبُدُونَهُ ونَحْنُ نَعْبُدُهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ فإنكم ﴾ يا معشر المشركين ﴿ وما تعبدون ﴾ يعني الآلهة ﴿ ما أنتم عليه بفاتنين ﴾ بمصلين ﴿ إلا من هو صال الجحيم ﴾ يقول: إلا من سبق في علمي أنه سيصلى الجحيم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم واللالكائي في السنة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم ﴾ يقول: لا تضلون أنتم، ولا أضل منكم إلا من قضيت عليه أنه صال الجحيم.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما أنتم عليه بفاتنين ﴾ قال: بمضلين.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن رضي الله عنه ﴿ ما أنتم عليه بفاتنين ﴾ قال: بمضلين ﴿ إلا من هو صال الجحيم ﴾ إلا من قدر له أن يصلى الجحيم.

وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم التيمي وعمر بن عبد العزيز والضحاك، مثله.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه في الآية قال: لا يفتنون إلا من يصلى الجحيم، ولا يفتنون المؤمن، ولا يسلطون عليه.

وأخرج عبد بن حميد والبيهقي في الأسماء والصفات عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قال: لو أراد الله أن لا يعصى ما خلق إبليس، ثم قرأ ﴿ ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه في الآية قال: يا بني إبليس إنكم لن تقدروا أن تفتنوا أحداً من عبادي، إلا من سيصلى الجحيم.

وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال: لا يفتنون ﴿ إلا من هو صال الجحيم ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

ثم خاطب كفار مكة بقوله: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (161) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ معنى الفتنة هاهنا الإضلال في قول جميعهم.

قال الفراء: وأهل الحجاز يقولون: فتنت الرجل، وأهل نجد أفتنته (١) ﴿ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ ﴾ قال الزجاج: ما أنتم عليه بمضلين إلا من أضله الله (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (١) "معاني القرآن" 2/ 394.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 315.

(٣) "تفسير مقاتل" 114ب.

(٤) انظر: "الطبري" 23/ 159، "الماوردي" 5/ 72، "معاني القرآن" للنحاس 6/ 67.

(٥) في (ب): (تلا).

(٦) انظر: "الطبري" 23/ 110، "تفسير الثعلبي" 3/ 253 ب، وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 134، وعزاه لعبد بن حميد، والبيهقي في "الأسماء والصفات".

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الجحيم ﴾ هذا خطاب للكفار والمراد بما ﴿ تَعْبُدُونَ ﴾ الأصنام وغيرها وما تعبدون عطف على الضمير في إنكم ويجوز أن تكون الواو بمعنى مع ومعنى ﴿ فَاتِنِينَ ﴾ مضلين والضمير في عليه يعود على ما تعبدون وعلى سببية معناها التعليل و ﴿ مَنْ هُوَ ﴾ مفعول بفاتنين والمعنى: إنكم أيها الكفار وكل ما تعبدونه لا تضلون أحداً إلا من قضى الله أن يصلى الجحيم، أي لا تقدرون على إغواء الناس إلا بقضاء الله وقال الزمخشري: الضمير في عليه يعود على الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يزفون ﴾ بضم الياء وكسر الزاي: حمزة.

الباقون: بفتح الياء ﴿ إني أرى ﴾ ﴿ إني أذبحك ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابو عمرو.

﴿ وترى ﴾ بضم التاء وكسر الراء: علي وخلف وحمزة.

﴿ ستجدني ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع ﴿ وإن إلياس ﴾ موصولاً كهمزة الوصل: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

الآخرون: بكسر الهمزة ﴿ الله ربكم ورب ﴾ بالنصب في ثلاثتها على البدل: سهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد والمفضل.

الباقون: برفعها على الابتداء والخبر.

﴿ آل ياسين ﴾ ابن عامر ونافع ورويس.

الآخرون ﴿ إلياسين ﴾ كأنه جمع إلياس ﴿ لكاذبون اصطفى ﴾ موصلاً والابتداء بكسر الهمزة: يزيد وإسماعيل والأصبهاني عن ورش الباقون: بفتحها في الحالين.

الوقوف: ﴿ لإبراهيم ﴾ ه ط لأن التقدير "واذكر".

وجوز في الكشاف أن يتعلق الظرف بما في الشيعة من معنى المتابعة فلا وقف ﴿ سليم ﴾ ه ﴿ تعبدون ﴾ ه ج للابتداء بالاستفهام مع اتحاد المقول ﴿ تريدون ﴾ ه ط لاستفهام آخر ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ في النجوم ﴾ ه لا للفاء واتحاد المعنى ﴿ سقيم ﴾ ه ﴿ مدبرين ﴾ ه ﴿ تأكلون ﴾ ه ج للاستفهام مع الاتحاد كما مر ﴿ لا تنطقون ﴾ ه ﴿ باليمين ﴾ ه ﴿ يزفون ﴾ ه ﴿ تنحتون ﴾ ه لا لأن الواو للحال ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ في الجحيم ﴾ ه ﴿ الأسفلين ﴾ ه ﴿ سيهدين ﴾ ه ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ حليم ﴾ ه ﴿ ماذا ترى ﴾ ط ﴿ ما تؤمر ﴾ ز للسين مع اتصال المقول ﴿ الصابرين ﴾ ه ﴿ للجبين ﴾ ه ج لاحتمال أن الواو مقحمة ﴿ وناديناه ﴾ جواب "لما"، ولاحتمال أن الجواب محذوف أي قبلنا منه وناديناه ﴿ يا إبراهيم ﴾ ه لا ﴿ الرؤيا ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده داخل في حكم النداء أو مستأنف ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ في الآخرين ﴾ ه لا ﴿ إبراهيم ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ إسحق ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ وهارون ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ العظيم ﴾ ه ج لذلك ﴿ الغالبين ﴾ ه لا ﴿ المستبين ﴾ ه ج ﴿ المستقيم ﴾ ه ج ﴿ في الآخرين ﴾ ه لا ﴿ وهارون ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه لا وجه صحيح وإن لم يكن مقصوداً فلهذا لم يكن الوقف لازماً.

﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ الخالقين ﴾ ه لا لمن قرأ ﴿ الله ﴾ بالنصب ﴿ الأوّلين ﴾ ه ﴿ لمحضرون ﴾ ه ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ في الآخرين ﴾ ه لا ﴿ الياسين ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه لا ﴿ الغابرين ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه ﴿ مصبحين ﴾ ه لا ﴿ وبالليل ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه لا ﴿ المشحون ﴾ ه لا ﴿ المدحضين ﴾ ه ج لحق المحذوف مع الفاء ﴿ مليم ﴾ ه ﴿ من المسبحين ﴾ ه لا ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ سقيم ﴾ ه ج ﴿ يقطين ﴾ ه ج ﴿ أو يزيدون ﴾ ه ط ﴿ إلى حين ﴾ ه ط ﴿ البنون ﴾ ه ط ﴿ شاهدون ﴾ ه ﴿ ليقولون ﴾ ه لا ﴿ ولد الله ﴾ لا تعجيلاً لتكذيبهم ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ البنين ﴾ ه ط لابتداء استفهام آخر ﴿ تحكمون ﴾ ه ﴿ تذكرون ﴾ ه ج لأن "أم" تصلح استئنافاً ﴿ مبين ﴾ ه لا لتعجيل أمر التعجيز ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ نسباً ﴾ ط ﴿ لمحضرون ﴾ ه لا لتعلق الاستثناء و ﴿ سبحان الله ﴾ معترض ﴿ يصفون ﴾ ه ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ تعبدون ﴾ ه لا ﴿ بفاتنين ﴾ ه لا ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ معلوم ﴾ ه ﴿ الصافون ﴾ ه ج للعطف مع الاتفاق ﴿ المسبحون ﴾ ه ج ﴿ ليقولون ﴾ ه لا ﴿ من الأوّلين ﴾ ه لا ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه لأن ما بعده يصلح ابتداء مقولاً للكلمة ﴿ المنصورون ﴾ ه ص لعطف الجملتين المفقتين ﴿ الغالبون ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه لا للعطف ولشدة اتصال المعنى ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ يستعجلون ﴾ ه ﴿ المنذرين ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه لا ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ عما يصفون ﴾ ه ج لعطف جملتين مختلفتين ﴿ المرسلين ﴾ ه ج للابتداء بالحمد الذي به يبتدأ الكلام وإليه ينتهي مع اتفاق الجملتين ﴿ العالمين ﴾ ه.

التفسير: الضمير في ﴿ شيعته ﴾ يعود إلى نوح والمراد أن إبراهيم ممن شايع نوحاً على أصول الدين أو على التصلب في الدين.

وقال الكلبي: واختاره الفراء إنه يعود إلى محمد أي هو على منهاجه ودينه وإن كان إبراهيم سابقاً والأوّل لتقدّم ذكر نوح.

ولما روي عن ابن عباس معناه من أهل دينه وعلى سنته وما كان بين نوح وإبراهيم إلا نبيان: هود وصالح، وبين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة.

ومعنى ﴿ جاء ربه ﴾ أقبل بقلبه على الله وأخلص العمل له.

والقلب السليم قد مرّ في "الشعراء".

ثم ذكر من جملة آثار سلامة قلبه أن دعا أباه وقومه إلى التوحيد.

ومعنى ﴿ ماذا تعبدون ﴾ أي شيء تعبدونه كقوله في "الشعراء" ﴿ وما تعبدون  ﴾ سألهم عن جنس معبوديهم ثم وبخهم على ذلك بقوله ﴿ أئفكاً ﴾ هو مفعول له قدم للعناية كما قدم المفعول به على الفعل لذلك فإنه كان الأهم عنده أن يكافحهم ويعنفهم على شركهم وأنهم على إفك وباطل.

ويجوز أن يكون ﴿ إفكاً ﴾ حالاً معنى أو مفعولاً به ﴿ آلهة ﴾ بدل منه على أنها إفك في أنفسها.

﴿ فما ظنكم برب العالمين ﴾ حتى جعلتم الجمادات أنداداً له أو حسبتم أنه يهمل أمركم ولا يعاقبكم، وفيه أنه لا يقدر في وهم ولا ظن ما يصدر عن عبادته.

وفي قوله ﴿ إني سقيم ﴾ قولان: الأوّل أنه صدر منه كذباً لمصلحة رأى فيه، ولما جاء في الحديث "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات: قوله: ﴿ إني سقيم ﴾ وقوله ﴿ بل فعلهم كبيرهم ﴾ وقوله لسارة إنها أختي" وقد سبق تقرير ذلك في الأنبياء.

والثاني وهو الأقوى أنه كلام صادق لأن الكذب قبيح وإن اشتمل على مصلحة.

وأما الحديث فنسبه الراوي إلى الكذب أولى من نسبة نبي الله إلى ذلك.

وفي التوجيه وجوه: الأوّل إن النظر في النجوم يريد به النظر في علم النجوم وأحكامها وكتبها وذلك ليس بحرام ولا سيما في ذلك الشرع فليس فيه إلا اعتقاد أنه  خص كل واحد من الكواكب بقوّة وخاصية يظهر بها منه أثر مخصوص، والإنسان لا نيفك في أكثر أحواله عن حصول حالة مكروهة له، إما في بدنه أو في قلبه، فلعل به سقماً كالحمى الثابتة، أو أراد سيسقم لأمارة نجومية، أو أراد به الموت الذي يلحقه لا محالة ولا داء أعي منه.

الثاني: أن المراد بالنجوم ما جاء في قوله ﴿ فلما جن عليه الليل رأى كوكباً ﴾ إلى آخر الآية.

أي نظر فيها ليعرف أحوالها وأنها قديمة أو محدثة.

وقوله ﴿ إني سقيم ﴾ أي سقيم القلب غير عارف بربي وكان ذلك قبل البلوغ، أو سقيم النفس لكفركم.

الثالث: إن النجوم النبات أي فنظر فيها متحرياً منها ما فيه شفاء لسقمهم وهمهم أن به ذلك وكان به.

وقال الأزهري عن أحمد بن يحيى: النجوم جمع نجم وهو كل ما تفرق ومنه نجوم الكتابة أي نظر في متفرقات كلامهم وأحوالهم حتى يستخرج منه حيلة فلم يجد عذراً أحسن من قوله ﴿ إني سقيم ﴾ قال المفسرون: كان الطاعون أغلب الأسقام عليهم فظنوا أن به ذلك فتركوه في بيت الأصنام مخافة العدوى وهربوا إلى عيدهم وذلك قوله  ﴿ فتولوا عنه مدبرين فراغ إلى آلهتهم ﴾ ذهب إليها في خفية حتى لا يرى فكأنه رجع إليها مراوغاً قومه من روغان الثعلب.

وقيل: راغ بقوله ﴿ إني سقيم ﴾ حتى خلا بها وسماها آلهة على زعمهم.

وقوله ﴿ ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون ﴾ استهزاء بها وكان عندها طعام زعموا أنها تأكل منه.

وقيل: وضع الطعام ليبارك فيه.

وروى أن سدنتها كانوا يأكلون ما يوضع عندها من الطعام وينطقون عند الضعفة عن لسانها يوهمون أنها تأكل وتنطق.

وإنما جاء في هذه السورة ﴿ فقال ألا تأكلون ﴾ بالفاء وفي "الذاريات" ﴿ قال ألا تأكلون ﴾ بغير الفاء لأنه قصد من أول الأمر تقريع من زعم أنها تأكل وتشرب، وفي الذاريات" يستأنف تقديره: قربه إليهم فلم يأكلوها فلما رآهم لا يأكلون فقال ألا تأكلون.

﴿ فراغ عليهم ﴾ عداه بعلى لأن الميل الأول كان على سبيل الرفق استهزاء، وهذا كان بطريق العنف والقهر وهذا كما يقال في المحبوب: مال إليه.

وفي المكروه: مال عليه.

وقوله ﴿ ضرباً ﴾ مصدر راغ من غير لفظه أو لفعل محذوف أو حال أي بضرب ضرباً أو ضارباً.

ومعنى ﴿ باليمين ﴾ اي باليد اليمنى لأنها أقوى على الأعمال أو باقوّة مجازاً، أو بسبب الحلف وهو قوله ﴿ تالله لأكيدن أصنامكم ﴾ ﴿ فأقبلوا إليه ﴾ أي إلى إبراهيم ﴿ يزفون ﴾ بمشون على سرعة.

وزفيف النعامة ابتداء عدوها.

ومن قرأ بضم الياء فإما لازم من أزف إذا صار إلى حال الزفيف، أو متعدٍ والمفعول محذوف أي يزفون دوابهم أو بعضهم بعضاً وقد مر نظيره في التوبة في قوله ﴿ ولأوضعوا خلالكم  ﴾ قال بعض الطاعنين، قوله ﴿ فأقبلوا إليه ﴾ دل على أنهم عرفوا كاسر أصنامهم.

وقوله في "الأنبياء" ﴿ أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم  ﴾ دل على أنهم لم يعرفوا الكاسر فبينهما تناقض.

وأجيب بأن هؤلاء غير أولئك فالذين عرفوه ذهبوا إليه مسرعين، والذين لم يعرفوه بعد استخبروا عنه.

على أن قوله ﴿ فأقبلوا إليه ﴾ لا دلالة له على أنهم عرفوا أن الكاسر هو إبراهيم فلعلهم أقبلوا إليه لأجل السؤال عن الكاسر.

وحين عاتبوه على فعله أراد أن يبين لهم فساد طريقتهم فـ ﴿ ـقال أتعبدون ما تنحتون ﴾ وذلك أن الناحت لم يحدث فيه إلا صورة معينة فيكون معناه أن الشيء الذي لم يكن معبوداً لي صار بسبب تصرفي فيه معبوداً لي وفساد هذا معلوم بالبديهة، احتج جمهور الأشاعرة بقوله ﴿ والله خلقكم وما تعملون ﴾ على أن العبد ليس خالق أعماله لأن المعنى خلقكم وأعمالكم.

وزيف بأن "ما" موصولة لتناسب قرينتها في قوله ﴿ ما تنحتون ﴾ وليتوجه التوبيخ ولكيلا يلزم التناقض فإن النحت عملهم.

والصحيح أن الآية كقوله ﴿ بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن  ﴾ أي فطر الأصنام: ثم إن إبراهيم لما ألقمهم الحجر بهذا القول وألزمهم عدلوا إلى طريقة الإيذاء و ﴿ قالوا ابنوا له بنياناً ﴾ قال ابن عباس: بنوا حائطاً من حجارة طوله في السماء ثلاثون ذراعاً وعرضه عشرون.

وتقدير الآية: ابنوا له بنياناً واملؤه ناراً وألقوه فيها.

والجحيم النار العظيمة.

ومعنى الفاء في قوله ﴿ فأرادوا ﴾ كقوله ﴿ أهلكناها فجاءها بأسنا  ﴾ كأنه قيل: فبنوا البنيان وملؤه ناراً وألقوه فنجيناه منها.

وقد صح أنهم أرادوا به كيداً ﴿ فجعلناهم الأسفلين ﴾ الأذلين وأما في الأنبياء فلم يقصد هذا الترتيب فاقتصر على الواو العاطفة.

وإنما اختصت هذه السورة بقوله ﴿ الأسفلين ﴾ لأنه ذكر أنهم بنوا بنياناً عالياً فكان ذكر السفل في طباقه أنسب.

ثم ذكر بقية قصة إبراهيم وقوله ﴿ إني ذاهب إلى ربي ﴾ كقوله في "العنكبوت" ﴿ إني مهاجر إلى ربي  ﴾ وإنما حكم بقوله ﴿ سيهدين ﴾ ربي إلى ما فيه صلاحي في الدارين اعتماداً على فضل الله أو عرف ذلك بالوحي.

وحين هاجر إلى الرض المقدسة أراد الولد فقال ﴿ رب هب لي من الصالحين ﴾ والله  بين استجابته بقوله ﴿ فبشرناه بغلام حليم ﴾ وصف الغلام بالعلم في سورة الحجر وبالحلم ههنا.

فذهب العلماء إلى أنه أراد بغلام عليم في صغره حليم في كبره، فإن الصبي لا يوصف بالحلم ومن هنا انطوت البشارة على معان ثلاثة: أحدها أن الولد ذكر، والثاني أنه يبلغ أوان الحلم، والثالث أنه يكون حليماً، وأيّ حلم أعظم من استمساكه حين عرض أبوه عليه الذبح فقال ﴿ ستجدني إن شاء الله من الصابرين ﴾ وفيه أن ولده قائم مقامه في الشرف والفضيلة فوصفه بالحلوم كما وصف به إبراهيم في قوله ﴿ إن إبراهيم لحليم أوّاه منيب  ﴾ .

وقيل: العليم إسحق لقوله ﴿ فأقبلت امرأته في صرة  ﴾ والحليم إسماعيل.

ثم حكى حديث ذبحه قائلاً ﴿ فلما بلغ معه السعي ﴾ أي قوي على أن يمشي مع أبيه في حوائجه.

والظرف بيان كأنه قال أوّلاً ﴿ فلما بلغ السعي ﴾ فقيل: مع من؟

فأجيب مع أبيه.

ولا يجوز تعلقه بالسعي لأن صلة المصدر لا تتقدّم عليه ولا بقوله ﴿ بلغ ﴾ لأنهما لم يبلغا معاً حد السعي - والمعنى في اختصاص الأب إخراج الكلام مخرج الأغلب.

وقال جار الله: السبب فيه أن الأب أرفق الناس به وأعطفهم عليه وغيره ربما عنف به في الاستسعاء فلا يحتمله لأنه لم تستحكم قوته.

يروى أنه كان يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة وقيل أراد السعي في المنافع وفي طاعة الله.

اعلم أن الناس اختلفوا في الذبيح، فعن أبي بكر الصديق وابن عباس وابن عمر ومحمد بن كعب وسعيد بن المسيب وعكرمة ومجاهد والضحاك أنه إسماعيل لقوله  "أنا ابن الذبيحين" فأحدهما جده إسماعيل والآخر أبوه عبد الله.

وذلك أن عبد المطلب نذر إن بلغ بنوه عشرة أن يذبح واحداً منهم تقرباً، فلما كملوا عشرة أتى بهم البيت وضرب عليهم بالقداح فخرج قدح عبد اتلله فمنعه أخواله ففداه بعشرة من الإبل، ثم ضرب عليه وعلى الإبل فخرج قدحه ففداه بعشرة أخرى، وضرب مرة أخرى فخرج قدحه وهكذا يزيد عشرة عشرة إلى أن تمت مائة فخرج القدح على الجزر فنحرها وسن الدية مائة.

وفي رواية أن أعرابياً قال للنبي  "يا ابن الذبيحين".

فتبسم فسأل عن ذلك فقال: إن عبد المطلب لما حفر بئر زمزم نذر الله لئن سهل الله له أمرها ليذبحن أحد ولده.

فخرج السهم على عبد الله فمنعوه ففداه بمائة من الإبل.

حجة أخرى: نقل عن الأصمعي أنه قال: سألت ابا عمرو بن العلاء عن الذبيح فقال: يا أصمعي أين عقلك؟

ومتى كان إسحق بمكة وإنما كان إسماعيل وهو الذي بنى البيت مع أبيه وسن النحر بمكة.

وحجة أخرى: وصف إسماعيل بالصبر في قوله ﴿ وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين  ﴾ وهو صبره على الذبح في قوله ﴿ ستجدني إن شاء الله من الصابرين ﴾ ووصفه بصدق الوعد ﴿ إنه كان صادق الوعد  ﴾ وذلك أنه وعد أباه الصبر على قضاء الله أو على الذبح فوفى به.

أخرى: ﴿ ومن وراء إسحق يعقوب  ﴾ فيمن قرأ بالنصب لأنه إذا بشر بالولد من صلبه علم أنه لم يؤمر بذبحه.

أخرى: أجمعوا على أن إسماعيل مقدم في الوجود على إسحق فهو المراد بقوله ﴿ رب هب لي من الصالحين ﴾ ثم إنه ذكر عقيبة قصة الذبح.

وأيضاً قوله ﴿ وبشرناه بإسحق ﴾ يجب أن يكون غير قوله ﴿ فبشرناه بغلام حليم ﴾ وإلا لزم التكرار.

حجة أخرى: ان قرني الكبش كانا ميراثاً لولد إسماعيل عن أبيهم وكانا معلقين بالكعبة إلى أن احترق البيت في أيام ابن الزبير والحجاج.

وعن علي وابن مسعود وكعب الأحبار وإليه ذهب أهل الكتاب أن الذبيح إسحق لما روي أن النبي  سئل اي النسب أشرف؟

فقال: يوسف صديق الله ابن يعقوب إسرائيل الله ابن إسحق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله.

وأجابوا عن قوله: ﴿ وبشرناه بإسحاق ﴾ أنه بشر بغلام أوّلاً ثم بنبوته ثانياً.

وايضاً صرح بالمبشر به في قوله ﴿ فبشرناه بإسحق  ﴾ وفي قوله ﴿ وبشرناه بإسحق ﴾ فيحمل عليه المبهم في قوله ﴿ فبشرناه بغلام ﴾ وأيضاً لا نسلم أن البشارة بيعقوب كانت متصلة ببشارة إسحق اعتباراً بقراءة من قرأ ﴿ يعقوب  ﴾ بالرفع.

وأيضاً أنهم أجمعوا على أن المراد من قوله ﴿ إني ذاهب إلى ربي ﴾ هو مهاجرته إلى الشام ثم قال ﴿ فبشرناه بغلام ﴾ فوجب أن يكون الغلام الحليم قد حصل له في الشام وذلك الغلام لم يكن إلا إسحق، لأن إسماعيل قد نشأ بمكة.

وكان الزجاج يقول: الله أعلم أيهما الذبيح.

ويتفرع على اختلاف المفسرين في الذبيح اختلافهم في موضع الذبح، فالذين قالوا إن الذبيح إسماعيل ذهبوا إلى أن الذبح كان بمنى وهذا أقوى، والذين قالوا إنه إسحق قالوا ان الذبح كان بالشام وخصه بعضهم ببيت المقدس.

إذا عرفت هذا الاختلاف فقوله ﴿ يا بني إني أرى في المنام ﴾ إنما قال بلفظ المستقبل لأنه كان يرى في منامه ثلاث ليال أو لأن رؤيا الأنبياء وحي ثانٍ فذكر تأويل الرؤيا كما يقول الممتحن وقد رأى أنه راكب سفينة: رأيت في المنام أني ناجٍ من هذه المحنة فكأنه قال: إني أرى في المنام ما يوجب أني أذبحك.

ويحتمل أن يكون حكاية ما رآه.

قال بعض المفسرين: رأى ليلة التروية كأن قائلاً يقول له: إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا فأصبح يروّي في ذلك أمن الله أو من الشيطان فسمي يوم التروية.

فلما أمسى رأى مثل ذلك فعرف أنه من الله فسمي عرفة، ثم رأى مثله في الثالثة فهمّ بنحره فسمي يوم النحر.

وقال بعضهم: حين بشره الملائكة بغلام حليم قال هو إذن ذبيح الله، فلما ولد وبلغ حد السعي مع أبيه قيل له: أوف بنذرك فانظر ماذا ترى هو من الرأي.

ومن قرأه من الإراءة فالمعنى ماذا تبصر من رأيك وتدبيرك.

وإنما شاوره في حتم من الله ليثبته إن جزع ويفرح بصبره إن ثبت ولئلا يقع الذبح معافصة من غير إعلام به وبسببه، وليكون سنة في المشاورة فقد قيل: لو شاور آدم الملائكة في الأكل من الشجرة لما فرط منه ذلك ﴿ قال يا أبت افعل ما تؤمر ﴾ أي به فحذف الجار كقوله: أمرتك الخير.

اي أمرتك بالخير أو أمرك على تسمية المأمور به بالمصدر ثم إضافته إلى المفعول: ﴿ فلما اسلما ﴾ أي انقادا وخضعا لأمر الله.

قال قتادة: اسلم هذا ابنه وهذا نفسه.

﴿ وتله ﴾ أي صرعه.

واللام في ﴿ للجبين ﴾ كهي في قوله ﴿ ويخرون للأذقان  ﴾ والجبين أحد جانبي الجبهة.

وقيل: كبه لوجهه لأن الولد قال له اذبحني وأنا ساجد.

يروى أنه حين أراد ذبحه قال: يا بنيّ خذ الحبل والمدية ننطلق إلى الشعب ونحتطب، فلما توسطا الشعب أخبره بما أمر فقال له: اشدد به رباطي لئلا اضطرب واكفف عني ثيابك لا ينتضح عليها شيء من دمي فينقص أجري وتراه أمي فتحزن، واشحذ شفرتك واسرع إمرارها على حلقي ليكون أهون فإن الموت شديد، واقرأ على أمي سلامي، وإن رأيت أن ترد قميصي على أمي فافعل فإنه عسى أن يكون اسهل.

فقال إبراهيم: نعم العون أنت يا بنيّ على أمر الله.

ثم اقبل عليه يقبله وقد ربطه وهما يبكيان فقال له: كبني على وجهي ولا تنظر إليّ حتى لا تدركك رقة تحول بينك وبين أمر الله.

قال جار الله: تقدير الكلام فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا كان ما كان مما ينطق به العيان ولا يحيط به البيان من استئثارهما بما أنعم الله عليهما من دفع البلاء وبما اكتسبا في تضاعيف ذلك من الثواب والثناء، وقد اشير إلى جميع ذلك بقوله ﴿ إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا ﴾ الأمر الذي قد وقع ﴿ لهو البلاء المبين ﴾ الذي يتميز فيه المخلص عن المدعى والمكروه الذي لا أصعب على النفس منه.

يروى أنه لما وصل موضع السجود منه الأرض جاء الفرج.

وقيل: إنه وضع السكين على قفاه فانقلب السكين وونودي يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا.

فنظر فإذا جبرائيل  معه كبش أقرن أملح فكبر جبرائيل والكبش وإبراهيم وابنه وأتى المنحر من منى فذبحه وذلك قوله  ﴿ وفديناه بذبح عظيم ﴾ والفداء جعل الشيء مكان غيره لدفع الضرر عنه،.

والذبح اسم لما يذبح كالطحن لما يطحن.

وقوله ﴿ عظيم ﴾ أي سمين ضخم الجثة بالقياس إلى أمثاله وهي السنة في الأضاحي.

قال  "استشرفوا ضحاياكم فإنها على الصراط مطاياكم" .

والاستشراف جعلها شريفة وكريمة.

وعن سعيد بن جبير: حق له أن يكون عظيماً وقد رعى في الجنة أربعين خريفاً.

وفي قول ابن عباس: إنه الكبش الذي قربه هابيل فقبل منه وكان يرعى في الجنة إلى أن فدى به إسماعيل.

وقيل: سمي عظيماً لعظم قدره حيث قبله الله  فداء عن ولد خليله.

وقيل: وصفه بالعظم لبقاء أثره إلى يوم القيامة فإنه ما من سنة إلا ويذبح بسبب ذلك من الأنعام مالا يحصيه إلا الله.

وعن الحسن: أنه وعل أهبط عليه من ثبير.

وقال السدّي: نودي إبراهيم فالتفت فإذا هو بكبش أملح ينحط من الجبل فقام عند إبراهيم  فذبحه وخلى ابنه.

استدل بعض الأصوليين من أهل السنة بالآية على جواز نسخ الحكم قبل حضور وقته.

وقالت المعتزلة.

وكثير من فقهاء الشافعية والحنفية بعدم الجواز لاستلزامه البداء أو الجهل، وزعموا أنه  أمر إبراهيم في المنام بمقدمات الذبح كاضجاع ابنه ووضع السكين على حلقه، والعزم الصحيح على الإتيان بذلك الفعل أوان ورود الأمر.

سلمنا أنه أمر بنفس الذبح لكن لم يجوز أنه قطع الحلقوم إلا أنه كان يلتئم جزءاً فجزءاً فلهذا قيل له ﴿ قد صدّقت الرؤيا ﴾ .

والفداء فضل من الله في حقه وتعظيم له بدلاً من عدم وقوع الذبح في الظاهر ولهذا قال ﴿ وفديناه ﴾ .

بإسناد الفداء إلى ذاته  .

والحق أن نسخ الحكم قبل وقته لا يدل على البداء والعبث كما أنه بعد الوقت لا يدل على ذلك فقد يكون غرض الآمر أن يعلم أن المأمور هل يعزم على الفعل ويوطن نفسه على الانقياد والطاعة أم لا.

وتصديق الرؤيا يكفي فيه الإتيان بمثل هيئة الذبح، فمن الرؤيا ما يكون تأويلها بالشبيه كرؤيا يوسف، والفداء زيادة تشريف وتكريم ووضع سنة مؤكدة.

وروي أن الكبش هرب من إبراهيم عند الجمرة فرماه بسبع حصيات حتى أخذه فبقيت سنة في الرمي.

وروي أنه لما ذبحه قال جبرائيل: الله أكبر الله أكبر.

فقال الولد الذبيح: لا إله إلا الله واله أكبر.

فقال إبراهيم: الله أكبر ولله الحمد.

فبقي سنة.

قوله ﴿ وتركنا ﴾ إلى قوله ﴿ المؤمنين ﴾ قد مر نظيره في قصة نوح إلا أنه لم يقل ههنا ﴿ في العالمين ﴾ اكتفاء بما علم في قصة نوح.

ولم يقل ههنا ﴿ إنا كذلك ﴾ بل اقتصر على ﴿ كذلك ﴾ لأنه سبق ذكر التأكيد في هذه القصة فلم يحتج إلى إعادته على أنه قد بقي من القصة شيء فناسب الاختصار في الاعتراض.

قوله ﴿ وبشرناه بإسحق ﴾ من جعل الذبيح إسماعيل قال: وبشرناه بإسحق بعد إسماعيل.

ومن جعل الذبيح إسحق قال بشر بنبوّته وقد كان بشر بمولده.

قوله ﴿ نبياً من الصالحين ﴾ كل منهما حال مقدرة من الفاعل أي بشرناه به مقدراً وعالماً وحاكماً بأنه نبي صالح.

وقد أطنب صاحب الكشاف في هذا المقام حيث بنى الكلام على أنه حال مقدرة من إسحق.

وهو عندي تطويل بلا طائل فليتأمل.

﴿ وباركنا عليه ﴾ قيل: أي على الغلام المبشر به.

قيل: على إبراهيم: ﴿ وعلى إسحق ﴾ اي أفضنا عليهما بركات الدين والدنيا.

ومن جملة ذلك ما روي أنه أخرج من صلب غسحق ألفي نبي أوّلهم يعقوب وآخرهم عيسى وهم المشار إليهم بقوله ﴿ ومن ذريتهما محسن ﴾ ويعلم من قوله ﴿ وظالم لنفسه ﴾ أن البر قد يلد الفاجر ولا عار على الأب، وأن الشرف بالحسب لا بالنسب.

وأما قصة موسى فلا خفاء بها.

والكرب العظيم تسلط فرعون وجفاؤه على قومه.

وقيل: الغرق.

والضمير في ﴿ نصرناهم ﴾ لها ولقومهما.

والمستبين البليغ في بيانه وهو التوراة بان وأبان واستبان بمعنى إلا أن الثالث أبلغ.

والصراط المستقيم دين الله الذي اشترك في أصوله جميع الرسل.

وأما إلياس فالجمهور على أنه نبي من بني إسرائيل بعث بعد موسى وكان من ولد هارون.

وقيل: هو إدريس النبي وقد مر ذكره في سورة مريم.

و"إذ" ظرف لمحذوف أي اذكر يا محمد لقومك ﴿ إذ قال لقومه ألا تتقون ﴾ الله.

قال الكلبي.

أي ألا تخافون عبادة غير الله.

وحين خوّفهم مجملاً ذكر سببه فقال ﴿ أتدعون ﴾ أي أتعبدون ﴿ بعلاً ﴾ وهم اسم صنم من ذهب كان ببعلبك من بلاد الشام طوله عشرون ذراعاً وله اربعة أوجه فتنوا به وعظموه حتى أخدموه أربعمائة سادن وجعلوهم أنبياءه، فكان الشيطان يدخل في جوف بعل ويتكلم بشريعة الضلالة والسدنة يحفظونها ويعلمونها الناس.

قال الإمام فخر الدين الرازي  : لو جوّزنا دخول الشيطان في جوف الصنم وتكلمه فيه لكان قادحاً في كثير من المعجزات كحنين الجذع وكلام الجمل.

قلت: هذا الوهم زائل بعد ثبوت النبوّة بمعجزات أخر.

وقيل: البعل الرب بلغة اليمن.

والمعنى أتبعدون بعض البعول وتتركون عبادة أحسن الخالقين.

ثم بين أجزاء تكذيبهم أنهم محضرون في العذاب غداً.

وباقي القصة ظاهر إلا قوله ﴿ إلياسين ﴾ فمن قرأ بالإضافة فعلى أن إدريس بن ياسين أي سلام على أهل ياسين.

وقيل: آل ياسين آل محمد  .

وقيل: يس اسم القرآن فكأنه قيل: سلام على من آمن بكتاب الله.

والوجه الأوّل هو أنسب الأقوال.

ومن قرأ على صورة الجمع فقد قال الفراء: أراد به إلياس وأتباعه من المؤمنين كقولهم المهلبون والأشعرون بتخفيف ياء النسبة.

وقيل: إنه لغة في إلياس.

قال الزجاج: يقال ميكائيل وميكائين فكذا ههنا.

حكى الثعلبي وغيره أن إلياس نبي من سبط هارون بعثه الله إلى بني إسرائيل وكان فيهم ملك يقال له "أحب" وله امرأة يقال لها "إزبيل" وكانت تبرز للناس كما يبرز زوجها وتجلس للحكم كما يجلس، فأتاهما إلياس ودعاهما إلى الله  فأبيا عليه وهما بقتله فاختفى منهما سبع سنين، وكان اليسع خليفته وآل أمره إلى أن أوحي إليه أن اخرج إلى موضع كذا فما جاءك فاركبه ولا تخف.

فجاء فرس من نار فوثب عليه وناداه خليفته اليسع بن أخطوب ما تأمرني؟

فرمى إلياس إليه بكسائه من الجوّ وكان ذلك عليه علامة استخلافه إياه على بني إسرائيل.

ورفع الله إلياس من بين أظهرهم وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وكساه الريش فكان إنسياً ملكياً أرضياً سماوياً.

وقيل: إلياس موكل بالفيافي كما وكل الخضر بالبحار، وهما آخر من يموت من بني آدم.

وكان الحسن يقول: قد هلك إليا والخضر ولا نقول كما يقول الناس.

وقصة لوط مذكورة مراراً.

ومعنى ﴿ مصبحين وبالليل ﴾ أن مشركي العرب كانوا مسافرين إلى الشأم فلعل أكثر مرورهم بتلك الديار كان في هذين الوقتين لأمر عارض كحر أو غيره.

وقصة يونس أيضاً مما سبق ذكرها، وفيها مزيد تسلية وتثبيت للنبي  قال بعضهم: إنه أرسله ملك زمانه إلى أولئك القوم ليدعوهم إلى الله  .

فالإباق وهو هرب العبد من سيده لا يوجب العصيان، والأظهر أن قوله ﴿ وإن يونس لمن المرسلين ﴾ مذكور في معرض التعظيم على قياس أوائل سائر القصص، ولن يفيد هذه الفائدة إلا إذا كان الإرسال من الله  .

وأما الجواب عن إباقة فقد مر في قوله ﴿ وذا النون إذ ذهب مغاضباً  ﴾ قوله ﴿ المشحون ﴾ كالعلة لقوله ﴿ فساهم ﴾ والمساهمة المقارعة.

يقال: أسهم القوم إذا اقترعوا.

قال المبرد: هي من السهام التي تجال للقرعة، والمدحض المغلوب في الحجة وغيرها وحقيقته الذي أزلق عن مقام الظفر والغلبة.

يروى أنه حين غضب على قومه خرج من بينهم حتى بحر الروم ووجد سفينة مشحونة فحملوه فيها، فلما وصلت إلى لجة البحر أشرفت على الغرق فقال الملاحون: إن فيكم عاصياً وإلا لم يحصل في السفينة ما رناه من غير ريح ولا سبب ظاهر.

وقد يزعم أهل البحر أن السفينة إذا كان فيها آبق لا تجري فاقترعوا فخرج من بينهم يونس.

فقال التجار: نحن أولى بالمعصية من نبي الله.

ثم عادوا ثانياً وثالثاً فخرج سهمه فقال: يا هؤلاء أنا العاصي ورمى نفسه إلى الماء.

﴿ فالتقمه الحوت ﴾ أي ابتلعه كاللقمة ﴿ وهو مليم ﴾ داخل في الملامة ومنه المثل: رب لائم مليم.

أي يلوم غيره وهو أحق منه باللوم ﴿ فلولا أنه كان من المسبحين ﴾ قيل: أي من المصلين.

قيل: أي من المصلين.

عن قتادة: كان كثير الصلاة في الرخاء.

وقيل: من الذاكرين الله كثيراً بالتسبيح والتقديس كما قيل: اذكر الله في الخلوات يذكرك في الفلوات.

والأظهر أن المراد منه ما حكى الله تعالى في آية أخرى أنه كان يقول في تلك الظلمات ﴿ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين  ﴾ .

والضمير في ﴿ يبعثون ﴾ للخلائق بالقيرنة وقوله ﴿ للبث ﴾ في أقوال: أحدها: يبقى هو والحوت إلى يوم البعث.

والثاني يموت الحوت ويبقى هو في بطنه.

والثالث يموتان ثم يحشر يونس من بطنه.

واختلفوا في مدّة لبثه في بطن الحوت، فعن الحسن أنه لم يلبث إلا قليلاً.

وقيل: ثلاثة ايام.

وعن عطاء: سبعة.

وعن الضحاك: عشرون.

وقال الكلبي: أربعون.

روي أن الحوت سار مع السفينة رافعاً راسه يتنفس فيه يونس ويسبح ولم يفارقهم حتى انتهوا إلى البر فلفظه بالعراء وهو المكان الخالي لا شجر فيه ولا شيء يغطيه.

عن أبي هريرة عن النبي  أنه قال "سبح يونس في بطن الحوت فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا ربنا إنا لنسمع صوتاً ضعيفاً بأرض غريبة.

فقال: نعم ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر فقالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح.

قال: نعم فشفعوا له فأمر الحوت فقذفه في الساحل" وحكي في بعض التفاسير وإن لم يطابقه رأي أصحاب المسالك كل المطابقة أن الحوت أخرجه إلى نيل مصر ثم إلى بحر فارس ثم إلى البطائح ثم دجلة فلفظه بأرض نصيبين لم تنله آفة إلا أن بدنه عاد كبدن الصبي حين يولد، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين وذلك كالمعجزة له.

قال المبرد والزجاج: هو "يفعيل" من قطن بالمكان إذا أقام به فيشمل كل شجرة لا تقوم على ساق كالدباء والبطيخ إلا أن المفسرين خصصوه بالدباء قالوا: لأن الذباب لا يجتمع عنده وقيل لرسول الله  : إنك لتحب القرع.

قال: أجل هي شجرة أخي يونس.

قال الواحدي: في الآية دلالة أوّلاً على أن اليقطين لم يكن من قبل فأنبته الله لأجله.

والآخر أن اليقطين كان قائماً بحيث يحصل له ظل.

قلت: الثاني مسلم إلا أن الأول ممنوع إن أراد به النوع وإن أراد به الشخص فمسلم.

وقيل: هي التين.

وقيل: هي شجرة الموز تغطى بورقها واستظل بأغصانها واغتذى من ثمارها.

وروي أنه كان يستظل بالشجرة وكانت وعلة تأتيه فيشرب من لبنها.

وروي أنه مر زمان على الشجرة فيبست فبكى جزعاً فأوحى إليه: بكيت على شجرة ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون فرجع إلى قومه.

وقد سبق في سورة يونس باقي التفسير و"أو" في قوله ﴿ أو يزيدون ﴾ ليست للشك وإنما المراد وصفهم بالكثرة في مرأى الناظر أي إذا رآها الرائي قال هي مائة ألف أو أكثر.

ومن هذا التأويل يتضح وجه العطف من حيث المعنى كأنه قيل: وأرسلناه إلى جم غفير مقول فيهم إنهم مائة ألف أو يزيدون.

وقيل: التقدير وأرسلناه إلى مائة ألف وارسلناه إلى قوم ثزيدون في الإيهام.

وكم الزائد؟

قيل: ثلاثون ألفاً.

عن ابن عباس.

وقيل: بضعة وثلاثون.

وقيل: بضعة وأربعون.

وقيل: سبعون.

وجاء مرفوعاً عشرون الفاً.

ويحتمل أن يراد أو يزيدون في مرور الزمان لأنه يبقى فيهم مدة كما قال ﴿ فآمنوا فمتعناهم إلى حين ﴾ هو انقضاء آجالهم.

وقيل: القيامة وقد مر.

ثم عطف قوله ﴿ فاستفتهم ﴾ على مثله في أول السورة.

والوجه فيه أنه أمر رسوله باستفتاء قريش عن سبب إنكار البعث، ثم ساق الكلام متصلاً بعضه ببعض على ما عرفت في أثناء التفسير، ثم أمره باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزى حين أضافوا البنات إلى الله  قائلين الملائكة بنات الله مع كراهتهم التامة لهن ورغبتهم الوافرة في البنين.

وحين استفتاهم على سبيل التوبيخ شرع في تزييف معتقدهم بقسمة عقلية وذلك أن سند الدعوى إما أن يكون حساً أو خبراً أو نظراً.

أما الحس فمفقود لأنهم ما شاهدوا كيفية تخليق الله الملائكة وهو المراد من قوله ﴿ أم خلقنا الملائكة إناثاً وهم شاهدون ﴾ وأما الخبر فكذلك لأن الخبر إنما يفيد العلم إذا علم أنه صدق قطعاً وهؤلاء كذابون أفاكون وأشار إليه بقوله ﴿ ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون ﴾ وأما النظر فمفقود أياضً وبيانه من وجهين: الأول أن دليل العقل يقتضي فساده لأنه  أكمل الموجودات والأكمل لا يليق به اصطفاء الأخس لأجل نفسه وذلك قوله ﴿ أَصطفى البنات على البنين ما لكم كيف تحكمون ﴾ من قرا اصطفى بفتح الهمزة فلأنه استفهام بطريق الإنكار وقد حذفت همزة الوصل للتخفيف، ومن قرأ بكسرها على الإخبار جعله من جملة كلام الكفرة.

الثاني: عدم الدليل على صحة مذهبهم وهو قوله ﴿ أم لكم سلطان مبين فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين ﴾ نظيره ما مر في قوله ﴿ أم أنزلنا عليهم سلطاناً فهو يتكلم بما كانوا به يشركون  ﴾ وقوله ﴿ وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً ﴾ للمفسرين فيه قولان: أحدهما أنهم الطائفة الأولى والمعنى أنهم جعلوا بين الله وبين الملائكة نسبة بسبب قولهم إنهم بناته فإن الولادة تقتضي الجنسية والمناسبة، وفيه توبيخ لهم على أن من صفته الاحتنان والاستتار كيف يصلح أن يكون مناسباً لا يجوز عليه صفات الإجرام، وعلى هذا فالضمير في قوله ﴿ إنهم لمحضرون ﴾ للكفرة.

والمعنى أنهم يقولون ما يقولون في الملائكة وقد علمت الملائكة أنهم في ذلك كاذبون وأنهم محضرون النار معذبون بما يقولون.

وثانيهما أنهم طائفة من الزنادقة قائلون بيزدان واهر من كما مر في "الأنعام" في قوله ﴿ وجعلوا لله شركاء الجن  ﴾ وعلى هذا فالضمير إما للكفار كما مر، وإما للشياطين.

روى عكرمة أنهم قالوا: سروات الجن بنات الرحمن.

وقال الكلبي: زعموا أن الله  تزوّج إلى الجن فخرج منها الملائكة.

والتاء في الجنة للتأنيث كحق وحقة.

قال جار الله: الاستثناء في قوله ﴿ إلا عباد الله ﴾ منقطع معناه إنهم لمحضرون ولكن المخلصين ناجون وما بينهما اعتراض دال على التنزيه.

وجوّز أن يكون الاستثناء من الضمير في ﴿ يصفون ﴾ اي يصفه هؤلاء بذلك، ولكن أهل الإخلاص مبرؤن من وصفه بما لا ينبغي.

وحين بين المذاهب الفاسدة بقضها بيّن أن أهل الشرك ومعبوديهم ليس لهم أن يفتنوا على الله أي يحملوا غيرهم على سلوك سبيل الفتنة والضلال إلا من سبق في علم الله بأنه من أهل النار.

وقالت المعتزلة: إلا من سبق في علمه أنهم بسوء أعمالهم يستوجبون أن يصلوها.

وجوز جار الله أن تكون الواو في ﴿ وما تعبدون ﴾ بمعنى "مع" وجاز السكوت على ﴿ تعبدون ﴾ كما في قولهم "كل رجل وضيعته".

ثم قال ﴿ ما أنتم عليه ﴾ أي على ما تعبدون ﴿ بفاتنين إلا من هو صال ﴾ مثلكم.

وقال: والوجه في نظم هذه الآيات أن يكون قوله ﴿ سبحان الله ﴾ إلى قوله ﴿ المسبحون ﴾ من كلام الملائكة والمعنى: ولقد علمت الملائكة وشهدوا أن المشركين مفترون عليهم في مناسبة رب العزة وقالوا: سبحان الله، فنزهوه عن ذلك واستثنوا عباده المخلصين.

وقالوا للكفرة: فإذا صح ذلك فإنكم وآلهتكم لا تقدرون أن تفتنوا على الله أحداً من خلقه إلا من كان مثلكم ممن علم الله عز وجل لكفرهم أنهم أهل النار.

وكيف نكون مناسبين لرب العزة وما نحن إلا عبيد أذلاء بين يديه لكل منا مقام من الطاعة لا يستطيع أن يتجاوزه ونحن الصافون كما مر في أول السروة ونحن المسبحون وقال في التفسير الكبير: هاتان الجملتان تدلان على الحصر، وفيه إشارة إلى أن طاعة البشر كالعدم بالنسبة إلا طاعة الملك فكيف يجوز أن يقال: البشر تقرب درجتهم من درجة الملك فضلاً عن دعوى الأفضلية؟

قلت: لا شك أن هذا التركيب يفيد الحصر إلا أنه لم يفرق بين قصر الأول على الثاني كما في الآية وبين عكسه، والذي يفيد مدعاه هو العكس لا الأصل فافهم.

وقيل: هذه الآيات من قول رسول الله  أي وما من المسلمين أحد إلا له مقام معلوم يوم القيامة على قدر عمله.

ثم ذكر أعمالهم وأنهم الذين يصطفون في الصلاة ويسبحون الله وينزهونه.

ثم حكى أن مشركي قريش ﴿ كانوا يقولون لو أن عندنا ذكراً ﴾ أي كتاباً من جملة كتب الأوّلين اي نظيرها في بيان الشرائع والتكاليف لأخلصنا العبادة لله.

وإن مخففة واللام فارقة ﴿ فكفروا به ﴾ الفاء للربط أي فجاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار فكفروا به ﴿ فسوف يعلمون ﴾ وخامة عاقبة التكذيب.

وقيل: أرادوا لو علمنا حال آبائنا وما آل إليه أمرهم وكان ذلك كما يقول محمد  لآمنا به وأخلصنا لكنا على شك من حديثه.

ثم بين أن رسل الله وجنده منصورون غالبون عاجلاً وآجلاً، والأول أكثريّ والثاني تحقيق يقيني.

ثم أمر نبيه بالصفح والإغماض إلى أوان النصرة والغلبة قائلاً ﴿ فتوّل عنهم ﴾ أي أعرض عن أذاهم إلى حين الأمر بالقتال أو إلى يوم بدر.

عن السدي: أو إلى الموت والقيامة.

﴿ وأبصرهم ﴾ وما يقضى عليهم من السر والقتل في الدنيا والعذاب في الآخرة فسوف يبصرونك وما يؤل غليه أمرك من النصر والثواب في الدارين.

وفي هذا الأمر تنفيس عن النبي  وتسلية له كأن الحالة الموعودة قدام عينيه قرباً وتحققاً.

و ﴿ سوف ﴾ في الموضعين للوعيد لا للتبعيد وكأنهم فهموا التسويف فاستعجلوا العذاب فوبخوا عليه.

وكان من عادة العرب أن يغيروا صباحاً فسميت الغارة صباحاً وإن وقعت في وقت آخر، وشبه نزول العذاب بساحتهم بعدما أنذروه بجيش أنذر بعض النصحاء بهجومه قومه فلم يلتفتوا إلى إنذاره ولا أخذوا أهبتهم حتى أناخ بفنائهم بغتة فشنّ الغارة عليهم.

وقيل: نزل في فتح مكة.

وعن أنس: لما أتى رسول الله  خيبر وكانوا خارجين إلى مزارعهم ومعهم المساحي قالوا: محمد والخميس.

ورجعوا إلى حصنهم فقال  : الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين أي صباحهم، فحذف المخصوص بالذم.

واللام في ﴿ المنذرين ﴾ للجنس.

وإنما ثنى وتول عنهم ليكون تسلية على تسلية.

والأول لعذاب الدنيا والثاني للآخرة، وأطلق الفعل الثاني ايضاً اكتفاء بالأول وليفيد فائدة زائدة وهي أنه يبصر وهم يبصرون ما لا يحيط به الوصف من صنوف المسرة وفنون المساءة.

واعلم أن السورة اشتملت على ما قاله المشركون في الله وعلى ما عانى المرسلون من جهتهم وعلى ما يؤل إليه عاقبة الرسل وحزب الله من موجبات الحمد فلا جرم ختمها بكلمات جامعة لتلك المعاني.

ومعنى ﴿ رب العزة ﴾ كقوله ﴿ قل اللهم مالك الملك  ﴾ والمراد ذي العزة لأنها صفته لا مربوبه.

عن ابن عباس أنه سمع رجلاً يقول: اللهم رب القرآن فأنكر عليه وقال: القرآن ليس بمربوب ولكن كلام الله.

والظاهر أن قوله ﴿ عما يصفون ﴾ يتعلق ﴿ بسبحان ﴾ كما في قوله ﴿ سبحان الله عما يصفون ﴾ وقل: متعلق بالعزة أي امتنع عما يصفونه به وقد مر شيء من تحقيق هذه الحالة في آخر يس.

قال بعضهم: إنما لم يقل في آخر قصتي لوط ويونس سلام عليهما اكتفاء بقوله في الخاتمة ﴿ وسلام على المرسلين ﴾ عن علي  : من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه إذا قام من مجلس ﴿ سبحان ربك رب العزة ﴾ إلى آخر السورة.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ ﴾ .

الاستفتاء والسؤال يخرج على أربعة أوجه: إن كان الاستفتاء والسؤال من عليم خبير لأهل الجهل يكون تقريراً وتنبيهاً إذا لم يكونوا أهل عناد، وإذا كانوا أهل عناد فهو تسفيه وتوبيخ لهم.

وإذا كان الاستفتاء من جاهل مصدق طالب رشد لعليم خبير، يكون استرشاداً وطلب الصواب.

وإذا كان من معاند مكابر، فهو يخرج على الاستهزاء به والسخرية؛ كقوله: ﴿ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ  ﴾ إنما قالوا ذلك استهزاء به.

ثم ما ذكر من الاستفتاء لهؤلاء إنما يكون تسفيها منه لهم في قولهم: لله - عز وجل - ولد، والملائكة بنات الله  ونحوه من الفرية العظيمة التي لا فرية أعظم منها ولا كذب أكبر منه؛ لأن درك الأشياء ومعرفتها إنما يكون في الشاهد بأحد وجوه ثلاثة: أحدها: المشاهدة.

والثاني: الخبر.

والثالث: الاستدلال بما شاهدوا وعاينوا على ما غاب عنهم.

ثم معلوم عندهم - أي: عند هؤلاء - أنهم لم يشاهدوا الله حتى عرفوا له الولد، ولا كانوا يؤمنون بالرسل حتى يكون عندهم الخبر بما قالوا ونسبوا إليه من الولد وغيره؛ إذ الخبر إنما يوصل إليه بالرسل، وهم لا يؤمنون بهم، ولا كانوا شاهدوا ما يستدلون على ما قالوا فيه ونسبوا إليه حتى دلهم ذلك على ذلك، فسفههم في قولهم الذي قالوا فيه وما نسبوا إليه، [و]إنهم كَذَبةٌ في ذلك؛ إذ أسباب العلم بالأشياء ما ذكرنا، ولم يكن لهم شيء من ذلك؛ ولذلك قال: ﴿ أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ ، وقال - عز وجل -: ﴿ أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ ﴾ يقول: أأختار لنفسي ما تأنفون أنتم عنه، وتنسبون إليه ما تستنكفون أنتم عنه، يسفههم في قولهم ونسبتهم إلى الله ما قالوا فيه ونسبوا إليه إلى آخر ما ذكر، والله أعلم.

وفيه تصبير رسول الله على أذاهم وتركهم الإيمان به والاتباع؛ لأنه علمهم أنه خالقهم ورازقهم وقديم الإحسان إليهم [و]قالوا فيه ما قالوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ ، أي: ما لكم تحكمون بلا حجة ولا علم؟

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ ، أن هذا الحكم جور وظلم عظيم؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ ﴾ .

أي: لكم حجة وبيان على ما تزعمون وتقولون في الله  .

وقوله: ﴿ فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ أي: ائتوا بكتاب من عند الله فيه ما تذكرون من الولد وغيره.

وقوله: ﴿ وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: إن الجنة هم الملائكة؛ لقول أولئك الكفرة: إن الملائكة بنات الله، وما قالوا في قوله: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ﴾ ، أي: علمت الجن الذي وصفوا له بنين إنهم لمحضرون النار وعذاب الله، ويحاسبون، على قول مجاهد وغيره، والذين أولئك - أعني الأتباع - أنهم ملائكة الله، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴾ .

قوله: ﴿ سُبْحَانَ ٱللَّهِ ﴾ نزه نفسه عما وصفه الذين تقدم ذكرهم، وتبرأ عن جميع ما قالوا فيه، ثم استثنى عز وجل: ﴿ إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴾ ، فلسنا ندري ما موضع الثنيا هاهنا على أثر ما ذكر من التنزيه لنفسه، يحتمل الاستثناء وجهين: أحدهما: ﴿ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ أولئك الكفرة من الولد وغيره إلا عبادنا المخلصين.

والثاني: ﴿ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ ، أي: من أخلص منهم وآمن فإنه غير برىء مما يصفه؛ لما يجوز أن يسلم منهم نفر فيصفونه بما يليق به؛ لأن المؤمن والمخلص لا يصف ربه إلا بما يليق به، والله أعلم.

وقال بعضهم: "إلا عبادنا المخلصين" استثنى من قوله: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ﴾ للنار ﴿ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴾ فإنهم لا يحضرون النار والعذاب على سبق استثناء هؤلاء الذين أخلصوا ممن يحضر فيما تقدم - والله أعلم - وهو على التقديم والتأخير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ * وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ﴾ : يقول - والله أعلم -: إنكم وما تعبدون لا تملكون أن تفتنوهم وأن تضلوهم، إلا من هو في علم الله أنه يختار الضلالة؛ مما يصليه النار، على حق المعونة لهم لا حقيقة الإضلال، وهو ما ذكر - عز وجل - في آية أخرى: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ  ﴾ ، وما أخبر أنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، إنما سلطانه على الذين يتولونه، والله أعلم.

وقال بعضهم في قوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ : إلا من كتب عليه في اللوح: أنه يصلى الجحيم.

وقال بعضهم: إلا من قضي عليه أنه يصلى النار.

وأصله ما ذكرنا، والله أعلم.

وما يعبدون: الجنّ الذين عبدوا الجن، أو الملائكة، ويحتمل الأصنام التي عبدت؛ إذ قد ينسب إليهن الإضلال؛ لقوله: ﴿ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ  ﴾ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ﴾ .

يحتمل هذا منهم - أعني: الملائكة - وجهين: أحدهما: قالوا ذلك لتبرئة أنفسهم عن أن يأمروا بالعبادة لهم، أي: لم نتفرغ نحن بعبادة هؤلاء طرفة عين فكيف نأمر هؤلاء بعبادتنا؛ كقولهم: ﴿ قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ  ﴾ أي: نحن في طلب ولايتك فكيف نتفرغ لذلك، أو أن يقولوا: إن ولايتك التي واليتنا شغلتنا عن جميع ما ذكر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ ﴾ أي ما أنتم بمضلين أحداً من عبادي بإلهكم هذا الذي تعبدون إلا من تولاكم بعمل أهل النار، وذكر عن عمر بن عبد العزيز [و] عن الحسن أيضاً أنهما قالا في قوله - عز وجل -: ﴿ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ يقول: ما أنتم بمضلين بآلهتكم أحداً إلا من قدر أنه يصلى الجحيم، وهو قريب مما ذكرنا، والله أعلم.

﴿ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ﴾ .

يحتمل مكان معلوم محدود لا يبرح عنه ولا يفارق.

ويحتمل ﴿ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ﴾ أي: عبادة معلومة نحو ما ذكر حكيم بن حزام قال: بينما رسول الله  ولا بما نحن فيه ولكن أمر آخر، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فإنكم أنتم -أيها المشركون- وما تعبدون من دون الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.gX6nG"

مزيد من التفاسير لسورة الصافات

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله