الإسلام > القرآن > سور > سورة 55 الرحمن > الآية ٣٣ من سورة الرحمن
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 79 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٣ من سورة الرحمن: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال : ( يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان ) أي : لا تستطيعون هربا من أمر الله وقدره ، بل هو محيط بكم ، لا تقدرون على التخلص من حكمه ، ولا النفوذ عن حكمه فيكم ، أينما ذهبتم أحيط بكم ، وهذا في مقام المحشر ، الملائكة محدقة بالخلائق ، سبع صفوف من كل جانب ، فلا يقدر أحد على الذهاب ( إلا بسلطان ) أي : إلا بأمر الله ، ( يقول الإنسان يومئذ أين المفر كلا لا وزر إلى ربك يومئذ المستقر ) [ القيامة : 10 - 12 ] .
وقال تعالى : ( والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) [ يونس : 27 ] ; ولهذا قال :
وقوله: ( يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ فَانْفُذُوا ): اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ( إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا )، فقال بعضهم: معنى ذلك : إن استطعتم أن تجوزوا أطراف السموات والأرض، فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم؛ فجوزوا ذلك، فإنكم لا تجوزونه إلا بسلطان من ربكم.
قالوا : وإنما هذا قول يقال لهم يوم القيامة.
قالوا: ومعنى الكلام: سنفرغ لكم أيها الثقلان، فيقال لهم ( يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ فَانْفُذُوا ).
* ذكر من قال ذلك: حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقيّ، قال: ثنا أبو أسامة، عن الأجلح، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم، قال: " إذا كان يوم القيامة أمر الله السماء الدنيا فتشقَّقت بأهلها، ونـزل من فيها من الملائكة، فأحاطوا بالأرض ومن عليها بالثانية، ثم بالثالثة، ثم بالرابعة، ثم بالخامسة، ثم بالسادسة، ثم بالسابعة، فصفوا صفا دون صف، ثم ينـزل الملك الأعلى على مجنبِّته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل الأرض ندوّا، فلا يأتون قطرا من أقطار الأرض إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قول الله إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ، وذلك قوله: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ، وقوله: ( يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ )، وذلك قوله: وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا .
وقال آخرون : بل معنى ذلك : أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض، فانفذوا هاربين من الموت، فإن الموت مُدرككم، ولا ينفعكم هربكم منه.
* ذكر من قال ذلك: حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول ( يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ ) ....
الآية، يعني بذلك أنه لا يجيرهم أحد من الموت، وأنهم ميتون لا يستطيعون فرارا منه، ولا محيصا، لو نفذوا أقطار السموات والأرض كانوا في سُلطان الله، ولأخذهم الله بالموت.
وقال آخرون : بل معنى ذلك: إن استطعتم أن تعلموا ما في السموات والأرض فاعلموا.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ( يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ ) يقول: إن استطعتم أن تعلموا ما في السموات والأرض فاعلموه، لن تعلموه إلا بسلطان، يعني البينة من الله جلّ ثناؤه.
وقال آخرون : معنى قوله: ( لا تَنْفُذُونَ ): لا تخرجون من سلطاني.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ ): يقول: لا تخرجون من سلطاني .
وأما الأقطار فهي جمع قُطْر، وهي: الأطراف.
كماحدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ( إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) قال: من أطرافها.
وقوله جلّ ثناؤه وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا يقول: من أطرافها.
وأما قوله: ( إلا بسُلْطانٍ )، فإن أهل التأويل اختلفوا في معناه، فقال بعضهم معناه : إلا ببينة وقد ذكرنا ذلك قبل.
وقال آخرون: معناه: إلا بحجة.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن رجل، عن عكرِمة ( لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ ) قال: كلّ شيء في القرآن سلطان فهو حجة.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ( بسُلْطانٍ ) قال: بحجة.
وقال آخرون : بل معنى ذلك: إلا بملك وليس لكم ملك.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن مروان، قال: ثنا أبو العوّام، عن قتادة ( فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ ) قال: لا تنفذون إلا بملك، وليس لكم ملك.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ ) قال: إلا بسلطان من الله، إلا بملكة منه.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ )، يقول: إلا بملكة من الله.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: إلا بحجة وبينة، لأن ذلك هو معنى السلطان في كلام العرب، وقد يدخل الملك في ذلك، لأن الملك حجة.
قوله تعالى : يا معشر الجن والإنس الآية .
ذكر ابن المبارك : وأخبرنا جويبر عن الضحاك قال إذا كان يوم القيامة أمر الله السماء الدنيا فتشققت بأهلها ، فتكون الملائكة على حافاتها حتى يأمرهم الرب ، فينزلون إلى الأرض فيحيطون بالأرض ومن فيها ، ثم يأمر الله السماء التي تليها كذلك فينزلون فيكونون صفا من خلف ذلك الصف ، ثم السماء الثالثة ثم الرابعة ثم الخامسة ثم السادسة ثم السابعة ، فينزل الملك الأعلى في بهائه وملكه ومجنبته اليسرى جهنم ، فيسمعون زفيرها وشهيقها ، فلا يأتون قطرا من أقطارها إلا وجدوا صفوفا من الملائكة ، فذلك قوله تعالى : يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان والسلطان العذر .
وقال الضحاك أيضا : بينما الناس في أسواقهم انفتحت السماء ، ونزلت الملائكة ، فتهرب الجن والإنس ، فتحدق بهم الملائكة ، فذلك قوله تعالى : لا تنفذون إلا بسلطان ذكره النحاس .قلت : فعلى هذا يكون في الدنيا ، وعلى ما ذكر ابن المبارك يكون في الآخرة .
وعن الضحاك أيضا : إن استطعتم أن تهربوا من الموت فاهربوا .
وقال ابن عباس : إن استطعتم أن تعلموا ما في السماوات وما في الأرض فاعلموه ، ولن تعلموه إلا بسلطان أي ببينة من الله تعالى .
وعنه أيضا أن معنى : لا تنفذون إلا بسلطان لا تخرجون من سلطاني وقدرتي عليكم .
قتادة : لا تنفذون إلا بملك وليس لكم ملك .
وقيل : لا تنفذون إلا إلى سلطان ، الباء بمعنى إلى ، كقوله تعالى : وقد أحسن بي أي إلي .
قال الشاعر :أسيئي بنا أو أحسني لا ملولة لدينا ولا مقلية إن تقلتوقوله : فانفذوا أمر تعجيز .
أي: إذا جمعهم الله في موقف القيامة، أخبرهم بعجزهم وضعفهم، وكمال سلطانه، ونفوذ مشيئته وقدرته، فقال معجزا لهم: { يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } أي: تجدون منفذا مسلكا تخرجون به عن ملك الله وسلطانه، { فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ } أي: لا تخرجون عنه إلا بقوة وتسلط منكم، وكمال قدرة، وأنى لهم ذلك، وهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا؟!
ففي ذلك الموقف لا يتكلم أحد إلا بإذنه، ولا تسمع إلا همسا، وفي ذلك الموقف يستوي الملوك والمماليك، والرؤساء والمرءوسون، والأغنياء والفقراء.
( يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا ) أي تجوزوا وتخرجوا ، ( من أقطار السماوات والأرض ) أي من جوانبهما وأطرافهما ( فانفذوا ) معناه إن استطعتم أن تهربوا من الموت بالخروج من أقطار السماوات والأرض : فاهربوا واخرجوا منها .
[ والمعنى ] حيثما كنتم أدرككم الموت ، كما قال جل ذكره : " أينما تكونوا يدرككم الموت " ، ( النساء - 78 ) وقيل : يقال لهم هذا يوم القيامة إن استطعتم أن تجوزوا أطراف السماوات والأرض فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم فجوزوا ( لا تنفذون إلا بسلطان ) أي : بملك ، وقيل بحجة ، والسلطان : القوة التي يتسلط بها على الأمر ، فالملك والقدرة والحجة كلها سلطان ، يريد حيثما توجهتم كنتم في ملكي وسلطاني .
وروي عن ابن عباس قال : معناه : إن استطعتم أن تعلموا ما في السماوات والأرض فاعلموا ولن تعلموه إلا بسلطان أي ببينة من الله - عز وجل - .
وقيل قوله : " إلا بسلطان " أي إلا إلى سلطان كقوله : " وقد أحسن بي " ( يوسف - 100 ) أي إلي .
«يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا» تخرجوا «من أقطار» نواحي «السماوات والأرض فانفذوا» أمر تعجيز «لا تنفذون إلا بسلطان» بقوة ولا قوة لكم على ذلك.
يا معشر الجن والإنس، إن قَدَرْتم على النفاذ من أمر الله وحكمه هاربين من أطراف السموات والأرض فافعلوا، ولستم قادرين على ذلك إلا بقوة وحجة، وأمر من الله تعالى (وأنَّى لكم ذلك وأنتم لا تملكون لأنفسكم نفعًا ولا ضرًا؟).
فبأي نِعَم ربكما - أيها الثقلان- تكذِّبان؟
وقوله - سبحانه - : ( يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا .
.
.
) مقول لقول محذوف ، دل عليه ما قبله .والمعشر - برنة مفعل - اسم للجمع الكثير الذى يعد عشرة فعشرة .وقوله : ( تَنفُذُواْ ) من النفاذ بمعنى الخروج من الشىء ، والأمر منه وهو قوله : ( فانفذوا ) مستعمل فى التعجيز .
والأقطار : جمع قطر - بضم القاف وسكون الطاء - وهو الناحية الواسعة .والمعنى : سنقصد إلى محاسبتكم ومجازاتكم على أعمالكم يوم القيامة ، وسنقول لكم على سبيل التعجيز والتحدى .
يا معشر الجن والإنس ، إن استطعتم أن تنفذوا وتخرجوا من جوانب السموات والأرض ومن نواحيهما المتعددة .
فانفذوا واخرجوا ، و خلصوا أنفسكم من المحاسبة والمجازاة .وجملة : ( لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ ) بيان للتعجيز المتمثل فى قوله - تعالى - : ( فانفذوا ) ، والسلطان المراد به هنا : القدرة والقوة .أى : لا تنفذون من هذا الموقف العصيب الذى أنتم فيه إلا بقدرة عظيمة ، وقوة خارقة ، تزيد على قوة خالقكم الذى جعلكم فى هذا الموقف ، وأنى لكم هذه القوة التى أنتم أبعد ما تكونون عنها؟فالمقصود بالآية الكريمة ، تحذير الفاسقين والكافرين ، من التمادى فى فسقهم وكفرهم ، وبيان أنهم سيكونون فى قبضة الله - تعالى - وتحت سلطانه ، وأنهم لن يستطيعوا الهروب ن قبضته وقضائه فيهم بحمكه العالد .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( فَإِذَا بَرِقَ البصر وَخَسَفَ القمر وَجُمِعَ الشمس والقمر يَقُولُ الإنسان يَوْمَئِذٍ أَيْنَ المفر كَلاَّ لاَ وَزَرَ إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المستقر )
وفيه مسائل: المسألة الأولى: في وجه الترتيب وحسنه، وذلك لأنه تعالى لماقال: ﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثقلان ﴾ وبينا أنه لم يكن له شغل فكأن قائلاً قال: فلم كان التأخير إذا لم يكن شغل هناك مانع؟
فقال: المستعجل يستعجل.
إما لخوف فوات الأمر بالتأخير وإما لحاجة في الحال، وإما لمجرد الاختيار والإرادة على وجه التأخير، وبين عدم الحاجة من قبل بقوله: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلَٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ ﴾ لأن ما يبقى بعد فناء الكل لا يحتاج إلى شيء، فبين عدم الخوف من الفوات، وقال: لا يفوتون ولا يقدرون على الخروج من السموات والأرض، ولو أمكن خروجهم عنهما لما خرجوا عن ملك الله تعالى فهو آخذهم أين كانوا وكيف كانوا.
المسألة الثانية: المعشر الجماعة العظيمة، وتحقيقه هو أن المعشر العدد الكامل الكثير الذي لا عدد بعده إلا بابتداء فيه حيث يعيد الآحاد ويقول: أحد عشر وإثنا عشر وعشرون وثلاثون، أي ثلاث عشرات فالمعشر كأنه محل العشر الذي هو الكثرة الكاملة.
المسألة الثالثة: هذا الخطاب في الدنيا أو في الآخرة؟
نقول: الظاهر فيه أنه في الآخرة، فإن الجن والإنس يريدون الفرار من العذاب فيجدون سبعة صفوف من الملائكة محيطين بأقطار السموات والأرض، والأولى ما ذكرنا أنه عام بمعنى لا مهرب ولا مخرج لكم عن ملك الله تعالى، وأينما توليتم فثم ملك الله، وأينما تكونوا أتاكم حكم الله.
المسألة الرابعة: ما الحكمة في تقديم الجن على الإنس هاهنا وتقديم الإنس على الجن في قوله تعالى: ﴿ قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرءان لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴾ نقول: النفوذ من أقطار السموات والأرض بالجن أليق إن أمكن، والإتيان بمثل القرآن بالإنس أليق إن أمكن، فقدم في كل موضع من يظن به القدرة على ذلك.
المسألة الخامسة: ما معنى: ﴿ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بسلطان ﴾ ؟
نقول: ذلك يحتمل وجوهاً أحدها: أن يكون بياناً بخلاف ما تقدم أي ما تنفذون ولا تنفذون إلا بقوة وليس لكم قوة على ذلك.
ثانيها: أن يكون على تقدير وقوع الأمر الأول، وبيان أن ذلك لا ينفعكم، وتقديره ما تنفذوا وإن نفذتم ما تنفذون إلا ومعكم سلطان الله، كما يقول: خرج القوم بأهلهم أي معهم ثالثها: أن المراد من النفوذ ما هو المقصود منه؟
وذلك لأن نفوذهم إشارة إلى طلب خلاصهم فقال: لا تنفذون من أقطار السموات لا تتخلصون من العذاب ولا تجدون ما تطلبون من النفود وهو الخلاص من العذاب إلا بسلطان من الله يجيركم وإلا فلا مجير لكم، كما تقول: لا ينفعك البكاء إلا إذا صدقت وتريد به أن الصدق وحده ينفعك، لا أنك إن صدقت فينفعك البكاء رابعها: أن هذا إشارة إلى تقرير التوحيد، ووجهه هو كأنه تعالى قال: يا أيها الغافل لا يمكنك أن تخرج بذهنك عن أقطار السموات والأرض فإذا أنت أبداً تشاهد دليلاً من دلائل الوحدانية، ثم هب أنك تنفذ من أقطار السموات والأرض، فاعلم أنك لا تنفذ إلا بسلطان تجده خارج السموات والأرض قاطع دال على وحدانيته تعالى والسلطان هو القوة الكاملة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يامعشر الجن والإنس ﴾ كالترجمة لقوله: أيها الثقلان ﴿ إِنِ استطعتم ﴾ أن تهربوا من قضائي وتخرجوا من ملكوتي ومن سمائي وأرضي، فافعلوا، ثم قال: لا تقدرون على النفوذ ﴿ إِلاَّ بسلطان ﴾ يعني بقوّة وقهر وغلبة، وأنى لكم ذلك، ونحوه: ﴿ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرض وَلاَ فِي السماء ﴾ [العنكبوت: 22] وروى: أنّ الملائكة عليهم السلام تنزل فتحيط بجميع الخلائق، فإذا رآهم الجن والإنس هربوا، فلا يأتون وجهاً إلا وجدوا الملائكة أحاطت به.
قرئ: ﴿ شواظ ونحاس ﴾ ، كلاهما بالضم والكسر؛ والشواظ: اللهب الخالص.
والنحاس: الدخان؛ وأنشد: تُضِيءُ كَضَوْءِ سِرَاجِ السَّلِيطِ ** لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ فِيهِ نُحَاسَا وقيل: الصفر المذاب يصب على رؤوسهم.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: إذا خرجوا من قبورهم ساقهم شواظ إلى المحشر.
وقرئ: ﴿ ونحاس ﴾ ، مرفوعاً عطفاً على شواظ.
ومجروراً عطفاً على نار.
وقرئ: ﴿ ونحس ﴾ جمع نحاس، وهو الدخان، نحو لحاف ولحف.
وقرئ: ﴿ ونحس ﴾ أي: ونقتل بالعذاب.
وقرئ: ﴿ نرسل عليكم شواظاً من نار ونحاساً ﴾ ﴿ فَلاَ تَنتَصِرَانِ ﴾ فلا تمتنعان.
<div class="verse-tafsir"
﴿ سَنَفْرُغُ لَكم أيُّهَ الثَّقَلانِ ﴾ أيْ سَنَتَجَرَّدُ لِحِسابِكم وجَزائِكم وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَإنَّهُ تَعالى لا يَفْعَلُ فِيهِ غَيْرُهُ وقِيلَ: تَهْدِيدٌ مُسْتَعارٌ مِن قَوْلِكَ لِمَن تُهَدِّدُهُ: سَأفْرُغُ لَكَ، فَإنَّ المُتَجَرِّدَ لِلشَّيْءِ كانَ أقْوى عَلَيْهِ وأجَدَّ فِيهِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ وقُرِئَ «سَنَفْرُغُ إلَيْكُمْ» أيْ سَنَقْصِدُ إلَيْكم.
والثَّقَلانِ الإنْسُ والجِنُّ سُمِّيا بِذَلِكَ لِثِقْلِهِما عَلى الأرْضِ أوْ لِرَزانَةِ رَأْيِهِما وقَدْرِهِما، أوْ لِأنَّهُما مُثْقَلانِ بِالتَّكْلِيفِ.
﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ إنْ قَدَرْتُمْ أنْ تَخْرُجُوا مِن جَوانِبِ السَّماواتِ والأرْضِ هارِبِينَ مِنَ اللَّهِ فارِّينَ مِن قَضائِهِ.
﴿ فانْفُذُوا ﴾ فاخْرُجُوا.
﴿ لا تَنْفُذُونَ ﴾ لا تَقْدِرُونَ عَلى النُّفُوذِ.
﴿ إلا بِسُلْطانٍ ﴾ إلّا بِقُوَّةٍ وقَهْرٍ وأنّى لَكم ذَلِكَ، أوْ إنْ قَدَرْتُمْ أنْ تُنَفِّذُوا لِتَعْلَمُوا ما في السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا لِتَعْلَمُوا لَكِنْ لا تَنْفُذُونَ ولا تَعْلَمُونَ إلّا بِبَيِّنَةٍ نَصَبَها اللَّهُ تَعالى فَتَعْرُجُونَ عَلَيْها بِأفْكارِكم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ﴾ هُما الثَّقَلانِ خُوطِبا بِاسْمِ جِنْسِهِما لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ ولِأنَّ الجِنَّ مَشْهُورُونَ بِالقُدْرَةِ عَلى الأفاعِيلِ الشّاقَّةِ فَخُوطِبُوا بِما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ لِبَيانِ أنَّ قُدْرَتَهم لا تَفِي بِما كُلِّفُوهُ وكَأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مُجازٍ لِلْعِبادِ لا مَحالَةَ عَقَّبَ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ بِبَيانِ أنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى الخَلاصِ مِن جَزائِهِ وعِقابِهِ إذا أرادُهُ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ ﴾ إنْ قَدَرْتُمْ، وأصْلُ الِاسْتِطاعَةِ طَلَبُ طَواعِيَةِ الفِعْلِ وتَأتِّيهِ.
﴿ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أنْ تَخْرُجُوا مِن جَوانِبِ السَّماواتِ والأرْضِ هارِبِينَ مِنَ اللَّهِ تَعالى فارِّينَ مِن قَضائِهِ سُبْحانَهُ ﴿ فانْفُذُوا ﴾ فاخْرُجُوا مِنها وخَلِّصُوا أنْفُسَكم مِن عِقابِهِ عَزَّ وجَلَّ، والأمْرُ لِلتَّعْجِيزِ ﴿ لا تَنْفُذُونَ ﴾ لا تَقْدِرُونَ عَلى النُّفُوذِ ﴿ إلا بِسُلْطانٍ ﴾ أيْ بِقُوَّةٍ وقَهْرٍ وأنْتُمْ عَنْ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ وألْفِ ألْفِ مَنزِلٍ، رُوِيَ أنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَنْزِلُونَ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُحِيطُونَ بِجَمِيعِ الخَلائِقِ فَإذا رَآهُمُ الجِنَّ والإنْسَ هَرَبُوا فَلا يَأْتُونَ وجْهًا إلّا وجَدُوا المَلائِكَةَ أحاطَتْ بِهِ، وقِيلَ: هَذا أمُرٌّ يَكُونُ في الدُّنْيا، قالَ الضَّحّاكُ: بَيْنَما النّاسُ في أسْواقِهِمُ انْفَتَحَتِ السَّماءُ ونَزَلَتِ المَلائِكَةُ فَتَهْرَبُ الجِنُّ والإنْسُ فَتُحْدِقُ بِهِمُ المَلائِكَةُ وذَلِكَ قُبَيْلَ قِيامِ السّاعَةِ، وقِيلَ: المُرادُ إنِ اسْتَطَعْتُمُ الفِرارَ مِنَ المَوْتِ فَفَرُّوا، وقِيلَ: المَعْنى إنْ قَدَرْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا لِتَعْلَمُوا بِما في السَّماواتِ والأرْضِ فَنْفُذُوا لِتَعْلَمُوا لَكِنْ ﴿ لا تَنْفُذُونَ ﴾ ولا تَعْلَمُونَ إلّا بِبَيِّنَةٍ وحُجَّةٍ نَصَبَها اللَّهُ تَعالى فَتَعْرُجُونَ عَلَيْها بِأفْكارِكم، ورُوِيَ ما يُقارِبُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والأنْسَبُ بِالمَقامِ لا يَخْفى.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ إنِ اسْتَطَعْتُما رِعايَةً لِلنَّوْعَيْنِ وإنْ كانَ تَحْتَ كُلِّ أفْرادٍ كَثِيرَةٍ والجُمَعُ لِرِعايَةِ تِلْكَ الكَثْرَةِ وقَدْ جاءَ كُلٌّ في الفَصِيحِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ أيْ مِنَ التَّنْبِيهِ والتَّحْذِيرِ والمُساهَلَةِ والعَفْوِ مَعَ كَمالِ القُدْرَةِ عَلى العُقُوبَةِ، وقِيلَ: عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ فِيما تَقَدَّمَ أيْ مِمّا نَصَبَ سُبْحانَهُ مِنَ المَصاعِدِ العَقْلِيَّةِ والمَعارِجِ النَّقْلِيَّةِ فَتَنْفُذُونَ بِها إلى ما فَوْقَ السَّماواتِ العُلا <div class="verse-tafsir"
ثم قال: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ يعني: إن قدرتم أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: أن تخرجوا من أطراف السَّمَوَاتِ، والأرض، ونواحيها، فَانْفُذُوا يعني: فاخرجوا إن استطعتم.
قال مقاتل: هذا الخطاب للجن، والإنس في الدنيا.
يعني: إن استطعتم أن تخرجوا من أقطار السماوات والأرض هروباً من الموت، فانفذوا لاَ تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ يعني: أينما أدرككم الموت.
وروي عن ابن عباس أنه قال: هذا الخطاب في يوم القيامة، وذلك أن السماء تتشقق بالغمام، وتنزل ملائكة السموات، ويقومون حول الدنيا محيطين بها، وجاء الروح وهو ملك يقوم صفّاً وهو أكبر من جميع الخلق، فحينئذٍ يقال لهم: إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لاَ تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ يعني: لا تنجون إلا بحجة، وبرهان.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: فبأي نعمة من نعمائه تجحدون حيث بيّن لكم أحوال يوم القيامة حتى تتوبوا، وترجعوا.
ويقال: معناه ذلك اليوم لا يفوته أحد ولا يعينكم أحد غيره، فكيف تجحدون هذه النعم.
ثم قال: يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ يعني: يرسل على كفار الجن، وكفار الإنس، لهب من النار وَنُحاسٌ يعني: الصُّفْر المذاب يعذبون بهما.
ويقال: دخان لهب فيه.
ويقال: النحاس هو لباس أهل النار فَلا تَنْتَصِرانِ يعني: لا تُمْنعان من ذلك.
قرأ ابن كثير: يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ بكسر الشين.
والباقون: بالضم.
فهما لغتان، ومعناهما واحد.
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: وَنُحاسٌ بكسر السين.
والباقون: بالضم.
فمن قرأ بالكسر عطف على قوله من نار، ومن قرأ بالضم عطف على قوله شواظ.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: لا يعينكم أحد غير الله، ولا يحفظكم حين يرسل عليكم العذاب إلا الله فكيف تنكرون قدرته وتوحيده؟.
ثم قال عز وجل: فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ يعني: انفرجت السماء لنزول الملائكة، كقوله: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ [الفرقان: 25] .
ثم قال: فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ يعني: صارت كدهن الورد الصافي، وهذا قول مقاتل.
وقال القتبي: صارت حمراء في لون الفرس.
يعني: بمنزلة الدابة الجُلْجُون الذي تغير لونه في كل وقت، يرى لونه على خلاف اللون الأول، ويقال له: المورد ويقال: الدهن الأديم الأحمر بلغة الفارسي.
يعني: الفرس الذي يكون لونه لون الورد الأحمر، يعنون أخضر يضرب إلى سواد، يتغير لونه بياض.
ويقال: من هيبة ذلك زاغ فيرى أنه كالدهن.
ثم قال عز وجل: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: إذا كان يوم القيامة، تغيرت السموات من هيبته، ويأمر الخلق بالحساب، فهو الذي ينجيكم من هول ذلك اليوم، فكيف تنكرون هذه النعمة.
ثم قال عز وجل: فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ يعني: عن علمه إِنْسٌ وَلا جَانٌّ يعني: إنسياً، ولا جنياً لأن الله تعالى قد أحصى عليه: ويقال: لا يسأل سؤال استفهام، ولكن يسأل سؤال التوبيخ والزجر كقوله تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) [الحجر: 92] ويقال لا يسأل الكافر لأنه عرف بعلامته.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: إذا كان يوم القيامة، أعطاكم الثواب، وأدخلكم في جنته، فكيف تنكرون وحدانيته؟
ويقال: معناه إن الله قد بين لكم أنه يعلم أعمالكم، ونهاكم عن الذنوب، وتجاوز عنكم، فكيف تنكرون، وحدانيته.
قوله عز وجل: يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ يعني: يُعرف الكافر بسواد الوجوه، وزرقة الأعين، فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ وذلك أن خزنة جهنم بعد الحساب، يغلون أيديهم إلى أعناقهم، ويجمعون بين نواصيهم إلى أقدامهم، ثم يدفعونهم على وجوههم، فيطرحونهم في النار.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: هو الذي يدفع عنكم ذلك العذاب إن آمنتم به، وأطعتموه ووحدتموه، فكيف تنكرون هذه النعمة؟.
ثم قال عز وجل: هذِهِ جَهَنَّمُ وذلك أن الكفار إذا دنوا من النار، تقول لهم الخزنة: هذه جهنم الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ يعني: جهنم التى كنتم بها تكذبون في الدنيا.
ثم أخبر عن حالهم فيها فقال: يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ يعني: الشراب الحار الذي قد انتهى حره، وذلك أنه يسلط عليهم الجوع، فيؤتى بهم إلى الزقوم الذي طلعه كرؤوس الشياطين، فأكلوا منه، فأخذ في حلقهم، فاستغاثوا بالماء، فأتوا من الحميم.
فإذا قربوا إلى وجوههم، تناثر لحم وجوههم، فيشربون، فيغلي في أجوافهم، ويخرج جميع ما فيها، ثم يلقى عليهم الجوع، فمرة يذهب بهم إلى الحميم، ومرة إلى الزقوم، فذلك قوله تعالى: يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "سَنَفْرُغُ" بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِكْرِمَةُ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعَبْدُ الوارِثِ: ["سَيَفْرُغُ"] بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، عَنْ عَبْدِ الوارِثِ: "سَيُفْرَغُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ.
قالَ الفَرّاءُ: هَذا وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، لِأنَّهُ لا يَشْغَلُهُ شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ، تَقُولُ لِلرَّجُلِ الَّذِي لا شُغْلَ لَهُ: قَدْ فَرَغْتَ لِي، قَدْ فَرَغْتَ تَشْتُمُنِي؟!
أيْ: قَدْ أخَذْتَ في هَذا وأقْبَلْتَ عَلَيْهِ؟!
قالَ الزَّجّاجُ: الفَراغُ في اللُّغَةِ عَلى ضَرْبَيْنِ.
أحَدُهُما: الفَراغُ مِن شُغْلٍ.
والآخَرُ: القَصْدُ لِلشَّيْءِ، تَقُولُ: قَدْ فَرَغْتُ مِمّا كُنْتُ فِيهِ، أيْ: قَدْ زالَ شُغْلِي بِهِ، وتَقُولُ: سَأتَفَرَّغُ لِفُلانٍ، أيْ: سَأجْعَلُهُ قَصْدِي، ومَعْنى الآيَةِ: سَنَقْصِدُ لِحِسابِكم.
فَأمّا "الثَّقَلانِ" فَهُمّا الجِنُّ والإنْسُ، سُمِّيا بِذَلِكَ لِأنَّهُما ثِقْلُ الأرْضِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ تَنْفُذُوا ﴾ أيْ: تَخْرُجُوا؛ يُقالُ: نَفَذَ الشَّيْءُ مِنَ الشَّيْءِ: إذا خَلَصَ مِنهُ، كالسَّهْمِ يَنْفُذُ مِنَ الرَّمِيَّةِ؛ والأقْطارُ: النَّواحِي والجَوانِبُ.
وفي مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَعْلَمُوا ما في السَّماواتِ والأرْضِ فاعْلَمُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَهْرُبُوا مِنَ المَوْتِ بِالخُرُوجِ مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فاهْرُبُوا واخْرُجُوا مِنها؛ والمُرادُ: أنَّكم حَيْثُما كُنْتُمْ أدْرَكَكُمُ المَوْتُ، هَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ في آخَرِينَ.
والثّالِثُ: إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَجُوزُوا أطْرافَ السَّماواتِ والأرْضِ فَتُعْجِزُوا رَبَّكم حَتّى لا يَقْدِرَ عَلَيْكم فَجُوزُوا؛ وإنَّما يُقالُ لَهم هَذا يَوْمَ القِيامَةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَنْفُذُونَ إلا بِسُلْطانٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لا تَنْفُذُونَ إلّا في سُلْطانِ اللَّهِ ومُلْكِهِ، لِأنَّهُ مالِكُ كُلِّ شَيْءٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: لا تَنْفُذُونَ إلّا بِحُجَّةٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والثّالِثُ: لا تَنْفُذُونَ إلّا بِمُلْكٍ، ولَيْسَ لَكم مُلْكٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُرْسَلُ عَلَيْكُما ﴾ فَثَنّى عَلى اللَّفْظِ.
وقَدْ جَمَعَ في قَوْلِهِ ﴿ إنِ اسْتَطَعْتُمْ ﴾ عَلى المَعْنى.
فَأمّا "الشُّواظُ" فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ لَهَبُ النّارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو اللَّهَبُ الأخْضَرُ المُنْقَطِعُ مِنَ النّارِ.
والثّانِي: الدُّخانُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والثّالِثُ: النّارُ المَحْضَةُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي النّارُ الَّتِي تَأجَّجُ لا دُخانَ فِيها، ويُقالُ: شُواظٌ وشِواظٌ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِ الشِّينِ؛ وقَرَأ أيْضًا هو وأهْلُ البَصْرَةِ: "وَنُحاسٍ" بِالخَفْضِ، والباقُونَ بِرَفْعِهِما.
وَفِي "النُّحاسِ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ دُخانُ النّارِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ، ومِنهُ قَوْلُ الجَعْدِيُّ يَذْكُرُ امْرَأةً: تُضِيءُ كَضَوْءِ سِراجِ السَّلِي طِ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ فِيهِ نُحاسا وَذَكَرَ الفَرّاءُ في السَّلِيطِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ دُهْنُ السَّنامِ، ولَيْسَ لَهُ دُخانٌ إذا اسْتُصْبِحَ بِهِ.
والثّانِي: أنَّهُ دُهْنُ السِّمْسِمِ.
والثّالِثُ: الزَّيْتُ.
والثّانِي: أنَّهُ الصُّفْرُ المُذابُ يُصَبُّ عَلى رُؤُوسِهِمْ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
قالَ مُقاتِلٌ: والمُرادُ بِالآيَةِ: كُفّارُ الجِنِّ والإنْسِ، يُرْسَلُ عَلَيْهِما في الآخِرَةِ لَهَبُ النّارِ والصُّفْرُ الذّائِبُ، وهي خَمْسَةُ أنْهارٍ تَجْرِي مِن تَحْتِ العَرْشِ عَلى رُؤُوسِ أهْلِ النّارِ، ثَلاثَةُ أنْهارٍ عَلى مِقْدارِ اللَّيْلِ، ونَهْرانِ عَلى مِقْدارِ نَهارِ الدُّنْيا، ﴿ فَلا تَنْتَصِرانِ ﴾ أيْ: فَلا تَمْتَنِعانِ مِن ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَسْألُهُ مَن في السَماواتِ والأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ سَنَفْرُغُ لَكم أيُّهَ الثَقَلانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إلا بِسُلْطانٍ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "يَسْألُهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن "الوَجْهِ" والعامِلُ فِيهِ "يَبْقى"،أيْ: هو دائِمٌ في هَذِهِ الحالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا مُسْتَأْنَفًا إخْبارًا مُجَرَّدًا، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ مِنَ الأشْياءِ فَهو في قِوامِهِ وتَمَسُّكِهِ ورِزْقِهِ إنْ كانَ مِمّا يُرْزَقُ بِحالِ حاجَةٍ إلى اللهِ تَعالى، فَمَن كانَ يَسْألُ بِنُطْقٍ فالأمْرُ فِيهِ بَيِّنٌ، ومَن كانَ مِن غَيْرِ ذَلِكَ فَحالُهُ تَقْتَضِي السُؤالَ فَأسْنَدَ فِعْلَ السُؤالِ إلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ ﴾ أيْ: يَظْهَرُ شَأْنٌ مِن قُدْرَتِهِ الَّتِي سَبَقَتْ في الأزَلِ في مِيقاتِهِ مِنَ الزَمَنِ، مِن إحْياءٍ وإماتَةٍ ورَفْعٍ وخَفْضٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا يَعْلَمُ نِهايَتَها إلّا هو تَعالى وجَلَّ، و"الشَأْنُ" اسْمُ جِنْسٍ لِلْأُمُورِ، قالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: مَعْنى الآيَةِ سَوْقُ المَقادِيرِ إلى المَواقِيتِ، وقَدْ ورَدَ في بَعْضِ الأخْبارِ أنَّ اللهَ تَعالى لَهُ كُلُّ يَوْمٍ في اللَوْحِ المَحْفُوظِ ثَلاثمِائَةٍ وسِتُّونَ نَظْرَةً، يُعِزُّ فِيها ويُذِلُّ، ويُحْيِي ويُمِيتُ، ويُغْنِي ويُعْدِمُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأشْياءِ، لا إلَهَ إلّا هو.
وفي الحَدِيثِ «أنَّ النَبِيَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَقِيلَ: ما هَذا الشَأْنُ يا رَسُولَ اللهِ؟
قالَ: "يَغْفِرُ ذَنْبًا، ويُفَرِّجُ كَرْبًا، ويَرْفَعُ وَيَضَعُ"،» وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُ اليَهُودِ: إنَّ اللهَ اسْتَراحَ يَوْمَ السَبْتِ فَلا يَنْفُذُ فِيهِ شَيْئًا تَعالى عن قَوْلِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَنَفْرُغُ لَكم أيُّهَ الثَقَلانِ ﴾ عِبارَةٌ عن إتْيانِ الوَقْتِ الَّذِي قُدِّرَ فِيهِ وقَضى أنْ يَنْظُرَ في أمْرِ عِبادِهِ، وذَلِكَ يَوْمُ القِيامَةِ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ ثَمَّ شُغْلًا يَفْرَغُ مِنهُ، وإنَّما هي إشارَةُ وعِيدٍ، وقَدْ «قالَ رَسُولُ اللهِ لِأزَبِّ العَقَبَةِ: أما واللهِ لَأفْرُغَنَّ لَكَ ما حَيِيتُ".» و"التَفَرُّغُ" مِن كُلِّ آدَمِيٍّ حَقِيقَةٌ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: "سَنَفْرُغُ" بِفَتْحِ النُونِ وضَمِّ الراءِ وقَرَأ الأعْرَجُ، وقَتادَةُ ذَلِكَ بِفَتْحِ الراءِ والنُونِ، ورُوِيَتْ عن عاصِمٍ، ويُقالُ: فَرَغَ بِفَتْحِ الراءِ، وفَرَغَ بِكَسْرِها، ويَصِحُّ مِنهُما جَمِيعًا أنْ يُقالَ: يُفْرَغُ بِفَتْحِ الراءِ، وقَرَأ عِيسى بِكَسْرِ النُونِ وفَتْحِ الراءِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: هي لُغَةُ سُفْلى مُضَرٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمَزَهُ، والكِسائِيُّ بِالياءِ المَفْتُوحَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِضَمِّ الياءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِفَتْحِها وضَمِّ الراءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ -بِخِلافٍ- وأبُو حَيْوَةَ: " سَيُفْرَغُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الراءِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ أيْضًا: "سَنَفْرُغُ إلَيْكُمْ".
و"الثَقَلانِ": الجِنُّ والإنْسُ، يُقالُ لِكُلِّ ما يَعْظُمُ أمْرُهُ: ثَقِيلٌ، ومِنهُ "وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها"، وقالَ النَبِيُّ : « "إنِّي تارِكٌ فِيكُمُ الثِقْلَيْنِ كِتابَ اللهِ وعِتْرَتِي"،» ويُقالُ لِبَيْضِ النَعامِ: ثَقَلٌ، قالَ لَبِيدٌ: فَتَذَكَّرا ثَقَلًا...............................
وقالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصادِقُ: سُمِّيَ الجِنُّ والأُنْسُ ثَقَلَيْنِ لِأنَّهُما ثَقُلا بِالذُنُوبِ، وهَذا بارِعٌ يَنْظُرُ إلى خَلْقِهِما مِن طِينٍ ونارٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "أيُّهَ الثَقَلانِ" بِضَمِّ الهاءِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَماواتِ والأرْضِ ﴾ - فَقالَ الطَبَرِيُّ: قالَ قَوْمٌ: في الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يُقالُ لَكُمْ: يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ، قالُوا: وهَذِهِ حِكايَةٌ عن حالِ يَوْمِ القِيامَةِ، "يَوْمَ التَنادِ" عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِشَدِّ الدالِّ، قالَ الضَحّاكُ: وذَلِكَ أنَّهُ يَفِرُّ الناسُ في أقْطارِ الأرْضِ، والجِنُّ كَذَلِكَ، لِما يَرَوْنَ مِن هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَيَجِدُونَ سَبْعَةَ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ قَدْ أحاطَتْ بِالأرْضِ فَيَرْجِعُونَ مِن حَيْثُ جاؤُوا، فَحِينَئِذٍ يُقالُ لَهُمْ: ﴿ يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ﴾ .
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: بَلْ هي مُخاطَبَةٌ في الدُنْيا، والمَعْنى: إنِ اسْتَطَعْتُمُ الفِرارَ مِنَ المَوْتِ بِأنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَماواتِ والأرْضِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنِ اسْتَطَعْتُمْ بِأذْهانِكم وفِكْرِكم أنْ تُنَفِّذُوا فَتَعْلَمُوا عِلْمَ أقْطارِ السَماواتِ والأرْضِ، و"الأقْطارُ": الجِهاتُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فانْفُذُوا" صِيغَتُةُ الأمْرُ ومَعْناهُ التَعْجِيزُ.
و"السُلْطانُ" هو القُوَّةُ عَلى غَرَضِ الإنْسانِ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الأعْظَمِ مِنَ الأمْرِ والحُجَجِ أبَدًا مِنَ القَوِيِّ في الأُمُورِ، فَلِذَلِكَ يُعَبِّرُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَنِ السُلْطانِ بِأنَّهُ الحُجَّةُ، وقالَ قَتادَةُ: السُلْطانُ هُنا المَلِكُ، ولَيْسَ لَهم مَلِكٌ.
و"الشُواظُ": لَهَبُ النارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ، وقالَ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ: لا يَكُونُ الشُواظُ إلّا مِنَ النارِ وشَيْءٌ مَعَها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَذَلِكَ النارُ كُلُّها لا تُحَسُّ إلّا وشَيْءٌ مَعَها.
وقالَ مُجاهِدٌ: الشُواظُ هو اللهَبُ الأخْضَرُ المُتَقَطِّعُ، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ قَوْلُ حَسّانِ بْنِ ثابِتٍ يَهْجُو أُمِّيَّةَ بْنَ أبِي الصَلْتِ: هَجَوْتُكَ فاخْتَضَعْتَ حَلِيفَ ∗∗∗ ذُلٍّ بِقافِيَةٍ تَأجَّجُ كالشُواظِ وَقالَ الضَحّاكُ: هو الدُخّانُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ اللهَبِ ولَيْسَ بِدُخانِ الحَطَبِ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "شُواظٌ" بِضَمِّ الشِينِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ وحْدَهُ، وشِبْلُ، وعِيسى: "شِواظُ" بِكَسْرِ الشِينِ، وهُما لُغَتانِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ: النُحاسُ: الدُخانُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: تُضِيءُ كَضَوْءِ سِراجِ السَلِيـ ∗∗∗ ـطِ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ فِيهِ نُحاسًا والسَلِيطُ: دُهْنُ الشَيْرَجِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "وَنُحاسٌ" بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى "شُواظٌ"، فَمَن قالَ إنَّ النُحاسَ هو المَعْرُوفُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا- قالَ: ويُرْسَلُ عَلَيْهِما نُحاسٌ، أيْ: يُذابُ ويُرْسَلُ عَلَيْهِما، ومَن قالَ هو الدُخانُ قالَ: يُعَذَّبُونَ بِدُخانٍ يُرْسَلُ عَلَيْهِما.
وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والنَخْعِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "وَنُحاسٍ" بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى "نارٍ"، وهَذا مُسْتَقِيمٌ عَلى ما حَكَيْناهُ عن أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، ومَن رَأى أنَّ الشُواظَ يَخْتَصُّ بِالنارِ قَدَّرَ هُنا: وشَيْءٍ مِن نُحاسٍ، وحَكى أبُو حاتِمٍ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قَرَأ: "وَنِحاسٍ" بِكَسْرِ النُونِ والجَرِّ، وعن عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ أبِي بَكَرَةَ أنَّهُ قَرَأ: "وَنَحُسٌ" بِفَتْحِ النُونِ وضَمِّ الحاءِ والسِينِ المُشَدَّدَةِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ، كَأنَّهُ يَقُولُ: ونَقْتُلُ بِالعَذابِ، وعنأبِي جُنْدُبٍ أنَّهُ قَرَأ: "وَنَحْسٌ" كَما تَقُولُ: يَوْمَ نَحْسٍ، وحَكى أبُو عَمْرٍو مِثْلَ قِراءَةِ مُجاهِدٍ عن طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، وذَلِكَ لُغَةٌ في نُحاسٍ، وقِيلَ: هو جَمْعُ نَحْسٍ، ومَعْنى الآيَةِ مُسْتَمِرٌّ في تَعْجِيزِ الجِنِّ والإنْسِ، أيْ: أنْتُما بِحالِ مَن يُرْسَلُ عَلَيْهِ هَذا فَلا يَنْتَصِرانِ.
<div class="verse-tafsir"
هذا مقول قول محذوف يدل عليه سياق الكلام السابققِ واللاحق، وليس خطاباً للإِنس والجنّ في الحياة الدنيا.
والتقدير: فنقول لكم كما في قوله تعالى: ﴿ ويوم نحشرهم جميعاً يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس ﴾ [الأنعام: 128] الآية، أي فنقول: يا معشر الجن قد استكثرتم من الإِنس، وتقدم في سورة الأنعام.
والمعشر: اسم للجمع الكثير الذي يُعد عشرةً عشرةً دون آحاد.
وهذا إعلان لهم بأنهم في قبضة الله تعالى لا يجدون منجىً منها، وهو ترويع للضالين والمضلّين من الجن والإِنس بما يترقبهم من الجزاء السيّء لأن مثل هذا لا يقال لجمع مختلط إلا والمقصود أهل الجناية منهم فقوله: ﴿ يا معشر الجن والإنس ﴾ عام مراد به الخصوص بقرينة قوله بعده ﴿ يرسل عليكما شواظ ﴾ [الرحمن: 35] الخ.
والنفوذ والنفاذ: جواز شيء عن شيء وخروجُه منه.
والشرط مستعمل في التعجيز، وكذلك الأمر الذي هو جواب هذا الشرط من قوله: ﴿ فانفذوا ﴾ ، أي وأنتم لا تستطيعون الهروب.
والمعنى: إن قَدَرْتُم على الانفلات من هذا الموقف فافلتوا.
وهذا مؤذن بالتعريض بالتخويف مما سيظهر في ذلك الموقف من العقاب لأهل التضليل.
والأقطار: جمع قُطر بضم القاف وسكون الطاء وهو الناحية الواسعة من المكان الأوسع، وتقدم في قوله تعالى: ﴿ ولو دخلت عليهم من أقطارها ﴾ في سورة الأحزاب (14).
وذكر السماوات والأرض لتحقيق إحاطة الجهات كلها تحقيقاً للتعجيز، أي فهذه السماوات والأرض أمامكم فإن استطعتم فاخرجوا من جهة منها فراراً من موقفكم هذا، وذلك أن تعدد الأمكنة يسهل الهروب من إحدى جهاتها.
والأرض المذكورة هنا إما أن تكون الأرض التي في الدنيا وذلك حين البعث، وإما أن تكون أرض الحشر وهي التي سماها القرآن الساهرة في سورة النازعات (14)، وقال تعالى: ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات ﴾ [إبراهيم: 48]، وإما أن يكون ذلك جارياً مجرى المثل المستعمل للمبالغة في إحاطة الجهات كقول أبي بكر الصديق: «أيُّ أرض تقلني، وأيُّ سماء تُظلني».
وهذه المعاني لا تتنافى، وهي من حدّ إعجاز القرآن.
وجملة ﴿ لا تنفذون إلاَّ بسلطان ﴾ بيان للتعجيز الذي في الجملة قبله فإن السلطان: القدرة، أي لا تنفذون من هذا المأزق إلا بقدرة عظيمة تفوق قدرة الله الذي حشركم لهذا الموقف، وأنَّى لكم هاته القوة.
وهذا على طريق قوله: ﴿ وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون ﴾ [الشعراء: 210، 211]، أي ما صعدوا إلى السماء فيتنزَّلوا به.
<div class="verse-tafsir"
أحَدُهُما: أيْ لَنُقُومَنَّ عَلَيْكم عَلى وجْهِ التَّهْدِيدِ.
الثّانِي: سَنَقْصِدُ إلى حِسابِكم ومُجازاتِكم عَلى أعْمالِكم وهَذا وعِيدٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ، وقالَ جَرِيرٌ الآنَ وقَدْ فَرَغْتَ إلى نُمَيْرٍ فَهَذا حِينَ كُنْتَ لَها عَذابًا أيْ قَصَدْتَ لَهم، والثَّقَلانِ الإنْسُ والجِنُّ سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهم ثُقْلٌ عَلى الأرْضِ.
﴿ يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إلا بِسُلْطانٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَعْلَمُوا ما في السَّماواتِ والأرْضِ فاعْلَمُوا، لَنْ تَعْلَمُوهُ إلّا بِسُلْطانٍ، قالَهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ.
الثّانِي: إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَخْرُجُوا مِن جَوانِبِ السَّماواتِ والأرْضِ هَرَبًا مِنَ المَوْتِ فانْفُذُوا، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ لا تَنْفُذُونَ إلا بِسُلْطانٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي إلّا بِحُجَّةٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ: والحُجَّةُ الإيمانُ.
الثّانِي: لا تَنْفُذُونَ إلّا بِمُلْكٍ ولَيْسَ لَكم مُلْكٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ لا تَنْفُذُونَ إلّا في سُلْطانِهِ ومُلْكِهِ، لِأنَّهُ مالِكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الشُّواظَ لَهَبُ النّارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ يَهْجُو حَسّانَ بْنَ ثابِتٍ يَمانِيًّا يَظَلُّ يَشُدُّ كِيرًا ∗∗∗ ويَنْفُخُ دائِبًا لَهَبَ الشُّواظِ فَأجابَهُ حَسّانٌ فَقالَ هَمَزْتُكَ فاخْتَضَعْتَ بِذُلِّ نَفْسٍ ∗∗∗ بِقافِيَةٍ تَأجَّجُ كالشَّواظِ الثّانِي: أنَّهُ قِطْعَةٌ مِنَ النّارِ فِيها خُضْرَةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الدُّخانُ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، قالَ رُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ إنَّ لَهم مِن وقْعِنا أقْياظًا ∗∗∗ ونارَ حَرْبٍ تَسْعَرُ الشَّواظا الرّابِعُ: أنَّها طائِفَةٌ مِنَ العَذابِ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَأمّا النُّحاسُ فَفِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الصُّفْرُ المُذابُ عَلى رُؤُوسِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ دُخانُ النّارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، قالَ النّابِغَةُ الجَعْدِيُّ كَضَوْءِ سِراجِ السُّلَيْ ∗∗∗ طِ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ فِيهِ نُحاسًا.
الثّالِثُ: أنَّهُ القَتْلُ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ.
الرّابِعُ: أنَّهُ نَحْسٌ لِأعْمالِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ سنفرغ لكم أيها الثقلان ﴾ قال: قددنا من الله فراغ لخلقه.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ سنفرغ لكم أيها الثقلان ﴾ قال: وعيد.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ سنفرغ لكم أيها الثقلان ﴾ قال: هذا وعيد من الله لعباده وليس بالله شغل، وفي قوله: ﴿ لا تنفذون إلا بسلطان ﴾ يقول: لا تخرجوا من سلطاني.
وأخرج البزار والبيهقي عن طلحة بن منصور ويحيى بن وثاب رضي الله عنه أنهما قرآ ﴿ سيفرغ لكم ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ لا تنفذون إلا بسلطان ﴾ قال: إلا بملكة من الله.
وأخرج ابن أبي الدنيا في هواتف الجان عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: كان سبب إسلام الحجاج بن علاط أنه خرج في ركب من قومه إلى مكة، فلما جن عليه الليل استوحش فقام يحرس أصحابه ويقول: أعيذ نفسي وأعيذ أصحابي من كل جني بهذا النقب حتى أن أعود سالماً وركبي، فسمع قائلاً يقول ﴿ يا معشر الجن والإِنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان ﴾ فلما قدم مكة أخبر بذلك قريشاً فقالوا له: إن هذا فيما يزعم محمد أنه أنزل عليه.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يرسل عليكما شواظ من نار ﴾ قال: لهب النار ﴿ ونحاس ﴾ قال: دخان النار.
وأخرج ابن الأنباري في كتاب الوقف والابتداء والطستي والطبراني عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ يرسل عليكما شواظ من نار ﴾ قال: الشواظ اللهب الذي لا دخان له.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت أمية بن أبي الصلت الثقفي وهو يقول: يظل يشب كيراً بعد كير ** وينفخ دائماً لهب الشواظ قال: فأخبرني عن قوله: ﴿ ونحاس ﴾ قال: هو الدخان الذي لا لهب فيه.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت الشاعر وهو يقول: يضيء كضوء سراج السليط ** لم يجعل الله فيه نحاساً وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ يرسل عليكما شواظ من نار ﴾ قال: لهب من نار.
وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ يرسل عليكما شواظ من نار ﴾ قال: هو اللهب الأحمر المنقطع منها، وفي لفظ قال: قطعة من نار حمرة ﴿ ونحاس ﴾ قال: يذاب الصفر فيصب على رؤوسهم.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس ﴾ قال: واديان فالشواظ واد من نتن والنحاس واد من صفر والنتن نار.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ يرسل عليكما شواظ من نار ﴾ قال: نار تخرج من قبل المغرب تحشر الناس حتى أنها لتحشر القردة والخنازير، تبيت حيث باتوا، وتقيل حيث قالوا.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ونحاس ﴾ قال: هو الصفر يعذبون به.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ فلا تنتصران ﴾ يعني الجن والإِنس.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فإذا انشقت السماء فكانت وردة ﴾ يقول: حمراء ﴿ كالدهان ﴾ قال: هو الأديم الأحمر.
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فكانت وردة كالدهان ﴾ قال: مثل لون الفرس.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ فكانت وردة كالدهان ﴾ قال: حمراء كالدابة الوردة.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي الجوزاء رضي الله عنه ﴿ فكانت وردة كالدهان ﴾ قال: وردة الجل ﴿ كالدهان ﴾ قال: كصفاء الدهن، ألم تر العربي يقول: الجل الورد.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن عطاء ﴿ فكانت وردة كالدهان ﴾ قال: لون السماء كلون دهن الورد في الصفرة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان ﴾ قال: هي اليوم خضراء كما ترون، وإن لها يوم القيامة لوناً آخر.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ فكانت وردة كالدهان ﴾ قال: كالدهن.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ فكانت وردة كالدهان ﴾ قال: صافية كصفاء الدهن.
وأخرج محمد بن نصر عن لقمان بن عامر الحنفي «أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ بشاب يقرأ ﴿ فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان ﴾ فوقف فاقشعرّ وخنقته العبرة يبكي ويقول: ويلي من يوم تنشق فيه السماء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا فتى فوالذي نفسي بيده لقد بكيت الملائكة من بكائك» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ﴾ قال: لا يسألهم هل عملتم كذا وكذا لأنه أعلم بذلك منهم ولكن يقول: لم عملتم كذا وكذا؟
وأخرج ابن جرير وابن مردوية عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ﴾ يقول: لا أسألهم عن أعمالهم، ولا أسأل بعضهم عن بعض، وهو مثل قوله: ﴿ ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون ﴾ [ القصص: 78] ومثل قوله: ﴿ ولا تسأل عن أصحاب الجحيم ﴾ [ البقرة: 119] .
وأخرج ابن مردوية عن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحاسب أحد يوم القيامة فيغفر له، ويرى المسلم عمله في قبره يقول الله: ﴿ فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ﴾ » .
وأخرج آدم وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الشعب عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ﴾ قال: لا تسأل الملائكة عن المجرم يعرفونهم بسيماهم.
وأخرج هناد وعبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ يعرف المجرمون بسيماهم ﴾ قال: بسواد وجوههم وزرقة عيونهم.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه ﴿ يعرف المجرمون بسيماهم ﴾ قال: بسواد الوجوه وزرقة العيون.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فيؤخذ بالنواصي والأقدام ﴾ قال: تأخذ الزبانية بناصيته وقدميه، ويجمع فيكسر كما يكسر الحطب في التنور.
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ فيؤخذ بالنواصي والأقدام ﴾ قال: يأخذ الملك بناصية أحدهم فيقرنها إلى قدميه، ثم يكسر ظهره، ثم يلقيه في النار.
وأخرج هناد في الزهد عن الضحاك رضي الله عنه في الآية قال: يجمع بين ناصيته وقدميه في سلسلة من وراء ظهره.
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن رجل من كندة قال: قلت لعائشة رضي الله عنها: أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنه يأتي عليه ساعة لا يملك لأحد شفاعة؟
قالت: نعم لقد سألته، فقال: نعم حين يوضع الصراط وحين تبيض وجوه وتسود وجوه، وعند الجسر حتى يشحذ حتى يكون مثل شفرة السيف، ويسجر حتى يكون مثل الجمرة، فأما المؤمن فيجيزه ولا يضره، وأما المنافق فينطلق حتى إذا كان في وسطه خز في قدميه يهوى بيديه إلى قدميه، فهل رأيت من رجل يسعى حافياً فيؤخذ بشوكة حتى تكاد تنفذ قدميه، فإنه كذلك يهوى بيديه إلى قدميه فيضربه الزباني بخطاف في ناصيته فيطرح في جهنم يهوي فيها خمسين عاماً، فقلت: أيثقل؟
قال: يثقل خمس خلفات، فيومئذ ﴿ يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه والضياء المقدسي في صفة النار عن أنس رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «والذي نفسي بيده لقد خلقت زبانية جهنم قبل أن تخلق جهنم بألف عام فهم كل يوم يزدادون قوة إلى قوتهم حتى يقبضوا من قبضوا عليه بالنواصي والأقدام» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وبين حميم آن ﴾ قال: الذي انتهى حره.
وأخرج الطستي والطبراني عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ حميم آن ﴾ قال: الآني الذي انتهى طبخه وحره، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت نابغة بني ذبيان، وهو يقول: ويخضب لحية غدرت وخانت ** بأحمى من نجيع الجوف آني وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وبين حميم آن ﴾ قال: قد آنى طبخه منذ خلق الله السموات والأرض.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وبين حميم آن ﴾ قال: قد بلغ إناه.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ وبين حميم آن ﴾ قال: نار قد اشتد حرها.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير ﴿ وبين حميم آن ﴾ قال: النحاس انتهى حره.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ ﴾ ولم يقل إن استطعتما؛ لأنهما إذا جمعا جمع (١) ﴿ هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا ﴾ وكقوله ﴿ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ ﴾ ولو قيل: إن استطعتم كان صوابًا كما قال ﴿ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا ﴾ ذكر ذلك الفراء والكسائي (٢) قوله ﴿ أَنْ تَنْفُذُوا ﴾ يقال: نفذ الشيء من الشيء إذا خلص منه كالسهم ينفذ من الرمية نفوذا أو نفاذا، ونفذ من الشيء خرج منه، والنفذ المخرج، يقال: لهذا الطريق نفذ إلى مكان كذا، أي: مخرج، والنفاذ: الجواز، وهذا يستعمل بالباء يقال: نفذ بالشيء كما يقال: مر بالشيء (٣) قوله: ﴿ مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ أي من جوانبها ونواحيها.
واحدها قطر وقتر (٤) وفي تفسير هذه الآية قولان، أحدهما: أن المعنى: إن استطعتم أن تهربوا من الموت بأن تخرجوا من أقطار السموات والأرض فاهربوا واخرجوا منها، والمعنى أنكم حيث ما كنتم أدرككم الموت، كما قال تعالى: ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ ﴾ ولن تستطيعوا أن تهربوا من بالخروج من أقطار السموات والأرض، وهذا قول ابن مسعود ومقاتل، قال: إن استطعتم أن تنفذوا من أطراف السموات والأرض هرابًا من الموت فانفذوا ﴿ لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ ﴾ يقول: إلا بملكي حيث توجهتم فثم ملكي وأنا آخذكم بالموت (٥) ومعنى (السلطان) القوة التي يتسلط بها على الأمر، ثم الملك والقدرة والحجة كلها سلطان، يدل على أنه واحد.
القول الثاني: أن الله تعالى يأمر الملائكة يوم القيامة فتحف بأطراف السموات والأرض فيكونون على أطرافها وتحضر جهنم فيسمع الجن والإنس زفيرها فيندون فيقال لهم: ﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ﴾ الآية، فلا يستطيع شيطان ولا إنس ولا جن يخرج من أقطارها، والمعنى أن تنفذوا من أقطارها هاربين من العقاب، فانفذوا، وهذا أمر تعجيز على القولين، والقول الثاني هو قول الكلبي والضحاك (٦) ﴿ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ ﴾ في الخبر: "يحاط على الخلق بالملائكة وبلسان من نار ثم ينادون: يا معشر الجن والإنس إن استطعتم، وذلك قوله تعالى: (١) ظاهر العبارة غير مستقيم، وفي "الكشف والبيان" 12/ 40/ ب (ولم يقل إن استطعتما لأنهما فريقان في حال الجمع).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 116، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 169.
(٣) انظر: "تهذيب اللغة" 14/ 436، و"اللسان" 3/ 686، و"المفردات" ص 500 (نفذ).
(٤) أقطارها: نواحيها، واحدها قطر، وكذلك أقتارها، واحدها قُتْرٌ.
"اللسان" 3/ 114 (قطر).
(٥) انظر: "تفسير مقاتل" 136 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 271، وأورده الطبري في "تفسيره" 27/ 80، وغيره عن الضحاك.
(٦) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 317، و"معالم التنزيل" 4/ 271.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا ﴾ هذا كلام يقال للجن والإنس يوم القيامة أي: إن قدرتم على الهروب والخروج من أقطار السموات والأرض فافعلوا، ورُوي أنهم يفرون يومئذ لما يرون من أهوال القيامة فيجدون سبعة صفوف من الملائكة، قد أحاطت بالأرض فيرجعون، وقيل: بل خوطبوا بذلك في الدنيا؛ والمعنى: إن استطعتم الخروج عن قهر الله وقضائه عليكم فافعلوا، وقوله: ﴿ فانفذوا ﴾ أمر يراد به التعجيز ﴿ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ ﴾ أي لا تقدرون على النفوذ إلا بقوة، وليس لكم قوة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ والحب ذا العصف والريحان ﴾ بالنصب فيهما: ابن عامر ﴿ والحب ذو العصف ﴾ بالرفع فيهما ﴿ والريحان ﴾ بالجر: حمزة وعلي وخلف.
الباقون: برفع الريحان ﴿ يخرج ﴾ مجهولاً من الإخراج: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب ﴿ اللؤلؤ ﴾ كنظائره ﴿ والجوار ﴾ ممالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو وخلف طريق ابن عبدوس.
﴿ المنشآت ﴾ بكسر الشين.
حمزة ويحيى طريق الصريعيني ﴿ سيفرغ ﴾ بالياء: حمزة وعلي وخلف.
الباقون: بالنون على طريق الالتفات ﴿ أيه الثقلان ﴾ بضم الهاء مثل ﴿ أيه المؤمنون ﴾ ﴿ يا أيها الساحر ﴾ ﴿ شواظ ﴾ بكسر الشين: ابن كثير ونحاس.
بالجر: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ﴿ لم يطمثهن ﴾ بضم الميم في إحداهما تخيراً: علي.
وروى أبو الحرث عنه في الأولى بالضم ﴿ من استبرق ﴾ بنقل حركة الهمزة إلى النون: رويس وورش والشموني وحمزة في الوقف ﴿ ذو الجلال ﴾ بالرفع: ابن عامر.
الوقوف: ﴿ الرحمن ﴾ ه لا ﴿ القرآن ﴾ ه ط ﴿ الإنسان ﴾ ه ﴿ البيان ﴾ ه ﴿ بحسبان ﴾ ه ص لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ يسجدان ﴾ ه ﴿ الميزان ﴾ ه لا لتعلق أن ﴿ الميزان ﴾ ه ﴿ للأنام ﴾ ه لا لأن الجملة بعدها حال ﴿ فاكهة ﴾ ص ﴿ الأكمام ﴾ ه ص ﴿ والريحان ﴾ ه ج لابتداء الاستفهام مع دخول فاء التعقيب، والوقف أجوز لأن الابتداء بالاستفهام مبالغة في التنبيه وكذلك في جميع السورة ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ كالفخار ﴾ ه لا ﴿ نار ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ المغربين ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ يلتقيان ﴾ ه لا لأن ما بعده حال من الضمير في ﴿ يلتقيان ﴾ ﴿ ولا يبغيان ﴾ ه حال بعد حال ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ والمرجان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ كالأعلام ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ فإن ﴾ ه ج لعطف الجملتين المختلفتين والأولى الوصل لأن الكلام الأول يتم بالثاني.
﴿ والإكرام ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ شأن ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ الثقلان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ فانفذوا ﴾ ه ط ﴿ بسلطان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ فلا تنتصران ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ كالدهان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ ولاجان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ والأقدام ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه م لأنه لو وصل صار ما بعده حالاً من المجرمين وليس كذلك ﴿ آن ﴾ ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ جنتان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ ذواتا ﴾ صفة ﴿ أفنان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ تجريان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ زوجان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ج لأن ﴿ متكئين ﴾ حال إلا أن الكلام قد تطاول ﴿ من إستبرق ﴾ ط ﴿ دان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ الطرف ﴾ لا لأن ﴿ لم يطمثهن ﴾ حال عنهن ﴿ جان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ والمرجان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ إلا الإحسان ﴾ ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ جنتان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ مدهامتان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ نضاختان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ ورمان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ج ﴿ حسان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ في الخيام ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ جان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ج ﴿ حسان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ والإكرام ﴾ ه.
التفسير: افتتح السورة المتقدمة بذكر معجزة تدل على الهيبة والعظمة وهي انشقاق القمر.
وافتتح هذه السورة بذكر معجزة تدل على الرحمة والعناية وهي القرآن الكريم الذي فيه شفاء القلوب والطهارة عن الذنوب، وهو أسبق الآلاء قدماً وأجل النعماء منصباً.
وبين السورتين مناسبة أخرى من جهة أنه ذكر هناك ما يدل على الانتقام والغضب كقوله { ﴿ فذوقوا عذابي ونذر ﴾ وقوله ﴿ فكيف كان عذابي ونذر ﴾ وذكر في هذه السورة بعد تعداد كل نعمة ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ مرة بعد مرة وتذكير النعمة على نعمة لأنها مما توقظ الوسنان وتنبه أهل الغفلة والنسيان.
قال جار الله ﴿ الرحمن ﴾ مبتدأ والأفعال بعده مع ضمائرها أخبار مترادفة، وإخلاؤها عن العاطف إما لأن العائد قام مقام الصدر وإما لمجيئها على نمط التعديد كما تقول: زيد أغناك بعد فقر أعزك بعد ذل كثرك بعد بعد قلة فعل بك ما لم يفعله أحد بأحد فما تنكر من إحسانه.
قلت: فعلى هذا لو لم يوقف على ﴿ القرآن ﴾ جاز.
وقيل: الرحمن خبر مبتدأ أي هو الرحمن.
ثم استأنف قائلاً ﴿ علم القرآن ﴾ وما مفعوله الأول؟
قيل: هو متعدٍ إلى واحد والمعنى جعل القرآن علامة وآية للنبوة.
وقيل: هو جبرائيل أي علم جبرائيل القرآن حتى نزل به على محمد.
وقيل: علم محمداً أو الإنسان القرآن كما يليق بفهمهم على حسب استعدادهم ولعله يلزم من الوجه الأخير شبه تكرار من قوله ﴿ خلق الإنسان علمه البيان ﴾ فالأول إشارة إلى قواه البدنية والثاني إشارة إلى قواه النطقية، ويلزم منه أيضاً أن يكون التعليم قبل الخلق ظاهراً إلا أن يكون تفصيلاً لما أجمله.
وقد نقل عن ابن عباس أن الإنسان آدم علمه الأسماء كلها، أو محمد .
والبيان القرآن فيه بيان ما كان وما سيكون إلى يوم القيامة.
قوله ﴿ الشمس والقمر بحسبان ﴾ أي بحسبانه استغنى عن الوصل اللفظي بالربط المغنوي لرعاية الفاصلة يعني أنهما يجريان في بروجهما ومنازلهما بحساب معلوم ﴿ والنجم ﴾ وهو النبات بغير ساق ﴿ والشجر يسجدان ﴾ بالانقياد له.
وإنما وسط العاطف بين هاتين الجملتين لما بين العلوي والسفلي من تناسب التقابل، ولما بين الحسبان والسجود من تناسب التجانس، وذلك لأن سيرهما بحساب مقدّر مقرر وهو من جنس الانقياد لأمر الله ﴿ والسماء رفعها ﴾ قال في الكشاف: أي خلقها مرفوعة مسموكة حيث جعلها منشأ أحكامه ومصدر قضاياه ومسكن ملائكته الذين يهبطون بالوحي على أنبيائه.
قلت: إنه حمل الرفع على ارتفاع المنزلة ولعل المراد به الرفع الحسي ليطابق قوله ﴿ والأرض وضعها ﴾ أي خفضها في مركز العالم مدحوة محاطة بالماء.
نعم لو جعل وضع الأرض عبارة عن ذلها وتسخيرها كقوله ﴿ هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً ﴾ صح تفسيره وإنما وسط قوله ﴿ ووضع الميزان ﴾ بين رفع السماء ووضع الأرض لأنه لا ينتفع بالميزان إلا إذا كان معلقاً في الهواء بين الأرض والسماء وهذا أمر حسي، وأما العقلي فهو أنه بدأ أولاً من النعم بذكر القرآن الذي هو بيان الشرائع والتكاليف، ثم أتبعه ذكر كيفية خلق الإنسان وقواه النفسانية وما يتم به معاشه من السماويات والأرضيات، ثم ذكر أنه خلق لأجلهم آلة الوزن بهما يقيمون العدالة في ومعاملاتهم وأمور تمدنهم فصار كما مر في ﴿ حم عسق ﴾ ﴿ الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان ﴾ وكما يجيء في الحديد ﴿ وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ﴾ وأن في قوله ﴿ ألا تطغوا ﴾ مفسرة أو ناصبة أي لأن لا تتجاوز حد الاعتدال في شأن هذه الآية أي في شأن الوزن.
ثم أكد بقوله إثباتاً ونفياً ﴿ وأقيموا الوزن بالقسط ﴾ قوِّموه أو قوموا لسان الميزان بالعدل ﴿ ولا تخسروا الميزان ﴾ أي لا تجعلوها سبباً للخسران والتطفيف.
وفي تكرير لفظ الميزان بل في ورود هذه الجمل المتقاربة الدلالة مكررة إشارة إلى الاهتمام بأمر العدل وندب إليه وتحريض عليه.
وقيل: الأول ميزان الدنيا والثاني ميزان الآخرة والثالث ميزان العقل.
وقيل: نزلت متفرقة فاقتضى الإظهار.
قوله ﴿ للأنام ﴾ أي لكل ما على ظهر الأرض من دابة.
وقيل: للإنسان.
وخص بالذكر لشرفه ولأن الباقي خلق لأجله ﴿ فيها فاكهة ﴾ التنوين للتعظيم وهي كل ما يتفكه به.
وقد أفرد النخل بالذكر للتفضيل ولأنه فاكهة غذائية.
والأكمام جمع كم وهو وعاء الثمر.
ثم ذكر أقوات البهائم والإنسان قائلاً ﴿ والحب ذو العصف ﴾ وهو ورق الزرع أو التبن.
وقال الفراء والسدي: وهو أول ما ينبت من الزرع ﴿ والريحان ﴾ الورق.
ومن رفع فعلى حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أي وذو الريحان.
وقال الحسن وابن زيد.
على هذه القراءة وهو ريحانكم الذي يشم.
ثم خاطب الجن والإنس بقوله ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ عن جابر بن عبد الله قال: قرأ علينا رسول الله سورة الرحمن حتى ختمها ثم قال: مالي أراكم سكوتاً؟
للجن كانوا أحسن منكم رداً ما قرأت عليهم هذه الآية مرة إلا قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد.
قال جار الله: الخطاب في ﴿ ربكم ﴾ للثقلين بدلالة الأنام عيلهما قلت: ربما يصرح به قوله ﴿ أيها الثقلان ﴾ سميا بذلك لأنهم ثقلا الأرض أو بما سيذكر عقيبه من قوله ﴿ خلق الإنسان ﴾ والجان خلقناه.
وقيل: التكذيب إما باللسان والقلب معاً وإما بالقلب دون اللسان كالمنافقين فكأنه قال: فيا أيها المكذبان بأي آلاء ربكما تكذبان.
وقيل: أراد فيا أيها المكذبان بالدلائل المعية والعقلية أو بدلائل الآفاق ودلائل الأنفس، والاستفهام للتوبيخ والزجر.
قوله ﴿ خلق الإنسان من صلصال ﴾ قد مر في سورة "الحجر" إلا أنه شبهه ههنا بالفخار وهو الخزف بياناً لغاية يبس طينته وكزازته، والتركيب يدل عليه ومنه الفخور ولولا يبس دماغه لم يفخر ومنه الفرخ لأنه تنشق البيضة عنه.
وكل يابس عرضة للتشقق ومنه الخزف لغاية يبوسة مزاجه.
والجان أبو الجن.
وقيل: هو إبليس.
والمارج اللهب الصافي الذي لا دخان فيه من مرج إذا اضطرب ولعلها المخلوطة بسواد النار من مرج الشيء اختلط.
وقوله ﴿ من نار ﴾ بيان لمارج كأنه قيل: من صاف من نار.
ويجوز أن يكون ناراً مخصوصة فيكون صفة ﴿ رب المشرقين ﴾ يعني مشرق الصيف ومشرق الشتاء، والأول مطلع أول السرطان، والثاني مطلع أول الجدي.
هذا في بلادنا الشمالية والحال في الجنوبية بالعكس.
قوله ﴿ مرج البحرين ﴾ وقد مر في "الفرقان" معناه أرسلهما ملحاً وعذباً متلاقيين ﴿ بينهما برزخ لا يبغيان ﴾ أي لا يبغى أحدهما على الآخر بالممازجة ﴿ يخرج منهما ﴾ أي من كل منهما.
وقال في الكشاف: أعاد الضمير إلى البحرين لاتحادهما فالخارج من العذب كأنه خارج من الملح تقول: خرجت من البلد ولم تخرج إلا من محلة بل من دار.
وقال أبو علي الفارسي: أراد من أحدهما فحذف المضاف.
قلت: ونحن قد سمعنا أن الأصداف تخرج من البحر المالح ومن الأمكنة التي فيها عيون عذبة في مواضع من البحر الملح ويؤيده قوله في "فاطر" ﴿ ومن كل تأكلون لحماً طرياً وتستخرجون حلية تلبسونها ﴾ فلا حاجة إلى هذه التكلفات.
قال الفراء وغيره من أهل اللغة: اللؤلؤ الدر، والمرجان ما صغر منه.
وعن مقاتل: بالضد.
ويشبه أن يكون اللؤلؤ هذا الجنس المعروف والمرجان البسذ.
يقال: إنه ينبت في بحر الروم والإفرنج كالشجر وهو الفصل المشترك بين المعدن والنبات، والجواري السفن الجارية حذف الموصول للعلم به.
ومن قرأ ﴿ المنشآت ﴾ بفتح الشين فمعناها المرفوع الشرع والتي رفع خشبها بعضها على بعض وركب حتى ارتفعت.
والقارىء بالكسر أراد الرافعات الشرع أو اللائي يبتدئن في السير أو ينشئن الأمواج بجريهن، الأعلام الجبال الطوال شبههن في البحر بالجبال في البر.
والضمير في ﴿ عليها ﴾ للأرض بدلالة المقال أو الحال.
والوجه عبارة عن الذات كما مر في تفسر البسملة وفي قوله ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه ﴾ وقوله ﴿ ذو ﴾ صفة للوجه وهو على القياس.
وفيه دلالة على أن الوجه والرب ذات واحد بخلاف قوله في آخر السورة ﴿ تبارك اسم ربك ﴾ فإن الاسم غير المسمى في الأصح فلهذا قال ﴿ ذي الجلال والإكرام ﴾ ومعناه ذو النعمة والتعظيم كما سبق في البسملة.
والنعمة في فناء ما على الأرض وهو مجيء وقت الجزاء ﴿ يسأله من في السموات ﴾ من الملائكة ﴿ و ﴾ من في ﴿ الأرض ﴾ من الثقلين الملائكة لمصالح الدارين والثقلان لمصالح الدارين.
وعن مقاتل: يسأل أهل الأرض الرزق والمغفرة وتسأل الملائكة أيضاً الرزق والمغفرة للناس ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ "سئل رسول الله عن ذلك الشأن فقال: من شأنه أن يغفر ذنباً ويفرج كرباً ويرفع قوماً ويضع آخرين" .
قلت: هذا التفسير يطابق ما مر في الحكمة.
وما ذكرنا في الكتاب مراراً من أن القضاء هو الحكم الكلي الواقع في الأزل، والقدر هو صدور تلك الأحكام في أزمنتها المقدرة.
فبالاعتبار الأول قال "جف القلم بما هو كائن" وبالاعتبار الثاني قال: ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ وهذا بالنسبة إلى المقضيات ولا تغير في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.
وبالجملة إنها شؤون يبديها لا شؤون يبتديها.
وروى الواحدي في البسيط عن ابن عباس: إن مما خلق الله عز وجل لوحاً من درة بيضاء، دفتاه ياقوتة حمراء، قلمه نور وكتابه نور، ينظر الله فيه كل يوم ثلثمائة وستين نظرة يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء.
وحين بين أن كل زمان مقدر لأجل شأن قال ﴿ سنفرغ لكم ﴾ قال أهل البيان: هو مستعار من قول الرجل لمن يتهدده "سأفرغ لك".
والمراد تجرد داعيته للإيقاع به من النكاية فيه.
والمراد شؤونه ستنتهي إلى شأن الجزاء وقصد المحاسبة.
ثم هدد الثقلين بأنهم لا يستطعيون الهرب من أحكامه وأقضيته فيهما.
نفذ من الشيء إذا خلص منه كالسهم ينفذ من الرمية.
وأقطار السموات والأرض نواحيهما.
واحدها قطر.
وهو في الهندسة عبارة عن الخط المنصف للدائرة.
والسلطان القوة والغلبة، أراد أنه لا مفر من حكمه إلا بتسلط تام ولا سلطان فلا مفر.
قال الواحدي: أراد أنه لاخلاص من الموت.
ويحتمل أن يخص هذا بيوم الجزاء المشار إليه بقوله ﴿ سنفرغ لكم ﴾ ويؤيده ما روي أن الملائكة تنزل فتحيط بجميع الخلائق فإذا رآهم الجن والإنس هربوا فلا يأتون وجهاً إلا وجدوا الملائكة أحاطت به، ويعضده قوله عقيبه ﴿ يرسل عليكما ﴾ الآية.
جاء في الخبر: يحاط على الخلق بلسان من نار ثم ينادون يا معشر الجن والإنس الآية.
وذلك قوله ﴿ يرسل عليكما شواظ ﴾ وهو اللهب الذي لا دخان له معه.
وقرأ ابن كثير بكسر الشين لغة أهل مكة يقولون صوار بالضم والكسر.
والنحاس والدخان.
ومن قرأ بالرفع فمعناه يرسل عليكما هذا مرة وهذا مرة وهذا مرة.
ويجوز أن يرسلا معاً من غير أن يمزج أحدهما بالآخر.
ومن قرأ بالجر فبتقدير وشيء من نحاس.
وعن أبي عمرو أن الشواظ يكون من الدخان أيضاً.
وقيل: هو الصفر المذاب يصب على رؤوسهم.
وعن ابن عباس: إذا خرجوا من قبورهم ساقهم شواظ إلى المحشر ﴿ فلا تنتصران ﴾ فلا تمتنعان ﴿ فإذا انشقت السماء ﴾ لنزول الملائكة ﴿ فكانت وردة ﴾ أي حمراء ﴿ كالدهان ﴾ وهو جمع الدهن أو اسم ما يتدهن به كالحزام والإدام شبهها بدهن الزيت كقوله ﴿ كالمهل ﴾ وهو دردي الزيت.
وقيل: الدهان الأديم الأحمر.
عن ابن عباس: نصير كلون الفرس الورد.
وقيل: تحمر احمرار الورد ثم تذوب ذوبان الدهن.
وقال قتادة: هي اليوم خضراء ولها يوم القيامة لون آخر يضرب إلى الحمرة.
والفاء في قوله ﴿ فإذا ﴾ للتعقيب وفي ﴿ فكانت ﴾ للعطف، والجواب محذوف كما سيجيء في قوله ﴿ إذا السماء انشقت ﴾ والمراد أنهما لا ينتصران حين إرسال الشواظ عليهما فحين تنشق السماء وصارت الأرض والجو والهواء كلها ناراً وتذوب السماء كما يذوب النحاس الأحمر كيف تنتصران؟
ويمكن أن يكون وجه تشبيه السماء يومئذ بالدهن هو الميعان والذوبان بسرعة وعدم رسوب الخبث كخبث الحديد ونحوه، والغرض بيان بساطة السماء وأنه لا اختلاف للأجزاء فيها.
﴿ فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان ﴾ وضع الجان الذي هو أبو الجن موضع الجن كما يقال هاشم ويراد ولده.
والضمير في ﴿ ذنبه ﴾ عائد إلى الإنس لأن الفاعل رتبته التقديم وكأنه قيل: لا يسأل بعض الإنس عن ذنبه ولا بعض الجن.
والجمع بين هذه الآية وبين قوله ﴿ فوربك لنسألنهم ﴾ هو ما مرّ من أن المواطن مختلفة، أو لا يسأل سؤال استعلام وإنما يسأل سؤال توبيخ وتقريع.
وعندي أن بيان عدم احتياج المذنب إلى السؤال عن حاله لأن كل ما هو اليوم فيه كامن فذلك في يوم القيامة يظهر ويبرز من ظلمة الطبيعة والعصيان، أو من نور الطاعة والإيمان وإليه الإشارة بقوله ﴿ يعرف المجرمون بسيماهم ﴾ من سواد الوجه وزرقة العين ﴿ فيؤخذ ﴾ كل منهم أو جنس المجرم ﴿ بالنواصي ﴾ أي بسببها.
ولعل المراد أن تجعل الأقدام مضمومة إلى النواصي من خلفها أو من قدام ويلقون في النار.
روى الحسن عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله يقول " "والذي نفسي بيده لقد خلقت ملائكة جهنم قبل أن تخلق جهنم بألف عام فهم كل يوم يزدادون قوة إلى قوتهم حتى يقبضوا من قبضوا عليه بالنواصي والأقدام " ويجوز أن يكون الفعل مسنداً إلى قوله ﴿ بالنواصي ﴾ نحو ذهب بزيد.
ثم ذكر أنهم يوبخون بقول الملائكة لهم ﴿ هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون ﴾ والأصل الخطاب والالتفات للتبعيد والتسجيل عليهم بالإجرام.
والآني الذي بلغ منتهى حره.
قال الزجاج: أني يأني أنا إذا انتهى في النضج والحرارة.
والمعنى أنهم لا يزالون طائفين بين عذاب الجحيم وبين الحميم وذلك حين ما يستغيثون كقوله ﴿ وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل ﴾ قال جار الله: نعمته فيما ذكره من الأهوال وأنواع المخاوف هي نجاة الناجي منه وما في الإنذار به من اللطف، ويمكن أن يراد بأي الآلاء المعدودة في أول السورة تكذبان فتستحقان هذه الأشياء المذكورة من العذاب.
ثم شرع في ثواب أهل الخشية والطاعة قائلاً ﴿ ولمن خاف مقام ربه ﴾ وقد مر نظيره في "إبراهيم" قوله ﴿ ذلك لمن خاف مقامي ﴾ قال المفسرون: الجنتان إحداهما للخائف الإنسي والثانية للخائف الجني، أو إحداهما لفعل الطاعات والثانية لترك المنكرات، أو إحداهما للجزاء والأخرى للزائد عليه تفضلاً، أو هما جنة عدن وجنة النعيم.
أو إحداهما جسمانية والأخرى روحانية.
وقيل: التثنية للتأكيد كقوله ﴿ ألقيا ﴾ وهو ضعيف.
والأفنان جمع الفنن وهو الغصن المستقيم طولاً قاله مجاهد وعكرمة والكلبي وغيرهم، وإنما خصها بالكر لأنها هي التي تورق وتثمر وتظل والساق لأجل ضرورة القيام ولا ضرورة في الجنة ولا كلفة.
وعن سعيد بن جبير: هي جمع فن والمعنى أنهما صاحبتا فنون النعم وعلى هذا يكون قوله ﴿ فيهما من كل فاكهة زوجان ﴾ أي صنفان كتفصيل بعد إجمال والصنفان رطب ويابس أو معروف وغريب ﴿ فيهما ﴾ أي في كل منهما ﴿ عينان تجريان ﴾ من جبل من مسك إحداهما في الأعالي والأخرى في الأسافل.
وقال الحسن: تجريان بالماء الزلازل إحداهما التسنيم والأخرى السلسبيل ﴿ متكئين ﴾ حال من الخائفين المذكورين في قوله ﴿ لمن خاف ﴾ وجوز أن يكون نصباً على المدح.
قال المفسرون: إذا كان بطائن الفرش وهي التي تحت الظهارة مما يلي الأرض من استبرق فما ظنك بظهائرها؟
ويجوز أن يكون ظائرها السندس.
والتحقيق أنه لا يعلمها إلا الله كقوله ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفى لهم ﴾ ﴿ وجنى الجنتين ﴾ أي ثمرها ﴿ دان ﴾ قريب يناله القائم والقاعد والنائم.
قال جار الله: ﴿ فيهن ﴾ أي في هذه الآلاء المعدودة من الجنتين والعينين والفاكهة والفرش والجنى.
وقيل: في الفرش أي عليها.
وقيل: في الجنان لأن ذكر الجنتين يدل عليه ولأنهما يشتملان على أماكن ومجالس ومتنزهات، وهذا الوجه عندي أظهر وسيجيء بيانه بنوع آخر عن قريب.
قال الفراء: الطمث الافتضاض وهو النكاح بالتدمية و ﴿ قبلهم ﴾ أي قبل أصحاب الجنتين واللفظ يدل عليه.
قال مقاتل: هن من حور الجنة.
وقال الكلبي والشعبي: هن من نساء الدنيا أنشئن خلقاً آخر لم يجامعهن في هذا الخلق الذي أنشئن فيه إنسي ولا جني.
قال في الكشاف: لم يطمث الإنسيات منهمن أحد من الإنس والجنيات أحد من الجن قلت: هذا التفصيل لعله لا حاجة إليه يعرف بأدنى تأمل.
قال الزجاج: فيه دليل على أن الجن تطمث كما تطمث الإنس.
ثم ذكر أنهن في صفاء الياقوت وبياض اللؤلؤ الصغار ﴿ هل جزاء الإحسان ﴾ في العمل ﴿ إلا الإحسان ﴾ في الجزاء.
وخص ابن عباس فقال: هل جزاء من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله إلا الجنة.
وحين فرغ من نعت جنتي المقربين شرع في وصف جنتين لأصحاب اليمين فقال ﴿ ومن دونهما ﴾ أي ومن أسفل منهما في المكان أو في الفضل أو فيهما وهو الأظهر.
روى أبو موسى عن النبي : " جنتان من فضة أبنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب أبنيتهما وما فيهما " ﴿ مدهامتان ﴾ هو من الأدهيمام إدهام يدهام فيهو مدهام نظير إسواد يسواد فهو مسواد في اللفظ وفي المعنى، وذلك أن كل نبت أخضر فتمام خضرته من الري أن يضرب إلى السواد ﴿ نضاختان ﴾ فوارتان، والنضخ بالخاء المعجمة أكثر من النضخ وهو الرش.
قال ابن عباس: تنضخ على أولياء الله بالمسك والعنبر والكافور، وإنما خص النخيل والرمان بالذكر بعد اندارجهما في الفاكهة لفضلهما وشرفهما، فالنخل فاكهة وطعام والرمان فاكهة ودواء كامل ومنه قال أبو حنيفة رحمه الله : إذا حلف لا يأكل فاكهة فأكل رماناً أو رطباًَ لم يحنث.
وخالفه صاحباه ووافقهما الشافعي.
والخيرات مخفف خيرات لأن الخير الذي هو بمعنى التفضيل لا يجمع جمع السلامة والمعنى أنهن فاضلات الأخلاق حسان الصور.
واعلم أنه قال في الموضعين عند ذكر الحور ﴿ فيهن ﴾ وفي سائر المواضع ﴿ فيهما ﴾ والسر فيه أن تمام اللذة عند اجتماع النسوان للرجل الواحد هو أن يكون لكل منهن مسكن على حدة فتباعد من مسكن الأخرى، واسع بحيث يسع ما يليق بحاله أو بحالها من الجواري والغلمان وسائر الأسباب، فيحصل هناك منتزهات كثيرة كل منها جنة، وكأن في ضمير الجمع إشارة إلى ذلك.
وأما العيون والفواكه فلم يكن شيء منها بهذه المثابة من كمال اللذة فأكتفي فيها بعود الضمير إلى الجنتين فقط.
والمقصورات اللواتي قصرن أي حبسن في خدورهن.
امرأة مقصورة أي مخدرة.
روى قتادة عن ابن عباس: الخيمة درة مجوفة فرسخ في فرسخ فيها أربعة آلاف مصراع من ذهب.
وعن النبي " "الخيمة درة مجوفة طولها في السماء ستون ميلاً في كل زاوية منها أهل للمؤمن لا يراهم الآخرون" وقال أهل المعاني: كنى عن الجماع في الدنيا بنحو قوله ﴿ من قبل أن تمسوهن ﴾ وذكر الجماع في الآخرة بلفظ يقرب من الصريح وهو الطمث فما الحكمة من ذلك؟
والجواب أن المباشرة في الدنيا قبيحة لما فيها من قضاء الشهوة وإسقاط القوى وهي في الآخرة بخلاف ذلك فإنها داعية روحانية ولذة حقيقية فلم يحتج إلى الكناية لأن الكنايات إنما تجري في الهنيئات.
قال جار الله: ﴿ متكئين ﴾ نصب على الاختصاص.
قلت: ويجوز أن يكون حالاً والعامل ضمير يدل عليه قوله ﴿ لم يطمثهن إنس قبلهم ﴾ أي يطمثونهم في حال الإتكاء.
قال أبو عبيدة والضحاك ومقاتل والحسن: الرفرف ضرب من البسط.
وقيل: كل ثوب عريض فهو رفرف.
ويقال لأطراف البسط وفضول الفسطاط رفارف.
وقال الزجاج: الرفرف ههنا رياض الجنة.
وقيل: الوسائد.
قال جار الله ﴿ العبقري ﴾ منسوب إلى عبقر تزعم العرب أنه بلد الجن فينسبون إليه كل شيء غريب عجيب.
وعن أبي عبيدة: كل شيء من البسط عبقري وهو جمع واحدة عبقرية.
ومما يدل على أن صفات هاتين الجنتين تقاصرت عن الأوليين قوله ﴿ مدهامتان ﴾ فإنه دون قوله ﴿ ذواتا أفنان ﴾ وذلك أن كمال الخضرة لا يوجب كون البستان ذا فنن ونضاختان دون تجريان وفاكهة دون كل فاكهة وكذلك صفة الحور والمتكأ.
قال أهل العلم: كرر قوله ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ إحدى وثلاثين مرة: ثمانية منهما ذكرها عقيب تعداد عجائب خلقه وذكر المبدأ والمعاد، ثم سبعة منها عقيب ذكر النار وأهوالها على عدد أبواب جهنم، وبعد هذه السبعة أورد ثمانية في وصف الجنات وأهلها على عدد أبواب الجنة، وثمانية بعدها عقيب وصف الجنات التي هي دونهما.
فمن اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها استحق كلتا الثمانيتين من الله ووقاه السبعة السابقة.
ثم نزه نفسه عما لا يليق بجلاله وختم السورة عليه.
والاسم مقحم كما بينا وفائدة هذا التوسيط سلوك سبيل الكناية كما يقال "ساحة فلان بريئة عن المثالب" والله أعلم بحقائق كلامه.
قوله - عز وجل -: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ ﴾ يحتمل وجوها: أحدها: أي: مُلْكُ كُلِّ من في الأرض فانٍ، ويبقى ملك ربك أبدا دائما.
والثاني: يحتمل سلطان كل من عليها أو قوة كل من عليها وقدرته فان، ويبقى سلطان ربك وقدرته وربوبيته؛ ليعلم أنه ملكه وسلطانه بذاته، لا كالخلق؛ حتى يكون فناؤهم وذهابهم يُدْخِل نقصا أو وهنا في ملكه، خلاف ملك ملوك الأرض وسلطانهم.
وجائز أن يكون قال هذا على الإياس للكفرة، وقطع الرجاء عن عبادة من عبدوا دونه من الأصنام والملوك والرؤساء، ومن قدموهم، كأنه يقول: كل من عبد دونه أو خدم، أو عمل لا لوجه الله، فكله فان، ذاهب، إلا ما عمل لوجه الله؛ فإنه باق، والله أعلم.
والباطنية يقولون: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴾ أي: النفس الجسدانية، وتبقى النفس الروحانية أبدا؛ لأنهم يقولون: إذا فنيت هذه الأجساد ينشئ الله من أعمالهم الصالحات أنفسا روحانية تبقى أبدا.
ويحتمل ﴿ وَجْهُ رَبِّكَ ﴾ أي: كل مايطلب من العمل وغيره رضاء الله ، فكنى بالوجه عن الرضاء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذُو ٱلْجَلاَلِ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: على خلق إ جلال حق الله وأمره وتعظيم ذلك.
والثاني: أن يجل الله من شاء من خلقه؛ أي: منه إجلال من جل في الدنيا، وإكرام من أكرم من الآخرة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَسْأَلُهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ يخبر الله - عز وجل - عن فزع أهل السماء والأرض إليه عند الإياس من الخلق وانقطاع الرجاء عنهم، وهو يذكر أنه المفزع في الأحوال كلها، وللخلائق كلهم، ومنه يسألون الرزق والنجاة، وهو ما ذكر: ﴿ قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ...
﴾ الآية [الأنعام: 63]، وقوله: عز وجل -: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ﴾ وقوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ﴾ ، وقوله : ﴿ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ ﴾ هنا صلة قوله: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ﴾ يقول - والله أعلم -: شأنه وأمره باق دائم أبدا، وذهاب الخلق لا يدخل نقصا في شأنه وأمره، ولا هنا في سلطانه وملكه؛ بل هو في شأنه وأمره عند فنائهم كهو في حال بقائهم.
وجائز أن يكون ما قال بعض أهل التأويل: إن اليهود قالت: إن الله استراح يوم السبت لا يقضي بشيء، ولا يحكم ولا يأمر، ولا يفعل فعلا؛ فنزلت الآية عد ذلك ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ من إحداث وإفناء، وإحياء وإماتة.
وأصله: أن الله إذا وصف بشيء يوصف بالأزل، يقال: عالم لم يزل، قادر لم يزل، رازق بذاته لم يزل، وإذا ذكر بأمر وتدبير مضاف إلى الخلق يوصف على ذكر الوقت؛ فيكون الوقت للخلق لا له، نحو أن يقال: إن الله لم يزل عالما بجلوسك الوقت؛ فيكون الوقت للخلق لا له، نحو أن يقال: إن الله لم يزل عالما بجلوسك هاهنا، أو في هذا الوقت؛ أي: لم يزل عالما أنه يجلس الآن، أو يجيء الآن، أو في هذا الوقت، وإذا وصفته بالماضي، قلت: لم يزل عالما بما كان، وبالمستقبل: لم يزل عالما بما يكون أنه يكون في وقت كذا، وللحال: لم يزل عالما بكونه كائنا للحال، ونحو ذلك، نفيا لوهم الخلق: أن المخلوق كيف يكون في الأزل؟!
فعلى ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ ذكر اليوم والوقت؛ لئلا يتوهم يكن الخلق قديما، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلاَنِ ﴾ الآية، قرئ: ﴿ سَنَفْرُغُ ﴾ بالنون والياء، [و] يرفع الراء في الحالين.
قال أبو عبيد: بالياء يقرؤها كقوله : ﴿ يَسْأَلُهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ذكر على المغابية، فكذلك هذا الذي قرئ عليه.
قال الزجاج: قوله : ﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ ﴾ ليس هو الفراغ عن الشغل، لكن كما يقول الرجل الآخر: سأفرغ لك كذا، أي: سأجعل لك، أو كلام نحوه.
ومنهم من يقول: هذا على الوعيد في كلام العرب، يقول الرجل: سأفرغ لك، وإني لفارغ، على الوعيد.
وقال أبو بكر الكيساني: إن الفراغ ليس يستعمل عند الفراغ عن الشغل خاصة، لكن يستعمل له ولغيره من نحو: إنجاز ما وعد، وأوعد؛ كأنه قال: سننجز لكم ما أوعدتكم أيها الثقلان.
وعندنا أن الفراغ: هو اسم لانقضاء الفعل وتمامه، لا للفراغ عن الشغل، يقال: فلان فرغ من شغله: إذا فرغ [، وفرغ] من بناء داره، إذا أتمه وانقضى ذلك؛ ألا ترى أنه وإن فرغ من شغل تلك الدار وذلك العمل، فهو مشغول بغيره، دل أنه ليس باسم للفراغ من الشغل؛ إذ لو كان اسماً للفراغ من الشغل لا يوصف به وهو مشغول بغيره؛ دل أنه اسم التمام والانقضاء، لكن فهم الخلق بعضهم من بعض الفراغ من الشغل؛ لما أن فعلهم للشيء لا يلتئم إلا بالشغل في ذلك؛ فيفهم ذلك من فعلهم، فأما الله - وتعالى - حيث لا يشغله فعل عن فعل، ولا شيء عن شيء، لم يجز أن يفهم من فراغه من الشغل فراغه، فبالله العصمة والتوفيق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ ﴾ ، له تأويلان: أحدهما: كأنه يقول: لو مكن لكم النفاذ من أقطار السماوات والأرض ونواصيها، فتنفذون فتجدون هنالك، وترون من آيات من كذب بالرسل وما حل بهم بالتكذيب.
ثم قال: ﴿ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ ﴾ أي: لا تنفذون لو مكن لكم من النفاذ إلا وتجدون حجج من أهلك منهم ظاهرة أنه بم أهلكهم؟
وهو كقوله : ﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ثُمَّ ٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ أمرهم بالسير في الأرض والتدبر في آثار من أهلك بماذا أهلك من أهلك منهم؟
وبماذا نجا من نجا؟
والله أعلم.
والثاني: على الإعجاز، أي: لا تستطيعون أن تخرجوا أو تنفذوا من أقطار السماوات والأرض، ولو مكن لكم من النفاذ والخروج منها لوجدتم ثَمَّ سلطاني وحجتي وملكي هنالك قائما، أي: لا تقدرون [على] الخروج من سلطاني وملكي حيثما كنتم؛ بل حيثما سرتم كنتم في سلطاني وملكي؛ فلا تتخلصون من الموت والهلاك، وهو كقوله : ﴿ فَإِن ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي ٱلأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي ٱلسَّمَآءِ...
﴾ الآية [الأنعام: 35].
وقال الضحاك: في حرف ابن مسعود - -: (يا معشر الجن والإنس قد جاء أجلكم فانفذوا من أقطارهما لا تنفذوا إلا بسلطان)، يعني: أنه لا يجيركم أحد من الموت وأنتم ميتون؛ أي: لا تأتون قطرا من أقطار السماوات والأرض إلا وجدوا هنالك سلطان الله وملائكته؛ يقول: لا تستطيعون فرارا من الموت ولا محيصا، وإن نفذتم من أقطار السماوات والأرض فلم تخرجوا من سلطاني وأنا آخذكم بالموت حيث كنتم، وهو كقوله: ﴿ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾ .
وقال بضعهم: يبعث الله ملائكة عند الحشر، فيحيطون بالدنيا يكونون في أقطارها؛ فلا يستطيع شيطان ولا إنس ولا جان أن يخرج من الأقطار، ولو خرجوا كانوا في سلطان الله.
وقيل: ﴿ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ ﴾ أي: الحجة.
وقال قتادة: إلا بملك.
وقال: إلا بقدرة الله والله أعلم.
ثم أوعدهم فقال: ﴿ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ ﴾ .
قرئ ﴿ شُوَاظٌ ﴾ بضم الشين وكسرها؛ روي عن الحسن بالكسر، وكذا عن مجاهد.
وقرئ ﴿ وَنُحَاسٌ ﴾ بكسر السين وضمه، فمن رفع ﴿ وَنُحَاسٌ ﴾ عطفه على قوله: ﴿ شُوَاظٌ ﴾ ومن كسره، عطفه على قوله: ﴿ مِّن نَّارٍ ﴾ .
ثم اختلف في تأويل الشواظ والنحاس: عن ابن عباس - -: النحاس: الدخال.
وقيل: الشواظ: هو لهب النار، الذي لا دخان فيه، والنحاس: هو الدخان.
وعن الكلبي: الشواظ: لهب النار، والنحاس: الصفر الذي يذاب، فيعذبون به.
وقيل: الشواظ: هو الذي فيه الدخان، والنحاس: هو النحاس المعروف، يذاب ويصب على رءوسهم.
وقال الضحاك: الشواظ: الدخان الذي يخرج من اللهب، ليس بدخان الحطب، والنحاس: الصفر: فمن قرأ بالخفض يقول: لهب من نار ومن دخان، ومن قرأ بالرفع أراد به الصفر؛ يقول: يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس ذيب في النار.
وقيل: النحاس في القراءتين يحتمل الدخان، ويحتمل الصفر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَنتَصِرَانِ ﴾ قيل: لا تمتنعان من ذلك.
ويحتمل: أي: لا نصار لكما كما يكون في الدنيا.
فإذا قيل: إنه قد ذكر في أول الآيات: الآلاء والنعم، فقرن بآخرها: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ ، وقد انقطع ذكر الآلاء هاهنا، ونذكر المواعيد في هذه الآيات، فما فائدة قران قوله: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ بآخرها.
قيل: إن في الوعد ترغيبا، وفي الوعيد ترهيبا؛ فيرغب في الوعد، ويخاف ويرهب من الوعيد؛ فيرتدع ويمتنع عما يوعد؛ فيكون في ذلك نعمة عظيمة؛ إذ بالوعد والوعيد تتم المحنة، وبالمحنة تتم النعمة؛ لذلك ذكر على إثر الوعيد: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
ويقول الله يوم القيامة إذا جمع الجن والإنس: يا معشر الجن والإنس، إن استطعتم أن تجدوا لكم مخرجاً من ناحية من نواحي السماوات والأرض فافعلوا، ولن تستطيعوا أن تفعلوا ذلك إلا بقوة وبينة، وأنَّ لكم ذلك؟
<div class="verse-tafsir" id="91.qbDeM"