الإسلام > القرآن > سور > سورة 55 الرحمن > الآية ٣١ من سورة الرحمن
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 57 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٣١ من سورة الرحمن من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ( سنفرغ لكم أيها الثقلان ) ، قال : وعيد من الله للعباد ، وليس بالله شغل وهو فارغ .
وكذا قال الضحاك : هذا وعيد .
وقال قتادة : قد دنا من الله فراغ لخلقه .
وقال ابن جريج : ( سنفرغ لكم ) أي : سنقضي لكم .
وقال البخاري : سنحاسبكم ، لا يشغله شيء عن شيء ، وهو معروف في كلام العرب ، يقال لأتفرغن لك " وما به شغل ، يقول : " لآخذنك على غرتك " .
وقوله : ( أيها الثقلان ) الثقلان : الإنس والجن ، كما جاء في الصحيح : " يسمعها كل شيء إلا الثقلين " وفي رواية : " إلا الجن والإنس " .
وفي حديث الصور : " الثقلان الإنس والجن "
القول في تأويل قوله تعالى : سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ (31) اختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ ) فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض المكيين (سَنَفَرغُ لَكُمْ ) بالنون.
وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة ( سَيَفرغ لَكُمْ ) بالياء، وفتحها ردّا على قوله: يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ، ولم يقل : يسألنا من في السموات، فأتبعوا الخبر الخبر.
والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى، فبأيّتهما قرأ القارئ فمصيب.
وأما تأويله : فإنه وعيد من الله لعباده وتهدد، كقول القائل الذي يتهدّد غيره ويتوعده، ولا شغل له يشغله عن عقابه، لأتفرغنّ لك، وسأتفرّغ لك، بمعنى: سأجدّ في أمرك وأعاقبك، وقد يقول القائل للذي لا شغل له: قد فرغت لي، وقد فرغت لشتمي: أي أخذت فيه، وأقبلت عليه، وكذلك قوله جلّ ثناؤه: (سَنَفْرغُ لَكُمْ ): سنحاسبكم، ونأخذ في أمركم أيها الإنس والجنّ، فنعاقب أهل المعاصي، ونثيب أهل الطاعة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ )، قال: وَعيد من الله للعباد، وليس بالله شغل، وهو فارغ.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة أنه تلا( سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ ) قال: دنا من الله فراغ لخلقه.
حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن جُويبر، عن الضحاك ( سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ )، قال: وعيد، وقد يحتمل أن يوجه معنى ذلك إلى: سنفرغ لكم من وعدناكم ما وعدناكم من الثواب والعقاب.
قوله تعالى : سنفرغ لكم أيها الثقلان يقال : فرغت من الشغل أفرغ فروغا وفراغا وتفرغت لكذا واستفرغت مجهودي في كذا أي بذلته .
والله تعالى ليس له شغل يفرغ منه ، إنما المعنى سنقصد لمجازاتكم أو محاسبتكم ، وهذا وعيد وتهديد لهم كما يقول القائل لمن يريد تهديده : إذا أتفرغ لك أي أقصدك .
وفرغ بمعنى قصد ، وأنشد ابن الأنباري في مثل هذا لجرير :الآن وقد فرغت إلى نمير فهذا حين كنت لها عذابايريد وقد قصدت .
وقال أيضا وأنشده النحاس :فرغت إلى العبد المقيد في الحجل[ ص: 154 ] وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بايع الأنصار ليلة العقبة ، صاح الشيطان : يا أهل الجباجب !
هذا مذمم يبايع بني قيلة على حربكم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هذا إزب العقبة أما والله يا عدو الله لأتفرغن لك أي أقصد إلى إبطال أمرك .
وهذا اختيار القتبي والكسائي وغيرهما .
وقيل : إن الله تعالى وعد على التقوى وأوعد على الفجور ، ثم قال : سنفرغ لكم مما وعدناكم ونوصل كلا إلى ما وعدناه ، أي أقسم ذلك وأتفرغ منه ؛ قاله الحسن ومقاتل وابن زيد .
وقرأ عبد الله وأبي " سنفرغ إليكم " وقرأ الأعمش وإبراهيم " سيفرغ لكم " بضم الياء وفتح الراء على ما لم يسم فاعله .
وقرأ ابن شهاب والأعرج " سنفرغ لكم " بفتح النون والراء ، قال الكسائي : هي لغة تميم يقولون : فرغ يفرغ ، وحكى أيضا فرغ يفرغ ورواهما هبيرة عن حفص عن عاصم .
وروى الجعفي عن أبي عمرو " سيفرغ " بفتح الياء والراء ، ورويت عن ابن هرمز .
وروي عن عيسى الثقفي " سنفرغ لكم " بكسر النون وفتح الراء ، وقرأ حمزة والكسائي " سيفرغ لكم " بالياء .
الباقون بالنون وهي لغة تهامة .
.
والثقلان الجن والإنس ، سميا بذلك لعظم شأنهما بالإضافة إلى ما في الأرض من غيرهما بسبب التكليف - وقيل : سموا بذلك لأنهم ثقل على الأرض أحياء وأمواتا ، قال الله تعالى : وأخرجت الأرض أثقالها ومنه قولهم : أعطه ثقله أي وزنه .
وقال بعض أهل المعاني : كل شيء له قدر ووزن ينافس فيه فهو ثقل .
ومنه قيل لبيض النعام ثقل ، لأن واجده وصائده يفرح به إذا ظفر به .
وقال جعفر الصادق : سميا ثقلين ، لأنهما مثقلان بالذنوب .
وقال : سنفرغ لكم فجمع ، ثم قال : أيه الثقلان لأنهما فريقان وكل فريق جمع ، وكذا قوله تعالى : يا معشر الجن والإنس إن استطعتم ولم يقل إن استطعتما ، لأنهما فريقان في حال الجمع ، كقوله تعالى : فإذا هم فريقان يختصمون و هذان خصمان اختصموا في ربهم ولو قال : سنفرغ لكما ، وقال : إن استطعتما لجاز .
وقرأ أهل الشام " أيه الثقلان " بضم الهاء .
الباقون بفتحها وقد تقدم .مسألة : هذه السورة و " الأحقاف " و " قل أوحي " دليل على أن الجن مخاطبون [ ص: 155 ] مكلفون مأمورون منهيون مثابون معاقبون كالإنس سواء ، مؤمنهم كمؤمنهم ، وكافرهم ككافرهم ، لا فرق بيننا وبينهم في شيء من ذلك .
{ سَنَفْرُغُ لكم أيها الثقلان فبأي آلاء ربكما تكذبان } أي: سنفرغ لحسابكم ومجازاتكم بأعمالكم التي عملتموها في دار الدنيا.
( سنفرغ لكم ) قرأ حمزة والكسائي : سيفرغ بالياء لقوله : " يسأله من في السماوات والأرض " ، " ويبقى وجه ربك " " وله الجوار " فأتبع الخبر .
وقرأ الآخرون بالنون ، وليس المراد منه الفراغ عن شغل ، لأن الله تعالى لا يشغله شأن عن شأن ، ولكنه وعيد من الله تعالى [ للخلق ] بالمحاسبة ، كقول القائل : لأتفرغن لك ، وما به شغل ، وهذا قول ابن عباس والضحاك وإنما حسن هذا الفراغ لسبق ذكر الشأن .
وقال آخرون : معناه : سنقصدكم بعد الترك والإمهال ونأخذ في أمركم ، كقول القائل للذي لا شغل له : قد فرغت لي .
وقال بعضهم : إن الله وعد أهل التقوى وأوعد أهل الفجور ، ثم قال : سنفرغ لكم مما وعدناكم وأخبرناكم ، فنحاسبكم ونجازيكم وننجز لكم ما وعدناكم ، فيتم ذلك ويفرغ منه ، وإلى هذا ذهب الحسن ومقاتل .
( أيها الثقلان ) أي الجن والإنس ، سميا ثقلين لأنهما ثقل على الأرض أحياء وأمواتا ، قال الله تعالى : " وأخرجت الأرض أثقالها " ، ( الزلزلة - 2 ) وقال بعض أهل المعاني : كل شيء له قدر ووزن ينافس فيه فهو ثقل ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي " فجعلهما ثقلين إعظاما لقدرهما .
وقال جعفر بن محمد الصادق : سمي الجن والإنس ثقلين لأنهما مثقلان بالذنوب .
«سنفرغ لكم» سنقصد لحسابكم «أيها الثقلان» الإنس والجن.
سنفرُغ لحسابكم ومجازاتكم بأعمالكما التي عملتموهما في الدنيا، أيها الثقلان- الإنس والجن-، فنعاقب أهل المعاصي، ونُثيب أهل الطاعة.
ثم هدد - سبحانه - الذين يخالفون عن أمره تحذيرا شديدا ، فقال : ( سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثقلان فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) .وجىء بحرف التنفيس الدال على القرب وهو السين للإشعار بتحقق ما أخبر به - سبحانه - .وقوله : ( نَفْرُغُ ) من الفراغ ، وهو الخلو عما يشغل .
.والمراد به هنا : القصد إلى الشىء والإقبال عليه ، يقال : فلان فرغ لفلان وإليه ، إذا قصد إليه لأمر ما .والثقلان : تثنية ثقل - بفتحتين - ، وأصله كل شىء له وزن وثقل ، والمراد بهما هنا : الإنس والجن .والمعنى : سنقصد يوم القيامة إلى محاسبتكم على أعمالكم ، وسنجازيكم عليها بما تستحقون ، وسيكون هذا شأننا - أيها الثقلان - فى هذا اليوم العظيم .قال صاحب الكشاف : قوله : ( سَنَفْرُغُ لَكُمْ ) مستعار من قول الرجل لمن يتهدده ، سأفرغ لك ، يريد سأتجرد للإيقاع بك من كل ما يشغلنى عنك ، حتى لا يكون لى شغل سواه ، والمراد : التوفر على النكاية فيه ، والانتقام منه .ويجوز أن يراد ستنتهى الدنيا وتبلغ آخرها ، وتنتهى عند ذلك شئون الخلق التى أرادها بقوله - تعالى - : ( كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ) ، فلا يبقى إلا شأن واحد ، وهو جزاؤكم ، فجعل ذلك فراغا لهم على طريق المثل .
وفيه وجهان: أحدهما: أنه حال تقديره: يبقى وجه ربك مسئولاً وهذا منقول معقول، وفيه إشكال وهو أنه يفضي إلى التناقض لأنه لما قال: ﴿ ويبقى وَجْهُ رَبّكَ ﴾ كان إشارة إلى بقائه بعد فناء من على الأرض، فكيف يكون في ذلك الوقت مسئولاً لمن في الأرض؟
فأما إذا قلنا: الضمير عائد إلى (الأمور) الجارية (في يومنا) فلا إشكال في هذا الوجه، وأما على الصحيح فنقول عنه أجوبة أحدها: لما بينا أنه فان نظراً إليه ولا يبقى إلا بإبقاء الله، فيصح أن يكون الله مسئولاً ثانيها: أن يكون مسئولاً معنى لا حقيقة، لأن الكل إذا فنوا ولم يكن وجود إلا بالله، فكأن القوم فرضوا سائلين بلسان الحال ثالثها: أن قوله: ﴿ ويبقى ﴾ للاستمرار فيبقى ويعيد من كان في الأرض ويكون مسئولاً والثاني: أنه ابتداء كلام وهو أظهر وفيه مسائل: المسألة الأولى: ماذا يسأله السائلون؟
فنقول: يحتمل وجوهاً أحدها: أنه سؤال استعطاء فيسأله كل أحد الرحمة وما يحتاج إليه في دينه ودنياه ثانيها: أنه سؤال استعلام أي عنده علم الغيب لا يعلمه إلا هو، فكل أحد يسأله عن عاقبة أمره وعما فيه صلاحه وفساده.
فإن قيل: ليس كل أحد يعترف بجهله وعلم الله نقول: هذا كلام في حقيقة الأمر من جاهل، فإن كان من جاهل معاند فهو في الوجه الأول أيضاً وارد، فإن من المعاندين من لا يعترف بقدرة الله فلا يسأله شيئاً بلسانه وإن كان يسأله بلسان حاله لإمكانه، والوجه الأول إشارة إلى كمال القدرة أي كل أحد عاجز عن تحصيل ما يحتاج إليه.
والوجه الثاني إشارة إلى كمال العلم أي كل أحد جاهل بما عند الله من المعلومات ثالثها: أن ذلك سؤال استخراج، أمر.
وقوله: ﴿ مَن فِي السموات والأرض ﴾ أي من الملائكة يسألونه كل يوم ويقولون: إلهنا ماذا نفعل وبماذا تأمرنا، وهذا يصلح جواباً آخر عن الإشكال على قول من قال: يسأله حال لأنه يقول: قال تعالى: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴾ ومن عليها تكون الأرض مكانه ومعتمده ولولاها لا يعيش وأما من فيها من الملائكة الأرضية فهم فيها وليسوا عليها ولا تضرهم زلزلتها، فعندما يفنى من عليها ويبقى الله تعالى لا يفنى هؤلاء في تلك الحال فيسألونه ويقولون: ماذا نفعل فيأمرهم بما يأمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ثم يقول لهم: عندما يشاء موتوا فيموتوا هذا على قول من قال: ﴿ يَسْأَلُهُ ﴾ حال وعلى الوجه الآخر لا إشكال.
المسألة الثانية: هو عائد إلى من؟
نقول: الظاهر المشهور أنه عائد إلى الله تعالى وعليه اتفاق المفسرين، ويدل عليه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن ذلك الشأن فقال: «يغفر ذنباً ويفرج كرباً، ويرفع من يشاء ويضع من يشاء» ويحتمل أن يقال: هو عائد إلى يوم و ﴿ كُلَّ يَوْمٍ ﴾ ظرف سؤالهم أي يقع سؤالهم في كل يوم وهو في شأن يكون جملة وصف بها يوم وهو نكرة كما يقال: يسألني فلان كل يوم هو يوم راحتي أي يسألني أيام الراحة، وقوله: ﴿ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ يكون صفة مميزة للأيام التي فيها شأن عن اليوم الذي قال تعالى فيه: ﴿ لّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار ﴾ فإنه تعالى في ذلك اليوم يكون هو السائل وهو المجيب، ولا يسأل في ذلك اليوم لأنه ليس يوماً هو في شأن يتعلق بالسائلين من الناس والملائكة وغيرهم، وإنما يسألونه في يوم هو في شأن يتعلق بهم فيطلبون ما يحتاجون إليه أو يستخرجون أمره بما يفعلون فيه، فإن قيل: فهذا ينافي ما ورد في الخبر، نقول: لا منافاة لقوله عليه السلام في جواب من قال: ما هذا الشأن؟
فقال: يغفر ذنباً (ويفرج كرباً) أي فالله تعالى جعل بعض الأيام موسومة بوسم يتعلق بالخلق من مغفرة الذنوب والتفريج عن المكروب فقال تعالى: ﴿ يَسْأَلُهُ مَن فِي السموات والأرض ﴾ في تلك الأيام التي في ذلك الشأن وجعل بعضها موسومة بأن لا داعي فيها ولا سائل، وكيف لا نقول بهذا، ولو تركنا كل يوم على عمومه لكان كل يوم فيه فعل وأمر وشأن فيفضي ذلك إلى القول بالقدم والدوام، اللهم إلا أن يقال: عام دخله التخصيص كقوله تعالى: ﴿ وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَيْء ﴾ و ﴿ تُدَمّرُ كُلَّ شَيْء ﴾ .
المسألة الثالثة: فعلى المشهور يكون الله تعالى في كل يوم ووقت في شأن، وقد جف القلم بما هو كائن، نقول: فيه أجوبة منقولة في غاية الحسن فلا نبخل بها وأجوبة معقولة نذكرها بعدها: أما المنقولة فقال بعضهم: المراد سوق المقادير إلى المواقيت، ومعناه أن القلم جف بما يكون في كل (يوم و) وقت، فإذا جاء ذلك الوقت تعلقت إرادته بالفعل فيه فيوجد، وهذا وجه حسن لفظاً ومعنى وقال بعضهم: شؤون يبديها لا شؤون يبتديها، وهو مثل الأول معنى، أي لا يتغير حكمه بأنه سيكون ولكن يأتي وقت قدر الله فيه فعله فيبدو فيه ما قدره الله، وهذان القولان ينسبان إلى الحسن بن الفضل أجاب بهما عبد الله بن طاهر وقال بعضهم: يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويشفي سقيماً ويمرض سليماً، ويعز ذليلاً ويذل عزيزاً، إلى غير ذلك وهو مأخوذ من قوله عليه السلام: «يغفر ذنباً ويفرج كرباً» وهو أحسن وأبلغ حيث بين أمرين أحدهما يتعلق بالآخرة والآخر بالدنيا، وقدم الأخروي على الدنيوي وأما المعقولة: فهي أن نقول هذا بالنسبة إلى الخلق، ومن يسأله من أهل السموات والأرض لأنه تعالى حكم بما أراد وقضى وأبرم فيه حكمه وأمضى، غير أن ما حكمه يظهر كل يوم، فنقول: أبرم الله اليوم رزق فلان ولم يرزقه أمس، ولا يمكن أن يحيط علم خلقه بما أحاط به علمه، فتسأله الملائكة كل يوم إنك يا إلهنا في هذا اليوم في أي شأن في نظرنا وعلمنا الثاني: هو أن الفعل يتحقق بأمرين من جانب الفاعل بأمر خاص، ومن جانب المفعول في بعض الأمور، ولا يمكن غيره وعلى وجه يختاره الفاعل من وجوه متعددة مثال الأول: تحريك الساكن لا يمكن إلا بإزالة السكون عنه والإتيان بالحركة عقيبه من غير فصل ومثال الثاني: تسكين الساكن فإنه يمكن مع إبقاء السكون فيه ومع إزالته عقيبه من غير فصل أو مع فصل، إذ يمكن أن يزيل عنه السكون ولا يحركه مع بقاء الجسم، إذا عرفت هذا فالله تعالى خلق الأجسام الكثيرة في زمان واحد وخلق فيها صفات مختلفة في غير ذلك الزمان، فإيجادها فيه لا في زمان آخر بعد ذلك الزمان فمن خلقه فقيراً في زمان لم يمكن خلقه غنياً في عين ذلك الزمان مع خلقه فقيراً فيه وهذا ظاهر، والذي يظن أن ذلك يلزم منه العجز أو يتوهم فليس كذلك بل العجز في خلاف ذلك لأنه لو خلقه فقيراً في زمان يريد كونه غنياً لما وقع الغنى فيه مع أنه أراده، فيلزم العجز من خلاف ما قلنا: لا فيما قلنا، فإذن كل زمان هو غير الزمان الآخر فهو معنى قوله: ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ وهو المراد من قول المفسرين: أغنى فقيراً وأفقر غنياً، وأعز ذليلاً وأذل عزيزاً، إلى غير ذلك من الأضداد.
ثم اعلم أن الضدين ليسا منحصرين في مختلفين بل المثلان في حكمهما فإنهما لا يجتمعان، فمن وجد فيه حركة إلى مكان في زمان لا يمكن أن توجد فيه في ذلك الزمان حركة أخرى أيضاً إلى ذلك المكان، وليس شأن الله مقتصراً على إفقار غني أو إغناء فقير في يومنا دون إفقاره أو إغنائه أمس، ولا يمكن أن يجمع في زيد إغناء هو أمسي مع إغناء هو يومي، فالغنى المستمر للغني في نظرنا في الأمر متبدل الحال، فهو أيضاً من شأن الله تعالى، واعلم أن الله تعالى يوصف بكونه: لا يشغله شأن عن شأن، ومعناه أن الشأن الواحد لا يصير مانعاً له تعالى عن شأن آخر كما أنه يكون مانعاً لنا، مثاله: واحد منا إذا أراد تسويد جسم بصبغة يسخنه بالنار أو تبييض جسم يبرده بالماء والماء والنار متضادان إذا طلب منه أحدهما وشرع فيه يصير ذلك مانعاً له من فعل الآخر، وليس ذلك الفعل مانعاً من الفعل لأن تسويد جسم وتبييض آخر لا تنافي بينهما، وكذلك تسخينه وتسويده بصبغة لا تنافي فيه، فالفعل صار مانعاً للفاعل من فعله ولم يصر مانعاً من الفعل، وفي حق الله مالا يمنع الفعل لا يمنع الفاعل، فيوجد تعالى من الأفعال المختلفة مالا يحصر ولا يحصى في آن واحد، أما ما يمنع من الفعل كالذي يسود جسماً في آن لم يمكنه أن يبيضه في ذلك الآن، فهو قد يمنع الفاعل أيضاً وقد لا يمنع ولكن لابد من منعه للفاعل، فالتسويد لا يمكن معه التبييض، والله تعالى لا يشغله شأن عن شأن أصلاً لكن أسبابه تمنع أسباباً آخر لا تمنع الفاعل.
إذا علمت هذا البحث فقد أفادك.
<div class="verse-tafsir"
كل من أهل السموات والأرض مفتقرون إليه، فيسأله أهل السموات ما يتعلق بدينهم، وأهل الأرض ما يتعلق بدينهم ودنياهم ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ أي كل وقت وحين يحدث أموراً ويجدّد أحوالاً، كما روى: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تلاها فقيل له: وما ذلك الشأن؟
فقال: «من شأنه أن يغفر ذنبا ويفرج كربا، ويرفع قوماً ويضع آخرين» وعن ابن عيينه: الدهر عند الله تعالى يومان، أحدهما: اليوم الذي هو مدّة عمر الدنيا فشأنه فيه الأمر والنهي والإماتة والإحياء والإعطاء والمنع.
والآخر: يوم القيامة، فشأنه فيه الجزاء والحساب.
وقيل: نزلت في اليهود حين قالوا: إنّ الله لا يقضي يوم السبت شيئاً.
وسأل بعض الملوك وزيره عنها فاستمهله إلى الغد وذهب كئيباً يفكر فيها، فقال غلام له أسود: يا مولاي، أخبرني ما أصابك لعل الله يسهل لك على يدي، فأخبره فقال له: أنا أفسرها للملك فأعلمه، فقال: أيها الملك شأن الله أن يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، ويشفي سقيماً ويسقم سليماً، ويبتلى معافاً ويعافى مبتلى، ويعز ذليلاً ويذل عزيزاً ويفقر غنياً ويغني فقيراً؛ فقال الأمير: أحسنت وأمر الوزير أن يخلع عليه ثياب الوزارة فقال: يا مولاي هذا من شأن الله.
وعن عبد الله بن طاهر أنه دعا الحسين بن الفضل وقال له: أشكلت على ثلاث آيات، دعوتك لتكشفها لي: قوله تعالى: ﴿ فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين ﴾ [المائدة: 31] وقد صح أنّ الندم توبة وقوله تعالى: ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ وقد صح أنّ القلم قد جف بما هو كائن إلى يوم القيامة.
وقوله تعالى: ﴿ وَأَن لَّيْسَ للإنسان إِلاَّ مَا سعى ﴾ [النجم: 39] فما بال الأضعاف؟
فقال الحسين: يجوز أن لا يكون الندم توبة في تلك الأمّة.
ويكون توبة في هذه الأمّة؛ لأنّ الله تعالى خص هذه الأمّة بخصائص لم يشاركهم فيها الأمم، وقيل إن ندم قابيل لم يكن على قتل هابيل، ولكن على حمله، وأما قوله: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) فمعناه: ليس له إلا ما سعى عدلاً، ولي أن أجزيه بواحدة ألفاً فضلاً، وأما قوله: ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ فإنها شؤون يبديها لا شؤون يبتدئها، فقام عبد الله وقبل رأسه وسوّغ خراجه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ أيْ مِمّا ذَكَرَنا قَبْلُ مِن بَقاءِ الرَّبِّ وإبْقاءِ ما لا يُحْصى مِمّا هو عَلى صَدَدِ الفَناءِ رَحْمَةً وفَضْلًا، أوْ مِمّا يَتَرَتَّبُ عَلى فَناءِ الكُلِّ مِنَ الإعادَةِ والحَياةِ الدّائِمَةِ والنَّعِيمِ المُقِيمِ.
﴿ يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ فَإنَّهم مُفْتَقِرُونَ إلَيْهِ في ذَواتِهِمْ وصِفاتِهِمْ وسائِرِ ما يُهِمُّهُمْ، ويَعِنُّ لَهم والمُرادُ بِالسُّؤالِ ما يَدُلُّ عَلى الحاجَةِ إلى تَحْصِيلِ الشَّيْءِ في ذَواتِهِمْ وصِفاتِهِمْ نُطْقًا كانَ أوْ غَيْرَهُ.
﴿ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ ﴾ كُلَّ وقْتٍ يُحْدِثُ أشْخاصًا ويُجَدِّدُ أحْوالًا عَلى ما سَبَقَ بِهِ قَضاؤُهُ، وفي الحَدِيثِ: «مِن شَأْنِهِ أنْ يَغْفِرَ ذَنْبًا ويُفَرِّجَ كَرْبًا ويَرْفَعَ قَوْمًا ويَضَعَ آخَرِينَ» .
وَهُوَ رَدٌّ لِقَوْلِ اليَهُودِ إنَّ اللَّهَ لا يَقْضِي يَوْمَ السَّبْتِ شَيْئًا.
﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ أيْ مِمّا يُسْعِفُ بِهِ سُؤالَكُما وما يُخْرِجُ لَكُما مِن مَكْمَنِ العَدَمِ حِينًا فَحِينًا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ قاطِبَةٌ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في ذَواتِهِمْ حُدُوثًا وبَقاءً وفي سائِرِ أحْوالِهِمْ سُؤالًا مُسْتَمِرًّا بِلِسانِ المَقالِ أوْ بِلِسانِ الحالِ فَإنَّهم كافَّةٌ مِن حَيْثُ حَقائِقِهِمُ المُمْكِنَةِ بِمَعْزَلٍ مِنَ اسْتِحْقاقِ الوُجُودِ وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مِنَ الكِمالاتِ بِالمَرَّةِ بِحَيْثُ لَوِ انْقَطَعَ ما بَيْنَهم وبَيْنَ العِنايَةِ الإلَهِيَّةِ مِنَ العَلاقَةِ لَمْ يَشُمُّوا رائِحَةَ الوُجُودِ أصْلًا فَهم في كُلِّ آنٍ سائِلُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي صالِحٍ ﴿ يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ ﴾ الرَّحْمَةَ، ومَن في - الأرْضِ - المَغْفِرَةَ والرِّزْقَ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ( يَسْألُهُ ) المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الرِّزْقَ لِأهْلِ الأرْضِ والمَغْفِرَةَ.
وأهْلُ الأرْضِ يَسْألُونَهُما جَمِيعًا وما تَقَدَّمُ أوْلى.
ولا دَلِيلَ عَلى التَّخْصِيصِ.
والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ اسْتِئْنافٌ.
وقِيلَ: هي حالٌ مِن - الوَجْهِ - والعامِلُ فِيها ( يَبْقى ) أيْ هو سُبْحانَهُ دائِمٌ في هَذِهِ الحالِ، ولا يَخْفى حالُهُ عَلى ذِي تَمْيِيزٍ ﴿ كُلَّ يَوْمٍ ﴾ كُلُّ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ولَحْظَةٍ مِنَ اللَّحَظاتِ.
﴿ هُوَ في شَأْنٍ ﴾ مِنَ الشُّؤُونِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها إعْطاءُ ما سَألُوا فَإنَّهُ تَعالى لا يَزالُ يُنْشِئُ أشْخاصًا، ويُفْنِي آخَرِينَ ويَأْتِي بِأحْوالٍ ويَذْهَبُ بِأحْوالٍ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ عَزَّ وجَلَّ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ حِبّانَ وجَماعَةُ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ «عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: «مِن شَأْنِهِ أنْ يَغْفِرَ ذَنْبًا ويُفَرِّجَ كَرْبًا ويَرْفَعَ قَوْمًا ويَضَعَ آخَرِينَ»» زادَ البَزّارُ ««ويُجِيبَ داعِيًا»»، وقِيلَ: إنَّ لِلَّهِ تَعالى في كُلِّ يَوْمٍ ثَلاثُ عَساكِرَ: عَسْكَرٌ مَنَّ الأصْلابِ إلى الأرْحامِ، وعَسْكَرٌ مِنَ الأرْحامِ إلى الدُّنْيا، وعَسْكَرٌ مِنَ الدُّنْيا إلى القُبُورِ.
والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بَيانُ كَثْرَةِ شُؤُونِهِ تَعالى في الدُّنْيا فَكُلُّ يَوْمٍ عَلى مَعْنى كُلِّ وقْتٍ مِن أوْقاتِ الدُّنْيا.
وقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: الدَّهْرُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى يَوْمانِ: أحَدُهُما اليَوْمَ الَّذِي هو مُدَّةُ الدُّنْيا فَشَأْنُهُ فِيهِ الأمْرُ والنَّهْيُ والإماتَةُ والإحْياءُ.
وثانِيهُما اليَوْمَ الَّذِي هو يَوْمُ القِيامَةِ فَشَأْنُهُ سُبْحانَهُ فِيهِ الجَزاءُ والحِسابُ، وعَنْ مُقاتِلٍ إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ قالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَقْضِي يَوْمَ السَّبْتِ شَيْئًا فَرَدَّ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، وسَألَعَبْدُ اللَّهِ بْنِ طاهِرٍ الحُسَيْنَ بْنَ الفَضْلِ عَنِ الجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وما صَحَّ مِن أنَّ القَلَمَ جَفَّ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَقالَ: شُؤُونٌ يُبْدِيها لا شُؤُونَ يَبْتَدِيها، وانْتُصِبَ ﴿ كُلَّ يَوْمٍ ﴾ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ هو العامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فِي شَأْنٍ ﴾ ، ( وهو ) ثابِتُ المَحْذُوفِ: فَكَأنَّهُ قِيلَ هو ثابِتٌ في شَأْنِ كُلِّ يَوْمٍ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ مِمّا يُسْعِفُ بِهِ سُؤالَكُما وما يُخْرِجُ لَكُما بِيَدَيْهِ مِن مَكْمَنِ العَدَمِ حِينًا فَحِينًا <div class="verse-tafsir"
ثم قال: وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ يعني: ذو الورق وَالرَّيْحانُ يعني: ثمره.
وقال مجاهد: الْعَصْفِ يعني: ورق الحنطة وَالرَّيْحانُ الرزق.
وقال الضحاك: الحب، الحنطة، والشعير، الْعَصْفِ: التبن وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: الْعَصْفِ الزرع وَالرَّيْحانُ الورق بلسان حمير.
ويقال: الْعَصْفِ السنبل وَالرَّيْحانُ ثمرته، وما ينتفع به.
ويقال: الرَّيْحانُ يعني: الرياحين، جمع الريحان وهو نبت لا ساق له.
قرأ ابن عامر: وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ بنصب الباء، وإنما نصبه لأنه عطف على قوله: الْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ وَالْحَبُّ يعني: وخلق الحب ذا العصف وَالرَّيْحانُ.
وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم: وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ بضم النون والباء، لأنه عطف على قوله: فِيها فاكِهَةٌ وقرأ حمزة، والكسائي، هكذا إلا أنَّهما كسرا النون في قوله: وَالرَّيْحانُ عطفاً على الْعَصْفِ على وجه المجاورة.
وقد ذكر الله تعالى من أول السورة نعماءه، ثم خاطب الإنس والجن فقال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ وإن لم يسبق ذكرهما، لأن في الكلام دليلاً، وقد ذكرهما من بعده، وهو قوله: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وقال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: فبأي نعمة من نعماء ربكما أيها الجن والإنس تُكَذِّبانِ يعني: تتجاحدان بأنها ليست من الله تعالى.
قال بعضهم: آلاء الله ونعماء الله واحد.
إلا أن الآلاء أعم، والنعماء أخص.
ويقال: الآلاء النعمة الظاهرة وهو التوحيد، والنعماء: النعمة الباطنة وهو المعرفة بالقلب، كقوله: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً [لقمان: 20] وقال بعضهم: الآلاء إيصال النعم، والنعماء رفع البلايا.
مثاله أن رجلاً لو كانت له يد شلاء فله الآلاء وليست النعماء.
وكذلك لسان الأخرس، ورجل مقعد، فله الآلاء، وليست له النعماء.
وأكثر المفسرين لم يفصلوا بينهما، وقد ذكر في هذه السورة دفع البلية، وإيصال النعمة.
فكل ذلك سماه الآلاء.
وروى محمد بن المنذر، عن جابر، بن عبد الله، أن النبي قرأ على أصحابه سورة الرحمن، فسكت القوم، فقال النبيّ : «الجنُّ كَانُوا أَحْسَنَ رَدّاً مِنْكُمْ، مَا قَرَأْتَ عَلَيْهِمْ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ إلاَّ قَالُوا: ولا بواحدة منها فلك الحَمْدُ» .
وفي رواية أُخرى: أنه قال: «مَا قَرَأْتُ عَلَيْهِمْ إلاَّ قَالُوا وَلا بواحدة منها فلك الحمد» .
ثم قال: خَلَقَ الْإِنْسانَ يعني: آدم مِنْ صَلْصالٍ يعني: الطين اليابس الذي يتصلصل أي: يصوت، كما يصوت الفخار.
ويقال: الصلصال الطين الجيد الذي ذهب عنه الماء، وتشقق.
كَالْفَخَّارِ يعني: الطين الذي يصنع به الفخار.
وقال في موضع آخر: خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ [الحج: 5] وقال في موضع آخر: مِنْ طِينٍ [السجدة: 7] وقال في موضع آخر: مِنْ صَلْصالٍ فهذا كله قد كان حالاً بعد حال.
وَخَلَقَ الْجَانَّ يعني: أبا الجن.
ثم قال هو إبليس: مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ يعني: من لهب من نار، وليس لها دخان.
وقال بعضهم: خلق من نار جهنم.
وقال بعضهم: من النار التي بين الكلة الرقيقة بين السماء، ومنها يكون البرق، ولا يرى السماء إلا من وراء تلك الكلة.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: فبأي نعمة أنتم.
يعني: خلقكم أيها الإنس من نفس واحدة، وخلقكم أيها الجن من نفس واحدة.
فكيف تنكرون هذه النعمة أنها ليست من الله تعالى؟.
ثم قال: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ يعني: هو رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ مشرق الشمس، ومشرق القمر.
وقيل: مشرق الشتاء، ومشرق الصيف وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ يعني: مغرب الشتاء، والصيف.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: نعمة أنتم من نعمائه أيها الجن والإنس تتجاحدان؟
ومعناه: أنتم حيث ما كنتم من مشارق الأرض ومغاربها في ملك الله تعالى، وتأكلون رزقه، وهو عالم حيث ما كنتم، وهو حافظكم، وناصركم، فكيف تنكرون هذه النعم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ ﴾ أيْ: عَلى الأرْضِ، وهي كِنايَةٌ عَنْ غَيْرِ المَذْكُورِ، "فانٍ": أيْ؛ هالِكٌ.
﴿ وَيَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ﴾ أيْ: ويَبْقى رَبُّكَ ﴿ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ: الجَلالُ: مَصْدَرُ الجَلِيلِ، يُقالُ: جَلِيلٌ بَيِّنُ الجَلالَةِ والجَلالِ.
والإكْرامُ: مَصْدَرُ أكْرَمَ يُكْرِمُ إكْرامًا؛ والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى مُسْتَحِقٌّ أنْ يُجَلَّ ويُكْرَمَ، ولا يُجْحَدَ ولا يُكْفَرَ بِهِ؛ وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّهُ يُكْرِمُ أهْلَ وِلايَتِهِ ويَرْفَعُ دَرَجاتِهِمْ؛ وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أحَدَ الأمْرَيْنِ وهو الجَلالُ مُضافًا إلى اللَّهِ تَعالى بِمَعْنى الصِّفَةِ لَهُ، والآخَرُ مُضافًا إلى العَبْدِ بِمَعْنى الفِعْلِ مِنهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هُوَ أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ ﴾ فانْصَرَفَ أحَدُ الأمْرَيْنِ إلى اللَّهِ وهو المَغْفِرَةُ، والآخَرُ إلى العِبادِ وهو التَّقْوى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ المَعْنى أنَّ الكُلَّ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ فَيَسْألُونَهُ وهو غَنِيٌّ عَنْهم ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ ﴾ مِثْلُ أنْ يُحْيِيَ ويُمِيتَ، ويُعِزَّ ويُذِلَّ، ويَشْفِيَ مَرِيضًا، ويُعْطِيَ سائِلًا، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أفْعالِهِ.
وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: هو سَوْقُ المَقادِيرِ إلى المَواقِيتِ.
قالَ مُقاتِلٌ: وسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اليَهُودَ قالَتْ: إنَّ اللَّهَ لا يَقْضِي في يَوْمِ السَّبْتِ شَيْئًا، فَنَزَلَتْ: ﴿ "كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ" .
﴾ <div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ ﴾ ﴿ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ يَخْرُجُ مِنهُما اللُؤْلُؤُ والمَرْجانُ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ وَلَهُ الجَوارِ المُنْشَآتُ في البَحْرِ كالأعْلامِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ ﴾ ﴿ وَيَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ "مَرَجَ البَحْرَيْنِ" مَعْناهُ: أرْسَلَهُما إرْسالًا غَيْرَ مُنْحازٍ بَعْضُهُما مِن بَعْضٍ، ومِنهُ: مَرَجَتِ الدابَّةُ، ومِنهُ: الأمْرُ المَرِيجُ، أيْ: المُخْتَلِطُ الَّذِي لَمْ يَتَحَصَّلْ مِنهُ شَيْءٌ، ومِنهُ ﴿ مِن مارِجٍ مِن نارٍ ﴾ .
واخْتَلَفَ الناسُ في البَحْرَيْنِ - فَقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: بَحْرُ فارِسٍ وبَحْرُ الرُومِ، وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: بَحْرُ القُلْزُمِ واليَمَنِ وبَحْرُ الشامِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ: بَحْرٌ في السَماءِ وبَحْرٌ في الأرْضِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا هو مَطَرُ السَماءِ -سَمّاهُ بَحْرًا- وبَحْرُ الأرْضِ، والظاهِرُ عِنْدِي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ مَرَجَ البَحْرَيْنِ ﴾ يُرِيدُ بِهِما نَوْعَيِ الماءِ العَذْبِ والأُجاجِ، أيْ: خَلْطُهُما في الأرْضِ وأرْسَلَهُما مُتَداخِلَيْنِ في وضْعِهِما في الأرْضِ قَرِيبٌ بَعْضُهُما مِن بَعْضٍ، والعِبْرَةُ في هَذا التَأْوِيلِ مُنِيرَةٌ، وأنْشَدَ مُنْذِر بْن سَعِيد: ومَمْزُوجَةُ الأمْواهِ لا العَذْبُ غالِبُ عَلى المِلْحِ طَيِّبًا لا ولا المِلْحُ يَعْذُبُ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: "يَلْتَقِيانِ" فَعَلى التَأْوِيلَيْنِ الأوَّلَيْنِ مَعْناهُما: مُعَدّانِ لِلِالتِقاءِ وحَقُّهُما أنْ يَلْتَقِيا لَوْلا البَرْزَخُ، وعَلى القَوْلِ الثالِثِ أنَّهُما يَلْتَقِيانِ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، فَمَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ بَحْرٌ يَجْتَمِعُ في السَماءِ فَهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وإنَّما يَتَوَجَّهُ اللِقاءُ فِيهِ وفي القَوْلِ الرابِعِ بِنُزُولِ المَطَرِ، وفي القَوْلِ الخامِسِ بِالأنْهارِ في البَحْرِ وبِالعُيُونِ قُرْبَ البَحْرِ.
و"البَرْزَخُ": الحاجِزُ في كُلِّ شَيْء، فَهو في بَعْضِ هَذِهِ الأقْوالِ أجْرامُ الأرْضِ، قالَهُ قَتادَةُ، وفي بَعْضِها القُدْرَةُ، والبَرْزَخُ أيْضًا المُدَّةُ الَّتِي بَيْنَ الدُنْيا والآخِرَةِ لِلْمَوْتى، فَهُو حاجِزٌ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّ ماءَ الأنْهارِ لا يَخْتَلِطُ بِالماءِ المِلْحِ بَلْ هو بِذاتِهِ باقٍ فِيهِ، وهَذا يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ أو حَدِيثٍ صَحِيحٍ وإلّا فالعِيانُ لا يَقْتَضِيه، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ في "مَرَجَ البَحْرَيْنِ" ألْغازًا وأقْوالًا باطِنَةً لا يَجِبُ أنْ يَلْتَفِتَ إلى شَيْءٍ مِنها.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لا يَبْغِيانِ" - فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ: لا يَبْغِي واحِدٌ مِنهُما عَلى الآخَرِ، وقالَ قَتادَةُ أيْضًا والحَسَنُ: لا يَبْغِيانِ عَلى الناسِ والعُمْرانِ، وهَذانَ القَوْلانِ عَلى أنَّ اللَفْظَ مِنَ البَغْيِ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هي مِن قَوْلِكَ: بَغْيٌ إذا طَلَبَ، فَمَعْناهُ: لا يَبْغِيانِ حالًا مِنَ الأحْوالِ غَيْرَ حالَيْهِما اللَتَيْنِ خُلِقا وسُخِّرا لَهُما.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ: اللُؤْلُؤُ: كِبارُ الجَوْهَرِ والمَرْجانُ: صِغارُهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا، ومُرَّةُ الهَمْدانِيُّ عَكْسُ هَذا، والوَصْفُ بِالصِغَرِ هو الصَوابُ في اللُؤْلُؤِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرُهُ: المَرْجانُ حَجَرٌ أحْمَرُ، وهَذا هو الصَوابُ في المَرْجانِ، واللُؤْلُؤُ بِناءٌ غَرِيبٌ لا يُحْفَظُ مِنهُ في كَلامِ العَرَبِ أكْثَرُ مِن خَمْسَةٍ: اللُؤْلُؤُ، والجُؤْجُؤُ، والدُؤْدُؤُ، واليُؤْيُؤُ -وَهُوَ طائِرٌ والبُؤْبُؤُ، وهو الأصْلُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: "مِنهُما" - فَقالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ في كِتابِ "الحُجَّةِ": وزَعَمَ قَوْمٌ أنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ اللُؤْلُؤُ والمَرْجانُ مِنَ المِلْحِ ومِنَ العَذْبِ، ورَدَّ الناسُ عَلى الشاعِرِ في قَوْلِهِ: فَجاءَ بِها ما شِئْتَ مِن لَطْمِيَّةٍ ∗∗∗ عَلى وجْهِها ماءُ الفُراتِ يَمُوجُ وَقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: إنَّما يَخْرُجُ ذَلِكَ مِنَ الأُجاجِ في المَواضِعِ الَّتِي تَقَعُ فِيها الأنْهارُ والمِياهُ العَذْبَةُ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: "مِنهُما"، وهَذا مَشْهُورٌ عِنْدَ الغَوّاصِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ: إنَّما تَتَكَوَّنُ هَذِهِ الأشْياءُ في البَحْرِ بِنُزُولِ المَطَرِ لِأنَّ الصُدَفَ وغَيْرَها تَفْتَحُ أجْوافَها لِلْمَطَرِ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: "مِنهُما"، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ ما مَعْناهُ: إنَّ خُرُوجَ هَذِهِ الأشْياءِ إنَّما هي مِنَ المِلْحِ لَكِنَّهُ تَعالى قالَ: "مِنهُما" تَجَوُّزًا، كَما قالَ الشاعِرُ: ..............
∗∗∗ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا وكَما قالَ الآخَر: ...........
∗∗∗ عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا فَمِن حَيْثُ هُما نَوْعٌ واحِدٌ فَخُرُوجُ هَذِهِ الأشْياءِ إنَّما هي مِنهُما وإنْ كانَتْ تَخْتَصُّ عِنْدَ التَفْصِيلِ المَبالَغِ بِأحَدِهِما، وهَذا كَما قالَ تَعالى: ﴿ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ﴾ ﴿ وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا ﴾ ، وإنَّما هو في إحْداهُنَّ وهي الدُنْيا إلى الأرْضِ، وقالَ الرُمّانِيُّ: العَذْبُ فِيهِما كاللِقاحِ لِلْمِلْحِ، فَهو كَما يُقالُ: الوَلَدُ يَخْرُجُ مِنَ الذَكَرِ والأُنْثى.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وأهْلُ المَدِينَةِ: "يَخْرُجُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الراءِ "اللُؤْلُؤُ" رَفْعًا.
وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يَخْرُجُ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الراءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي جَعْفَرٍ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو - في رِوايَةِ حُسَيْنٍ الجُعْفِيِّ عنهُ:- "يُخْرِجُ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الراءِ عَلى إسْنادِهِ إلى اللهِ تَعالى، أيْ: بِتَمْكِينِهِ وقُدْرَتِهِ "اللُؤْلُؤَ" نَصْبًا، ورَواها أيْضًا بِالنُونِ مَضْمُومَةً وكَسَرَ الراءَ.
و"الجَوارِ" جَمْعُ جارِيَةٍ، وهي السُفُنُ، وقَرَأ الحَسَنُ، والنَخْعِيُّ: "الجَوارِيَ" بِإثْباتِ الياءِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ بِحَذْفِها، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: "المُنْشَآتِ" بِفَتْحِ الشِينِ، أيْ: أنْشَأها اللهُ تَعالى أوِ الناسُ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ بِخِلافٍ عنهُ-: "المُنْشِئاتِ" بِكَسْرِ الشِينِ، أيْ: تُنْشِئُ هي السَيْرَ إَقْبالًا وإدْبارًا، و"الأعْلامُ" الجِبالُ وما جَرى مَجْراها مِنَ الظِرابِ والآكامِ، وقالَ مُجاهِدٌ: ما لَهُ شِراعٌ فَهو مِنَ المُنْشَآتِ وما لَمْ يُرْفَعْ لَهُ شِراعٌ فَلَيْسَ مِنَ المُنْشَآتِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: قَوْلُهُ تَعالى: "كالأعْلامِ" هو الَّذِي يَقْتَضِي هَذا الفَرْقَ، وأمّا لَفْظَةُ "المُنْشَآتُ" فَتَعُمُّ الكَبِيرَ والصَغِيرَ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ ﴾ لِلْأرْضِ، وكَنّى تَعالى عنها ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذُكِرَ لِوُضُوحِ المَعْنى، كَما قالَ تَعالى: ﴿ حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشَواهِدِ، والإشارَةِ بِالفَناءِ إلى جَمِيعِ المَوْجُوداتِ عَلى الأرْضِ مِن حَيَوانٍ وغَيْرِهِ، فَغَلَبَتْ عِبارَةُ مَن يَعْقِلُ فَلِذَلِكَ قالَ: "مَن".
و"الوَجْهُ" عِبارَةٌ عَنِ الذاتِ لِأنَّ الجارِحَةَ مَنفِيَّةٌ في حَقِّ اللهِ تَعالى، وهَذا كَما تَقُولُ: هَذا وجْهُ القَوْلِ والأمْرِ، أيْ: حَقِيقَتُهُ وذاتُهُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ذُو الجَلالِ" عَلى صِفَةِ لَفْظَةِ الوَجْهِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وأبَيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "ذِي الجَلالِ" عَلى صِفَةِ الرَبِّ تَبارَكَ وتَعالى.
<div class="verse-tafsir"
هذا تخلّص من الاعتبار بأحوال الحياة العاجلة إلى التذكير بأحوال الآخرة والجزاء فيها انتُقل إليه بمناسبة اشتمال ما سَبق من دلائل سعة قدرة الله تعالى، على تعريض بأن فاعل ذلك أهلّ للتوحيد بالإِلهية، ومستحق الإِفراد بالعبادة، وإذ قد كان المخاطبون بذلك مشركين مع الله في العبادة انتُقل إلى تهديدهم بأنهم وأولياءَهم من الجن المسوِّلين لهم عبادة الأصنام سيعرضون على حكم الله فيهم.
وحرف التنفيس مستعمل في مطلق التقريب المكنَّى به عن التحقيق، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ قال سوف أستغفر لكم ربي ﴾ في سورة يوسف (98).
والفراغ للشيء: الخلوُ عما يشغل عنه، وهو تمثيل للاعتناء بالشيء، شبّه حال المقبل على عمل دون عمللٍ آخر بحال الوعاء الذي أُفْرغَ مما فيه ليُملأ بشيء آخر.
وهذا التمثيل صالح للاستعمال في الاعتناء كما في قول أبي بكر الصديق لابنه عبد الرحمان افْرُغْ إلى أضيافك (أي تخل عن كل شغل لتشتغل بأضيافك وتتوفر على قِراهم) وصالح للاستعمال في الوعيد، كقول جرير: أَلاَنَ وقد فرغت إلى نَمير *** فهذا حين كنتُ لها عذاباً والمناسب لسياق الآية باعتبار السابق واللاحق، أن تحمل على معنى الإِقبال على أمور الثقلين في الآخرة، لأن بعده ﴿ يعرف المجرمون بسيماهم ﴾ [الرحمن: 41]، وهذا لكفار الثقلين وهم الأكثر في حين نزول هذه الآية.
و ﴿ الثقلان ﴾ : تثنية ثَقَل، وهذا المثنى اسم مفرد لمجموع الإِنس والجن.
وأحسب أن الثّقَل هو الإِنسان لأنه محمول على الأرض، فهو كالثقل على الدابة، وأن إطلاق هذا المثنى على الإنس والجن من باب التغليب، وقيل غير هذا مما لا يرتضيه المتأمل.
وقد عد هذا اللفظ بهذا المعنى مما يستعمل إلا بصيغة التثنية فلا يطلق على نوع الإنسان بانفراده اسم الثقل ولذلك فهو مثنى اللفظ مفرد الإطلاق.
وأظن أن هذا اللفظ لم يطلق على مجموع النوعين قبل القرآن فهو من أعلام الأجناس بالغلبة، ثم استعمله أهل الإسلام، قال ذو الرمة: وميَّة أحسن الثقلين وَجها *** وسَالِفَةً وأحسنُهُ قَذالاً أراد وأحسن الثقلين، وجعل الضمير له مفرداً.
وقد أخطأ في استعماله إذ لا علاقة للجن في شيء من غرضه.
وقرأ الجمهور ﴿ سنفرغ ﴾ بالنون.
وقرأه حمزة والكسائي بالياء المفتوحة على أن الضمير عائد إلى الله تعالى على طريقة الالتفات.
وكُتب ﴿ أيه ﴾ في المصحف بهاء ليس بعدها ألف وهو رسم مراعى فيه حال النطق بالكلمة في الوصل إذ لا يوقف على مثله، فقرأها الجمهور بفتحة على الهاء دون ألف في حالتي الوصل والوقف.
وقرأها أبو عمرو والكسائي بألف بعد الهاء في الوقف.
وقرأه ابن عامر بضم الهاء تبعاً لضم الياء التي قبلها وهذا من الإِتباع.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ شَأْنَهُ في يَوْمَيِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، قالَ ابْنُ بَحْرٍ: الدَّهْرُ كُلُّهُ يَوْمانِ: أحَدُهُما: مُدَّةُ أيّامِ الدُّنْيا، والآخَرُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَشَأْنُهُ سُبْحانَهُ في أيّامِ الدُّنْيا الِابْتِلاءُ والِاخْتِبارُ بِالأمْرِ، والنَّهْيِ، والإحْياءِ، والإماتَةِ، والإعْطاءِ، والمَنعِ، وشَأْنُهُ يَوْمَ القِيامَةِ الجَزاءُ، والحِسابُ، والثَّوابُ، والعِقابُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ الإخْبارُ عَنْ شَأْنِهِ في كُلِّ يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا.
وَفِي هَذا الشَّأْنِ الَّذِي أرادَهُ في أيّامِ الدُّنْيا قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَن بُعِثَ مِنَ الأنْبِياءِ في كُلِّ زَمانٍ بِما شَرَعَهُ لِأُمَّتِهِ مِن شَرائِعِ الدِّينِ وكانَ الشَّأْنُ في هَذا المَوْضِعِ هو الشَّرِيعَةُ الَّتِي شَرَعَها كُلُّ نَبِيٍّ في زَمانِهِ ويَكُونُ اليَوْمُ عِبارَةً عَنِ المُدَّةِ.
القَوْلُ الثّانِي: ما يُحْدِثُهُ اللَّهُ في خَلْقِهِ مِن تَبَدُّلِ الأحْوالِ واخْتِلافِ الأُمُورِ، ويَكُونُ اليَوْمُ عِبارَةً عَنِ الوَقْتِ.
رَوى مُجاهِدٌ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: كُلُّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ، يُجِيبُ داعِيًا، ويُعْطِي سائِلًا، ويَفُكُّ عانِيًا، ويَتُوبُ عَلى قَوْمٍ، ويَغْفِرُ لِقَوْمٍ.
وَقالَ سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ: كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ، هو يَعْتِقُ رِقابًا، ويُعْطِي رِغابًا، ويَحْرِمُ عِقابًا.
وَقَدْ رَوى أبُو الدَّرْداءِ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ « ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ ﴾ مِن شَأْنِهِ أنْ يَغْفِرَ ذَنْبًا، ويُفَرِّجَ كَرْبًا، ويَرْفَعَ قَوْمًا، ويَضَعَ آخَرِينَ.
» <div class="verse-tafsir"
أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ وله الجوار المنشآت ﴾ قال: المنشآت ما رفع قلعة من السفن، فأما ما لم يرفع قلعة فليس بمنشآت.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن ﴿ وله الجوار المنشآت ﴾ قال: السفن و ﴿ المنشآت ﴾ قال: بالشراع ﴿ كالأعلام ﴾ قال: كالجبال.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وله الجوار المنشآت ﴾ يعني السفن ﴿ كالأعلام ﴾ قال: كالجبال.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ وله الجوار المنشآت ﴾ قال: هي السفائن.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والمحاملي في أماليه عن عمير بن سعد قال: كنا مع عليّ على شط الفرات فمرت به سفينة فقرأ هذه الآية ﴿ وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن إبراهيم النخعي والضحاك أنهما كانا يقرآن ﴿ وله الجوار المنشآت في البحر ﴾ قال: أي الفاعلات.
وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش أنه كان يقرأها ﴿ وله الجوار المنشآت ﴾ يعني الباديات.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه كان يقرأها على الوجهين بكسر الشين وفتحها.
قوله تعالى: ﴿ كل من عليها فان ﴾ الآية.
أخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي قال: إذا قرأت ﴿ كل من عليها فان ﴾ فلا تسكت حتى تقرأ ﴿ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإِكرام ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: ﴿ ذو الجلال والإِكرام ﴾ قال: الكبرياء والعظمة.
وأخرج ابن المنذر والبيهقي عن حميد بن هلال قال: قال رجل: يرحم الله رجلاً أتى على هذه الآية ﴿ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإِكرام ﴾ فسأل الله تعالى بذلك الوجه الكافي الكريم ولفظ البيهقي بذلك الوجه الباقي الجميل.
قوله تعالى: ﴿ يسأله من في السماوات والأرض ﴾ الآية.
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يسأله من في السماوات والأرض ﴾ يعني يسأل عباده إياه الرزق والموت والحياة كل يوم هو في ذلك.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي صالح ﴿ يسأله من في السماوات والأرض ﴾ قال: ﴿ يسأله من في السماوات ﴾ الرحمة ويسأله من في الأرض المغفرة والرزق.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في الآية قال: الملائكة يسألونه الرزق لأهل الأرض والأرض يسأله أهلها الرزق لهم.
وأخرج الحسن بن سفيان في مسنده والبزار وابن جرير والطبراني وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان وابن عساكر عن أبي الدرداء «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: من شأنه أن يغفر ذنباً ويفرج كرباً ويرفع قوماً ويضع آخرين» ، زاد البزار: وهو يجيب داعياً.
وأخرج البزار عن ابن عمر «عن النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: يغفر ذنباً ويفرج كرباً» .
وأخرج البيهقي عن أبي الدرداء في قوله: ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: يكشف كرباً ويجيب داعياً ويرفع قوماً ويضع آخرين.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: إن مما خلق الله لوحاً محفوظاً من درة بيضاء دفتاه من ياقوتة حمراء قلمه نور وكتابه نور عرضه ما بين السماء والأرض، ينظر فيه كل يوم ثلثمائة وستين نظرة يخلق في كل نظرة، ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويغل ويفك، ويفعل ما يشاء، فذلك قوله تعالى ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن عبيد بن عمير ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: من شأنه أن يجيب داعياً ويعطي سائلاً، ويفك عانياً، ويشفى سقيماً.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: لا يستغني عنه أهل السماء والأرض، يحيى حياً، ويميت ميتاً، ويربي صغيراً، ويفك أسيراً، ويغني فقيراً، وهو مرد حاجات الصالحين، ومنتهى شكرهم وصريخ الأخيار.
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن أبي ميسرة ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: يحيى ويميت، ويصور في الأرحام ما يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من شاء، ويفك الأسير.
وأخرج عبد بن حميد عن الربيع رضي الله عنه ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: يخلق خلقاً ويميت آخرين ويرزقهم ويكلؤهم.
وأخرج عبد بن حميد عن سويد بن جبلة الفزاري، وكان من التابعين، قال: إن ربكم ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ يعتق رقاباً ويفحم عتاباً ويعطي رغاباً.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي الجوزاء رضي الله عنه ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: لا يشغله شأن عن شأن.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: من أيام الدنيا كل يوم يجيب داعياً ويكشف كرباً ويجيب مضطراً ويغفر ذنباً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ ﴾ قال أبو عبيدة: سنحاسبكم، سنجمعكم ولم يشغله شيء تبارك وتعالى (١) (٢) قال الفراء: وهذا من الله وعيد؛ لأنه لا يشغله شيء عن شيء، وأنت قائل للرجل الذي لا شغل له: قد فرغت لي، قد فرغت لشتمي، أي: أخذت فيه وأقبلت عليه، هذا كلامه (٣) وقال أبو إسحاق: الفراغ في اللغة على ضربين: أحدهما: الفراغ من الشغل، والآخر: القصد للشيء، تقول: سأتفرغ لفلان، أي سأجعل قصدي إليه، ومعنى ﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ ﴾ سنقصد لحسابكم (٤) (٥) الآن فَقَد فرغت إلى نمير ...
فهذا حينَ صِرتُ لهم عَذَابا (٦) وقال بعض أهل المعاني: ومعنى الآية: سنعمد عمد من يتفرغ للعمل لتجويده من غير تضجيع، وهذا من أبلغ الوعيد وأشده.
وقال ابن قتيبة: الفراغ يكون من الناس بعد شغل، ثم قد ينتقل فيصير في معنى القصد للشيء، وذلك أنه إنما يقصد الشيء إذا فرغ مما يقطعه فيسمى القصد إلى الشيء فراغًا له كما كان يحصل عن فراغ من موانعه، والله تعالى لا يشغله شأن عن شأن فقوله: ﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ ﴾ أي سنقصد لكم بعد طول الترك والإمهال، وهذا معنى قول قتادة في هذه الآية: قد دنا من الله فراغ لخلقه (٧) وأما التفسير فأكثر المفسرين ذهبوا في تفسير هذا اللفظ إلى أنه وعيد وتهديد، وهو قول مقاتل والضحاك، وابن عباس في رواية عطاء، قال: هذا تهديد منه لعباده (٨) وذهب قوم إلى أن المعنى سنوفر عليكم ما وعدناكم من الحساب والجزاء بالثواب والعقاب وننجزه لكم، وهذا قول الحسن، وابن زيد، وابن كيسان (٩) ويقال: فَرّغَ يَفْرَغُ وَيفْرُغُ وفَرغَ يَفْرَغُ.
كل ذلك مروي عن أهل اللغة (١٠) وقراءة العامة (سنفرغ) بالنون.
وقرئ بالياء على الغيبة (١١) ﴿ وَلَهُ الْجَوَارِ ﴾ وقوله: ﴿ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ﴾ .
وقوله: ﴿ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ ﴾ يريد الجن والإنس في قول الجميع.
قال أهل المعاني: وإنما وصف الجنس والإنس بأنهما ثقلان لعظم شأنهما بالإضافة إلى ما في الأرض من غيرهما، فهما أثقل وزنًا لعظم الشأن بالعقل والتمكين والتكليف لأداء الواجب في الحقوق (١٢) وقال أبو العباس أحمد بن يحيى: العرب تقول لكل شيء نفيس مصون: ثَقَل، وأصله من بيض النعام المصون، قال ثعلبة بن صُعير المازني (١٣) فتَذَكَّرا ثقلًا رَثيدا بَعْدَما ...
أَلْقَتْ ذُكاءُ يمنيها في كافِر (١٤) ويقال للسيد العزيز: ثقل من هذا، وسمى الله -عز وجل- الجن والإنس الثقلين لتفضيله إياهما على سائر الحيوان المخلوق في الأرض بالتمييز والعقل اللذين خُصا به، ولهذا سمى النبي - - كتاب الله وعترته (١٥) (١٦) ﴿ وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا ﴾ يعني موتاها، ومنه قول الخنساء: أبعد ابن عمرو من آل الشريد ...
حلت به الأرض أثقالها (١٧) أي موتاها أي جعلته الأرض حلية أمواتها لفضله وشرفه (١٨) وروي عن الصادق أنه قال: سُميا ثقلين لأنهما مثقلان بالذنوب (١٩) (١) انظر: "مجاز القرآن" 2/ 244، وفيه (سنحاسبكم، لم يشغله) ولم يذكر الجمع.
(٢) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 317.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 116.
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 99.
(٥) في (ك) من قوله: (وهذا قريب) إلى هنا مكرر.
وانظر: "تهذيب اللغة" 8/ 111 (فرغ).
(٦) ليس البيت في "ديوان جرير".
وانظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 249، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 168، و"اللسان" 1/ 146 (أين).
(٧) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 264، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 273.
(٨) انظر: "تفسير مقاتل" 135 ب، و"جامع البيان" 27/ 79، و"معالم التنزيل" 4/ 27.
(٩) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 40 أ، ب، و"معالم التنزيل" 4/ 271، و"فتح القدير" 5/ 136.
(١٠) انظر: "تهذيب اللغة" 8/ 19، و"اللسان" 2/ 184 (فرغ).
(١١) (ك): من قوله (وقراءة العامة) إلى هنا مكرر.
وقرأ حمزة، والنسائي، وخلف ﴿ سيفرغ ﴾ بفتح الياء وضم الراء.
وقرأ الباقون ﴿ سَنَفْرُغُ ﴾ بالنون.
انظر: "حجة القراءات" 692، و"الحجة للقراء السبعة" 6/ 248 - 249، و"النشر" 2/ 381، و"الإتحاف" ص 46.
(١٢) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 271، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 169.
(١٣) هو ثعلبة بن صغير المازني: شاعر جاهلي، وقد وقع خلط في وقت مبكر بينه والصحابي ثعلبة بن أبي صغير بن عمرو من بني عُذْرَة.
انظر: "الشعر والشعراء" ص 285، و"الأمالي" 2/ 145، و"معجم الشعراء الجاهليين والمخضرمين" ص 58، و"الإصابة" 1/ 406، و"الأعلام" 2/ 83.
(١٤) ورد البيت منسوبًا في "المحتسب" 2/ 234، و"المفضليات" ص 257، و"تهذيب اللغة" 9/ 78 (ثقل)، و"اللسان" 1/ 366 (ثقل)، وأماكن أخرى من الكتاب وهي المذكورة لاحقًا.
والظليم: الذكر من النعام، والجمع أظلمةُ وظُلمان وظِلمانُ، اللسان 2/ 652 (ظلم).
والرثد: بالتحريك متاع البيت، و"اللسان" 1/ 1122 (رثد).
وذُكاءُ (بالضم): اسم الشمس معرفة لا ينصرف ولا تدخلها الألف واللام، و"اللسان" 1/ 1073 (ذكا).
والكافر هنا هو المغيب، ويحتمل أن يكون أراد الليل، "اللسان" 3/ 274 (كفر).
(١٥) عترته في تحديدها خلاف، والمشهور المعروف أنهم أهل بيته، وهم الذين حرمت طيهم الزكاة والصدقة المفروضة، وهم ذوو القربى الذين لهم خمس الخمس المذكور في سورة الأنفال.
"اللسان" 2/ 677 (عتر).
(١٦) رواه الترمذي في "سننه"، باب مناقب آل البيت، وقال.
هذا حديث حسن غريب.
(١٧) انظر: "ديوان الخنساء" ص 120، و"الخصائص" 3/ 172، و"الأغاني" 3/ 131، و"اللسان" 2/ 296 (شرد) وبنو الشَّريج بطن من سُلَيْم.
(١٨) انظر: "تهذيب اللغة" 9/ 38، و"اللسان" 1/ 366 (ثقل).
(١٩) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 40/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 231، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 169، و"فتح القدير" 5/ 137.
<div class="verse-tafsir"
﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثقلان ﴾ معناه الوعيد كقولك لمن تهدده: سأفرغ لعقوبتك، وليس المراد التفرغ من شغل، ويحتمل أن يريد انتهاء مدة الدنيا، وإنه حينئذ ينقضي شأنها، فلا يبقى إلا شأن الآخرة فعبَّر عن ذلك بالتفرغ.
قال الإمام جعفر بن محمد: سمى الإنس والجن ثقلين، كأنهما ثقلا بالذنوب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ ﴾ ذكر في خلق الإنسان أحوالا مختلفة: مرة قال: ﴿ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ﴾ ، والتراب: هو الذي لم يصبه الماء، ومرة قال: خلقه من طين والطين: هو الذي أصابه الماء، واعتجن، ومرة قال: ﴿ مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ ﴾ واللازب: هو الذي يلتصق باليد ويلزقه، وهو الحر الخالص، وقال مرة: ﴿ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ﴾ ، وهو الذي أسود وتغير؟
لطول المكث، ومرة قال: ﴿ مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ ﴾ والصلصال: هو الذي له صوت إذا حرك، وهو من صلصلة الحديد.
ويحتمل صلصال: أي: منتن، يقال: صلَّ البثر؛ إذا أنتن، والفخار: هو الذي تكسر إذا يبس.
وقال أبو عوسجة: الفخار: الذي طبخ.
فجائز أن تكومن هذه الأحوال التي ذكرت على اختلافها في ذلك الإنسان، كان في الابتداء، ترابا، ثم صار لازيا؛ لأنه كان من جيد الطين وحره، ثم صار مسنونا منتنا: أسود: لطول المكث، وصلصالاً لكثرة تربيته ولجودته، يكون له صوت.
وتشبهه بالفخار يحتمل وجوهاً: أحدها: لتكسره ويبسه.
أو لأنه كان ذا دوف كالفخار، أو لطول المكث، وكثرة التربية؛ إذ طين الفخار له ذه المصفات، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ...
﴾ الآية، ذكر أنه أبو الجن، وأنه لفظ الوحدان، والجن جماعة، وكذا قال أبو عوسجة: الجان: الجن.
وقوله: ﴿ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ ﴾ قال بعضهم: المارج: هو لهب النار صافياً لا دخان فيه؛ يقال: مرجت النار؛ إذا التبهت، فالمارج على هذا هو النار التي فارقت الحطب والتهبت، وارتفعت منه؛ وكذا قال أبو عوسجة: المارج - هاهنا -: اللهب، من قولك: مرج الشيء؛ إذا اضطرب، ولم يستقر، وعلى ما قال بعضهم في قوله: ﴿ مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ ﴾ إذا خلط وجميع بينهما يجيء أن يكون خلق الجان من نار غير منقطعة من الحطب، ولا خالية من الدخان؛ وكذا قال أبو عبيد: ﴿ مِن مَّارِجٍ ﴾ ، أي: من خلط من النار.
وعلى تأويل من قال في قوله: ﴿ مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ ﴾ أي: أرسل أحدهما في الآخر، فهو يكون من نار منقطعة من الحطب.
وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة، إنما الحاجة إلى معرفة ما أودع من الحكمة فيما ذكر من خلق آدم - - من تراب، وخلق الجان من نار.
والفائدة في ذلك - والله أعلم - يخبر عن قدرته: أن من قدر على خلق الإنسان من ذلك التراب وإخراج جميع ما في الدنيا من الناس من نفس واحدة، لا يحتمل أن يعجزه شيء، وكذلك ما ذكر من خلق ألوان من النار، وإخراج ما أخرج منه من النسل حتى أخذ الدنيا بأسرها لا يعجزه شيء، ولا ما لو اجتمع حكماء البشر والجن، أدركوا المعنى الذي به أنشأ الإنسان منه، وخرج هذا الخلق منه، وفي ذلك وجهان من الحكمة: أحدهما: ما ذكرنا من القدرة على البعث: والثاني: أن كل ما ذكر من النقل والتغير من حال إلى حال، وإخراج ما أخرج منه، لا يحتمل أن يفعل ذلك عبثا باطلا، ولو لم يكن بعث، لكان إنشاء هذا الخلق عبثا باطلا، ولا قوة إلا بالله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ ، يقول، - والله أعلم -: إذا لم تنكروا شيئا من الآية أنه ليس منه فما لكم تنكرون في البعث وغيره؟!
وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ ﴾ ، قد ذكرناه فيما تقدم.
ثم دل قوله: ﴿ رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ ﴾ و ﴿ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ ﴾ وذكر الحد لهما - أعني: الشمس والقمر - في الشروق والغروب، وفي أنهما طلعا بأمر، وغربا حيث غربا بأمر؛ إذ لو كان ذلك لا بأمر لكن بأنفسهما، لكانا يطلعان ويغربان في جميع الأوقات والأطراف، ولا يرجعان إذا بلغا مكانا ولا يزدادان، ولا ينتقصان في وقت من الأوقات، ثم هذه كله منشأ للبشر، مسخر لهم؛ فيقول - والله أعلم -: ما بال المجعول لكم أطوع لله منكم؛ حيث لا يجاوز الحد الذي جعل له، ولا يتعدى أمر خالقه، وأنتم تجاوزون أمره ونهيه، وتتعدون حدوده.
وفي الآية دليل على أن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه؛ ألا ترى أنه خص رب المشرقين ورب المغربين، ولم يدل على أنه ليس برب ما بينهما، أو ليس برب ما سوى المشارق والمغارب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ ﴾ قيل: جمع بينهما وخلط.
وقيل: أحدهما العذاب، والآخر: المالح.
وقيل: ﴿ يَلْتَقِيَانِ ﴾ أي: يتقابلان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ ﴾ أي: بين البحرين حجاب وحاجز.
﴿ لاَّ يَبْغِيَانِ ﴾ قيل: لا يختلطان، ولا يمتزجان، ولا يتغير طعم كل واحد منهما؛ يخبر عن لطفه في منعهما عن الامتزاج، ومن طبع الماء الامتزاج والاختلاط، فمن قدر على هذا لا يعجزه شيء.
وقيل: ﴿ لاَّ يَبْغِيَانِ ﴾ أي: لا يجاوزان حد الله الذي حد لهما.
ثم اختلف في البحرين: قال بعضهم: أحدهما: بحر الروم، والآخر: بحر الهند، و ﴿ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ ﴾ أي: سكان، ﴿ لاَّ يَبْغِيَانِ ﴾ أي: لا يختلطان، وهو قول الأصم.
ومنهم من قال: أحدهما: بحر الروم، والآخر: بحر فارس، ﴿ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ ﴾ ، أي: جزيرة العرب.
وقيل: أحدهما: بحر السماء، والآخر: بحر الأرض، كقوله: ﴿ فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى ٱلمَآءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴾ ، و ﴿ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ ﴾ ، وهو: [ ] الأرض وسكان الأرض، وهذا أيضا لطف منه .
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا ٱلُّلؤْلُؤُ وَٱلمَرْجَانُ ﴾ منهم من قال: يخرج من العذب والمالح جميعا، كما هو ظاهر الآية.
ومنهم من قال: يخرجان من المالح خاصة دون العذب، وإن كانت الإضافة إ ليهما، وذلك جائز في اللغة، كقوله: ﴿ يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ ﴾ ، ولم يأت من الجن رسل، وذلك كثير في القرآن.
ثم قرئ ﴿ يَخْرُجُ ﴾ بنصب الياء، ورفع [الراء، وقرئ برفع] الياء ونصب الراء، فالأول على جعل الفعل [لهما، والثاني على جعل الفعل] لغيرهما؛ كقوله : ﴿ وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ﴾ ، ولم يقل: (يخرج منه حلية).
ثم اختلف في اللؤلؤ والمرجان، منهم من قال: اللؤلؤ: ما عظم منه، والمرجان ما صغر من اللؤلؤ.
ومنهم من قال على العكس، وأكثرهم على الأول؛ كذلك روي عن ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك، وكذا قال أبو عوسجة: المرجان: صغار اللؤلؤ، والواحد: مرجانة.
وقيل: إن المرجان المختلط من الجواهر، من قولهم: مرجت، أي: خلطت.
وقيل: إنه ضرب خاص من الجوهر يخرج من البحر.
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: إذا جاء القطر من السماء، انفتحت الأصداف؛ فكان في ذلك اللؤلؤ.
وقيل: إنما قال : ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا ٱلُّلؤْلُؤُ وَٱلمَرْجَانُ ﴾ وإنما يخرج اللؤلؤ من المالح دون العذب؛ لأن العذب والمالح يلتقيان؛ فيكون العذب لقاحا للمالح؛ كما يقال: يخرج الولد من الذكر والأنثى، وإنما تلده الأنثى، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَئَاتُ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ ﴾ : عن إبراهيم - رحمه الله -: أنه قرأ: ﴿ ٱلْمُنشَئَاتُ ﴾ بكسر الشين، وفسر بعض الناس المنشآت، أي: ظاهرات السير.
وعن الحسن أنه قرأها بفتح الشين، وقال أبو عبيدة: وبها يقرأ؛ لأن تفسيرها: أ،ها التي قد رفع قلعها في البحر، فهي الآن مقطوع بها؛ فقيل: المنشآت، وهي المرتفعات، والتي لم يرتفع قلعها، فليست بمنشأة.
وقيل: المخلوقات، والجواري: هي السفن المنشآت.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَٱلأَعْلاَمِ ﴾ أي: هي في البحار كالجبال في البراري.
قيل: وهي الأعلام أنفسها.
ثم في هذه الآيات التي ذكرت وجوهٌ من الحكمة وإثبات القدرة لله و : أحدها: أن من قدر على تسخير البحار وإنشاء ما فيها، وعلم إخراج ما فيها للآدمي، واتخاذ السفن وإجراءها في البحار؛ للوصول إلى المنافع التي في البلدان النائية - لقادر على البعث وغيره.
والثاني: أن لا سبيل إلى معرفة ما في البحار من الأموال، واتخاذ السفن وإجرائها في البحار، ومعرفة ما وراء البحار من البلدان النائية وما فيها إلا بخبر الرسل، فيقول - والله أعلم -: ما بالكم صدقتم الرسل الأوائل فيما يرجع إلى منافعكم الدنيوية، ولم تصدقوهم فيما يرجع إلى الدين والآخرة من الوعد والوعيد.
أو يقول: ما بالكم لا تنكرون شيئا من هذه النعم - التي جعلها لكم - أنها من الله ، فكيف تنكرون ما أتاكم به الرسل، عليهم السلام؟!
ثم في قوله: ﴿ وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَئَاتُ ﴾ دلالة نقض قول المعتزلة في إنكارهم خلق أفعال العباد؛ فإنه أضاف السفن إلى نفسه بقوله: ﴿ وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَئَاتُ ﴾ ، وقد اتخذها بنو آدم بأفعالهم، فلو لم يكن له في أفعالهم صنعٌ، لكانت السفن لهم لا له، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ ، أذا لم تكذبا شيئاص من آلاء ربكما: أنه من الله ، ولم تكذبا ما أتاكم من الأخبار في منافع الدنيا، فكيف تكذبان أخبار الرسل عليهم السلام بعدما جاءو بالآيات والحجج.
<div class="verse-tafsir"
سنفرغ لحسابكم -أيها الإنس والجن- فنجازي كلًّا بما يستحقه من ثواب أو عقاب.
<div class="verse-tafsir" id="91.g6ey2"