الإسلام > القرآن > سور > سورة 55 الرحمن > الآية ٣٦ من سورة الرحمن
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 47 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٣٦ من سورة الرحمن من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
أي فبأي الآلاء يا معشر الثقلين من الإنس الجن تكذبان؟
قاله مجاهد وغير واحد ويدل عليه السياق بعده أي النعم ظاهرة عليكم وأنتم مغمورون بها لا تستطيعون إنكارها ولا جحودها فنحن نقول كما قالت الجن المؤمنون به اللهم ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد وكان ابن عباس يقول لا بأيها يا رب أي لا نكذب بشيء منها قال الإمام أحمد حدثنا يحيى بن إسحاق حدثنا ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن أسماء بنت أبي بكر قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ وهو يصلي نحو الركن قبل أن يصدع بما يؤمر والمشركون يستمعون "فبأي آلاء ربكما تكذبان".
خطاب للإنس والجن , لأن الأنام واقع عليهما .وهذا قول الجمهور , يدل عليه حديث جابر المذكور أول السورة , وخرجه الترمذي وفيه " للجن أحسن منكم ردا " .وقيل : لما قال : " خلق الإنسان " [ الرحمن : 3 ] " وخلق الجان " [ الرحمن : 15 ] دل ذلك على أن ما تقدم وما تأخر لهما .وأيضا قال : " سنفرغ لكم أيها الثقلان " [ الرحمن : 31 ] وهو خطاب للإنس والجن وقد قال في هذه السورة : " يا معشر الجن والإنس " [ الرحمن : 33 ] .وقال الجرجاني : خاطب الجن مع الإنس وإن لم يتقدم للجن ذكر , كقوله تعالى : " حتى توارت بالحجاب " [ ص : 32 ] .وقد سبق ذكر الجن فيما سبق نزوله من القرآن , والقرآن كالسورة الواحدة , فإذا ثبت أنهم مكلفون كالإنس خوطب الجنسان بهذه الآيات .وقيل : الخطاب للإنس على عادة العرب في الخطاب للواحد بلفظ التثنية , حسب ما تقدم من القول في " ألقيا في جهنم " [ ق : 24 ] .وكذلك قوله [ امرؤ القيس ] : قفا نبك [ من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل ] خليلي مرا بي [ على أم جندب نقض لبانات الفؤاد المعذب ] فأما ما بعد " خلق الإنسان " و " خلق الجان " [ الرحمن : 15 ] فإنه خطاب للإنس والجن , والصحيح قول الجمهور لقوله تعالى : " والأرض وضعها للأنام " والآلاء النعم , وهو قول جميع المفسرين , واحدها إلى وألى مثل معى وعصا , وإلي وألي أربع لغات حكاها النحاس قال : وفي واحد " آناء الليل " ثلاث تسقط منها المفتوحة الألف المسكنة اللام , وقد مضى في " الأعراف " و " النجم " .وقال ابن زيد : إنها القدرة , وتقدير الكلام فبأي قدرة ربكما تكذبان , وقاله الكلبي واختاره الترمذي محمد بن علي , وقال : هذه السورة من بين السور علم القرآن , والعلم إمام الجند والجند تتبعه , وإنما صارت علما لأنها سورة صفة الملك والقدرة , فقال : " الرحمن .علم القرآن " فافتتح السورة باسم الرحمن من بين الأسماء ليعلم العباد أن جميع ما يصفه بعد هذا من أفعاله ومن ملكه وقدرته خرج إليهم من الرحمة العظمى من رحمانيته فقال : " الرحمن .علم القرآن " ثم ذكر الإنسان فقال : " خلق الإنسان " ثم ذكر ما صنع به وما من عليه به , ثم ذكر حسبان الشمس والقمر وسجود الأشياء مما نجم وشجر , وذكر رفع السماء ووضع الميزان وهو العدل , ووضع الأرض للأنام , فخاطب هذين الثقلين الجن والإنس حين رأوا ما خرج من القدرة والملك برحمانيته التي رحمهم بها من غير منفعة ولا حاجة إلى ذلك , فأشركوا به الأوثان وكل معبود اتخذوه من دونه , وجحدوا الرحمة التي خرجت هذه الأشياء بها إليهم , فقال سائلا لهم : " فبأي آلاء ربكما تكذبان " أي بأي قدرة ربكما تكذبان , فإنما كان تكذيبهم أنهم جعلوا له في هذه الأشياء التي خرجت من ملكه وقدرته شريكا يملك معه ويقدر معه , فذلك تكذيبهم .ثم ذكر خلق الإنسان من صلصال , وذكر خلق الجان من مارج من نار , ثم سألهم فقال : " فبأي آلاء ربكما تكذبان " أي بأي قدرة ربكما تكذبان , فإن له في كل خلق بعد خلق قدرة بعد قدرة , فالتكرير في هذه الآيات للتأكيد والمبالغة في التقرير , واتخاذ الحجة عليهم بما وقفهم على خلق خلق .وقال القتبي : إن الله تعالى عدد في هذه السورة نعماءه , وذكر خلقه آلاءه , ثم أتبع كل خلة وصفها ونعمة وضعها بهذه وجعلها فاصلة بين كل نعمتين لينبههم على النعم ويقررهم بها , كما تقول لمن تتابع فيه إحسانك وهو يكفره وينكره : ألم تكن فقيرا فأغنيتك أفتنكر هذا ؟
!
ألم تكن خاملا فعززتك أفتنكر هذا ؟
!
ألم تكن صرورة فحججت بك أفتنكر هذا !
؟
ألم تكن راجلا فحملتك أفتنكر هذا ؟
!
والتكرير حسن في مثل هذا .قال : كم نعمة كانت لكم كم كم وكم وقال آخر : لا تقتلي مسلما إن كنت مسلمة إياك من دمه إياك إياك وقال آخر : لا تقطعن الصديق ما طرفت عيناك من قول كاشح أشر ولا تملن من زيارته زره وزره وزر وزر وزر وقال الحسين بن الفضل : التكرير طردا للغفلة , وتأكيدا للحجة .
ولما كان تخويفه لعباده نعمة منه عليهم، وسوطا يسوقهم به إلى أعلى المطالب وأشرف المواهب، امتن عليهم فقال: { فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ }
" فبأي آلاء ربكما تكذبان".
«فبأي آلاء ربكما تكذبان».
يُرْسَل عليكم لهب من نار، ونحاس مذاب يُصَبُّ على رؤوسكم، فلا ينصر بعضكم بعضًا يا معشر الجن والإنس.
فبأي نِعَم ربكما- أيها الثقلان- تكذِّبان؟
وفيه مسائل: المسألة الأولى: ما وجه تعلق الآية بما قبلها؟
نقول: إن قلنا يا معشر الجن والإنس نداء ينادي به يوم القيامة، فكأنه تعالى قال: يوم يرسل عليكما شواظ من نار فلا يبقى لكما انتصار إن استطعتما النفوذ فانفذا، وإن قلنا: إن النداء في الدنيا، فنقول قوله: ﴿ إِنِ استطعتم ﴾ إشارة إلى أنه لا مهرب لكم من الله فيمكنكم الفرار قبل الوقوع في العذاب ولا ناصر لكم فيخلصكم من النار بعد وقوعكم فيها وإرسالها عليكم، فكأنه قال: إن استطعتم الفرار لئلا تقعوا في العذاب ففروا ثم إذا تبين لكم أن لا فرار لكم ولا بد من الوقوع فيه فإذا وقعتم فيه وأرسل عليكم فاعلموا أنكم لا تنصرون فلا خلاص لكم إذن، لأن الخلاص إما بالدفع قبل الوقوع وإما بالرفع بعده، ولا سبيل إليهما.
المسألة الثانية: كيف ثنى الضمير في قوله: ﴿ عَلَيْكُمَا ﴾ مع أنه جمع قبله بقوله: ﴿ إِنِ استطعتم ﴾ والخطاب مع الطائفتين وقال: ﴿ فَلاَ تَنتَصِرَانِ ﴾ وقال من قبل: ﴿ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بسلطان ﴾ نقول: فيه لطيفة، وهي أن قوله: ﴿ إِنِ استطعتم ﴾ لبيان عجزهم وعظمة ملك الله تعالى، فقال: إن استطعتم أن تنفذوا باجتماعكم وقوتكم فانفذوا، ولا تستطيعون لعجزكم فقد بان عند اجتماعكم واعتضادكم بعضكم ببعض فهو عند افتراقكم أظهر، فهو خطاب عام مع كل أحد عند الانضمام إلى جميع من عداه من الأعوان والإخوان، وأماقوله تعالى: ﴿ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا ﴾ فهو لبيان الإرسال على النوعين لا على كل واحد منهما لأن جميع الإنس والجن لا يرسل عليهم العذاب والنار، فهو يرسل على النوعين ويتخلص منه بعض منهما بفضل الله ولا يخرج أحد من الأقطار أصلاً، وهذا يتأيد بما ذكرنا أنه قال: لا فرار لكم قبل الوقوع، ولا خلاص لكم عند الوقوع لكن عدم الفرار عام وعدم الخلاص ليس بعام والجواب الثاني: من حيث اللفظ، هو أن الخطاب مع المعشر فقوله: ﴿ إِنِ استطعتم ﴾ أيها المعشر وقوله: ﴿ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا ﴾ ليس خطاباً مع النداء بل هو خطاب مع الحاضرين وهما نوعان وليس الكلام مذكوراً بحرف واو العطف حتى يكون النوعان مناديين في الأول وعند عدم التصريح بالنداء فالتثنية أولى كقوله تعالى: ﴿ فَبِأَيِّ ءَالآءِ رَبِّكُمَا ﴾ وهذا يتأيد بقوله تعالى: ﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثقلان ﴾ وحيث صرح بالنداء جمع الضمير، وقال بعد ذلك: ﴿ فَبِأَيِّ ءَالآءِ رَبِّكُمَا ﴾ حيث لم يصرح بالنداء.
المسألة الثالثة: ما الشواظ وما النحاس؟
نقول: الشواظ لهب النار وهو لسانه، وقيل ذلك لا يقال إلا للمختلط بالدخان الذي من الحطب، والظاهر أن هذا مأخوذ من قول الحكماء إن النار إذا صارت خالصة لا ترى كالتي تكون في الكير الذي يكون في غاية الاتقاد، وكما في التنور المسجور فإنه يرى فيه نور وهو نار، وأما النحاس ففيه وجهان، أحدهما الدخان، والثاني القطر وهو النحاس المشهور عندنا، ثم إن ذكر الأمرين بعد خطاب النوعين يحتمل أن يكون لاختصاص كل واحد بواحد.
وحينئذ فالنار الخفيف للإنس لأنه يخالف جوهره، والنحاس الثقيل للجن لأنه يخالف جوهره أيضاً.
فإن الإنس ثقيل والنار خفيفة، والجن خفاف والنحاس ثقيل، وكذلك إن قلنا: المراد من النحاس الدخان، ويحتمل أن يكون ورودهما على حد واحد منهما وهو الظاهر الأصح.
المسألة الرابعة: من قرأ ﴿ نحاس ﴾ بالجر كيف يعربه ولو زعم أنه عطف على النار يكون شواظ من نحاس والشواظ لا يكون من نحاس؟
نقول: الجواب عنه من وجهين: أحدهما: تقديره شيء من نحاس كقولهم: تقلدت سيفاً ورمحاً وثانيهما: وهو الأظهر أن يقول: الشواظ لم يكن إلا عندما يكون في النار أجزاء هوائية وأرضية، وهو الدخان، فالشواظ مركب من نار ومن نحاس وهو الدخان، وعلى هذا فالمرسل شيء واحد لا شيئان غير أنه مركب، فإن قيل: على هذا لا فائدة لتخصيص الشواظ بالإرسال إلا بيان كون تلك النار بعد غير قوية قوة تذهب عنه الدخان، نقول: العذاب بالنار التي لا ترى دون العذاب بالنار التي ترى، لتقدم الخوف على الوقوع فيه وامتداد العذاب والنار الصرفة لا ترى أو ترى كالنور، فلا يكون لها لهيب وهيبة، وقوله تعالى: ﴿ فَلاَ تَنتَصِرَانِ ﴾ نفي لجميع أنواع الانتصار، فلا ينتصر أحدهما بالآخر، ولا هما بغيرهما، وإن كان الكفار يقولون في الدنيا: ﴿ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ ﴾ والانتصار التلبس بالنصرة، يقال لمن أخذ الثأر انتصر منه كأنه انتزع النصرة منه لنفسه وتلبس بها، ومن هذا الباب الانتقام والادخار والادهان، والذي يقال فيه: إن الانتصار بمعنى الامتناع: ﴿ فَلاَ تَنتَصِرَانِ ﴾ بمعنى لا تمتنعان، وهو في الحقيقة راجع إلى ما ذكرنا لأنه يكون متلبساً بالنصرة فهو ممتنع لذلك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يامعشر الجن والإنس ﴾ كالترجمة لقوله: أيها الثقلان ﴿ إِنِ استطعتم ﴾ أن تهربوا من قضائي وتخرجوا من ملكوتي ومن سمائي وأرضي، فافعلوا، ثم قال: لا تقدرون على النفوذ ﴿ إِلاَّ بسلطان ﴾ يعني بقوّة وقهر وغلبة، وأنى لكم ذلك، ونحوه: ﴿ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرض وَلاَ فِي السماء ﴾ [العنكبوت: 22] وروى: أنّ الملائكة عليهم السلام تنزل فتحيط بجميع الخلائق، فإذا رآهم الجن والإنس هربوا، فلا يأتون وجهاً إلا وجدوا الملائكة أحاطت به.
قرئ: ﴿ شواظ ونحاس ﴾ ، كلاهما بالضم والكسر؛ والشواظ: اللهب الخالص.
والنحاس: الدخان؛ وأنشد: تُضِيءُ كَضَوْءِ سِرَاجِ السَّلِيطِ ** لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ فِيهِ نُحَاسَا وقيل: الصفر المذاب يصب على رؤوسهم.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: إذا خرجوا من قبورهم ساقهم شواظ إلى المحشر.
وقرئ: ﴿ ونحاس ﴾ ، مرفوعاً عطفاً على شواظ.
ومجروراً عطفاً على نار.
وقرئ: ﴿ ونحس ﴾ جمع نحاس، وهو الدخان، نحو لحاف ولحف.
وقرئ: ﴿ ونحس ﴾ أي: ونقتل بالعذاب.
وقرئ: ﴿ نرسل عليكم شواظاً من نار ونحاساً ﴾ ﴿ فَلاَ تَنتَصِرَانِ ﴾ فلا تمتنعان.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ أيْ مِنَ التَّنْبِيهِ والتَّحْذِيرِ والمُساهَلَةِ والعَفْوِ مَعَ كَمالِ القُدْرَةِ، أوْ مِمّا نَصَبَ مِنَ المَصاعِدِ العَقْلِيَّةِ والمَعارِجِ النَّقْلِيَّةِ فَتَنْفُذُونَ بِها إلى ما فَوْقَ السَّماواتِ العُلا.
﴿ يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ ﴾ لَهَبٌ.
﴿ مِن نارٍ ونُحاسٌ ﴾ ودُخانٌ قالَ: تُضِيءُ كَضَوْءِ السِّراجِ السَّلِي ∗∗∗ طِ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ فِيهِ نُحاسًا أوْ صِفْرٌ مُذابٌ يُصَبُّ عَلى رُؤُوسِهِمْ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ شِواظٌ بِالكَسْرِ وهو لُغَةٌ ونُحاسٍ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى نارٍ، ووافَقَهُ فِيهِ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ، وقُرِئَ «وَنُحُسٌ» وهو جَمْعٌ كَلُحُفٍ.
﴿ فَلا تَنْتَصِرانِ ﴾ فَلا تَمْتَنِعانِ.
﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ فَإنَّ التَّهْدِيدَ لُطْفٌ والتَّمْيِيزَ بَيْنَ المُطِيعِ والعاصِي بِالجَزاءِ والِانْتِقامِ مِنَ الكُفّارِ في عِدادِ الآلاءِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يُرْسَلُ عَلَيْكُما ﴾ اسْتِئْنافٌ في جَوابِ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ عَنِ الدّاعِي لِلْفِرارِ أوْ عَمّا يُصِيبُهم أيْ يَصُبُّ عَلَيْكُما ﴿ شُواظٌ ﴾ هو اللَّهَبُ الخالِصُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأنْشَدَ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ قَوْلَ حَسّانَ: هَجَوْتُكَ فاخْتَضَعْتَ لَها بِذُلٍّ بِقافِيَةٍ تَأجَّجُ كالشُّواظِ وقِيلَ: اللَّهَبُ المُخْتَلِطُ بِالدُّخانِ، وقالَ مُجاهِدٌ: اللَّهَبُ الأحْمَرُ المُنْقَطِعُ، وقِيلَ: اللَّهَبُ الأخْضَرُ، وقالَ الضَّحّاكُ: الدُّخّانُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ اللَّهَبِ، وقِيلَ: هو النّارُ والدُّخانُ جَمِيعًا، وقَرَأ عِيسى وابْنُ كَثِيرٍ وشِبْلٍ «شِواظٌ» بِكَسْرِ الشِّينِ ﴿ مِن نارٍ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ - يُرْسَلُ - أوْ بِمُضْمِرٍ هو صِفَةٌ لـِ - شُواظٌ - و«مِن» ابْتِدائِيَّةٌ أيْ كائِنٍ مِن نارٍ والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ ﴿ ونُحاسٌ ﴾ هو الدُّخّانُ الَّذِي لا لَهَبَ فِيهِ كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ لِنافِعِ بْنِ الأزْرَقِ وأنْشَدَ لَهُ قَوْلَ الأعْشى، أوِ النّابِغَةَ الجَعْدِيَّ: تُضِيءُ كَضَوْءِ السِّراجِ السَّلِي ∗∗∗ طِ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ فِيهِ نُحاسًا ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ الصِّفْرُ المَعْرُوفُ أيْ يُصَبُّ عَلى رُؤُوسِكُما صِفْرٌ مُذابٌ، والرّاغِبُ فَسَّرَهُ بِاللَّهَبِ بِلا دُخّانٍ ثُمَّ قالَ: وذَلِكَ لِشَبَهِهِ في اللَّوْنِ بِالنُّحاسِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ والنَّخَعِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرو «ونُحاسٍ» بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ عُطِفَ عَلى نارٍ، وقِيلَ: عَلى ﴿ شُواظٌ ﴾ وجَرَّ لِلْجِوارِ فَلا تَغْفُلْ.
وقَرَأ الكَلْبِيُّ وطَلْحَةُ ومُجاهِدٌ بِالجَرِّ أيْضًا لَكِنَّهم كَسَرُوا النُّونَ وهو لُغَةٌ فِيهِ، وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ - ونَحْسٍ - كَما تَقُولُ يَوْمَ نَحْسٍ، وقَرَأ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرَةَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ أيْضًا «ونُحِسُّ» مُضارِعًا، وماضِيهِ حَسَّهُ أيْ قَتَلَهُ أيْ ونُقْتَلُ بِالعَذابِ، وعَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ أيْضًا - ونُحِسُّ - بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ في الحاءِ عَلى التَّخَيْيُرِ وحَنْظَلَةَ بْنِ عُثْمانَ - ونُحِسَّ - بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ السِّينِ، والحَسَنِ وإسْماعِيلَ - ونُحُسِ - بِضَمَّتَيْنِ والكَسْرِ، وهو جَمْعُ - نُحاسٍ - كَلِحافٍ ولُحُفِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ - نُرْسِلُ - بِالنُّونِ - شُواظًا - بِالنَّصْبِ - ونُحاسًا - كَذَلِكَ عَطْفًا عَلى شُواظًا ﴿ فَلا تَنْتَصِرانِ ﴾ فَلا تَمْتَنِعانِ وهَذا عِنْدَ الضَّحّاكِ في الدُّنْيا أيْضًا.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: تُخْرَجُ نارٌ مِن قِبَلِ المَغْرِبِ تَحْشُرُ النّاسَ حَتّى إنَّها لَتَحْشُرُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ تَبِيتُ مَعَهم حَيْثُ باتُوا وتُقِيلُ حَيْثُ قالُوا، وقالَ في البَحْرِ: المُرادُ تَعْجِيزُ الجِنِّ والإنْسِ أيْ أنْتُما بِحالِ مَن يُرْسَلُ عَلَيْهِ هَذا فَلا يَقْدِرُ عَلى الِامْتِناعِ مِمّا يُرْسَلُ عَلَيْهِ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ فَإنَّ التَّهْدِيدَ لُطْفٌ والتَّمْيِيزُ بَيْنَ المُطِيعِ والعاصِي بِالجَزاءِ والِانْتِقامِ مِنَ الكُفّارِ مِن عِدادِ الآلاءِ <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ يعني: أرسل البحرين.
ويقال: خلَّى البحرين.
ويقال: خلق البحرين يَلْتَقِيانِ يعني: مالح، وعذب، بَيْنَهُما بَرْزَخٌ يعني: حاجز لاَّ يَبْغِيانِ يعني: لا يختلطان فيغير طعمه.
وأصل البغي: التطاول، والجَوْرُ، والظلم.
وقال بعضهم: بينهما حاجز لطيف لا يراه الخلق، وإنما العبرة في ذلك أنه لا يرى.
ويقال: بعضهم ليس هناك شيء، وإنما تمنعهما من الاختلاط قدرة الله تعالى.
ويقال: يَلْتَقِيانِ أي: يتقابلان أحدهما بحر الروم، والآخر بحر فارس.
وقيل: بحر الهند بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيانِ أي: لا يختلطان بَيْنَهُما بَرْزَخٌ.
بلطف الله تعالى أي: باللطف تمنع عن الامتزاج، وهما بحر واحد، لن يمس أحدهما بالآخر.
وقال الزجاج: البرزخ الحاجز، فهما من دموع العين مختلطان، وفي قدرة الله منفصلان.
وقيل: بَيْنَهُما بَرْزَخٌ أي: جزيرة العرب.
وقيل: بحر السماء، والأرض، كقوله تعالى: فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) [القمر: 11- 12] وبينهما برزخ الهواء، والأرض، وسكان الأرض.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: خلق البحرين لمنفعة الخلق، وبين لكم العبرة، وقدرته، ولطفه، لتعتبروا به، وتوحدوه، فكيف تنكرون هذه النعمة بأنها ليست من الله تعالى؟.
ثم قال: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ يعني: من بحر مالح اللؤلؤ وَالْمَرْجانُ ما صغر منه.
ويقال: اللؤلؤ يعني: الصغار وَالْمَرْجانُ يعني: العظام.
وقرأ نافع وأبو عمرو يَخْرُجُ بضم الياء ونصب الراء على فعل ما لم يسم فاعله.
وقرأ الباقون: بنصب الياء، وضم الراء.
وقرأ بعضهم: بكسر الراء.
يعني: يخرج الله تعالى، ونصب اللؤلؤ، والمرجان لأنه مفعول به.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: خلق في البحر اللؤلؤ لمنفعة الخلق، ولصلاحهم، ولكي تعتبروا به، فكيف تنكرون هذه النعمة.
ثم قال عز وجل: وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ يعني: السفن التي تجري في الماء كَالْأَعْلامِ يعني: كالجبال فشبّه السفن في البحر بالجبال في البر.
وقرأ حمزة المنشئات بكسر الشين.
والباقون: بالنصب.
فمن قرأ: بالكسر يعني: المبتدئات في السير.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ أنه جعل السفن في البحر لمنفعة الخلق، فكيف تنكرون هذه النعمة بأنها ليست من الله تعالى.
ثم قال عز وجل: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ يعني: كل شيء على وجه الأرض يفنى وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ يعني: ذو الملك، والعظمة، والإكرام، ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ يعني: ذو الملك، والعظمة، والإكرام، يعني: ذو الكرم، والتجاوز، فلما نزلت هذه الآية، قالت الملائكة: هلكت بنو آدم، فلما نزل كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ أيقنوا بهلاك أنفسهم، وهذا من النعم، لأنه يحذرهم، وبين لهم ليتهيؤوا لذلك.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ومعناه إن الله تعالى يعينكم، فتوكلوا عليه، ولا تعتمدوا على الناس، لأنهم لا يقدرون على دفع الهلاك عن أنفسهم، والله هو الباقي بعد فناء الخلق، وهو الذي يتجاوز عنكم، ويعينكم، فكيف تنكرون ربكم الذي خلقكم، وأحسن إليكم؟.
قوله تعالى: يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: الملائكة يسألون لأهل الأرض المغفرة، ويسأل أهل الأرض جميع حوائجهم من الله تعالى.
ثم قال: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ يعني: في كل يوم يُعز، ويذل، ويحيي، ويميت، ويعطي، ويمنع.
وذلك أن اليهود قالوا: إن الله لا يقضي يوم السبت شيئاً فنزل كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ فأخبر الله تعالى أنه يقضي في جميع الأيام، وكان هذا من النعم.
وذكر أن الحجاج بن يوسف الثقفي أرسل إلى محمد بن الحنفية يتوعده قال: لأفعلن بك كذا وكذا.
فأرسل إليه محمد بن الحنفية وقال: إن الله تعالى ينظر في كل يوم ثلاث مائة وستين نظرة إلى اللوح المحفوظ، وكل يوم يعز، ويذل، ويعطي، ويمنع فأرجو أن يرزقني الله تعالى ببعض نظراته، أن لا يجعل لك علي سلطان.
فكتب بها الحجاج إلى عبد الملك بن مروان، فكتب عبد الملك بهذه الكلمات التي قالها محمد بن الحنفية، ووضعها في خزانته، فكتب إليه ملك الروم يتوعده في شيء، فكتب إليه عبد الملك بتلك الكلمات التي قالها محمد بن الحنفية، فكتب إليه صاحب الروم: ولله ما هذا من كنزك، ولا من كنز أهل بيتك، ولكنها من كنز أهل بيت النبوة.
ثم قال عز وجل: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: تجحدون نعمته، وأنتم تسألون حوائجكم منه.
قوله عز وجل: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ أي: سنحفظ عليكم أعمالكم أيها الجن والإنس.
فنجازيكم بذلك.
وروى جبير عن الضحاك في قوله: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ قال: هذا وعيد من غير شغل.
إن الله تعالى لا يشغل بشيء.
وقال الزجاج: الفارغ في اللغة على ضربين.
أحدهما: الفراغ من الشغل، والآخر القصد للشيء، كما تقول سأفرغ لفلان أي: سأجعل قصدي له.
قرأ حمزة، والكسائي، سيفرغ لَكُمْ بالياء.
والباقون: بالنون.
وكلاهما يرجع إلى معنى واحد.
يعني: سيحفظ الله عليكم أعمالكم، ويحاسبكم بما تعملون.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: ما عملتم فإنه لا ينسى، ولا يمنح ثوابه، وينصفكم من ظلمكم، فكيف تنكرون هذه النعم بأنها ليست من الله تعالى؟
واعلموا أن هذه النعم كلها من الله، فاشكروه.
فكيف تنكرون من هو يجازيكم بأعمالكم، ولا يمنع ثواب حسناتكم، وينصركم على أعدائكم؟
فهذه النعم كلها من الله، فاشكروه، ووحدوه.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "سَنَفْرُغُ" بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِكْرِمَةُ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعَبْدُ الوارِثِ: ["سَيَفْرُغُ"] بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، عَنْ عَبْدِ الوارِثِ: "سَيُفْرَغُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ.
قالَ الفَرّاءُ: هَذا وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، لِأنَّهُ لا يَشْغَلُهُ شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ، تَقُولُ لِلرَّجُلِ الَّذِي لا شُغْلَ لَهُ: قَدْ فَرَغْتَ لِي، قَدْ فَرَغْتَ تَشْتُمُنِي؟!
أيْ: قَدْ أخَذْتَ في هَذا وأقْبَلْتَ عَلَيْهِ؟!
قالَ الزَّجّاجُ: الفَراغُ في اللُّغَةِ عَلى ضَرْبَيْنِ.
أحَدُهُما: الفَراغُ مِن شُغْلٍ.
والآخَرُ: القَصْدُ لِلشَّيْءِ، تَقُولُ: قَدْ فَرَغْتُ مِمّا كُنْتُ فِيهِ، أيْ: قَدْ زالَ شُغْلِي بِهِ، وتَقُولُ: سَأتَفَرَّغُ لِفُلانٍ، أيْ: سَأجْعَلُهُ قَصْدِي، ومَعْنى الآيَةِ: سَنَقْصِدُ لِحِسابِكم.
فَأمّا "الثَّقَلانِ" فَهُمّا الجِنُّ والإنْسُ، سُمِّيا بِذَلِكَ لِأنَّهُما ثِقْلُ الأرْضِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ تَنْفُذُوا ﴾ أيْ: تَخْرُجُوا؛ يُقالُ: نَفَذَ الشَّيْءُ مِنَ الشَّيْءِ: إذا خَلَصَ مِنهُ، كالسَّهْمِ يَنْفُذُ مِنَ الرَّمِيَّةِ؛ والأقْطارُ: النَّواحِي والجَوانِبُ.
وفي مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَعْلَمُوا ما في السَّماواتِ والأرْضِ فاعْلَمُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَهْرُبُوا مِنَ المَوْتِ بِالخُرُوجِ مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فاهْرُبُوا واخْرُجُوا مِنها؛ والمُرادُ: أنَّكم حَيْثُما كُنْتُمْ أدْرَكَكُمُ المَوْتُ، هَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ في آخَرِينَ.
والثّالِثُ: إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَجُوزُوا أطْرافَ السَّماواتِ والأرْضِ فَتُعْجِزُوا رَبَّكم حَتّى لا يَقْدِرَ عَلَيْكم فَجُوزُوا؛ وإنَّما يُقالُ لَهم هَذا يَوْمَ القِيامَةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَنْفُذُونَ إلا بِسُلْطانٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لا تَنْفُذُونَ إلّا في سُلْطانِ اللَّهِ ومُلْكِهِ، لِأنَّهُ مالِكُ كُلِّ شَيْءٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: لا تَنْفُذُونَ إلّا بِحُجَّةٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والثّالِثُ: لا تَنْفُذُونَ إلّا بِمُلْكٍ، ولَيْسَ لَكم مُلْكٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُرْسَلُ عَلَيْكُما ﴾ فَثَنّى عَلى اللَّفْظِ.
وقَدْ جَمَعَ في قَوْلِهِ ﴿ إنِ اسْتَطَعْتُمْ ﴾ عَلى المَعْنى.
فَأمّا "الشُّواظُ" فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ لَهَبُ النّارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو اللَّهَبُ الأخْضَرُ المُنْقَطِعُ مِنَ النّارِ.
والثّانِي: الدُّخانُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والثّالِثُ: النّارُ المَحْضَةُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي النّارُ الَّتِي تَأجَّجُ لا دُخانَ فِيها، ويُقالُ: شُواظٌ وشِواظٌ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِ الشِّينِ؛ وقَرَأ أيْضًا هو وأهْلُ البَصْرَةِ: "وَنُحاسٍ" بِالخَفْضِ، والباقُونَ بِرَفْعِهِما.
وَفِي "النُّحاسِ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ دُخانُ النّارِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ، ومِنهُ قَوْلُ الجَعْدِيُّ يَذْكُرُ امْرَأةً: تُضِيءُ كَضَوْءِ سِراجِ السَّلِي طِ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ فِيهِ نُحاسا وَذَكَرَ الفَرّاءُ في السَّلِيطِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ دُهْنُ السَّنامِ، ولَيْسَ لَهُ دُخانٌ إذا اسْتُصْبِحَ بِهِ.
والثّانِي: أنَّهُ دُهْنُ السِّمْسِمِ.
والثّالِثُ: الزَّيْتُ.
والثّانِي: أنَّهُ الصُّفْرُ المُذابُ يُصَبُّ عَلى رُؤُوسِهِمْ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
قالَ مُقاتِلٌ: والمُرادُ بِالآيَةِ: كُفّارُ الجِنِّ والإنْسِ، يُرْسَلُ عَلَيْهِما في الآخِرَةِ لَهَبُ النّارِ والصُّفْرُ الذّائِبُ، وهي خَمْسَةُ أنْهارٍ تَجْرِي مِن تَحْتِ العَرْشِ عَلى رُؤُوسِ أهْلِ النّارِ، ثَلاثَةُ أنْهارٍ عَلى مِقْدارِ اللَّيْلِ، ونَهْرانِ عَلى مِقْدارِ نَهارِ الدُّنْيا، ﴿ فَلا تَنْتَصِرانِ ﴾ أيْ: فَلا تَمْتَنِعانِ مِن ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَسْألُهُ مَن في السَماواتِ والأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ سَنَفْرُغُ لَكم أيُّهَ الثَقَلانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إلا بِسُلْطانٍ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "يَسْألُهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن "الوَجْهِ" والعامِلُ فِيهِ "يَبْقى"،أيْ: هو دائِمٌ في هَذِهِ الحالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا مُسْتَأْنَفًا إخْبارًا مُجَرَّدًا، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ مِنَ الأشْياءِ فَهو في قِوامِهِ وتَمَسُّكِهِ ورِزْقِهِ إنْ كانَ مِمّا يُرْزَقُ بِحالِ حاجَةٍ إلى اللهِ تَعالى، فَمَن كانَ يَسْألُ بِنُطْقٍ فالأمْرُ فِيهِ بَيِّنٌ، ومَن كانَ مِن غَيْرِ ذَلِكَ فَحالُهُ تَقْتَضِي السُؤالَ فَأسْنَدَ فِعْلَ السُؤالِ إلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ ﴾ أيْ: يَظْهَرُ شَأْنٌ مِن قُدْرَتِهِ الَّتِي سَبَقَتْ في الأزَلِ في مِيقاتِهِ مِنَ الزَمَنِ، مِن إحْياءٍ وإماتَةٍ ورَفْعٍ وخَفْضٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا يَعْلَمُ نِهايَتَها إلّا هو تَعالى وجَلَّ، و"الشَأْنُ" اسْمُ جِنْسٍ لِلْأُمُورِ، قالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: مَعْنى الآيَةِ سَوْقُ المَقادِيرِ إلى المَواقِيتِ، وقَدْ ورَدَ في بَعْضِ الأخْبارِ أنَّ اللهَ تَعالى لَهُ كُلُّ يَوْمٍ في اللَوْحِ المَحْفُوظِ ثَلاثمِائَةٍ وسِتُّونَ نَظْرَةً، يُعِزُّ فِيها ويُذِلُّ، ويُحْيِي ويُمِيتُ، ويُغْنِي ويُعْدِمُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأشْياءِ، لا إلَهَ إلّا هو.
وفي الحَدِيثِ «أنَّ النَبِيَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَقِيلَ: ما هَذا الشَأْنُ يا رَسُولَ اللهِ؟
قالَ: "يَغْفِرُ ذَنْبًا، ويُفَرِّجُ كَرْبًا، ويَرْفَعُ وَيَضَعُ"،» وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُ اليَهُودِ: إنَّ اللهَ اسْتَراحَ يَوْمَ السَبْتِ فَلا يَنْفُذُ فِيهِ شَيْئًا تَعالى عن قَوْلِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَنَفْرُغُ لَكم أيُّهَ الثَقَلانِ ﴾ عِبارَةٌ عن إتْيانِ الوَقْتِ الَّذِي قُدِّرَ فِيهِ وقَضى أنْ يَنْظُرَ في أمْرِ عِبادِهِ، وذَلِكَ يَوْمُ القِيامَةِ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ ثَمَّ شُغْلًا يَفْرَغُ مِنهُ، وإنَّما هي إشارَةُ وعِيدٍ، وقَدْ «قالَ رَسُولُ اللهِ لِأزَبِّ العَقَبَةِ: أما واللهِ لَأفْرُغَنَّ لَكَ ما حَيِيتُ".» و"التَفَرُّغُ" مِن كُلِّ آدَمِيٍّ حَقِيقَةٌ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: "سَنَفْرُغُ" بِفَتْحِ النُونِ وضَمِّ الراءِ وقَرَأ الأعْرَجُ، وقَتادَةُ ذَلِكَ بِفَتْحِ الراءِ والنُونِ، ورُوِيَتْ عن عاصِمٍ، ويُقالُ: فَرَغَ بِفَتْحِ الراءِ، وفَرَغَ بِكَسْرِها، ويَصِحُّ مِنهُما جَمِيعًا أنْ يُقالَ: يُفْرَغُ بِفَتْحِ الراءِ، وقَرَأ عِيسى بِكَسْرِ النُونِ وفَتْحِ الراءِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: هي لُغَةُ سُفْلى مُضَرٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمَزَهُ، والكِسائِيُّ بِالياءِ المَفْتُوحَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِضَمِّ الياءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِفَتْحِها وضَمِّ الراءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ -بِخِلافٍ- وأبُو حَيْوَةَ: " سَيُفْرَغُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الراءِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ أيْضًا: "سَنَفْرُغُ إلَيْكُمْ".
و"الثَقَلانِ": الجِنُّ والإنْسُ، يُقالُ لِكُلِّ ما يَعْظُمُ أمْرُهُ: ثَقِيلٌ، ومِنهُ "وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها"، وقالَ النَبِيُّ : « "إنِّي تارِكٌ فِيكُمُ الثِقْلَيْنِ كِتابَ اللهِ وعِتْرَتِي"،» ويُقالُ لِبَيْضِ النَعامِ: ثَقَلٌ، قالَ لَبِيدٌ: فَتَذَكَّرا ثَقَلًا...............................
وقالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصادِقُ: سُمِّيَ الجِنُّ والأُنْسُ ثَقَلَيْنِ لِأنَّهُما ثَقُلا بِالذُنُوبِ، وهَذا بارِعٌ يَنْظُرُ إلى خَلْقِهِما مِن طِينٍ ونارٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "أيُّهَ الثَقَلانِ" بِضَمِّ الهاءِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَماواتِ والأرْضِ ﴾ - فَقالَ الطَبَرِيُّ: قالَ قَوْمٌ: في الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يُقالُ لَكُمْ: يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ، قالُوا: وهَذِهِ حِكايَةٌ عن حالِ يَوْمِ القِيامَةِ، "يَوْمَ التَنادِ" عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِشَدِّ الدالِّ، قالَ الضَحّاكُ: وذَلِكَ أنَّهُ يَفِرُّ الناسُ في أقْطارِ الأرْضِ، والجِنُّ كَذَلِكَ، لِما يَرَوْنَ مِن هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَيَجِدُونَ سَبْعَةَ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ قَدْ أحاطَتْ بِالأرْضِ فَيَرْجِعُونَ مِن حَيْثُ جاؤُوا، فَحِينَئِذٍ يُقالُ لَهُمْ: ﴿ يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ﴾ .
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: بَلْ هي مُخاطَبَةٌ في الدُنْيا، والمَعْنى: إنِ اسْتَطَعْتُمُ الفِرارَ مِنَ المَوْتِ بِأنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَماواتِ والأرْضِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنِ اسْتَطَعْتُمْ بِأذْهانِكم وفِكْرِكم أنْ تُنَفِّذُوا فَتَعْلَمُوا عِلْمَ أقْطارِ السَماواتِ والأرْضِ، و"الأقْطارُ": الجِهاتُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فانْفُذُوا" صِيغَتُةُ الأمْرُ ومَعْناهُ التَعْجِيزُ.
و"السُلْطانُ" هو القُوَّةُ عَلى غَرَضِ الإنْسانِ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الأعْظَمِ مِنَ الأمْرِ والحُجَجِ أبَدًا مِنَ القَوِيِّ في الأُمُورِ، فَلِذَلِكَ يُعَبِّرُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَنِ السُلْطانِ بِأنَّهُ الحُجَّةُ، وقالَ قَتادَةُ: السُلْطانُ هُنا المَلِكُ، ولَيْسَ لَهم مَلِكٌ.
و"الشُواظُ": لَهَبُ النارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ، وقالَ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ: لا يَكُونُ الشُواظُ إلّا مِنَ النارِ وشَيْءٌ مَعَها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَذَلِكَ النارُ كُلُّها لا تُحَسُّ إلّا وشَيْءٌ مَعَها.
وقالَ مُجاهِدٌ: الشُواظُ هو اللهَبُ الأخْضَرُ المُتَقَطِّعُ، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ قَوْلُ حَسّانِ بْنِ ثابِتٍ يَهْجُو أُمِّيَّةَ بْنَ أبِي الصَلْتِ: هَجَوْتُكَ فاخْتَضَعْتَ حَلِيفَ ∗∗∗ ذُلٍّ بِقافِيَةٍ تَأجَّجُ كالشُواظِ وَقالَ الضَحّاكُ: هو الدُخّانُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ اللهَبِ ولَيْسَ بِدُخانِ الحَطَبِ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "شُواظٌ" بِضَمِّ الشِينِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ وحْدَهُ، وشِبْلُ، وعِيسى: "شِواظُ" بِكَسْرِ الشِينِ، وهُما لُغَتانِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ: النُحاسُ: الدُخانُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: تُضِيءُ كَضَوْءِ سِراجِ السَلِيـ ∗∗∗ ـطِ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ فِيهِ نُحاسًا والسَلِيطُ: دُهْنُ الشَيْرَجِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "وَنُحاسٌ" بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى "شُواظٌ"، فَمَن قالَ إنَّ النُحاسَ هو المَعْرُوفُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا- قالَ: ويُرْسَلُ عَلَيْهِما نُحاسٌ، أيْ: يُذابُ ويُرْسَلُ عَلَيْهِما، ومَن قالَ هو الدُخانُ قالَ: يُعَذَّبُونَ بِدُخانٍ يُرْسَلُ عَلَيْهِما.
وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والنَخْعِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "وَنُحاسٍ" بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى "نارٍ"، وهَذا مُسْتَقِيمٌ عَلى ما حَكَيْناهُ عن أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، ومَن رَأى أنَّ الشُواظَ يَخْتَصُّ بِالنارِ قَدَّرَ هُنا: وشَيْءٍ مِن نُحاسٍ، وحَكى أبُو حاتِمٍ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قَرَأ: "وَنِحاسٍ" بِكَسْرِ النُونِ والجَرِّ، وعن عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ أبِي بَكَرَةَ أنَّهُ قَرَأ: "وَنَحُسٌ" بِفَتْحِ النُونِ وضَمِّ الحاءِ والسِينِ المُشَدَّدَةِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ، كَأنَّهُ يَقُولُ: ونَقْتُلُ بِالعَذابِ، وعنأبِي جُنْدُبٍ أنَّهُ قَرَأ: "وَنَحْسٌ" كَما تَقُولُ: يَوْمَ نَحْسٍ، وحَكى أبُو عَمْرٍو مِثْلَ قِراءَةِ مُجاهِدٍ عن طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، وذَلِكَ لُغَةٌ في نُحاسٍ، وقِيلَ: هو جَمْعُ نَحْسٍ، ومَعْنى الآيَةِ مُسْتَمِرٌّ في تَعْجِيزِ الجِنِّ والإنْسِ، أيْ: أنْتُما بِحالِ مَن يُرْسَلُ عَلَيْهِ هَذا فَلا يَنْتَصِرانِ.
<div class="verse-tafsir"
تكرير كالقول في الذي وقع قبله قريباً.
<div class="verse-tafsir"
أحَدُهُما: أيْ لَنُقُومَنَّ عَلَيْكم عَلى وجْهِ التَّهْدِيدِ.
الثّانِي: سَنَقْصِدُ إلى حِسابِكم ومُجازاتِكم عَلى أعْمالِكم وهَذا وعِيدٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ، وقالَ جَرِيرٌ الآنَ وقَدْ فَرَغْتَ إلى نُمَيْرٍ فَهَذا حِينَ كُنْتَ لَها عَذابًا أيْ قَصَدْتَ لَهم، والثَّقَلانِ الإنْسُ والجِنُّ سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهم ثُقْلٌ عَلى الأرْضِ.
﴿ يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إلا بِسُلْطانٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَعْلَمُوا ما في السَّماواتِ والأرْضِ فاعْلَمُوا، لَنْ تَعْلَمُوهُ إلّا بِسُلْطانٍ، قالَهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ.
الثّانِي: إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَخْرُجُوا مِن جَوانِبِ السَّماواتِ والأرْضِ هَرَبًا مِنَ المَوْتِ فانْفُذُوا، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ لا تَنْفُذُونَ إلا بِسُلْطانٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي إلّا بِحُجَّةٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ: والحُجَّةُ الإيمانُ.
الثّانِي: لا تَنْفُذُونَ إلّا بِمُلْكٍ ولَيْسَ لَكم مُلْكٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ لا تَنْفُذُونَ إلّا في سُلْطانِهِ ومُلْكِهِ، لِأنَّهُ مالِكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الشُّواظَ لَهَبُ النّارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ يَهْجُو حَسّانَ بْنَ ثابِتٍ يَمانِيًّا يَظَلُّ يَشُدُّ كِيرًا ∗∗∗ ويَنْفُخُ دائِبًا لَهَبَ الشُّواظِ فَأجابَهُ حَسّانٌ فَقالَ هَمَزْتُكَ فاخْتَضَعْتَ بِذُلِّ نَفْسٍ ∗∗∗ بِقافِيَةٍ تَأجَّجُ كالشَّواظِ الثّانِي: أنَّهُ قِطْعَةٌ مِنَ النّارِ فِيها خُضْرَةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الدُّخانُ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، قالَ رُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ إنَّ لَهم مِن وقْعِنا أقْياظًا ∗∗∗ ونارَ حَرْبٍ تَسْعَرُ الشَّواظا الرّابِعُ: أنَّها طائِفَةٌ مِنَ العَذابِ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَأمّا النُّحاسُ فَفِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الصُّفْرُ المُذابُ عَلى رُؤُوسِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ دُخانُ النّارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، قالَ النّابِغَةُ الجَعْدِيُّ كَضَوْءِ سِراجِ السُّلَيْ ∗∗∗ طِ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ فِيهِ نُحاسًا.
الثّالِثُ: أنَّهُ القَتْلُ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ.
الرّابِعُ: أنَّهُ نَحْسٌ لِأعْمالِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ وله الجوار المنشآت ﴾ قال: المنشآت ما رفع قلعة من السفن، فأما ما لم يرفع قلعة فليس بمنشآت.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن ﴿ وله الجوار المنشآت ﴾ قال: السفن و ﴿ المنشآت ﴾ قال: بالشراع ﴿ كالأعلام ﴾ قال: كالجبال.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وله الجوار المنشآت ﴾ يعني السفن ﴿ كالأعلام ﴾ قال: كالجبال.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ وله الجوار المنشآت ﴾ قال: هي السفائن.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والمحاملي في أماليه عن عمير بن سعد قال: كنا مع عليّ على شط الفرات فمرت به سفينة فقرأ هذه الآية ﴿ وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن إبراهيم النخعي والضحاك أنهما كانا يقرآن ﴿ وله الجوار المنشآت في البحر ﴾ قال: أي الفاعلات.
وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش أنه كان يقرأها ﴿ وله الجوار المنشآت ﴾ يعني الباديات.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه كان يقرأها على الوجهين بكسر الشين وفتحها.
قوله تعالى: ﴿ كل من عليها فان ﴾ الآية.
أخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي قال: إذا قرأت ﴿ كل من عليها فان ﴾ فلا تسكت حتى تقرأ ﴿ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإِكرام ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: ﴿ ذو الجلال والإِكرام ﴾ قال: الكبرياء والعظمة.
وأخرج ابن المنذر والبيهقي عن حميد بن هلال قال: قال رجل: يرحم الله رجلاً أتى على هذه الآية ﴿ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإِكرام ﴾ فسأل الله تعالى بذلك الوجه الكافي الكريم ولفظ البيهقي بذلك الوجه الباقي الجميل.
قوله تعالى: ﴿ يسأله من في السماوات والأرض ﴾ الآية.
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يسأله من في السماوات والأرض ﴾ يعني يسأل عباده إياه الرزق والموت والحياة كل يوم هو في ذلك.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي صالح ﴿ يسأله من في السماوات والأرض ﴾ قال: ﴿ يسأله من في السماوات ﴾ الرحمة ويسأله من في الأرض المغفرة والرزق.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في الآية قال: الملائكة يسألونه الرزق لأهل الأرض والأرض يسأله أهلها الرزق لهم.
وأخرج الحسن بن سفيان في مسنده والبزار وابن جرير والطبراني وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان وابن عساكر عن أبي الدرداء «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: من شأنه أن يغفر ذنباً ويفرج كرباً ويرفع قوماً ويضع آخرين» ، زاد البزار: وهو يجيب داعياً.
وأخرج البزار عن ابن عمر «عن النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: يغفر ذنباً ويفرج كرباً» .
وأخرج البيهقي عن أبي الدرداء في قوله: ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: يكشف كرباً ويجيب داعياً ويرفع قوماً ويضع آخرين.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: إن مما خلق الله لوحاً محفوظاً من درة بيضاء دفتاه من ياقوتة حمراء قلمه نور وكتابه نور عرضه ما بين السماء والأرض، ينظر فيه كل يوم ثلثمائة وستين نظرة يخلق في كل نظرة، ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويغل ويفك، ويفعل ما يشاء، فذلك قوله تعالى ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن عبيد بن عمير ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: من شأنه أن يجيب داعياً ويعطي سائلاً، ويفك عانياً، ويشفى سقيماً.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: لا يستغني عنه أهل السماء والأرض، يحيى حياً، ويميت ميتاً، ويربي صغيراً، ويفك أسيراً، ويغني فقيراً، وهو مرد حاجات الصالحين، ومنتهى شكرهم وصريخ الأخيار.
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن أبي ميسرة ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: يحيى ويميت، ويصور في الأرحام ما يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من شاء، ويفك الأسير.
وأخرج عبد بن حميد عن الربيع رضي الله عنه ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: يخلق خلقاً ويميت آخرين ويرزقهم ويكلؤهم.
وأخرج عبد بن حميد عن سويد بن جبلة الفزاري، وكان من التابعين، قال: إن ربكم ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ يعتق رقاباً ويفحم عتاباً ويعطي رغاباً.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي الجوزاء رضي الله عنه ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: لا يشغله شأن عن شأن.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ قال: من أيام الدنيا كل يوم يجيب داعياً ويكشف كرباً ويجيب مضطراً ويغفر ذنباً.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ ﴾ الشواظ لهيب النار، والنحاس الدخان وقيل: هو الصفر يذاب ويصب على رؤوسهم وقرئ شواظ بضم الشين وابن كثير بكسرها وهما لغتان وقرئ نحاس بالرفع على شواظ وبالخفض عطف على نار.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ ﴾ يحتمل وجوها: أحدها: أي: مُلْكُ كُلِّ من في الأرض فانٍ، ويبقى ملك ربك أبدا دائما.
والثاني: يحتمل سلطان كل من عليها أو قوة كل من عليها وقدرته فان، ويبقى سلطان ربك وقدرته وربوبيته؛ ليعلم أنه ملكه وسلطانه بذاته، لا كالخلق؛ حتى يكون فناؤهم وذهابهم يُدْخِل نقصا أو وهنا في ملكه، خلاف ملك ملوك الأرض وسلطانهم.
وجائز أن يكون قال هذا على الإياس للكفرة، وقطع الرجاء عن عبادة من عبدوا دونه من الأصنام والملوك والرؤساء، ومن قدموهم، كأنه يقول: كل من عبد دونه أو خدم، أو عمل لا لوجه الله، فكله فان، ذاهب، إلا ما عمل لوجه الله؛ فإنه باق، والله أعلم.
والباطنية يقولون: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴾ أي: النفس الجسدانية، وتبقى النفس الروحانية أبدا؛ لأنهم يقولون: إذا فنيت هذه الأجساد ينشئ الله من أعمالهم الصالحات أنفسا روحانية تبقى أبدا.
ويحتمل ﴿ وَجْهُ رَبِّكَ ﴾ أي: كل مايطلب من العمل وغيره رضاء الله ، فكنى بالوجه عن الرضاء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذُو ٱلْجَلاَلِ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: على خلق إ جلال حق الله وأمره وتعظيم ذلك.
والثاني: أن يجل الله من شاء من خلقه؛ أي: منه إجلال من جل في الدنيا، وإكرام من أكرم من الآخرة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَسْأَلُهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ يخبر الله - عز وجل - عن فزع أهل السماء والأرض إليه عند الإياس من الخلق وانقطاع الرجاء عنهم، وهو يذكر أنه المفزع في الأحوال كلها، وللخلائق كلهم، ومنه يسألون الرزق والنجاة، وهو ما ذكر: ﴿ قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ...
﴾ الآية [الأنعام: 63]، وقوله: عز وجل -: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ﴾ وقوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ﴾ ، وقوله : ﴿ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ ﴾ هنا صلة قوله: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ﴾ يقول - والله أعلم -: شأنه وأمره باق دائم أبدا، وذهاب الخلق لا يدخل نقصا في شأنه وأمره، ولا هنا في سلطانه وملكه؛ بل هو في شأنه وأمره عند فنائهم كهو في حال بقائهم.
وجائز أن يكون ما قال بعض أهل التأويل: إن اليهود قالت: إن الله استراح يوم السبت لا يقضي بشيء، ولا يحكم ولا يأمر، ولا يفعل فعلا؛ فنزلت الآية عد ذلك ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ من إحداث وإفناء، وإحياء وإماتة.
وأصله: أن الله إذا وصف بشيء يوصف بالأزل، يقال: عالم لم يزل، قادر لم يزل، رازق بذاته لم يزل، وإذا ذكر بأمر وتدبير مضاف إلى الخلق يوصف على ذكر الوقت؛ فيكون الوقت للخلق لا له، نحو أن يقال: إن الله لم يزل عالما بجلوسك الوقت؛ فيكون الوقت للخلق لا له، نحو أن يقال: إن الله لم يزل عالما بجلوسك هاهنا، أو في هذا الوقت؛ أي: لم يزل عالما أنه يجلس الآن، أو يجيء الآن، أو في هذا الوقت، وإذا وصفته بالماضي، قلت: لم يزل عالما بما كان، وبالمستقبل: لم يزل عالما بما يكون أنه يكون في وقت كذا، وللحال: لم يزل عالما بكونه كائنا للحال، ونحو ذلك، نفيا لوهم الخلق: أن المخلوق كيف يكون في الأزل؟!
فعلى ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ ذكر اليوم والوقت؛ لئلا يتوهم يكن الخلق قديما، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلاَنِ ﴾ الآية، قرئ: ﴿ سَنَفْرُغُ ﴾ بالنون والياء، [و] يرفع الراء في الحالين.
قال أبو عبيد: بالياء يقرؤها كقوله : ﴿ يَسْأَلُهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ذكر على المغابية، فكذلك هذا الذي قرئ عليه.
قال الزجاج: قوله : ﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ ﴾ ليس هو الفراغ عن الشغل، لكن كما يقول الرجل الآخر: سأفرغ لك كذا، أي: سأجعل لك، أو كلام نحوه.
ومنهم من يقول: هذا على الوعيد في كلام العرب، يقول الرجل: سأفرغ لك، وإني لفارغ، على الوعيد.
وقال أبو بكر الكيساني: إن الفراغ ليس يستعمل عند الفراغ عن الشغل خاصة، لكن يستعمل له ولغيره من نحو: إنجاز ما وعد، وأوعد؛ كأنه قال: سننجز لكم ما أوعدتكم أيها الثقلان.
وعندنا أن الفراغ: هو اسم لانقضاء الفعل وتمامه، لا للفراغ عن الشغل، يقال: فلان فرغ من شغله: إذا فرغ [، وفرغ] من بناء داره، إذا أتمه وانقضى ذلك؛ ألا ترى أنه وإن فرغ من شغل تلك الدار وذلك العمل، فهو مشغول بغيره، دل أنه ليس باسم للفراغ من الشغل؛ إذ لو كان اسماً للفراغ من الشغل لا يوصف به وهو مشغول بغيره؛ دل أنه اسم التمام والانقضاء، لكن فهم الخلق بعضهم من بعض الفراغ من الشغل؛ لما أن فعلهم للشيء لا يلتئم إلا بالشغل في ذلك؛ فيفهم ذلك من فعلهم، فأما الله - وتعالى - حيث لا يشغله فعل عن فعل، ولا شيء عن شيء، لم يجز أن يفهم من فراغه من الشغل فراغه، فبالله العصمة والتوفيق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ ﴾ ، له تأويلان: أحدهما: كأنه يقول: لو مكن لكم النفاذ من أقطار السماوات والأرض ونواصيها، فتنفذون فتجدون هنالك، وترون من آيات من كذب بالرسل وما حل بهم بالتكذيب.
ثم قال: ﴿ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ ﴾ أي: لا تنفذون لو مكن لكم من النفاذ إلا وتجدون حجج من أهلك منهم ظاهرة أنه بم أهلكهم؟
وهو كقوله : ﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ثُمَّ ٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ أمرهم بالسير في الأرض والتدبر في آثار من أهلك بماذا أهلك من أهلك منهم؟
وبماذا نجا من نجا؟
والله أعلم.
والثاني: على الإعجاز، أي: لا تستطيعون أن تخرجوا أو تنفذوا من أقطار السماوات والأرض، ولو مكن لكم من النفاذ والخروج منها لوجدتم ثَمَّ سلطاني وحجتي وملكي هنالك قائما، أي: لا تقدرون [على] الخروج من سلطاني وملكي حيثما كنتم؛ بل حيثما سرتم كنتم في سلطاني وملكي؛ فلا تتخلصون من الموت والهلاك، وهو كقوله : ﴿ فَإِن ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي ٱلأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي ٱلسَّمَآءِ...
﴾ الآية [الأنعام: 35].
وقال الضحاك: في حرف ابن مسعود - -: (يا معشر الجن والإنس قد جاء أجلكم فانفذوا من أقطارهما لا تنفذوا إلا بسلطان)، يعني: أنه لا يجيركم أحد من الموت وأنتم ميتون؛ أي: لا تأتون قطرا من أقطار السماوات والأرض إلا وجدوا هنالك سلطان الله وملائكته؛ يقول: لا تستطيعون فرارا من الموت ولا محيصا، وإن نفذتم من أقطار السماوات والأرض فلم تخرجوا من سلطاني وأنا آخذكم بالموت حيث كنتم، وهو كقوله: ﴿ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾ .
وقال بضعهم: يبعث الله ملائكة عند الحشر، فيحيطون بالدنيا يكونون في أقطارها؛ فلا يستطيع شيطان ولا إنس ولا جان أن يخرج من الأقطار، ولو خرجوا كانوا في سلطان الله.
وقيل: ﴿ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ ﴾ أي: الحجة.
وقال قتادة: إلا بملك.
وقال: إلا بقدرة الله والله أعلم.
ثم أوعدهم فقال: ﴿ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ ﴾ .
قرئ ﴿ شُوَاظٌ ﴾ بضم الشين وكسرها؛ روي عن الحسن بالكسر، وكذا عن مجاهد.
وقرئ ﴿ وَنُحَاسٌ ﴾ بكسر السين وضمه، فمن رفع ﴿ وَنُحَاسٌ ﴾ عطفه على قوله: ﴿ شُوَاظٌ ﴾ ومن كسره، عطفه على قوله: ﴿ مِّن نَّارٍ ﴾ .
ثم اختلف في تأويل الشواظ والنحاس: عن ابن عباس - -: النحاس: الدخال.
وقيل: الشواظ: هو لهب النار، الذي لا دخان فيه، والنحاس: هو الدخان.
وعن الكلبي: الشواظ: لهب النار، والنحاس: الصفر الذي يذاب، فيعذبون به.
وقيل: الشواظ: هو الذي فيه الدخان، والنحاس: هو النحاس المعروف، يذاب ويصب على رءوسهم.
وقال الضحاك: الشواظ: الدخان الذي يخرج من اللهب، ليس بدخان الحطب، والنحاس: الصفر: فمن قرأ بالخفض يقول: لهب من نار ومن دخان، ومن قرأ بالرفع أراد به الصفر؛ يقول: يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس ذيب في النار.
وقيل: النحاس في القراءتين يحتمل الدخان، ويحتمل الصفر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَنتَصِرَانِ ﴾ قيل: لا تمتنعان من ذلك.
ويحتمل: أي: لا نصار لكما كما يكون في الدنيا.
فإذا قيل: إنه قد ذكر في أول الآيات: الآلاء والنعم، فقرن بآخرها: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ ، وقد انقطع ذكر الآلاء هاهنا، ونذكر المواعيد في هذه الآيات، فما فائدة قران قوله: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ بآخرها.
قيل: إن في الوعد ترغيبا، وفي الوعيد ترهيبا؛ فيرغب في الوعد، ويخاف ويرهب من الوعيد؛ فيرتدع ويمتنع عما يوعد؛ فيكون في ذلك نعمة عظيمة؛ إذ بالوعد والوعيد تتم المحنة، وبالمحنة تتم النعمة؛ لذلك ذكر على إثر الوعيد: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟!
<div class="verse-tafsir" id="91.Qrw8Y"