تفسير الآية ٥٩ من سورة الرحمن

الإسلام > القرآن > سور > سورة 55 الرحمن > الآية ٥٩ من سورة الرحمن

فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥٩

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 37 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٥٩ من سورة الرحمن من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٥٩ من سورة الرحمن عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

أي فبأي الآلاء يا معشر الثقلين من الإنس الجن تكذبان؟

قاله مجاهد وغير واحد ويدل عليه السياق بعده أي النعم ظاهرة عليكم وأنتم مغمورون بها لا تستطيعون إنكارها ولا جحودها فنحن نقول كما قالت الجن المؤمنون به اللهم ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد وكان ابن عباس يقول لا بأيها يا رب أي لا نكذب بشيء منها قال الإمام أحمد حدثنا يحيى بن إسحاق حدثنا ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن أسماء بنت أبي بكر قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ وهو يصلي نحو الركن قبل أن يصدع بما يؤمر والمشركون يستمعون "فبأي آلاء ربكما تكذبان".

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) يقول تعالى ذكره: فبأيّ نعم ربكما التي أنعم عليكم معشر الثقلين -من إثابته أهل طاعته منكم بما وصف في هذه الآيات- تكذّبان.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

خطاب للإنس والجن , لأن الأنام واقع عليهما .وهذا قول الجمهور , يدل عليه حديث جابر المذكور أول السورة , وخرجه الترمذي وفيه " للجن أحسن منكم ردا " .وقيل : لما قال : " خلق الإنسان " [ الرحمن : 3 ] " وخلق الجان " [ الرحمن : 15 ] دل ذلك على أن ما تقدم وما تأخر لهما .وأيضا قال : " سنفرغ لكم أيها الثقلان " [ الرحمن : 31 ] وهو خطاب للإنس والجن وقد قال في هذه السورة : " يا معشر الجن والإنس " [ الرحمن : 33 ] .وقال الجرجاني : خاطب الجن مع الإنس وإن لم يتقدم للجن ذكر , كقوله تعالى : " حتى توارت بالحجاب " [ ص : 32 ] .وقد سبق ذكر الجن فيما سبق نزوله من القرآن , والقرآن كالسورة الواحدة , فإذا ثبت أنهم مكلفون كالإنس خوطب الجنسان بهذه الآيات .وقيل : الخطاب للإنس على عادة العرب في الخطاب للواحد بلفظ التثنية , حسب ما تقدم من القول في " ألقيا في جهنم " [ ق : 24 ] .وكذلك قوله [ امرؤ القيس ] : قفا نبك [ من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل ] خليلي مرا بي [ على أم جندب نقض لبانات الفؤاد المعذب ] فأما ما بعد " خلق الإنسان " و " خلق الجان " [ الرحمن : 15 ] فإنه خطاب للإنس والجن , والصحيح قول الجمهور لقوله تعالى : " والأرض وضعها للأنام " والآلاء النعم , وهو قول جميع المفسرين , واحدها إلى وألى مثل معى وعصا , وإلي وألي أربع لغات حكاها النحاس قال : وفي واحد " آناء الليل " ثلاث تسقط منها المفتوحة الألف المسكنة اللام , وقد مضى في " الأعراف " و " النجم " .وقال ابن زيد : إنها القدرة , وتقدير الكلام فبأي قدرة ربكما تكذبان , وقاله الكلبي واختاره الترمذي محمد بن علي , وقال : هذه السورة من بين السور علم القرآن , والعلم إمام الجند والجند تتبعه , وإنما صارت علما لأنها سورة صفة الملك والقدرة , فقال : " الرحمن .علم القرآن " فافتتح السورة باسم الرحمن من بين الأسماء ليعلم العباد أن جميع ما يصفه بعد هذا من أفعاله ومن ملكه وقدرته خرج إليهم من الرحمة العظمى من رحمانيته فقال : " الرحمن .علم القرآن " ثم ذكر الإنسان فقال : " خلق الإنسان " ثم ذكر ما صنع به وما من عليه به , ثم ذكر حسبان الشمس والقمر وسجود الأشياء مما نجم وشجر , وذكر رفع السماء ووضع الميزان وهو العدل , ووضع الأرض للأنام , فخاطب هذين الثقلين الجن والإنس حين رأوا ما خرج من القدرة والملك برحمانيته التي رحمهم بها من غير منفعة ولا حاجة إلى ذلك , فأشركوا به الأوثان وكل معبود اتخذوه من دونه , وجحدوا الرحمة التي خرجت هذه الأشياء بها إليهم , فقال سائلا لهم : " فبأي آلاء ربكما تكذبان " أي بأي قدرة ربكما تكذبان , فإنما كان تكذيبهم أنهم جعلوا له في هذه الأشياء التي خرجت من ملكه وقدرته شريكا يملك معه ويقدر معه , فذلك تكذيبهم .ثم ذكر خلق الإنسان من صلصال , وذكر خلق الجان من مارج من نار , ثم سألهم فقال : " فبأي آلاء ربكما تكذبان " أي بأي قدرة ربكما تكذبان , فإن له في كل خلق بعد خلق قدرة بعد قدرة , فالتكرير في هذه الآيات للتأكيد والمبالغة في التقرير , واتخاذ الحجة عليهم بما وقفهم على خلق خلق .وقال القتبي : إن الله تعالى عدد في هذه السورة نعماءه , وذكر خلقه آلاءه , ثم أتبع كل خلة وصفها ونعمة وضعها بهذه وجعلها فاصلة بين كل نعمتين لينبههم على النعم ويقررهم بها , كما تقول لمن تتابع فيه إحسانك وهو يكفره وينكره : ألم تكن فقيرا فأغنيتك أفتنكر هذا ؟

!

ألم تكن خاملا فعززتك أفتنكر هذا ؟

!

ألم تكن صرورة فحججت بك أفتنكر هذا !

؟

ألم تكن راجلا فحملتك أفتنكر هذا ؟

!

والتكرير حسن في مثل هذا .قال : كم نعمة كانت لكم كم كم وكم وقال آخر : لا تقتلي مسلما إن كنت مسلمة إياك من دمه إياك إياك وقال آخر : لا تقطعن الصديق ما طرفت عيناك من قول كاشح أشر ولا تملن من زيارته زره وزره وزر وزر وزر وقال الحسين بن الفضل : التكرير طردا للغفلة , وتأكيدا للحجة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: فبأي نعم الله الدينية والدنيوية تكذبان؟

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

" فبأي آلاء ربكما تكذبان ".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فبأي آلاء ربكما تكذبان».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فبأي نِعَم ربكما -أيها الثقلان- تكذِّبان؟

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وهذا التشبيه فيه وجهان: أحدهما: تشبيه بصفائهما وثانيهما: بحسن بياض اللؤلؤ وحمرة الياقوت، والمرجان صغار اللؤلؤ وهي أشد بياضاً وضياء من الكبار بكثير، فإن قلنا: إن التشبيه لبيان صفائهن، فنقول: فيه لطيفة هي أن قوله تعالى: ﴿ قاصرات الطرف ﴾ إشارة إلى خلوصهن عن القبائح، وقوله: ﴿ كَأَنَّهُنَّ الياقوت والمرجان ﴾ إشارة إلى صفائهن في الجنة، فأول ما بدأ بالعقليات وختم بالحسيات، كما قلنا: إن التشبيه لبيان مشابهة جسمهن بالياقوت والمرجان في الحمرة والبياض، فكذلك القول فيه حيث قدم بيان العفة على بيان الحسن ولا يبعد أن يقال: هو مؤكد لما مضى لأنهن لما كن قاصرات الطرف ممتنعات عن الاجتماع بالإنس والجن لم يطمثهن فهن كالياقوت الذي يكون في معدنه والمرجان المصون في صدفه لا يكون قد مسه يد لامس، وقد بينا مرة أخرى في قوله تعالى: ﴿ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ ﴾ أن (كأن) الداخلة على المشبه به لا تفيد من التأكيد ما تفيده الداخلة على المشبه، فإذا قلت: زيد كالأسد، كان معناه زيد يشبه الأسد، وإذا قلت كأن زيداً الأسد فمعناه يشبه أن زيداً هو الأسد حقيقة، لكن قولنا: زيد يشبه الأسد ليس فيه مبالغة عظيمة، فإنه يشبهه في أنهما حيوانان وجسمان وغير ذلك، وقولنا: زيد يشبه لا يمكن حمله على الحقيقة، أما من حيث اللفظ فنقول: إذا دخلت الكاف على المشبه به، وقيل: إن زيداً كالأسد عملت الكاف في الأسد عملاً لفظياً والعمل اللفظي مع العمل المعنوي، فكأن الأسد عمل به عمل حتى صار زيداً، وإذا قلت: كأن زيداً الأسد تركت الأسد على إعرابه فإذن هو متروك على حاله وحقيقته وزيد يشبه به في تلك الحال ولا شك في أن زيداً إذا شبه بأسد هو على حاله باق يكون أقوى مما إذا شبه بأسد لم يبق على حاله، وكأن من قال: زيد كالأسد نزل الأسد عن درجته فساواه زيد، ومن قال: كأن زيداً الأسد رفع زيداً عن درجته حتى ساوى الأسد، وهذا تدقيق لطيف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مَقَامَ رَبّهِ ﴾ موقفه الذي يقف فيه العباد للحساب يوم القيامة ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الناس لِرَبّ العالمين ﴾ [المطففين: 6] ونحوه: ﴿ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى ﴾ [إبراهيم: 14] ويجوز أن يراد بمقام ربه: أن الله قائم عليه؛ أي: حافظ مهيمن من قوله تعالى: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ على كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ [الرعد: 33] فهو يراقب ذلك فلا يجسر على معصيته.

وقيل: هو مقحم كما تقول: أخاف جانب فلان، وفعلت هذا لمكانك.

وأنشد: ذَعَرْتُ بِهِ الْقَطَا وَنَفَيْتُ عَنْهُ ** مَقَامَ الذئْبِ كَالرَّجُلِ اللَّعِينِ يريد: ونفيت عنه الذئب.

فإن قلت: لم قال: ﴿ جَنَّتَانِ ﴾ ؟

قلت: الخطاب للثقلين؛ فكأنه قيل: لكل خائفين منكما جنتان: جنة للخائف الإنسي، وجنة للخائف الجني.

ويجوز أن يقال: جنة لفعل الطاعات، وجنة لترك المعاصي؛ لأن التكليف دائر عليهما وأن يقال: جنة يثاب بها، وأخرى تضم إليها على وجه التفضل، كقوله تعالى: ﴿ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ ﴾ [يونس: 26] خص الأفنان بالذكر: وهي الغصنة التي تتشعب من فروع الشجرة: لأنها هي التي تورق وتثمر، فمنها تمتد الظلال، ومنها تجتنى الثمار.

وقيل: الأفنان ألوان النعم ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين.

قال: وَمِنْ كُلِّ أَفْنَانِ اللَّذَاذَةِ وَالصَّبَا ** لَهَوْتُ لَهَوْتُ بِهِ وَالْعَيْشُ أَخْضَرُ نَاضِرُ ﴿ عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ ﴾ حيث شاءوا في الأعالي والأسافل.

وقيل: تجريان من جبل من مسك.

وعن الحسن: تجريان بالماء الزلال: إحداهما التسنيم، والأخرى: السلسبيل ﴿ زَوْجَانِ ﴾ صنفان: قيل: صنف معروف وصنف غريب ﴿ مُتَّكِئِينَ ﴾ نصب على المدح للخائفين.

أو حال منهم، لأنّ من خاف في معنى الجمع ﴿ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ﴾ من ديباج ثخين، وإذا كانت البطائن من الإستبرق، فما ظنك بالظهائر؟

وقيل: ظهائرها من سندس.

وقيل: من نور ﴿ دَانٍ ﴾ قريب يناله القائم والقاعد والنائم.

وقرئ: ﴿ وجنى ﴾ ، بكسر الجيم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ فِيهِنَّ ﴾ في الجِنانِ فَإنَّ جَنَّتانِ تَدُلُّ عَلى جِنانٍ هي لِلْخائِفِينَ أوْ فِيما فِيهِما مِنَ الأماكِنِ والقُصُورِ، أوْ في هَذِهِ الآلاءِ المَعْدُودَةِ مِنَ الجَنَّتَيْنِ والعَيْنَيْنِ والفاكِهَةِ والفُرُشِ.

﴿ قاصِراتُ الطَّرْفِ ﴾ نِساءٌ قَصَرْنَ أبْصارَهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ.

﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ ﴾ لَمْ يَمَسَّ الإنْسِيّاتِ إنْسٌ ولا الجِنِّيّاتِ جِنٌّ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الجِنَّ يُطْمَثُونَ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ بِضَمِّ المِيمِ.

﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ ﴾ أيْ وحُمْرَةِ الوَجْنَةِ وبَياضِ البَشَرَةِ وصَفائِهِما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ ﴾ إمّا صِفَةٌ لِقاصِراتِ الطَّرْفِ، أوْ حالٌ مِنها كالَّتِي قِيلَ أيْ مُشَبَّهاتٍ بِالياقُوتِ والمَرْجانِ، وقَوْلُ النَّحّاسِ: إنَّ الكافَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ في صَفاءَ الياقُوتِ وبَياضَ اللُّؤْلُؤِ، وعَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ، وفي البَحْرِ عَنْ قَتادَةَ في صَفاءَ الياقُوتِ، وحُمْرَةَ المَرْجانُ فَحُمِّلَ المَرْجانُ عَلى ما هو المَعْرُوفُ وقِيلَ: مُشَبَّهاتٌ بِالياقُوتِ في حُمْرَةِ الوَجْهِ وبِالمَرْجانِ أيْ صِغارِ الدُّرِّ في بَياضِ البَشَرَةِ وصَفائِها وتَخْصِيصِ الصِّغارِ عَلى ما في الكَشّافِ لِأنَّهُ أنْصَعَ بَياضًا مِنَ الكِبارِ، وقِيلَ، يَحْسُنُ هُنا إرادَةُ الكِبارِ كَما قِيلَ في مَعْناهُ لِأنَّهُ أوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ  ﴾ فَلا تَغْفُلُ.

وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ حَيّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ «عَنِ النَّبِيِّ  في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَأنَّهُنَّ ﴾ إلَخْ قالَ: يَنْظُرُ إلى وجْهِها في خِدْرِها أصْفى مِنَ المِرْآةِ وإنَّ أدْنى لُؤْلُؤَةٍ عَلَيْها تُضِيءُ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وأنَّهُ يَكُونُ عَلَيْها سَبْعُونَ ثَوْبًا يَنْفُذُها بَصَرُهُ حَتّى يُوَضِّحَ سُوقَها مِن وراءِ ذَلِكَ».

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ المَرْأةَ مِنَ الحَوَرِ العَيْنِ يُرى مُخُّ ساقِها مِن وراءِ اللَّحْمِ والعَظْمِ مِن تَحْتِ سَبْعِينَ حُلَّةٍ كَما يُرى الشَّرابُ الأحْمَرُ في الزُّجاجَةِ البَيْضاءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ يعني: إن قدرتم أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: أن تخرجوا من أطراف السَّمَوَاتِ، والأرض، ونواحيها، فَانْفُذُوا يعني: فاخرجوا إن استطعتم.

قال مقاتل: هذا الخطاب للجن، والإنس في الدنيا.

يعني: إن استطعتم أن تخرجوا من أقطار السماوات والأرض هروباً من الموت، فانفذوا لاَ تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ يعني: أينما أدرككم الموت.

وروي عن ابن عباس أنه قال: هذا الخطاب في يوم القيامة، وذلك أن السماء تتشقق بالغمام، وتنزل ملائكة السموات، ويقومون حول الدنيا محيطين بها، وجاء الروح وهو ملك يقوم صفّاً وهو أكبر من جميع الخلق، فحينئذٍ يقال لهم: إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لاَ تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ يعني: لا تنجون إلا بحجة، وبرهان.

ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: فبأي نعمة من نعمائه تجحدون حيث بيّن لكم أحوال يوم القيامة حتى تتوبوا، وترجعوا.

ويقال: معناه ذلك اليوم لا يفوته أحد ولا يعينكم أحد غيره، فكيف تجحدون هذه النعم.

ثم قال: يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ يعني: يرسل على كفار الجن، وكفار الإنس، لهب من النار وَنُحاسٌ يعني: الصُّفْر المذاب يعذبون بهما.

ويقال: دخان لهب فيه.

ويقال: النحاس هو لباس أهل النار فَلا تَنْتَصِرانِ يعني: لا تُمْنعان من ذلك.

قرأ ابن كثير: يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ بكسر الشين.

والباقون: بالضم.

فهما لغتان، ومعناهما واحد.

وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: وَنُحاسٌ بكسر السين.

والباقون: بالضم.

فمن قرأ بالكسر عطف على قوله من نار، ومن قرأ بالضم عطف على قوله شواظ.

ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: لا يعينكم أحد غير الله، ولا يحفظكم حين يرسل عليكم العذاب إلا الله فكيف تنكرون قدرته وتوحيده؟.

ثم قال عز وجل: فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ يعني: انفرجت السماء لنزول الملائكة، كقوله: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ [الفرقان: 25] .

ثم قال: فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ يعني: صارت كدهن الورد الصافي، وهذا قول مقاتل.

وقال القتبي: صارت حمراء في لون الفرس.

يعني: بمنزلة الدابة الجُلْجُون الذي تغير لونه في كل وقت، يرى لونه على خلاف اللون الأول، ويقال له: المورد ويقال: الدهن الأديم الأحمر بلغة الفارسي.

يعني: الفرس الذي يكون لونه لون الورد الأحمر، يعنون أخضر يضرب إلى سواد، يتغير لونه بياض.

ويقال: من هيبة ذلك زاغ فيرى أنه كالدهن.

ثم قال عز وجل: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: إذا كان يوم القيامة، تغيرت السموات من هيبته، ويأمر الخلق بالحساب، فهو الذي ينجيكم من هول ذلك اليوم، فكيف تنكرون هذه النعمة.

ثم قال عز وجل: فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ يعني: عن علمه إِنْسٌ وَلا جَانٌّ يعني: إنسياً، ولا جنياً لأن الله تعالى قد أحصى عليه: ويقال: لا يسأل سؤال استفهام، ولكن يسأل سؤال التوبيخ والزجر كقوله تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) [الحجر: 92] ويقال لا يسأل الكافر لأنه عرف بعلامته.

ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: إذا كان يوم القيامة، أعطاكم الثواب، وأدخلكم في جنته، فكيف تنكرون وحدانيته؟

ويقال: معناه إن الله قد بين لكم أنه يعلم أعمالكم، ونهاكم عن الذنوب، وتجاوز عنكم، فكيف تنكرون، وحدانيته.

قوله عز وجل: يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ يعني: يُعرف الكافر بسواد الوجوه، وزرقة الأعين، فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ وذلك أن خزنة جهنم بعد الحساب، يغلون أيديهم إلى أعناقهم، ويجمعون بين نواصيهم إلى أقدامهم، ثم يدفعونهم على وجوههم، فيطرحونهم في النار.

ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: هو الذي يدفع عنكم ذلك العذاب إن آمنتم به، وأطعتموه ووحدتموه، فكيف تنكرون هذه النعمة؟.

ثم قال عز وجل: هذِهِ جَهَنَّمُ وذلك أن الكفار إذا دنوا من النار، تقول لهم الخزنة: هذه جهنم الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ يعني: جهنم التى كنتم بها تكذبون في الدنيا.

ثم أخبر عن حالهم فيها فقال: يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ يعني: الشراب الحار الذي قد انتهى حره، وذلك أنه يسلط عليهم الجوع، فيؤتى بهم إلى الزقوم الذي طلعه كرؤوس الشياطين، فأكلوا منه، فأخذ في حلقهم، فاستغاثوا بالماء، فأتوا من الحميم.

فإذا قربوا إلى وجوههم، تناثر لحم وجوههم، فيشربون، فيغلي في أجوافهم، ويخرج جميع ما فيها، ثم يلقى عليهم الجوع، فمرة يذهب بهم إلى الحميم، ومرة إلى الزقوم، فذلك قوله تعالى: يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: قِيامُهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ يَوْمَ الجَزاءِ.

والثّانِي: قِيامُ اللَّهِ عَلى عَبْدِهِ بِإحْصاءِ ما اكْتَسَبَ.

وجاءَ في التَّفْسِيرِ، أنَّ العَبْدَ يَهُمُّ بِمَعْصِيَةٍ فَيَتْرُكُها خَوْفًا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَلَهُ جَنَّتانِ، وهُما بُسْتانانِ.

﴿ ذَواتا أفْنانٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها الأغْصانُ، وهي جَمْعُ فَنَنٍ، وهو الغُصْنُ المُسْتَقِيمُ طُولًا، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، وعَطِيَّةَ، والفَرّاءِ، والزَّجّاجِ.

والثّانِي: أنَّها الألْوانُ والضُّرُوبُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وهي جَمْعُ فَنَنٍ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

وقالَ الضَّحّاكُ: ذَواتا ألْوانٍ مِنَ الفاكِهَةِ.

وَجَمَعَ عَطاءٌ بَيْنَ القَوْلَيْنِ، فَقالَ: في كُلِّ غُصْنٍ فُنُونٌ مِنَ الفاكِهَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَجْرِيانِ بِالماءِ الزُّلالِ، إحْداهُما: السَّلْسَبِيلُ، والأُخْرى: التَّسْنِيمُ.

وقالَ عَطِيَّةُ: إحْداهُما: مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ، والأُخْرى: مِن خَمْرٍ.

وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ لِمَن كانَتْ لَهُ في الدُّنْيا عَيْنانِ تَجْرِيانِ مِنَ البُكاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ ﴾ أيْ: صِنْفانِ ونَوْعانِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: فِيهِما مِن كُلِّ ما يُتَفَكَّهُ بِهِ نَوْعانِ، رَطْبٌ ويابِسٌ، لا يَقْصُرُ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ في فَضْلِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ ذَواتا أفْنانٍ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ "مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "وَلِمَن خافَ" يُحْتَمَلُ أنْ تَقَعَ عَلى جَمِيعِ المُتَّصِفِينَ بِالخَوْفِ الزاجِرِ عن مَعاصِي اللهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ تَقَعَ لِواحِدٍ مِنهُمْ، وبِحَسَبِ هَذا قالَ بَعْضُ الناسِ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ كُلَّ خائِفٍ لَهُ جَنَّتانِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ جَمِيعَ الخائِفِينَ لَهم جَنَّتانِ، و"المَقامُ" هو وُقُوفُ العَبْدِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ تَعالى، يُفَسِّرُهُ: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الناسُ لِرَبِّ العالَمِينَ  ﴾ ، وأضافَ المَقامُ إلى اللهِ تَعالى مِن حَيْثُ هو بَيْنَ يَدَيْهِ.

قالَ الثَعْلَبِيُّ: "مَقامَ رَبِّهِ" قِيامُهُ عَلى العَبْدِ، بَيانُهُ ﴿ أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ  ﴾ ، وحَكى الزَهْراوِيُّ هَذا المَعْنى عن مُجاهِدٍ، وفي هَذِهِ الإضافَةِ تَنْبِيهٌ عَلى صُعُوبَةِ المَوْقِفِ، وتَحْرِيضٌ عَلى الخَوْفِ الَّذِي هو أسْرَعُ المَطايا إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ قَوْمٌ: أرادَ جَنَّةً واحِدَةً وثَنّى عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ  ﴾ ، وقَوْلُ الحَجّاجِ: يا غُلامُ اضْرِبا عُنُقَهُ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ مَعْنى التَثْنِيَةِ مُتَّجِهٌ بِلا وجْهٍ لِلْفِرارِ إلى هَذِهِ الشاذَّةِ، ويُؤَيِّدُ التَثْنِيَةَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَواتا أفْنانٍ ﴾ وهي تَثْنِيَةُ "ذاتِ" لِأنَّ أصْلَ "ذاتٍ" ذَواتٌ.

و"الأفْنانِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعٌ فَنَنٍ وهو الغُصْنُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، فَكَأنَّهُ تَعالى مَدَحَها بِظِلالِها وتَكاثَفَ أغْصانَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ فَنٍّ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، فَكَأنَّهُ تَعالى مَدَحَها بِكَثْرَةِ أنْواعِ فَواكِهِها ونَعِيمِها.

و"زَوْجانِ" مَعْناهُ: نَوْعانِ، و"مُتَّكِئِينَ" حالٌ، إمّا مِن مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: يَتَنَعَّمُونَ مُتَّكِئِينَ وإمّا مِن قَوْلِهِ تَعالى: "وَلِمَن خافَ"، و"الِاتِّكاءُ": جَلْسَةُ المُتَنَعِّمِ المُتَمَتِّعِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فُرُشٍ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "فُرْشٍ" بِسُكُونِ الراءِ، ورُوِيَ في الحَدِيثِ «أنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ  : هَذِهِ البَطائِنُ مِن إسْتَبْرَقٍ فَكَيْفَ الظَواهِرُ؟

قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "هِيَ مِن نُورٍ يَتَلَأْلَأُ"،» و"الإسْتَبْرَقُ" ما خَشُنَ وحَسُنَ مِنَ الدِيباجِ، و"السُنْدُسُ" ما رَقَّ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في لَفْظَةِ الإسْتَبْرَقِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "مِن اسْتَبْرَقٍ" عَلى أنَّهُ فِعْلٌ والألِفُ وصْلٌ.

"والجَنى" ما يُجْتَنى مِنَ الثِمارِ، ووَصَفَهُ بِالدُنُوِّ لِأنَّهُ فِيما رُوِيَ في الحَدِيثِ يَتَناوَلُهُ الرَجُلُ عَلى أيِّ حالَةٍ كانَ مِن قِيامٍ أو جُلُوسٍ أوِ اضْطِجاعٍ لِأنَّهُ يَدْنُو إلى مُشْتَهِيهِ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: " فِيهِنَّ" لِلْفُرْشِ، وقِيلَ: لِلْجَنّاتِ؛ إذِ الجَنَّتانِ جَنّاتٌ في المَعْنى.

و: "قاصِراتُ الطَرْفِ" هُنَّ الحُورُ العَيْنُ قَصَرْنَ ألْحاظَهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو عَنِ الكِسائِيِّ وحْدَهُ، وطَلْحَةُ، وعِيسى، وأصْحابُ عَلَيٍّ، وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "يَطْمِثُهُنَّ" بِضَمِّ المِيمِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يَطْمِثُهُنَّ" بِكَسْرِ المِيمِ، والمَعْنى: لَمْ يَفْتَضِضْهُنَّ؛ لِأنَّ الطَمْثَ دَمُ الفَرْجِ فَيُقالُ لِدَمِ الحَيْضِ: طَمْثٌ، ويُقالُ لِدَمِ الِافْتِضاضِ: طَمْثٌ، فَإذا نُفِيَ الطَمْثُ فَقَدْ نُفِيَ القُرْبُ مِنهُنَّ بِجِهَةِ الوَطْءِ، قالَ الفَرّاءُ: لا يُقالُ "طَمْثٌ" إلّا إذا افْتَضَّ، وقالَ غَيْرُهُ: "طَمْثٌ" مَعْناهُ: جامَعَ بِكْرًا أو غَيْرَها.

واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "وَلا جانَّ" - فَقالَ مُجاهِدٌ: الجِنُّ قَدْ تُجامِعُ نِساءَ البَشَرِ مَعَ أزْواجِهِنَّ إذا لَمْ يَذْكُرِ الزَوْجُ اللهَ تَعالى، فَتَنْفِي هَذِهِ الآيَةُ جَمِيعَ المُجامَعاتِ، وقالَ حَمْزَةُ بْنُ حَبِيبٍ: الجِنُّ في الجَنَّةِ لَهم قاصِراتُ الطَرْفِ مِنَ الجِنِّ نَوْعُهُمْ، فَنَفى في هَذِهِ الآيَةِ الِافْتِضاضَ عَنِ البُشْرَياتِ والجِنِّيّاتِ، ويَحْتَمِلُ اللَفْظُ أنْ يَكُونَ مُبالَغَةً وتَأْكِيدًا كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ شَيْءٌ، أرادَ العُمُومَ التامَّ لَكِنَّهُ صَرَّحَ مِن ذَلِكَ بِالَّذِي يَعْقِلُ مِنهُ أنْ يَطْمِثَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والطَبَرِيُّ: إنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: ما طَمَثَ هَذا البَعِيرُ حَبْلَ قَطُّ، أيْ: ما مَسَّهُ، فَإنَّ كانَ هَذا المَعْنى: ما أدْماهُ حَبْلٌ، فَهو يَقْرُبُ مِنَ الأوَّلِ، وإلّا فَهو مَعْنًى آخَرُ غَيْرُ ما قَدَّمْناهُ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "وَلا جَأْنٌ" بِالهَمْزِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

كرر ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ فيما علمت سابقاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ﴾ وفي الخائِفِ مَقامَ رَبِّهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ بَعْدَ أداءِ الفَرائِضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ يَهُمُّ بِذَنْبٍ فَيَذْكُرُ مَقامَ رَبِّهِ فَيَدَعَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّ ذَلِكَ نَزَلَ في أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خاصَّةً حِينَ ذَكَرَ ذاتَ يَوْمٍ الجَنَّةَ حِينَ أُزْلِفَتْ، والنّارَ حِينَ بُرِّزَتْ، قالَهُ عَطاءٌ وابْنُ شَوْذَبٍ.

قالَ الضَّحّاكُ: بَلْ شَرِبَ ذاتَ يَوْمٍ لَبَنًا عَلى ظَمَأٍ فَأعْجَبَهُ، فَسَألَ عَنْهُ فَأُخْبِرَ أنَّهُ مِن غَيْرِ حِلٍّ، فاسْتَقاءَهُ ورَسُولُ اللَّهِ  يَنْظُرُ إلَيْهِ، فَقالَ: « (رَحِمَكَ اللَّهُ لَقَدْ أُنْزِلَتْ فِيكَ آيَةٌ وتَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ.

» وَفِي مَقامِ رَبِّهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: هو مَقامٌ بَيْنَ يَدَيِ العَرْضِ والحِسابِ.

الثّانِي: هو قِيامُ اللَّهِ تَعالى بِإحْصاءِ ما اكْتَسَبَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.

وَفي هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: جَنَّةُ الإنْسِ وجَنَّةُ الجانِّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: جَنَّةُ عَدْنٍ، وجَنَّةُ النَّعِيمِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُما بُسْتانانِ مِن بَساتِينِ الجَنَّةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا لِأنَّ البُسْتانَ يُسَمّى جَنَّةً.

الرّابِعُ: أنَّ إحْدى الجَنَّتَيْنِ مَنزِلُهُ، والأُخْرى مَنزِلُ أزْواجِهِ وخُدّامِهِ كَما يَفْعَلُهُ رُؤَساءُ الدُّنْيا.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّ إحْدى الجَنَّتَيْنِ مَسْكَنُهُ، والأُخْرى بُسْتانُهُ.

وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أنَّ إحْدى الجَنَّتَيْنِ أسافِلُ القُصُورِ، والأُخْرى أعالِيها.

﴿ ذَواتا أفْنانٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ذَواتا ألْوانٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: ذَواتا أنْواعٍ مِنَ الفاكِهَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: ذَواتا أتًا وسَعَةٍ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

الرّابِعُ: ذَواتا أغْصانٍ، قالَهُ الأخْفَشُ وابْنُ بَحْرٍ.

والأفْنانُ جَمْعٌ واحِدُهُ فَنَنٌ كَما قالَ الشّاعِرُ ؎ ما هاجَ سُوقُكَ مِن هَدِيلِ حَمامَةٍ تَدْعُوا عَلى فَنَنِ الغُصُونِ حَمامًا ∗∗∗ تَدْعُو أبا فَرْخَيْنِ صادَفَ ضارِيًا ∗∗∗ ذا مِخْلَبَيْنِ مِنَ الصُّقُورِ قِطامًا <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن شوذب في قوله: ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ قال: نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن عطاء أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه ذكر ذات يوم وفكر في القيامة والموازين والجنة والنار وصفوف الملائكة وطيّ السموات ونسف الجبال وتكوير الشمس وانتثار الكواكب، فقال: وددت أني كنت خضراء من هذا الخضر تأتي عليّ بهيمة فتأكلني وأني لم أخلق، فنزلت هذه الآية ﴿ ولمن خاف ربه جنتان ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ ولمن خاف ربه جنتان ﴾ قال: وعد الله المؤمنين الذين خافوا مقامه فأدوا فرائضه الجنة.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ ولمن خاف ربه جنتان ﴾ يقول: خاف ثم اتقى، والخائف من ركب طاعة الله وترك معصيته.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وهناد وابن أبي الدنيا في التوبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ قال: هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر مقامه فينزع عنها.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ولمن خاف ربه جنتان ﴾ قال: من خاف مقام الله عليه.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال: الرجل يريد الذنب فيذكر الله فيدع الذنب.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ولمن خاف ربه جنتان ﴾ قال: إن المؤمنين خافوا ذلك المقام فعملوا لله ودأبوا ونصبوا له بالليل والنهار.

وأخرج ابن جرير عن إبراهيم ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ قال: إذا أراد أن يذنب أمسك مخافة الله.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ قال: لمن خافه في الدنيا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية بن قيس في قوله: ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ قال: نزلت في الذي قال: أحرقوني بالنار لعلي أضلّ الله، قال لنا بيوم وليلة بعد أن تكلم بهذا فقبل الله منه ذلك، وأدخله الجنة.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن منيع والحكيم في نوادر الأصول والنسائي والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن أبي الدرداء «أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ فقلت: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم الثانية ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ فقلت: وإن زنى وإن سرق؟

فقال الثالثة ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ فقلت: وإن زنى وإن سرق؟

قال: نعم وإن رغم أنف أبي الدرداء» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ فقال أبو الدرداء: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟

قال: وإن زنى وإن سرق، وإن رغم أنف أبي الدرداء» فكان أبو الدرداء يقص ويقول: ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ وإن رغم أنف أبي الدرداء.

وأخرج الطبراني وابن مردويه من طريق الحريري عن أخيه قال: سمعت محمداً بن سعد يقرأ هذه الآية ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان وإن زنى وإن سرق ﴾ فقلت: ليس فيه وإن زنى وإن سرق، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأها كذلك فأنا أقرأها كذلك حتى أموت.

وأخرج ابن مردويه عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله دخل الجنة، ثم قرأ ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن ابن شهاب قال: كنت عند هشام بن عبد الملك، فقال: قال أبو هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ فقال أبو هريرة رضي الله عنه: وإن زنى وإن سرق؟

فقلت: إنما كان ذلك قبل أن تنزل الفرائض، فلما نزلت الفرائض ذهب هذا.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن يسار مولى لآل معاوية عن أبي الدرداء رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ قال: قيل: يا أبا الدرداء وإن زنى وإن سرق؟

قال: من خاف مقام ربه لم يزن ولم يسرق.

وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «جنان الفردوس أربع: جنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: « ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ وقوله: ﴿ ومن دونهما جنتان ﴾ قال: جنتان من ذهب للمقربين، وجنتان من ورق لأصحاب اليمين» .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ قال: جنتان من ذهب للسابقين، وجنتان من فضة للتابعين.

وأخرج ابن مردويه عن عياض بن تميم أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ قال: بستانان عرض كل واحد منهما مسيرة مائة عام فيهما أشجار، وفرعهما ثابت، وشجرهما ثابت، وعرصتهما عظيمة، ونعيمهما عظيم وخيرهما دائم، ولذتهما قائمة وأنهارهما جارية وريحهما طيب، وبركتهما كثيرة، وحياتهما طويلة، وفاكتهما كثيرة.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن الحسن قال: كان شاب على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ملازم المسجد والعبادة فعشقته جارية فأتته في خلوة فكلمته فحدث نفسه بذلك فشهق شهقة فغشي عليه، فجاء عم له إلى بيته، فلما أفاق قال يا عم انطلق إلى عمر فأقرئه مني السلام وقل له: ما جزاء من خاف مقام ربه؟

فانطلق عمه فأخبر عمر، وقد شهق الفتى شهقة أخرى فمات منها، فوقف عليه عمر فقال: لك جنتان لك جنتان.

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ذواتا أفنان ﴾ قال: ذواتا ألوان.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير مثله.

وأخرج هناد عن الضحاك مثله.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ ذواتا أفنان ﴾ يقول: ألوان من الفواكه.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ذواتا أفنان ﴾ قال: ذواتا أغصان.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ ذواتا أفنان ﴾ قال: غصونهما يمس بعضها بعضاً.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ ذواتا أفنان ﴾ قال: الفتن الغصن.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وأبو بكر بن حبان في الفنون وابن الأنباري في الوقف والابتداء عن عكرمة أنه سئل عن قول الله: ﴿ ذواتا أفنان ﴾ قال: ظل الأغصان على الحيطان، أما سمعت قول الشاعر؟

ما هاج شوقك من هدير حمامة ** تدعو على فتن الغصون حماما تدعو باشرخين صادف طاويا ** ذا مخلبين من الصقور قطاما وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ ذواتا أفنان ﴾ قال: ذواتا فضل على ما سواهما.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ فيهما كل فاكهة زوجان ﴾ قال: فيهما من كل الثمرات، قال: قال ابن عباس: فما في الدنيا ثمرة حلوة ولا مرة إلا وهي في الجنة حتى الحنظل.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبدالله بن عمرو قال: العنقود أبعد من صنعاء.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وعبدالله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن ابن مسعود في قوله: ﴿ متكئين على فرش بطائنها من إستبرق ﴾ قال: أخبرتم بالبطائن فكيف بالظهائر.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال: في قراءة عبدالله ﴿ متكئين على سرر وفرش بطائنها من رفرف من استبرق ﴾ والاستبرق لغة فارس يسمون الديباج الغليظ الاستبرق.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس أنه قيل له ﴿ بطائنها من إستبرق ﴾ فما الظواهر؟

قال: ذاك مما قال الله: ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ﴾ [ السجدة: 17] .

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ بطائنها من إستبرق ﴾ قال: ظواهرها من نور جامد.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وجنى الجنتين دان ﴾ قال: جناها ثمرها، والداني القريب منك يناله القائم والقاعد.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وجنى الجنتين دان ﴾ قال: ثمارها دانية لا يرد أيديهم عنها بعد ولا شوك.

قال: وذكر لنا أنا نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفس محمد بيده لا يقطف رجل ثمرة من الجنة فتصل إلى فيه حتى يبدل الله مكانها خيراً منها» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قَاصِرَاتُ الطرف ﴾ ذكر في [الصافات: 48] ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ ﴾ المعنى أنه أبكار، ولم يطمئن معناه لم يفتضهن، وقيل: الطمث الجماع سواء كان لبكر أو غيرها، ونفي أن يطمثهن إنس أو جان، مبالغة وقصداً للعموم، فكأنه قال لم يطمثهن شيء، وقيل: أراد لم يطمث نساء الإنس إنس ولم يطمث نساء الجن جن، وهذا القول يفيد بأن الجن يدخلون الجنة ويتلذذون فيها بما يتلذذ البشر ﴿ كَأَنَّهُنَّ الياقوت والمرجان ﴾ شبه النساء بالياقوت والمرجان في الحمرة والجمال، وقد ذكرنا المرجان في أول السورة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ ﴾ يذكر تغير هذا العالم يومئذ لهول ذلك اليوم، وهو كما ذكر من تبديل السماء والأرض؛ حيث قال: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ  ﴾ في غير ذلك من الآيات، وكذلك ما ذكر من تغيير الجبال من قوله: ﴿ هَبَآءً مَّنثُوراً  ﴾ ، وقوله: ﴿ كَثِيباً مَّهِيلاً  ﴾ ، وقوله: ﴿ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ  ﴾ ، ونحو ذلك.

ثم قوله  : ﴿ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ ﴾ منهم من قال: شبه السماء؛ لكثرة تلونها بفرش الورد يكون في الربيع بلون، ثم يصير إلى لون آخر، ثم إلى آخر؛ فعلى ذلك ما ذكر من تغيير السماء وتلونها.

ومنهم من قال: شبهها بالدهان، وهو الدهن؛ للينها وضعفها، وهو قد ذكر في آية أخرى: ﴿ يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ  ﴾ ، والمهل: هو دردي الزيت، لكن التشبيه بالمهل إنما يكون؛ لكثرة التلون لا للبن؛ فيكون في هذا التأويل نوع وهاء، والله أعلم.

وقيل: إما تحمر وتذوب كالدهن.

وروي: أن سماء الدنيا من حديد، فإذا كان يوم القيامة، صارت من الخضرة إلى الاحمرار، وحر جهنم كالحديد إذا حمي النار.

ثم قال بعضهم: الدهان: جمع الدهن، ويقال: الدهان: الأديم الأحمر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ ﴾ ، اختلف في تأويله: قال بعضهم: أي: لا يسأل إنسي ولا جني عن ذنب غيره، إنما يسأل عن ذنب نفسه؛ نحو ألا يسأل من أضل غيره عن ضلال ذلك الغير، إنما يسأل الذي أضله عن إضلاله، ويسأل الضال عن ضلاله كقوله: ﴿ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا...

﴾ الآية [فصلت: 29].

ومنهم من قال: لا يسأل بعض عن بعض، أي: لا يسأل جني عن ذنب إنسي، ولا إنسي عن ذنب جني.

ومنهم من قال: لا يسألون سؤال استخبار استفهام؛ أي: لماذا فعلتم؟

ولكن يسألون لم فعلتم يطلبون عن الحجة، لا عن نفس الفعل؛ لأن كل ذي مذهب ودين، إنما يفعل لحجة تكون له.

ومنهم من قال: لا يسألون عن ذبونهم، ولكن يسألون عما في وجوههم من الأعلام من الأسوداد، وزرق العيون، وغير ذلك مما ذكر في الكتاب: أنها تكون للكفار، كقوله  : ﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ  ﴾ ، وقوله  ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ...

﴾ الآية [آل عمران: 106]، وما ذكر من أعلام المؤمنين من قوله: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ  إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ  ﴾ ، وقوله  : ﴿ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ  ﴾ .

وقال بعضهم: لا يسأل الملائكة عن المجرمين؛ لأنهم يعرفون بسيماهم كقوله - عز وجل -: ﴿ يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ ﴾ ذكر الله  في كتابه للمجرمين أعلاما يعرفون في الآخرة بها على ما ذكرنا من اسوداد الوجوه؛ كقوله: ﴿ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ  أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ  ﴾ ، وقوله: ﴿ نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَآ  ﴾ ، أي: على أعقابها، فهو - والله أعلم - تكون وجوههم في بعض الأحوال خاشعة، ثم غبرة، ثم مسودة، ثم تطمس من نظر ذلك، فنعوذ بالله من تلك الأحوال التي ذكر.

ووقله - عز وجل -: ﴿ فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ ﴾ ، قيل: بكسر أضلاعهم ظهورهم، فتجمع أقدامهم ونواصيهم، فيرمى بهم في النار.

وقال بعضهم: تغل أيديهم إلى أعناقهم، ثم تجمع به نواصيهم وأقدامهم، ثم يدفعون إلى النار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا ٱلْمُجْرِمُونَ ﴾ ، أي: إذا وقعوا على الوصف [الذي] ذكر، عند ذلك يقال لهم: هذه جهنم التي كنتم تكذبون بها في الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ﴾ أي: يطوفون بين جهنم وبين حميم، فيجوز أن يكون [عبر] بـ"جهنم" عما يأكلون، وهي النار، وبـ"الحميم" عما يشربون، كأنه يقول - والله أعلم -: يطوفون بين ما يأكلون، وبين ما يشربون، لا يشبعون عما يأكلون، ولا يروون عما يشربون؛ بل كلما أكلوا زادتهم جوعا، وكلما شربوا زادتهم عطشا، والحميم: هو الشراب الذي جعل لهم، والآن: هو الذي قد انتهى حره غايته ونهايته.

وقوله: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ...

﴾ الآية.

من الناس من قال: في قوله: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ على إثر الوعيد، إنما يقال لهم في الآخرة؛ أي: بأي آلاء ربكما تكذبان في الدنيا؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ...

 ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.ngX7y"

مزيد من التفاسير لسورة الرحمن

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده