تفسير الآية ٧١ من سورة الرحمن

الإسلام > القرآن > سور > سورة 55 الرحمن > الآية ٧١ من سورة الرحمن

فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٧١

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 45 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٧١ من سورة الرحمن من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٧١ من سورة الرحمن عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

أي فبأي الآلاء يا معشر الثقلين من الإنس الجن تكذبان؟

قاله مجاهد وغير واحد ويدل عليه السياق بعده أي النعم ظاهرة عليكم وأنتم مغمورون بها لا تستطيعون إنكارها ولا جحودها فنحن نقول كما قالت الجن المؤمنون به اللهم ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد وكان ابن عباس يقول لا بأيها يا رب أي لا نكذب بشيء منها قال الإمام أحمد حدثنا يحيى بن إسحاق حدثنا ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن أسماء بنت أبي بكر قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ وهو يصلي نحو الركن قبل أن يصدع بما يؤمر والمشركون يستمعون "فبأي آلاء ربكما تكذبان".

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

قوله: ( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) يقول: فبأيّ نِعم ربكما التي أنعم عليكما -بما ذكر- تكذّبان.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

خطاب للإنس والجن , لأن الأنام واقع عليهما .وهذا قول الجمهور , يدل عليه حديث جابر المذكور أول السورة , وخرجه الترمذي وفيه " للجن أحسن منكم ردا " .وقيل : لما قال : " خلق الإنسان " [ الرحمن : 3 ] " وخلق الجان " [ الرحمن : 15 ] دل ذلك على أن ما تقدم وما تأخر لهما .وأيضا قال : " سنفرغ لكم أيها الثقلان " [ الرحمن : 31 ] وهو خطاب للإنس والجن وقد قال في هذه السورة : " يا معشر الجن والإنس " [ الرحمن : 33 ] .وقال الجرجاني : خاطب الجن مع الإنس وإن لم يتقدم للجن ذكر , كقوله تعالى : " حتى توارت بالحجاب " [ ص : 32 ] .وقد سبق ذكر الجن فيما سبق نزوله من القرآن , والقرآن كالسورة الواحدة , فإذا ثبت أنهم مكلفون كالإنس خوطب الجنسان بهذه الآيات .وقيل : الخطاب للإنس على عادة العرب في الخطاب للواحد بلفظ التثنية , حسب ما تقدم من القول في " ألقيا في جهنم " [ ق : 24 ] .وكذلك قوله [ امرؤ القيس ] : قفا نبك [ من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل ] خليلي مرا بي [ على أم جندب نقض لبانات الفؤاد المعذب ] فأما ما بعد " خلق الإنسان " و " خلق الجان " [ الرحمن : 15 ] فإنه خطاب للإنس والجن , والصحيح قول الجمهور لقوله تعالى : " والأرض وضعها للأنام " والآلاء النعم , وهو قول جميع المفسرين , واحدها إلى وألى مثل معى وعصا , وإلي وألي أربع لغات حكاها النحاس قال : وفي واحد " آناء الليل " ثلاث تسقط منها المفتوحة الألف المسكنة اللام , وقد مضى في " الأعراف " و " النجم " .وقال ابن زيد : إنها القدرة , وتقدير الكلام فبأي قدرة ربكما تكذبان , وقاله الكلبي واختاره الترمذي محمد بن علي , وقال : هذه السورة من بين السور علم القرآن , والعلم إمام الجند والجند تتبعه , وإنما صارت علما لأنها سورة صفة الملك والقدرة , فقال : " الرحمن .علم القرآن " فافتتح السورة باسم الرحمن من بين الأسماء ليعلم العباد أن جميع ما يصفه بعد هذا من أفعاله ومن ملكه وقدرته خرج إليهم من الرحمة العظمى من رحمانيته فقال : " الرحمن .علم القرآن " ثم ذكر الإنسان فقال : " خلق الإنسان " ثم ذكر ما صنع به وما من عليه به , ثم ذكر حسبان الشمس والقمر وسجود الأشياء مما نجم وشجر , وذكر رفع السماء ووضع الميزان وهو العدل , ووضع الأرض للأنام , فخاطب هذين الثقلين الجن والإنس حين رأوا ما خرج من القدرة والملك برحمانيته التي رحمهم بها من غير منفعة ولا حاجة إلى ذلك , فأشركوا به الأوثان وكل معبود اتخذوه من دونه , وجحدوا الرحمة التي خرجت هذه الأشياء بها إليهم , فقال سائلا لهم : " فبأي آلاء ربكما تكذبان " أي بأي قدرة ربكما تكذبان , فإنما كان تكذيبهم أنهم جعلوا له في هذه الأشياء التي خرجت من ملكه وقدرته شريكا يملك معه ويقدر معه , فذلك تكذيبهم .ثم ذكر خلق الإنسان من صلصال , وذكر خلق الجان من مارج من نار , ثم سألهم فقال : " فبأي آلاء ربكما تكذبان " أي بأي قدرة ربكما تكذبان , فإن له في كل خلق بعد خلق قدرة بعد قدرة , فالتكرير في هذه الآيات للتأكيد والمبالغة في التقرير , واتخاذ الحجة عليهم بما وقفهم على خلق خلق .وقال القتبي : إن الله تعالى عدد في هذه السورة نعماءه , وذكر خلقه آلاءه , ثم أتبع كل خلة وصفها ونعمة وضعها بهذه وجعلها فاصلة بين كل نعمتين لينبههم على النعم ويقررهم بها , كما تقول لمن تتابع فيه إحسانك وهو يكفره وينكره : ألم تكن فقيرا فأغنيتك أفتنكر هذا ؟

!

ألم تكن خاملا فعززتك أفتنكر هذا ؟

!

ألم تكن صرورة فحججت بك أفتنكر هذا !

؟

ألم تكن راجلا فحملتك أفتنكر هذا ؟

!

والتكرير حسن في مثل هذا .قال : كم نعمة كانت لكم كم كم وكم وقال آخر : لا تقتلي مسلما إن كنت مسلمة إياك من دمه إياك إياك وقال آخر : لا تقطعن الصديق ما طرفت عيناك من قول كاشح أشر ولا تملن من زيارته زره وزره وزر وزر وزر وقال الحسين بن الفضل : التكرير طردا للغفلة , وتأكيدا للحجة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: فبأي نعم الله الدينية والدنيوية تكذبان؟

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

" فبأي آلاء ربكما تكذبان ".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فبأي آلاء ربكما تكذبان».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فبأي نِعَم ربكما -أيها الثقلان- تكذِّبان؟

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

أي في باطنهن الخير وفي ظاهرهن الحسن والخيرات جمع خيرة وقد بينا أن في قوله تعالى: ﴿ قاصرات الطرف  ﴾ إلى أن قال: ﴿ كَأَنَّهُنَّ  ﴾ إشارة إلى كونهن حساناً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَمِن دُونِهِمَا ﴾ ومن دون تينك الجنتين الموعودتين للمقربين ﴿ جَنَّتَانِ ﴾ لمن دونهم من أصحاب اليمين ﴿ مُدْهَامَّتَانِ (64) ﴾ قد ادهامّتا من شدّة الخضرة ﴿ نَضَّاخَتَانِ ﴾ فوّارتان بالماء.

والنضخ أكثر من النضح، لأنّ النضح غير معجمة مثل الرش، فإن قلت: لم عطف النخل والرمان على الفاكهة وهما منها؟

قلت: اختصاصاً لهما وبياناً لفضلهما، كأنهما لما لهما من المزية جنسان آخران، كقوله تعالى: ﴿ وَجِبْرِيلَ وميكال ﴾ [البقرة: 98] أو لأنّ النخل ثمره فاكهة وطعام، والرمان فاكهة ودواء، فلم يخلصا للتفكه.

ومنه قال أبو حنيفة رحمه الله: إذا حلف لا يأكل فاكهة فأكل رماناً أو رطباً: لم يحنث، وخالفه صاحباه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ ﴾ فَوّارَتانِ بِالماءِ هو أيْضًا أقَلُّ مِمّا وصَفَ بِهِ الأُولَيَيْنِ وكَذا ما بَعْدَهُ.

﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ ﴾ عَطَفَهُما عَلى الفاكِهَةِ بَيانًا لِفَضْلِهِما، فَإنَّ ثَمَرَةَ النَّخْلِ فاكِهَةٌ وغِذاءٌ وثَمَرَةَ الرُّمّانِ فاكِهَةٌ ودَواءٌ، واحْتَجَّ بِهِ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى أنَّ مَن حَلَفَ لا يَأْكُلُ فاكِهَةً فَأكَلَ رُطَبًا أوْ رُمّانًا لَمْ يَحْنَثْ.

﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ <div class="verse-tafsir"

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِيهِنَّ خَيْراتٌ ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِجَنَّتانِ، أوْ خَبَرٌ بَعْدُ خَبَرٍ لِلْمُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ كالجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةَ والكَلامُ في ضَمِيرِ الجَمْعِ هُنا كالكَلامِ فِيهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ  ﴾ ( وخَيْراتٌ ) قالَ أبُو حَيّانَ: جَمْعُ خَيْرَةٍ وصْفٌ بُنِيَ عَلى فِعَلَةٍ مِنَ الخَيْرِ كَما بَنَوْا مِنَ الشَّرِّ فَقالُوا شَرَّةٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أصْلُهُ «خَيِّراتٌ» بِالتَّشْدِيدِ فَخُفِّفَ كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««هَيِّنُونَ لَيِّنُونَ»» ولَيْسَ جَمْعُ خَيِّرٍ بِمَعْنى أخْيَرَ فَإنَّهُ لا يُقالُ فِيهِ خَيِّرُونَ ولا خَيِّراتِ، ولَعَلَّهُ لِأنَّ أصْلَ اسْمِ التَّفْضِيلِ أنْ لا يَجْمَعُ خُصُوصًا إذا نُكِّرَ، وقَرَأ بَكْرُ بْنُ حَبِيبٍ وأبُو عُثْمانَ النَّهْدَيِّ وابْنُ مُقْسِمٍ «خَيِّراتٌ» بِتَشْدِيدِ الياءِ وهو يُؤَيِّدُ أنَّ أصْلَهُ كَذَلِكَ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرو «خَيَراتٌ» بِفَتْحِ الياءِ كَأنَّهُ جَمْعُ خائِرَةٍ جُمِعَ عَلى فِعْلَةِ ﴿ حِسانٌ ﴾ قِيلَ: أيْ حِسانِ الخُلُقِ والخَلْقِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: ﴿ خَيْراتٌ ﴾ الأخْلاقُ ﴿ حِسانٌ ﴾ الوُجُوهُ، وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: هو الذي ينجيكم من عذاب الآخرة، إن أطعتم أمره، وآمنتم برسله، فكيف تنكرون وحدانية الله تعالى؟

ويقال: معناه إن إخباري إياكم بهذه العقوبة نعمة لكم، لكي تنتهوا عن الكفر والمعاصي، فلا تنكروا نعمتي عليكم.

فقد ذكر الله في هذه الآيات دفع البلاء، ثم ذكر إيصال النعم لمن اتقاه وأطاع أمره، فقال: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ يعني: من خاف عند المعصية مقام يوم القيامة بين يدي ربه، فانتهى عن المعصية، فله في الآخرة جَنَّتانِ يعني: بستانان.

وقال مجاهد: هو الرجل يهم بالمعصية، فيذكر الله عندها، فيدعها، فله أجران.

وذكر عن الفراء أنه قال: جَنَّتانِ أراد به جنة واحدة، وإنما ذكر جَنَّتانِ للقوافي، والقوافي تحتمل الزيادة والنقصان ما لا يحتمل الكلام.

وقال القتبي: هذا لا يجوز، لأن الله قد وعد ببستانين، فلا يجوز أن يريد بهما واحداً، فلو جاز هذا لجاز أن يقال في قوله: تسعة عشر إنما هم عشرون، ولكن ذكر للقوافي.

ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: بأي نعمة من نعماء الله تعالى تتجاحدان؟

إذ جعل الجنة ثواب أعمالكم، فكيف تنكرون وحدانية الله تعالى ونعمته؟

قوله تعالى: ذَواتا أَفْنانٍ يعني: ذواتاً ألوان.

يعني: البساتين فيها ألوان من الثمرات.

ويقال: ذَواتا أغصان.

وقال الزجاج: الأفنان ألوان، وهي الأغصان أيضاً واحدها فَنَنٌ.

ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: قد وُعِدْتُّمُ الجنة، والراحة، فكيف تنكرون وحدانيته ونعمته؟.

ثم قال عز وجل: فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ يعني: في البساتين نهران من ماء غير آسن أي: غير متغير.

ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: جعل الأنهار نزاهة لكم زيادة في النعمة، فكيف تنكرون قدرة الله تعالى ونعمته؟.

ثم قال: فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ يعني: في هذين البساتين، من كل لون من الفاكهة صنفان، الحلو، والحامض.

ويقال: لونان فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: جعل فيهما من الراحة والنزاهة من كل نوع من الفاكهة؟

فكيف تنكرون نعمته وقدرته.

قوله عز وجل: مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ يعني: ناعمين على فرش بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ هو الديباج الغليظ الأخضر بلغة فارس.

وقال مقاتل: بَطائِنُها يعني: ظواهرها.

وذكر عن الفراء أنه قال: بَطائِنُها يعني: الظهارة، وقد تكون الظهارة بطانة، والبطانة ظهارة، لأن كل واحد منهما يكون وجها وحدا.

وقال القتبي: هذا لا يصح، ولكن ذكر البطانة تعليماً، أن البطانة إذا كانت من استبرق، فالظهارة تكون أجود.

وروي عن ابن عباس أنه سئل: أن بطائنها من استبرق فما الظواهر؟

قال هو مما قال الله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ.

ثم قال: وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ يعني: اجتناؤهما قريب إن شاء تناولهما قائماً، وإن شاء تناولهما قاعداً، وإن شاء متكئاً.

ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: جعل لكم مجالس الملوك مع الفراش المرتفعة، فكيف تنكرون وحدانية الله ونعمته؟.

ثم قال عز وجل: فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ يعني: في الجنان من الزوجات غاضات البصر، قانعات بأزواجهن، لا يشتهين غيرهم، ولا ينظرون إلى غيرهم.

قوله تعالى: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ يعني: لم يمسسهن إنس، قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ يعني: لا إنساً، ولا جنياً فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: جعل لكم أزواجاً موافقة لطبعكم، وهن لا يرون غيركم، فكيف تنكرون الله تعالى؟.

ثم وصف الزوجات فقال: كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ يعني: في الصفاء كالياقوت، وفي البياض كالمرجان، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: جعلهن بحال تتلذذ أعينكم بالنظر إليهن، فكيف تنكرون وحدانية الله تعالى ونعمته؟.

ثم قال عز وجل: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ يعني: هل جزاء التوحيد وهو قول لا إله إلا الله إلا الجنة.

ويقال: هل جزاء من خاف مقام ربه إلا هاتان الجنتان التي ذكرناها في الآية.

ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: فكيف تنكرون نعمة ربكم، حيث جعل ثواب إحسانكم الجنة، وبين لكم لكي تحسنوا، وتنالوا ثواب الله، وإحسانه.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

﴿ مُتَّكِئِينَ ﴾ هَذا حالُ المَذْكُورِينَ ﴿ عَلى فُرُشٍ ﴾ جَمْعُ فِراشٍ ﴿ بَطائِنُها ﴾ جَمْعُ بِطانَةٍ، وهي الَّتِي تَحْتَ الظِّهارَةِ.

وَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: هَذِهِ البَطائِنُ، فَما ظَنُّكم بِالظَّهائِرِ؟!

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّما تُرِكَ وصْفُ الظَّواهِرِ، لِأنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ يَعْلَمُ ما هي.

وقالَ قَتادَةُ: البَطائِنُ: هي الظَّواهِرُ بِلُغَةِ قَوْمٍ.

وكانَ الفَرّاءُ يَقُولُ: قَدْ تَكُونُ البِطانَةُ ظاهِرَةً، والظّاهِرَةُ بِطانَةً، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما قَدْ يَكُونُ وجْهًا، والعَرَبُ تَقُولُ: هَذا ظَهْرُ السَّماءِ، وهَذا بَطْنُ السَّماءِ لِظاهِرِها، وهو الَّذِي نَراهُ، وقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَعِيبُ قَتَلَةَ عُثْمانَ: خَرَجُوا عَلَيْهِ كاللُّصُوصِ مِن وراءِ القَرْيَةِ، فَقَتَلَهُمُ اللَّهُ كُلَّ قِتْلَةٍ، ونَجا مِنهم مَن نَجا تَحْتَ بُطُونِ الكَواكِبِ.

يَعْنِي هَرَبُوا لَيْلًا؛ فَجَعَلُوا ظُهُورَ الكَواكِبِ بُطُونًا، وذَلِكَ جائِزٌ في العَرَبِيَّةِ.

وأنْكَرَ هَذا القَوْلَ ابْنُ قُتَيْبَةَ جِدًّا، وقالَ: إنَّما أرادَ اللَّهُ أنَّ يُعَرِّفَنا- مِن حَيْثُ نَفْهَمُ - فَضْلَ هَذِهِ الفُرُشِ وأنَّ ما ولِيَ الأرْضَ مِنها إسْتَبْرَقٌ، وإذا كانَتِ البِطانَةُ كَذَلِكَ، فالظِّهارَةُ أعْلى وأشْرَفُ.

وهَلْ يَجُوزُ [لِأحَدٍ] أنْ يَقُولَ لِوَجْهِ مُصَلٍّ: هَذا بِطانَتُهُ، ولِما ولِيَ الأرْضَ مِنهُ: هَذا ظِهارَتُهُ؟!

وإنَّما يَجُوزُ هَذا في ذِي الوَجْهَيْنِ المُتَساوِيَيْنِ، تَقُولُ لِما ولِيَكَ مِنَ الحائِطِ: هَذا ظَهْرُ الحائِطِ، ويَقُولُ جارُكَ لِما ولِيَهُ هَذا ظَهْرُ الحائِطِ، وكَذَلِكَ السَّماءُ ما ولِيَنا مِنها: ظَهْرٌ، وهي لِمَن فَوْقَها: بَطْنٌ.

وقَدْ ذَكَرْنا الإسْتَبْرَقَ في [سُورَةِ] [الكَهْفِ: ٣١]، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: ما يُجْتَنى قَرِيبٌ لا يُعَنِّي الجانِيَ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في [الصّافّاتِ: ٤٨] .

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ فِيهِنَّ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ إلى الجَنَّتَيْنِ وغَيْرِهِما مِمّا أُعِدَّ لِصاحِبِ هَذِهِ القِصَّةِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّانِي: أنَّها تَعُودُ إلى الفُرُشِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ ﴾ قَرَأ الكِسائِيُّ بِضَمِّ المِيمِ، والباقُونَ بِكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ: يَطْمِثُ ويَطْمُثُ، مِثْلُ يَعْكِفُ ويَعْكُفُ.

وفي مَعْناهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لَمْ يَفْتَضِضْهُنَّ؛ والطَّمْثُ: النِّكاحُ بِالتَّدْمِيَةِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْحائِضِ: طامِثٌ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والثّانِي: لَمْ يَمْسَسْهُنَّ؛ يُقالُ: ما طَمَثَ هَذا البَعِيرَ حَبْلٌ [قَطُّ] أيْ: ما مَسَّهُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

قالَ مُقاتِلٌ: وذَلِكَ لِأنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنَ الجَنَّةِ؛ فَعَلى قَوْلِهِ، هَذا صِفَةُ الحُورِ.

وقالَ الشَّعْبِيُّ: هُنَّ مِن نِساءِ الدُّنْيا لَمْ يَمْسَسْهُنَّ مُذْ أُنْشِئْنَ خَلْقٌ.

وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الجِنِّيَّ يَغْشى المَرْأةَ كالإنْسِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ ﴾ قالَ قَتادَةُ: هُنَّ في صَفاءِ الياقُوتِ وبَياضِ المَرْجانِ.

وذَكَرَ الزَّجّاجُ أنَّ أهْلَ التَّفْسِيرِ وأهْلَ اللُّغَةِ قالُوا: هُنَّ في صَفاءِ الياقُوتِ وبَياضِ المَرْجانِ والمَرْجانُ: صِغارُ اللُّؤْلُؤِ، وهو أشَدُّ بَياضًا.

وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ قالَ: "الياقُوتُ" فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، والجَمْعُ "اليَواقِيتُ"، وقَدْ تَكَلَّمَتْ بِهِ العَرَبُ، قالَ مالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ اليَرْبُوعِيُّ: لَنْ يُذْهِبَ اللُّؤْمَ تاجٌ قَدْ حُيِيتَ بِهِ مِنَ الزَّبَرْجَدِ والياقُوتِ والذَّهَبِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ، أيْ: ما جَزاءُ مَن أحْسَنَ في الدُّنْيا إلّا أنْ يُحْسَنَ إلَيْهِ في الآخِرَةِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَلْ جَزاءُ مَن قالَ: "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ" وعَمِلَ بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ  إلّا الجَنَّةُ.

ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ  هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ: "هَلْ تَدْرُونَ ما قالَ رَبُّكُمْ"؟

قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: "فَإنَّ رَبَّكم يَقُولُ: هَلْ جَزاءُ مَن أنْعَمْنا عَلَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ إلّا الجَنَّةُ"؟!

.» <div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

وَقوله عزّ وجلّ: ﴿ كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ وَمِن دُونِهِما جَنَّتانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ مُدْهامَّتانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ "الياقُوتُ والمَرْجانُ" مِنَ الأشْياءِ الَّتِي قَدْ بَرَعَ حُسْنُها، واسْتَشْعَرَتِ النُفُوسُ جَلالَتُها، فَوَقَعَ التَشْبِيهُ بِها لا في جَمِيعِ الأوصافِ لَكِنْ فِيما يُشَبَّهُ ويَحْسُنُ بِهَذِهِ المُشَبَّهاتِ، فالياقُوتُ في إمْلاسِهِ.

وشُفُوفِهِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  في صِفَةِ المَرْأةِ مِن نِساءِ أهْلِ الجَنَّةِ: « "يَرى مُخَّ ساقِها مِن وراءِ العَظْمِ"،» والمَرْجانُ في إمْلاسِهِ وجَمالِ مَنظَرِهِ، وبِهَذا النَحْوِ مِنَ النَظَرِ سَمَّتِ العَرَبُ النِساءَ بِهَذِهِ الأشْياءِ كَدُرَّةِ بِنْتِ أبِي لَهَبٍ، ومَرْجانَةَ أُمِّ سَعِيدٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانِ ﴾ آيَةٌ، وعَدَ وبَسَطَ لِنُفُوسِ جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ لِأنَّها عامَّةٌ، قالَ ابْنُ المُنْكَدِرِ، وابْنُ زَيْدٍ، وجَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: هي لِلْبَرِّ والفاجِرِ، والمَعْنى: أنَّ جَزاءَ مَن أحْسَنَ بِالطاعَةِ أنْ يُحْسِنَ إلَيْهِ بِالتَنْعِيمِ، وحَكى النَقّاشُ «أنَّ النَبِيَّ  فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: "هَلْ جَزاءُ التَوْحِيدِ إلّا الجَنَّةُ"؟» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن دُونِهِما جَنَّتانِ ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "مِن دُونِهِما"، فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ أنَّ هاتَيْنِ دُونَ تَيْنِكَ في المَنزِلَةِ والقَدْرِ، والأُولَيانِ جَنَّتا السابِقِينَ والأُخْرَيانِ جَنَّتا أصْحابِ اليَمِينِ، قالَ الرُمّانِيُّ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الجَنّاتُ الأرْبَعُ لِلْخائِفِ مَقامَ رَبِّهِ تَعالى، وقالَ الحَسَنُ: الأُولَيانِ لِلسّابِقِينَ والأُخْرَيانِ لِلتّابِعِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: مِن دُونِهِما في القُرْبِ إلى المُنْعِمِينَ، وهاتانِ المُؤَخِّرَتانِ في الذِكْرِ أفْضَلُ مِنَ الأُولَيَيْنِ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ وصَفَ عَيْنِيَّ هَذِهِ بِالنَضْخِ والأُخْرَيَيْنِ بِالجَرْيِ فَقَطْ، وجَعَلَ هاتَيْنِ مُدْهامَّتَيْنِ مِن شِدَّةِ النِعْمَةِ والأُولَيَيْنِ ذَواتا أفْنانٍ، وكُلُّ جَنَّةٍ ذاتُ أفْنانٍ وإنْ لَمْ تَكُنْ مُدْهامَّةً.

وأكْثَرُ الناسِ عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ، وهَذِهِ اسْتِدْلالاتٌ لَيْسَتْ بِقَواطِعَ، ورُوِيَ عن أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: جَنَّتانِ لِلْمُقَرَّبِينَ مِن ذَهَبٍ، وجَنَّتانِ لِأهْلِ اليَمِينِ مِن فِضَّةٍ هُما دُونَ الأوَّلِينَ.

و"مُدْهامَّتانِ" مَعْناهُ: قَدْ عَلا لَوْنَها دُهْمَةٌ وسَوادٌ مِنَ النَضْرَةِ والخُضْرَةِ، كَذا فَسَّرَهُ ابْنُ الزُبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عنهُما عَلى المِنبَرِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى  ﴾ ﴿ فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى  ﴾ .

و"النَضّاخَةُ": الفَوّارَةُ الَّتِي يَهِيجُ ماؤُها، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى: نَضّاخَتانِ بِأنْواعِ الفاكِهَةِ، وهَذا ضَعِيفٌ.

وكَرَّرَ تَعالى "النَخْلُ والرُمّانُ" لِأنَّهُما لَيْسا مِنَ الفاكِهَةِ، وقالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ وغَيْرُهُ، كَرَّرَهُما - وهُما مِن أفْضَلِ الفاكِهَةِ - تَشْرِيفًا لَهُما، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَمَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على قوله: ﴿ جنتان ﴾ [الرحمن: 46]، أي ومن دون تينك الجنتين جنتان، أي لمن خاف مقام ربه.

ومعنى ﴿ من دونهما ﴾ يحتمل أن (دون) بمعنى (غير)، أي ولمن خاف مقام ربه جنتان وجنتان أخريان غيرهما، كقوله تعالى: ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ [يونس: 26].

ووُصف ما في هاتين الجنتين بما يقارب ما وصف به ما في الجنتين الأوليين وصفاً سُلك فيه مسلك الإِطناب أيضاً لبيان حسنهما ترغيباً في السعي لنيلهما بتقوى الله تعالى فذلك موجب تكرير بعض الأوصاف أو ما يقرب من التكرير بالمترادفات.

ويكون لكل الجنات الأربع حُور مقصورات لا ينتقلن من قصورهن، ويجوز أن تكون (دون) بمعنى أقل، أي لنزول المرتبة، أي ولمن خاف مقام ربه جنتان أقلّ من الأولين فيقتضي ذلك أن هاتين الجنتين لطائفة أخرى ممن خافوا مقام ربهم هم أقل من الأولين في درجة مخافة الله تعالى.

ولعل هاتين الجنتين لأصحاب اليمين الذين ورد ذكرهم في سورة الواقعة والجنتين المذكورتين قبلهما في قوله: ﴿ جنتان...

ذواتا أفنان ﴾ [الرحمن: 46، 48] إلى آخر الوصف جنتا السابقين الوارد ذكرهم قوله في سورة الواقعة (10) ﴿ والسابقون السابقون ﴾ الآيات.

ومدهامتان} وصف مشتق من الدُّهمة بضم الدال وهي لون السواد.

ووصف الجنتين بالسواد مبالغة في شدة خضرة أشجارهما حتى تكونا بالتفاف أشجارها وقوة خضرتها كالسوداوين لأن الشجر إذا كان ريّان اشتدت خضرة أوراقه حتى تقرب من السواد، وقد أخذ هذا المعنى أبو تمام وركَّب عليه فقال: يا صاحبيَّ تقصَّيَا نَظَريكُما *** تَريا وجوهَ الأرض كيف تَصوَّر تريا نهاراً مشمِساً قد شابَهُ *** زَهْرُ الرُّبى فكأنما هو مقمر و ﴿ نضاختان ﴾ : فوّارتان بالماء، والنضخ بخاء معجمة في آخره أقوى من النضح بالحاء المهملة الذي هو الرَّش.

وقد وصف العينان هنا بغير ما وصف به العينان في الجنتين المذكورتين، فقِيل: هما صنفان مختلفان في أوصاف الحسن يُشير اختلافهما إلى أن هاتين الجنتين دون الأولَيْن في المحاسن ولذلك جاء هنا ﴿ فيهما فاكهة ونخل ورمان ﴾ ، وجاء فيما تقدم ﴿ فيهما من كل فاكهة زوجان ﴾ [الرحمن: 52].

وقيل: الوصفان سواء، وعليه فالمخالفة بين الصنفين من الأوصاف تفنّن.

وعطف ﴿ ونخل ورمان ﴾ على ﴿ فاكهة ﴾ من باب عطف الجزئي على الكلّي تنويهاً ببعض أفراد الجنتين كما قال تعالى: ﴿ وملائكته ورسله وجبريل وميكال ﴾ في سورة البقرة (98).

وجاءت جمل فبأي آلاء ربكما تكذبان } معترضات بين ﴿ جنتان ﴾ وصفاتها اعتراضاً للازدياد من تكرير التقرير والتوبيخ لمن حرموا من تلك الجنات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ بَطائِنَها يُرِيدُ بِهِ ظَواهِرَها، قالَهُ قَتادَةُ.

والعَرَبُ تَجْعَلُ البَطْنَ ظَهْرًا فَيَقُولُونَ هَذا بَطْنُ السَّماءِ وظَهْرُ السَّماءِ.

الثّانِي: أنَّهُ أرادَ البِطانَةَ دُونَ الظِّهارَةِ، لِأنَّ البِطانَةَ إذا كانَتْ مِن إسْتَبْرَقٍ وهي أدْوَنُ مِنَ الظّاهِرَةِ دَلَّ عَلى أنَّ الظَّهارَةَ فَوْقَ الإسْتَبْرَقِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

وَسُئِلَ عَبّاسٌ فَما الظَّواهِرُ؟

قالَ: إنَّما وصَفَ لَكم بَطائِنَها لِتَهْتَدِيَ إلَيْهِ قُلُوبُكم فَأمّا الظَّواهِرُ فَلا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ.

﴿ وَجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ ﴾ فَأمّا الجَنا فَهو الثَّمَرُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ هَذا جَنايَ وخِيارُهُ فِيهِ إذْ كُلِّ جانٍ يَدُهُ إلى فِيهِ وَفِي قَوْلِهِ ﴿ دانٍ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: دانِي لا يَبْعُدُ عَلى قائِمٍ ولا عَلى قاعِدٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّهُ لا يَرُدُّ أيْدِيهِمْ عَنْها بُعْدٌ ولا شَوْكٌ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ ﴾ قالَ قَتادَةُ: قَصَرَ طَرَفَهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ، لا يُسَدِّدْنَ النَّظَرَ إلى غَيْرِهِمْ، ولا يَبْغِينَ بِهِمْ بَدَلًا.

﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَمْ يَمْسَسْهُنَّ، قالَ أبُو عَمْرٍو: الطَّمْثُ المَسُّ، وذَلِكَ في كُلِّ شَيْءٍ يُمَسُّ.

الثّانِي: لَمْ يَذْلُلْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ، والطَّمْثُ: التَّذْلِيلُ، قالَهُ المُبَرِّدُ.

الثّالِثُ: لَمْ يُدْمِهُنَّ يَعْنِي إنْسٌ ولا جانٌّ، وذَلِكَ قِيلَ لِلْحَيْضِ طَمْثٌ، قالَ الفَرَزْدَقُ: دُفِعْنَ إلَيَّ لَمْ يُطْمَثْنَ قَبْلِي ∗∗∗ وهُنْ أصَحُّ مِن بِيضِ النَّعامِ وَفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الجِنَّ تَغْشى كالإنْسِ.

﴿ هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: هَلْ جَزاءُ الطّاعَةِ إلّا الثَّوابُ.

الثّانِي: هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ في الدُّنْيا إلّا الإحْسانَ في الآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: هَلْ جَزاءُ مَن شَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ إلّا الجَنَّةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: هَلْ جَزاءُ التَّوْبَةِ إلّا المَغْفِرَةَ، قالَهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصّادِقُ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: هَلْ جَزاءُ إحْسانِ اللَّهِ عَلَيْكم إلّا طاعَتُكم لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله: ﴿ فيهن قاصرات الطرف ﴾ قال: قاصرات الطرف على أزواجهن لا يرين غيرهم والله ما هن متبرجات ولا متطلعات.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة مثله.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ فيهن قاصرات الطرف ﴾ قال: قصرن طرفهن عن الرجال فلا ينظرن إلاّ إلى أزواجهن.

وأخرج ابن مردويه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ قاصرات الطرف ﴾ قال: لا ينظرن إلا إلى أزواجهن» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ لم يطمثهن ﴾ قال: لم يمسسهن.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير ﴿ لم يطمثهن ﴾ قال: لم يطأهن.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عكرمة ﴿ لم يطمثهن ﴾ قال: لم يجامعهن.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال: لا تقل للمرأة طمثت فإنما الطمث الجماع.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له أخبرني عن قوله: ﴿ لم يطمثهن ﴾ قال: كذلك نساء الجنة لم يدن منهن غير أزواجهن قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت الشاعر وهو يقول: مشين إليّ لم يطمثن قبلي ** وهن أصبح من بيض النعام وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن أرطاة بن المنذر قال: تذاكرنا عند ضمرة بن حبيب: أيدخل الجن الجنة؟

قال: نعم، وتصديق ذلك في كتاب الله ﴿ لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ﴾ للجن الجنيات وللإِنس الإِنسيات.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن الشعبي في قوله: ﴿ لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ﴾ قال: هن من نساء أهل الدنيا خلقهن الله في الخلق الآخر كما قال: ﴿ إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكاراً ﴾ [ الواقعة: 35] لم يطمثهن حين عدن في الخلق الآخر ﴿ إنس قبلهم ولا جان ﴾ .

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير عن مجاهد قال: إذا جامع الرجل أهله ولم يسمّ انطوى الجان على إحليله فجامع معه، فذلك قوله: ﴿ لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن عياض بن تميم «أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا ﴿ لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ﴾ قال: لم يصبهن شمس ولا دخان، لم يعذبن في البلايا، ولم يكلمن في الرزايا، ولم تغيرهن الأحزان ناعمات لا يبأسن، وخالدات فلا يمتن، ومقيمات فلا يظعنّ، لهن أخيار يعجز عن نعتهن الأوهام، والجنة أخضرها كالأصفر، وأصفرهما كالأخضر ليس فيها حجر ولا مدر ولا كدر ولا عود يابس أكلها دائم وظلها قائم» .

أخرج أحمد وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في البعث والنشور عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ كأنهن الياقوت والمرجان ﴾ قال: ينظر إلى وجهها في خدها أصفى من المرآة، وإن أدنى لؤلؤة عليها لتضيء ما بين المشرق والمغرب، وإنه يكون عليها سبعون ثوباً ينفذها بصره حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ كأنهن الياقوت والمرجان ﴾ قال: في صفاء الياقوت وبياض اللؤلؤ.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن ﴿ كأنهن الياقوت والمرجان ﴾ قال: صفاء الياقوت في بياض المرجان.

وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وابن المنذر عن الضحاك ﴿ كأنهن الياقوت والمرجان ﴾ قال: ألوانهن كالياقوت واللؤلؤ في صفائه.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبدالله بن الحارث ﴿ كأنهن الياقوت والمرجان ﴾ قال: كأنهن اللؤلؤ في الخيط.

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد ﴿ كأنهن الياقوت والمرجان ﴾ قال: يرى مخ سوقهن من وراء الثياب كما يرى الخيط في الياقوتة.

وأخرج ابن أبي شيبة وهناد بن السري والترمذي وابن أبي الدنيا في وصف الجنة وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن المرأة من نساء أهل الجنة ليرى بياض ساقها من وراء سبعين حلة حتى يرى مخها، وذلك أن الله يقول ﴿ كأنهن الياقوت والمرجان ﴾ فأما الياقوت فإنه حجر لو أدخلت فيه سلكاً ثم استصفيته لرأيته من ورائه» .

وأخرج ابن أبي شيبة وهناد بن السري وعبد بن حميد وابن جرير عن ابن مسعود ﴿ كأنهن الياقوت والمرجان ﴾ قال: على كل واحدة سبعون حلة من حرير يرى مخ ساقها من وراء الثياب، قال: أرأيت لو أن أحدكم أخذ سلكاً فأدخله في ياقوتة ألم يكن يرى السلك من وراء الياقوتة؟

قالوا: بلى، قال: فذلك هنّ، وكان إذا حدّث حديثاً نزع له آية من الكتاب.

وأخرج عبد بن حميد عن عبدالله بن الحارث القيسي قال: إنه يكون على زوجة الرجل من أهل الجنة سبعون حلة حمراء يرى مخ ساقها من خلفهن.

وأخرج عبد بن حميد عن كعب قال: إن المرأة من الحور العين لتلبس سبعين حلة لهي أرق من شفّكم هذا الذي تسمونه شفا، وإن مخ ساقها ليرى من وراء اللحم.

وأخرج عبد بن حميد عن أنس بن مالك قال: إن المرأة من أزواج المقربين لتكسى مائة حلة من استبرق وسقالة النور، وإن مخ ساقها ليرى من وراء ذلك كله، وإن المرأة من أزواج أصحاب اليمين لتكسى سبعين حلة من استبرق وسقالة النور، وإن مخ ذلك ليرى من وراء ذلك كله.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نساء أهل الجنة يرى مخ سوقهن من وراء اللحم» .

وأخرج عبد بن حميد والطبراني والبيهقي في البعث عن ابن مسعود قال: إن المرأة من الحور العين ليرى مخ ساقها من وراء اللحم والعظم من تحت سبعين حلة، كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء.

وأخرج هناد وابن جرير عن عمرو بن ميمون مثله.

قوله تعالى: ﴿ هل جزاء الإِحسان إلا الإِحسان ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان وضعفه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: في قوله: ﴿ هل جزاء الإِحسان إلا الإِحسان ﴾ قال: «ما جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة» .

وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية ﴿ هل جزاء الإِحسان إلا الإِحسان ﴾ قال: «هل جزاء من أنعمت عليه بالإِسلام إلا أن أدخله الجنة» .

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والبغوي في تفسيره والديلمي في مسند الفروس وابن النجار في تاريخه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ﴿ هل جزاء الإِحسان إلا الإِحسان ﴾ وقال: هل تدرون ما قال ربكم؟

قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: يقول: هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة» .

وأخرج ابن النجار في تاريخه عن علي بن أبي طالب في قوله تعالى ﴿ هل جزاء الإِحسان إلا الإِحسان ﴾ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله عز وجل: هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة» .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ هل جزاء الإِحسان إلا الإِحسان ﴾ قال رسول الله: «هل جزاء من أنعمت عليه ممن قال: لا إله إلا الله في الدنيا إلا الجنة في الآخرة» .

أخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ هل جزاء الإِحسان إلا الإِحسان ﴾ قال: هل جزاء من قال: لا إله إلا الله إلا الجنة؟.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن مثله.

وأخرج ابن عدي وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان وضعفه والديلمي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنزل الله عليّ هذه الآية مسجَّلة في سورة الرحمن للكافر والمسلم ﴿ هل جزاء الإِحسان إلا الإِحسان ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في المسلم والكافر ﴿ هل جزاء الإِحسان إلا الإِحسان ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري في الأدب وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن محمد بن الحنفية في قوله: ﴿ هل جزاء الإِحسان إلا الإِحسان ﴾ قال: هي مسجلة للبر والفاجر، قال البيهقي: يعني مرسلة.

وأخرج الخطيب في تاريخه عن ابن عباس في قوله: ﴿ هل جزاء الإِحسان إلا الإِحسان ﴾ قال: إن لله عموداً أحمر رأسه ملويّ على قائمة من قوائم العرش، وأسفله تحت الأرض السابعة، على ظهر الحوت، فإذا قال العبد: لا إله إلا الله تحرك الحوت تحرك العمود تحت العرش، فيقول الله للعرش: اسكن، فيقول: لا وعزتك لا أسكن حتى تغفر لقائلها ما أصاب قبلها من ذنب فيغفر الله له.

وأخرج ابن جرير عن قتادة ﴿ هل جزاء الإِحسان إلا الإِحسان ﴾ قال: عملوا خيراً فجزوا خيراً.

قوله تعالى: ﴿ ومن دونهما جنتان ﴾ الآيات.

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ ومن دونهما جنتان ﴾ قال: هما دون تجريان.

وأخرج هناد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ مدهامتان ﴾ قال: خضروان.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ مدهامتان ﴾ قال: قد اسودتا من الخضرة التي من الريّ من الماء.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد وابن جرير عن عبدالله بن الزبير في قوله: ﴿ مدهامتان ﴾ قال: خضراوان من الريّ.

وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي أيوب قال: «سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله: ﴿ مدهامتان ﴾ قال: خضراوان» .

وأخرج هناد وعبد بن حميد عن أبي أيوب الأنصاري في قوله: ﴿ مدهامتان ﴾ قال: هما جنتان خضراوان.

وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد عن عطاء بن أبي رباح في قوله: ﴿ مدهامتان ﴾ قال: هما جنتان خضراوان.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ مدهامتان ﴾ قال: خضراوان.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ مدهامتان ﴾ قال: خضراوان.

وأخرج الخطيب في المتفق والمفترق عن عكرمة في قوله: ﴿ مدهامتان ﴾ قال: خضراوان.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي صالح ﴿ مدهامتان ﴾ قال: خضراوان من الريّ ناعمتان إذا اشتدت الخضرة ضربت إلى السواد.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ مدهامتان ﴾ قال: مسودتان.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد وعكرمة ﴿ مدهامتان ﴾ قالا: سوداوان من الريّ.

وأخرج هناد عن الضحاك ﴿ مدهامتان ﴾ قال: سوداوان من الريّ.

وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر بن زيد أنه قرأ ﴿ مدهامتان ﴾ ثم ركع.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن البراء بن عازب قال: العينان اللتان تجريان خير من النضاختين، ولفظ عبد قال: ما النضاختان بأفضل من اللتين تجريان.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ نضاختان ﴾ قال: فائضتان.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ نضاختان ﴾ قال: تنضخان بالماء من شدة الريّ.

وأخرج هناد وابن جرير عن عكرمة في قوله: ﴿ نضاختان ﴾ قال: تنضخان بالماء.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن أنس في قوله: ﴿ عينان نضاختان ﴾ قال: بالمسك والعنبر تنفخان على دور الجنة كما ينضخ المطر على دور أهل الدنيا.

وأخرج ابن المبارك في الزهد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو نعيم في الحلية عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ نضاختان ﴾ قال: تنضخان بألوان الفاكهة.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ نضاختان ﴾ قال: بالخير ولفظ ابن أبي شيبة بكل خير.

قوله تعالى: ﴿ فيهما فاكهة ونخل ورمان ﴾ .

أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ فيهما فاكهة ونخل ورمان ﴾ قال: هي ثمر ﴿ من كل فاكهة زوجان ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد والحارث بن أبي أسامة وابن مردويه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «جاء ناس من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد: أفي الجنة فاكهة؟

قال: نعم فيها فاكهة ونخل ورمان، قالوا: أفيأكلون كما يأكلون في الدنيا؟

قال: نعم وأضعافه، قالوا: أفيقضون الحوائج؟

قال: لا ولكنهم يعرقون ويرشحون فيذهب الله ما في بطونهم من أذى» .

وأخرج ابن المبارك وابن أبي شيبة وهناد بن السري وابن أبي الدنيا في صفة الجنة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه والبيهقي في البعث والنشور عن ابن عباس قال: نخل الجنة جذوعها زمرد أخضر، وكرانيفها ذهب أحمر، وسعفها كسوة لأهل الجنة منها مقطعاتهم وحللهم، وثمرها أمثال القلال أشدّ بياضاً من اللبن وأحلى من العسل وألين من الزبد وليس لها عجم.

وأخرج ابن أبي شيبة وهناد بن السري والبيهقي عن سلمان أنه أخذ عوداً صغيراً ثم قال: لو طلبت في الجنة مثل هذا العود لم تبصره، قيل: فأين النخل والشجر؟

قال: أصولها اللؤلؤ والذهب، وأعلاه الثمر.

وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نخل الجنة فقال: أصوله فضة وجذوعها ذهب وسعفه حلل وحمله الرطب أشد بياضاً من اللبن وألين من الزبد وأحلى من الشهد» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نظرت إلى الجنة فإذا الرمانة من رمانها كمثل البعير المقتب» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة عن ابن عباس قال: إن الثمرة من ثمر الجنة طولها اثنا عشر ذراعاً ليس لها عجم.

وأخرج الطبراني والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس أنه كان يأخذ الحبَّة من الرمان فيأكلها، فقيل له: لم تفعل هذا؟

قال: بلغني أنه ليس في الأرض رمانة تلقح إلا بحبة من الجنة فلعلها هذه.

وأخرج ابن السني في الطب النبوي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من رمانة من رمانكم هذه إلا وهي تلقح بحبة من رمان الجنة» والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ ﴾ خيرات جمع خيرة وقال الزمخشري وغيره: أصله خيرات بالتشديد ثم خفف كمْيت وقرئ بالتتشديد، قالت أم سلمة يا رسول الله أخبرني عن قوله تعالى: خيرات حسان قال: خيرات الأخلاق حسان الوجوه.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾ ، ذكر الخوف عن المقام بين يدي ربه، ولم يبين خوفه ماذا؟

ولا أنه إذا خافه تركه أو لا؟

فجائز أن يكون ما ذكر من الخوف بين يدي ربه ما بَيَّنَ في أخرى، وهو قوله: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ  ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: نهي النفس عما تهواه.

والثاني: منع النفس عن أن تهوى ما نهيت عنه، والله أعلم.

وجائز أن يكون في هذه الآية بيان ما ذكر في تلك الآية من الخوف من المقام بين يدي ربه، أي: خاف مقام ربه، وترك ما هم [به] من المعصية، أو ما هوت نفسه.

ثم لسنا نعرف ما فائدة ذكرى الجنتين له ليس ذلك في ثلاث أو أربع؟

قال أهل التأويل: إنما ذكر جنتين؛ لأن الجنان أربعة: جنة عدن، وفردوس، وجنة المأوى، وجنة النعيم، فجنة العدن وجنة النعيم للمقربين والشهداء والصديقين، والجنتان الأخريان لمن دونهم من المؤمنين الذي هم أصحاب اليمين.

وجائز أن يخرج على وجهين: أحدهما: أن يكون بصره إذا نظر يمينا وشمالا لا يقع إلا على جنته، لا يقع على جنة غيره، وكذلك إذا نظر من الأعلى أو من الأسفل يقع بصره على ملكه، لا يقع على ملك غيره، فليس ذلك على تحقيقٍ إخبارا عن عدد الجنتين، ولكن إخبارا أن بصره حيث [يقع] لا يقع إلا على ملكه وجنته، والله أعلم.

والثاني: يكون له جنتان: إحدى الجنتين؛ لترك المساوئ، والأخرى؛ لإتيان المحاسن.

وذكر القتبي عن الفراء في قوله: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾ قال: قد تسمي العرب الشيء الواحد باسم الاثنين إذا كان رءوس الآي ومقاطعها؛ لتحقيق الموافقة في المقاطع؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ذكر ﴿ جَنَّتَانِ ﴾ ، لموافقة مقاطع الآي، والمراد منه جنة واحدة.

لكن القتبي أنكر عليه ذلك، وذلك إنما يقال إذا انقطع الكلام، فأما إذا كان الكلام غير منقطع؛ فإنه لا يقال ذلك، والله أعلم.

ثم سمى البعثَ: مقاما بين يدي ربه، وسماه: رجوعا إليه، ومصيراً، وبرزوا، فهو على وجهين: أحدهما: أنه سماه بما ذكر؛ لأن البعث هو نهاية هذا العالم.

والثاني: سماه بذلك؛ لأن لكل أحد يظهر في ذلك اليوم: أن الأمر لله  ، وأن التدبير له في الدنيا والآخرة، وأن لا تدبير لأحد سواه؛ كقوله - عز وجل - : ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ  ﴾ .

ثم جائز أن يكون ما ذكر من الجنتين للسابقين والشهداء على ما ذكره بعض أهل التأويل، وما ذكر من قوله: ﴿ وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ  ﴾ لأصحاب اليمين.

ثم نعت ورصف ما جعل لكل فريق؛ فأما نعت ما جعل للسابقين والصديقين والشهداء ما ذكر؛ حيث قال: ﴿ ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ ﴾ ، قال عامة أهل التأويل: ذواتا أغصان، ولكن ليس في هذا كثير حكمة، لكن يحتمل أن قوله: ﴿ ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ ﴾ من الفنون، أي: فيهما من كل فن وكل نوع.

وقال مقاتل: ذلك في الجنتين اللتين جعلهما لأصحاب اليمين مدهامتين، والمدهم: هو الذي تضرب خضورته - لشدته - إلى السواد، وهو دون الأول في الوصف؛ إذ لم يصفهما إلا بصفة واحدة، ووصف تبنك الجنتين بالفنون، وقال في تينك: ﴿ فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ ﴾ ، وقال أصحاب اليمين: ﴿ فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ  ﴾ ، والناضج: هو الذي لا يتبين جريانه، ووصف تينك بالجريان، والنضج دون الجريان.

وقال القتبي: ﴿ نَضَّاخَتَانِ  ﴾ اللتان تفوران بالماء، والنضج دون النضَجَ، وهو الرش، وقال في جنتي السابقين: ﴿ فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ ﴾ أي: صنفان، أو لونان، [من] أي: شيء كان، وقال في [جنتي] أصحاب اليمين: ﴿ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ  ﴾ ذكر أشياء معدودة، وغمر الأشياء في تينك؛ حيث قال: ﴿ فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ ﴾ لتفضيل أولئك على هؤلاء.

وجائز أن يذكر في كل واحدة منهما حكمة على حدة: قوله: ﴿ ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ ﴾ ما ذكرنا أن فيهما من كل فن وكل نوع، و[قوله: ﴿ فِيهِمَا عَيْنَانِ ﴾ ] إحدى العينين هي العين المعروفة الموعودة، والأخرى التي لا يعرفون ولا يوعدون، وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ ﴾ أي: صنفان ولونان على غير تغير الطعم، ولا فساد يدخل في ذلك؛ لأن تغير اللون في الدنيا لا يكون للفواكه إلا بعد دخول فساد فيها، فيخبر أن تغير لونه لا لفساد يدخل في ذلك، والله أعلم.

وقال بعضهم: إنما ذكر الزوجين من الفواكه؛ لما أن قلوب البشر قد خطرت بأحد الزوجين وتمنته أنفسهم، والزوج الآخر هو لطف الله  على عباده؛ فضلا منه إليهم من غير أن يخطر على بالهم، ولا وقعت عليه أبصارهم، ولا انتهت إليه آمالهم؛ إكراما لهم بها وامتنانا.

وقال بعضهم: ليس المراد في هذه الآيات تبيين ما لأهل الجنة، ولكن فيه تبيان فضل السابقين على أصحاب اليمين: أن أولئك يعطون من الفضل ضعفي ما أعطي هؤلاء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ﴾ قال الفراء: يجوز أن تكون البطانة والظهارة جميعا من شيء واحد، ومن جهة واحدة، لكن سمي الجهة التي تلي أجسادهم بطانة، والأخرى: ظهارة، كالسماء؛ أن الجهة التي تلي الملائكة هي بطانتهم، وظهارتنا، وما تلينا ظهارتهم وبطانتنا، وكل شيء يلي إنسانا فهي بطانة، والجانب الذي لا يليه ظهارة، يقال: هذا ظهر السماء، للجانب الذي نراه، والآخر: بطن السماء، والله أعلم.

وقال القتبي: لا، ولكن ذكر البطانة من إستبرق، ولم يذكر الظهارة، والعرف في الناس: أن ظهارة فرشهم أنفس من البطانة، والبطانة دون الظهاغرة، فعلى ذلك في ذكر البطانة ووصفها بأنها من الإستبرق دلالة أن ظهارتها أرفع وأنفس من البطانة.

لكن ما قاله الفراء صحيح، وما كره القتبي هو من صنيع الناس في الدنيا من اتخذا الظهارة فوق البطانة؛ لما لا تحتمل أملاكهم التسوية بين ما بطن وما ظهر في النفاسة والرفعة، فأما الله -  وتعالى - فلا نفاد لخزائنه، يفعل ما يشاء كيف شاء.

وعن ابن مسعود -  - أنه قال: قد أخبرتم بالبطائن فكيف بالظهارة ثم الإستبرق اختلف فيه: قيل: هو ما غلظ منه بلسان قوم.

وقال بعضهم: هو ما دق ورق، والله أعلم.

ولا نفسره نحن: أنه ما هو؟

وكيف هو؟

ولكن نعلم أنه شيء وعد لهم ربهم، وهو شيء ترغب فيه أنفسهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَنَى ٱلْجَنَّتَيْنِ دَانٍ ﴾ جائز أن يكون ذكر هذا في حق السابقين الذين سارعوا في الخيرات، واستبطئوا ما وعد لهم بما لم يروا لطاعاتهم قيمة، ويغلبهم خوفهم في التقصير في العمل لله  الواجب عليهم، وفي أوامره ونواهيه، فقال: ﴿ وَجَنَى ٱلْجَنَّتَيْنِ ﴾ اللتين وعد لكم ﴿ دَانٍ ﴾ ، قال أهل التأويل: أي: الشجر دان منهم، قربت حين يتناولها الرجل كيف شاء، لكن يذكر هنا - والله أعلم -: أن الجنتين وإن بعدتا، فإن الثمار منهم دانية.

قال أبو عوسجة: الجنى: الحمل، وأجنت الشجرة تجنى؛ إذا حملت وأدرك حملها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ ﴾ أي: قصرن طرفهن على أزواجهن، ولا ينظرن إلى غيرهم، ولا يشتهينهم، وقال في آية أخرى: ﴿ حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي ٱلْخِيَامِ  ﴾ ذكر هذا؛ لأن أهل الدين يكونون من أهل غيرة، لا يريدون أن تنظر أزواجهم إلى غيرهم، ولا غيرهم ينظرون إليهن، فأخبر بالآيتين: أنهن لا ينظرن إلى غير أزاجهن، ولا غيرهم إليهن؛ حيث وصفهن بأنهن قاصرات مقصورات في الخيام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ ﴾ ، قرئ: ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ ﴾ بضم اليم وكسره.

قال الفراء: ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ ﴾ ، أي: لم يقبضهن، والطمث: النكاح بالرومية.

وقال أهل التأويل: لم يجامعهن إنس قبلهم ولا جان.

وقال أبو عوسجة: أي: لم يمسسهن إنس في التربية كما يرى الأولاد، ولا جان على ما تمس الجن الأولاد فيفسدهم، ولكنهم كما وصف: ﴿ إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً  فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً  عُرُباً أَتْرَاباً  لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ  ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَأَنَّهُنَّ ٱلْيَاقُوتُ وَٱلْمَرْجَانُ ﴾ ، قال أهل التأويل: شبههن باليقاوت؛ لصفائهن، وبالمرجان؛ لبياضهن، وهو كما قالوا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ جَزَآءُ ٱلإِحْسَانِ إِلاَّ ٱلإِحْسَانُ ﴾ قيل: هل جزاء الإحسان في الدينا إلا الإحسان لهم في الآخرة؟

هل جزاء فعل الحسن في الدنيا إلا إعطاء الحسن في الآخرة، وهي الجنة.

ولكن غيره كأنه أقر، أي: هل جزاء إحسان الله  بما أنعم عليهم في الدنيا إلا الإحسان له بالشكر والقبول، أي: الإتيان بفعل الحسن، وهو الشكر له، وحسن القبول؛ لأنه ليس يستوجب أحد قِبَلَ الله  بإحسانه في الدنيا جزاء في الآخرة، إنما الجزاء لهم بحق الفضل والإنعام، لا بحق الاستحقاق.

ويحتمل أن يكون تأويله: هل جزاء الإحسان في الدنيا إلا الإحسان له في الآخرة، والله أعلم.

واستدل أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - بهذه الآية على أن للجن ثوابا؛ كما للإنس؛ فإنه جرى الخطاب من أول السورة إلى آخرها للجن والإنس من قوله: ﴿ يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ ﴾ ؛ فعلى ذلك يشتركون في الوعد والوعيد.

لكنْ أبو حنيفة - رحمه الله  - يقول: لا ثواب للجن في ذلك من نحو الفواكه والسفن الجواري، فعلى ذلك ما ذكر من الثواب لهم يجوز الثواب، وللجن يجوز العين، والله أعلم.

وقد ذكرناه في غير هذا الموضع.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فبأي نعم الله الكثيرة عليكم -يا معشر الجن والإنس- تكذبان؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.pNQJE"

مزيد من التفاسير لسورة الرحمن

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل