الإسلام > الجنايات والحدود > دية الجنايات فيما دون النفس
مسائلُ فقهيةٌ في دية الجنايات فيما دون النفس على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 29 دقيقة قراءةفصل في دِيَةِ الجِناياتِ فيما دُونَ النَّفسِ
الجِناياتُ على ما دُونَ النَّفسِ جِراحاتٌ وأعضاءٌ.
أولاً: الجِراحاتُ:
الجِراحاتُ ضَربانِ: شِجاجٌ في الرَّأسِ والوَجهِ، وجِراحاتٌ فيما سِواهُما مِنْ البَدنِ.
الضَّربُ الأولُ: الجُرحُ الواقِعُ على الرَّأسِ والوَجهِ، وتُسمَّى الشجاجَ:
جِراحُ الوَجهِ والرَّأسِ يُسمَّى شِجاجًا، وهي جُرحٌ فيهِما، أمَّا في غَيرِهما فيُسمَّى جُرحًا لا شَجَّةً، وهي عَشرةٌ:
إحداها: الحارِصةُ: وهي ما شَقَّ الجِلدَ قليلًا كالخَدشِ.
الثانيةُ: الدَّامِيةُ: وهي التي تُدمِي مَوضعَها مِنْ الشقِّ والخَدشِ مِنْ غيرِ سَيلانِ دَمٍ.
الثالثةُ: الباضِعة: وهي التي تَقطعُ -أي: تَشقُّ- اللَّحمَ الذي بعدَ الجِلدِ شَقًّا خَفيفًا، مِنْ البَضعِ، وهو القَطعُ.
الرابعةُ: المُتلاحِمةُ: وهي التي تَغوصُ في اللحمِ ولا تَبلغُ الجِلدةَ التي
بينَ اللَّحمِ والعَظمِ، وهيَ التي يَبقى بينَها وبينَ العَظمِ ستْرٌ رَقيقٌ، سُمِّيتْ بذلك تَفاؤلًا بما تَؤولُ إليه مِنْ الالتِحامِ، وتُسمَّى أيضًا الملاحِمةَ.
الخامِسةُ: السِمحاقُ: وهي التي تَبلغُ الجِلدةَ التي بينَ اللَّحمِ والعَظمِ، سُمِّيتْ بذلكَ لأنَّ تلكَ الجِلدةَ يُقالُ لها: سِمحاقُ الرَّأسِ، مَأخوذةٌ مِنْ سَماحِيقِ البَطنِ، وهي الشَّحمُ الرقيقُ.
وفي هذهِ الخَمسةِ حُكومةُ عَدلٍ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والحَنابلةِ؛ لأنه ليسَ فيها أرشٌ مُقدَّرٌ مِنْ جِهةِ السَّمعِ، ولا يُمكِنُ إهدارُها، فيَجبُ فيها حُكومةُ عَدلٍ.
وقالَ الشافِعيةُ: إنْ عُرِفتْ نِسبتُها مِنْ المُوضِحةِ وجَبَ قِسطٌ مِنْ أَرشِها بالنِّسبةِ، وإنْ لم تُعرَفْ نِسبتُه منها فحُكومةٌ لا تَبلغُ أرشَ موضِحةٍ كجُرحِ سائرِ البدنِ.
تَفسيرُ الحُكومةِ: أنْ يُقوَّمَ لو كانَ مَملوكًا وليسَ به هذه الشجَّةُ، ويُقوَّمَ وهي به، ثمَّ يُنظَرُ كم نقَصَ ذلكَ مِنْ قِيمةِ العَبدِ، فيَجبُ ذلكَ القَدرُ مِنْ ديَةِ الحُرِّ، فإنْ كانَ نصفَ عُشرِ القِيمةِ يَجبُ نِصفُ عُشرِ الدِّيةِ، وإنْ كانَ رُبعَ عُشرٍ فرُبعُ عُشرٍ.
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ قولَه مِنْ أهلِ العِلمِ أنَّ معنَى قَولِهم حُكومةٌ أنْ يقالَ: إذا أصيبَ الإنسانُ بجُرحٍ لا عقْلَ له مَعلومٌ: كم قِيمةُ هذا لو كانَ عَبدًا قبلَ أنْ يُجرحَ هذا الجُرحَ أو يُضربَ هذا الضربَ؟ فإنْ قيلَ: مِائةُ دِينارٍ، قيلَ: وكم قيمتُه وقد أصابَه هذا الجُرحُ
وانتَهى بُرؤُه؟ فإنْ قيلَ: «خَمسةٌ وتِسعينَ دينارًا» فالذي يَجبُ للمَجنيِّ عليهِ على الجاني نِصفُ عُشرِ الدِّيةِ، وإنْ قالوا: «تِسعينَ» ففيه عُشرُ الدِّيةِ، وما زادَ أو نقَصَ فعَلى هذا المِثالِ، ويُقبلُ فيه قَولُ رَجلَينِ ثِقتَينِ مِنْ أهلِ المَعرفةِ، وقيلَ: بل يُقبلُ عَدلٌ واحِدٌ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفقوا على أنَّ الجُروحَ قِصاصٌ في كلِّ ما يَتأتَّى فيه القِصاصُ، ومِن الجُروحِ التي لا يَتأتَّى فيها: الخارِصةُ: وهي التي تَشقُّ الجِلدَ قليلًا، وقيلَ: بل تَكشطُه، ومنه قَولُهم: خرَصَ القصَّارُ الثَّوبَ، أي: شَقَّه، وتُسمَّى القاشِرةَ، وتُسمَّى المَلطاءَ.
ثم الباضِعةُ: وهي التي تَشقُّ اللَّحمَ بعدَ الجلدِ.
ثم البازِلةُ: وهي التي تُنزِلُ الدمَ، وتُسمَّى الدامِيةَ والدامِغةَ.
والمُتلاحِمةُ: وهي التي تَغوصُ في اللَّحمِ.
والسِّمحاقُ: وهي التي تَبقى بينَها وبينَ العَظمِ جِلدةٌ رَقيقةٌ.
فهذهِ الجِراحُ الخَمسُ ليسَ فيها تَقديرٌ شَرعيٌّ بإجماعِ الأئمَّةِ الأربَعةِ المَذكورينَ، إلا ما رُويَ عن أحمَدَ مِنْ أنه ذهَبَ إلى حُكمِ زيدٍ في ذلكَ، وهو «أنَّ زَيدًا حكَمَ في الدامِغةِ ببَعيرٍ، وفي الباضِعةِ ببَعيرَينِ، وفي المُتلاحِمةِ بثلاثِ أبعِرةٍ، وفي السِّمحاقِ بأربَعةِ أبعِرةٍ»، قالَ أحمَدُ: فأنا أذهَبُ إليهِ، وهذهِ روايةُ أبي طالبٍ المِشكاتِيِّ عن أحمَدَ، والظاهرُ مِنْ مَذهبِه أنه لا مُقدَّرَ فيها كالجماعةِ.
(١) «الإقناع» (٢/ ٢٨٧)، و «الإجماع» (٦٩٥)، و «المغني» (٨/ ٣٧٦، ٣٧٧).
وأجمَعوا على أنَّ في كلِّ واحدٍ منها حُكومةٌ بعدَ الاندمالِ، والحُكومةُ أنْ يُقوَّمَ المَجنيُّ عليهِ قبلَ الجنايةِ كأنَّه كانَ عَبدًا ويقالَ: كم قِيمتُه قبلَ الجِنايةِ؟ وكم قيمتُه بعدَها؟ فيكونُ له بقَدرِ التفاوُتِ مِنْ ديَتِه.
ثم اختَلفُوا في هذه الجِراحِ الخَمسِ التي فيها الحُكومةُ إذا بلَغَتْ مِقدارًا زائدًا على ما فيه التَّوقيتُ، هل يُؤخَذُ مقدارُ التوقيتِ؟ أو دُونهُ؟ فقالَ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ: إذا بلَغَتِ الحدَّ المؤقَّتَ فلا تُبلَغُ بها إليه في الأرشِ، بل تُنقصُ منه.
وقالَ مالكٌ: يبلغُ بها إليهِ إذا بلَغَتْه ويُزادُ على أرشِ المؤقَّتِ إنْ زادَتْ هي عليهِ مُندمِلةً على شَيئينِ.
وقالَ أحمَدُ: لا يُجاوَزُ بشَيءٍ مِنْ ذلكَ أرشَ المؤقَّتِ رِوايةً واحِدةً، وهل يُبلغُ بها أرشُ المؤقَّتِ؟ على رِوايتينِ:
إحداهُما: لا يُبلغُ بها أرشُ المؤقَّتِ، وهي المَذهبُ.
والأُخرى: يُبلغُ بها، والمؤقَّتُ هو الموضِحةُ (١).
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: قالَ مالكٌ: الأمرُ عندَنا أنه ليسَ فيما دونَ الموضِحةِ مِنْ الشِّجاجِ عقلٌ حتى تَبلغَ الموضِحةَ، وإنما العقلُ في الموضِحةِ فما فوقَها؛ وذلكَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ انتَهى إلى الموضِحةِ في كِتابِه لعَمرِو بنِ حَزمٍ فجعَلَ فيها خَمسًا مِنْ الإبلِ، ولم تَقْضِ الأئمَّةُ في القَديمِ ولا في الحَديثِ فيما دونَ الموضِحةِ بعَقلٍ مُسمًّى.
(١) «الإفصاح» (٢/ ٢٣٥، ٢٣٦).
قالَ أبو عُمرَ: قوله: «إنه ليسَ فيما دونَ الموضِحةِ عقلٌ مسمًّى وإنما فيه حُكومةٌ يَجتهدُ فيها الحاكِمُ»، وهو قولُ الشافِعيِّ وأبي حَنيفةَ وقولُ أكثَرِ العُلماءِ (١).
السادِسةُ: المُوضِحةُ: وهي التي تُوضِحُ العَظمَ، أي تُبيِّنُه، وفيها نِصفُ عُشرِ دِيةِ صاحِبها، ففيها لحُرِّ ذَكرٍ مُسلمٍ غيرِ جَنينٍ خَمسةُ أبعِرةٍ، فتُراعَى هذه النِّسبةُ في حَقِّ غيرِه مِنْ المَرأةِ والكِتابيِّ وغَيرِهما، ويجبُ ذلك على العاقِلةِ في الخطأِ، وإنْ أدَّى مِنْ الإبلِ أدَّى في موضِحةِ الرَّجلِ خَمسًا من الإبلِ، وفي المَرأةِ نِصفُ ذلك؛ لأنَّ في كِتابِ عمرِو بنِ حَزمٍ: «وفي المُوضِحةِ خَمسٌ مِنْ الإبلِ» (٢).
قالَ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: وأجمَعوا على أنَّ في المُوضِحةِ خَمسًا مِنْ الإبلِ، وأجمَعُوا على أنَّ المُوضحةَ تكونُ في الرأسِ والوَجهِ (٣).
وقالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: الموضِحةُ في الوَجهِ والرأسِ مُجتمَعٌ عليها، يَشهدُ الكافَّةُ مِنْ العُلماءِ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ وقَّتَ فيها نِصفَ عُشرِ الدِّيةِ، وأجمَعوا على ذلك (٤).
وقالَ أيضًا: لا يَختلفونَ أنَّ الموضِحةَ فيها خَمسٌ مِنْ الإبلِ على ما في كتابِ عَمرِو بنِ حزمٍ أيضًا، والموضِحةُ عندَهم هي التي تُوضِحُ عن العَظمِ
(١) «الاستذكار» (٨/ ٩٦).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه النسائي (٤٨٥٣).
(٣) «الإجماع» (٦٧١، ٦٧٢).
(٤) «الاستذكار» (٨/ ٩٣).
وتُبرِزُه حتى يُنظرَ إليه في الرأسِ خاصَّةً، ولا تكونُ في البَدنِ مُوضِحةٌ بحالٍ، وعلى ذلكَ جَماعةُ الفُقهاءِ، إلا الليثَ بنَ سَعدٍ فإنه قالَ: المُوضِحةُ تكونُ في الجَسدِ أيضًا، وقالَ الأوزاعيُّ: المُوضحةُ في الوَجهِ والرأسِ سَواءٌ، قالَ: وهي في جِراحةِ الجَسدِ على النصفِ ممَّا في جِراحةِ الرأسِ، واتَّفق مالكٌ والشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ والبَتيُّ وأصحابُهم أنَّ المُوضحةَ لا تكونُ إلا في الوجهِ والرأسِ، ولا تكونُ الجائِفةُ إلا في الجوفِ.
وقالَ الشافِعيُّ وأبو يُوسفَ: لا تكونُ الموضِحةُ ولا المُنقِّلةُ ولا الهاشِمةُ ولا السِّمحاقُ ولا الباضِعةُ ولا المُتلاحِمةُ ولا الداميَةُ إلا في الرأسِ والجَبهةِ والصدغَينِ واللَّحيينِ ومَوضعِ اللَّحمِ مِنْ اللحيَينِ والذَّقنِ.
وقالَ الشافِعيُّ: كلُّ جُرحٍ عندَ الوَجهِ والرأسِ ففيه حُكومةٌ، إلا الجائِفةَ ففيها ثُلثُ النَّفسِ.
وقالَ مالِكٌ: المَأمومةُ والمنقِّلةُ والموضِحةُ لا تكونُ إلا في الرأسِ والوجهِ، ولا تكون المَأمومةُ إلا في الرأسِ خاصَّةً إذا وصَلَ إلى الدماغِ، قالَ: والموضِحةُ ما تكونُ في جُمجمةِ الرأسِ، وما دونَها فهو مِنْ العُنقِ ليسَ فيه موضِحةٌ، قالَ مالكٌ: والأنفُ ليسَ مِنْ الرأسِ، فليسَ فيه موضِحةٌ، وكذلكَ اللَّحيُ الأسفَلُ ليسَ فيه موضِحةٌ، وقالَ مالكٌ: في الخَدِّ موضِحةٌ، فإنْ شانَتِ الوجهَ زِيدَ في الأرشِ، فإنْ لم تَشِنْ لم يَزدْ على أرشِ الموضِحةِ، وذلكَ على الاجتهادِ، قالَ: ولم يَأخذْ مالكٌ بقَولِ سُليمانَ بنِ يَسارٍ في موضِحةٍ للوجهِ أنه يُزادُ فيها لشَينِها ما بينكَ وبينَ نصفِ عَقلِها، قالَ مالكٌ:
وما سَمعتُ أحَدًا قالَه غيرَه، وقالَ أشهَبُ: لا يُزادُ لشَينِها شيءٌ، كانَتْ في الوجهِ أو في الرأسِ (١).
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: ولا يَختلفُ العُلماءُ أنَّ المُوضِحةَ فيها خَمسٌ مِنْ الإبلِ على ما في حَديثِ عَمرِو بنِ حَزمٍ، وفيه: «وفي المُوضِحةِ خَمسٌ»، وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الموضِحةَ تكونُ في الرأسِ والوَجهِ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وأما الموضِحةُ فجَميعُ الفقهاءِ على أنَّ فيها إذا كانَت خَطأً خَمسًا مِنْ الإبل، وثبَتَ ذلكَ عن رَسولِ اللهِ ﷺ في كِتابِه لعَمرِو بنِ حَزمٍ، ومِن حَديثِ عمرِو بنِ شُعيبٍ عن أبيه عن جَدَّه أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «في الموضِحةِ خَمسٌ»، يعني مِنْ الإبلِ.
واختَلفَ العلماءُ في مَوضعِ المُوضحةِ مِنْ الجَسدِ، بعدَ اتِّفاقِهم على ما قُلنا، أعنِي: على وُجوبِ القِصاصِ في العَمدِ، ووُجوبِ الدِّيةِ في الخَطأِ منها.
فقالَ مالكٌ: لا تكونُ الموضِحةُ إلا في جِهةِ الرَّأسِ والجَبهةِ والخَدَّينِ واللَّحيِ الأعلى، ولا تكونُ في اللَّحيِ الأسفلِ؛ لأنه في حُكمِ العُنقِ، ولا في الأنفِ.
وإما الشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ فالموضِحةُ عندَهُما في جَميعِ الوجهِ والرأسِ، والجُمهورُ على أنها لا تكونُ في الجَسدِ، وقالَ الليثُ وطائِفةٌ: تكونُ
(١) «التمهيد» (١٧/ ٣٦٦، ٣٦٧).
(٢) «تفسير القرطبي» (٦/ ٢٠٤).
الموضِحةُ في الجَنبِ، وقالَ الأوزاعيُّ: إذا كانَت في الجَسدِ كانَتْ على النصفِ مِنْ دِيتِها في الوَجهِ والرأسِ، ورُويَ عن عُمرَ أنه قالَ: «في مُوضِحةِ الجَسدِ نِصفُ عُشرِ ديَةِ ذلكَ العُضوِ».
وغلَّظَ بعضُ العُلماءِ في موضِحةِ الوجهِ تَبرأُ على شَينٍ، فرَأى فيها مثلَ نصفِ عقلِها زائِدًا على عقلِها، ورَوى ذلكَ مالكٌ عن سُليمانَ بنِ يَسارٍ، واضطَربَ قولُ مالكٍ في ذلكَ، فمرَّةً قالَ بقولِ سُليمانَ بنِ يسارٍ، ومرةً قالَ: لا يُزادُ فيها على عقلِها شَيءٌ، وبه قالَ الجُمهورُ، وقد قيلَ عن مالكٍ إنه قالَ: إذا شانَتِ الوَجهَ كانَ فيها حُكومةٌ مِنْ غيرِ تَوقيفٍ، ومعنَى الحُكومةِ عندَ مالكٍ ما نقَصَ مِنْ قيمتِه أنْ لو كانَ عَبدًا (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: فأما المُوضحةُ وهي التي تُوضِحُ عن العَظمِ، وفي موضِحةِ الوجهِ ففي أيِّ مَوضعٍ كانَت مِنْ الوجهِ فيها خَمسٌ مِنْ الإبلِ عندَ أبي حَنيفةَ والشافِعيِّ وأحمَدَ في إحدَى رِوايتَيه، والأخرَى: أنَّ فيها عشَرًا مِنْ الإبلِ.
وقالَ مالكٌ: في مُوضحةِ الأنفِ واللِّحى الأسفَلِ حُكومةٌ خاصةً، وباقي المَواضعِ فيها خَمسٌ مِنْ الإبلِ.
فإنْ كانَت الموضِحةُ في الرأسِ فهل هي بمَنزلةِ الموضِحةِ في الوجهِ أم لا؟
قالَ أبو حَنيفةَ ومالكٌ والشافِعيٌّ: هي بمَنزلتِها، وعن أحمَدَ رِوايتانِ:
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٣١٤، ٣١٥).
إحداهُما: هي بمَنزلتِها، والأخرَى: إذا كانَت في الوجهِ ففيها عَشرٌ، وإذا كانَت في الرأسِ ففيها خَمسٌ.
وأجمَعوا على أنَّ المُوضحةَ فيها القِصاصُ إذا كانَتْ عَمدًا (١).
السابِعةُ: الهاشِمةُ: وهي التي تَهشِمُ العَظمَ -أي: تَكسِرُه-، سواءٌ أوضَحَتْه أم لا.
والهاشِمةُ لا قِصاصَ فيها عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ؛ لأنه ليسَ لها حدٌّ تَنتهي إليه ولا يُمكِنُ الاستيفاءُ مِنْ غير حَيفٍ.
ونَصَّ الشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنَّ له أنْ يَقتصَّ مُوضِحةً بَدلًا عنها، ويَجبُ له إذا اقتَصَّ موضِحةً ما بينَ ديَةِ الموضِحةِ وبينَ ديَةِ الهاشِمةِ.
والهاشِمةُ فيها عُشرُ الدِّيةِ، وهو مِنْ الدَّراهمِ ألفُ دِرهمٍ، ومن الإبلِ عَشرٌ، وفي المَرأةِ نصفُ ذلكَ إذا أوضحَتْ، وقالَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ: بدُونِ إيضاحٍ فيها خَمسةُ أبعِرةٍ.
وفي رِوايةٍ للحَنابلةِ: فيها حُكومةٌ.
وقالَ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: وأما الهاشِمةُ وهي التي تَكسرُ العَظمَ وتَهشمُه، فقالَ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأحمَدُ: فيها عَشرٌ مِنْ الإبلِ.
واختُلفَ عن مالكٍ، فقالَ في رِوايةٍ عنه: لا أعرفُ الهاشِمةَ، فإذا أوضَحَ وهشَمَ فعليهِ في الإيضاحِ خَمسٌ مِنْ الإبلِ، وفي الهَشمِ حُكومةٌ، وهي اختيارُ
(١) «الإفصاح» (٢/ ٢٣٧).
ابنِ القصَّارِ مِنْ أصحابِه، ورُويَ عنه أنَّ فيها خَمسَ عَشرةَ مِنْ الإبلِ كما في المنقِّلةِ، وهذا اختيارُ الأبهَريِّ مِنْ أصحابِه، وقالَ أشهَبُ: فيها عَشرٌ مِنْ الإبلِ (١).
وقالَ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: وليسَ في الهاشِمةِ عن رَسولِ اللهِ ﷺ فَرضٌ يُعلَمُ، وعَوامُّ أهلِ العلمِ يَجعلونَ في الهاشمةِ عَشرًا مِنْ الإبلِ (٢).
الثامِنةُ: المُنقِّلةُ: وهي التي تَنقلُ العَظمَ بعدَ الكَسرِ، أي تُحوِّلُه مِنْ مَحَلٍّ إلى آخَرَ، سَواءٌ أوضَحَتْه وهشَمَتْه أم لا.
وفيها عُشرٌ ونِصفُ عُشرٍ، وهو مِنْ الدَّراهمِ ألفٌ وخَمسُمائةٍ، ومن الإبلِ خَمسةَ عَشرَ؛ لمَا في كِتابِ عَمرِو بنِ حَزمٍ: «وفي المُنقِّلةِ خَمسَ عَشرةَ مِنْ الإبلِ» (٣).
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: وأجمَعُوا على أنَّ في المنقِّلةِ خَمسةَ عَشرَ مِنْ الإبلِ، وأجمَعوا على أنَّ المنقِّلةَ هي التي تَنقلُ العِظامَ، وأجمَعوا على أنَّ المنقِّلةَ لا قوَدَ فيها، وانفرَدَ ابنُ الزبيرِ فروينَا أنه أقادَ فيها (٤).
وقالَ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: وأما المنقِّلةُ فهي التي تُوضحُ وتَهشمُ وتَسطو حتى يَنتقلَ منها العِظامُ، وفيها خَمسَ عَشرةَ مِنْ الإبلِ بالإجماعِ (٥).
(١) «الإفصاح» (٢/ ٢٣٧، ٢٣٨).
(٢) «الإقناع» (٢/ ٢٨٧).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه النسائي (٤٨٥٣).
(٤) «الإجماع» (٦٧٣، ٦٧٥).
(٥) «الإفصاح» (٢/ ٢٣٨).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وليسَ في شَيءٍ مِنْ شِجاجِ الرأسِ قِصاصٌ سِوى الموضِحةِ، وسواءٌ في ذلكَ ما دونَ الموضِحةِ كالحارِصةِ والبازِلةِ والباضِعةِ والمُتلاحِمةِ والسِّمحاقِ، وما فوقَها وهي الهاشِمةُ والمنقِّلةُ والآمَّةُ، وبهذا قالَ الشافِعيُّ، فأما ما فوقَ الموضِحةِ فلا نَعلمُ أحدًا أوجَبَ فيها القِصاصَ، إلا ما رُويَ عن ابنِ الزبيرِ أنه أقادَ مِنْ المنقِّلةِ، وليسَ بثابتٍ عنه، وممَّن قالَ به عطاءٌ وقَتادةُ وابنُ شُبرمةَ و مالكٌ والشافِعيُّ وأصحابُ الرأيِ، وقالَ ابنُ المُنذرِ: لا أعلَمُ أحدًا خالَفَ ذلكَ، ولأنهُما جِراحتانِ لا تُؤمَنُ الزيادةُ فيهما، أشبَهَا المَأمومةَ والجائِفةَ (١).
التاسِعةُ: المَأمومةُ: وتُسمَّى الآمَّةَ، وهي التي قطَعَتِ العَظمَ وبلَغَتْ إلى قِشرةٍ رَقيقةٍ فوقَ الدماغِ.
وهذهِ ليسَ فيها قِصاصٌ إجماعًا، وفيها ثُلثُ الدِّيةِ إجماعًا؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ في حَديثِ عَمرِو بنِ حَزمٍ: «وفي المَأمومةِ ثلثُ الدِّيةِ ثَلاثٌ وثَلاثونَ مِنْ الإبلِ وثُلثٌ، أو قِيمتُها مِنْ الذَّهبِ أو الورِقِ أو البَقرِ أو الشَّاءِ» (٢).
قالَ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: وأجمَعوا أنَّ في المَأمومةِ ثُلثَ الدِّيةِ، وأجمَعوا أنْ لا قوَدَ في المَأمومةِ (٣).
(١) «المغني» (٨/ ٢٥٦).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٤٥٦٤)، والنسائي (٤٨٥٣).
(٣) «الإجماع» (٦٧٦، ٦٧٧).
وقالَ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: وأما المَأمومةُ فهي التي تَصلُ إلى الجِلدةِ التي للدِّماغِ، وتُسمَّى الآمَّةَ، ففيها ثلثُ الدِّيةِ إجماعًا (١).
وقالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: لا أعلَمُ أحَدًا قالَ: في المَأمومةِ قَودٌ، ولا في الجائِفةِ …
قالَ أبو عُمرَ: اتَّفق مالكٌ والشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ وأصحابُهم على أنه لا قِصاصَ في شَيءٍ مِنْ شِجاجِ الرأسِ إلا في الموضِحةِ وما عَداها مِنْ شِجاجِ الرأسِ ففيها الدِّيةُ، وقد مَضَى ما في المنقِّلةِ والهاشِمةِ.
واتَّفقوا على أنَّ في المَأمومةِ ثُلثَ الدِّيةِ، وكذلكَ في كتابِ النبيِّ ﷺ لعَمرِو بنِ حَزمٍ في الديَاتِ قالَ: «وفي المَأمومةِ ثُلثُ الدِّيةِ».
قالَ أبو عُمرَ: أهلُ العِراقِ يُسمُّونها الآمَّةَ، قالوا: هي التي تَؤمُّ الدماغَ، وفيها ثلثُ الدِّيةِ (٢).
العاشِرةُ: الدَّامِغةٌ: وهي التي تَخرقُ جِلدةَ الدماغِ وتَصلُ إليه، وقيلَ: لا يَعيشُ صاحبُها غالبًا.
ولم يَذكرْها فُقهاءُ الحَنفيةِ؛ لأنَّ الإنسانَ لا يَعيشُ معَها في الغالبِ، فلا معنَى لذِكرِها، ويكونُ حُكمُها حُكمَ القتلِ.
ولا قِصاصَ فيها اتِّفاقًا.
واختَلفُوا فيها هل تَجبُ فيها ديَةٌ كامِلةٌ؟ أم ثُلثُ الدِّيةِ؟ أم حُكومةٌ؟
(١) «الإفصاح» (٢/ ٢٣٨).
(٢) «الاستذكار» (٨/ ٩٦).
فعندَ بعضِ الشافِعيةِ: فيها الدِّيةُ كامِلةً؛ لأنَّ الإنسانَ لا يَعيشُ معَها غالبًا.
وعندَ الشافِعيةِ في المَذهبِ والحَنابلةِ في المَذهبِ: فيها ما في المَأمومةِ ثُلثُ الدِّيةِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإنْ خرَقَ جِلدةَ الدماغِ فهي الدامِغةُ، وفيها ما في المَأمومةِ، قالَ القاضي: لم يَذكرْ أصحابُنا الدامِغةَ؛ لمُساواتِها المَأمومةَ في أرشِها، وقيلَ: فيها في ذلكَ حُكومةٌ؛ لخَرقِ جِلدةِ الدِّماغِ، ويَحتملُ أنهُم تَرَكوا ذِكرَها لكَونِها لا يَسلمُ صاحبُها في الغالبِ (١).
وقالَ البَغويُّ رحمة الله عليه: والعاشِرةُ: الدامِغةُ، وهي التي تَخرقُ الخَريطةَ فتَصلُ إلى الدِّماغِ، فلا تُتصوَّرُ الحَياةُ بعدَه، فيَجبُ فيها كمالُ ديَةِ النَّفسِ (٢).
وقالَ الشِّيرازيُّ رحمة الله عليه: وأما الدامِغةُ فقدْ قالَ بعضُ أصحابِنا: يَجبُ فيها ما يَجبُ في المَأمومةِ.
وقالَ أقضَى القُضاةِ أبو الحَسنِ الماوَرديُّ البَصريُّ: يَجبُ عليهِ أرشُ المأمومةِ وحُكومةٌ؛ لأنَّ خرْقَ الجِلدِ جِنايةٌ بعدَ المأمومةِ، فوجَبَ لأجْلِها حُكومةٌ (٣).
(١) «المغني» (٨/ ٣٧٠).
(٢) «شرح السنة» (١٠/ ١٩٩).
(٣) «المهذب» (٢/ ١٩٩). ويُنظَر: «المبسوط» (٢٦/ ٧٣، ٧٤)، و «تحفة الفقهاء» (٣/ ١١١)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ٢٩٦، ٣٠٩)، و «الهداية» (٤/ ١٨٢، ١٨٣)، و «الاختيار» (٥/ ٥١، ٥٣)، و «تبيين الحقائق» (٦/ ١٣٢)، و «البحر الرائق» (١٠/ ٣٨٠)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٢٤٤، ٢٤٩)، و «اللباب» (٢/ ٢٦١، ٢٦٢)، و «الاستذكار» (٨/ ٩٦، ٩٩)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٢٣٤، ٢٣٧)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ١٤، ١٦)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ١٩٨، ٢٠١)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٢٣٨، ٢٤٢)، و «الكافي» (٥٩٩)، و «الحاوي الكبير» (١٢/ ١٤٩، ١٥١)، و «البيان» (١١/ ٣٦٠، ٣٦٣، ٥٠٥، ٥١١)، و «روضة الطالبين» (٦/ ١٩٣، ١٩٥)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٣٨٤، ٣٨٧)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٢٤٨، ٢٤٩)، و «نهاية المحتاج» (٧/ ٣٢٥، ٣٢٧)، و «الإفصاح» (٢/ ٢٣٥، ٢٣٨)، و «المغني» (٨/ ٣٦٨، ٣٧٠)، و «الكافي» (٤/ ٨٨، ٨٩)، و «شرح الزركشي» (٥/ ٥٦، ٥٧)، و «المبدع» (٩/ ٧، ٨)، و «الإنصاف» (١٠/ ١١٠، ١١١)، و «كشاف القناع» (٥/ ٦٥٩، ٦٦٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٦٩، ٧١)، و «منار السبيل» (٣/ ٢٧٧، ٢٨١).
ارجع إلى الجنايات والحدود للاطلاع على جميع الأبواب.