الإسلام > الحج والعمرة > واجبات الحج
مسائلُ فقهيةٌ في واجبات الحج على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 10 دقيقة قراءةواجباتُ الحَجِّ:
الواجبُ في الحَجِّ: هو ما يُطلَبُ فِعلُه ويَحرمُ تَركُه، لكنْ لا تَتوقَّفُ صِحةُ الحَجِّ عليه، ويَأثمُ تارِكُه، إلا إذا ترَكه لعُذرٍ مُعتبَرٍ شَرعًا، ويَجبُ عليه الفِداءُ بجَبرِ النَّقصِ.
وواجباتُ الحَجِّ قِسمانِ:
القِسمُ الأولُ: الواجباتُ الأصليَّةُ، التي ليست تابِعةً لغيرِها.
القِسمُ الآخَرُ: الواجباتُ التابِعةُ لغيرِها.
وهي أُمورٌ تَجبُ مُراعاتُها في أداءِ رُكنٍ أو واجبٍ من أعمالِ الحَجِّ.
أولاً: واجباتُ الحَجِّ الأصليَّةُ:
أولاً: المَبيتُ بمُزدَلفةَ:
للمُزدَلفةِ ثَلاثةُ أسماءٍ: مُزدَلفةٌ وجَمعُ والمَشعَرُ الحَرامُ، وقد اتَّفَق الأئمةُ الأربَعةُ على أنَّ المَبيتَ بمُزدَلفةَ واجبٌ وليس برُكنٍ، إلا الشافِعي في أحدِ قولَيه أنَّه سُنةٌ.
فلو ترَكه صحَّ حَجُّه، ويَجبُ بتَركِه الدَّمُ على قولِ الأئمةِ الأربَعةِ، وعلى أحدِ قولَيِ الشافِعيِّ لا يَجبُ بتَركِه دَمٌ؛ لأنَّه سُنةٌ، لكنَّ الصَّحيحَ عنه الأولُ.
قال الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: المَبيتُ بمُزدَلفةَ لَيلةَ النَّحرِ بعدَ الدَّفعِ من عَرفاتٍ نُسكٌ، وهذا مُجمَعٌ عليه، لكنِ اختلَف العُلماءُ هل هو واجبٌ أو رُكنٌ أو سُنةٌ، والصَّحيحُ من قولَيِ الشافِعيِّ أنَّه واجبٌ، لو ترَكه أثِمَ وصحَّ حَجُّه ولزِمه دَمٌ.
والآخَرُ أنَّه سُنةٌ لا إثمَ في تَركِه ولا يَجبُ فيه دَمٌ، ولكنْ يُستحبُّ.
وقال جَماعةٌ من أصحابِنا: هو رُكنٌ لا يَصحُّ الحَجُّ إلا به، كالوُقوفِ بعَرفاتٍ، قاله من أصحابِنا ابنُ بنتِ الشافِعيِّ وأبو بَكرٍ مُحمدُ بنُ إسحاقَ بنِ خُزَيمةَ، وقاله خَمسةٌ من أئمَّةِ التابِعينَ، وهُم عَلقَمةُ والأسوَدُ والشَّعبيُّ والنَّخعيُّ والحَسنُ البَصريُّ، واللهُ ﷾ أعلمُ (١).
ثم اختلَفوا في مِقدارِه ووقتِه:
فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ زَمنَ الوُقوفِ الواجبِ هو المُكثُ بالمُزدَلفةِ من اللَّيلِ، ثم اختلَف أصحابُ هذا الرَّأيِ:
فذهَب المالِكيةُ إلى أنَّ النُّزولَ بالمُزدَلفةِ قَدرَ حطِّ الرِّحالِ في لَيلةِ النَّحرِ واجبٌ، والمَبيتَ بها سُنةٌ، فلو مرَّ بها، ولم يَنزِلْ وجَب عليه دَمٌ.
وذهَب الشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّه يَجبُ الوُجودُ بمُزدَلفةَ بعدَ نصفِ اللَّيلِ، ولو ساعةً لطيفةً: أي فَترةً من الزَّمنِ ولو قَصيرةً.
فلو دفَع قبلَ نصفِ اللَّيلِ ولم يَعدْ إليها فقد ترَك المَبيتَ، ولو عادَ قبلَ طُلوعِ الفجرِ أجزَأه المَبيتُ ولا شيءَ عليه.
قال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: لأنَّ النَّبيَّ ﷺ باتَ بها وقال: «خُذوا عنِّي مَناسكَكم» (٢).
(١) «شرح مسلم» (٨/ ١١٥)، و «المجموع» (٨/ ١١٥، ١٣٠).
(٢) حَديثٌ صَحيحٌ: تقدَّم.
وإنَّما أُبيحَ الدَّفعُ بعدَ نصفِ اللَّيلِ بما ورَد من الرُّخصةِ فيه، رَوى ابنُ عَباسٍ: «كُنْتُ فيمَن قدَّم رَسولُ اللَّهِ ﷺ في ضَعَفةِ أهلِه من مُزدَلفةَ إلى منًى» (١)، ولِما رَوى عبدُ اللَّهِ مَولى أسماءَ رضي الله عنها عن أسماءَ: «أنَّها نزَلت لَيلةَ جَمعٍ عندَ المُزدَلفةِ فقامَت تُصَلِّي فصَلَّت ساعةً ثم قالت: يا بُنيَّ هل غابَ القَمرُ؟ قلتُ: لا. فصَلَّت ساعةً، ثم قالت: هل غابَ القَمرُ؟ قلتُ: نَعمْ. قالت: فارتَحِلوا. فارتَحلْنا ومضَينا حتى رَمتِ الجَمرةَ ثم رجَعت فصلَّت الصُّبحَ في مَنزِلها، فقلتُ لها: يا هَنتاهُ ما أُرانا إلا قَدْ غلَّسنا، قالت: يا بُنيَّ إنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ أذِن للظُّعُنِ» (٢) متَّفقٌ عليهما.
وعَن عائشةَ رضي الله عنها قالت: «أرسَل النَّبيُّ ﷺ بأمِّ سَلمةَ لَيلةَ النَّحرِ فرَمتِ الجَمرةَ قبلَ الفجرِ ثم مضَت فأفاضَت» (٣).
قال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فمَن دفَع من جَمعٍ قبلَ نصفِ اللَّيلِ ولم يَعدْ في اللَّيلِ فعليه دَمٌ، فإنْ عادَ فلا دَمَ عليه كالذي دفَع من عَرفةَ نَهارًا، ومَن لم يُوافِقْ مُزدَلفةَ إلا في النصفِ الأخيرِ من اللَّيلِ فلا شيءَ عليه؛ لأنَّه لم يُدرِكْ جُزءًا من النصفِ الأولِ، فلم يَتعلَّقْ به حُكمُه، كمَن أدرَك اللَّيلَ بعَرفاتٍ دونَ النَّهارِ، والمُستحبُّ الاقتِداءُ برَسولِ اللهِ ﷺ في المَبيتِ إلى أنْ يُصبِحَ ثم يَقفَ حتى يُسفرَ.
(١) رواه البخاري (١٦٧٨)، ومسلم (١٢٩٣).
(٢) رواه البخاري (١٥٩٥)، ومسلم (١٢٩١).
(٣) حَديثٌ ضَعيفٌ: رواه أبو داود (١٩٤٢)، والدار قطني (٢/ ٢٧٦)، والحاكم (١/ ٦٤١).
ولا بَأسَ بتَقديمِ الضَّعَفةِ والنِّساءِ، وممَّن كان يُقدِّمُ ضَعَفةَ أهلِه: عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ وعائشةُ، وبه قال عَطاءٌ والثَّوريُّ والشافِعيُّ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرَّأيِ، ولا نَعلمُ فيه مُخالِفًا، ولأنَّ فيه رِفقًا بهم ودَفعًا لمَشقَّةِ الزِّحامِ عنهم واقتِداءً بفِعلِ نَبيِّهم ﷺ (١).
وقال الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: السُّنةُ عندَنا أنْ يَبقى بمُزدَلفةَ حتى يَطلُعَ الفَجرُ إلا الضَّعَفةَ، فيُستحبُّ لهم الدَّفعُ قبلَ الفجرِ، فإنْ دفَع غيرُ الضَّعَفةِ قبلَ الفجرِ بعدَ نصفِ اللَّيلِ جازَ ولا دَمٌ، هذا مَذهبُنا وبه قال مالكٌ وأحمدُ.
وقال أبو حَنيفةَ: لا يَجوزُ الدَّفعُ قبلَ طُلوعِ الفجرِ، فإنْ دفَع قبلَ الفجرِ لزِمه دَمٌ (٢).
وذهَب الحَنفيةُ إلى أنَّ وقتَه وزَمانَه ما بينَ طُلوعِ الفجرِ يومَ النَّحرِ وطُلوعِ الشَّمسِ، فمَن حصَّل بمُزدَلفةَ في هذا الوقتِ فقد أدرَك الوُقوفَ، سَواءٌ باتَ بها أو لا، ومَن لم يُحصِّلْ بها فيه فقد فاتَه الوُقوفُ الواجبُ بالمُزدَلفةِ وعليه دَمٌ، إلا إنْ ترَكه لعُذرٍ، كزِحامٍ، فلا شيءَ عليه.
واتَّفَقوا على أنَّ الحاجَّ يَجمعُ بينَ المَغربِ والعِشاءِ في المُزدَلفةِ جَمعَ تَأخيرٍ، وهذا الجَمعُ سُنةٌ عندَ الجُمهورِ واجبٌ عندَ أبي حَنيفةَ (٣).
(١) «المغني» (٥/ ٣٣، ٣٤).
(٢) «المجموع» (٨/ ١٣١).
(٣) «بدائع الصنائع» (٣/ ٨١، ٨٣)، و «الهداية» (٢/ ٦٨، ١٧٣)، و «عمدة القاري» (١٠/ ١٧)، و «المسلك المتسقط» ص (١٤٣، ١٤٨)، و «رد المحتار» (٢/ ٥١٤)، و «شرح الرسالة مع حاشية العدوي» (١/ ٤٧٥)، و «مواهب الجليل» (٣/ ٨)، و «الشرح الصغير (٢/ ٣٦، ٣٧)، و «مختصر اختلَف العلماء» للطحاوي (٢/ ١٤٨)، و «الحاوي الكبير» (٤/ ١٧٧)، و «الإفصاح» (١/ ٥٣٦)، و «المجموع» (٨/ ١١٥، ١٣٠)، و «مغني المحتاج» (١/ ٤٩٨)، و «شرح العمدة» (٣/ ٦١١)، وما بعدَها، و «المغني» (٥/ ٢٦، ٣٣)، و «الإنصاف» (٤/ ٦٠).
ارجع إلى الحج والعمرة للاطلاع على جميع الأبواب.