الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > تفسير سورة الأحقاف
تفسيرُ سورةِ الأحقاف كاملةً من التفسير البسيط (الواحدي) (أبو الحسن الواحدي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 74 دقيقة قراءة﴿ حم ﴾ الآيات نظم ابتداء هذه السورة كنظم ابتداء سورة الجاثية وقد ذكرنا ما فيه.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: لم نخلقهما باطلا عبثًا لغير شيء، ما خلقناهما إلا للثواب والعقاب (١) قوله تعالى: ﴿ وَأَجَلٍ مُسَمًّى ﴾ قال المفسرون: يعني يوم القيامة، وهو الأجل الذي تنتهي إليه السموات والأرض، وهذا إشارة إلى فنائها وانقضاء أمرها (٢) ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ ﴾ خوفوا به في القرآن معرضون أي: لم يتعظوا بالقرآن (٣) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 15، ونسبه في "الوسيط" لابن عباس.
انظر: 4/ 102.
(٢) انظر: "تفسير الماودي" 5/ 271، و"البغوي" 7/ 251، و"القرطبي" 16/ 178.
(٣) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 2/ 1، و"تفسير البغوي" 7/ 251.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ ﴾ وهي مفسَّرة في سورة فاطر [آية: 40] إلى قوله: ﴿ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا ﴾ أي: ائتوني بكتاب من قبل القرآن فيه برهان ما تدعون من عبادة الأصنام ﴿ أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ ﴾ ، قال أبو عبيدة: أي بقية، ويقال: ناقة ذات أثارة، أي بقية من شحم (١) (٢) (٣) قال ابن قتيبة: أي بقية علم عن الأولين (٤) (٥) (٦) وقال المبرد: أثارة ما يؤثر من علم، كقولك: هذا حديث يؤثرُ عن فلان، ومن ثَمَّ سميت الأخبار الآثار، يقال: في الأثر كذا وكذا، قال: وقالوا في الأثارة: الشيء الحسن البهي في العين، يقال للناقة: ذات أثارة، إذا كانت ممتلئة تروق العين، يقال: أثرة وأثارة على فَعَلة وفَعَالة، فهذا ما ذكره علماء اللغة في تفسير هذا الحرف (٧) الأول: البقية، واشتقاقه من: أَثَرْثُ الشيء أُثِيره إِثَارَة، كأنها بقية تستخرج فتثار، وهو قول الحسن (٨) الثاني: من الأثر الذي هو الرواية (٩) إنَّ الذي فيه تَمَارَيْتُمَا ...
بُيِّنَ للسَّامِع والأَثِرِ (١٠) الثالث: من الأثر بمعنى العلامة (١١) (١٢) -.
وقال مقاتل: أو رواية من علم عن الأنبياء أن لله شريكًا (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) استأثَرَ اللهُ بالوَفَاءِ وبـ ...
الحَمْدِ وولَّى الملامَةَ الرَّجُلا (١٨) ويقال لفلان: أثرة بكذا أو أثارة، أي اختصاص، ويؤكد ما قلناه قراءة السلمي والحسن (أو أَثَرةٍ من علم) (١٩) (٢٠) ﴿ أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ ﴾ قال: هو علم الخط (٢١) وروي عن النبي - - أنه قال: "قد كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه، عَلِمَ عِلْمَه" (٢٢) (١) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 212.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 50.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 438.
(٤) انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 407.
(٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 50.
(٦) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 438.
(٧) انظر: "تهذيب اللغة" (أثر) 15/ 119، و"الصحاح" (أثر) 2/ 574، و"اللسان" (أثر) 4/ 5.
(٨) أخرج ذلك الطبري عن الحسن.
انظر: "تفسيره" 13/ 3/2، و"تفسير الحسن البصري" 2/ 281، و"زاد المسير" 7/ 369.
(٩) أخرج ذلك الطبري عن مجاهد.
انظر: تفسيره 13/ 3/2، و"تفسير مجاهد" ص 602، و"تفسير الماوردي" 5/ 271.
(١٠) انظر: "ديوانه" ص 92، و"اللسان" (أثر) 4/ 6، و"تفسير الثعلبي" 10/ 106 ب، و"الدر المصون" 6/ 135.
(١١) وهذا قول الزجاج، انظر: "معاني القرآن" 4/ 438، و"زاد المسير" 7/ 369.
(١٢) كذا رسمها في الأصل ولعل الصواب (هذه المعاني).
(١٣) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 15، ونسبه في "الوسيط" لعطاء.
انظر: 4/ 103.
(١٤) أخرج الطبري عن مجاهد بلفظ: (أحد يأثر علمًا) 13/ 2/ 3، وذكر الماوردي عن عكرمة ميراث من علم 5/ 271، وذكر الثعلبي قول القرظي بلفظ: الإسناد 10/ 106 ب، وذكره أيضًا القرطبي 16/ 182.
(١٥) انظر: "تنوير المقباس" ص 502.
(١٦) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 3/ 2، و"الماوردي" 5/ 271، و"القرطبي" 16/ 182.
(١٧) انظر: "تهذيب اللغة" (أثر) 15/ 122، و"اللسان" (أثر) 4/ 8، و"معاني القرآن" للنحاس 6/ 440.
(١٨) انظر: "شرح المعلقات العشر" ص 137، و"اللسان" (أثر) 4/ 8.
(١٩) ذكره هذه القراءة الكلبي في "تفسير" 10/ 106 ب، والماوردي في "تفسيره" 5/ 271، والقرطبي في "الجامع" 16/ 182، وأبو حيان في "البحر المحيط" 8/ 55، وهي بفتح الهمزة والثاء.
(٢٠) هو: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف.
(٢١) أخرج ذلك الحاكم عن أبي سلمة عن ابن عباس، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
انظر: "المستدرك" التفسير 2/ 454.
كما أخرج رواية الشعبي عن ابن عباس وقال: هذه زيادة عن ابن عباس في قوله -عز وجل- غريبة في هذا الحديث، وسكت عنه الذهبي 2/ 454.
(٢٢) أخرج مسلم في "صحيحه" عن معاوية بن الحكم السلمي في حديث طويل، وفيه قال: قلت: ومنا رجال يخطون قال: "كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك"، انظر: "صحيح مسلم" كتاب المساجد، باب 7، تحريم الكلام في الصلاة ..
1/ 381، وفي كتاب السلام، باب 35، تحريم الكهانة وإتيان الكهان == 2/ 1749، كما أخرجه الإمام أحمد في "المسند" 5/ 447، والنسائي في "السنن" كتاب السهو، باب 20، الكلام في الصلاة 3/ 14، وأبو داود في "السنن" كتاب الطب، باب 23، في الخط وزجر الطير 4/ 229.
<div class="verse-tafsir"
ثم ذكر ضلالة هؤلاء.
فقال: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ ﴾ إلى قوله: ﴿ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ ﴾ قال ابن عباس: لا يثيبه ولا يرزقه إلى يوم القيامة (١) (٢) (١) لم أقف عليه.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 16.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ﴾ ، وهذا كقوله: ﴿ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ﴾ وقد مر.
قال ابن عباس: يريد الملائكة وعيسى وعزير وكل ما عبد من دون الله أعداء لمن عبدهم (١) ﴿ وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ﴾ ؛ لأنهم يقولون: ما دعوناهم إلى عبادتنا وتبرؤوا من عبادتهم كما قال: ﴿ تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ ﴾ .
(١) لم أقف عليه.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ﴾ وذلك أن كفار مكة قالوا: ما هذا القرآن إلا شيء ابتدعته من تلقاء نفسك فقال الله: ﴿ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ﴾ .
قال مقاتل: لا تقدروا لحى أن تردوا عني عذابه (١) ﴿ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ﴾ ومثله في التنزيل كثير.
وقال ابن عباس: لا تمنعونني من الله (٢) ﴿ هُوَ ﴾ أي: الله ﴿ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ أي: بما تقولون في القرآن وتخوضون فيه من التكذيب به، والقول فيه أنه سحر وكهانة، قاله المفسرون (٣) (٤) ﴿ إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ وقد مر.
﴿ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ قال مقاتل: يعني فلا شاهد أفضل من الله بيني وبينكم أن القرآن جاء من الله ﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ في تأخير العذاب عنكم حين لا يعجل عليكم بالعقوبة (٥) وقال ابن عباس: يريد لأوليائه وأهل طاعته (٦) وقال أبو إسحاق: معنى الغفور الرحيم هاهنا دعاهم إلى التوبة، معناه: أن من أتى من الكبائر العظام بمثل ما أتيتم به من الافتراء على الله (٧) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 16.
(٢) لم أقف عليه (٣) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 2/ 5، و"زاد المسير" 7/ 371، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 184، و"تفسير الوسيط" 4/ 104.
(٤) انظر: اللسان (خوض) 7/ 147.
(٥) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 16، 17.
(٦) لم أقف عليه.
(٧) نص العبارة عند الزجاج: (من افتراء على الله جل وعلا ثم تاب فإن الله غفور رحيم) 4/ 439.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ ﴾ قال أبو عبيدة: أي ما كنت أولهم (١) (٢) (٣) (٤) فَلاَ أنا بِدْعٌ مِنْ حَوَادِثَ تَعْتَرِي ...
رِجالاً عَرَتْ مِنْ بَعْدِ بُؤْسَى وأسْعُدِ (٥) وقال الكسائي: رجل بدع وامرأة بدعة، وامرأتان بدعتان، ونساء بدع، بكسر الباء وفتح الدال، وأبداع (٦) قال المفسرون: ما أنا بأول رسول بعث، قد أرسل قبلي رسل كثيرون (٧) قال مقاتل: وهذا جواب لقولهم أما وجد الله نبيًّا غيرك (٨) قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ ﴾ روي عن ابن عباس في هذا قولان قال في رواية عطاء: لما نزلت هذه الآية فرح المشركون واليهود والمنافقون فقالوا كيف نتبع نبيًا لا يدري ما يُفعلُ به ولا بنا، فأنزل الله تعالى ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ﴾ الآيات إلى قوله (٩) ﴿ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ فبين الله ما يفعل به وبمن اتبعه من المؤمنين، ونسخت هذه الآية، وأرغم الله أنف المنافقين والمشركين واليهود، ورحم النبي - - والمؤمنين، وقال قتادة في هذه الآية: نسختها ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ وهذا قول أنس وعكرمة (١٠) وقال في رواية الكلبي: لما اشتد البلاء بأصحاب رسول الله - - بمكة رأى في المنام أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وشجر وماء فقصَّها على أصحابه فاستبشروا بذلك ورأوا فيها فرجًا مما هم فيه من أذى المشركين، ثم إنهم مكثوا برهة لا يرون ذلك فقالوا: يا رسول الله ما رأينا الذي قلت ومتى نهاجر (١١) - وأنزل الله ﴿ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ ﴾ يعني: لا أدري أخرج إلى الموضع الذي أُرِيتهُ في منامي أم لا، ثم قال لهم: إنما هو شيء أريته في منامي، ما أتبع إلا ما يوحى إلى، يقول: لم يوح إلى ما أخبرتكم، وعلى هذا لا نسخ في الآية، وهذا القول اختيار الفراء (١٢) (١٣) وروى أبو بكر الهذلي عن الحسن: في هذه الآية قال: أما في الآخرة فمعاذ الله أن لا يدري ما يفعل به، قد علم أنه في الجنة، ولكنه يخاطب بهذا المشركين، يقول: لا أدري ما يفعل بي في الدنيا، أموت أم أقتل كما قتلت الأنبياء قبلي (١٤) ﴿ وَلَا بِكُمْ ﴾ أيها المكذبون أترمون بالحجارة من السما أم يخسف بكم أم أيش يفعل بكم مما فعل بالأمم المكذبة.
قوله تعالى: ﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد ما أبلغكم إلا ما بعثني الله به إليكم (١٥) (١٦) ﴿ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ قال ابن عباس: أنذركم عذاب الله وأبين لكم ما يبعدكم من الله ويقربكم إلى الله (١٧) (١) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 212.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 50.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 439.
(٤) انظر: الصحاح (بدع) 3/ 1183، و"اللسان" (بدع) 8/ 6، و"إعراب القرآن" للنحاس 4/ 160.
(٥) استشهد بهذا البيت الطبري 13/ 2/ 6، وابن عطية 15/ 13، والقرطبي 16/ 185، وأبو حيان 8/ 56، وفي "شعراء النصرانية" ص 465، و"المفضليات" 829.
(٦) انظر: قول الكسائي في اللسان (بدع) 8/ 7.
(٧) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 2/ 6، و"تفسير الماوردي" 5/ 272، و"تفسير البغوي" 7/ 252، و"تغليق التعليق" 4/ 311.
(٨) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 17.
(٩) ذكر الطبري رواية عن ابن عباس نحو هذا المعنى وأخصر منه.
انظر: 13/ 7/2.
(١٠) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 2/ 7، و"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" ص 356، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 185.
(١١) انظر: "تفسير أبي الليث السمرقندي" 3/ 230.
(١٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 50 - 51.
(١٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 439، وقال مكي: فأما من قال معناه: وما == أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدنيا من تقلب الأحوال فيها، فالآية عنده محكمة، انظر: "الإيضاح" لمكي ص 356.
(١٤) أخرج ذلك الطبري عن الحسن ورجحه.
انظر: "تفسيره" 13/ 2/ 7، وأخرجه أيضًا النحاس عن الحسن، ورجحه.
انظر: "الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 628، ورجحه أيضًا ابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ص 464، ورجحه أيضًا ابن كثير في "تفسيره" 6/ 277.
(١٥) لم أقف عليه.
(١٦) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 17.
(١٧) لم أقف عليه.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ ﴾ قال صاحب النظم: يقال: إن قوله (أرأيتم) نظم وضع للسؤال والاستفتاء وقيل للتنبيه، فلذلك لا يقتضي مفعولاً كما قال: ﴿ أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ﴾ وقد تقدَّم الكلام في هذا.
وقال أبو علي: الاستفهام الذي يقع موقعَ المفعول الثاني محذوف الكلام بالمفعول الأول، وكان التقدير: أتأمنون عقوبة الله أو ألا تخشون انتقامه (١) ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ ﴾ ، وقوله.
﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ ﴾ فالاستفهام في الآيتين هو المفعول الثاني لأرأيتم؛ لأنه بمعنى أخبروني، هذا هو الكلام وليس ما ذكره صاحب النظم بشيء.
قوله: ﴿ إِنْ كَانَ ﴾ يعني القرآن ﴿ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ ﴾ وقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد عبد الله بن سلام، ونحو هذا روى الكلبي عنه أنه الشاهد من بني إسرائيل عبد الله بن سلام، وهو قول مجاهد وقتادة ومقاتل والضحاك وابن زيد والحسن (٢) ويؤكد ذلك ما روي في حديث مقتل عثمان أن عبد الله أتاه لينصره فخرج إلى الناس وقال: إنه قد نزل في آيات من كتاب الله نزلت فيَّ، وشهد من بني إسرائيل على مثله (٣) قوله: ﴿ عَلَى مِثْلِهِ ﴾ قال ابن عباس: يريد على ما جئتكم به (٤) (٥) ﴿ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ ﴾ وتأويله: وشهد شاهد من بني إسرائيل عليه، أي على أنه من عند الله، وقال أبو إسحاق: الأجود أن يكون (على مثله) على مثل شهادة النبي - - (٦) قوله: (فَآمَنَ) يعني الشاهد وهو ابن سلام ﴿ وَاسْتَكْبَرْتُمْ ﴾ عن الإيمان فلم تؤمنوا، واختلفوا في تقدير جواب قوله: (إن كان من عند الله) فقال صاحب النظم: جوابه محذوف على تقدير: أليس قد ظلمتم (٧) ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ دليلاً على هذا الجواب.
وقال الزجاج: تقديره: فآمن واستكبرتم أتؤمنون (٨) (٩) (١٠) - بعامين، وآل ﴿ حم ﴾ نزل بمكة (١١) (١٢) وقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ قال ابن عباس: يريد قريظة والنضير (١٣) (١٤) ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ أي: قد جعل جزاءهم على كفرهم بعد ما تبين لهم الهدى، مَدَّهم في الضلالة (١٥) (١) انظر: "المسائل الحلبيات" لأبي علي ص 77.
(٢) انظر: أقوال هؤلاء في "تفسير الطبري" 13/ 2/ 10، 11، و"تفسير الماوردي" 5/ 273، و"تفسير مقاتل" 4/ 17، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 188، و"تنوير المقباس" ص 503، و"البحر المحيط" 8/ 57.
(٣) أخرج ذلك الترمذي في كتاب التفسير باب 47، ومن سورة الأحقاف 5/ 381.
وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب.
(٤) لم أقف عليه.
(٥) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 189، و"تفسير الوسيط" 4/ 104.
(٦) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 440.
(٧) انظر: "التبيان في إعراب القرآن" للعكبري 2/ 1155، و"زاد المسير" 7/ 374، و"تفسير الوسيط" 4/ 105.
(٨) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 440.
(٩) ذكر ذلك الماوردي في تفسيره ونسبه لمذكور 5/ 274، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 374، وذكره أبو حيان في البحر المحيط 8/ 57.
(١٠) ذكر ذلك الماوردي في تفسيره 5/ 274، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 374، وأبو حيان 8/ 57، والمؤلف في "الوسيط" 4/ 105.
(١١) أخرج ذلك الطبري عن الشعبي ومسروق.
انظر: "تفسيره" 13/ 2/ 9، وذكره الماوردي في "تفسيره" 5/ 273، والبغوي في "تفسيره" 7/ 255.
وهذا هو الوجه الذي رجحه ابن جرير الطبري قال: والصواب من القول في ذلك عندنا أن الذي قاله مسروق في تأويل ذلك أشبه بظاهر التنزيل لأن قوله ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ ﴾ في سياق توبيخ الله تعالى ذكره مشركي قريش واحتجاجًا عليهم لنبيه - - وهذه الآية نظيرة سائر الآيات قبلها، ولم يجر لأهل الكتاب ولا لليهود قبل ذلك ذكر فتوجه هذه الآية أنها نزلت فيهم ..
13/ 2/ 12.
(١٢) انظر: "معاني القرآن" للنحاس 6/ 444، وتفسير الفخر الرازي 28/ 10، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 188.
(١٣) لم أقف عليه.
(١٤) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 19.
(١٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 440.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يعني من كفر من اليهود للذين آمنوا، يعني ابن سلام وأصحابه، وهذا قول السدي وقال في رواية الكلبي (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) وقال مقاتل: الذين كفروا قريش، والذين آمنوا أصحاب محمد - - (٧) وقال الحسن: كانت غفار وأسلم أهل سلة في الجاهلية، أي سرقة، فلما أسلموا قالت قريش: لو كان خيرًا ما سبقونا إليه (٨) وذكر صاحب النظم في اللام في قوله: ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ وجهين: أحدهما أن تكون اللام بمنزلة الإيماء إليهم، كأنه يقول: وقال الذين كفروا لو كان هذا الذي جاء به محمد خيرًا لما سبقنا هؤلاء إليه، فقام قوله: (للذين آمنوا) مقام هؤلاء بالتفسير لهم مَن هم، والوجه الآخر: أن يكون المعنى: وقال الذين كفروا للذين آمنوا على المخاطبة كما تقول: قال زيد لعمرو، ثم ترك المخاطبة (٩) ﴿ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ ﴾ قوله: ﴿ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ ﴾ أي: ولما لم يصيبوا الهداية بالقرآن فسينسبونه إلى الكذب وهو قوله: ﴿ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ أي: أساطير الأولين.
ويدل على أن المراد بقوله: (الذين كفروا) اليهود قوله: ﴿ وَمِنْ قَبْلِهِ ﴾ يعني قبل: القرآن ﴿ كِتَابُ مُوسَى ﴾ يريد التوراة ﴿ إِمَامًا ﴾ يقتدى به ﴿ وَرَحْمَةً ﴾ من الله عز وجل للناظر فيه بما يجد من نور الهدى، وفي الكلام محذوف به يتم المعنى على تقدير: فلم يهتدوا به، ودل على هذا المحذوف قوله في الآية الأولى: ﴿ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ ﴾ (١٠) - والإيمان به فتركوا ذلك، وهذا معنى قول مقاتل؛ لأنه قال: ومن قبل هذا القرآن قد كذبوا بالتوراة لقولهم (١١) ﴿ إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ ﴾ .
قال أبو إسحاق: (إمامًا) منصوب على الحال ورحمةً عطف عليه (١٢) (١٣) ﴿ وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ ﴾ قال المفسرون: للكتب التي قبله (١٤) قال أبو إسحاق: مصدق لما بين يديه، كما قال: ﴿ كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ وحذف هاهنا التقدم (١٥) (١) ذكر ذلك الثعلبي في تفسيره 10/ 109 ب، والبغوي في تفسيره 7/ 256، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 375، والقرطبي في "الجامع" 16/ 190.
(٢) هو: بنو أسد بن خزيمة: قبيلة عظيمة من العدنانية تنتسب إلى أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار، وهي ذات بطون كثيرة منازلهم كانت بلادهم فيما يلي الكرخ من أرض نجد وفي مجاورة طي.
انظر: "نهاية الأرب" للقلقشندي ص 47، و"معجم قبائل العرب" لكحالة 1/ 21.
(٣) هم: بنو غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مضر بطن عظيم متسع كثير الشعوب والأفخاد وقد حاربهم رسول الله - - في غزوة الخندق وهي الأحزاب.
انظر: "جمهرة أنساب العرب" لابن حزم ص 248، و"معجم قبائل العرب" 3/ 888.
(٤) هم: بنو جهينة بن زيد بن ليث بن سويد بن أسلم حي عظيم من قضاعة من القحطانية كانت مساكنهم ما بين الينبع ويثرب قاتلوا مع خالد بن الوليد في فتح مكة وقاتلوا في غزوة حنين.
انظر: "جمهرة أنساب العرب" ص 444، و"معجم قبائل العرب" 1/ 216.
(٥) هم: بنو عمرو بن أد عثمان وأوس، وأمهما مزينة بنت كلب بن وبرة، فنسب ولدها إليها، كانت مساكن مزينة بين المدينة ووادي القرى.
انظر: "جمهرة أنساب العرب" ص 201، و"معجم قبائل العرب" 3/ 1083.
(٦) ذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" 10/ 109 ب، والماوردي في "تفسيره" 5/ 274، وانظر: "تنوير المقباس" ص 503.
(٧) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 19.
(٨) لم أقف عليه.
(٩) ذكر السمين الحلبي في "الدر المصون" أن اللام يجوز أن تكون لام العلة أي لأجلهم، وأن تكون للتبليغ.
انظر: "الدر المصون" 6/ 137.
(١٠) ذكر ذلك البغوي في تفسيره / 256، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 376، والقرطبي في "الجامع" 16/ 191، والمؤلف في "تفسير الوسيط" 4/ 105.
(١١) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 19.
(١٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 440.
(١٣) انظر: "القطع والائتناف" للنحاس ص 661، و"المكتفى" للداني ص 521.
(١٤) انظر: "تفسير البغوي" 7/ 256، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 191.
(١٥) الذي في "معاني القرآن" للزجاج: (وحذف له هاهنا أعني من قوله: "وهذا كتاب مصدق" لأن قبله ومن قبله كتاب موسى، فالمعنى وهذا كتاب مصدق له، أي مصدق التوراة) 4/ 441.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى ﴾ والمعنى: وهذا كتاب مصدق له أي لكتاب موسى، فحذف للعلم به، و ﴿ لِسَانًا عَرَبِيًّا ﴾ منصوب على الحال، المعنى: مصدق لما بين يديه عربيًّا، وذكر (لسانًا) توكيد كما تقول: جاءني زيد رجلاً صالحًا، فتذكر رجلاً توكيدًا، قال وفيه وجه آخر وهو: وهذا كتاب مصدق النبي - - فيكون التقدير مصدق ذا لسان عربي (١) (٢) قوله: ﴿ لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ ﴾ قال ابن عباس: أشركوا (٣) (٤) وفي قوله (لينذر) قراءتان (٥) ﴿ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا ﴾ و ﴿ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾ ﴿ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ والياء لتقدم ذكر الكتاب، فأسند الإنذار إلى الكتاب كما أسند إلى الرسول - - في قوله: ﴿ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ﴾ ، ﴿ قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا ﴾ .
وقوله: ﴿ وَبُشْرَى ﴾ ، قال إسحاق: الأجود أن يكون (وبشرى) في موضع رفع، المعنى: وهو بشرى للمحسنين.
قال: ويجوز أن يكون في موضع نصب على معنى: لتنذر الذين ظلموا وتبشر المحسنين بشرى (٦) (٧) قوله تعالى: ﴿ لِلْمُحْسِنِينَ ﴾ قال عطاء والكلبي (٨) (٩) (١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 441.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 693.
(٣) انظر: "تنوير المقباس" ص 503.
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 19.
(٥) قرأ ابن نافع وابن عامر والبزي بالتاء، وقرأ الباقون بالياء.
انظر: "الكشف عن وجوه القراءات" لمكي 2/ 271، و"حجة القراءات" لابن زنجلة ص 662.
(٦) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 441.
(٧) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 52، والكشف والبيان للثعلبي 10/ 110 أ.
(٨) انظر: "تنوير المقباس" ص 503.
(٩) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 19.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾ روى الأسود بن هلال (١) (٢) (٣) (١) هو: الأسود بن هلال المحاربي كوفي قتل في الجماجم سنة نيف وثمانين، وقيل: أدرك الجاهلية وحديثه عن الصحابة في الصحيحين وغيرهما عن معاذ بن جبل.
انظر: "أسد الغابة" 1/ 88، و"الإصابة" 1/ 105.
(٢) أخرج ذلك الطبري في "تفسيره" 12/ 2/ 15، وذكره القرطبي في "الجامع" 15/ 358.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 19، 20.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ ﴾ قد تقدَّم الكلامُ في نظير هذه الآية في سورة العنكبوت [آية: 30] ولقمان [آية: 14].
قوله: ﴿ إِحْسَانًا ﴾ قال مقاتل: برًّا (١) ﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ لم يختلفوا فيه، وانتصابه على المصدر، وذلك أن معنى قوله (ووصينا الإنسان): أمرناه بالإحسان أي ليأت الإحسان إليهما دون الإساءة، ولا يجوز أن يكون انتصابه بوصينا؛ لأن وصينا قد استوفى مفعوليه أحدهما: الإنسان، والآخر: المتعلق بالباء، ومن قال (حُسْنًا) كان المعنى ليأت في أمرهما أمرًا ذا حسن أي: ليأت الحسن في شأنهما دون القبح، وحجته ما في العنكبوت ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ﴾ لم يختلف فيه، فأما الباء في قوله: ﴿ بِوَالِدَيْهِ ﴾ فإنها تتعلق بوصينا بدلالة قوله: ﴿ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ ﴾ ويجوز أن تتعلق بالإحسان، يدل على ذلك قوله: ﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي ﴾ وعلى هذا تعلقها بمضمر يفسره الإحسان؛ لأنه يجوز تقدمها على الموصول، ولكن يضمر ما يتعلق به، ويجعل الإحسان مفسرًا لذلك المضمر، كأنه قيل: ووصينا الإنسان أن يحسن بوالديه، ومثل هذا قول الراجز: كان جَزَائِي بالعَصا أَنْ أُجْلَدَا (٢) في قول من علق الباء بالجلد، ولم يعلقه بالجزاء (٣) ﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ﴾ وقرئ (كَرْهًا) (٤) ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ﴾ فهذا (٥) ﴿ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ﴾ فهذا في موضع حال، ولم تقرأ بغير الفتح، فما كان مصدرًا أو في موضع الحال فالفتح فيه أحسن، وما كان اسمًا نحو: ذهب به على كُرهٍ، كان الضم فيه أحسن، وقد قيل إنهما لغتان، فمن ذهب إلى ذلك جعلهما مثل الشَّرْبِ والشُّرْب، والضَّعف والضُّعف، والفَقْر والفُقْر، ومن غير المصادر الدَّفُّ والدُّف، والشَّهْد والشُّهْد (٦) قال المفسرون: حملته أمه في مشقة ووضعته في مشقة (٧) ﴿ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا ﴾ يريد ابتداء الحمل، فإنها تحمل علقة ومضغة، فإذا ثقلت حينئذ حملته كرهًا، يدل على ما ذكرنا قول ابن عباس في هذه الآية: يريد ثقل عليها يعني الولد في حملها إياه، ووضعته كرها، يريد شدة الطلق (٨) قوله تعالى: ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ﴾ يريد أن مدة حمله إلى أن فصل من الرضاع كانت هذا القدر، والمعنى: أنهما يقعان في ثلاثين شهرًا من ابتداء الحمل إلى أن يفصل.
روى مسلم بن صبيح عن ابن عباس قال: حملته ستة أشهر والفصال حولين، وروى عكرمة عنه قال: إذا حملت تسعة أشهر أرضعته إحدى وعشرين شهرًا، وإذا حملته ستة أشهر أرضعته أربعة وعشرين شهرًا (٩) وهذه الآية نازلة في أبي بكر الصديق (١٠) (١١) ﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ ﴾ ، إلى آخر الآية، وقد علمنا أن كثيرًا ممن بلغ هذا المبلغ من المؤمنين وغيرهم لم يكن منه هذا القول، فثبت بذلك أن هذا في إنسان بعينه وهو الصديق (١٢) قال الأزهري المعنى: ومَدَى الحَمْل للمرأة منتهى الوقت الذي يفصل فيه الولد عن رضاعه ثلاثون شهرًا (١٣) قوله تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ ﴾ اختلفوا في معنى بلوغ الأشد هاهنا فروى عطاء عن ابن عباس قال: يريد ثمان عشرة سنة، وذلك أن أبا بكر صحب رسول الله - - وهو ابن ثمان عشرة سنة والنبي - - ابن عشرين سنة وهم يريدون الشام في التجارة فنزلوا منزلا فيه سدرة فقعد رسول الله - - في ظلها ومضى أبو بكر إلى راهب هناك يسأله من الدين فقال له: مَنْ الرجل الذي في ظل السدرة؟
فقال: ذاك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، قال: هذا والله نبي، وما استظل تحتها أحد بعد عيسى بن مريم إلا محمد نبي الله، فوقع في قلب أبي بكر اليقين والتصديق، وكان لا يكاد يفارق رسول الله - - في أسفاره وحضوره فلما نبىء رسول الله - - وهو ابن أربعين سنة وأبو بكر ابن ثمان وثلاثين سنة فأسلم وصدق رسول الله - - فلما بلغ أربعين سنة قال: ﴿ رَبِّ أَوْزِعْنِي ﴾ (١٤) وروى مجالد عن الشعبي قال: الأشد بلوغ الحلم، إذا كتبت له الحسنات وكتبت عليه السيئات (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ ﴾ فبعض ذا قريب من بعض، فهذا سبيل كلام العرب (٢٠) قوله: ﴿ قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي ﴾ قال ابن عباس: دعا ربه فقال: اللهم ألهمني (٢١) ﴿ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ ﴾ يريد: هديتني وجعلتني مؤمنًا صديقًا، لا أشرك بك شيئًا.
قوله تعالى: ﴿ وَعَلَى وَالِدَيَّ ﴾ عن علي أنه قال: هذه الآية في أبي بكر أسلم أبواه جميعًا، ولم يجتمع لأحد من الصحابة المهاجرين أبواه غيره، أوصاه الله بهما ولزم ذلك من بعده (٢٢) قال المفسرون: ووالداه أبو قحافة عثمان بن عمرو، وأم الخير بنت صخر بن عمرو (٢٣) وقوله: ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ﴾ قال ابن عباس: فأجابه الله تعالى فأعتق تسعة من المؤمنين يعذبون في الله منهم: بلال، وعامر بن فهيرة، ولم يَدَع شيئًا من الخير إلا أعانه الله عليه.
وقوله: ﴿ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ﴾ قال أبو إسحاق: معناه: اجعل ذريتي صالحين (٢٤) قال ابن عباس: فلم يبق له ولد ولا والد ولا والدة إلا آمنوا بالله وحده (٢٥) (٢٦) قال المفسرون: ولم يكن أحد من الصحابة أسلم هو ووالده وبنوه وبناته إلا أبو بكر (٢٧) قال مقاتل: ثم قال أبو بكر: ﴿ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ ﴾ من الشرك ﴿ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ يعني المخلصين بالتوحيد (٢٨) (٢٩) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 19، 20.
(٢) الرجز للعجاج.
انظر: "المحتسب" 2/ 310، و"شرح الأبيات المشكلة الإعراب" لأبي علي ص 119، و"الحجة" 6/ 182.
(٣) انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 182.
(٤) وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبو عمرو.
انظر: "الحجة" 6/ 184.
(٥) فيه زيادة لفظ (بالضم).
انظر: "الحجة" 6/ 184.
(٦) انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 184.
(٧) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 2/ 15، و"تفسير الماوردي" 5/ 276، و"تفسير ابن كثير" 6/ 280.
(٨) ذكر ذلك في "الوسيط" عن ابن عباس، انظر: 4/ 107.
(٩) ذكر ذلك البغوي في "تفسيره" 7/ 257، وأخرجه ابن كثير في "تفسيره" عن عكرمة عن ابن عباس 6/ 281.
(١٠) أورد ذلك المؤلف في "أسباب النزول" بدون سند ص 401، وذكره الثعلبي في تفسيره 10/ 110 ب، وكذلك ذكره البغوي في "تفسيره" 7/ 257، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 378.
(١١) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 20.
(١٢) وهو الذي ورد في سبب نزول الآية كما سبقت الإشارة إليه، وقد ذكر السيوطي في "الدر" أنه أخرجه ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ما.
انظر: "الدر المنثور" 7/ 441.
(١٣) انظر: "تهذيب اللغة" (فصل) 12/ 193.
(١٤) ذكر ذلك المؤلف في "أسباب النزول" ص 401، وأورده البغوي في "تفسيره" 7/ 257، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 378، وقال رواه عطاء عن ابن عباس، وذكره القرطبي في "الجامع" 16/ 194.
(١٥) أخرج ذلك الطبري في تفسيره 13/ 2/ 16، وذكره الماوردي ونسبه للشعبي 5/ 276.
(١٦) ذكر ذلك الماوردي في "تفسيره" 5/ 277، والقرطبي في "الجامع" 16/ 194 عن الحسن.
(١٧) أخرج ذلك الطبري عن مجاهد وقتادة، انظر: "تفسيره" 13/ 2/ 16، وانظر: "تفسير مقاتل" 4/ 20، ونص العبارة عنده: فهو في القوة والشدة من ثماني عثرة إلى الأربعين سنة.
(١٨) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 52.
(١٩) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 442.
(٢٠) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 52.
(٢١) انظر: "تفسير البغوي" 7/ 25، و"ابن كثير" 6/ 282 فقد ذكرا المعني من غير نسبة.
(٢٢) أخرج ذلك الثعلبي في "تفسيره" عن علي 10/ 110 ب، وذكره البغوي في "تفسيره" 7/ 257، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 378، من غير نسبة، ونسبه القرطبي لعلي.
انظر: 16/ 194، وكذلك نسبه في "الوسيط" لعلي.
انظر: 4/ 107.
(٢٣) ذكر ذلك البغوي في تفسيره 7/ 257، والقرطبي في "الجامع" 16/ 194.
(٢٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 442.
(٢٥) ذكر ذلك البغوي في "تفسيره" 7/ 258، والقرطبي في "الجامع" 16/ 195، والمؤلف في "الوسيط" 4/ 108.
(٢٦) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 20.
(٢٧) ذكر ذلك البغوي في تفسيره 7/ 258، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 378، والقرطبي في "الجامع" 16/ 195.
(٢٨) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 20.
(٢٩) ذكر ذلك الماوردي في هذه الجملة عن ابن عباس بلفظ: رجعت عن الأمر الذي كنت عليه 5/ 278، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" بنص عبارة المؤلف ولم ينسبه 7/ 378، وكذلك ذكره في "الوسيط" عن عطاء عن ابن عباس.
انظر: 4/ 108.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ ﴾ أي أهل هذا القول: ﴿ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ ﴾ قرئ بضم الياء على بناء الفعل للمفعول وقرئ بالنون المفتوحة، وكذلك ﴿ وَنَتَجَاوَزُ ﴾ وكلاهما في المعني واحد؛ لأن الفعل وإن كان مبنيًّا للمفعول فمعلوم أنه لله سبحانه، فبناؤه للمفعول في العلم بالفاعل كبنائه للفاعل كقوله: ﴿ يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ والفعل معلوم أنه لله وإن بني للمفعول كقوله: ﴿ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ ووجه قول من قرأ بالنون أنه قدم تقدم قوله: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ ﴾ فكذلك يُتَقَبَّلُ (١) وقوله: ﴿ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا ﴾ يعني: الأعمال الصالحة التي عملوها في الدنيا وكلها حسن، فالأحسن بمعنى التحسن كقوله: ﴿ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ ﴾ وقد مر، وقال بعض أهل المعاني: الحسن من الأعمال المباح الذي لا يتعلق به ثواب ولا عقاب، والأحسن ما يوجب الثواب من خير وطاعة (٢) وقوله تعالى: ﴿ وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ قال الحسن: هذا لمن أراد الله كرامته (٣) قوله: ﴿ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ ﴾ قال مقاتل: (في) بمعنى: مع (٤) (٥) وقوله تعالى: ﴿ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ ﴾ قال أبو إسحاق: هو مصدر مؤكد لما قبله؛ لأن قوله (نتقبل) و (نتجاوز) بمعنى الوعد لأن الله قد وعدهم القبول، فوعد الصدق توكيد لذلك (٦) قال المفسرون: ومعنى (وعد الصدق): هو ما وعد الله أهل الإيمان أن يتقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم (٧) (٨) (٩) ﴿ حَقُّ الْيَقِينِ ﴾ هذا على مذهب الكوفيين، وعند البصريين يكون التقدير: وعد الكلام الصدق، والكتاب الصدق فحذف الموصوف (١٠) وقوله: ﴿ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ ﴾ ، قال الكلبي: كانوا يوعدون في الدنيا على لسان الرسل (١١) ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ﴾ .
(١) قرأ حمزة والكسائي وحفص بالنون، وقرأ الباقون بالياء.
انظر: كتاب "الحجة" لأبي علي 6/ 184، و"السبعة" لابن مجاهد ص 597، و"الكشف عن وجوه القراءات" لمكي 2/ 272، و"حجة القراءات" لابن زنجلة ص 664.
(٢) انظر: "الجامع الأحكام القرآن" 16/ 196.
(٣) انظر: "تفسير أبي الليث" 3/ 233.
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 21.
(٥) قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: أي هؤلاء المتصفون بما ذكرنا التائبون إلى الله المنيبون إليه المستدركون ما فات بالتوبة والاستغفار، هم الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم، فيغفر لهم الكثير من الزلل ونتقبل عنهم اليسير من العمل.
انظر: "تفسير ابن كثير" 6/ 282.
(٦) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 443.
(٧) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 2/ 18، و"تفسير البغوي" 7/ 258، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 196، و"تفسير الوسيط" 4/ 108.
(٨) انظر: "تهذيب اللغة" (جوز) 11/ 149، و"الصحاح" (جوز) 3/ 870.
(٩) انظر: "وضح البرهان في مشكلات القرآن" 2/ 296.
(١٠) انظر: "فتح القدير" للشوكاني 5/ 19.
(١١) انظر: "تنوير المقباس" ص 504، وذكر هذا المعنى الماوردي، ولم ينسبه.
انظر: "تفسيره" 5/ 29، وأيضًا ذكره ابن الجوزي، ولم ينسبه.
انظر: "زاد المسير" 7/ 379.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي ﴾ ذكر المفسرون في هذه الآية قولين، الأكثرون على أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر (١) (٢) (٣) (٤) (٥) ﴿ أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ ﴾ أي: من القبر يعني: أبعث بعد الموت ﴿ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي ﴾ يعني الأمم الخالية، فلم أر أحدًا منهم، فأين عبد الله بن جدعان، وأين عثمان بن عمرو (٦) (٧) قوله تعالى: ﴿ وَهُمَا ﴾ يعني والديه ﴿ يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ ﴾ يدعوان الله بالهدى وأن يقبل بقلبه إلى الإسلام والمعنى: يستغيثان بالله من كفره وإنكاره، فلما حذف الجار وصل الفعل، ويجوز أن يكون الباء حذف لأنه أريد بالاستغاثة الدعاء على ما قال المفسرون يدعوان الله، والاستغاثة بالله دعاء ليغيثك فيما نابك، فلما أريد به الدعاء حذف الجار (٨) قوله: ﴿ وَيْلَكَ ﴾ أي: ويقولون له: ويلك ﴿ آمِنْ ﴾ صدق بالبعث ﴿ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ ﴾ بالبعث ﴿ حَقٌّ فَيَقُولُ ﴾ لهما ﴿ مَا هَذَا ﴾ الذي تقولان من أمر البعث وتدعوانني إليه ﴿ إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾ وقال الحسن وقتادة: هذه الآية مرسلة عامة، وهي نعت عبد كافر عاق لوالديه (٩) ا تنكر أن تكون الآية في عبد الرحمن، وقالت: إنها في فلان بن فلان وسَمَّت رجلاً (١٠) (١) أخرج ذلك البخاري في صحيحه.
انظر: كتاب التفسير سورة الأحقاف باب "والذي قال لوالديه أف لكما.
.) 2/ 6 / 41.
(٢) أخرج ذلك الطبري عن ابن عباس.
انظر: "تفسيره" 13/ 2/ 19، وانظر: "تفسير الماوردي" 5/ 279، و"تفسير البغوي" 7/ 258، و"الجامع" للقرطبي 16/ 197.
(٣) انظر: "تفسير البغوي" 7/ 258، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 197، و"تفسير ابن كثير" 6/ 284، و"تفسير مقاتل" 4/ 21.
(٤) وقد ضعف هذا القول ابن كثير في تفسيره 6/ 284، وكذلك ضعفه ابن حجر في الفتح، فقال: قلت: لكن نفي عائشة أن تكون نزلت في عبد الرحمن وآل بيته أصح إسناداً وأولى بالقبول.
انظر: "فتح الباري" تفسير 8/ 576.
(٥) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 21.
(٦) هو: عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة من عدنان جد جاهلي بنوه بطن من مزينة منهم زهير بن أبي سلمى وآخرون صحابة وشعراء محدثون.
انظر: "جمهرة الأنساب" ص 190، و"الأعلام" 4/ 212.
(٧) انظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 111 أ، و"تفسير البغوي" 7/ 259، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 198، و"تفسير الوسيط" 4/ 109.
(٨) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 198، و"تفسير الوسيط" 4/ 109.
(٩) انظر: "تفسير البغوي" 7/ 259، و"الجامع" 16/ 197 ، فقد نسباه للحسن وقتادة.
(١٠) انظر: "فتح الباري" 8/ 576، و"تفسير البغوي" 7/ 259، و"زاد المسير" 7/ 380، و"الجامع" للقرطبي 16/ 197.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ ﴾ الآية، فأعلم الله أن هؤلاء قد حقت عليهم كلمة العذاب، وإذا أعلم بذلك فقد أعلم أنهم لا يؤمنون وعبد الرحمن مؤمن من أفاضل المسلمين وسرواتهم، أجاب الله فيه دعاء أبيه فأسلم، والتفسير الصحيح أنها نزلت في الكافر العاق (١) ﴿ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ﴾ وعلى هذا القول نزلت في كافر عاق مات على عقوقه وكفره، ثم دخل فيها من كان بهذه الصفة لقوله بعد هذا ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ ﴾ والذين قالوا الآية في عبد الرحمن قبل إسلامه قالوا: في قوله: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ ﴾ .
نزل في الذين ذكرهم عبد الرحمن من المشركين الذين ماتوا قبله هم الذين حق عليهم القول، وليس عبد الرحمن من جملتهم؛ لأنه آمن وحسن إيمانه، ذكر ذلك الكلبي (٢) (٣) ﴿ حم ﴾ السجدة [آية: 25].
(١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 443.
(٢) انظر: "تنوير المقباس" ص 504.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 22.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾ ذكر ابن عباس ومقاتل: أن هذه الآية خاصة في المؤمنين.
قال ابن عباس: يريد من سبق إلى الإسلام فهو أفضل ممن تخلف عنه ولو بساعة (١) وقال مقاتل: يعني ولكل فضائل بأعمالهم (٢) (٣) وقوله: ﴿ مِمَّا عَمِلُوا ﴾ يعني: أن الدرجات المتفاوتة كانت لهم من أعمالهم ﴿ وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ ﴾ يريد مجازاة أعمالهم وثواب أعمالهم قاله ابن عباس، ومقاتل (٤) (١) انظر: "تفسير البغوي" 7/ 259، فقد ذكر هذا القول ونسبه لابن عباس، وكذلك نسبه في "الوسيط" لابن عباس.
انظر: 4/ 110.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 22.
(٣) أخرج ذلك الطبري عن ابن زيد.
انظر: "تفسيره" 13/ 2 / 20، وانظر تفسير البغوي" 7/ 259، و"تفسير ابن كثير" 6/ 285، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 199.
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 22.
ولم أقف على نسبته لابن عباس.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ ﴾ قال مقاتل: يعني يكشف الغطاء عنها لهم فينظرون إليها، يعني كفار مكة (١) قوله: ﴿ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ ﴾ قرئ بالاستفهام والخبر، قال الفراء (٢) (٣) ﴿ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ ﴾ ، {أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [آل عمران: 106] ووجه الخبر أن المراد هاهنا التقرير، فالاستفهام مثل الخبر، ألا ترى أن هذا الاستفهام الذي يراد به التقرير لا يجاب بالفاء كما يجاب بها إذا لم يكن تقريرًا، فكأنهم يوبَّخُون بهذا الذي يخبرون به وُيبَكَّتُون (٤) (٥) وذكر المفسرون عن النبي - - والصحابة أخبارًا في هذه الآية، أنهم كانوا يجتنبون نعيم العيش ولذته بالطيبات في الدنيا (٦) (٧) ﴿ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ أي: تتكبرون عن عبادة الله والإيمان به ﴿ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ﴾ تعصون.
(١) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 22.
ولم أقف على نسبته لابن عباس.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 54.
(٣) انظر: "معانى القرآن" للزجاج 4/ 444.
(٤) انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 189.
(٥) انظر: "تنوير المقباس" ص 504، و"تفسير الوسيط" 4/ 110.
(٦) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 2/ 21، و"زاد المسير" 7/ 382، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 200، و"تفسير الوسيط" 4/ 110.
(٧) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 22.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى ﴿ وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: واذكر يا محمد لقومك أهل مكة [وهودًا] (١) - (إذ أنذر قومه) حذرهم عذاب الله إن لم يؤمنوا، وقوله (بالأحقاف) قال أبوعبيد عن الأصمعي (٢) (٣) وقال أبو عبيدة: الأحقاف الرمال، وأنشد: باتَ إلى أرْطَاةِ حِقْفٍ أحْقَفا (٤) قال المبرد: الأحقاف واحدها حقف، وهو الكثيب المكتبر غير العظيم وفيه اعوجاج، يقال للشيء: احقوقف، إذا هم بأن تلاقى طرفاه، كما قال العجاج: سَمَاوَةُ الهِلالِ حتَّى احقَوْقَفَا (٥) ويقال أيضًا في جميع الحقف حقاف وحقوف، قال امرؤ القيس: ذِي حِقَافٍ عَقنْقَلِ (٦) مثل الأقاحِ اهْتَزَّ بالحُقُوف (٧) وذكر الكلبي سبب هذه الرمال واعوجاجها، فقال: هي رمال نضب الماء عنها زمان الغرق، كما ينضب الماء عن المكان من الجبل ويبقى أثره (٨) قال ابن عباس: الأحقاف واد بين عمان ومهرة (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) وقال مجاهد: هي أرض حِسْمَى (١٤) (١٥) قوله تعالى: ﴿ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ﴾ قال مقاتل: وقد مضت الرسل من قبل هود ومن بعده إلى قومهم ﴿ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ﴾ يعني: لم يبعث رسولاً من قبل هود ولا من بعد هود إلا أمر بعبادة الله وحده (١٦) وقوله: ﴿ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ ﴾ كلامٌ اعترض بين إنذار هود وكلامه لقومه (١٧) ﴿ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ فذكر فصلاً مؤكدًا لهذا الكلام، ثم عاد إلى كلام هود لقومه بقوله (١٨) (١) كذا في الأصل ولعل الصواب (هودًا).
وانظر: "تفسير مقاتل" 4/ 22، ولم أقف على نسبته لابن عباس.
(٢) انظر: قول أبي عبيد في "تهذيب اللغة" (حقف) 4/ 68، وانظر: "العين" للخليل (حقف) 3/ 51.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 54.
(٤) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 213، وقد نسب هذا الرجز للعجاج، ونسبه إليه أيضًا الطبري في "تفسيره" 13/ 2/ 23، والقرطبي في "الجامع" 16/ 203.
(٥) انظر: "الكامل" للمرد 1/ 150، 153، و"الكتاب" لسيبويه 1/ 359، وانظر: ملحقات "ديوان العجاج" ص 84، و"تهذيب اللغة" (حقف) 4/ 68، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 203.
(٦) البيت بتمامه: فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى ...
بنا بطن خبت ذي حقاف عقنقل الحقاف: ما ارتفع من الأرض وغلظ.
والعقنقل: الرمل المتعقد الداخل بعضه في بعض.
انظر: "ديوانه" ص 115، و"شرح المعلقات العشر" ص 28، و"الدر المصون" 6/ 141.
(٧) لم أقف عليه.
(٨) ذكر ذلك الثعلبي عن الكلبي 10/ 114 أ، والقرطبي عن الكلبي 16/ 204.
(٩) مَهَرة: قال العمراني: مهرة بلاد تنتسب إليها الإبل، قلت: هذا خطأ إنما مهرة قبيلة وهي مهرة بن حيدان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة تنسب إليهم الإبل المهرية وباليمن لهم مخلاف يقال بإسقاط المضاف إليه، وبينه وبين عُمان نحو شهر وكذلك بينه وبين حضرموت فيما زعم أبو زيد وطول مخلاف مهرة أربع وستون درجة وعرضه سبع عشرة درجة وثلاثون دقيقة.
انظر: "معجم البلدان" 5/ 234.
(١٠) ذكر ذلك الثعلبي في تفسيره 10/ 114 أ، والماوردي في تفسيره 5/ 282، والبغوي في "تفسيره" 7/ 262، والقرطبي في "الجامع" 16/ 204.
(١١) ذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" 10/ 114 أ، والبغوي في "تفسيره" 7/ 262.
(١٢) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 23.
(١٣) حضرموت: ناحية واسعة في شرقي عدن بقرب البحر، وحولها رمال كثيرة تعرف بالأحقاف، وبها قبر هود - -، ولها مدينتان يقال لإحداهما تريم وللأخرى شبام.
وعندها قلاع وقرى.
== وقال ابن الفقيه: حضرموت مخلاف من اليمن بينه وبين البحر رمال، وبينه وبين مخلاف صُداء ثلاثون فرسخًا.
وقيل: مسيرة أحد عشر يومًا.
وقال الإصطخري: بين حضرموت وعدن مسيرة شهر.
انظر: "معجم البلدان" 2/ 270.
(١٤) أخرج ذلك الطبري عن مجاهد انظر: "تفسيره" 13/ 2/ 23، وأورده الثعلبي في تفسيره 10/ 114 أ.
(١٥) حسمى: بالكسر ثم السكون مقصور، يجوز أن يكون أصله من الحسم وهو المنع.
وهو أرض ببادية الشام، بينها وبين وادي القرى ليلتان، وأهل تبوك يرون جبل وحسمى في غربيهم وفي شرقيهم شَرَورَى، وبين وادي القرى والمدينة ست ليال.
وحِسمى أرض غليظة وماؤها كذلك لا خير فيها ويقال آخر ماء نضب من ماء الطوفان حسمى فبقيت منه هذه البقية إلى اليوم فلذلك هو أخبث ماء.
انظر: "معجم البلدان" 2/ 258.
(١٦) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 23.
(١٧) انظر: "راد المسير" 7/ 384.
(١٨) انظر: "زاد المسير" 7/ 384.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ وهذا معنى قول مقاتل، فقالوا لهود: ﴿ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: لتصدنا عن عبادة آلهتنا (١) وقال أبو إسحاق: لتصرفنا عنها بالإفك (٢) (٣) ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا ﴾ من العذاب ﴿ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ إن العذاب نازل بنا، قال هود: (١) انظر: "الطبري" 13/ 2/ 24، و"القرطبي" 16/ 205، و"تفسير مقاتل" 4/ 23.
(٢) أفَكَ يأفِكُ وأفِكَ يَأفَكْ إذا كذب، والإفْكُ: الإثم، والإفك: الكذب.
انظر: "تهذيب اللغة" (أفك) 10/ 396.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 445.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أي هو يعلم متى يأتيكم العذاب، وهذا معنى قول المفسرين (١) ﴿ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ ﴾ أي: من الوحي والإنذار، يعني: أنا مبلغ والعلم بوقت العذاب عند الله و ﴿ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴾ قال عطاء: تجهلون عظمة الله وما يراد بكم من العذاب، وقال الكلبي: تجهلون الأمر أنه من الله (٢) (٣) (١) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 2/ 25، و"تفسير البغوي" 7/ 263.
(٢) انظر: "تنوير المقباس" ص 505 ولم أقف على قول عطاء.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 445.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْهُ ﴾ ذكر المبرد في الضمير في (رأوه) قولين أحدهما: أنه عاد إلى غير مذكور وبَيَّنه قولُه تعالى: ﴿ عَارِضًا ﴾ (١) ﴿ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ ﴾ ولم يذكر الأرض، ولكن يدل عليها العلم بها وما دل عليه الكلام، وعلى هذا الضمير يعود إلى السحاب كأنه قيل: فلما رأوا السحاب عارضًا، وهذا قول المفسرين واختيار الزجاج (٢) ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا ﴾ ، فلما رأوا ما يوعدون (٣) قال أبو زيد: العارض السحاب يراها في ناحية السماء (٤) وقال أبو عبيدة: العارض من السحاب الذي يرى في قطر من أقطار السماء بالعشي، ثم يصبح وقد حبا حتى استوى (٥) (٦) قوله: ﴿ مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ ﴾ قال المفسرون: كان عاد قد حبس عنهم المطر أيامًا فساق الله إليهم سحابة سوداء فخرجت عليهم من واد لهم يقال له المغيث (٧) (٨) ﴿ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا ﴾ والمعنى: ممطر إيانا، وهذا كقوله: ﴿ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ ﴾ ، وقد مر.
قال عمرو بن ميمون: كان هو قاعدًا في قومه فجاء سحاب مكفهر (٩) ﴿ بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ ﴾ (١٠) ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا ﴾ (١١) ﴿ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ والريح التي عذبوا بها نشأت من ذلك السحاب الذي رأوه، قال ابن عباس: كانت الريح تطير بهم بين السماء والأرض حتى أهلكتهم (١٢) (١) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 169، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 205.
(٢) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 2/ 25، و"تفسير الثعلبي" 10/ 114 ب، و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 445.
(٣) ذكر القولين السمين الحلبي في "الدر المصون" 6/ 141.
(٤) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 169.
(٥) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 213.
(٦) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 23.
(٧) المُغِيث: بالضم ثم الكسر وآخره ثاء مثلثة: اسم الوادي الذي هلك فيه قوم عاد، وقال أبو منصور: بين معدن النَّقْرة والرَّبذة ماء يعرف ماوان ماء وشروب.
انظر: "معجم البلدان" 5/ 162.
(٨) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 2/ 25، "تفسير الثعلبي" 10/ 114 ب.
(٩) قال الأصمعي: (المكفهِرَ من السحاب: الذي يَغلَظ ويركَبْ بعضهُ بعضًا)، انظر: "تهذيب اللغة" (المكفهر) 6/ 508.
(١٠) أخرج ذلك الطبري عن عمرو بن ميمون انظر "تفسيره" 13/ 2/ 26.
(١١) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 23.
(١٢) ذكر ذلك القرطبي في "الجامع" عن ابن عباس 16/ 206، ونسبه في "الوسيط" لابن عباس، انظر: 4/ 113.
<div class="verse-tafsir"
ثم وصف الريح فقال: ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ قال مقاتل: تهلك كل شيء من الناس والدواب والأموال (١) وقال ابن عباس: يريد كل شيء بعثت إليه (٢) ﴿ بِأَمْرِ رَبِّهَا ﴾ بإذن ربها ﴿ فَأَصْبَحُوا ﴾ يعني: عادًا ﴿ لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ ﴾ قرأه عاصم وحمزة: ﴿ يُرَى ﴾ بالياء مضمومة ﴿ مَسَاكِنُهُمْ ﴾ بالرفع، قال أبو إسحاق: تأويله لا يرى شيئًا إلا مساكنهم؛ لأنهم قد هلكوا (٣) قال أبو علي: تذكير الفعل في هذه القراءة أحسن من لحاق علامة التأنيث، من أجل جمع المساكن، وذلك أنهم حملوا الكلام في هذا الباب على المعنى، فقالوا: ما قام إلا هند، ولم يقولوا: ما قامت، لما كان المعنى: ما قام أحد، حملوه على هذا، وإن كان المؤنث يرتفع بهذا الفعل والتأنيث فيه لم يجيء إلا في شذوذ وضرورة (٤) فما بَقِيتْ إلا الضُّلُوعُ الجَرَاشِعُ (٥) وقرأ الباقون: (لا تَرى) بفتح التاء (إلا مساكنَهم) بالنصب على معنى: لا ترى أيها المخاطب، والمساكن مفعول بها، و (ترى) في القراءتين جميعًا من رؤية العين، المعنى: لا تشاهد شيئًا إلا مساكنهم، كأنها قد زالت عما كانت عليه من كثرة الناس بها وما يتبعهم مما يقتنونه (٦) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 25.
(٢) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 206.
(٣) انظر: "معاني الزجاج" 4/ 446.
(٤) انظر: "الحجة للقراء السبعة" لأبي علي 6/ 186.
(٥) هذا عجز بيت لذي الرمة وصدره قوله: بَرَى النَّحْزُ والأجْرَازُ ما في غُرُوضِها انظر: "ديوانه" ص 341، و"المحتسب" 2/ 207، و"الحجة" 6/ 186، و"الدر المصون" 6/ 142.
(٦) انظر: "الكشف عن وجوه القراءات" لمكي 2/ 274، و"إعراب القرآن" للنحاس 4/ 170.
<div class="verse-tafsir"
قال ابن عباس: فلم يبق إلا هود ومن آمن معه.
ثم خوف كفار مكة وذكر فضل عاد بالقوة والأجسام عليهم فقال: ﴿ وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ ﴾ قال مقاتل: أي: من الخير والتمكين في الأرض (١) وقال الكلبي: يعني: ملكنا عالاً وأمهلناهم من العمر فيما لم نمكن لكم من العمر والمهلة (٢) قال المبرد: (مَا) في قوله: ﴿ فِيمَا ﴾ بمنزلة (الذي)، و (إِن) بمنزلة (ما) وتقديره: ولقد مكناهم في الذي ما مكناكم فيه (٣) (٤) (٥) وقال ابن قتيبة: معنى الآية: ﴿ وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ ﴾ فزيدت (أن) (٦) (٧) ما إنْ رأيتُ ولا سُمِعتُ به ...
كاليَوْمِ طالي أَيْنُقٍ صُهْب (٨) أراد: ما رأيت، وقال لبيد: غُودِرت بعدَهم وكنتُ بطُولِ صُحْبتِهِم ضَنِينَا ...
ما إنْ رِأيْتُ ولا سَمِعْتُ بمِثْلِهِم في العَالَمِينا (٩) ﴿ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴾ .
و (ما) في هذه الآية بمعنى (الذي) فلا يزاد معها (إن) لا يقال: ما إن قبضت ديناراك، بمعنى الذي قبضت ديناراك، ثم ذكر الله تعالى أنهم أعرضوا عن قبول الحجج والتفكر فيما يدلهم على التوحيد مع ما أعطاهم الله تعالى من الحواس التي بها تدرك الأدلة قال: ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً ﴾ الآية، وفي هذا تخويف لأهل مكة، وضرب المثل لهم بحالة من قبلهم، فإنهم لما لم يستدلوا على توحيد الله ولم يقبلوا ممن دعاهم إليه لزمتهم الحجة ولم تغن عنهم مدارك الأدلة شيئاً، فأهل مكة إن صنعوا كصنعهم استحقوا مثل عذابهم، ثم زاد في التخويف فقال: (١) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 26.
(٢) انظر: "تنوير المقباس" 505.
(٣) انظر: "الدر المصون" 6/ 142، و"تفسير الفخر الرازي" 28/ 29.
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء 6/ 56، و"إعراب القرآن" للنحاس 4/ 170.
(٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 446.
(٦) انظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة 2/ 130، و"تفسير غريب القرآن" ص 408.
(٧) ذكر في "كتاب الاضداد" حول هذه الآية ﴿ وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ ﴾ معناه: في الذي قد مكناكم فيه.
انظر: "كتاب الأضداد" ص 189.
(٨) لم أقف عليه.
(٩) لم أقف عليه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى ﴾ قال ابن قتيبة: يريد: باليمن والشام (١) ﴿ وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ ﴾ بيناها ﴿ لَعَلَّهُمْ ﴾ لعل أهل القرى ﴿ يَرْجِعُونَ ﴾ ، والمراد بالتصريف التقديم؛ لأنه كان قبل الإهلاك، وقال قوم: تقدير الكلام: وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون فلم يرجعوا ﴿ فَأَهْلَكْنَاهُمْ ﴾ .
(١) قول قتيبة هذا غير موجود في تأويل المشكل، وتفسير غريب القرآن، والذي ذكر الطبري، قال كحجر ثمود وأرض سدوم ومأرب ونحوها، انظر: "تفسيره" 13/ 2/ 29.
وقال الثعلبي: كحجر ثمود وأرض سدوم ونحوها.
انظر "تفسيره" 10/ 116 أ.
وقال في "الوسيط": وأراد بالقرى المهلكة باليمن والشام، انظر: 4/ 114، وقال القرطبي: يريد حجر ثمود وقرى لوط ونحوهما مما كان يجاور بلاد الحجاز، وكانت أخبارهم متواترة عندهم.
انظر: "الجامع" 16/ 209.
<div class="verse-tafsir"
فلم ينصرهم منا ناصر وهو قوله تعالى: {فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً} وهذا يدل على أنه لم ينصرهم من الله ناصر حين حلَّ بهم العذاب، وقولهم: ﴿ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا ﴾ القربان: ما يتقَرَّبُ به إلى الله (١) (٢) (٣) قوله تعالى: ﴿ بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ ﴾ أي: اتخاذهم الآلهة دون الله كذبهم وافتراؤهم، و (اتخذوا) يدل على الاتخاذ.
(١) انظر: "تهذيب اللغة" (قرب) 9/ 124.
(٢) ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا ﴾ .
(٣) انظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة 2/ 130.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ ﴾ قال المفسرون: لما أيس رسول الله - - من قومه أهل مكة أن يجيبوه خرج إلى الطائف ليدعوهم إلى الإسلام، فلما انصرف إلى مكة فكان ببطن نخلة (١) - وهو يصلي فاستمعوا لقراءته، وهذا قول ابن عباس في رواية مجاهد والكلبي وقول عبد الله وسعيد بن جبير ومقاتل (٢) وقال آخرون: بل أمر رسول الله - - أن ينذر الجِنَّة ويدعوهم إلى الله ويقرأ عليهم القرآن، فصرف إليه نفر من الجن ليستمعوا منه وينذروا قومهم، وهذا معنى قول قتادة (٣) (٤) (٥) (٦) ﴿ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ ﴾ من صفة النكرة، وهذا يدل على أنهم أتوا لاستماع القرآن؛ لأن المعنى: نفرًا مستمعين القرآن، أي طالبين سماعه، فهذا يدل على صحة القول الثاني.
قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا حَضَرُوهُ ﴾ إن عاد الضمير إلى النبي - - فهو من تلوين الخطاب، وإن عاد إلى القرآن وهو الظاهر، فالمعنى: فلما حضروا استماعه (٧) (٨) قال ابن عباس والمفسرون: قال بعضهم لبعض اسكتوا (٩) - القرآن ليلة الجن غشيته أسودة كثيرة (١٠) قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا قُضِيَ ﴾ قال أبو إسحاق: أي فلما تلى عليهم القرآن حتى فرغ منه (١١) ﴿ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ﴾ قال ابن عباس: يريد بما أمرهم به رسول الله - - من توحيده وفرائضه وأحكامه (١٢) والمعنى: أن هؤلاء الذين استمعوا القرآن انصرفوا إلى قومهم بعد الاستماع محذرين إياهم بأس الله إن لم يؤمنوا، وهذا يدل على أن هؤلاء آمنوا بالنبي - - ولو لم يؤمنوا لم يخبر عنهم بإنذار قومهم، ولهذا قال مقاتل في تفسير (منذرين): مؤمنين (١٣) (١) هي: قرية قريبة من المدينة على طريق البصرة، ينهما الطرف على الطريق وهو بعد أبرق العزّاف للقاصد إلى مكة، انظر: "معجم البلدان" 1/ 449 - 450، وقال ابن حجر: هي موضع بين مكة وطائف.
قال البكري: على ليلة من مكة وهي التي ينسب إليها بطن نخلة ووقع في رواية مسلم بنخل بلا هاء والصواب إثباتها، انظر: "فتح الباري" / 674.
(٢) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 2/ 30، و"تفسير مجاهد" ص 603، و"تنوير المقباس" ص 506 و"تفسير مقاتل" 4/ 27، و"الدر المنثور" 7/ 452، و"تفسير الوسيط" 4/ 115.
(٣) انظر: "زاد المسير" 7/ 388، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 212.
(٤) أخرج ذلك الطبري عن ابن عباس، انظر: "تفسيره" 13/ 2/ 30، ونسبه في "الوسيط" لابن عباس، انظر: 4/ 115.
(٥) انظر: "تنوير المقباس" ص 506، و"تفسير مقاتل" 4/ 27، ونسبه الهيثمي في مجمع الزوائد لابن عباس، انظر: 7/ 106، ونسبه في "الوسيط" للكلبي ومقاتل، انظر: 4/ 115.
(٦) أخرج ذلك الطبري عن زر بن حبيش، انظر: تفسيره 13/ 2/ 31، ونسبه الهيثمي في "مجمع الزوائد" لزر بن حبيش وقال: رواه البزار ورجاله ثقات.
انظر: "مجمع الزوائد" 7/ 106، وهو في "كشف الأستار" 3/ 68 عن زر.
(٧) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 215، و"الدر المصون" 6/ 144.
(٨) أخرج ذلك الطبري عن زر.
انظر: "تفسيره" 13/ 2/ 33، وأخرجه الهيثمي في "كشف الأستار" عن زر.
انظر: "كشف الأستار" 3/ 68.
(٩) ذكر المعنى من غير نسبة البغوي في "تفسيره" 75/ 269، والقرطبي في "الجامع" 16/ 215.
(١٠) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 212.
(١١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 447.
(١٢) أخرج الطبري عن ابن عباس يقول: انصرفوا منذرين عذاب الله على الكفر به.
انظر: "تفسير الطبري" 13/ 33.
(١٣) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 27.
<div class="verse-tafsir"
ثم أخبر عنهم بما قالوا لقومهم وهو قوله تعالى: ﴿ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى ﴾ يعنون القرآن، قال مقاتل: وكانوا مؤمنين بموسى (١) (١) المرجع السابق.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: يعنون محمداً - - قالوا: وهذه القصة تدل على أن محمدًا - -كان مبعوثًا إلى الجن كما كان مبعوثًا إلى الإنس (١) (٢) قال مقاتل: ولم يبعث الله نبيًا إلى الإنس والجن قبله - - (٣) (١) انظر: "تفسير البغوي" 7/ 270، و"زاد المسير" 7/ 390، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 217، و"تفسير ابن كثير" 6/ 304، و"تفسير الوسيط" 4/ 115.
(٢) ومما يدل على ذلك بما ورد في "صحيح مسلم" كتاب المساجد ومواضع الصلاة 1/ 370، من حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - -: "أعطيت خمساً لم يطهن أحد قبلي ..
".
وذكر منها: "وبعثت إلى كل أحمر وأسود".
قال مجاهد: الأحمر والأسود: الجن والإنس.
وانظر: "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 217.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 30، و"تفسير الوسيط" 4/ 115.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: ﴿ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ ﴾ قال ابن عباس ومقاتل يقول: لا يعجز الله فيسبقه ويفوته، ﴿ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ ﴾ أنصار يمنعونه من الله ﴿ أُولَئِكَ ﴾ يعني: الذين لا يجيبون إلى الإيمان ﴿ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ قال مقاتل: فأقبل إلى النبي - - من الجن الذين أنذروا سبعون رجلاً فقرأ النبي - - عليهم القرآن فأمرهم ونهاهم (١) (٢) ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ (٣) وذهب قوم إلى أنهم كما يعاقبون في الإساءة يجازون بالإحسان، وهو مذهب مالك وابن أبي ليلى (٤) (٥) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 28 (٢) أخرج ذلك الثعلبي في "تفسيره" 10/ 120 أ، وأورده البغوي في تفسيره 7/ 270.
(٣) ذكر ذلك البغوي في تفسيره 7/ 270، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 217.
(٤) ذكر ذلك الثعلبي في تفسيره.
انظر: 10/ 120 أ، والبغوي في "تفسيره" 7/ 270، والقرطبي في "الجامع" 16/ 218.
(٥) أخرج ذلك الثعلبي عن الضحاك.
انظر المراجع السابقة.
وقال ابن كثير في تفسيره: والحق أن مؤمنيهم كمؤمني الإنس يدخلون الجنة كما هو مذهب جماعة من السلف، وقد استدل لهذا بقوله -عز وجل-: ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ ﴾ ، وفي هذا الاستدلال نظر.
وأحسن منه قوله جل وعلا: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ..
6/ 305.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ ﴾ قال مقاتل (١) (٢) واختلفوا في وجه دخول الباء في قوله: ﴿ بقادر ﴾ وهو خبر (أن) والباء لا تدخل في خبرها، فقال أبو عبيدة: مجازها قادر، والعرب تؤكد الكلام بالباء وهي مُسْتغنًى عنها (٣) وقال الأخفش: هذه الباء كالباء في قوله: ﴿ فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ وقوله: ﴿ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ ﴾ (٤) وقال الفراء: دخلت الباء لِلَم، والعرب تدخلها مع الجحد مثل قولك: ما أظنك بقائم، وما أظن أنك بقائم، وأنشد: فَما رَجَعَتْ بخاَئِبةٍ رِكَابُ ...
حَكِيمُ بنُ المسَيَّبِ مُنْتهَاها (٥) وهذا مذهب الكسائي (٦) (٧) وزاد أبو علي شرحًا فقال: هذا من الحمل على المعنى، وأدخل الباء لما كان الكلام في معنى: ﴿ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ ﴾ .
قال: ومثل ذلك من الحمل على المعنى: بَادَتْ وغَيَّرَ آيَهُنَّ مَعَ البِلَى ...
إلاَّ رَوَاكدَ جَمْرُهُنَّ هَبَاءُ (٨) ومُشَجَّجٌ أمَّا سَواءُ قَذَاله ...
فبدا وغيب سَارَه المَعْزَاءُ (٩) (١٠) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 30.
(٢) أخرج ذلك الطبري عن مجاهد.
انظر: "تفسيره" 12/ 30، وأورده الواحدي في "أسباب النزول" ص 385، والبغوي في "تفسيره" 7/ 28.
(٣) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 213.
(٤) انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 694.
(٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 56، 57، وانظر: "مغني اللبيب" 1/ 94، و"تفسير الطبري" 13/ 2/ 35، وانظر: "الجنى الداني في حروف المعاني" للمرادي ص 55، وقد نسبه: للقحيف العقيلي.
وانظر: "بصائر ذوي التمييز" للفيروزابادي 2/ 195.
(٦) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 174.
(٧) انظر:"معاني القرآن" للزجاج 4/ 447.
(٨) معنى بادت: تغيرت وبليت، أي: غير البيود آيهن، والآي: جمع آية، وهي آثار الديار وعلاماتها، والبلى: تقادم العهد، والرواكد: الأثافي لركودها وثبوتها، والهباء: الغبار جعل الجمر كالهباء لقدمه وانسحاقه.
(٩) هذا موضع الشاهد والمشجج: الوتد من أوتاد الخباء وتشجيجه: ضرب رأسه لتثبيته، والقذال: عني به أعلى الوتد وهو من الدابة معقد العذار بير الأذنين وسواؤه: وسطه، وساره: سائره أي جميعه، وهي لغة في سائره.
والمعزاء: == الأرض الحزنة الغليظة ذات الحجارة جمعها الأماعز، وكانوا ينحرون النزول في الصلابة ليكونوا بمعزل عن السيل، والشاهد فيه رفع مشجج على المعنى.
والبيتان لذي الرمة وقيل للشماخ.
انظر: ملحقات "ديوان ذي الرمة" 3/ 184، و"ديوان الشماخ" ص 428، و"الكتاب" لسيبويه 1/ 173، و"اللسان" (شجج) 2/ 304.
(١٠) انظر: "الحجة" لأبي علي 5/ 313، 6/ 187.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ﴾ تفسير العزم قد تقدَّم ذكره [البقرة:227، وآل عمران: 159] قال ابن عباس في رواية عطاء وأبي صالح: يريد نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى، ونحو هذا روى معمر عن قتادة (١) وقال أبو العالية: هم ثلاثة: نوح وإبراهيم وهود، ومحمد - - رابعهم (٢) وقال الحسن: هم أربعة إبراهيم وموسى ودواد وعيسى، أما إبراهيم فإنه ابتلي في نفسه وولده ووطنه فوجد صادقًا، وأما موسى فإنه عزم ولم يشك حين قال له قومه: ﴿ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا ﴾ .
وأما داود فإنه لما نُبِّهَ على زلته بكى أربعين سنة، وأما عشى فإنه لم يضع في الدنيا لبنة على لبنة (٣) وقال مقاتل: هم ستة: نوح صبر على أذى قومه، وإبراهيم صبر على النار، وإسحاق صبر على الذبح (٤) (٥) وقال الكلبي: هم أمروا بالقتال فأظهروا المكاشفة وجاهدوا في الدين (٦) وأما أهل المعاني والمحققون من العلماء فإنهم قالوا: كل الرسل أولو العزم، ولم يبعث الله رسولاً إلا كان ذا عزم وحزم ورأي وكمال عقل.
و (من) في قوله: (من الرسل) تبيين لا تبعيض (٧) وهذا قول ابن زيد (٨) (٩) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ﴾ قال ابن عباس: يريد العذاب، ومفعول الاستعجال محذوف من الكلام، وهو ما ذكره ابن عباس (١٠) - ضجر بعض الضمير وأحب أن ينزل الله العذاب بمن أبى من قومه، فأمر بالصبر وترك الاستعجال، ثم أخبر أن ذلك منهم قريب (١١) ﴿ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ ﴾ أي: من العذاب في الآخرة: ﴿ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ﴾ وقال الكلبي: لم يمكثوا في القبور إلا ساعة (١٢) (١٣) كأنَّ شيئًا لم يَكُنْ إذا مَضَى ...
كأنَّ شيئًا لم يَزَل إذا أَتَى (١٤) وتم الكلام (١٥) ﴿ بَلَاغٌ ﴾ أي: هذا القرآن وما فيه من البيان بلاغ من الله إليكم كما قال: ﴿ هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ ﴾ الآية، والبلاغ بمعنى التبليغ، وهذا مذهب المفسرين والقراء، من أن قوله (بلاغ) ابتداء كلام آخر (١٦) (١٧) قوله تعالى: ﴿ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ أي: العاصون الخارجون عن أمر الله.
يعني: أن العذاب لا يقع إلا بهم فيما بلغهم محمد - - عن الله، ولهذا قال قوم: ما في الرجاء لرحمة الله آية أقوى من هذه الآية (١٨) قال أبو إسحاق تأويله: لا يهلك مع رحمة الله وتفضله إلا القوم الفاسقون (١٩) (١) أخرج ذلك الطبري عن عطاء 13/ 2/ 37، وانظر: "تفسير الماوردي" 5/ 288 ، و"البغوي" 7/ 272، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 219، و"تفسير الوسيط" 4/ 116.
(٢) نظر: "تفسير الماوردي" 5/ 288، و"زاد المسير" 7/ 392، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 220، و"تفسير أبي الليث السمرقندي" 3/ 237.
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 121 ب.
و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 221، عن الحسن، وانظر: تفسير الحسن 2/ 286.
(٤) هذا على القول بأن الذبيح إسحاق لا إسماعيل، وهو قول ضعيف.
(٥) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 31، 32، و"الثعلبي" 10/ 121 ب، و"البغوي" 7/ 272.
(٦) انظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 121 أ، و"تفسير البغوي" 7/ 271، عن الكلبي، و"تفسير الوسيط" 4/ 116.
(٧) انظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 121 أ، و"وضح البرهان في مشكلات القرآن" 2/ 298، و"تفسير البغوي" 7/ 271 (٨) أخرج ذلك الطبري عن ابن زيد.
انظر: تفسيره 13/ 2/ 37، و"تفسير الثعلبي" 10/ 121 أ، و"تفسير البغوي" 7/ 271.
(٩) انظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 121 أ، و"تنوير المقباس" ص 506.
(١٠) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 2/ 37، و"تفسير الثعلبي" 122/ 10 ب، و"تفسير البغوي" 7/ 272، فقد ذكروا المعنى ولم ينسبوه لابن عباس.
(١١) انظر: "تفسير البغوي" 7/ 22، و"زاد المسير" 7/ 393، و"تفسير الوسيط" 4/ 117.
(١٢) انظر: "تفسير الماوردي" 5/ 289، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 222، وقد نسبا القول للنقاش.
(١٣) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 32، و"تفسير الطبري" 13/ 2 / 37.
(١٤) لم أقف عليه.
(١٥) انظر: "القطع والائتناف" ص 664.
(١٦) انظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 12 ب، و"تفسير البغوي" 7/ 273، و"زاد المسير" 7/ 393، و"القطع والائتناف" للنحاس ص 664، و"النشر في القراءات العشر" ص 482.
(١٧) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 32.
(١٨) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 448، و"تفسير البغوي" 7/ 273، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 222، و"تفسير الوسيط" 4/ 117.
(١٩) انظر:"معاني القرآن" للزجاج 4/ 448.