الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الهبة وشروطها
مسائلُ فقهيةٌ في أركان الهبة وشروطها على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 10 دقيقة قراءةأَركانُ الهِبةِ وشُروطُها:
للهِبةِ رُكنٌ مُتَّفقٌ عليه وهو (الصِّيغةُ)، الإِيجابُ اتِّفاقًا، والقَبولُ على خِلافٍ، وهناك ثَلاثةُ أَركانٍ مُختلَفٍ فيها، هي أَركانٌ عندَ المالِكيةِ والشافِعيةِ: العاقِدان (الواهِبُ والمَوهوبُ له) والمَوهوبُ.
وقالَ الحَنفيةُ: الرُّكنُ هو الإِيجابُ والقَبولُ، والبَقيةُ تَدخلُ في الشُّروطِ.
وعندَ الحَنابلةِ: جعَلوا هذا في الشُّروطِ.
على ما يَأتي بَيانُه مُفصَّلًا.
الرُّكنُ الأولُ: الصِّيغةُ (الإِيجابُ والقَبولُ):
أولًا: الإِيجابُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الهِبةِ، هل يُشترطُ لها إِيجابٌ أو تَصحُّ بغيرِ إِيجابٍ؟
فذهَبَ جُمهورُ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في أحدِ القَولَينِ إلى أنَّ الإِيجابَ رُكنٌ من أَركانِ الهِبةِ لا تَصحُّ الهِبةُ بدونِه؛ لأنَّ الهِبةَ عَقدُ تَمليكٍ، وهو السَّببُ الناقِلُ للمِلكِ فلا بدَّ فيه من الإِيجابِ كسائِرِ العُقودِ (١).
(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ١١٥)، و «الاختيار» (٣/ ٥٨)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٥٩، ٦٠)، و «اللباب» (١/ ٦٠١، ٦٠٢)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٠٣)، و «ابن عابدين» (٥/ ٦٨٨)، و «المختصر الفقهي» (١٣/ ١٠٨)، و «الإشراف» (٣/ ٢٥٤)، و «الشرح الكبير» (٥/ ٤٩٠، ٤٩٥)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٧)، و «مواهب الجليل» (٨/ ١١)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٥)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١٠٤)، و «حاشية الصاوي» (٩/ ١٩٨)، و «البيان» (٨/ ١١٢، ١١٣)، و «الوسيط» (٥/ ٢٠٩)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٨٠، ١٨١)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٥٣٩)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٨٨)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٢٧١، ٢٧٢)، و «تحفة المحتاج» (٧/ ٥٦٣)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٦٥)، و «الديباج» (٢/ ٥٣٨)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٢٤٨، ٢٤٩)، و «المبدع» (٥/ ٣٦٢)، و «الإنصاف» (٧/ ١١٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٩٤، ٣٩٥)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٦٠)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٤٦)، و «الإفصاح» (٢/ ٥١).
وذهَبَ الحَنابِلةُ في الصَّحيحِ من المَذهبِ وابنُ الصَّباغِ من الشافِعيةِ إلى أنَّ الهِبةَ والهَديةَ وصَدقةَ التَّطوُّعِ لا تَفتقِرُ إلى الإِيجابِ والقَبولِ، بل إذا وُجدَ منه ما يَدلُّ على التَّمليكِ صَحَّ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يُهدى إليه فيَقبضُه ويَتصرفُ فيه، ولم يُنقلْ في شَيءٍ من ذلك أنَّ الرَّسولَ ﷺ أوجَبَ له، ولا أنَّه قبِلَ، وكذلك: (أهدَى إلى النَّجاشيِّ، وكانَ في أرضِ الحَبشةِ). وما نُقلَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمرَ بالإِيجابِ والقَبولِ، وكذلك الناسُ يَدفَعون صَدقاتِ التَّطوُّعِ فيَقبضُها المَدفوعُ إليهم، ويَتصرَّفونَ فيها من غيرِ إيجابٍ وقَبولٍ، ولم يُنكِرْ هذا مُنكرٌ، فدَلَّ على أنَّه إِجماعٌ.
فإنْ قيلَ: فهذه إِباحاتُ مالٍ. فالجَوابُ: أنَّ الناسَ أجمَعوا على تَسميةِ ذلك هِبةً وهَديةً وصَدقةً، ولأنَّ الإِباحةَ تَختصُّ بالمُباحِ له، وقد كانَ النَّبيُّ ﷺ إذا أُهديَ إليه شَيءٌ يُهديه إلى زَوجاتِه وغيرِهِنَّ، وقد أُهديَت له حُلةٌ فأَهداها لعلِيٍّ رضي الله عنه (١).
(١) «البيان» (٨/ ١١٣).
وقالَ الحَنابِلةُ: تَحصُلُ الهِبةُ بما يَتعارفُه الناسُ هِبةً من الإِيجابِ والقَبولِ والمُعاطاةِ المُقترنةِ بما يَدلُّ عليها، فالإِيجابُ أنْ يَقولَ: «وهَبتُك أو أهدَيتُ إليك أو مَلَّكتُك أو هذا لك»، ونَحوَه من الأَلفاظِ الدالةِ على هذا المَعنى، والقَبولُ أنْ يَقولَ: «قبِلتُ أو رَضيتُ» أو نحوَ هذا.
وتَصحُّ بالمُعاطاةِ المُقترنةِ بما يَدلُّ عليهما، وإنْ لم يَحصُلْ إيجابٌ أو قَبولٌ.
وذكَر القاضِي وأبو الخَطَّابِ أنَّ الهِبةَ والعَطيةَ لا بدَّ فيها من الإِيجابِ والقَبولِ، ولا تَصحُّ بدونِه سَواءٌ وُجدَ القَبضُ أو لم يُوجدْ.
والصَّحيحُ أنَّ المُعاطاةَ والأفعالَ الدالَّةَ على الإِيجابِ والقَبولِ كافيةٌ ولا تَحتاجُ إلى لَفظٍ، اختارَه ابنُ عَقيلٍ؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يُهدي ويُهدَى إليه، ويُعطي ويُعطَى، ويُفرِّقُ الصَّدقاتِ ويأمُرُ سُعاتَه بأخذِها وتَفريقِها، وكانَ أَصحابُه يَفعَلون ذلك، ولم يُنقَلْ عنهم في ذلك إيجابٌ ولا قَبولٌ ولا أمْرٌ به ولا تَعليمُه لأحدٍ، ولو كانَ ذلك شَرطًا لنُقلَ عنهم نَقلًا مُشتهَرًا، وقد كانَ ابنُ عُمرَ على بَعيرٍ لعُمرَ فقالَ النَّبيُّ ﷺ لعُمرَ «بِعنيه»، فقالَ: هو لك يا رَسولَ اللهِ. فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «هو لك يا عبدَ اللهِ بنَ عُمرَ فاصنَعْ به ما شِئتَ»، ولم يُنقلْ قَبولُ النَّبيِّ ﷺ من عُمرَ ولا قَبولُ ابنِ عُمرَ من النَّبيِّ ﷺ، ولو كانَ شَرطًا لفعَلَه النَّبيُّ ﷺ وعلَّمه ابنَ عُمرَ، ولم يَكنْ ليأمُرَه بأنْ يَصنعَ به ما شاءَ
قبلَ أنْ يَقبلَه، ورَوى أبو هُريرةَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ إذا أُتيَ بطَعامٍ سألَ عنه، فإنْ قالوا: «صَدقةٌ»، قالَ لأَصحابِه «كُلوا»، ولم يأكُلْ، وإنْ قالوا: «هَديةٌ»، ضرَبَ بيَدِه فأكَلَ معهم».
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولا خِلافَ بينَ العُلماءِ فيما علِمْنا في أنَّ تَقديمَ الطَّعامِ بينَ يَدَيِ الضِّيفانِ، والإذنَ في أكلِه أنَّ ذلك لا يَحتاجُ إلى إيجابٍ ولا قَبولٍ ولأنَّه وُجدَ ما يَدلُّ على التَّراضي بنَقلِ المِلكِ فاكتُفيَ به كما لو وُجدَ الإِيجابُ والقَبولُ.
قالَ ابنُ عَقيلٍ: إنَّما يُشترطُ الإِيجابُ مع الإطلاقِ وعَدمِ العُرفِ القائِمِ من المُعطي والمُعطَى؛ لأنَّه إذا لم يَكنْ عُرفٌ يَدلُّ على التَّراضي فلا بدَّ من قَولٍ دالٍّ عليه، أمَّا مع قَرائنِ الأحوالِ والدَّلائلِ فلا وَجهَ لتَوقُّفِه على اللَّفظِ، ألَا تَرى أنَّا اكتَفَينا بالمُعاطاةِ في البَيعِ واكتَفَينا بدِلالةِ الحالِ في دُخولِ الحَمَّامِ وهو إجارةٌ وبَيعُ أَعيانٍ؟! فإذا اكتَفَينا في المُعاوضاتِ مع تأكُّدِها بدِلالةِ الحالِ؛ فإنَّها تَنقُلُ المِلكَ من الجانبَينِ فلَأنْ نَكتفيَ بها في الهِبةِ أَولى.
وأمَّا النِّكاحُ فإنَّه يُشترطُ فيه ما لا يُشترطُ في غيرِه من الإشهادِ، ولا يَقعُ إلا قَليلًا فلا يَشقُّ اشتِراطُ الإِيجابِ والقَبولِ فيه بخِلافِ الهِبةِ (١).
(١) «المغني» (٥/ ٣٨٢)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٢٤٨، ٢٤٩)، و «المبدع» (٥/ ٣٦٢)، و «الإنصاف» (٧/ ١١٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٩٤، ٣٩٥)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٦٠)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٤٦).
ارجع إلى الأوقاف والملكية للاطلاع على جميع الأبواب.